← Общие книги

Общие книги · id 13682

حصان طروادة الغارة الفكرية على الديار السنية

عمرو كامل عمر

Полный текст (646 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وكان من حب علي لعمر وعثمان ﵃ أنه سمى اثنين من أبنائه باسمهما، فيقول المفيد (١): «فأولاد أمير المؤمنين صلوات الله عليه سبعة وعشرون ولدًا ذكرًا وأنثى: (١) الحسن (٢) الحسين ... (٦) عمر، وأمه أم حبيب بنت ربيعة ... (١٠) عثمان، وأمه أم البنين بنت حزام بن خالد بن دارم». وأكثر من هذا أن عليًا ﵁ كان يؤمن بأن عمر من أهل الجنة لما سمعه من لسان الرسول ﷺ الصادق الأمين، ولأجل ذلك كان يتمنى بأن يلقى الله بالأعمال التي عملها الفاروق عمر ﵁ في حياته، كما روى ذلك الشريف المرتضى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: «لما غسِّل عمر وكفِّن دخل علي ﵇ فقال: ما على الأرض أحد أحب إليّ أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى (٢) بين أظهركم» (٣). وأورد ابن أبي الحديد أن الفاروق لما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي الفارسي دخل عليه ابنا عم رسول الله ﷺ عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب ﵄، فقال ابن عباس: «فسمعنا صوت أم كلثوم [بنت علي]: وا عمراه، وكان معها نسوة يبكين فارتج البيت بكاء، فقال عمر: ويل أم عمر إن الله لم يغفر له! فقلت: والله إني لأرجو ألا تراها إلا مقدار ما قال الله تعالى ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٤)، إن كنت - ما علمنا - لأمير المؤمنين وسيد المسلمين تقضي بالكتاب وتقسم بالسوية. فأعجبه قولي فاستوى جالسًا فقال أتشهد لي بهذا يا بن عباس؟ فكععت - أي جبنت - فضرب علي ﵇ بين كتفي وقال: أشهد» (٥)، ثم يقول ابن أبي الحديد (٦): «وفي رواية: لِمَ تجزع يا أمير المؤمنين؟ فوالله لقد كان إسلامك عزًا وإمارتك فتحًا ولقد ملأت الأرض عدلًا، فقال [أي عمر]: أتشهد لي بذلك يا بن عباس؟ قال: فكأنه كره الشهادة فتوقف، فقال له علي ﵇: قُل نعم، وأنا معك، فقال: نعم».

стр. 597

بل ويذكر ابن أبي الحديد أنه لما قُتل عثمان ﵁ «خرج به ناس يسير من أهله، ومعهم الحسن بن علي وابن الزبير وأبو جهم بن حذيفة بين المغرب والعشاء، فأتوا به حائطًا من حيطان المدينة يعرف بحش كوكب وهو خارج البقيع فصلوا عليه» (١). وفي المقابل، انظر ما تذكره كتب الرافضة عن إجلال عمر ﵁ وتقديره لآل البيت، فينقل الطوسي (٢) والمجلسي (٣) عن علي بن الحسين عن أبيه ﵈ قال: «قال عمر بن الخطاب: عيادة بني هاشم سنة وزيارتهم نافلة»، وقد ذكر محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري، الفقيه الشافعي (٦١٥ - ٦٩٤هـ) (٤)، أنه لما مرض الحسن بن علي ﵁ قال عمر بن الخطاب للزبير بن العوام ﵄: «هل لك في أن تعود الحسن بن علي ﵄ فإنه مريض؟ فكأن الزبير تلكأ عليه فقال له عمر: أما علمت أن عيادة بني هاشم فريضة وزيارتهم نافلة» (٥). بل من إكرامه وتقديره لآل البيت ﵃ «أمر عمر الحسين بن علي ﵇ أن يأتيه في بعض الحاجة، فلقي الحسين ﵇ من عبد الله بن عمر فسأله من أين جاء، قال: استأذنت على أبي فلم يأذن لي، فرجع الحسين ولقيه عمر من الغد، فقال: ما منعك يا حسين أن تأتيني؟ قال: قد أتيتك ولكن أخبرني ابنك عبد الله أنه لم يؤذن له عليك فرجعت، فقال عمر: وأنت عندي مثله! وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم!» (٦). وماذا عن باقي الأئمة آل البيت ﵏ ؟؟ فهذا الإمام الحسن العسكري يذكر في تفسيره قول رب العزة ﷻ

стр. 598

- لموسى ﵇ (١): «يا موسى أما علمت أن فضل صحابة محمد صلى الله عليه وآله على جميع صحابة المرسلين كفضل آل محمد على جميع آل النبيين وكفضل محمد على جميع المرسلين»، ويذكر كذلك قول الرب (٢): «وإن رجلًا ممن يبغض آل محمد وأصحابه الخيرين أو واحدًا منهم لعذبه الله عذابًا لو قسِّم على مثل عدد ما خلق الله لأهلكهم أجمعين». ويروي الطبرسي عن الإمام الباقر قوله: «ولست بمنكر فضل أبي بكر» (٣)، وقوله كذلك: «لست بمنكر فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر» (٤). ويروي الكليني عن جعفر الصادق رواية طويلة يبين فيها أن منزلة الصديق أبي بكر ﵁ في الزهد هي المنزلة الأولى في الأمة بعد نبيها ﷺ ، وبعده يأتي أبو ذر وسلمان ﵃ أجمعين، فيقول: «... ثم علَّم الله نبيه صلى الله عليه وآله كيف ينفق ...» ويذكر لذلك مثالًا، ثم يقول: «فهذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله يصدقها الكتاب والكتاب يصدقه أهله من المؤمنين. وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له: أوص، فقال: أوصي بالخمس والخمس كثير، فإن الله تعالى قد رضي بالخمس، فأوصى بالخمس ... ثم من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان وأبو ذر ﵄» (٥). وروى العياشي في تفسيره (٦) وعنه نقل المجلسي في بحاره فيما سماه (كتاب السماء والعالم) (٧) عن الإمام الباقر أن رسول الله ﷺ دعا فقال: «اللهم أعز الإسلام بعمر بن

стр. 599

الخطاب أو بأبي جهل بن هشام»، إلا أنهما ذكرا قوله ﷺ في سياق حديثهما عن سبب نزول قول الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (١)! ويبين الإمام جعفر ﵀ مقام عثمان بن عفان ﵁ عند رسول الله ﷺ وثقته فيه ونيابته عنه، وإخلاص عثمان ﵁ للنبي ﷺ والوفاء له والاتباع له، كما يبين إحدى الميزات التي امتاز بها عثمان دون غيره، وهي جعل رسول الله ﷺ إحدى يديه لعثمان، وبيعته بنفسه عنه، وذلك فيما رواه عن صلح الحديبية، حيث ينقل عنه الكليني قوله: «فقال [أي رسول الله ﷺ إلى عثمان ﵁]: انطلق إلى قومك من المؤمنين فبشرهم بما وعدني ربي من فتح مكة، فلما انطلق عثمان لقي أبان بن سعيد فتأخر عن السرح، فحمل عثمان بين يديه ودخل عثمان فأعلمهم وكانت المناوشة، فجلس سهيل بن عمرو عند رسول الله صلى الله عليه وآله، وجلس عثمان في عسكر المشركين، وبايع رسول الله صلى الله عليه وآله المسلمين وضرب بإحدى يديه على الأخرى لعثمان، وقال المسلمون: طوبى لعثمان قد طاف بالبيت وسعى بالصفا والمروة وأحَل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كان ليفعل، فلما جاء عثمان قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أطُفت بالبيت؟ فقال: ما كنت لأطوف بالبيت ورسول الله صلى الله عليه وآله لم يطف به، ثم ذكر القصة وما كان فيها» (٢). وغير ذلك الكثير (٣)، فهل يقال بعد ذلك أن هذه الأقوال وغيرها خرجت مخرج التقية؟! وليت شعري، ممَّ يتقي أئمة آل البيت الأطهار الأبطال الشجعان؟! ﵃ ورحمهم. بل أنتم الناصبة ! عندما تقرأ في كتب الشيعة المعتبرة، فإنك تعجب من أهل البيت ﵃ على كثرة ما لقوه من أذى من أهل الكوفة وعلى عظيم صبرهم على أهل الكوفة على خيانتهم لهم

стр. 600

وغدرهم بهم وقتلهم لهم وسلبهم أموالهم، وصبر أهل البيت على هذا كله، ومع هذا يُلقَى باللائمة على أهل السنة ويحمَّلون المسئولية! واقرأ معي هذه النصوص: روى الكليني عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «لو ميزت شيعتي لم أجدهم إلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد» (١). ويُروى عنه أيضًا أنه قال: «يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة جرت والله ندمًا وأعقبت صدمًا .. قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحًا، وشحنتم صدري غيظًا، وجرعتموني نغب التهام أنفاسًا، وأفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب، ولكن لا رأي لمن لا يُطاع» (٢). ورووا عن الحسن ﵁ أنه قال: «أرى والله معاوية خيرًا لي من هؤلاء يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي، وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهدًا أحقن به من دمي، وآمن به في أهلي، خير من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوا بي إليه سلمًا، والله لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير» (٣). وروى الطبرسي عن الإمام زين العابدين أنه قال لأهل الكوفة: «هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة؟ قاتلتموه وخذلتموه، فتبًا لكم لما قدمتم لأنفسكم وسوء لرأيكم، بأي عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول لكم: قاتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أمتي» (٤).

стр. 601

وكذلك روى عن فاطمة الصغرى أنها قالت في خطبة لها إلى أهل الكوفة: «يا أهل الكوفة، يا أهل الغدر والمكر والخيلاء، إنا أهل البيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا فجعل بلاءنا حسنًا ... فكفرتمونا وكذبتمونا ورأيتم قتالنا حلالًا وأموالنا نهبًا ... كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد منقدم ... تبًا لكم فانتظروا اللعنة والعذاب فكأن قد حل بكم، وتواترت من السماء نقمات فيسحتكم بما كسبتم، ويذيق بعضكم بأس بعض، ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين ... تبًا لكم يا أهل الكوفة، كم تراث لرسول الله صلى الله عليه وآله قبلكم، ثم غدرتم بأخيه علي بن أبي طالب وجدي، وبنيه عترة النبي الطيبين الأخيار»، وافتخر بذلك مفتخر فقال: «نحن قتلنا عليًا وبني علي بسيوف هندية ورماحِ، وسبينا نساءهم سبي تركٍ ونطحناهمُ فأيُّ نطاحِ»! (١). فكان الله في عونكم يا أهل البيت على ما لقيتم من شيعتكم! ... موافقة الرافضة اليهود في استباحة دم المخالف: لقد وافق الرافضة اليهود في استباحة دم المخالف، حيث قال اليهود في تلمودهم: «كل من يسفك دم شخص غير تقي (٢)، عمله مقبول عند الله، كمن يقدِّم قربانًا إليه» (٣). وروى الرافضة في كتبهم عن أبي عبد الله ﵇ أنه سُئِل: «ما تقول في قتل الناصبي؟ فقال: حلال الدم، ولكني أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطًا أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد عليك فافعل» (٤).

стр. 602

وقال الجزائري (١): «وفي الروايات أن علي بن يقطين - وهو وزير الرشيد - قد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين (٢) وكان من خواص الشيعة، فأمر غلمانه وهدُّوا سقف المحبس على المحبوسين فماتوا كلهم، وكانوا خمسمائة رجل تقريبًا، فأراد الخلاص من تبعات دمائهم، فأرسل إلى الإمام مولانا الكاظم ﵇، فكتب إليه جواب كتابه: "بأنك لو كنت تقدمت إليّ قبل قتلهم لما كان عليك شيء من دمائهم، وحيث أنك لم تتقدم إليّ فكفِّر عن كل رجل قتلته منهم بتيس، والتيس خير منه" ... فانظر إلى هذه الدية الجزيلة التي لا تعادل دية أخيهم الأصغر وهو كلب الصيد، فإن ديته عشرون درهمًا، ولا دية أخيهم الأكبر وهو اليهودي أو المجوسي، فإنها ثمانمائة درهم، وحالهم في الآخرة أخسّ وأنجس» اهـ. ولقد صار من المعلوم من التاريخ بالضرورة ذلك الاضطهاد الواقع على أهل السنة في إيران (٣)، فضلًا عن عمليات التشريد والقتل والتعذيب المنهجي لأهل السنة في العراق، ولا أفصح من الوثائق الخطيرة التي سربها الصحافي الأسترالي چوليان أسانچ Julian Assange في ٢٢/ ١٠/٢٠١٠م عبر موقعه (ويكيليكس WikiLeaks) عن حرب العراق، والتي قدر عددها بـ ٣٩١.٨٣٢ تقريرًا حفظت باسم (سجلات حرب العراق The Iraq War Logs)، والتي كشفت التواطؤ الأمريكي مع حكومة نوري المالكي الرافضية الموالية لإيران. ولقد غطت هذه الوثائق الفترة من ١/ ١/٢٠٠٤ إلى ٣١/ ١٢/٢٠٠٩م (عدا شهري مايو ٢٠٠٤ ومارس ٢٠٠٩م)، وقدر من خلالها عدد القتلى العراقيين بنحو ١٠٩.٠٣٢ قتيلًا (مقارنة بـ ٢٠.٠٠٠ قتيل في حرب أفغانستان)، بلغ عدد المدنيين منهم ٦٦.٠٠٠ أي ما يزيد على ٦٠% من إجمالي القتلى، بمعدل ٣١ قتيل مدني في اليوم خلال السنوات الست المحصورة (٤). وكان من بين تلك الجرائم البشعة ما نقلته (مفكرة الإسلام) في ربيع الأول من

стр. 603

عام ١٤٢٧هـ (أي مزامنة مع احتفال الرافضة بعيد بابا شجاع، قاتل عمر بن الخطاب ﵁)، تحت عنوان: (عمر، أكثر الأسماء المطلوبة للقتل في العراق!)، حيث قال الخبر: «ارتفع عدد العراقيين السنة الذين قتلوا على أيدي الميليشيات الشيعية ممن يحملون اسم (عمر) إلى ١٢٢ شخصًا بعد مقتل طالب في كلية الصيدلة اسمه عمر عبد العزيز على أيدي ميليشيات شيعية بعد اختطافه من أمام باب كلية الصيدلة والواقعة في حي اليرموك حيث وجد قتيلًا بعد تعذيبه في إحدى مكبات النفايات. ونقل مراسلنا في بغداد عن الطبيب عبد الصمد حميد من دائرة الطب العدلي في بغداد قوله: إن عدد السنة الذين قتلوا منذ أحداث سامراء وحتى الأسبوع الماضي ممن يحملون اسم عمر بلغ ١٢٢ شخص. وأضاف أن ما نشره الإعلام الغربي قبل أيام من أن أربعة عشر شخص أسماؤهم عمر قتلوا هو كلام صحيح، لكن الذي لا يعرفه الناس أن الأربعة عشر هؤلاء هم وجبة واحدة فقط تم قتلهم في وقت واحد!!» (١). والأمر كما كنا نراه - ولا يزال - يقع تحت مرأى ومسمع المجتمع الدولي، ولكن

стр. 604

دون أن يحرك له مسئول ساكنًا، إلا من رحم الله! الأمر الذي أثار حفيظة الصحافي البارز پيتر بومونت وجعله يصدِّر مقالته الجريئة في صحيفة (الجارديان) بعنوان: (سجلات حرب العراق: الجرائم لم تكن سرية ولكن مسكوت عنها)، وكان مما قاله فيها (١): «إن أكثر ما يشعرك بالصدمة فيما يتعلق بالمعلومات التي تم الكشف عنها في الدفعة الحالية من السجلات المتسربة الخاصة بحرب العراق هو أن معظم ممارسات التعذيب والقتل ارتكبت في العلن، ولم تكن سرًا، ولكن تم التغاضي عنها وحذف تفاصيلها بل وتبريرها ... وصحيح أن الأمور عندما تصبح أحيانًا محرجة للغاية - وواضحة جدًا - ربما يتم عزل أحد قادة الشرطة المحليين أو يتم إعادة تنظيم لمسئولي الوزارة. لكن عمليات القتل لا تتوقف. وقد كانت هناك حجة جديدة وهي: تسلل عناصر شيعية متطرفة للشرطة؛ وهو ما كان صحيحًا إلى حد ما فيما عدا أنه لم يكن تسللًا بالمعنى الحقيقي، بل هو بالأحرى تحالف في عدد من الأماكن: تزامن مع مصلحة طائفية ... أما في عام ٢٠٠٧م، كنت قد ألحقت بوحدة عسكرية أمريكية في العاصمة بغداد مكلفة بملاحقة بعض العناصر الميليشية الشيعية المشتبه في مهاجمتها لأهل السنة. وكانت القواعد حينئذ تتطلب وجود حامية مرافقة من الشرطة العراقية. ووجد قائد الشرطة على مدى أكثر من ساعة أعذارًا ليحول دون بدء المداهمة. وكان الجميع يعرف أن العناصر المستهدفة قد تم تحذيرها من قبل الشرطة نفسها، أو تناهى إليها شك في ذلك على الأقل. لكن شيئًا لم يحدث فيما عدا بعض الهمهمة في الوقت الضائع. وهذا يجعلني غاضبًا عندما أسمع في الوقت الحالي مسئولين أمميين (٢) وسياسيين، بعد هذه التسريبات، يدعون إلى إجراء تحقيقات. نعم هناك أشياء لم نكن نعرفها: بشأن الأوامر الأمريكية بعدم التحقيق في ادعاءات القتل والتعذيب؛ وهو دليل التواطؤ. ونعم صحيح أن التحقيق ضرورة حاسمة. ولكن لماذا الآن، وليس آنذاك؟ لمن في العراق لم يعرف عن عمليات القتل والتعذيب؟ وعن فرق الموت التابعة للشرطة؟ وعن شيء لم يحدث قط

стр. 605

من أجل وقفها عندما كان لدينا الفرصة؟ إذن لنجري التحقيقات بكل وسيلة، ولكن فات الأوان» اهـ. فهل يقال بعد هذا إن هذه الطائفية هي ميراث تاريخي قد اندثر ولم يعد له وجود إلا في بطون بعض الكتب الصفراء؟! (١). ... عقيدة الرجعة: كان مما تسرب إلى الشيعة الإمامية عن طريق عقائد (الهندوسية/البرهمية) (٢) واليهودية كذلك فيما يتصل بالقول بالتناسخ، القول بالرجعة، مع الفارق أن الرجعة تعود إلى الجسم، أي أن الشخص نفسه جسمًا وروحًا يعود للحياة بعد الموت (٣). ويحاول الرافضة - كالعادة - التبرؤ من تهمة القول بالتناسخ، حتى عقد إمامهم المجلسي في المجلد الرابع من بحاره بابًا بعنوان: (إبطال التناسخ)، ولكن شيخهم حسن الحائري الإحقاقي (١٣١٨ - ١٤٢١هـ) قد أحبط هذه المحاولات بقوله في كتابه (الدين بين السائل والمجيب) ما نصه (٤): «... وأما إذا كانت النفس اللاهوتية، فهي التي تنتقل من معصوم إلى معصوم، بعد وفاة كل منهم، وهي الملك المسدد الذي جاء في أخبارنا.

стр. 606

وفي بعض الروايات تتجسم كالزبدة على شفتي الإمام بعد وفاته، فيتناولها الإمام من بعده بفمه ويأكلها. وفي بعضها: تتجسم كعصفور فيبلعها وصيهُ والإمام من بعده، كما جرى ذلك بين الإمامين الرضا والجواد ﵉» اهـ. والرجعة تُعَد من أصول الدين عند الإمامية، بل ومن أشهر عقائدهم التي بيَّنها علماؤهم في كتبهم القديمة والحديثة، وهي من ضروريات مذهبهم؛ يعرِّفها محمد بن رضا المظفر بقوله (١): «إن الذي تذهب إليه الإمامية - أخذًا بما جاء عن آل البيت ﵈ أن الله تعالى يعيد قومًا من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعزّ فريقًا ويذلّ فريقًا آخر، ويديل المحقين من المبطلين، والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام. ولا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان، أو من بلغ الغاية في الفساد، ثم يصيرون بعد ذلك إلى الموت، ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من الثواب أو العقاب، كما حكى الله تعالى في قرآنه الكريم تمنّي هؤلاء المرتجعين - الذين لم يصلحوا بالارتجاع فنالوا مقت الله - أن يخرجوا ثالثًا لعلهم يصلحون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ (٢)» اهـ. ولقد استدلوا على قولهم بالرجعة بقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٣)، فقالوا: إن المراد من العباد الصالحين إنما هو القائم وأصحابه (٤). من الراجعون ؟ قالوا: «من حصيلة مجموع الروايات الواردة في هذا الباب نلاحظ أنها تنص على رجعة رسول الله ﵌، وأمير المؤمنين (٥) ﵇، والإمام الحسين ﵇ (٦)، وكذلك باقي

стр. 607

الأئمة والأنبياء ﵈ (١). وتنص كذلك على رجعة عدد من أنصار الإمام المهدي ﵇ ووزرائه (٢)، وبعض أصحاب الأئمة وشيعتهم، ورجعة الشهداء والمؤمنين (٣)، ومن جانب آخر تنص على رجعة الظالمين وأعداء الله ورسوله وأهل بيته ﵈ (٤)، وخصوم الأنبياء والمؤمنين، ومحاربي الحق والمنافقين (٥)» اهـ (٦). قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ (٧)، فما قولهم في دابة الأرض؟ يقول القمي في تفسيره (٨): «حدثني أبي عن أبي عمير عن أبي بصير عن أبي عبد الله ﵇ قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أمير المؤمنين ﵇ وهو نائم في المسجد قد جمع رملًا ووضع رأسه عليه، فحركه برجله ثم قال له: قم يا دابة الله (!)، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، أيسمي بعضنا بعضًا بهذا الاسم؟ فقال: لا، والله ما هو إلا له خاصة، وهو الدابة التي ذكر الله في كتابه - ثم تلا الآية -، ثم قال: يا علي، إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة ومعك ميسم تسم به أعداءك ... والدليل على أن هذا في الرجعة قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩)، قال: الآيات أمير المؤمنين والأئمة ﵈.

стр. 608

فقال الرجل لأبي عبد الله ﵇: إن العامة [أي أهل السنة] تزعم أن قوله ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ عني به يوم القيامة، فقال أبو عبد الله ﵇: أفيحشر الله من كل أمة فوجًا ويدع الباقين؟ لا، ولكنه في الرجعة، وأما آية القيامة فهي: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (١)» اهـ. وما مهام المهدي الراجع ؟ قالوا: إن المهدي حينما يرجع يقوم بالمهام التالية: - يهدم الحجرة النبوية ويصلب الشيخين أبا بكر وعمر ﵄: روى المجلسي: «وأجيء إلى يثرب، فأهدم الحجرة (٢)، وأُخرِج من بها وهما طريان (٣)، فآمر بهما تجاه البقيع، وآمر بخشبتين يُصلبان عليهما، فتورِقان من تحتهما، فيفتتن الناس بهما أشد من الأولى، فينادي منادي الفتنة من السماء يا سماء انبذي، ويا أرض خذي، فيومئذ لا يبقى على وجه الأرض إلا مؤمن» (٤). - يأتي بأمر جديد وكتاب جديد، ويقتل العرب ويهدم المسجد الحرام: روى النعماني عن أبي عبد الله أنه قال: «إذا خرج يقوم بأمر جديد، وكتاب جديد، وسنة جديدة، وقضاء جديد، على العرب شديد، وليس شأنه إلا القتل، ولا يستبقي أحدًا، ولا تأخذه في الله لومة لائم» (٥)، وروى عن زرارة أنه قال: «قلت له [أي لأبي عبد الله]: أيسير بسيرة محمد صلى الله عليه وآله؟ قال: هيهات هيهات يا زرارة، ما يسير بسيرته، قلت: جعلت فداك، لم؟ قال: إن رسول الله ﷺ سار في أمَّته بالمَنّ، كان يتألَّف الناس، والقائم يسير بالقتل، بذاك أمر في الكتاب الذي معه أن يسير بالقتل ولا يستتيب أحدًا، ويل لمن ناواه» (٦). وروى المجلسي أن المهدي يسير في العرب بما في الجفر الأحمر،

стр. 609

وهو الذبح (١)، وروى أيضًا: «ما بقي بيننا وبين العرب إلا الذبح» (٢)، وروى عن أبي عبد الله: «أن القائم يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه ومسجد الرسول ﷺ إلى أساسه، ويرد البيت إلى موضعه وأقامه على أساسه، وقطع أيدي بني شيبة السُرَّاق وعلقها على الكعبة» (٣). - يحكم بحكم داود وسليمان ولا يسأل بينة: لما رواه الكليني عن أبي عبد الله قوله: «إذا قام قائم آل محمد ﵇ حكم بحكم داود وسليمان لا يسأل بينة» (٤). - يقيم الحد على أم المؤمنين عائشة ﵂: روى المجلسي عن عبد الرحمن القصير عن أبي جعفر ﵇ أنه قال: «أما لو قد قام قائمنا لقد رُدت إليه الحميراء، حتى يجلِدَها الحد، وحتى ينتقم لابنة محمد فاطمة ﵍ منها» (٥). والحميراء: تصغير الحمراء، وهي عائشة أم المؤمنين ﵂، بدليل ما رواه المجلسي عن عيينة بن حصن أنه دخل على النبي صلى الله عليه وآله وقال له: «من هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذه عائشة أم المؤمنين» (٦). ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (٧). ... إباحة الرافضة زواج المتعة: لقد أباح الرافضة لأنفسهم زواج المتعة، واستغلوه أبشع استغلال، وأهينت المرأة شر

стр. 610

إهانة، وصار الكثيرون يشبعون رغباتهم الجنسية تحت ستار المتعة وباسم الدين، محتجين بقول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١). فيقول الطوسي في تفسيره لقول الله تعالى ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ (٢): «هو المتعة إلى أجل مسمى، وهو مذهبنا»، ويقول العياشي في تفسيره (٣): «وهؤلاء [أي أهل السنة] يكفرون بها ورسول الله ﷺ أحلها ولم يحرمها» اهـ. يقول الحافظ ابن كثير ﵀ (٤): «وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعًا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك ... وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك، والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ...». ويقول شاه عبد العزيز الدهلوي (٥): «فقطع هذه الآية عما قبلها (٦) وحملها على الاستئناف باطل صريح باعتبار العربية، لأن الفاء تأبى القطع والابتداء، بل تجعل ما بعدها مربوطًا بما قبلها. وما يروون أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان يقرأ هذه الآية مع ضم (إلى أجل) بعد (منهن) فغير صحيح، لأن هذه الرواية لم توجد في كتاب من كتب أهل السنة المعتبرة، ولو سلمنا ثبوتها في قراءة منسوخة فهي لا تستعمل في إثبات الأحكام مع كون القراءة المشهورة المتواترة تخالفها» اهـ.

стр. 611

من أدلة تحريم المتعة: - ما رواه البخاري بسنده عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل الحُمُر الإنسية (١). - وقال ﷺ : «يا أيها الناس، إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء. وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله. ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» (٢). - وقال ﷺ : «يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» (٣)، فأرشد الرسول ﷺ هنا الذين لا يستطيعون الزواج إلى الصوم، ولم يرشدهم إلى المتعة. أيضًا، فلقد وردت نصوص في كتب الشيعة في إثبات تحريم المتعة، منها: - ما رواه المجلسي عن عبد الله بن سنان قال: «سألت أبا عبد الله ﵇ عن المتعة فقال: لا تدنس نفسك بها» (٤). - وروى عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله ﵇ قال: «ما تفعلها عندنا إلا الفواجر» (٥). - وروى الكليني عن الحكم بن مسكين عن عمار قال: «قال أبو عبد الله ﵇ لي ولسليمان بن خالد: قد حرمت عليكما المتعة» (٦). - ولم يُنقَل أن أحدًا تمتع بامرأة من أهل البيت ﵈، فلو كان حلالًا لفعلن، ويؤيد ذلك أن عبد الله بن عمير قال لأبي جعفر ﵇: «يسرك أن نساءك وبناتك وأخواتك

стр. 612

وبنات عمك يفعلن؟ قال: فأعرض عنه أبو جعفر ﵇ حين ذكر نساءه وبنات عمه» (١). وعلى الرغم من وضوح أدلة التحريم وتعددها، أورد الشيعة روايات في الترغيب في المتعة، وحددوا أو رتبوا عليها الثواب وعلى تاركها العقاب، بل اعتبروا كل من لم يعمل بها ليس مسلمًا، واقرأ معي هذه النصوص: - رووا عن أبي جعفر أنه قال: «إن النبي ﷺ لما أسري به إلى السماء قال: لحقني جبرئيل ﵇ فقال: يا محمد، إن الله ﵎ يقول: إني قد غفرت للمتمتعين من أمَّتك من النساء» (٢). - وعن الصادق قال: «ليس منَّا من لم يؤمن بكرتنا ويستحل متعتنا» (٣). - وقيل لأبي عبد الله: هل للمتمتع ثواب؟ قال: «إن كان يريد بذلك وجه الله وخلافًا على من أنكرها لم يكلمها كلمة إلا كتب الله له بها حسنة، ولم يمد يده إليها إلا كتب الله له حسنة، فإن دنا منها غفر الله له بذلك ذنبًا، فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مر من الماء على شعره» (٤). - ورووا عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال: «أيها الناس، إن الله ﵎ أحل لكم الفروج على ثلاثة معان: فرج موروث وهو البتات (٥)، وفرج غير موروث وهو المتعة، وملك أيمانكم» (٦). - وعن بكر بن محمد عن أبي عبد الله قال: «سألته عن المتعة فقال: إني لأكره للرجل المسلم أن يخرج عن الدنيا وقد بقيت خلة من خلال رسول الله ﷺ لم يقضها» (٧).

стр. 613

- وروى المجلسي عن أمير المؤمنين ﵇ أنه قال: «لعن الله ابن الخطاب فلولاه ما زنى إلا شقي أو شقية، لأنه كان يكون للمسلمين غناء في المتعة عن الزنا، ثم تلا: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾» (١). وقد أجازوا التمتع بالعذارى والأبكار بدون أخذ الموافقة من وليها، بشرط أن لا يحاول فض بكارتها، روى الكليني عن محمد بن أبي حمزة، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ﵇، قال في البكر يتزوجها الرجل متعة؟: «لا بأس، ما لم يفتضَّها» (٢)، وعن زياد بن أبي الحلال قال: «سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: لا بأس أن يتمتع بالبكر ما لم يُفْض إليها كراهية العيب على أهلها» (٣)، ويقول الخميني في فتاواه (٤): «لا يجوز وطأ الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دوامًا كان النكاح أو منقطعًا، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة» اهـ. ولم يقتصر الأمر عندهم على تحليل المتعة، بل أباحوا كذلك إتيان النساء فيما دون الفرج، ورووا في ذلك روايات، منها: - ما رواه الطوسي عن عبد الله بن أبي اليعفور أنه قال: «سألت أبا عبد الله ﵇ عن الرجل يأتي المرأة من دبرها قال: لا بأس إذا رضيت، قلت: فأين قول الله تعالى: ﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٥) فقال: هذا في طلب الولد، فاطلبوا الولد من حيث أمركم الله، إن الله تعالى يقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾» (٦).

стр. 614

- وعنه أيضًا قال: «سألت أبا عبد الله ﵇ عن الرجل يأتي المرأة في دبرها، قال: لا بأس به» (١). - وعن موسى بن عبد الملك عن رجل قال: «سألت أبا الحسن الرضا ﵇ عن إتيان الرجل المرأة من خلفها في دبرها فقال: أحلتها آية من كتاب الله، قول لوط ﵇: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (٢)، فقد علم أنهم لا يريدون الفرج» (٣). - وقال الخميني: «المشهور الأقوى جواز وطء الزوجة دبرًا على كراهية شديدة، والأحوط تركها خصوصًا مع عدم رضاها» اهـ (٤). سبحانك هذا بهتانٌ عظيم، فأين هؤلاء من قول رسول الله ﷺ : «لا ينظر الله إلى رجل يأتي امرأته في دبرها» (٥)، وقوله: «ملعون من أتى امرأة في دبرها» (٦)، وقوله ﷺ : «من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» (٧). قال السعدي ﵀ في تفسير قول الله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٨): «مقبلة ومدبرة، غير أنه لا يكون إلا في القُبُل، لكونه موضع الحرث، وهو الموضع الذي يكون منه الولد. وفيه دليل على تحريم الوطأ في الدُبُر، لأن الله لم يبح إتيان المرأة إلا في الموضع الذي منه الحرث، وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي ﷺ في تحريم ذلك ولعن فاعله» اهـ. ...

стр. 615

نظرية الخُمس: قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ﴾ (١). قال ابن كثير (٢): «يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصًا لهذه الأمة الشريفة من بين سائر الأمم المتقدمة بإحلال الغنائم. والغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب». وقال ابن قدامة (٥٤١ - ٦٢٠هـ) (٣): «الغنيمة هي ما أُخِذَ من الكفار قهرًا بالقتال، واشتقاقها من الغُنْم». وقال ابن تيمية (٤): «مال المغانم لمن شهد الوقعة، إلا الخمس فإن مصرفه ما ذكر الله في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ﴾، والمغانم ما أُخِذَ من الكفار بالقتال. فهذه المغانم وخمسها». وقال ﵀ (٥): «كان المال إذا أضيف إلى الله ورسوله، فالمراد به ما يجب أن يصرف في طاعة الله ورسوله، ليس المراد به أنه ملك للرسول، كما ظنه طائفة من الفقهاء، ولا المراد به كونه مملوكًا لله خلقًا وقدرًا، فإن جميع الأموال بهذه المثابة». ويقول ابن قدامة (٦): «وسهم الله والرسول واحد، كذا قال عطاء والشعبي، وقال الحسن بن محمد بن الحنفية وغيره، وقوله: ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ افتتاح كلام: يعني أن ذكر الله تعالى لافتتاح الكلام باسمه تبركًا به لا لإفراده بسهم، فإن لله تعالى الدنيا والآخرة».

стр. 616

ويقول السعدي (١): «وأما هذا الخمس، فيُقَسَّم خمسة أسهم، سهم لله ورسوله: ويصرف في مصالح المسلمين العامة، من غير تعيين لمصلحة، لأن الله جعله له ولرسوله، والله ورسوله غنيان عنه، فعلم أنه لعباد الله، فإذا لم يعين الله له مصرفًا، دل على أن مصرفه للمصالح العامة» اهـ. الخمس عند الرافضة: يقول القُمِّي (٢): «قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ وهو الإمام، ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، فهم أيتام آل محمد خاصة، ومساكينهم، وأبناء سبيلهم خاصة، فمن الغنيمة يخرج الخمس ويقسم على ستة أسهم: سهم الله، وسهم لرسول الله، وسهم للإمام، فسهم الله وسهم رسول الله يرثه الإمام ﵇ فيكون للإمام ثلاثة أسهم من ستة، وثلاثة أسهم لأيتام آل محمد الرسول ومساكينهم وأبناء سبيلهم. إنما صارت للإمام وحده من الخمس ثلاثة أسهم لأن الله قد ألزمه ما ألزم النبي من تربية الأيتام ومؤن المسلمين وقضاء ديونهم وحملهم في الحج والجهاد، وذلك قول رسول الله ﵌ لما أنزل الله عليه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٣). http://www.fnoor.com/fn٠٩٤١.htm - _ftn٢ وهو أب لهم، فلما جعله الله أبًا للمؤمنين لزمه ما يلزم الوالد للولد فقال عند ذلك: من ترك مال فلورثته، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فعلى الوالي، فلزم الإمام ما لزم الرسول، فلذلك صار له من الخمس ثلاثة أسهم». http://www.fnoor.com/fn٠٩٤١.htm - _ftn٣ ويقول الطوسي (٤): «الغنيمة ما أخذ من أموال أهل الحرب من الكفار بقتال، وهي هبة من الله تعالى للمسلمين»، وقال: «وهي تقسم عندنا ستة أقسام: فسهم لله، وسهم لرسول الله، وهذان السهمان مع سهم ذوي القربى للقائم مقام النبي ﵌ ينفقها على نفسه وأهل بيته من بني هاشم»، وقال: «والذين يستحقون الخمس عندنا من كان من ولد عبد المطلب. وعند أصحابنا الخمس يجب في كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب

стр. 617

وأرباح التجارات والكنوز والمعادن والغوص وغير ذلك. ويمكن الاستدلال على ذلك بهذه الآية، لأن جميع ذلك يسمى غنيمة». ويقول الفيض الكاشاني (١): «﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾: قيل أي الذي أخذتموه من الكفار قهرًا، وفي الكافي عن الصادق ﵇: "هي والله الإفادة يومًا بيوم" (٢)، أقول: يعني استفادة المال من أية جهة كانت». http://www.fnoor.com/fn٠٩٤١.htm - _ftn٦ ويقول الخميني (٣): «يقسم الخمس ستة أقسام: سهم لله تعالى، وسهم للنبي ﷺ ، وسهم للإمام ﵇، وهذه الثلاثة الآن لصاحب الأمر أرواحنا له فداء وعجل الله تعالى فرجه، وثلاثة للأيتام والمساكين وأبناء السبيل ممن انتسب بالأب إلى عبد المطلب، فلو انتسب إليه بالأم لم يحل له الخمس، وحلت له الصدقة على الأصح»، ثم يقول (٤): «كما أن النصف الذي للإمام ﵇ أمره راجع إلى الحاكم، فلا بد من الإيصال إليه حتى يصرفه فيما يكون مصرفه بحسب نظره وفتواه، أو الصرف بإذنه فيما عين له من المصرف». ثم يقول (٥): «يجب الخمس في سبعة أشياء: الأول: ما يغتنم قهرًا بل سرقة وغيلة إذا كانتا في الحرب، الثاني: المعدن، الثالث: الكنز، الرابع: الغوص، الخامس: ما يفضل من مؤنة السنة له ولعياله من الصناعات والزراعات وأرباح التجارات، بل وسائر التكسبات، السادس: الأرض التي اشتراها الذمي من مسلم، فإنه يجب على الذمي خمسها، ويؤخذ منه قهرًا إن لم يدفعه بالاختيار، والسابع: الحلال المختلط بالحرام مع عدم تميز صاحبه أصلًا» اهـ. وقياسًا على هذا القول يتبين لنا كيف أن الخمس استغل استغلالًا بشعًا من قبل فقهاء الشيعة ومجتهديهم، وصار موردًا يدر عليهم أموالًا طائلة، مع أن النصوص تدل على أن

стр. 618

عوام الشيعة في حِل من دفع الخُمس، بل هو مباح لهم لا يجب عليهم إخراجه، وإنما يتصرفون فيه كما يتصرفون في سائر أموالهم ومكاسبهم؛ فعن حكيم مؤذن بن عيسى قال: «سألت أبا عبد الله ﵇ عن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ فقال أبو عبد الله ﵇ بمرفقيه على ركبتيه ثم أشار بيده فقال: هي والله الإفادة يومًا بيوم إلا أن أبي جعل شيعته في حِل ليزكوا» (١). وعن عمر بن يزيد قال: «رأيت مسمعًا بالمدينة وقد كان حمل إلى أبي عبد الله تلك السنة مالًا فرده أبو عبد الله ... [إلى أن قال]: يا أبا سيار قد طيبناه لك، وأحللناك منه فضم إليك مالك، وكل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون حتى يقوم قائمنا» (٢). وعن محمد بن مسلم عن أحدهما ﵉ قال: «إن أشد ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب خمسي، وقد طيبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم ولتزكوا ولادتهم» (٣). وعن ضريس الكناسي، قال أبو عبد الله ﵇: «من أين دخل على الناس الزنا؟ قال: لا أدري، جُعِلتُ فداك، قال: من قِبَلِ خُمسِنا أهل البيت إلا شيعتنا الطيبين فإنه محلل لهم لميلادهم» (٤). فهذه الروايات وغيرها الكثير صريحة في إعفاء الشيعة من الخمس، فمن أراد أن يستخلصه لنفسه أو أن يأكله ولا يدفع منه لأهل البيت شيئًا فله ما أراد ولا إثم عليه، بل لا يجب عليه الدفع حتى يقوم قائمهم المزعوم. وما أبلغ ما قاله شاعرهم أحمد الصافي النجفي (١٨٩٧ - ١٩٧٧م): عجبت لقوم شحذُهم (٥) باسم دينهم ... وكيف يسوغ الشحذ للرجل الشهمِ؟!

стр. 619

لئن كان تحصيل العلوم مُسَوِّغًا ... لذاك فإن الجهل خير من العلم!! وهل كان في عهد النبي عصابة ... يعيشون من مال الأنام بذا الاسمِ؟! لئن أوجب الله الزكاة فلم تكن ... لتعطى بذل بل لتؤخذ بالرغم أتانا بها أبناء ساسان حرفة ... ولم تكُ في أبناء يَعرُبَ مِن قِدَم ... من أقوال علماء أهل السنَّة في الرافضة: - سُئِلَ الإمام مالك عن الرافضة فقال: «لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون» (١). - وقال في قول الله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢): «من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد أصابته هذه الآية» (٣). - قال ابن كثير: «ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك ﵀ في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: "لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة ﵃ فهو كافر لهذه الآية"، ووافقه طائفة من العلماء على ذلك» (٤). - وقال القرطبي (٥): «لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين». - وقال شريك بن عبد الله القاضي - والذي كان يقول بلسانه "أنا من الشيعة" -:

стр. 620

«أحمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينًا» (١). - وقال أحمد بن يونس (١٣٢ - ٢٢٧هـ): «لو أن يهوديًا ذبح شاة وذبح رافضي، لأكلت ذبيحة اليهودي ولم آكل ذبيحة الرافضي لأنه مرتد عن الإسلام» (٢). - وقال الشافعي (١٥٠ - ٢٠٤هـ): «ما رأيت في أهل الأهواء قومًا أشد بالزور من الرافضة» (٣). - وسُئِلَ الإمام أحمد عمن شتم رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ، فقال: «ما أراه على الإسلام» (٤). - وقال الإمام أبو زرعة الرازي: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وهم يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة» (٥). - وقال الإمام ابن حزم ردًا على النصارى المحتجين بقول الشيعة بتحريف القرآن: «إن الروافض ليسوا من المسلمين، وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب والكفر» (٦). - وقال الإمام النووي (٧): «إن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع». والذي يُفهم من كلام الإمام رحمه الله تعالى ورضي عنه أنه لا يرى تكفير الإمامية لدخولهم في عموم (أهل البدع)، وأنه يُفَرِّق بين غلاة الرافضة وبين الإمامية؛ فيذكر ﵀ أن غلاة الرافضة هم الذين يكفرون

стр. 621

الصحابة ﵃، ويعقب بالقول (١): «ولا شك في كفر من قال هذا لأن من كفَّر الأمة كلها والصدر الأول فقد أبطل نقل الشريعة وهدم الإسلام». وهذا في حين أنه يرى أن الإمامية لا يقولون بهذا، فتجده يقول (٢): «... وأما من عدا هؤلاء الغلاة فإنهم لا يسلكون هذا المسلك، فأما الإمامية وبعض المعتزلة فيقولون هم مخطئون في تقديم غيره [أي غير علي] لا كفار». ولكن الظن بالإمام النووي ﵀ إما أنه قد خفيت عليه الروايات القائلة بتكفير الصحابة ﵃ الواردة في كتب الرافضة الإمامية الموضوعة قَبْل النووي، وإما أن تطور مذهب الإمامية وازدهاره عبر الزمان جعل هذا التفريق في زماننا غير قائم، وأنه لا مشاحة في الاصطلاح، والله تعالى أعلم. - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣): «أما من اقترن بسبه أن عليًا إله، أو أنه كان هو النبي وإنما غلط جبرئيل في الرسالة، فهذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره. وكذلك من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أنه له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك، فلا خلاف في كفرهم». وقال أيضًا ﵀: «ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشرة نفسًا أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضًا في كفره لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضا عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإنه كافر متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق، وأن هذه الآية التي هي: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤) وخيرها هو القرن الأول كان عامتهم كفارًا أو فساقًا، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام». - وقال شاه عبد العزيز الدهلوي (٥): «ومن استكشف عقائدهم الخبيثة، وما انطووا عليه، علم أن ليس لهم في الإسلام نصيب، وتحقق كفرهم لديه».

стр. 622

- ويقول الدكتور ناصر القفاري (١): «إن الرافضة المتأخرين والمعاصرين جمعوا أخس المذاهب وأخطرها .. جمعوا مقالة القدرية في نفي القدر، والجهمية في نفي الصفات، وقولهم إن القرآن مخلوق، والصوفية - عند جملة من رؤساء مذهبهم - في ضلالة الوحدة والاتحاد، والسبئية في تأليه علي، والخوارج والوعيدية في تكفير المسلمين، والمرجئة في قولهم إن حب علي حسنة لا يضر معها سيئة .. بل ساروا في سبيل أهل الشرك في تعظيم القبور، والطواف حولها، بل ويصلون إليها مستدبرين القبلة، إلى غير ذلك مما هو عين مذهب المشركين .. فهل يبقى بعد ذلك شك في أن هذه الطائفة ارتضت لنفسها مذهبًا غير مذهب المسلمين .. فهم وإن شهدوا الشهادتين إلا أنهم نقضوها بنواقض كثيرة كما ترى» اهـ. ولكن انتبه! فإن «إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المُعَيَّن، وإن تكفير المُطلَق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وُجِدَت الشروط وانتفت الموانع»، وعلى هذا فإنه لا يجوز تكفير المعين ولا تبديعه إلا بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع وقيام الحجة وإزالة الشبهة، وهذا باتفاق أهل السنة والجماعة، ولا يقوم به إلا أهل العلم الثقات، وذلك لأن بعض الناس قد يعذر بالجهل، وضابط العذر بالجهل هو: (إحكام الجهل)، وذلك على الصحيح من قولي العلماء» (٢). ولعل من أشهر الأدلة وأوضحها في هذا الباب ما رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له» (٣).

стр. 623

يقول شيخ الإسلام ﵀ تعليقًا على الحديث (١): «فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرُّق، وظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه كان مع إيمانه بالله، وإيمانه بأمره، وخشيته منه، جاهلًا بذلك، ضالًا في هذا الظن مخطئًا، فغفر الله له ذلك، والحديث صريح في أن الرجل طمع ألا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا يكون شاكًا في الميعاد، وذلك كفر، إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره» اهـ. واعلم - علمني الله وإياك - أن «كل من كان مؤمنًا بما جاء به محمد ﷺ فهو خير من كل من كفر به وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم، فإن اليهود والنصارى كفار كفرًا معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام، والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول ﷺ لا مخالف له لم يكن كافرًا به، ولو قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول ﷺ » اهـ (٢). ...

стр. 624

الفصل الثالث: شبهات وردودها

стр. 625

- - ﴿شبهات وردودها (١)﴾ - - «قال لي شيخ الإسلام ﵁: "لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليه صار مقرًا للشبهات" - أو كما قال -، فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك، وإنما سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها، فإنها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل» [ابن القيم] (٢) الشبهة الأولى: حديث الغدير: يعتبر حديث الغدير من أقوى الأدلة عند الشيعة للاستدلال على أحقية علي ﵁ بالإمامة بعد رسول الله ﷺ ، حتى ألَّف فيه عبد الحسين أحمد الأميني النجفي كتابًا من أحد عشر مجلدًا، وهو كتاب الغدير. وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم ﵁ أنه قال: «قام رسول الله ﷺ فينا خطيبًا بماء يُدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به. فحث على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم

стр. 626

قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (١). وفي زيادة رواها الترمذي بسند صحيح أنه قال ﷺ : «من كنت مولاه فعلي مولاه» (٢). وزاد البعض في الحديث بـ «انصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار ...» وهذه زيادة مكذوبة لا تصح عن النبي ﷺ . واستدلال الشيعة بهذا الحديث باطل من وجوه: - قالوا: إن غدير خُم هذا هو مفترق الحجيج، وإنه ﷺ اجتمع بهم ليبين لهم هذا الأمر، لكن الصحيح أن غدير خم تبعد عن مكة بمائتين وخمسين كيلومترًا تقريبًا، فهي ليست مفترق الحجيج، بل إن مفترق الحجيج هي مكة نفسها. - النبي ﷺ لم يتكلم وهو في مكة في أيام مِنَى أو في أيام عرفة، وإنما أجَّل الأمر إلى أن رجع، لماذا؟ لأن الأمر كان خاصًا بأهل المدينة، لأن عليًا ﵁ كَثُرَ فيه القيل والقال من الجيش الذي أرسله لخالد بن الوليد ﵁ ليقبض الخمس، وذلك بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبه لذلك، والله أعلم. فلما وقف النبي ﷺ للراحة عند غدير خُم وهو في سفره من مكة للمدينة، خطب في الناس وذكَّرهم بكتاب الله، ثم بعد ذلك نبَّه إلى ما وقع بشأن علي ﵁ وبرأ ساحته ورفع من قدره ونبه على فضله ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس (٣)، وقال ﷺ : «من كنت مولاه فعلي مولاه». - الموالاة هي النصرة والمحبة، وعكسها المعاداة، وكما يقول ابن الأثير (٤): «المولى يقع على الرب والمالك والسيد والمُنعِم والمُعتِق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعبد والمُعتَق والمُنعَم»، ولو كان النبي ﷺ

стр. 627

يقصد الخلافة، لما أتى بكلمة تحتمل كل هذه المعاني، أو قال والي (من ولاية وهي الحكم) بدلًا من مولى. ... الشبهة الثانية: حادثة فَدَك والإرث: روى الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ ، مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك (١)، وما بقي من خمس خيبر. فقال أبو بكر: «إن رسول الله ﷺ قال: لا نُورَث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد ﷺ في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ ، ولأعملن فيها بما عمل رسول الله ﷺ ». فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئًا، فوجدت (٢) فاطمة على أبي بكر في ذلك. قال: فهجرته، فلم تكلمه حتى تُوُفِّيَت (٣). يقول الخميني (٤): «وما نسبه أبو بكر إلى النبي إنما هو مخالف للآيات الصريحة حول إرث الأنبياء نذكر هنا بعضها: فقد قالت الآية ١٦ من سورة النمل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾، وقالت الآية ٥ من سورة مريم: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾، فهل يجوز أن نكذِّب الله، أو نقول بأن النبي قال كلامًا يخالف أقوال الإله؟ أم نقول بأن الحديث المنسوب إلى النبي لا صحة له، وإنه قيل من أجل استئصال ذرية النبي؟ ثم إنه هل يصدق العقل بأن الله يحرم أبناء النبي وأحفاده من إرثه ويجعله صدقة؟» اهـ. وجواب هذا أن يقال:

стр. 628

أما عن الآية الأولى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾، فإن سليمان ﵇ لم يرث مالًا، وإنما ورث النبوة والحكمة والعلم، وذلك لثلاثة أمور: الأول: قول الرسول ﷺ : «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وَرَّثوا العلم» (١). الثاني: إن داود ﵇ قد اشتهر أن له مائة زوجة وله ثلاثمائة سرية (أي أَمَة) وله كثير من الأولاد، فكيف لا يرثه إلا سليمان؟ بل إخوة سليمان أيضًا يرثونه، فلا يعقل أن يكون تخصيص سليمان بالذِكر ومعه ورثة آخرون لو كان الأمر إرثًا عاديًا - أي مالًا -، أيضًا، لو كان الأمر إرثًا عاديًا ما كان لذكره فائدة في كتاب الله ، إذ إنه من الطبيعي أن الولد يرث الوالد. الثالث: ما رواه شيخهم الكليني عن المفضل بن عمر قال: «قال أبو عبد الله ﵇: إن سليمان ورث داود، وإن محمدًا ورث سليمان، وإنا ورثنا محمدًا»، وعن ضريس الكناسي قال: «كنت عند أبي عبد الله ﵇ وعنده أبو بصير، فقال أبو عبد الله ﵇: إن داود ورث علم الأنبياء، وإن سليمان ورث داود، وإن محمدًا صلى الله عليه وآله ورث سليمان» (٢)، فقد علم أن هذه وراثة العلم والنبوة، وإلا فوراثة نبينا ﷺ مال سليمان لا يتصور شرعًا ولا عقلًا. وأما عن الآية الثانية: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ فنقول: أولًا: إنه لا يليق برجل صالح أن يسأل الله ﵎ ولدًا حتى يرث المال فحسب، فكيف نرضى بهذا لنبي كريم وهو زكريا ﵇. ثانيًا: المشهور أن زكريا ﵇ كان فقيرًا يعمل نجارًا، فأي مال عند زكريا ﵇ حتى

стр. 629

يطلب من الله ﵎ أن يرزقه وارثًا، بل الأصل في أنبياء الله أنهم لا يبقون المال، بل يتصدقون به في وجوه الخير. ثالثًا: وهو ما يدل عليه سياق الآية، وهو قول الله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾، كم شخص في آل يعقوب؟ وأين يحيى ﵇ من آل يعقوب؟ آل يعقوب هم كل بنيه ﵇ (بني إسرائيل)، إذن فكيف يكون نصيب يحيى ﵇؟ ثم إن يحيى ﵇ محجوب بالفرع الوارث! فلا شك أن قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يَرُدّ على قول من يقول: إنه أراد وراثة المال بل ذكر يعقوب لأن يعقوب نبي وزكريا نبي، فأراد أن يرث النبوة والعلم والحكمة، وقد تقدم الحديث: «إن الأنبياء لم يورِّثوا درهمًا ولا دينارًا وإنما ورثوا العلم». ثم بعد ذلك نقول: إن أهل السنة في هذه المسألة لا يبحثون عن عذر لأبي بكر ﵁، وذلك لأنه يستدل بحديث متواتر عن النبي ﷺ ، ففاطمة ﵂ لما ما قبلت منه هذا الكلام حاول أهل السنة أن يبحثوا عن عذر لفاطمة لا لأبي بكر، لأنهم لا يرون أن أبا بكر قد أخطأ في حق فاطمة. والمشهور أن أبا بكر ترضَّاها حتى رضيت، قال ابن حجر ﵀ (١): «روى البيهقي [٣٨٤ - ٤٥٨هـ] من طريق الشعبي أن أبا بكر عاد فاطمة فقال لها علي: هذا أبو بكر يستأذن عليك، قالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له، فدخل عليها، فترضاها حتى رضيت. وهو وإن كان مرسلًا فإسناده إلى الشعبي صحيح وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة ﵍ على هجر أبي بكر، وقد قال بعض الأئمة إنما كانت هجرتها انقباضًا عن لقائه والاجتماع به وليس ذلك من الهجران المحرم، لأن شرطه أن يلتقيا فيعرض هذا وهذا، وكأن فاطمة ﵍ لما خرجت غضبى من عند أبي بكر تمادت في اشتغالها بحزنها ثم بمرضها، وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: لا نورث، ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع

стр. 630

أن تورث عنه، وتمسَّك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمَّم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك، فإن ثبت حديث الشعبي أزال الإشكال، وأخلق بالأمر أن يكون كذلك لما علم من وفور عقلها ودينها ﵍» اهـ. ولكن، يدعي الرافضة أن ما طالبت به فاطمة ﵍ كان هبة وهدية من النبي ﷺ وهبها إياها، كما قال شيخهم الطوسي في تفسيره، في قول الله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (١)، قال (٢): «وروي أنه لما أنزلت هذه الآية استدعى النبي ﷺ فاطمة ﵍ وأعطاها فَدَكًا وسلمه إليها، وكان وكلاؤها فيها طول حياة النبي ﷺ ، فلما مضى النبي ﷺ أخذها أبو بكر، ودفعها عن النحلة، فلما لم يقبل بيِّنَتها، ولا قَبِل دعواها، طالبت بالميراث، لأن من له الحق إذا مُنِع منه من وجه جاز له أن يتوصل إليه بوجه آخر، فقال لها: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة"، فمنعها الميراث أيضًا، وكلامهما في ذلك مشهور، لا نطول بذكره الكتاب». وقال القمي (٣): «وأنزلت [أي الآية] في فاطمة ﵍ فجعل لها فدك، والمسكين من ولد فاطمة، وابن السبيل من آل محمد وولد فاطمة». وقال الفيض الكاشاني (٤): «فلما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ قال: ادعوا لي فاطمة ﵍، فدعيت له، فقال: يا فاطمة، قالت: لبيك يا رسول الله، فقال: هذه فدك، هي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وهي لي خاصة دون المسلمين، فقد جعلتها لك لما أمرني الله به، فخذيها لك ولولدك» اهـ. وجواب ذلك أن يقال: أن هذه القصة مكذوبة ولا تثبت، بل الصحيح أن فاطمة طلبت فَدَك من باب الإرث لا من باب الهبة، يقول شاه عبد العزيز الدهلوي (٥): «وهذا ليس له أصل عند أهل السنة، وعلى تقدير تسليم روايتهم، فإن الهبة لا تتحقق إلا بالقبض، ولا

стр. 631

يصح الرجوع عنها بعد تصرف المتهب في الموهوب، ولم تكن فدك في عهد رسول الله ﷺ في تصرف فاطمة ﵂، بل كانت في يده ﷺ يتصرف فيها تصرف المالك، فلم يكذبها أبو بكر في دعوى الهبة، ولكن يبين لها أن الهبة لا تكون سببًا للملك ما لم يتحقق القبض، فلا حاجة حينئذ إلى الشهود» اهـ. أيضًا، فإن في هذا اتهامًا للنبي ﷺ أنه كان يفرِّق بين أولاده ﷺ ، وكيف يكون ذلك وقد جاء البشير بن سعد للنبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، أشهد الله أني قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالي، فقال: أَكُلّ بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النعمان؟ فقال: لا، قال ﷺ : فأشهد على هذا غيري، ثم قال: أيسُرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا، إذًا». وفي رواية قال ﷺ : «فلا تُشهِدني إذًا، فإني لا أشهَد على جور» (١). ويذكر الرافضة أن فاطمة ﵍ لما مُنِعَت فدك غضبت وذهبت إلى قبر أبيها تشتكي إليه، وهذا كذب، بل ولا يليق بفاطمة ﵂، فإن الله تعالى يقول عن العبد الصالح النبي الكريم يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، فكيف يليق بفاطمة ﵂ أن تشكو بثها وحزنها إلى رسول الله ﷺ بعد موته، بل نحن نجلُّ فاطمة ﵍ ونقول: هي لا تشكو بثها وحزنها إلا إلى الله ﵎. ... الشبهة الثالثة: آية المودة: قال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣). يقول محمد مرعي الأنطاكي (ت. ١٣٨٣هـ) (٤): «فقد اتفق المفسرون من الشيعة جميعًا على نزول هذه الآية الكريمة خاصة في أهل البيت ﵈: علي وفاطمة والحسن والحسين ﵈،

стр. 632

وهكذا جاء في تفاسير السنة والجماعة، وصحاحهم ومسانيدهم»، ثم ذكر الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه سُئِل عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال سعيد بن جبير: «قُربى آل محمد ﷺ » (١)، وبتر الحديث هنا ولم يكمله! وجواب هذا: أن بقية رواية البخاري تذكر أن ابن عباس ﵄ قال لسعيد بن الجبير: «عَجِلت! إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة» (٢). قال ابن حجر (٣): «قال ابن عباس: عَجِلت، أي أسرعت في التفسير. وهذا الذي جزم به سعيد بن جبير قد جاء عنه من روايته عن ابن عباس مرفوعًا، فأخرج الطبري وابن أبي حاتم من طريق قيس بن الربيع عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم؟ ... الحديث، وإسناده ضعيف، وهو ساقط لمخالفته هذا الحديث الصحيح، والمعنى: إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني، والخطاب لقريش خاصة، والقربى قرابة العصوبة والرحم، فكأنه قال احفظوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة ... والحاصل أن سعيد بن جبير ومن وافقه كعلي بن الحسين والسدي وعمرو بن شعيب فيما أخرجه الطبري عنهم حملوا الآية على أمر المخاطبين بأن يواددوا أقارب النبي ﷺ ، وابن عباس حملها على أن يواددوا النبي ﷺ من أجل القرابة التي بينهم وبينه ... ويؤيد ذلك أن السورة مكية ... ويحتمل أن يكون هذا عامًّا خص بما دلت عليه آية الباب، والمعنى أن قريشًا كانت تصل أرحامها، فلما بعث النبي ﷺ قطعوه فقال: صلوني كما تصلون غيري من أقاربكم» اهـ. وقال ابن تيمية (٤): «جميع ما في القرآن من التوصية بحقوق ذوي قربى النبي ﷺ وذوي قربى الإنسان، إنما قيل فيها (ذوي القربى) (٥)، ولم يقل (في القربى)، فلما ذكر هنا

стр. 633

المصدر دون الاسم دل على أنه لم يُرِد ذوي القربى» اهـ. أيضًا، فإن قولهم مردود بقول الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (١). وهو قول الأنبياء من قبله، فهذا نوح ﵇ يقول لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، وكذا قال هود (٣)، وصالح (٤)، ولوط (٥)، وشعيب (٦) عليهم الصلاة والسلام أجمعين. فالنبي ﷺ لا يسأل أجرًا، فكيف يدَّعون أن النبي ﷺ يقول لهم: أسألكم أجرًا واحدًا وهو أن تودُّوني في قرابتي؟! ... الشبهة الرابعة: آية التطهير: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٧). يقول ابن المطهَّر الحُلِّي (٨): «أجمع المفسرون وروى الجمهور أنها نزلت في رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين ... والكذب من الرجس، ولا خلاف في أن أمير المؤمنين ﵇ ادَّعى الخلافة لنفسه، فيكون صادقًا» اهـ. أيضًا استدل الشيعة على ذلك بحديث الكساء، والذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ (٩) أنها قالت: «خرج النبي ﷺ غداة وعليه مِرْطٌ مُرَحَّلٌ من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ

стр. 634

تَطْهِيرًا﴾» (١)، وقالوا: إن الله تعالى أراد أن يذهب عنهم الرجس، وما يريده الله يقع، فإذا أذهب الله عنهم الرجس صاروا معصومين، فإذا صاروا معصومين فيجب أن يكونوا هم الأولى بالخلافة من غيرهم. والجواب كالآتي: أولًا: هذه الآية إنما نزلت في نساء النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٢). فإن قالوا: «قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، ولم يقل (عنكن) ولا (يطهركن)، فدل هذا على خروج نساء النبي ﷺ من التطهير ودخول علي وفاطمة والحسن والحسين بدليل الحديث»! فالجواب: أن هذا لا يصح لأن الآية متصلة بما بعدها، وهو قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (٣)، فالخطاب كله في هذه الآيات لنساء النبي ﷺ . أيضًا، ذَكَر تعالى ميم الجمع بدلًا من نون النسوة لأن النساء دخل معهن النبي ﷺ ، وهو رأس أهل بيته ﷺ ، لا لأن عليًا وفاطمة والحسن والحسين ﵃ دخلوا ضمن الآية، ودليل ذلك قول الله تعالى عن زوجة إبراهيم ﵇: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (٤). ثانيًا: أن معنى أهل بيت النبي ﷺ يتعدَّى زوجات النبي ﷺ ، ويتعدَّى أيضًا عليًا وفاطمة والحسن والحسين ﵃ إلى غيرهم، ودليل ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم ﵁ أنه قال: «نساؤه ﷺ من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده. هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس» (٥).

стр. 635

ثالثًا: أنه لا دليل على العصمة، إذ كيف تدل الآية على العصمة وقد رووا عن علي ﵁ أنه قال: «فإني لست في نفسي بفوق ما أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني» (١)، ورووا كذلك أنه قال للحسن ﵃: «أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم» (٢)، وأنه قال له أيضًا: «وإن لم يجتمع لك ما تحب من نفسك وفراغ نظرك وفكرك فاعلم أنك إنما تخبط العشواء وتتورط الظلماء وليس بطالب الدين من خبط أو خلط» (٣). رابعًا: المقصود بالإرادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ هي الإرادة الدينية الشرعية، وليست الإرادة الكونية القدرية، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٤). أيضًا، فقد روى الإمام الترمذي في سننه عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ أنه قال ﷺ : «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهِب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا» (٥)، فإذا كان الله تعالى أذهب عنهم الرجس لماذا يدعو لهم ﷺ بإذهابه؟! ولذا، فإن دعاء النبي ﷺ دليل على أن هذه الإرادة شرعية. ... الشبهة الخامسة: آية الولاية: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٦).
следующие страницы →