علي الطنطاوي
صور وخواطر
طبعة جديدة
راجعها وصحّحها وعلّق عليها حفيد المؤلف
مجاهد مأمون ديرانية
دار المنار
للنشر والتوزيع
стр. 2
حقوق الطبع محفوظة
يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر
الطبعة العاشرة
٢٠١١
دار المنار
للنشر والتوزيع
ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية
هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤
стр. 3
مقدمة طبعة دار المنارة
بخط المؤلف ﵀
بسم الله وبحمده أصدّر هذه الطبعة الجديدة من كتابي «صور وخواطر»؛ وأسأل الله أن يستمر طبعُه وأن يدوم النفع به، وأن يكتب لي الثواب عليه وأن يجزي ناشره خيراً.
علي الطنطاوي
مكة المكرمة
غرة شوال ١٤٠٨
стр. 4
عام جديد
نشرت سنة ١٩٦٦ (١)
لمّا قعدت أكتب هذا الفصل لم يكن في ذهني شيء عن الموضوع الذي أكتب فيه، ولكني نظرت في التقويم المعلَّق بالجدار فوجدت الموضوع؛ الموضوع أول المحرّم.
أفيمُرّ بكم أول المحرم كما يمر غيره من الأيام، وفي صبيحته وُلد عام وفي ليلته قضى عام؟
يجتاز المسافر مرحلة من الطريق فيحطّ الرحال ويقف ليستريح، فيتلفَّتُ وراءه ليرى كم قطع وينظر أمامه ليبصر كم بقي. والتاجر تنتهي سنته، فيقيم موازينه ويحسب غلته ليعلم ماذا ربح وماذا خسر. وهذه «محطة» جديدة نقف فيها ونحن نسير على طريق الحياة، وسنة أخرى تمضي من العمر، أفلا نقف عليها ساعة نفكر ونذكر ونحسب ونعتبر؟
стр. 5
نحن اليوم في أول المحرم من سنة ست وثمانين وثلاثمئة وألف، ننظر إليه في الفجر فنراه يوماً طويلاً يمتد أمامنا، نستطيع أن نعمل فيه ما نشاء، نستمتع فيه -إن أردنا- بدنيانا، ونحمّله ما نريد حمله من الزاد إلى أُخرانا، فإذا أمسى المساء وذهب اليوم لم نعد نستطيع أن نستفيد منه ولا أن نستمتع فيه. نظنّه باقياً لنا، فنُبَذّر في دقائقه كما يُبَذّر المسرف في ماله، ونضيع ساعاته، ولكنا لا نجده حتى نفقده. إنه لا يكاد يبدأ حتى ينتهي، ثم يمضي فلا يعود أبداً.
اذكروا الآن أول يوم من المحرم سنة خمس وثمانين. لقد كنا نراه أيضاً ونحن نستقبله طويلاً، وكنا نقدر أن نصنع فيه خيراً كثيراً، فأين هو منا اليوم؟ وأين الأول من المحرم سنة أربع وثمانين؟ وأين أوائل المحرَّمات التي مرت بنا أو مررنا نحن بها من قبل؟ ماذا بقي منها في أيدينا؟
تمضي السنة وتجيء أخرى بعدها، فمَن لم يعمل خيراً فيها عمله في التي تليها. إن فاتك عمل الخير في النهار فعندك الليل خِلْفَة منه، فاعمل الخير فيه. مواسم متتابعة، إن أضعت الموسم فلم تزرع فيه فازرع في الذي يليه، وإن رسبت في الامتحان في دورة حزيران فعندك دورة أيلول.
هي خلفة لك ما بقيت حياً، ولكن هل تعلم كم تبقى حياً؟
* * *
ينقضي العام فتظن أنك عشته، وأنت في الحقيقة قَدْ مِتَّه! لا تعجبوا من هذا المقال ودعوني أوضح الفكرة بالمثال: أنت
стр. 6
كالموظف الذي مُنح إجازته السنوية شهراً كاملاً، إذا قضى فيها عشرة أيام يكون قد خسر منها عشرة أيام فصار الشهر عشرين، فإذا مرَّ عشرون صار الشهر عشراً، فإذا تم الشهر انقضت الإجازة فكأنها لم تكن.
أتظنون أني «أتفلسف»؟ لا والله، بل أصف الواقع. نحن كلما ازداد عمر الواحد منا سنة في العَدّ نقصت من عمره سنة في الحقيقة، حتى ينفد العمر ويأتي الأجل، ونستقبل حياة أخرى تبدأ بالموت.
فتحت كتابي «من حديث النفس» فقرأت فيه فصلاً نشرته في العدد الممتاز من مجلة الرسالة في مطلع سنة ١٩٣٨، عنوانه: «على أبواب الثلاثين»، لو تصورت يومئذ أني سأقرؤه في مطلع سنة ١٩٦٦ لتراءى لعيني دهر طويل. ثمان وعشرون سنة، أنظر إليها الآن بعدما مَرَّتْ فأراها كأنها يوم وليلة. ولو نظرت الآن إلى ما بعد ثمان وعشرين سنة، إلى سنة ١٩٩٤، لرأيتها بعيدة جداً، ولكن من يقرأ هذا الفصل يومئذ سيرى سنتنا هذه كأنما كانت بالأمس.
فنحن نوسع المستقبل بالأمل.
* * *
وما هذا المستقبل الذي نسعى إليه ونَكِدُّ من أجله؟
لما كنت طالباً كان مستقبلي في نيل الشهادة، فلما نلتها صار المستقبل في الوصول إلى الوظيفة، فلما وصلت إليها صار
стр. 7
المستقبل في بناء الأسرة وإنشاء الدار وإنسال الولد، فلما صارت لي الزوجة والدار والأولاد والحَفَدة صار المستقبل في الترقيات والعلاوات والمال المدَّخَر، وفي الشهرة والمجد والكتب والمقالات، فلما تمَّ لي -بفضل الله- ذلك كله لم يبقَ لي مستقبل أفكر فيه، إلا أن ينوّر الله بصيرتي ويريني طريقي فأعمل للمستقبل الباقي، للآخرة، وإنّي لَفي غفلة عنها.
فالمستقبل في الدنيا شيء لا وجود له؛ إنه يوم لن يأتي أبداً، لأنه إن جاء صار حاضراً وطفق صاحبه يفتش عن مستقبل آخر يركض وراءه. إنه -كما قلت مرة- مثل حزمة الحشيش المعلَّقة بخشبة مربوطة بسرج الفرس، تلوح أمام عينيه فهو يعدو ليصل إليها، وهي تعدو معه فلا يدركها أبداً.
إن المستقبل الحق في الآخرة، فأين منا من يعمل له؟ بل أين من يفكر فيه؟
وقد يكون هذا الذي أقوله فلسفة، ولكنها فلسفة واقعة، إنها حقائق لا يفكر فيها أحدٌ منّا. نحن كالمسافر في الباخرة أو في الطيارة، همّه الغرفة الجميلة أو المقعد المريح، يركب في الدرجة الأولى ويأكل أطيب الطعام ويَصْفَح الجرائد والمجلات، ينقل بصره فيما حوله أو تحته من المشاهد، ولكن هذا كله لأيام السفر، وأيام السفر معدودة. أفما كان خيراً له لو فكر فيما يريحه في إقامته في البلد الذي يمضي إليه؟ أما كان أنفع له لو تحمل بعض المتاعب في ليالي السفر القليلة، ووفّر ماله ليشتري به الراحة في سنوات الإقامة الطويلة؟ أم قد شغلته متعةُ السفر عن التفكير في سبب السفر، وجمالُ الطريق عن غاية الطريق؟
стр. 8
الحياة سفر، فكم من الناس يسأل نفسه: لِمَ السفر؟ وإلى أين الرحيل؟ كم منا من يسأل: ما الحياة؟ ولماذا خُلقنا؟ وإلامَ المصير؟
إننا نقطع الوقت من الصباح إلى المساء في مشاغل نخترعها لننسى بها أنفسنا ونبدّد بها أعمارنا؛ من أحاديث تافهة، ومجالس فارغة، ومطالعات في كتب لا تنفع أو نظرات في مجلات لا تفيد، فإن خلا أحدنا بنفسه ثَقُلت عليه صحبة نفسه وحاول الهرب منها، كأن نفسه عدوٌّ له لا يطيق مجالسته، فهو يضيق بها ويفتّش عما يشغله عنها، وكأن عمره عبء عليه، فهو يحاول أن يلقيه عن عاتقه وأن يتخلص منه.
نَفِرُّ من نفوسنا ونبدد أعمارنا في لذائذ نتوهمها ونسعى وراءها، ولكنّا لا ننالها.
لما كنت أشرف على طبع كتاب ابن الجوزي، «صيد الخاطر»، الذي قَدَّمتُ له وعلقت عليه، وجدت فيه كلمة عظيمة يقول فيها: "إن لذائذ الدنيا نماذج تُعرَض ولا تُقبَض". نماذج للعرض والإعلان لا للبيع والاقتناء، فأنت تُسَرّ برؤيتها ولكن لا تقدر على امتلاكها.
خذوا أكبر لذات الدنيا، اللذة المعروفة، تروا أنها ليست في الحقيقة إلا لحظة، دقيقة أو دقيقتين، لا تكاد تحس بأنك قد وصلت إليها حتى تجد أنك قد فقدتها. إنها ليست إلا نموذجاً مصغَّراً للذة الآخرة، فما يستمر هنا دقيقة فقط يدوم هناك إلى الأبد. إنك فيها كمن يعطى ملعقة من الطعام ليذوقه ويجد طعمه
стр. 9
في حلقه، فإذا ارتضاه اشترى منه فأكل حتى شبع ... فالذواق في الدنيا والشبع في الآخرة.
لذلك ترى الرجل الفاسق يشكو الجوع الجنسي مهما ذاق من الحرام. يعرف مئة من النساء، ثم يرى الواحدة بعد المئة فتطلبها نفسه كأنه ما عرف امرأة قط! ولا يزال كذلك حتى يعجز جسده ولا تكلّ رغبته، فهو كالعطشان الذي يشرب من ماء البحر، وكلما ازداد شرباً ازداد عطشاً.
ومثلها لذة المال. إن الفقير الذي ينام في كوخ الطين ويأكل خبز الشعير، ويمشي بالحذاء البالي أو يركب عربة النقل التي يجرها الحمار، يتصور أنه لو نام يوماً على فراش الغني أو أكل على مائدته أو ركب في سيارته لنال اللذائذ كلها. ولكن الغني الذي أَلِفَ ذلك لم يعد يجد فيه لذة، بل يجد الألم إن فقد منه شيئاً. والشاب المغمور يتمنى أن يكون علماً مشهوراً تردد الإذاعات اسمه وتنشر الصحف رسمه ويتحدث الناس عنه، ولكن العالم المشهور الذي ألف ذلك لم يعد يهتم به ولا يباليه.
إن لذّات الدنيا مثل السراب. ألا تعرفون السراب؟ تراه من بعيد غديراً، فإذا جئته لم تجد إلا الصحراء، فهو ماء ولكن من بعيد!
* * *
عفواً يا سادتي القراء إن جئت أعظكم وأزهّدكم، فما أردت وعظاً ولا تزهيداً، وما أنا من الوُعّاظ الزُّهّاد، ولكنها خواطر أثارها في نفسي أننا في اليوم الأول من المحرم، وأني وقفت كما يقف المسافر وقعدت أحسب كما يحسب التاجر.
стр. 10
إني أنظر إلى حياتنا هذه التي نعيشها، فأرانا فيها كموكب من السيارات تمضي مجنونة مسرعة متسابقة، هَمُّ كل واحدة أن تسبق الأخرى وتخلفها وراءها. ولكن لو سألت سُوّاقها إلى أين يسيرون ولماذا يسرعون لما وجدت عندهم جواباً.
سباق إلى المال، سباق إلى اللذات، سباق إلى الوظائف، سباق في كل طريق من طرق الحياة ... ثم ينتهي العمر، فنترك كل ما استبقنا إليه ونمضي. فلنقف لحظات في مطلع كل عام لنسائل أنفسنا: ما الذي نربحه من هذا السباق؟ أوَليس الربح الحق في جهة أخرى غير الجهة التي يتجه الناس كلهم إليها ويحسبون أن الربح المقصود فيها؟
إن هذا اليوم نذير لنا بأن السنة المقبلة ستمضي كما مضت السنوات السابقة، وأن كل واحدة منها تحمل معها جزءاً من أعمارنا، حتى تنفد أعمارنا. فلنتدارك ما بقي، ولنكن يوماً واحداً في السنة من المتناصحين ومن المتواصين بالحق والمتواصين بالصبر.
إنكم تقرؤون في المجلات كلاماً كثيراً، كلاماً جليلاً يزيد ثقافة عقولكم، وكلاماً جميلاً يُدخل البهجة على قلوبكم. وكل هذا خير، ولكن خيراً منه أن تسمعوا كلمة تذكركم أخراكم وتنفعكم يوم العرض على ربكم. وما أصلح -والله- لأن أقول أنا هذه الكلمة، وأنا إلى أن أُوعَظ فأتّعظ أحوج مني إلى أن أعظ، ولكن «على مدير الكاس أن ينهى الجُلاّس».
لما أردت أن أسافر إلى جدة من بيروت قعدت في مطعم
стр. 11
المطار أفطر وأنتظر، وكان المطعم ممتلئاً، وكل من فيه يأكل ويشرب ويتحدث مثلما كنت آكل وأشرب وأتحدث، تراهم فتحسبهم أصدقاء متلازمين لا يفترقون وأنّ شَمْلَهم جميع لا يتشتّت، ولكن مطار بيروت (الذي تحط فيه كل ربع ساعة طيارة وتقوم منه طيارة) لا يلبث الصوت أن يخرج منه ينادي من المكبِّر: ركاب طائرة «BOAC» المسافرة إلى لندن يتوجهون إلى أرض المطار. فتترك أكلَها وشربها جماعةٌ من الحاضرين وتقوم. ثم ينادي: ركاب طائرة «KLM» المسافرة إلى جاكرتا، فيترك ناسٌ أكلَهم وشربهم ويقومون. وطائرة إلى أميركا، وأخرى إلى الكونغو، وثالثة إلى إيران، ورابعة إلى موسكو ...
فنظرت في الناس وقلت لأخي (وكان معي): هذه هي حياتنا؛ نعكف على طعامنا وشرابنا ومشاغل عيشتنا، وإذا بالنداء يدعو مَن جاء دوره ليذهب إلى حيث يُحمَل، إما إلى غابات إفريقيا وإما إلى ثلج سيبيريا، وإما إلى ملاهي باريس ومشاهد نيويورك. فمَن كان مستعداً للسفر، حاجاته مَقْضِيَّة وحقائبه مُعَدَّة وحمله خفيف، مضى مستريح البال، ومَن جاء دوره وهو لم يعد متاعه ولم يقضِ حاجته ذهب بلا زاد ومضى على غير استعداد.
أفلا نستعدّ للسَّفْرة التي لا بد منها، ونتزود بها الزاد الذي لا ينفع غيره فيها؟ أم نحن نتناسى الموتَ وهو أمامنا، نظنه أبعد شيء عنا وهو أقرب الأشياء منا، نصلّي على الأموات ونشيّع الجنائز ونحن نفكر في أمور الدنيا، كأنّا مُخَلَّدون فيها وكأن الموت كُتب على الناس كلهم إلا علينا؟
* * *
стр. 12
يا إخوتي القراء: إننا نعيش الأيام كلها في غفلة، فلننتبه اليوم، ولنقف كما يقف المسافر على المحطة، ينظر كم قطع من الطريق وكم بقي عليه منه. ولنفتح دفاترنا كما يفتح دفاترَه التاجرُ، لنرى ماذا ربحنا في سنتنا التي مضت وماذا خسرنا. ولنَمُدَّ أيدينا فنقول: يا ربنا، اغفر لنا ما سلف ووفقنا فيما بقي.
اللهم إذا كتبت لنا أن نعيش إلى مثل هذا اليوم من قابل، فاجعل ما يأتي خيراً لنا وللمسلمين مما ذهب، وإلا فاكتب لنا بفضلك وكرمك حسنَ الخاتمة، واغفر لنا ذنوبنا، وكفِّرْ عنّا سيئاتنا، وتوفَّنا مع الأبرار.
* * *
стр. 13
السّعادة
نشرت سنة ١٩٤٨
كنت أقرأ في ترجمة كانْت، الفيلسوف الألماني الأشهر، أنه كان لجاره ديك قد وضعه على السطح قبالة مكتبه، فكلما عمد إلى شغله صاح الديك فأزعجه عن عمله وقطع عليه فكره. فلما ضاق به بعث خادمه ليشتريه ويذبحه ويطعمه من لحمه، ودعا إلى ذلك صديقاً له، وقعدا ينتظران الغداء، ويحدّثه عن هذا الديك وما كان يلقى منه من إزعاج وما وجد بعده من لذة وراحة، ففكّر في أمان واشتغل في هدوء، فلم يقلقه صوته ولم يزعجه صياحه.
ودخل الخادم بالطعام، وقال معتذراً إن الجار أبى أن يبيع ديكه فاشترى غيره من السوق، فانتبه كانْت، فإذا الديك لا يزال يصيح!
فكّرتُ في هذا الفيلسوف العظيم، فرأيته قد شقي بهذا الديك لأنه كان يصيح وسَعِدَ به وهو لا يزال يصيح، ما تبدّل الواقع، ما تبدّل إلا نفسه؛ فنفسه هي التي أشقته لا الديك، ونفسه هي التي أسعدته. وقلت: ما دامت السعادة في أيدينا فلماذا نطلبها من غيرنا؟ وما دامت قريبة منا فلماذا نبعدها عنا، إذ نمشي
стр. 14
إليها من غير طريقها ونَلِجُها من غير بابها؟
إننا نريد أن نذبح «الديك» لنستريح من صوته، ولو ذبحناه لوجدنا في مكانه مئة ديك لأن الأرض مملوءة بالدِّيَكة، فلماذا لا نرفع الديكة من رؤوسنا إذا لم يمكن أن نرفعها من الأرض؟ لماذا لا نسدّ آذاننا عنها إذا لم نقدر أن نسدّ أفواهها عنا؟ لماذا لا نجعل أهواءنا وفق ما في الوجود إذا لم نستطع أن نجعل كل ما في الوجود وفق أهوائنا؟
أنام في داري فلا توقظني عربات الشارع وهي تزلزل بسيرها الأرض، ولا أصوات الباعة وهي ترعد في الجو، ولا أبواق السيارات وهي تُسمع الموتى، وتوقظني همسة في جو الدار ضعيفة وخطوة على ثراها خفيفة، فإن نمت في الفندق لم يوقظني شيء وراء باب غرفتي، فإن كان نومي في القطار لم يزعجني عن منامي حديث جيراني إلى جنبي ولا صوت القطار وهو يهتزّ بي، فكيف احتملت هنا ما لم أكن أحتمله هناك، وآلمني هناك ما لم يؤلمني هنا؟
ذلك لأن الحس كالنور، إن أطلقتَه أضاء لك ما حولك فرأيت ما تحب وما تكره، وإن حجبته حجب الأشياء عنك، فأنت لا تسمع أصوات الشارع مع أنها أشد وأقوى وتسمع همس الدار وهو أضعف وأخفت، لأنك وجَّهْتَ إلى هذا حسَّك وأغفلت ذلك وأخرجته من نفسك فلم تسمعه على شدته، وخفي عنك كما تختفي في الظلام عظائم الموجودات. فلماذا لا تصرف حسّك عن كل مكروه؟ إنه ليس كل ألم يدخل قلبك، ولكن ما
стр. 15
أدخلته أنت برضاك وقبلته باختيارك، كما يُدخل الملكُ العدوَّ قلعتَه بثغرة يتركها في سورها! فلماذا لا نقوّي نفوسنا حتى نتخذ منها سوراً دون الآلام؟
إني أسمعكم تتهامسون، تقولون: فلسفة وأوهام. نعم، إنها فلسفة، ولكن ليست كل فلسفة هذياناً. وإنها أوهام، ولكن الحياة كلها أوهام تزيد وتنقص ونسعد بها ونشقى، أو شيء كالأوهام: يحمل الرجلان المتكافئان في القوة الحِمْلَ الواحد، فيشكو هذا ويتذمر فكأنه حمل حملين، ويضحك هذا ويغنّي فكأنه ما حمل شيئاً! ويمرض الرجلان المتعادلان في الجسم المرضَ الواحد، فيتشاءم هذا ويخاف ويتصور الموت، فيكون مع المرض على نفسه، فلا ينجو منه، ويصبر هذا ويتفاءل ويتخيل الصحة، فتسرع إليه ويسرع إليها. ويُحكَم على الرجلين بالموت، فيجزع هذا ويفزع فيموت ألف مرة من قبل الممات، ويملك ذلك أمره ويحكّم فكره، فإذا لم تُنجه من الموت حيلتُه لم يقتله قبل الموت وهمه.
وهذا بسمارك، رجل الدم والحديد وعبقري الحرب والسلم، لم يكن يصبر عن التدخين دقيقة واحدة، وكان لا يفتأ يوقد الدَّخينة من الدخينة نهارَه كله، فإذا افتقدها خلَّ فكره وساء تدبيره. وكان يوماً في حرب، فنظر فلم يجد معه إلاّ دخينة واحدة لم يصل إلى غيرها، فأخّرها إلى اللحظة التي يشتدّ عليه فيها الضيق ويعظم الهم، وبقي أسبوعاً كاملاً من غير دخان صابراً عنه أملاً بهذه الدخينة، فلما رأى ذلك ترك التدخين وانصرف عنه، لأنه أبى أن تكون سعادته مرهونة بلفافة تبغ واحدة.
стр. 16
وهذا العلامة المؤرخ الشيخ الخضري، أُصيب في أواخر عمره بتوهم أن في أمعائه ثعباناً، فراجع الأطباء وسأل الحكماء، فكانوا يدارون الضحك حياء منه، ويخبرونه أن الأمعاء قد يسكنها الدود ولكن لا تقطنها الثعابين، فلا يصدق. حتى وصل إلى طبيب حاذق بالطب بصير بالنفسيات، قد سمع بقصته، فسقاه مُسْهلاً وأدخله المُستراح (المرحاض) -وكان قد وضع له فيه ثعباناً ميتاً- فلما رآه أشرق وجهه ونشط جسمه وأحسّ بالعافية، ونزل يقفز قفزاً، وكان قد صعد متحاملاً على نفسه يلهث إعياء ويئن ويتوجع. ولم يمرض بعد ذلك أبداً.
ما شُفي الشيخ لأن ثعباناً كان في بطنه ونزل، بل لأن ثعباناً كان في رأسه وطار (١)، لأنه أيقظ قُوى نفسه التي كانت نائمة. وإن في النفس الإنسانية لَقُوىً إذا عرفتم كيف تفيدون منها صنعت لكم العجائب.
تنام هذه القوى فيوقظها الخوف أو الفرح. ألم يتفق لواحد منكم أن أصبح مريضاً، خامل الجسد واهي العزم لا يستطيع أن ينقلب من جنب إلى جنب، فرأى حية تُقبل عليه ولم يجد من يدفعها عنه، فوثب من الفراش وثباً كأنه لم يكن المريض الواهن الجسم؟ أو رجع إلى داره العصر وهو ساغب لاغب قد هَدَّه الجوع والتعب، لا يبتغي إلا كرسياً يطرح نفسه عليه، فوجد برقية من حبيب له أنه قادم الساعة من سفره أو كتاباً مستعجَلاً من الوزير
стр. 17
يدعوه إليه ليرقي درجته، فأحسّ الخفة والشبع، وعدا عدواً إلى المحطة أو إلى مقر الوزير؟
هذه القوى هي منبع السعادة، تتفجر منها كما يتفجر الماء من الصخر نقياً عذباً، فتتركونه وتستقون من الغدران الآسنة والسواقي العَكِرة.
* * *
يا أيها القراء: إنكم أغنياء ولكنكم لا تعرفون مقدار الثروة التي تملكونها، فترمونها زهداً فيها واحتقاراً لها.
يُصاب أحدكم بصداع أو مغص أو بوجع الضرس فيرى الدنيا سوداء مظلمة، فلماذا لم يَرَها -لمّا كان صحيحاً- بيضاء مُشرقة؟ ويُحمى عن الطعام ويُمنَع منه فيشتهي لقمة الخبز ومضغة اللحم ويحسد من يأكلها، فلماذا لم يعرف لها لذّتها قبل المرض؟
لماذا لا تعرفون النعم إلا عند فقدها؟ لماذا يبكي الشيخ على شبابه ولا يضحك الشاب لصباه؟ لماذا لا نرى السعادة إلا إذا ابتعدت عنا، ولا نبصرها إلا غارقة في ظلام الماضي أو متَّشِحة بضباب المستقبل؟ كلٌّ يبكي ماضيه ويَحِنُّ إليه، فلماذا لا نفكر في الحاضر قبل أن يصير ماضياً؟
أيها السادة والسيدات: إنّا نحسب الغنى بالمال وحده، وما المال وحده؟ ألا تعرفون قصة الملك المريض الذي كان يُؤتَى بأطايب الطعام فلا يستطيع أن يأكل منها شيئاً، لمّا نظر من شُبّاكه
стр. 18
إلى البستاني وهو يأكل الخبز الأسمر بالزيتون الأسود، يدفع اللقمة في فمه ويتناول الثانية بيده ويأخذ الثالثة بعينه، فتمنى أن يجد مثل هذه الشهية ويكون بستانياً؟
فلماذا لا تقدّرون ثمن الصحة؟ أما للصحّة ثمن؟ من يرضى منكم أن ينزل عن بصره ويأخذ مئة ألف دولار؟ من يبيع قطعة من أنفه بأموال الشربتلي؟ (١) أما تعرفون قصة الرجل الذي ضل في الصحراء وكاد يهلك جوعاً وعطشاً، لما رأى غدير ماء وإلى جنبه كيس من الجلد، فشرب من الغدير وفتح الكيس يأمل أن يجد فيه تمراً أو خبزاً يابساً، فلما رأى ما فيه ارتَدّ يأساً وسقط إعياء. لقد رآه مملوءاً بالذهب!
وذاك الذي لقي مثل ليلة القدر، فزعموا أنه سأل ربه أن يحوّل كل ما مسته يده ذهباً، ومس الحجر فصار ذهباً، فكاد يُجَنّ من فرحته لاستجابة دعوته، ومشى إلى بيته ما تسعه الدنيا، وعمد إلى طعامه ليأكل، فمَسّ الطعام فصار ذهباً وبقي جائعاً، وأقبلت بنته تواسيه، فعانقها فصارت ذهباً ... فقعد يبكي يسأل ربه أن يعيد إليه بنته وسُفرته وأن يبعد عنه الذهب.
وروتشلد الذي دخل خزانةَ ماله الهائلة، فانصفق عليه بابها فمات غريقاً في بحر من الذهب!
* * *
يا سادة: لماذا تطلبون الذهب وأنتم تملكون ذهباً كثيراً؟
стр. 19
أليس البصر من ذهب، والصحة من ذهب، والوقت من ذهب؟ فلماذا لا نستفيد من أوقاتنا؟ لماذا لا نعرف قيمة الحياة؟
كلّفتني المجلة بهذا الفصل من شهر، فما زلت أماطل به والوقت يمر، أيامه ساعات وساعاته دقائق، لا أشعر بها ولا أنتفع منها، فكأنها صناديق ضخمة خالية، حتى إذا دنا الموعد ولم يبق إلا يوم واحد أقبلت على الوقت أنتفع به، فكانت الدقيقة ساعة والساعة يوماً، فكأنها العلب الصغيرة المترعة جوهراً وتِبراً، واستفدت من كل لحظة، حتى لقد كتبت أكثره في محطة «باب اللوق» (١) وأنا أنتظر الترام في زحمة الناس وتدافع الركاب، فكانت لحظة أبرك عليّ من تلك الأيام كلها، وأسفت على أمثالها!
فلو أني فكرت -كلما وقفت أنتظر الترام- بشيء أكتبه (وأنا أقف كل يوم أكثر من ساعة متفرقة أجزاؤها) لربحت شيئاً كثيراً. ولقد كان الصديق الجليل الأستاذ الشيخ بهجة البيطار يتردد من سنوات بين دمشق وبيروت، يعلّم في كلية المقاصد وثانوية البنات، فكان يتسلى في القطار بالنظر في كتاب «قواعد التحديث» للإمام القاسمي، فكان من ذلك تصحيحاته وتعليقاته المطبوعة مع الكتاب. والعلامة ابن عابدين كان يطالع دائماً (٢)، حتى إنه إذا قام إلى الوضوء أو قعد للأكل أمَرَ مَن يتلو عليه شيئاً
стр. 20
من العلم، فألّف الحاشية. والسَّرَخْسي أملى وهو محبوس في الجُبّ كتابه «المبسوط»، أجَلّ كتب الفقه في الدنيا (١).
وأنا أعجب ممّن يشكو ضيق الوقت. وهل يضيّق الوقتَ إلا الغفلةُ أو الفوضى؟ انظروا كم يقرأ الطالب ليلة الامتحان، تروا أنه لو قرأ مثله، لا أقول كل ليلة بل كل أسبوع، لكان علاّمة الدنيا. بل انظروا إلى هؤلاء الذين ألّفوا مئات الكتب كابن الجوزي والطبري والسيوطي والجاحظ، بل خذوا كتاباً واحداً كـ «نهاية الأرَب» أو «لسان العرب» وانظروا: هل يستطيع واحدٌ منكم أن يصبر على قراءته كله ونَسْخه مرة واحدة بخطه، فضلاً عن تأليف مثله من عنده؟
* * *
والذهن البشري، أليس ثروة؟ أما له ثمن؟ فلماذا نشقى بالجنون ولا نسعد بالعقل؟ لماذا لا نمكّن للذهن أن يعمل، ولو عمل لجاء بالمدهشات؟ لا أذكر الفلاسفة والمخترعين، ولكن أذكّركم بشيء قريب منكم سهل عليكم هو الحفظ. إنكم تسمعون قصة البخاري لمّا امتحنوه بمئة حديث خلطوا متونَها وأَسْنادَها، فأعاد المئة بخطئها وصوابها! (٢) والشافعي لما كتب مجلس مالك
стр. 21
بريقه على كفه وأعاده من حفظه، والمعرّي لمّا سمع أرمنيَّيْن يتحاسبان بلغتهما، فلما استشهداه أعاد كلامهما وهو لا يفهمه! والأصمعي وحمّاد الراوية وما كانا يحفظان من الأخبار والأشعار، وأحمد وابن معين وما كانا يرويان من الأحاديث والآثار ... (١) والمئات من أمثال هؤلاء، فتعجبون. ولو فكّرتم في أنفسكم لرأيتم أنكم قادرون على مثل هذا، ولكنكم لا تفعلون.
انظروا كم يحفظ كل منكم من أسماء الناس والبلدان والصحف والمجلات والأغاني والنكات والمطاعم والمشارب، وكم قصة يروي من قصص الناس والتاريخ، وكم يشغل من ذهنه ما يمر به كل يوم من المقروءات والمرئيات والمسموعات، فلو وضع مكان هذا الباطل علماً خالصاً لكان مثلَ هؤلاء الذين ذكرت.
أعرف نادلاً كان في قهوة فاروق في الشام من عشرين سنة اسمه حلمي، يدور على رُوّاد القهوة وهم مئات يسألهم ماذا يطلبون: قهوة أو شاياً أو هاضوماً (كازوزة) أو ليموناً، والقهوة حلوة ومُرّة، والشاي أحمر وأخضر، والكازوزة أنواع، ثم يقوم وسط القهوة يردد هذه الطلبات جهراً في نَفَس واحد، ثم يجيء بها فما يخرم مما طلب أحدٌ حرفاً!
* * *
فيا سادة: إن الصحة والوقت والعقل، كل ذلك مال، وكل ذلك من أسباب السعادة لمن شاء أن يسعد. ومِلاك الأمر كله
стр. 22
ورأسه الإيمان. الإيمان يشبع الجائع، ويدفئ المَقرور، ويغني الفقير، ويُسلي المحزون، ويقوّي الضعيف، ويُسَخّي الشحيح، ويجعل للإنسان من وَحشته أُنساً ومن خيبته نجحاً.
وأن تنظر إلى من هو دونك، فإنك -مهما قَلَّ مرتبك وساءت حالك- أحسن من آلاف البشر ممن لا يقل عنك فهماً وعلماً وحسباً ونسباً، بل أنت أحسن عيشة من عبد الملك بن مروان وهارون الرشيد، وقد كانا مَلِكَي الأرض، فقد كانت لعبد?الملك ضرس منخورة تؤلمه حتى ما ينام منها الليل، فلم يكن يجد طبيباً يحشوها ويلبسها، وأنت لا تؤلمك ضرسك حتى يقوم في خدمتك الطبيب. وكان الرشيد يسهر على الشموع ويركب الدواب والمحامل، وأنت تسهر على الكهرباء وتركب السيارة، وكانا يرحلان من دمشق إلى مكة في شهر وأنت ترحل في أيام أو ساعات!
فيا أيها القراء: إنكم سعداء ولكن لا تدرون، سعداء إن عرفتم قَدْرَ النِّعَم التي تستمتعون بها، سعداء إن عرفتم نفوسكم وانتفعتم بالمخزون من قواها، سعداء إن سددتم آذانكم عن صوت الديك ولم تطلبوا المستحيل فتحاولوا سدّ فمه عنكم، سعداء إن طلبتم السعادة من أنفسكم لا مما حولكم.
سعداء إن كانت أفكاركم دائماً مع الله، فشكرتم كل نعمة وصبرتم على كل بليّة، فكنتم رابحين في الحالين ناجحين في الحياتين.
* * *
стр. 23
تسعة قروش
نشرت سنة ١٩٤٨
من أسبوعين ابتُليت من أولادي بِبَلِيّة، هي أني كلما دخلت الدار تعلقوا بي طالبين تمثال «العبد الأسود ذي الطربوش الأحمر». وأنا لا أدري ما هذا التمثال ولا أعرف من أين آتيهم به، وهم يُلِحّون، لا يشغلهم عنه شيء من غالي اللعَب ونادر الطُّرَف، حتى كرَّهوا إليّ البقاء في البيت.
وكنت مرة خارجاً إلى عملي مستعجلاً، فوجدت بائعاً يحمل هذه التماثيل ينادي: "الواحد بقرش"، ففرحت به فرح الضالّ في البادية يرى معالم الطريق، واشتريت تمثالين وحملتهما معتزّاً بهما كأني أحمل كنزاً، وعدت بهما. حتى إذا دنوت من الدار وجدت ولدين صغيرين قاعدين في ظل جدار، فلما أبصرا التمثالين برقت عيناهما، ودنا رأساهما في همس، وارتفعت يداهما في إشارة خفية متهيبة، وشَخَص بصراهما كما يفعل شابان غريران طلعت عليهما من الطريقة فتاة فتّانة، وقاما فتبعاني وعيونهما معلقة بالتماثيل. فلما رأيت ذلك منهما فكّرت أن أدفعها إليهما، ولكني خشيت أن أرجع فلا أرى البائع، وتخيلت رغبة أولادي فيها فلم تطب نفسي أن أحرمهم هذه المتعة، ولم أستطع الإعراض عن
стр. 24
الولدين الفقيرين، فدعوتهما فدفعت إليهما قرشين وقلت لهما: هو ذا البائع، فالحقاه فاشتريا مثلهما، الواحد بقرش.
فأخذا القرشين، وعهدي بمثلهما أن القرش الصاغ ثروة له لا يناله إلا بشقّ النفس، فما حفلا بهما ولا هشَّا لهما، ولبثا شاخصَين في التمثالين كأنهما لم يريا القرشين ولم يسمعا الكلام، أو كأن عقلهما فارقهما فاستقر على ما في يدي فلم يفهما كلامي. وحاولت نسيانهما وسرت، فتبعاني كأنهما كلبان، وكنت أحس بحرّ نظراتهما على ظهري وبثقلها على روحي فأهم أن أمد يدي باللعب إليهما، ثم تدركني محبة الولد فأكف، حتى وصلت الدار وصورتهما أمام عيني، تمنع عنهما رؤية فرحة أولادي باللعب وتواثبهم إليها.
ولما خرجت وجدت الولدين لا يزالان في الطريق يفتّشان عن البائع، يعدوان هنا وهناك كأم أضاعت طفلها ولا تدري أية سبيل سلك، فدعوتهما فأفرخت روعهما وسألتهما عن اسميها، فمشيا معي، فما درت مع الطريق دورة حتى لقيت البائع أمامي، فاشتريت لهما تمثالين وتركت لهما القرشين، ووجدت حول البائع أولاداً مثلهما، فقلت له: أعطِ كل ولد تمثالاً (١).
وكانوا تسعة، فدفعت إليه تسعة قروش.
* * *
стр. 25
هل تصدقون (أو أحلف لكم) أنّي لما نظرت في وجوه الأولاد وقد بدا فيها بهاء الفرح، وما عرفَت هذه الوجوه الفرح قط، ولاحت عليها سمات الطفولة الراضية الشاكرة، وما كان يلوح عليها إلا الألم والحقد المرير، وأشرق عليها نور إلهي سطع من وراء ما حملت من الأوساخ والأقذار، ولما رأيت عيون الأمهات الواقفات تدمع وألسنة الرجال الواقفين تدعو، أحسست في قلبي بفرحة لا تعدلها فرحة الجائع بالمائدة الملوكية المترعة، ولا الضَّجِر بالقصة العبقرية الممتعة، ولا المحب المدنف بلقاء الحبيب بعد طول الهجران.
لا والله، فتلك أفراح أرضية وهذه فرحة سماوية، قد تعيش آلاف البشر وتموت ولا تحس مثلها. وشعرت كأني كبرت في عين نفسي، وأني صرت أقوى وأقدر، وأني نلت الأمانيّ ومُتِّعْتُ بالخلود.
إننا ننفق كثيراً من المال نشتري به يسير المُتَع، وهذي متعة
стр. 26
ما يكاد يجد الإنسان مثلها نلتها بتسعة قروش. وما تسعة قروش بالنسبة لي؟ إنها شيء كالعدم، شيء لا يغنيني وجوده ولا يفقرني فقده، فهل تحبون أن تشتروا مثل هذه المتعة؟ هل تحبون أن تعرفوا ما هي لذة الروح وما هي راحة القلب؟ هل تريدون أن تذوقوا نعيم الجنة وأنتم في الدنيا؟
لا تحسبوا أني أصُفُّ كلاماً وأرصفُ ألفاظاً، إني والله أسوق لكم حقائق. فإن أردتم معرفتها ففتّشوا حولكم عن هذه الطفولة المحرومة وهذه النفوس المعذَّبة، ثم أوْلوها الإحسان.
وليست قيمة الإحسان بكثرة المال؛ إن المال ينفع الفقيرَ ولكنه لا ينزع من قلبه النقمة على الحياة ولا يَسْتَلُّ منها بغض الأغنياء ولا يملؤها بالحب. إن الذي يفعل هذا كلَّه هو العطف، وأن تُشعر الفقير بأنه مثلك، وأن تعيد إليه كرامته وعزة نفسه. ورُبّ تحية صادقة تلقيها على سائل أحب إليه من درهم، ودرهم تعطيه فقيراً وأنت تصافحه يكون آثَرَ عنده من دينار تدفعه إليه متكبراً مترفعاً، يدك تمتد إليه بالمال ووجهك يجرّعه كأسَ الإذلال.
إن كل غني يستطيع أن يتصدق بالكثير، ولكن غنيّ القلب بالإنسانية والنبل والحب هو الذي يستطيع أن يتصدق -مع المال- بالعاطفة المنعشة؛ فلا تضنّوا على الفقراء بإنسانيتكم، ولا تبخلوا عليهم بعطاء قلوبكم، وذكّروهم أنهم لا يزالون معدودين من البشر، وأنهم مثلكم لأب واحد ولأم واحدة، لآدم وحواء، وأنهم لم ينحدروا إلى دركة الدواب والبهائم.
ذكّروهم بهذه الحقيقة التي طالما نسيتموها أنتم، ونسوها هم
стр. 27
أنفسهم. ولِمَ لا ينسونها وهم يعيشون كما تعيش البهائم: ينامون مثلها على الأقذار، في الأكواخ والحقول وفي الأزِقّة المعتمة وفي الخرائب المهجورة، ويأكلون مثلها من فضلات الناس، ويشربون مثلها من البِرَك الآسنة والأنهار العَكِرة، ولمْ ينالوا تعليماً يرفعهم عنها ولا مدنية تميزهم منها؛ يسهرون في عصر الكهرباء على السُّرُج والقناديل، ويركبون في عهد الطيران على العربات التي تجرها الحمير، ويسكنون في الأكواخ على التراب في زمان ناطحات السحاب. ومن تشبّهَ منهم بالناس المتحضرين لم يكد يصل إلى مثل حضارة الإنسانية الأولى، يحلق مثل الناس، ولكنه يقعد على الأرض، على رصيف الشارع، وبيده مرآه مكسورة يرى فيها وجهه، والصابون القذر يغطيه، وموسى الحلاّق المفلولة تجري فيه، والدم ينبثق من نواحيه، ثم تمر على هذا الوجه البشري ممسحة لا ترضونها أنتم والله لمسح أحذيتكم! ويركبون مثلما يركب الناس، ولكن على عربات الكارو، العشرة على متر مربع من الخشب، محمولين على دولابين من الحديد يسحبه حيوان هزيل، والعربة ترتَجّ بهم فترقّص مِعَدَهم وتزلزل أمعاءهم، ثم لا تصل بهم إلى نهاية الميل الواحد إلا بعد ساعة! ولهم قهوات، ولكن قهواتهم إصطبلات فيها ركائز تسمى مناضد أمامها عيدان تُدعى كراسي! ولهم مطاعم، ولكن مطاعمهم يقدَّم فيها المرض في طِباق قذرة.
فتداركوهم قبل أن يكفروا بالإنسان فينقلبوا حرباً عليه، حرباً ليس معها أمان. أشعروهم أنه لا يزال في الدنيا فضل وعدل ونبل. لِيَجُدْ كل واحد منكم على مَن هو دونه، لا بالمال وحده، بل
стр. 28
بالعاطفة والتواضع والإنسانية: الرئيس على المرؤوس، والوزير على الوكيل، والوكيل على المدير، والضابط على العريف، والعريف على الجندي ... فإن كل واحد من هؤلاء هو اليومَ عبدٌ لمَن هو أعلى منه وفرعون على ما هو دونه، يتكبر عليه مَن هو فوقه ويتكّبر هو على من تحته، حتى إن الشرطي ليطغى على البائع المتجول، والبائع يطغى على امرأته، والمرأة على ولدها، والولد على القطة يضربها بالعصا أو الكلب يرميه بحجر ... كلٌّ يحاول أن يَظلم كما ظُلم، والمجرم الأكبر هو الظالم الأول. إنهم كالحيوانات: الجرادة تأكل البعوض، والعصفور يأكل الجرادة، والحية تقتل العصفور، والقنفذ يقتل الحية، والثعلب يسطو على القنفذ، والذئب يسطو على الثعلب، والأسد يفترس الذئب، والإنسان يقتل الأسد، والبعوضة تقتل الإنسان، فتُغلق الحلقة على عدوان بعد عدوان.
كم تلقون كل يوم ممّن هم دونكم، فلا تتفضلون بالالتفات إليهم ولا تفكرون فيهم ولا تشعرون بوجودهم، ثم تتألمون إذا أعرض عنكم من هو فوقكم وتجاهل مكانكم، وترون ذلك جرحاً لشعوركم وكسراً لقلوبكم! فلماذا تطلبون ممن فوقكم ما لا تعطونه من هم دونكم؟ أليس لهؤلاء نفوس تحس وقلوب تتألم؟
مررت أمس بسائلة على شاطئ النيل الصغير، في الروضة، وأمامها بنت لها تحبو، وصلت إلى كومة أوساخ فنبشت فيها حتى وجدت بقية لعبة فحملتها فَرِحة بها وعادت إلى أمها مستبشرة، فأخذتها منها أمها ومسحتها وحاولت أن تصلحها وتعيد الحياة
стр. 29
إليها، وقد فارقتها الحياة منذ أزمان. فلويت وجهي ألماً من منظر هذه القذارة، ثم عدت ألوم نفسي وأسائلها: ما ذنب هذه الأم إذا أحبت ابنتها وأرادت إسعادها؟ وما ذنب هذه البنت إذا طالبت بحق الطفولة الطبيعي باللعب؟
لماذا أشتري لبناتي كل أسبوع لعبة، ولم يخطر على بالي أبداً أن في البلد أطفالاً لا يجدون لعباً؟ نحسب أننا إذا أطعمنا أطفال الفقراء الخبز فقد أدَّينا حق الله وحق المروءة والإنسانية علينا، ولكن الطفل لا يكفيه الخبز ولا يرضيه، وهو يرى أطفال الناس يمرون به كل ساعة وعليهم أبهى الثياب ومعهم أغلى اللعب. إنه بين أمرين: إما أن يتبلد حسه وتموت نفسه، فلا يطمح أن يجاري هؤلاء ولا يأمل أن يكون مثلهم أبداً، فينشأ ضعيف الهمة ذليلاً مَهيناً، فيكون من أسباب ضعف هذه الأمة وهوانها على الأمم؛ وإمّا أن يثور ويغضب ويمتلئ قلبه الصغير حقداً، ثم يكبر ويكبر الحقد معه حتى يكون عدواً للمجتمع ونقمة على الناس، يظلمهم كما ظلموه، يسرق من يستطيع سرقة ماله، ويُزهق روح من يتمكن من إزهاق روحه، وينشر الفساد في الأرض.
فلماذا نجعل من هؤلاء الأطفال أعداء لنا؟ لماذا لا نحبهم فنعلمهم الحب؟
أليسوا أزهاراً في روض الحياة؟ أليست كل زهرة حلوة ولو علاها الغبار؟ أليس كل صغير جميلاً ولو كان قطاً أو كلباً؟ أفنحبّ القطة الصغيرة ونمسحها ونضعها على الأحضان ونكره هؤلاء الأطفال؟ وما لهم؟ ألأنهم قُذْر الوجوه والثياب؟ إن القذارة لا تُحَب، ولكن هذا ذنب أمهاتهم، لا يغسلن وجوههم وهنّ
стр. 30
على النيل! لا، بل هو ذنبي وذنب كل واحد منكم وذنب الكُتّاب وأولي الأمر، إنهم لم يعلموا هؤلاء الأمهات النظافة، ولم يقل لهن أحد إن النظافة لازمة والوساخة مؤذية. ومن يقول لهن، وهن شحّادات على الطرقات، لا يكلمنَ أحداً بغير السؤال ولا يكلمهن أحدٌ أبداً؟
وما يدريني أن ابنتي أو ابنة أحدكم (لا سمح الله) ستلقى مثل هذا المصير؟ مَن منا أخذ على الدهر عهداً أن لا يزيل عنه نعمة؟ هل أَمِنّا المرض والفقر؟ هل أوقفنا حركة الفلك؟
وهل نسينا أن في الوجود إلهاً وأن بعد الدنيا آخرة؟ فكيف سوّغنا لأنفسنا -مع هذا كله- إهمالَ هذه «الإنسانية» الصغيرة المبرَّأة الطاهرة؟ لقد كان فينا مقلّدون متحذلقون ألّفوا جمعيات للرفق بالحيوان، ولكن لم ينشأ فينا إلى اليوم من يؤلف جمعية للرفق بالإنسان؟ لقد بلغ الخزي من نفوسنا أن وُجد فينا أناس يطعمون الكلاب المدللة اللحم السمين والشكلاطة الغالية، وحولهم بشر لا يأكلون اللحم مرة في الشهر ولا يتذوقون الشكلاطة أبداً!
* * *
إذا شئتم أن تذوقوا أجمل لذائذ الدنيا وأحلى أفراح القلوب، فجودوا بالحب وبالعواطف كما تجودون بالمال.
* * *
стр. 31
القبر التائه
نشرت سنة ١٩٤٠
كم ذا يقاسي العاشقون ويألمون، ولا يدري بهم أحد، ولا يبلغ وَهْمَ إنسان تصوُّرُ ما يعانون!
كم للحب من شهداء عاشوا يائسين وقضوا صامتين، فما حازوا مجداً ولا فخاراً، ولا اشتروا جنة ولا أمنوا ناراً. مساكين، يعيشون في دنيا الناس وليسوا فيها، يرون بغير العيون، فلا يرى الناس ما يرون ولا يبصرون ما يرى الناس، يموت عندهم كل حي ما لم يتصل بالحبيب، ويحيا كل ذي صلة به حتى الجماد. إن فكروا ففي المحبوب، أو تكلموا فَعَنْه، أو اشتاقوا فإليه، أو تألموا فعليه:
فإنْ تكلَّمْتُ لم أنطق بغيرِكمُ ... وإنْ سَكَتُّ فشغلي عنكمُ بكمُ
وإن مُنحوا الدنيا باعوها كلها بقبلة منه أو شمّة أو ضمّة، ثم لم يأملوا إلا دوامها أو الموت بعدها لئلا يجدوا فقدها! لا يألمون إن قال الناس «مجانين»، ولا يحزنون إن نالهم الأذى، بل ربما سرّهم ما يسوء إن كان فيه رضا المحبوب. ويا ويلهم من العذّال، يا ويل الشَّجِيّ من الخَلِيّ!
стр. 32
يلومون قيساً لأنهم لا يرون لَيْلاه إلا كسائر النساء، ففي كل امرأة عِوَض عنها وبديل منها، ولو استعاروا عينَي قيس فنظروا بهما لرأوا ليلى هي الدنيا، وهي الأخرى، وهي الروح، لولاها ما كانت الحياة ولا أضاءت الشمس ولا أنار القمر، ولا بسم الروض ولا ضحك الينبوع، ولا همس النسيم ولا غنى الطائر، ولا كان في الدنيا جميل.
قصة الحب هي القصة الأزلية التي تكرَّر دائماً وتعاد أبداً، لا تُمَلّ ولا تُسأم. نقرؤها كل يوم فلا نراها تبدّلَ فيها إلا الاسم، فهي آناً قصة ليلى أو لبنى أو عفراء، وهي آناً قصة ماجدولين أو فرجيني أو شارلوت، ولا تغيّر إلا المنازل؛ فمن بِطاح نجد إلى ضفة البحيرة، إلى ساحل الدنيا الجديدة، إلى ظلال الزيزفون، أما القصة فهي هي ما تبدلت ولا تغيرت، ولا يمكن أن تتبدل حتى تُبدَّل الأرضُ غيرَ الأرض.
على أن للحب مواسم، وله منازل ينبت فيها كما ينبت النخيل في البصرة والكرم في الشام. فمن منازله لبنان، لبنان (شرقيّه والغربي) الذي برأه الله على مثال الجنة: روح وريحان، وحور وولدان، فمَن حلّ فيه مؤمناً ذاق نعيم الخلود في دار الفناء وأحس بسعادة الأخرى في الدنيا، ومن حلّه غيرَ مؤمن أذهب طيباته في حياته الدنيا وما له في الآخرة من خَلاق.
لبنان الذي كان دارَ الأولياء والشعراء والسياح والزهّاد، من كل عابد متبتل ومحبّ هائم وتائب أوّاب. لبنان الذي جعل الله ماءه خمراً وجماله سحراً، فلا تدري أهو السحر قد خَيّل لك أنك في جنة الخلد أم هو السكر قد جعلك تحس التخلص من هذا
стр. 33
العالم الغارق في الدم، الملتحف باللهب، وتشعر أنك تعيش في الأفق الأعلى عيشة اللذة الدائمة والذهول الناعم الهنيء، وسط عوالم من النور تُدرَك ولا تُرى.
لبنان الذي لا تدري أي شيء فيه هو أجمل: أذُراه التي تبرقعت ببراقع الثلج فلم تبصرها عين حي من يوم خلق الله العالم، فعزّ بالحجاب جمالُها حين ذل بالسفور الجمال، أم سفوحه الحالِيَة بالصنوبر، أم القرى المنثورة على تلك السفوح، أم ينابيعه المتفجرة تفجر الحكمة، أم أوديته الملتوية التواء الفكرة في رأس أديب لا يملك البيان عنها؟ وأيُّه هو أبهى: أصباح بلودان، أم ظهيرة الشاغور أو حمّانا، أم الأصيل الفاتن في ربى صوفر، أم المساء الوادع في خليج جونيه، أم مناجاة الملائكة في قمة جبل الشيخ، أم مسامرة الزمان عند الأَرْز، أو في بعلبك؟ أم أنت تؤثر هذا كله وتتمنى لو شملته بنظرة منك واحدة، ثم ضممته إليك، ثم شددت عليه حتى أفنيته فيك أو فنيت أنت فيه؟
تعالوا سائلوا سفوحه وذراه ووديانه ورباه كم شهدت من فصول هذه القصة الخالدة، قصة الحب، وكم أُريق على صخوره من الحَيَوات والعواطف، يُطِلْ جوابَكم لو ملك الكلام. ولكنه أبكم لا ينطق، والناس بُكْمٌ لا يروون إلا تاريخ الوحشية المدمرة العاتية، يحفّظونه أبناءهم ليكون لهم منه أظفار كأظفار الوحش ومخالب كمخالب النسور، أما تاريخ الإنسانية العاشقة فإنهم يَزْدَرونه ويترفعون عن حفظه، ويرون من الخطر على الأخلاق أن يُدَرَّس في المدارس!
* * *
стр. 34
وكذلك أرى أنا، وهل أنا إلا من غُزَيّة؟
وإلا فمَن يروي لي قصة هذا القبر التائه، الذي نأى عن موطنه وفارق إخوانه، وطوّفَ حتى استقرّ عند قدم صخرة هائلة من صخور رأس بيروت، يلطمه الموج صباح مساء فيستغيث استغاثة غريق عاين الموت، ولا من مغيث؟
قبر منفرد ضائع بين الصخور، ليس ما يدلّ عليه إلا حجر منحوت نحتاً غير متقَن، عليه كتابة قد براها الماء فلم يبقَ منها إلا أنقاض هذه الأبيات:
الشمسُ تطلع تارةً وتغيبُ ... والليلُ يجمع شملَ ... ...
وأنا محبٌّ لم أجِدْ إلا الشّقا ... أُحيي الليالي ... ... ...
أفيجمعُ القبرُ الأحبّةَ إنْ نَمُتْ ... ويكون ... ... ... ...
فمَن -يا أهل بيروت- يعرف تلك القصة التي لم يبقَ منها إلا هذه الخاتمة الأليمة: قبرٌ تائه عليه شِعْر، إن لم يحفل به علماء اللسان كان حسبه أن يحفل به علماء القلوب؟
هل في هذا القبر عاشق من لبنان (يوم لم يكن قد فسد لبنان ولا عاثت فيه يد الحضارة) عرف فتاته في طفولتها الحلوة المبرَّأة، تتهادى بين البيت السعيد والحقل الخصيب، والمرعى الجميل والكرم البهي، فكانا يلحقان الأفراخ (الصيصان) وهُنّ بنات يوم واحد، قد خرجن من البيض كُراتٍ ذهبيةً من الريش الأصفر الناعم، تطير لخفّتها مع النسيم وتحل لحلاوتها في الفؤاد، فإذا رأتهما الدجاجة الأم فأقبلت عليهما نافشة ريشها مستنسرة خافا، فارتدّا إلى الجدي يلاعبانه والجحش يركبانه. وكان عالمهما
стр. 35
صغيراً كله، والصغير من كل شيء فاتن محبوب. ومَن منّا لا يحب الصبي والبُنَيّة، وفرخ الطائر والهُرَيرة والكُلَيب، وغُصَين الشجرة وزر الورد، وكل لطيف من التحف والطرف (١) ودقيق من الأشياء؟ من لا تنجذب إلى ذلك نفسه ويحنو عليه قلبه؟
ثم كبرا، فكانا يصحبان القطيع إلى القمم القريبة وإلى الوادي، ثم أبعدا المرعى فكانا يرافقان الشمس في غدوّها ورواحها ويطوّفان تَطوافها. ثم اكتمل جمالها وتمّت رجولته، وكذلك تؤتي الفضيلة أكلها إذا عاشت تحت عين الشمس، في الأعالي التي لا ترقى إليها جراثيم الفساد، فصارا يقاسمان الكبار السمر على «المصطبة» في ليالي الصيف وفي «العلِّيّة» في الشتاء. ومرت الأيام، فإذا هي فاتنة القرية وحسناؤها، وإذا هو بطل الديرة ورجلها، ومقدَّم الشباب في المصارعة وحمل الأثقال والعدو والسباحة، وتلك كانت مفاخر الشباب الجبلي في تلك الأيام، وكان رقصهم الدَّبْكة على «اليادل» أو على «دلعونة»، وكان هو شيخ الدبكة.
وكان الحب قد ولد في نفسيهما، فكانا يجلسان على قلعة على شفير الوادي، يرعيان هذا الحب الوليد ويدعان القطيع يرعى بنفسه، وكان لها عنده مثل الذي له عندها، فما الذي فرق بينهما؟ أهو المال أم الدسائس، أم قد زوجوها من غيره، أم ماذا؟ مَن يحفظ قصتهما يا أهل بيروت؟ وكيف عاشت من بعده، وكيف عاش من بعدها؟
стр. 36
أم كان متكئاً في زورقه، يرقب الشمس وهي في موقف الوداع صفراء شاحبة، لا يحفل بها أحد ممّن كان في الميناء لأن هموم العمل لم تدع في قلوبهم مكاناً للشعر، فأيقظه من غفلة التأمل أسرة تريد أن تجول في البحر جولة في الزورق، هنالك رآها واستقر حبها في قلبه، ولم يكن بذي صاحبة ولا ولد، فهام بها هياماً وقلب الأرض يفتش عنها علّه يحظى منها بنظرة فلم يلقها، فعاش بقية عمره يتجرع غصص الألم المكتوم، حتى مات حيث لقيها ودُفن حيث مات؟
أم أن هذا قبرها هي، يقوم على الشاطئ، على مسرح المأساة التي طالما مُثِّلَت عليه وأُعيدت؟ هنا كانت تقوم ترقب عودته من المهجر، من أميركا، تذكر أبداً كيف ودّعته بالدموع الغِزار وودّعها، ومنّاها الغنى والجاه والعودة القريبة، وانقضت الأيام وكرّت الشهور ولا حسَّ ولا خبر، والفتاة ترقب وتنظر وقد عافت عشّها وجَفَت أهلها، واختصرت دنياها كلها فكانت هذه الصخرة الصلعاء التي شهدت مبدأ آلامها وتأمُل أن تشهد نهايتها، تظن -من حبها وتذكّرها- أن السفينة لا تزال قريبة منها، وأن الحبيب يلوح بمنديله لا يزال، وبينها وبين الحبيب بحار ولُجَج وأيام وليال، والحبيب قد سلاها ونسيها، وطمست صورتَها في نفسه أمواجُ الثروة واللذة والدنيا العظيمة في نيويورك حتى محتها ... فماتت شوقاً إليه وأسفاً عليه.
أم هي لم تمت، وإنما شهدت عودته، فإذا هو قد عاد رجلاً غير الذي ذهب لم يبقَ فيه من ابن القرية إلا كما يبقى من ندى الصباح تحت شمس الهاجرة، لا زيّه زيه ولا لسانه لسانه،
стр. 37
فأعرض عنها وازدراها، ورأت إلى جانبه فتاة من بنات «بايْ بايْ»، فخولطت وعادت إلى صخرتها تنتظر عودة من ليس يعود، حتى وافاها الأجل فدُفنت مكانها؟
أم هو قبر عاشق ماتت حبيبته كما ماتت ليلى، فعاش بعدها كما يعيش كل حبيب يائس؟ أم كانت قصة هذا القبر شيئاً آخر، فمن يعرف هذا الشيء؟ من يهتم بشهيد من شهداء الغرام؟ من يعنى بضحية من ضحايا العواطف؟ من يبكي للمحب المجهول ويقف على قبره وقوف الناس على قبر الجندي المجهول؟
يا رحمتا للعاشقين! حيهم بائس، وميتهم مَنسي، وحديثهم ضائع. يا رحمتا للعاشقين! لا يقام لشهيدهم قبر، وإن أقيم له لم يقف عليه أحد ولم يُحفَظ له تاريخ.
ويا ضيعة هذا الكنز الأدبي العظيم، هذه الدنيا من العواطف التي لم يبقَ منها إلا ما أودع ديوان «العتابا»، فمن يُعنى بجمع هذا الديوان ونشره في كتاب؟ ألم تعلموا بعد أن في هذه «العتابا» من الصور والمعاني ما لا يملك بعضه غزل شعراء العرب كلهم مجتمعاً؟ فمن يهتم به؟ ومتى يأخذ الشعراء هذه الصور والمعاني فيودعونها الشعر الفصيح؟
* * *
وبعد، فيا أهل بيروت: إذا جزتم بهذا القبر التائه فقفوا عليه كما تقفون على قبر الجندي المجهول، وقدّروا فيه المحبة كما تقدرون هنالك البغض، وكرموا فيه الحياة، فالحياة حب والحب حياة، واجعلوه تمثال العاطفة، فالعاطفة فوق العقل، والإنسان
стр. 38
إنسان بالعواطف لا بالتفكير.
لا تحقروا العاطفة ولا تزدروا القلوب، فإن القلب منزل أقدس شيئين في الوجود: الإيمان والحب، وحسب العقل جموداً وعجزاً أنه لا يستطيع أن يفهم الحب ولا يدرك الإيمان. وحسب العاطفة كرماً ونبلاً أنّ من ضروبها حب الوطن والوفاء والإحسان والرحمة، وذلك ما يميز الإنسان من سائر الحيوان.
ونحن اليوم في حاجة إلى الإيمان بالعاطفة الخيّرة، فلنجعل الحب العفيف وسيلة إليها (١)، ولنتخذ منه سلاحاً نحارب به الفسوق والدعارة والغلظة الوحشية، ولنستكمل به إنسانيتنا، فمن لم يعرف الحب لم يكن له قلب.
* * *
стр. 39
في الليل
نشرت سنة ١٩٤٣
انفضَّ السامرون بعدما صدّعوا رأسي بأحاديث الانتخابات والنيابات، والمطامع المكسوَّة بأثواب القناعة والمنافع المتَّشحة بوشاح الإخلاص. وكان هزيع من الليل، فتنفست الصعداء وخرجت إلى «المَشْرَقة» (١) أشرف على دمشق. وإن دمشق وغوطتها وسبع عشرة قرية من قراها لتبدو للناظر من شرفة داري في «المهاجرين» واضحة كأنها صفحة الكف، يأخذ منها فضاءً عرضُه خمسون كيلاً بنظرة واحدة من علو مئتي متر. وكانت ليلة ساكنة رَخِيّة النسيم، قد زانها بدر شعبان، فوقفت أمتع النفس بها وآنس بسكون الكون بعد ضجة المجلس، ورحب الفضاء بعد
стр. 40
ضيق الغرفة، وأرخيت العنان لأفكاري فانسابت على مهل.
ولبثت ساهراً وحدي وقد نامت النجوم على فرش المُزْن الرقراق، ونامت الجبال على أكتاف الأودية وحوافي السهول، ونامت الغوطة في أحضان قاسيون، ونامت الأشجار في جنان الغوطة، حتى بردى فإنه يمشي نائماً فِعْلَ الجند وهم قافلون من سفر بعيد متعب، وقد ملّ من طول السفر وبعد الغاية التي لم يصل إليها وهو يمشي نحوها منذ ألف ألف سنة، وكاد يخالطه اليأس من بلوغها! ولم يبقَ ساهراً معي إلا هذه الأضواء الكليلة التي ترتجف من الوحدة والخوف، وتنظر بعيونها «الزرقاء» خلال الظلام فلا تبصر الطريق.
* * *
وجعلت أفكر فأرى الطبيعة ظاهرها كباطنها، لا يُضمر الجبل نفاقاً، ولا السهل يبطن حقداً، ولا السحاب ينطوي على مكر، ثم أنظر إلى هذه السقوف التي كانت تبدو بهية براقة، يقطر منها النور بعدما اغتسلت بضياء القمر، فأفكر فيها: ماذا تحت هذه السقوف؟
كم تحتها من خبايا وعجائب ومؤتلف ومختلف! كم من معبد لمتهجد متنسك إلى جنب مخدع لمستهتر متهتك، هذا خلا بربّه وذاك بحبّه، فتجاورت منهما الظلمة والنور. وكم من سرير لميت يحف به أهله يبكون، ومضجع لعروسين أحاط بهما الأقرباء يضحكون. ومَن يبيت يتبرم بالولد ومن يتألم من العقم، وشاكٍ من التخمة وباكٍ من الجوع، ومسرور يتمنى لو طال الليل