← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13691

صور وخواطر

علي الطنطاوي

Полный текст (362 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أم كان متكئاً في زورقه، يرقب الشمس وهي في موقف الوداع صفراء شاحبة، لا يحفل بها أحد ممّن كان في الميناء لأن هموم العمل لم تدع في قلوبهم مكاناً للشعر، فأيقظه من غفلة التأمل أسرة تريد أن تجول في البحر جولة في الزورق، هنالك رآها واستقر حبها في قلبه، ولم يكن بذي صاحبة ولا ولد، فهام بها هياماً وقلب الأرض يفتش عنها علّه يحظى منها بنظرة فلم يلقها، فعاش بقية عمره يتجرع غصص الألم المكتوم، حتى مات حيث لقيها ودُفن حيث مات؟ أم أن هذا قبرها هي، يقوم على الشاطئ، على مسرح المأساة التي طالما مُثِّلَت عليه وأُعيدت؟ هنا كانت تقوم ترقب عودته من المهجر، من أميركا، تذكر أبداً كيف ودّعته بالدموع الغِزار وودّعها، ومنّاها الغنى والجاه والعودة القريبة، وانقضت الأيام وكرّت الشهور ولا حسَّ ولا خبر، والفتاة ترقب وتنظر وقد عافت عشّها وجَفَت أهلها، واختصرت دنياها كلها فكانت هذه الصخرة الصلعاء التي شهدت مبدأ آلامها وتأمُل أن تشهد نهايتها، تظن -من حبها وتذكّرها- أن السفينة لا تزال قريبة منها، وأن الحبيب يلوح بمنديله لا يزال، وبينها وبين الحبيب بحار ولُجَج وأيام وليال، والحبيب قد سلاها ونسيها، وطمست صورتَها في نفسه أمواجُ الثروة واللذة والدنيا العظيمة في نيويورك حتى محتها ... فماتت شوقاً إليه وأسفاً عليه. أم هي لم تمت، وإنما شهدت عودته، فإذا هو قد عاد رجلاً غير الذي ذهب لم يبقَ فيه من ابن القرية إلا كما يبقى من ندى الصباح تحت شمس الهاجرة، لا زيّه زيه ولا لسانه لسانه،

стр. 37

فأعرض عنها وازدراها، ورأت إلى جانبه فتاة من بنات «بايْ بايْ»، فخولطت وعادت إلى صخرتها تنتظر عودة من ليس يعود، حتى وافاها الأجل فدُفنت مكانها؟ أم هو قبر عاشق ماتت حبيبته كما ماتت ليلى، فعاش بعدها كما يعيش كل حبيب يائس؟ أم كانت قصة هذا القبر شيئاً آخر، فمن يعرف هذا الشيء؟ من يهتم بشهيد من شهداء الغرام؟ من يعنى بضحية من ضحايا العواطف؟ من يبكي للمحب المجهول ويقف على قبره وقوف الناس على قبر الجندي المجهول؟ يا رحمتا للعاشقين! حيهم بائس، وميتهم مَنسي، وحديثهم ضائع. يا رحمتا للعاشقين! لا يقام لشهيدهم قبر، وإن أقيم له لم يقف عليه أحد ولم يُحفَظ له تاريخ. ويا ضيعة هذا الكنز الأدبي العظيم، هذه الدنيا من العواطف التي لم يبقَ منها إلا ما أودع ديوان «العتابا»، فمن يُعنى بجمع هذا الديوان ونشره في كتاب؟ ألم تعلموا بعد أن في هذه «العتابا» من الصور والمعاني ما لا يملك بعضه غزل شعراء العرب كلهم مجتمعاً؟ فمن يهتم به؟ ومتى يأخذ الشعراء هذه الصور والمعاني فيودعونها الشعر الفصيح؟ * * * وبعد، فيا أهل بيروت: إذا جزتم بهذا القبر التائه فقفوا عليه كما تقفون على قبر الجندي المجهول، وقدّروا فيه المحبة كما تقدرون هنالك البغض، وكرموا فيه الحياة، فالحياة حب والحب حياة، واجعلوه تمثال العاطفة، فالعاطفة فوق العقل، والإنسان

стр. 38

إنسان بالعواطف لا بالتفكير. لا تحقروا العاطفة ولا تزدروا القلوب، فإن القلب منزل أقدس شيئين في الوجود: الإيمان والحب، وحسب العقل جموداً وعجزاً أنه لا يستطيع أن يفهم الحب ولا يدرك الإيمان. وحسب العاطفة كرماً ونبلاً أنّ من ضروبها حب الوطن والوفاء والإحسان والرحمة، وذلك ما يميز الإنسان من سائر الحيوان. ونحن اليوم في حاجة إلى الإيمان بالعاطفة الخيّرة، فلنجعل الحب العفيف وسيلة إليها (١)، ولنتخذ منه سلاحاً نحارب به الفسوق والدعارة والغلظة الوحشية، ولنستكمل به إنسانيتنا، فمن لم يعرف الحب لم يكن له قلب. * * *

стр. 39

في الليل نشرت سنة ١٩٤٣ انفضَّ السامرون بعدما صدّعوا رأسي بأحاديث الانتخابات والنيابات، والمطامع المكسوَّة بأثواب القناعة والمنافع المتَّشحة بوشاح الإخلاص. وكان هزيع من الليل، فتنفست الصعداء وخرجت إلى «المَشْرَقة» (١) أشرف على دمشق. وإن دمشق وغوطتها وسبع عشرة قرية من قراها لتبدو للناظر من شرفة داري في «المهاجرين» واضحة كأنها صفحة الكف، يأخذ منها فضاءً عرضُه خمسون كيلاً بنظرة واحدة من علو مئتي متر. وكانت ليلة ساكنة رَخِيّة النسيم، قد زانها بدر شعبان، فوقفت أمتع النفس بها وآنس بسكون الكون بعد ضجة المجلس، ورحب الفضاء بعد

стр. 40

ضيق الغرفة، وأرخيت العنان لأفكاري فانسابت على مهل. ولبثت ساهراً وحدي وقد نامت النجوم على فرش المُزْن الرقراق، ونامت الجبال على أكتاف الأودية وحوافي السهول، ونامت الغوطة في أحضان قاسيون، ونامت الأشجار في جنان الغوطة، حتى بردى فإنه يمشي نائماً فِعْلَ الجند وهم قافلون من سفر بعيد متعب، وقد ملّ من طول السفر وبعد الغاية التي لم يصل إليها وهو يمشي نحوها منذ ألف ألف سنة، وكاد يخالطه اليأس من بلوغها! ولم يبقَ ساهراً معي إلا هذه الأضواء الكليلة التي ترتجف من الوحدة والخوف، وتنظر بعيونها «الزرقاء» خلال الظلام فلا تبصر الطريق. * * * وجعلت أفكر فأرى الطبيعة ظاهرها كباطنها، لا يُضمر الجبل نفاقاً، ولا السهل يبطن حقداً، ولا السحاب ينطوي على مكر، ثم أنظر إلى هذه السقوف التي كانت تبدو بهية براقة، يقطر منها النور بعدما اغتسلت بضياء القمر، فأفكر فيها: ماذا تحت هذه السقوف؟ كم تحتها من خبايا وعجائب ومؤتلف ومختلف! كم من معبد لمتهجد متنسك إلى جنب مخدع لمستهتر متهتك، هذا خلا بربّه وذاك بحبّه، فتجاورت منهما الظلمة والنور. وكم من سرير لميت يحف به أهله يبكون، ومضجع لعروسين أحاط بهما الأقرباء يضحكون. ومَن يبيت يتبرم بالولد ومن يتألم من العقم، وشاكٍ من التخمة وباكٍ من الجوع، ومسرور يتمنى لو طال الليل

стр. 41

ومنكود موجع ينتظر النهار، وكادح للعيش ناصب لا يستريح نهاره ولا يكاد ينام ليله، همه المال يجمعه ويرْكُمُه، قد حرم نفسَه من أجله الطيبات، ولو كُشف له الغطاء لعلم أنه إنما سخّره الله لآخر فهو يجمعه له ويكدح من أجله، وذاك نائم لا يفكر فيه ولا يباليه، حتى يجيء وقته فيأتيه ... وتلميذ ذكي قد أثقل جفنيه النعاس وهدّ جسده التعب وهو مقبل على كتبه ودفاتره، وآخر كسلان يغطّ غطيط البَكْر، ولو اطلعا على الآتي لرأيا أن هذه الدنيا سترفع الجاهل الخامل وتخفض العالم العامل، تفيض على الأول المجد والمال وتحرم الثاني، ولا يدري الحكمةَ في ذلك إلا الله. وكم من زوجين باتا متنافرين، يتمنى كل لو كان عزرائيل ووُكل بقبض روح صاحبه، وما ثمة من سبب إلا أن الزوج راح إلى الدار متألماً من أمر أصابه، يبتغي الراحة عند زوجه إذ تقبل عليه مُواسيةً مسلية بوجه طلق وفم باسم، وأن الزوجة كانت تنتظره وقد أناخ عليها الملل وترقب دخوله ضاحكاً مرحاً، فلما رأته مُرْبَدَّ الوجه خاب أملها فتألمت وأعرضت، ولما رآها معرضة ضاع رجاؤه منها فزوى وجهه عنها، وأمل كلٌّ أن يبدأه الآخر بالصلح لأنه عند نفسه لا ذنب له، فلما طال الوقت وهما متنافران يتراميان بالنظرات شزراً كالقطط في عراكها، استحكمت العقدة فلم يبق إلا الطلاق! وكم من سجين يتقلب في السجن على مثل الإبر، يذكر أهله الذين لا عائل لهم سواه، وقد حُبس في تهمة، وقاضيه في النادي يضارب على المائدة الخضراء بالمال الذي قبضه رشوة من

стр. 42

خصمه ليحكم عليه. وتائبة تجول في الطرقات الخالية مع الكلاب، ولا تجد من يَمُنّ عليها بكسرة خبز إلا إن دفعت ثمنها من جسدها لأنها زانية ملعونة لا تُقبَل لها توبة، والذي أفسدها وأغواها يتصدر المجالس، لا يذكر الناس خطيئته التي استزلّه الشيطانُ إليها في شبابه لأنه تاب منها، ومن تاب تاب الله عليه! وكم من أديب، أديب حقاً، قد طاعت له عَصِيّات الكَّلِم وذلَّت له العوالي من قطوف البلاغة، قد انزوى في خُصِّه لا يدري به أحد، ودعيٌّ جاهل، لصُّ معانٍ وصفّاف كلمات، قد جُمع له المجد الأدبي من أطرافه فكان له الاسم السائر والمال الوافر. ومُتَمَشْيِخ قد لبس مُسوح الزهّاد واتّزر بإزار الصالحين، قد عرّض لحيته وكوّر عمامته وأدلى عذبته وطوّل سبحته، ودعا الناس إلى الزهد في الدنيا ونبذ الأموال ورمي النقود في الطرقات لأنها وسخ الدنيا، فلما أطاعوه ورموها خالفهم إليها فالتقطها! وكم من أزواج قد باتوا في الفراش مع نساء لا يفضلن زوجاتهم في جمال ولا كمال، ولكنه شرع إبليس لا لذة فيه إلا مع الحرام. وكم من نساء تركن أزواجهن وارتمين في أحضان الملاعين من لصوص الأعراض! كم تحت هذه السقوف من شاعر يعتقد الناس أنه خُلق روحاً بلا جسم، وأنه يتغذى بالحب ويأكل العواطف، قد أغلق عليه بابه وطفق يعدّ نقوده التي يستوحيها الخيال ويستلهمها الشعر، فلما رآها قليلة لا تزال انصرف إلى نظم قصيدة جديدة يستدرّ بها المال.

стр. 43

ونصير للفضيلة، سخّر صحيفته لها ووقفها عليها، قد هرب من بيته وانصرف في تلك الساعة إلى عشيقته ليقرأ عليها مقالته الجديدة في ذم العشق وامتداح الوفاء الزوجي. وفلاح عاكف على لَبَنه يخلطه بالماء، وكلما صبّ فيه شيئاً نظر إليه وذاقه، فلما اطمأن إلى أنه لم يعد يحتمل زيادة جعل يفكر في أيمان جديدة يحلف بها غداً على أن اللبن خالص لم يمسه الماء! وباتت عشرون ألف فتاة ينتظرْنَ الزواج، وبات عشرون ألف فتى ينتظرون الزواج، وما حال بين الطائفتين إلا غلاء المهور وكثرة التكاليف، وسخف الآباء الذين يحسبون بناتهم دوابّ تباع في سوق البقر فهم يشتطون بأثمانها، والذين لا يمتثلون أوامر الشرع فيُروا البنت للخاطب الكفء ويطلقونهنّ في الطرقات متبرجات سافرات، فيراهن الفاسق والصالح وكل ذي عينين، حتى الحمار! وباتت الخمّارات مفتَّحة الأبواب مزدحمة بالطلاب، وبات المسجد مغلقاً قد قام خطيبه بالواجب عليه، فخطب في ذم الخمر وألقى فيه درساً، وانصرف لينام مطمئناً بعد ما أنكر المنكر وأمر بالمعروف. وكان النواب لا يزالون مجتمعين يتباحثون، وقد ملّ البوّابُ ونعس، ولكنه بقي قائماً يعلل النفس بأن البرلمان سيأتيه بقماش رخيص، وسيكسر رجل صاحب الدار إن جاء يطلب الأجرة ويسقط ديونه كلها، وتخيّل الديون ساقطة فأغمض عينيه مرتاحاً ونام.

стр. 44

وخلال ذلك عشرة آلاف شاب لا ينقصهم شيء من مال وصحة، ولكنهم لا يزالون يشكون الملل ولا يدرون ما يصنعون، فيُقبلون على الملاهي أو ينتحرون، ولو دققوا لعلموا أنهم إنما ينقصهم الإيمان. وأربعمئة ألف نسوا همومهم وناموا كالقتلى! (١) * * * وجعلت أَلِجُ بخيالي هذه البيوت وأجول تحت السقوف، فأجد كل خبيثة لا تعرفها أصناف الحيوان، وإن هي عرفتها ترفّعَت عنها وأبتها؛ أفهذا هو الإنسان سيد المخلوقات؟ وفيمَ هذه السيادة إن لم تكن بالإيمان والفضيلة والاستقامة والصدق والعلم؟ أليس الإنسان الذي يكفر بالذي خلقه، ويخون وطنه، ويسيء إلى أبيه الذي رباه وأمّه التي حملته، ويكذب وينافق ويغش ويسرق، ويكون عبدَ شهواته وأسيرَ جهله ... أليس هذا الإنسان شراً من الحمار؟

стр. 45

ويل لهذا الإنسان! أتته آلاف الأنبياء والحكماء والمصلحين، وآلاف الآيات والنُّذُر، ولا يزال ممعناً في غوايته مقبلاً على شهواته. إن امرأة واحدة عارية تهدم في ساعة واحدة ما يبنيه الأستاذ المرشد المصلح الهادي في عشرين سنة. إن الصخر الأصم لَيلينُ ويتفجر منه الماء وقلب الإنسان لا يلين، وإن الجماد ليعي النُّذُرَ ويعتبر وهذا الإنسان لا يعي ولا يعتبر. من فكر واعتبر بهذه البيوت وكم مَرَّ عليها من ساكنين؟ كم رأت مَن ذلَّ بعد عزّ وعَزَّ بعد ذل، ولم يبق من ذلك شيء! هنالك وراء الأموي كانت «الدار الخضراء»، منزل الأخلاف من بني أمية، وكانت أمنعَ من النجم وأبهى من الشمس، وكانت سُرّة الأرض، من جبال الصين إلى البيرنيه، فآضت اليومَ مصبغةً صغيرة حقيرة! وسترجع المصبغة قصراً، ثم يصير القصر مقبرة (١).

стр. 46

هذه هي الدنيا، ولكنّا غافلون عن حقيقتها، مطمئنون إليها، ظانّون أنها تدوم لنا. ماذا بقي من بني أمية ومن المماليك إلا هذه الجدران القائمة وهذه القباب؟ وماذا بقي من بني عثمان إلا السراي؟ سلوا دَرَج السراي كم رأى من صاعدين ونازلين، ما استقر منهم أحد، لا ربّ القصر يخلد فيه ولا ساكن السجن، كلهم عابر سبيل (١). واستغرقت في أفكاري، فلم أنتبه إلا وصوت المؤذن يَرِنّ في هذا السكون نقياً صافياً عذباً، يقول: «الصلاة خير من النوم»، فقلت: صدق والله، ومن السهر ومن المال ومن المجد، لأنها هي التي تبقى، على حين تفنى الدنيا بما فيها من مسرّات وأحزان. وقمت إلى الصلاة. * * *

стр. 47

إلى أخي النّازح إلى باريس نشرت سنة ١٩٣٧ يا أخي: لمّا دخلتَ «مسابقة البعثة» أملت لك الفوز لِما عوّدك الله من التوفيق والمعونة، وخفت عليك الخيبة لأن الوزارة لا تريد إلا مبعوثاً واحداً في العلوم الرياضية من سوريا كلها، وأنّى لك أن تكون ذاك الواحد؟ فلما ظهرت النتيجة وكنت أنت الناجح في فروع الرياضة، وكنت الناجح في «الطبيعة» أيضاً، حمدت الله على هذه المنة وذهبت أستعجلك بالسفر، ولما عزمتَ أعددتُ لك ما تريد وأنا فرح مستبشر مسرور. كنت مسروراً لأني أعلم أنك ذاهب تطلب العلم، وتخدم الوطن، وتقوم بالواجب. ولكنْ لم يكَدْ يتحقق الأمر ويأزَف الرحيلُ، وأرى الباخرة الفخمة «مارييت باشا» رابضةً حِيال المرفأ في بيروت تسطع أنوارها وتتلألأ، وألقي نظري على هذا البحر الهائل الذي يمتد في الفضاء أسودَ مثل الليل، حتى يغيب في السماء أو تغيب فيه السماء ... لم أكد أرى ذلك حتى أدركت الحقيقة الواقعة وعلمت أنك مودع نازح، فغلبت عليّ العاطفة وفاضت نفسي رقة وحناناً.

стр. 48

لم أستطع أن أودّعك، ولم أقوَ على رؤيتك وأنت في الباخرة ماخرة بك عباب اليمّ، تنأى بك عني حتى تصير نقطة صغيرة على شاطئ الأفق، ثم تنحدر إليه وتختفي وراءه، وتختفي أنت معها، وتصبح (١) في نظري عدماً لأني لا أحس لها وجوداً. والوداعُ -يا أخي- جماع آلام الحياة وأساسها ومصدرها، وأشد ألوان الوداع وآلمها وأمرّها وداعٌ في البحر، ذاك الذي لا يطيقه ذو قلب. ودّعتك وداعاً عادياً، ولبثت في مدرستي ألقي دروسي وأنا هادئ الجوارح ساكن الطائر، ولكن في القلب مني زلزلة وفي الأعصاب ناراً. حتى إذا عاد أخوك ناجي (الذي صحبك إلى الباخرة) (٢) فخبّرني أنك سرت «على اسم الله» أحسستُ كأن قلبي قد هبط من هذا الزلزال كبناء هوى، وأن هذه النار قد تركت أعصابي رماداً منطفئاً، فسقطت على كرسيّ.

стр. 49

لا أدري فيمَ هذا الضعف ولا أحبه من نفسي، ولكني أدري أني أتخيلك الآن وحيداً فريداً لا ترى حولك قريباً ولا صديقاً، تطل من شرفة الباخرة فلا ترى إلا السماء والماء، وقد أخذك دُوار البحر فلم تجد مُعيناً ولا مسعفاً، وأتصورك في ذلك البلد الغريب الذي لا ترى فيه إلا وجوهاً تنكرها، وأنت الذي لم يفارق بلده قط ولم يغب عن أهله ليلة ولم يسافر وحده أبداً. فلذلك ما أحزن، وفي ذلك أفكر. ولكنها -يا أخي- خطيئة تربيتنا الاتكالية. لو أن آباءنا عوّدونا، ولو أنّا عوّدناك على الحياة الاستقلالية الصحيحة، وتركناك وأنت في الثانية عشرة تذهب وحدك وتعود وحدك، وعوّدناك حمل التبعات، وأيقظنا فيك شخصيتك ولم ندعها ضائعة في شخصياتنا، ودفعناك إلى استثمار مواهبك ولم نتركها معطلة ... لو فعلنا ذلك وأنت في الثانية عشرة، لما خفت عليك السفر وحدك إلى باريس وأنت في طريق العشرين. * * * يا أخي: إنك تمشي إلى بلد مسحور والعوذ بالله، الذاهب إليه لا يؤوب إلا أنْ يؤوبَ مخلوقاً جديداً وإنساناً آخَرَ غير الذي ذهب، يتبدل دماغه الذي في رأسه وقلبه الذي في صدره ولسانه الذي في فيه، وقد يتبدل أولاده الذين هم في ظهره إذا حملهم في بطن أنثى جاء بها من هناك! إي والله يا أخي، هذه حال أكثر من رأينا وعرفنا (إلا من عصم ربك)، يذهبون أبناءنا وإخواننا وأحباءنا، ويعودون عُداةً

стр. 50

لنا دُعاةً لعدونا جنداً لاستعمارنا. لا أعني استعمار البلاد فهو هيّن ليّن، ثم إننا قد شُفينا منه بحمد الله أو كدنا، وإنما أعني استعمار الرؤوس بالعلم الزائف، والقلوب بالفن الداعر، والألسنة باللغة الأخرى، وما يتبع ذلك من الأرتستات والسينمات وتلك الطامّات، من المخدّرات والخمور وهاتيك الشرور. فانتبه لنفسك واستعن بالله، فإنك ستقدم على قوم لا يبالي أكثرهم العفاف ولا يحفل العرض (١). سترى النساء في الطرقات والسوح (٢) والمعابر يعرضن أنفسهن عرض السلعة، قد أذلتهن مدنيّة الغرب وأفسدتهن وهبطت بهن إلى الحضيض، فلا يأكلن خبزهن إلا مغموساً بدم الشرف، وأنت لا تعرف من النساء إلا أهلك مخدَّرات معصومات كالدّر المكنون، شأنَ نساء الشرق المسلم، حيث المرأة عزيزة مكرمة محجوبة مخدَّرة، ملكة في بيتها، ليست من تلك الحِطّة والمذلة في شيء، فإياك أن تفتنك امرأة منهن عن عفتك ودينك، أو يذهب بلبك جمالٌ لها مزوّرٌ أو ظاهرٌ خدّاع؛ هي والله الحَيّة: ملمس ناعم وجلد لامع ونقش بارع، ولكن في أنيابها السمّ، وإياك والسمّ! إن الله قد وضع في الإنسان هذه الشهوة وهذا الميل، وجعل له من نفسه عدوّاً (لحكمة أرادها)، ولكنه أعطاه حصناً حصيناً يعتصم به وسلاحاً متيناً يدرأ به عن نفسه، فتحصّنْ بحصن

стр. 51

الدين وجرّدْ سلاح العقل تُوَقَّ الأذى كله. واعلم أن الله جعل من الفضيلة مكافأتها: صحة الجسم وطيب الذكر وراحة البال، ووضع في الرذيلة عقابها: ضعف الجسد وسوء القالة وتعب الفكر، ومن وراء ذلك الجنة أو جهنم. فإن عرضت لك امرأة بزينتها وزخرفتها فراقب الله، وحكّم العقل، واذكر الأسرة والجدود. لا تنظر إلى ظاهرها البرّاق، بل انظر إلى نفسها المظلمة القذرة وماضيها الخبيث المنتن. أتأكل من إناء ولغت فيه كل الكلاب؟ * * * يا أخي: إن في باريس كل شيء؛ فيها الفسوق كله، ولكن فيها العلم. فإن أنت عكفت على زيارة المكتبات وسماع المحاضرات وجدت من لذة العقل ما ترى معه لذة الجسم صفراً على الشمال (كما يقول أصحابك الرياضيون)، ووجدت من نفعها ما يعلقك بها حتى لا تفكر في غيرها. فعليك بها، استَقِ من هذا المورد الذي لا تجد مثله كل يوم، راجع وابحث وألِّفْ وانشر، وعِشْ في هذه السماء العالية، ودعْ من شاء يرتع في الأرض ويَعِشْ على الجيف المعطرة! غير أنك واجد في ثنايا هذه الكتب التي كتبها القوم المستشرقون عن العربية والإسلام وفي غضون هذه المحاضرات التي يلقونها عدواناً كثيراً على الحق وتبديلاً للواقع، فانتبه له، واقرأ ما تقرأ وأصغِ لما تسمع وعقلك في رأسك وإيمانك في صدرك. لا تأخذ كل ما يقولون قضيةً مسلَّمةً وحقيقة مقرَّرة،

стр. 52

فالحق هو الذي لا يكون باطلاً وليس الحق ما كان قائله أوربياً، فانظر أبداً إلى ما قيل ودع من قال. ثم إنك سترى مدينة كبيرة وشوارع وميادين ومصانع وعمارات، فلا يهولنّك ما ترى، ولا تحقر حياله نفسَك وبلدك كما يفعل أكثر من عرفنا من رُوّاد باريس. واعلم أنها إن تكن عظيمة وإن يكن أهلها متمدنين، فما أنت من أواسط إفريقيا ولا بلدك من قرى التُّبَّت (١)، وإنما أنت ابن المجد والحضارة، ابن الأساتذة الذين علّموا هؤلاء القوم وجعلوهم ناساً، ابن الأمّة التي لو حُذف اسمها من التاريخ لآضَ تاريخ القرون الطويلة صحفاً بيضاً لا شيء فيها، إذ لم يكن في هذه القرون بشر يدوّن التاريخُ تاريخَه سواهم ... فمَن هؤلاء الذين ترى؟ إنما هم أطفال أبناء أربعة قرون، ولكن أمتك بنت الدهر، لما وُلد الدهر كانت شابة وستكون شابة حين يموت الدهر. لا، لا أفخر بالعظام البالية ولا أعتز بالأيام الخالية، ولكن أذكره لك لأهزّ فيك نفسك العربية المسلمة، لأستصرخ في دمك قوى الأجداد التي قتلت وأحيت، وهدمت وبنت وعلمت، واستاقت الدهر من زمامه فانقاد لها طيّعاً ... إن هذه القوى الكامنة في عروقك نائمة في دمك، فليَفُرْ هذا الدم وليَثُرْ ويضطرم لتظهر ثانية وتعمل عملها.

стр. 53

لا تقل: ماذا يصنع طالب مثلي ضعيف في أمة قوية؛ فإن الأندلس المسلمة كانت بالنسبة لعصرها أقوى وكان روادها من طلاب الفرنجة أضعف، ولكنهم استطاعوا على ضعفهم أن يصنعوا هذه القوة التي تُعجب بها أنت ويذوب فيها غيرك. إن الدهر يا أخي دولاب والأيام دول، وإن في الشرق أدمغة، وفي الشرق سواعد، وفي الشرق مال، ولكن ينقص الشرقَ العلمُ، فاحمله إليه أنت وأصحابك، وعودوا إلى الشرق شرقيين معتزين بشرقيتكم الخَيّرة العادلة كما يعتز الغربيون بغربيتهم الظالمة الطاغية، واعلموا أن مهمتكم ليست ورقة تنالونها قد تُنال بالغش والاستجداء والسرقة، ولكن مهمتكم أمة تُحيونها. * * * يا أخي: إذا وجدت واسعاً من الوقت فادرس أحوال القوم وأوضاعهم في معايشهم وتجارتهم وصناعتهم ومدارسهم، وابحث عن أخلاقهم ومعتقداتهم، على أن تنظر بعين الناقد العاقل الذي يدوّن الحسنةَ لنتعلمها والسيئةَ لنتجنبها، ولا تكن كهؤلاء الذين كتبوا عن باريس من أبناء العرب فلم يروا إلا المحاسن والمزايا، ولا كأولئك الذين كتبوا عن الشرق من أبناء الغرب فلم يبصروا إلا المخازي والعيوب، ولكن كن عادلاً صادقاً أميناً. وإياك وهذه الحماقة التي يرتكبها بعض الكتّاب من الفرنجة حين يهرفون بما لا يعرفون ويقولون ما لا يعلمون، كهذا الأخرق الصفيق (١) الذي عمل أطروحة موضوعها «الحج» قدمها إلى

стр. 54

جامعة كبرى، وهو يجهل العربية ولا يعرف أي كتاب من كتب المسلمين بحث في الحج، وإنما جمع الأخبار من الصحف وأفواه العامة! وكتب في نظام الريّ في الغوطة وزعم أنه وفّى البحث وأتمَّه، وهو لا يعرف منه إلا ما أخبره به ثلاثة فلاحين لقيهم في قرية ذهب إليها، مع أن نظام الري في الغوطة لا يكاد يعرفه في دمشق إلا نفر قليل! وذاك الذي كان معلماً أولياً في بلده فصار عندنا مدير دار المعلمين العالية، فذهب مع طلابه إلى ظاهر دمشق، فمشى ينظر إلى جانبَي طريق الربوة هنا وهناك فوجد في الجبل أثراً للماء، فقال: من أين جاء هذا الماء؟ لا بدّ أن يكون جاء من بردى، إذ لا ماء في دمشق إلا من بردى. فماذا تكون نتيجة «البحث العلمي» في هذه المسألة؟ هي أن بردى كان يصل إلى هنا؛ إذن فقد كان عرض بردى في الماضي أربعمئة متر! وانطلق يقرر دائماً هذه الحقيقة! * * * وبعد يا أخي: فاعلم أن أثمن نعمة أنعمها الله عليك هي نعمة الإيمان، فاعرف قدرها واحمد الله عليها، وكن مع الله تَرَ الله معك، وراقب الله دائماً واذكر أنه مطّلع عليك يَعْصِمْك من الناس ويُعِذْك من الشيطان ويوفقك إلى الخير (١). وفي اللحظة التي تشعر فيها أن دينك وأخلاقك في خطر احزم

стр. 55

أمتعتك وعد إلى بلدك، وخلِّ «السوربون» تَنْعَ مَن بناها، وانفض يدك من العلم إن كان لا يجيء إلا بذهاب الدين والأخلاق. أستودع الله نفسك ودينك وأخلاقك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (١). * * *

стр. 56

من أحاديث الإذاعة اعرف نفسك ! أذيعت سنة ١٩٥٢ إنكم تسمعون كل يوم أحاديث في الجِدّ وفي الهَزْل وفي الخير وفي الشر؛ أحاديث تدعو إلى الوطنية، وأحاديث تسمو بالخُلُق، وأحاديث فيها متعة وفيها تسلية ... ولكن حديثي الليلةَ أهم من هذه الأحاديث كلها، لا لأني أنا كاتبه، أعوذ بالله من رذيلة الغرور، بل لأنه أمَسّ الموضوعات بكم وأقربها إليكم، ولأنه دعوة لكم لتعرفوا أنفسكم. لا تضحكوا يا سادة ولا تظنوا أني أهزل، ولا تقولوا: ومَن منّا لا يعرف نفسه؟ فإنه كان مكتوباً على باب معبد أثينة كلمة سقراط: «أيها الإنسان اعرف نفسك». ومن يوم سقراط إلى هذه الأيام لم يوجد في الناس إلا الأقل منهم مَن عرف نفسه! ومتى تعرف نفسك -يا أخي- وأنت من حين تصبح إلى حين تنام مشغول عنها بحديث أو عمل أو لهو أو كتاب؟ ومتى تعرف نفسك وأنت لا تحاول أن تخلو بها ساعة كل يوم تفكر فيها، لا يشغلك عنها تجارة ولا علم ولا متاع؟ ومتى، وأنت أبداً

стр. 57

تفكر في الناس كلهم إلا نفسك وتحدثهم جميعاً إلا إيّاها؟ تقول: «أنا»، فهل خطر على بالك مرة واحدة أن تسأل: «ما أنا»؟ هل جسمي هو «أنا»؟ هل «أنا» هذه الجوارح والأعضاء؟ إن الجسم قد ينقص بعاهة أو مرض، فتُبتَر رجل أو تُقطَع يد، ولكن «أنا» لا يصيبني بذلك نقصان! فما «أنا»؟ ولقد كنت يوماً طفلاً ثم صرت شاباً، وكنت شاباً وصرت كهلاً، فهل خطر على بالك أن تسأل: هل هذا الشاب هو ذلك الطفل؟ وكيف؟ وما جسمي بجسمه ولا عقلي بعقله، ولا يدي هذه يده الصغيرة، فأين تذهب تلك اليد؟ ومن أين جاءت هذه؟ وإذا كانا شخصين مختلفين فأيهما أنا؟ هل أنا ذلك الطفل الذي مات ولم يبقَ فيّ من جسده ولا فكره بقية؟ أم أنا الكهل الذي يُلقي هذا الحديث؟ أم أنا الشيخ الذي سيأتي على أثره بجسمه الواني وذهنه الكليل؟ ما «أنا»؟ وتقول: «حدّثت نفسي» و «نفسي حدّثتني»، فهل فكرت مرّةً ما أنت وما نفسك، وما الحد بينهما، وكيف تحدثك أو تحدثها؟ (١) وتسمع الصباحَ جرس الساعة يدعوك إلى القيام، فقد حان موعد الصلاة، فتحس من داخلك داعياً يدعوك إلى النهوض، فإذا ذهبت تنهض ناداك منك مُنادٍ أنْ تريَّثْ قليلاً واستمتع بدفء الفراش ولذة المنام. ويتجاذبك الداعيان: داعي القيام وداعي المنام. فهل

стр. 58

تساءلت: ما هذا وما ذاك؟ وما أنت بينهما؟ وما الذي يزيّن لك المعصية، ومَن يصور لك لذّتها ويجرّك إليها، وما الذي ينفّرك منها ويبعدك عنها؟ يقولون: إنها النفس وإنه العقل، فهل فكرت يوماً ما النفس الأمّارة بالسوء، وما العقل الرادع عنه؟ وما أنت؟ وتثور بك الشهوة حتى ترى الدنيا كلها مخدع الحبيب والحياة كلها متعة الجسد، وتتمنى أمانيّ لو أُعطيها شيطان لارتجف من فظاعتها الشيطان، ثم تهدأ شهوتك فلا ترى أقبح من هذه الأماني ولا أسخف من ذلك الوصال! ويعصف بنفسك الغضب حتى ترى اللذة في الأذى والمتعة في الانتقام، وتغدو كأن سبعاً حل فيك فصارت إنسانيتك وحشية، ثم يسكت عنك الغضب، فتجد الألم فيما كنت تراه لذة، والندم على ما كنت تتمناه. وتقرأ كتاباً في السيرة أو تتلو قصة أو تنشد قصيدة، فتحس كأنْ قد سكن قلبَك مَلَكٌ فطرتَ بغير جناح إلى عالم كله خير وجمال، ثم تدع الكتاب فلا تجد في نفسك ولا في الوجود أثارة من ذلك العالم. فهل تساءلت مرة: ما أنا من هؤلاء؟ هل أنا ذلك الإنسان الشهوان الذي يستبيح في لذته كل محرَّم ويأتي كل قبيح؟ أم ذلك الإنسان البطّاش الذي يشرب دم أخيه الإنسان ويتغذى بعذابه ويسعد بشقائه؟ أم ذلك الإنسان السامي الذي يحلق في سماء الطهر بلا جناح؟ أسبع أنا أم شيطان أم مَلَك؟ (١) * * *

стр. 59

أتحسب أنك واحد وأنك معروف، وأنت جماعة في واحد، وأنت عالم مجهول؟ كشفتَ مجاهل البلاد وعرفت أطباق الجو، ولا تزال أنت مَخفيّاً لم يظهر على أسرارك أحد. فهل حاولت مرة أن تدخل إلى نفسك فتكشف مجاهلها؟ نفسك عالم عجيب، يتبدل كلَّ لحظة ويتغير ولا يستقر على حال: تحب المرءَ فتراه مَلَكاً، ثم تكرهه فتبصره شيطاناً. وما ملكاً كان قطّ ولا شيطاناً، وما تبدل، ولكن تبدلت حالة نفسك. وتكون في مسرَّة فترى الدنيا ضاحكة، حتى إنك لو كنت?مصوِّراً? (١) لملأت صورتها على لوحتك بزاهي الألوان، ثم تراها وأنت في كدر باكية قد غرقت في سواد الحداد. وما ضحكت الدنيا قط ولا بكت، ولكن كنت أنت الضاحك الباكي. فما هذا التحول فيك؟ وأي أحكامك على الدنيا أصدق وأي نظرَيك أصح؟ وإذا أصابك إمساك فنالك منه صداع ساءت عندك الحياة، وامّحى جمال الرياض وطُمس بهاء الشمس واسْوَدّ بياض القمر، وملأتَ الدنيا فلسفة شؤم إن كنت فيلسوفاً وحشوت الأسماع شعر بؤس إن كنت شاعراً، فإذا زال ما بك بقَدَح من زيت الخَرْوَع ذهب التشاؤم في الفلسفة والبؤس في الشعر. فما فلسفتك -يا أيها الإنسان- وما شِعرك إن كان مصدرهما فَقْدَ قَدَح من زيت الخَرْوَع؟ وتكون وانياً واهي الجسم لا تستطيع حراكاً، فإذا حاق بك خطر أو هبط عليك فرح وثبت كأنْ قد نشطت من عقال وعدوت

стр. 60

عدو الغزال، فأين كانت هذه القوة كامنة فيك؟ هل خطر على بالك أن تبحث عن هذه القوة فتحسن استغلالها؟ هل تساءلت مرة عندما تغضب أو تفرح فتفعل الأفاعيل: كيف استطعت أن تفعلها؟ (١) إن النفس -يا أخي- كالنهر الجاري؛ لا تثبت قطرة في مكانها ولا تبقى لحظة على حالها، تذهب وتجيء غيرها، تدفعها التي هي وراءها وتدفع هي التي أمامها. في كل لحظة يموت واحد ويولد واحد، وأنت الكل؛ أنت الذي مات وأنت الذي وُلد، فابتغِ لنفسك الكمال أبداً، واصعد بها إلى الأعالي، واستولدها دائماً مولوداً أصلح وأحسن، ولا تقل لشيء «لا أستطيعه»، فإنك لا تزال كالغصن الطري لأن النفس لا تيبس أبداً ولا تجمد على حال، ولو تباعدت النقلة وتباينت الأحوال. إنك تتعود السهر حتى ما تتصور إمكان تعجيل النوم، فما هي إلا أن تبكر المنام ليالي حتى تتعوّده فتعجب كيف كنت تستطيع السهر. وتدمن الخمر حتى ما تظن أنك تصبر عنها، فما هي إلا أن تدعها حتى تألف تركها وتعجب كيف كنت تشربها. وتحب المرأة حتى ما ترى لك حياة إلا بها، فما هي إلا أن تسلوها حتى تعجب كيف كنت تحبها (٢). فلا تقل لحالة أنت فيها: "لا أستطيع تركها"، فإنك في سفر دائم، وكل حالة لك محطة على الطريق، لا تنزل فيها حتى ترحل عنها. * * *

стр. 61

فيا أخي: اعرف نفسك، واخلُ بها، وغُصْ على أسرارها، وتساءل أبداً: ما النفس؟ وما العقل؟ وما الحياة؟ وما العمر؟ وإلى أين المسير؟ ولا تنسَ أنّ مَن عرف نفسه عرف ربه، وعرف الحياة، وعرف اللذة الحق التي لا تعدلها لذة. وإن أكبر عقاب عاقب به الله مَن نسوا الله أنه أنساهم أنفسهم! * * *

стр. 62

مجانين نشرت سنة ١٩٤٦ إذا رأيتم رجلاً يمشي في الطريق منفوش الشعر شارد النظر، قد لبس معطفه على القفا ومشى على غير هدى، قلتم إنه مجنون. وقد يكون مجنوناً، ولكنه قد يكون فيلسوفاً أو شاعراً أو رياضياً! وإذا سمعتم أن رجلاً لا يفرق بين السراويل والقميص ولا بين الجمعة والخميس قلتم إنه مجنون، ولكن أناتول فرانس (والعهدة على الراوي جان جاك روسو) دُعي إلى وليمة يوم الأحد، فذهب يوم السبت ولبث ينتظر متعجباً من تأخر الغداء، ولبثت ربة الدار تنظر متعجبة من هذه الزيارة المفاجئة، ثم لم يرضَ أن يصدق أنه يوم السبت! فهل كان أناتول، نابغة قومه في البلاغة وباقعة العصر، مجنوناً؟ وإذا شاهدتم رجلاً يعتزل في كوخ أو ينفرد في غار، ولا يقبل على الدنيا ولا يكلم الناس، قلتم إنه مجنون. ولكن الغزالي عاف الدنيا وقد اجتمعت له، والمجدَ وقد أقبل عليه، والرياسةَ وقد أتته منقادةً تسعى إليه، وحبس نفسه في أصل منارة الجامع الأموي في دمشق. فهل كان الغزالي، حجة الإسلام وعَلَم الأعلام، مجنوناً؟

стр. 63

وإذا بلغكم أن إنساناً نسي اسمه قلتم إنه مجنون، ولكن الجاحظ نسي كنيته وطفق يسأل عنها حتى جاءه ابن حلال بالبشارة بلُقياها، فقال له: "أنت أبو عثمان". فهل كان الجاحظ، عبقري الأدب ولسان العرب، مجنوناً؟ ونيوتن، وقد كانت في داره قطة، كلما أغلق عليه بابه وقعد إلى كتبه ومباحثه أقبلت تخرمش الباب وتخشخش بأظفارها، فتشغله عن عمله حتى يقوم فيفتح لها. فلما طال عليه الأمر كَدَّ ذهنه وأطال بحثه، فاهتدى إلى المخلص، ففتح في أسفل الباب فتحة تمرّ منها، فاستراح بذلك من شرها. ثم وُلد لها ثلاث قُطَيطات ففتح لكل واحدة منها فتحة! لم يستطع هذا العقل الكبير الذي وسع قانون الجاذبية أن يتسع لحقيقة صغيرة: هي أن الفتحة تكفي القطة الأم وأولادها. وأمبير، وقد كانت تعرض له مسائل في الطريق فلا يجد قلماً لها وورقاً، فحمل معه حَوّاراً (١)، فكلما عرضت له مسألة ورأى جداراً أسود وقف فخط عليه، فرأى مرة عربة سوداء واقفة فجعل يكتب عليها أرقامه ورموزه، واستغرق فيها حتى سارت العربة، فجعل يعدو خلفها وحَوّاره بيده وهو لا يدري ما يصنع! وهنري بوانكاريه (٢)، وقد دعا قومه إلى وليمة في داره

стр. 64

وضرب لها الساعة السابعة موعداً، فلما حل الموعد وجاء القوم كان مشغولاً، فدعَوْه فلم يسمع، وألحّوا عليه فلم ينتبه، وكانوا يعرفون شذوذه، فأكلوا وانصرفوا. وقام بعد ساعتين فأمَّ غرفة المائدة فرأى الصحون الفارغة والملاعق المستعملة وبقايا الطعام، فجعل يفكر: هل أكل أم هو لم يأكل؟ ثم غلب على ظنه أنه قد أكل، فعاد إلى عمله! وأمر الله أفندي، العالم التركي المشهور صاحب «المَعْلمَة» (١) التركية، وقد كان يركب البحر كل يوم ما بين داره في إسكِدار وعمله في إسطمبول، فركب يوماً وكان إلى جنبه موظف كبير في السفارة البريطانية، وكان في جيبه فستق حلبي، وكان أمر الله أفندي مشغول الفكر فجال بيده وهو لا يشعر، فسقطت في جيب البريطاني ووقعت على الفستق، فأخرج منه فأكل. وظن الرجل أنه مزاح فسكت، ولكن الشيخ عاد وأوغل في الأكل حتى كاد يستنفد الفستق كله، وكان الفُلْك مزدحماً ما فيه مفر للبريطاني من هذه الورطة، فأحبّ أن يتلطف بالشيخ حتى يكف، فسأله: كيف وجدت الفستق؟ قال: عال! وعاد إلى تفكيره وأكله، فقال له: ولكن ليس في جوار الدار مثله أشتريه للأولاد، وإذا دخلت عليهم من غير فستق بكوا. قال الشيخ؛ عجيب! وعاد إلى الأكل والتفكير، فقال له: أفلا تتكرم بإبقاء شيء لهم؟ قال: بلى، بكل امتنان، وأخرج طائفة من الفستق فدفعها إلى الإنكليزي وأكل الباقي! وقد وُلّي وزارة المعارف وأُعطي عربة، فكان كلما بلغت

стр. 65

به العربة المنزل وفتح له السائق الباب أخرج كيسه وسأله: كم تريد؟ فيقول له: يا سيدي، هذه العربة لمعاليك. فيتذكر ويقول: طيب. وقد سألته امرأةٌ مرة (وكان يمشي أمام داره): أين دار وزير المعارف يا سيدي؟ فقال لها: ومن هو وزير المعارف الآن؟! وصديقنا اللغوي العراقي عبد المسيح وزير (١)، وقد دخل مرة غرفة غيرَ غرفته في وزارة الدفاع، وكان من كبار موظفيها، فرأى أثاثها على خلاف ما كان يعهد، فغضب ودعا الفرّاش وقال له: حوِّلْ هذه المنضدة، انقل هذا الهاتف (٢)، اعمل كذا، افعل كذا ... فلما استوت له كما يريد نظر فقال: أهذه غرفتي؟ قال: لا يا?سيدي. فانتقل إلى غرفته! وكنا نزوره أنا وأنور العطار، فدعا لنا مرة بشاي، وتدفق بالحديث وهو يشرب كأسه، فلما فرغت وضعها وتناول كأس الأستاذ العطار فشربها، ثم ثلّث بكأسي، فلما جاء الفرّاش يأخذ الكؤوس قال: سألتكم بالله، هل تريدون كأساً أخرى؟! وشيخ الشام ومربي الجيل الشيخ طاهر الجزائري، وقد حدثني الشيخ قاسم القاسمي أنهم احتالوا عليه حتى اشتروا له جبة جديدة وألبسوه إياها، وذهبوا به إلى دُمَّر فجلسوا حول البركة العظيمة في منزل الأمير عمر، وكان في المجلس الشيخ عبد الرزاق البيطار والشيخ جمال الدين القاسمي وجلّة العلماء،

стр. 66

فما كان من الشيخ طاهر إلا أن قام فنزع الجبة وجعل يغمسها في البركة ثم يدلكها بالتراب، ثم يغمسها، ثم علقها على غصن حتى جفت وتكرّشت، فلبسها وقال: الآن استرحت؛ إن الجبة الجديدة تشغل فكر صاحبها، أما العتيقة فإنه لا يبالي بها فينصرف إلى تفكيره. وصديقنا الكبير سامي بك العظم مفتش العدلية العام (١)، وقد حدثني من فمه أنه دعا فلاناً (وكان رئيساً للوزارة) إلى الغداء في داره في أقصى المهاجرين، فلما كان اليوم الموعود جاء الرئيس بسيارته إلى باب المنزل، فنزل منها وصرف السائق لئلا يطول عليه الانتظار، واجتاز الحديقة الممتدة وصعد الدرج العالي، وقرع الباب فلم يردّ أحد عليه، فعاد إلى البلد ماشياً في شمس الهاجرة من آب (أغسطس). أما سامي بك فقد نسي الموعد، ولم يكن في الدار أحد لأن أسرته في القاهرة، فذهب فتغدى في المطعم! وصديقنا الأديب العالم الرّاوية عز الدين التنوخي، وقد دعا للبحث في إعداد مهرجان المتنبي من سنين جمهرةً من أدباء البلد إلى المَجْمَع العلمي يوم كان أمين سره، فلما جاؤوا وجدوا المجمع مغلق الباب، فذهب بعضهم إلى دار الأستاذ يسأل عنه خشية أن يكون به مرض، وإذا هو يشتغل بتحقيق كتاب أبي الطيب اللغوي، وإذا هو يحدثهم عن الكتاب، أما حكاية الدعوة فقد نسيها من أساسها! * * *

стр. 67

أفكان هؤلاء، وفيهم كل عبقري عَلَم وكل نابغة إمام، أكانوا كلهم مجانين؟ أما في رأي العامة فَنَعَمْ! ذلك لأن القافلة تمشي، فمن سايرها عَدَّه أهلُها عاقلاً، ومن تقدم عنها يسلك طريقاً جديداً قد يكون أقرب وآمن عَدُّوه مجنوناً كمن تأخر عنها ليتيه في مجاهل الصحراء! لكن ذاك جنون العبقرية، وهذا جنون المارستان. إن العبقري شَغَل بالعلم فكرَه كله فلم يبق منه شيء لفهم الحياة، فصار عند أهلها مجنوناً. وبين جنون العبقرية وجنون المارستان نوع ثالث، ألا وهو جنون الغرام: وكل الناس مجنونٌ ولكنْ ... على قَدْرِ الهوى اختلف الجنونُ والهوى، يا ويح الهوى ما أكثر شعابه وما أضلّ أوديته! الهوى ... ومَنْذا الذي لم يَتِهْ في وادٍ من أوديته ولم يسلك شِعباً من شعابه؟ إن من لم يَهْوَ الغيد الحسان هَوِيَ الرياض والجنان أو الأصفر الرنّان، ومن لم تفتنه العيون التي في طرفها حَوَر فتنته الشهرة واستهواه الجاه ... كل الناس مجنون، ولكن أخطر المجانين مجانين الغرام! وهل في الدنيا أشد جنوناً ممّن ينكر الحياة ويُعرض عنها لا يريد أن يبصر وجهها، ويراها سوداء في عينيه لا تنيرها الشمس ولا يضوّئها القمر، كل ذلك لأن امرأة لم تمنحه قبلة؟ يا حفيظ! اللهم إنا نسألك السلامة! أما عرفتم مجنون ليلى؟ هذا الذي زهد في المجد والجاه

стр. 68

والعلم والمال والجنة، واجتنب حياة البشر وهام مع الوحش في البريّة، وملأ أيامه حسرة وكآبة وغمّاً لأن ... لأن الله خلق عينَي ليلى سوداوين فتّانتين، وجعل أنفها رقيقاً دقيقاً، وبرأ فمها أحمر كالوردة حلواً كالسكر صغيراً لا يعرف إلا لغة القبل! نعم، إنه جُنَّ لأن الله لم يخلق ليلى هذه قبيحة شَوْهاء! لقد كان يعيش قبل أن يعرف ليلى كما كان يعيش سائر أبناء آدم، وكانت حياته كاملة سعيدة من غير ليلى، فاشتهى يوماً أن يدنو من امرأة كما يشتهي كل رجل، فقادته المصادفة إلى ليلى، فأرادها، فلم يصل إليها فجُنّ، ولو كان عاقلاً لرأى في كل امرأة في الدنيا غَناء عن ليلى. إن مَثَله مَثَل رجل أراد أن يدخل بيتاً له مئة باب، فطرق باباً منها وعالجه فلم يُفتَح له، فوقف يبكي وينتحب شوقاً إلى الدخول ويضرب الجدار برأسه، والأبواب التسعة والتسعون مفتَّحة أمامه! وإن لكل رجل ليلى: كلٌّ يُغَنّي على لَيْلاهُ متَّخِذاً ... ليلى منَ النّاسِ أو ليلى من الخشبِ فإن فاتته ليلى الناس أجزأت عنها ليلى الخشب، فما بال قيس؟ أوَلم يخلق الله في النساء جميلة إلا ليلاه؟ أوَليست المصادفة هي التي ألقتها بين يديه، ولو كان رأى سُعدى أو سلمى لكان مجنون سلمى أو سعدى؟ وهذا مجنون آخر هو ستيفن مجنون ماجدولين. ولقد عرفته مذ نقله إلى الشرق إمامُ الكاتبين المنفلوطي رحمة الله على روحه،

стр. 69

ثم رأيت وجهه الفرنسي الأصيل في يوم كنت فيه أنا أيضاً مجنوناً يفكر بأعصابه لا بدماغه، ويرى الدنيا كلها خلوة من خلوات الحب، والحياةَ قصة من قصص الغرام، والوجودَ كله وجه فتاة فتّانة ... وقاتل الله الصبا وحماقات الصبا! عرفته يومئذ فرأيته بجنوني بطلاً من أبطال الحب وشهيداً من شهداء العاطفة، ولكني عدت إليه اليوم -وقد عقلت أو كدت- فإذا هو ... أعوذ بالله! يقول المجانين: إن الحب يطهّر النفوس ويزكيها ويوسع آفاقها وينميها ويسمو بها ويعليها، فتعالوا اسمعوا حديث هذا المحب الفرنسي ماذا صنع به الغرام. هجر أباه وتبرأ منه وأنكر حق أبوّته، ثم ذهب أخوه إلى المعركة وخاف أن يسقط عن سرجه، فبعث إليه يسأله ثمن سرج جديد، فلم يردّ عليه لأنه يحتاج إلى المال لينفقه فيما هو أهم، يريد أن يستأجر به مقعداً في المرقص يرى منه وجه ليلاه، أي «ماجدولينته»، فسقط أخوه عن سرجه ومات في المعركة! ثم فارق أباه وبقي في العراء، فأحسن إليه واحدٌ من أقربائه وأعطاه ما يبتغي من المال، فكانت مكافأة إياه على إحسانه أن سرق ماله، ودفع خنجراً في صدره فعجل موته! فعل ذلك كله من أجل امرأة، أضاع كل شيء ليجدها، ولكنها أعرضت عنه ومالت إلى غيره، إلى صديقه الذي قاسمه خبزه وشاركه فراشه، صديقه الذي سلبه سريره من تحته فباعه لينفق ثمنه على مآربه وهواه، وهذا المجنون المغفل لا يحس ولا يدري لأن الحب أعماه وأصمَّه. وهل رأيتم محباً له بصر؟ أعرضَت عنه، ولها الحق في الإعراض، هل تتزوج مجنوناً؟ إن الزواج إذا بُني على هذا الجنون الذي يسميه أصحابه «حباً» صار

стр. 70

البيت من بعده مستشفى مجاذيب ومارستاناً من المارستانات! تزوجت بغيره، فذهب ينتزعها من زوجها الشرعي ويرى أنه أحق بها، لأن اسمه واسمها منقوشان على شجرة زيزفون. ما شاء الله! إنك تستطيع أن تأخذ المرأة من بين ذراعي زوجها لأنك حفرت اسمها مع اسمك على شجرة! اسمعوا يا عقلاء (وأين العقلاء؟) شريعة المجانين، اسمعوا منطق الحب! هذا هو الحب الفرنسي: تفريط بحق الأسرة، واستهانة بواجبات الشرف والدين، واستئثار قاتل يمحو من الحياة أسمى فضائلها لهذه اللذة التي ينالها، ويُفقر النفس العامرة بالإيمان والفضيلة والمجد فلا يبقى فيها إلا صورة الحبيب، يراه العاشق في الأفق إذا نظر إليه والشمس واقفة للوداع، وفي السماء إذا تأمل فيها ونجومها تتوقد في هدأة الليل، وفي صفحة الماء وفي الروض البهيج، وفي كل كتاب يقرؤه ومشهد يراه: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تَمَثَّلُ لي ليلى بكلّ سبيلِ * * * فيا رحمتا لهؤلاء المجانين! إنهم عُمْيٌ لا يبصرون من الدنيا إلا وجه امرأة واحدة، صُمٌّ لا يسمعون إلا صوتها، بُلْهٌ لا يشتغلون إلا بها، مجرمون لا يبالون بكل رذيلة إذا أوصلتهم إليها، أذلاّء لأنهم فقدوا الرجولة والكرامة، وغدا المثل الأعلى لهم أن يطيعوا هذه الرعناء الطائشة لأن لها عيناً بلون السماء وزرقة البحر ... هذا هو الحب يا أيها الشباب الصغار! كل عاشق هو «ستيفن»، ولو تناءت الديار وتباعدت

стр. 71

الأزمان، فاقرؤوا سيرة ستيفن تقرؤوا سير كل عاشق. لقد ارتضى أن يخسر كل شيء ليربح ماجدولين، فلما خسرها لم يبق له شيء، لقد غدا مجنوناً، وهل يمكن أن يكون محبٌّ عاقلاً؟ ها هو ذا يحرق الورقة المالية التي لا يملك غيرها ليقرأ على ضيائها رسالة الشيطانة، أعني الحبيبة، ويبقى من بعدها طاوياً يتضور جوعاً، لا يدري أن أحلام الحب وحماقاته لا تملأ المعدة الفارغة، وأن الرغيف الواحد أثمن عند الجائع من كل ما في الأرض من لَيْلَيَات وماجدولينات! لقد غدا تائهاً يدور في السُّبُل والطرقات وينام حيث يدركه المنام، لقد صيّره الحب موجوداً كالمعدوم، صار عضواً من الأمة أشلَّ لا ينفع ولا يضر، بل إنه يضر ولا ينفع! لقد سَدَّ في وجهه طرقَ المجد وحجب عن باصرتيه نور الشمس، فلم يبق فيه فائدة لنفسه ولا للناس، بل لقد صار هُزْأَة وغدا مسخرة، وكذلك يكون العاشقون! وينال هذا المجنون خمسة عشر ألفاً يستطيع أن يصنع بها الجلائل ويرفع بها لنفسه ولأمته مجداً، فماذا صنع بها؟ دفعها إلى عابر سبيل لا يعرفه! فما أكرم هؤلاء العشّاق الذين يمنحون ثروتهم كلها إلى من لا يعرفون، ويضنّ الواحد منهم على أخيه بثمن سرج لفرسه ويتركه يموت في المعركة! ثم يأتيه المال الوفير فينفقه في أتفه الأمور وأحط الرذائل: يستأجر مقاصير المسرح كلها ويرى الرواية وحده، لماذا؟ ليغيظ المرأة التي أحبها فتزوجت بغيره، لأنها تريد أن يكون زوجها رجلاً مثل الرجال لا امرأة لها شاربان ولحية ولا عقل لها! ثم يترقى ستيفن في فضائل

стр. 72

الحب، فينتهي إلى الغصب والنهب من حانة، ويعلن جنونه ليهدم به الحياة البشرية، فيزعم أن الحب أقدس الواجبات والزواج شر الرذائل، ثم تختم هذه الحياة النبيلة السامية بجريمة القتل! هذا هو مجنون ماجدولين، وذاك مجنون ليلى، أما سائر المجانين فهم بقية العاشقين. * * * فإذا كان في الدنيا جنون عبقرية وجنون مارستان، فإن جنون الهوى هو جنون الإجرام، لا سيما إذا كان هوى على الطريقة الفرنسية. فيا أيها الشباب الصغار: إذا لم يكن بدٌّ من الجنون فلنُجَنَّ بالمعالي والمكارم والعلم والفن، أو لنسكن المارستان. أما المرأة فصدقوني إذا قلت لكم: إنها لا تستحق أن يُجَنّ بها أحد! ورجائي من القراء ألاّ يخبروا بهذا أحداً من النساء! * * *

стр. 73

بيني وبين نفسي نشرت في مستهل عام ١٩٣٧ نظرت من النافذة فإذا كل شيء أراه نائم، هذه النخلة التي تقوم حيال شبّاكي، وقبة الأعظمية التي تبدو من ورائها في عظمة وجلال، ودجلة التي تجري صامتة مهيبة، والقمر الذي يغسل ماءها بشُعاعه ... وإذا على الطريق شبح يسير منهوكاً. على الطريق الذي لا يمتد في سهل ولا وعر، ولا يسير على سفح جبل ولا شاطئ بحر، ولا يسلك الصحراء ولا يخترق البساتين، ولكنه يلف السهل والوعر، والجبل والبحر، والصحراء والبساتين، وكل ما تحتويه ومن يكون فيها. على الطريق الطويل الذي يلوح كخط أبيض، يغيب أوله في ظلام الأزل ويختفي آخره في ضباب الأبد. رأيت شبحاً يسير على طريق الزمان، وسمعت صائحاً بالدنيا النائمة: تيقّظي، إن العام يرحل الآن! ففتحت النخلة عينيها ونظرت، فلما رأته قالت: قد رأيت «عشرات» مثله تأتي وتذهب فلم تبدل شيئاً؛ الفأس لا تزال باقية، وهذا الوحش البشري لا يزال ينتظر ثَمَري لِيَسْلُبَنيه، ثم إذا قنط

стр. 74

مني كافأني بلذع النار، فما لي وللعام الراحل؟ وأغمضت عينيها فنامت، ولم تكترث! ونظرت القبة، فلما أبصرته قالت: قد رأيت «مئات» مثله تجيء وتروح ولم تبدل شيئاً، فهذا النخيل قائم حولي كما كان، والشمس تطلع عليّ كل يوم وتغيب، والنجوم تسطع فوقي كل ليلة، والأرض تنتظرني تريد أن أهرم فتجذب أحجاري إليها وتأكلني، وكل شيء على حاله، لم يتبدل إلا الإنسان: كان الخليفةُ يمشي تحتي ويخطر بين أساطيني في حلل المجد وأردية الجلال، إنْ أمَرَ أطاعت الدنيا وإنْ نادى لبّى الدهر وإن مال مالت الأرض، وكان الناس يطيفون بي أجلّة أمجاداً، عباداً أذلاء لله وملوكاً أعزّة على الناس، فأصبحت وحيدة منعزلة، لا أرى إلا هذه الفئات من العامة المساكين الذين تعرّوا من كل جاه إلا جاه العبادة ومجد إلا مجد الآخرة، فما لي وللعام الراحل؟ وأغمضت عينيها وعادت تحلم، ولم تكترث! وتنبهت «دجلة» ونظرت، فلما رأته قالت: قد رأيت «ألوفاً» مثله تمرّ في هذا الطريق، فلم تعمل في الكون شيئاً ولم تغيّر إلا الإنسان، كانت تقوم على شاطئيّ القصور الفخمة، تتوّج هامَها العظمةُ، ويَحُلّ أرجاءها الجلالُ، ويمثل في أبهائها المجد، ويقف على بابها التاريخ يصدر عنها ويكتب حديثها، وتنبثق منها أشعة الحضارة والفن، وتسطع منها أنوار العلم والأدب، وتومض في شرفاتها وأروقتها العمائمُ التي كانت على أشرف رؤوس وأحفلها بالفضائل والعلوم ... فلم يبقَ من هذا كله إلا

стр. 75

أطلال يريدون أن يطمسوا اليوم آثارها ويغطّوا عليها بقبّعة! ولكن ذلك لن يدوم؛ إن طريق الزمن لا يزال مسلوكاً. ثم صمتت وعادت تجري كما كانت تجري، ولم تكترث! وأنصت القمر وأطلّ ينظر، فلما رأى العام الراحل قال: لقد رأيت «ملايين» مثله، وقد مللت مرّ السنين وكر العصور، فما لي وله؟ وعاد يفيض نوره على الكون ولم يكترث! وبقيت وحدي. * * * بقيت وحيداً، فنظرت في نفسي: لقد صحبت تسعاً وعشرين قافلة من قوافل الزمان، فهل اقتربت من آمالي؟ هل دنوت من الغاية التي أسعى إليها في سفري؟ ثم سألت نفسي: ما هي الغاية التي تسعين إليها؟ أتسيرين إلى غير ما نهاية؟ كلما مرّ عام تعلقتِ به فسرت معه، حتى يضيق بك عام من الأعوام فيقذف بك إلى وادي الموت؟ ألا تعلمين أين المسير؟ ولم تكن النفس ترقب مثل هذا السؤال فاضطربت اضطراباً شديداً، وكثرت فيها الآراء واشتدّ بين أعضائها الخلاف، ثم انشقّت انشقاقاً وانقسمت أحزاباً وانتثرت نفوساً. قالت النفس الأولى: الغاية يا صاحبي واضحة؛ إننا نسعى لخدمة هذا الجسم الذي نحمله، نحيا لسدّ حاجاته، وإجابة رغباته، وإمتاعه بملذاته. قالت الثانية: خسئت أيتها «النفس الفاجرة»! إننا لم نُسخَّرْ
следующие страницы →