← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13691

صور وخواطر

علي الطنطاوي

Полный текст (362 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الأزمان، فاقرؤوا سيرة ستيفن تقرؤوا سير كل عاشق. لقد ارتضى أن يخسر كل شيء ليربح ماجدولين، فلما خسرها لم يبق له شيء، لقد غدا مجنوناً، وهل يمكن أن يكون محبٌّ عاقلاً؟ ها هو ذا يحرق الورقة المالية التي لا يملك غيرها ليقرأ على ضيائها رسالة الشيطانة، أعني الحبيبة، ويبقى من بعدها طاوياً يتضور جوعاً، لا يدري أن أحلام الحب وحماقاته لا تملأ المعدة الفارغة، وأن الرغيف الواحد أثمن عند الجائع من كل ما في الأرض من لَيْلَيَات وماجدولينات! لقد غدا تائهاً يدور في السُّبُل والطرقات وينام حيث يدركه المنام، لقد صيّره الحب موجوداً كالمعدوم، صار عضواً من الأمة أشلَّ لا ينفع ولا يضر، بل إنه يضر ولا ينفع! لقد سَدَّ في وجهه طرقَ المجد وحجب عن باصرتيه نور الشمس، فلم يبق فيه فائدة لنفسه ولا للناس، بل لقد صار هُزْأَة وغدا مسخرة، وكذلك يكون العاشقون! وينال هذا المجنون خمسة عشر ألفاً يستطيع أن يصنع بها الجلائل ويرفع بها لنفسه ولأمته مجداً، فماذا صنع بها؟ دفعها إلى عابر سبيل لا يعرفه! فما أكرم هؤلاء العشّاق الذين يمنحون ثروتهم كلها إلى من لا يعرفون، ويضنّ الواحد منهم على أخيه بثمن سرج لفرسه ويتركه يموت في المعركة! ثم يأتيه المال الوفير فينفقه في أتفه الأمور وأحط الرذائل: يستأجر مقاصير المسرح كلها ويرى الرواية وحده، لماذا؟ ليغيظ المرأة التي أحبها فتزوجت بغيره، لأنها تريد أن يكون زوجها رجلاً مثل الرجال لا امرأة لها شاربان ولحية ولا عقل لها! ثم يترقى ستيفن في فضائل

стр. 72

الحب، فينتهي إلى الغصب والنهب من حانة، ويعلن جنونه ليهدم به الحياة البشرية، فيزعم أن الحب أقدس الواجبات والزواج شر الرذائل، ثم تختم هذه الحياة النبيلة السامية بجريمة القتل! هذا هو مجنون ماجدولين، وذاك مجنون ليلى، أما سائر المجانين فهم بقية العاشقين. * * * فإذا كان في الدنيا جنون عبقرية وجنون مارستان، فإن جنون الهوى هو جنون الإجرام، لا سيما إذا كان هوى على الطريقة الفرنسية. فيا أيها الشباب الصغار: إذا لم يكن بدٌّ من الجنون فلنُجَنَّ بالمعالي والمكارم والعلم والفن، أو لنسكن المارستان. أما المرأة فصدقوني إذا قلت لكم: إنها لا تستحق أن يُجَنّ بها أحد! ورجائي من القراء ألاّ يخبروا بهذا أحداً من النساء! * * *

стр. 73

بيني وبين نفسي نشرت في مستهل عام ١٩٣٧ نظرت من النافذة فإذا كل شيء أراه نائم، هذه النخلة التي تقوم حيال شبّاكي، وقبة الأعظمية التي تبدو من ورائها في عظمة وجلال، ودجلة التي تجري صامتة مهيبة، والقمر الذي يغسل ماءها بشُعاعه ... وإذا على الطريق شبح يسير منهوكاً. على الطريق الذي لا يمتد في سهل ولا وعر، ولا يسير على سفح جبل ولا شاطئ بحر، ولا يسلك الصحراء ولا يخترق البساتين، ولكنه يلف السهل والوعر، والجبل والبحر، والصحراء والبساتين، وكل ما تحتويه ومن يكون فيها. على الطريق الطويل الذي يلوح كخط أبيض، يغيب أوله في ظلام الأزل ويختفي آخره في ضباب الأبد. رأيت شبحاً يسير على طريق الزمان، وسمعت صائحاً بالدنيا النائمة: تيقّظي، إن العام يرحل الآن! ففتحت النخلة عينيها ونظرت، فلما رأته قالت: قد رأيت «عشرات» مثله تأتي وتذهب فلم تبدل شيئاً؛ الفأس لا تزال باقية، وهذا الوحش البشري لا يزال ينتظر ثَمَري لِيَسْلُبَنيه، ثم إذا قنط

стр. 74

مني كافأني بلذع النار، فما لي وللعام الراحل؟ وأغمضت عينيها فنامت، ولم تكترث! ونظرت القبة، فلما أبصرته قالت: قد رأيت «مئات» مثله تجيء وتروح ولم تبدل شيئاً، فهذا النخيل قائم حولي كما كان، والشمس تطلع عليّ كل يوم وتغيب، والنجوم تسطع فوقي كل ليلة، والأرض تنتظرني تريد أن أهرم فتجذب أحجاري إليها وتأكلني، وكل شيء على حاله، لم يتبدل إلا الإنسان: كان الخليفةُ يمشي تحتي ويخطر بين أساطيني في حلل المجد وأردية الجلال، إنْ أمَرَ أطاعت الدنيا وإنْ نادى لبّى الدهر وإن مال مالت الأرض، وكان الناس يطيفون بي أجلّة أمجاداً، عباداً أذلاء لله وملوكاً أعزّة على الناس، فأصبحت وحيدة منعزلة، لا أرى إلا هذه الفئات من العامة المساكين الذين تعرّوا من كل جاه إلا جاه العبادة ومجد إلا مجد الآخرة، فما لي وللعام الراحل؟ وأغمضت عينيها وعادت تحلم، ولم تكترث! وتنبهت «دجلة» ونظرت، فلما رأته قالت: قد رأيت «ألوفاً» مثله تمرّ في هذا الطريق، فلم تعمل في الكون شيئاً ولم تغيّر إلا الإنسان، كانت تقوم على شاطئيّ القصور الفخمة، تتوّج هامَها العظمةُ، ويَحُلّ أرجاءها الجلالُ، ويمثل في أبهائها المجد، ويقف على بابها التاريخ يصدر عنها ويكتب حديثها، وتنبثق منها أشعة الحضارة والفن، وتسطع منها أنوار العلم والأدب، وتومض في شرفاتها وأروقتها العمائمُ التي كانت على أشرف رؤوس وأحفلها بالفضائل والعلوم ... فلم يبقَ من هذا كله إلا

стр. 75

أطلال يريدون أن يطمسوا اليوم آثارها ويغطّوا عليها بقبّعة! ولكن ذلك لن يدوم؛ إن طريق الزمن لا يزال مسلوكاً. ثم صمتت وعادت تجري كما كانت تجري، ولم تكترث! وأنصت القمر وأطلّ ينظر، فلما رأى العام الراحل قال: لقد رأيت «ملايين» مثله، وقد مللت مرّ السنين وكر العصور، فما لي وله؟ وعاد يفيض نوره على الكون ولم يكترث! وبقيت وحدي. * * * بقيت وحيداً، فنظرت في نفسي: لقد صحبت تسعاً وعشرين قافلة من قوافل الزمان، فهل اقتربت من آمالي؟ هل دنوت من الغاية التي أسعى إليها في سفري؟ ثم سألت نفسي: ما هي الغاية التي تسعين إليها؟ أتسيرين إلى غير ما نهاية؟ كلما مرّ عام تعلقتِ به فسرت معه، حتى يضيق بك عام من الأعوام فيقذف بك إلى وادي الموت؟ ألا تعلمين أين المسير؟ ولم تكن النفس ترقب مثل هذا السؤال فاضطربت اضطراباً شديداً، وكثرت فيها الآراء واشتدّ بين أعضائها الخلاف، ثم انشقّت انشقاقاً وانقسمت أحزاباً وانتثرت نفوساً. قالت النفس الأولى: الغاية يا صاحبي واضحة؛ إننا نسعى لخدمة هذا الجسم الذي نحمله، نحيا لسدّ حاجاته، وإجابة رغباته، وإمتاعه بملذاته. قالت الثانية: خسئت أيتها «النفس الفاجرة»! إننا لم نُسخَّرْ

стр. 76

من أجل هذا العنصر الأجنبي، إن الجسم ليس منا. قالت الأولى: أفهو إذن من غيرنا؟ وقهقهت ضاحكة. قالت: اسخري من نفسك. إنه لو كان منّا لما عشنا إلا فيه ولم نعش بعده، إنه ثوب نلبسه ونخلعه، أفيكون الثوب جزءاً من اللابس؟ قالت الأولى: إني لم أفهم فلسفتك. أتزعمين أن يدي ورجلي ليستا مني؟ قالت: نعم؛ إن المرء لو قُطعت يده أو رجله أو ذهب سمعه أو بصره فلن تنقص نفسه شيئاً، بل لقد يكون الأعمى الأصمُّ أكملَ نفساً وأقوى عقلاً وأسمى روحاً من السميع البصير، وإنك لتعلمين هذا، ولكنك «نفس سوء» تريدين الاستمتاع بشهواتك، ونحن لا نحيا لنيل الشهوات. قالت الأولى: فلِمَ إذن نحيا يا أيتها «النفس المفكِّرة»؟ قالت: نحيا لنكشف خبايا الوجود، لنستطلع طلع الكائنات، لنعرف نواميس الكون وأسرار الطبيعة ... من أجل هذا نحيا. فانبرت لها نفسي الثالثة فقالت: كنت أظنك عاقلة تفهمين وتعرفين، فإذا أنت جاهلة. ويحك! ما نحن والوجود؟ ما لنا والطبيعة؟ وماذا يعنينا أكانت المجرّة نهراً في السماء أم كانت مجموعة من الكواكب؟ وماذا ينفعنا أن يكون في المريخ ناس أو يكون مقفراً لا ناس فيه؟ وما لنا ولهذا الفضول؟ قالت الثانية: إنك «نفس شاعرة» تنكرين قيمة العلم.

стр. 77

قالت: إن هذا العلم خسران لك يا حمقاء! إنك كنت ترين في الكسوف حادثاً غريباً مليئاً بالأسرار يبعث فيك عالماً من العواطف، فلما علمت أنه حادث طبيعي: كوكب يقوم بحذاء كوكب، ضاع معناه وانتفت أسراره، ولم يعد يثير فيك عاطفة أو يَهيج فيك حِساً. قالت الثانية: وما قيمة العاطفة؟ أتريدين أن ندع العلم من أجل العاطفة؟ قالت الثالثة: لا، بل تعلّمي، ولكنْ تعلّمي ما تحتاجين إليه. العلم دواء يؤخَذ بمقدار الحاجة، ولكن الشعور غذاء لا يُستغنى عنه؛ فنحن نحيا لنرى الجمال ونستمتع به ونتذوقه في الطبيعة وفي الإنسان وفي الفن، من أجل هذا نحيا. فوثبت النفس الرابعة، «النفس المؤمنة المطمئنّة»، فقالت: يا للسخف! قالت الثالثة وقد غاظها ما قالت: أيَّ سخف ترين من فضلك؟ إذا كنا لا نرى الجمال فلِمَ نحيا؟ قالت الرابعة متهكمة: كأنك تحيَين الآن! إنك -يا سيدتي- سجينة، فاسعَي لتتخلصي من قيود السجن، ثم انطلقي في فضاء الحرية فيعشي في الحياة الأخرى: حياة الانطلاق. ورأيت أن المناقشة قد طالت وغدت مملّة وتشعبت فيها الآراء، فأسكتُّهنّ ورجعت أفكر وحدي. * * *

стр. 78

قلت: إنني لا أدري لماذا أحيا، ولا أعرف ما هي صلتي بالكون! كنت أنظر إلى الدنيا من خلال الكتب وأشرف عليها من نافذة المدرسة، فأراها صغيرة كقبضة الكف، فحسبت أنّي إذا خرجت من المدرسة وحزت الشهادة قبضت عليها بيدي. وعشت بهذا الأمل، لم أعرف حقيقة الحياة ولم أُعِدَّ لها العدة، ولم أجد من يخبرني خبرها إلا هؤلاء الأساتذة، وهم قوم مخادعون، لا يبصِّرون التلميذَ بالدنيا كما هي في ذاتها، بل كما يريدون هم أن تكون. وخرجت من المدرسة، وهبطت من سماء الخيال إلى أرض الحقيقة، فإذا الطريق مزروع بالشوك، فانطلقت أمشي وأجاهد بهمّة الشاب القوي الطموح، فما قطعت من الطريق إلا قليلاً حتى وجدت هذه الطفيليّات البشرية تتعلق بكتفي وتستمسك بي، حتى إذا دنوت من أول منزل وهممت أن أستريح فيه وثبَت فسبقتني إليه، فسرت أجاهد وأتقدم أؤمّ منزلاً آخر، حتى هدّني التعب ونال مني النصَب ولم أصل إلى شيء. ولاح لي فجأة قصر عظيم على الطريق، تلمع قِبابه المغشّاة بالذهب وتشرق جدرانه المغطاة بالفضة وتضيء نقوشه وزخارفه في شعاع الشمس، ويُقرأ على بابه بأحرف من نور: «هذا قصر اليأس». فراعني مظهره، وهممت أن أحيد عن الطريق فأدخله، ولكني نظرت إليه أولاً، فإذا هو موحش مظلم في وسطه قبر مفتوح مملوء بالأساود (١) والأفاعي، وإذا هو خالٍ من البشر،

стр. 79

ليس فيه إلا جماعة الشعراء البائسين يُعِدّون قصائدهم لتدفن معهم في هذا القبر الأسود فلا يدري بها أحد. فوليت هارباً، وآثرت العودة إلى مقارعة الشوك وجهاد الحياة. عدت فقارعت وجاهدت فلم أصل إلى شيء، فسألت نفسي: هل أيأس؟ * * * سألتها وحدثتها، ولكني جَهَرت بالحديث فأيقظت النائمين. أطلَّت عليّ النخلة فقالت: إلامَ تجاهد وتناضل؟ ماذا تريد أيها الرجل؟ ألا تقنع مثلي بأن تقف في مكانك حتى يأتيك الموت؟ قلت: لا، إن لي غاية واحدة، هي أن أبقى دائماً أجاهد وأناضل. فضحكت وقهقهت أوراقها وعادت إلى منامها. ومدّت القبة رأسها فقالت: ألا تنام مثلي أيها الفتى وتحلم؟ لماذا تعدو في طريق القبر؟ قلت: إني أحب أن أصل إلى القبر لأني سأخرج منه إلى الفضاء الواسع، سأخلع فيه ثوبي الجثماني ثم أنطلق صُعُداً. فذهبت وهي تحدث نفسها: ينطلق صعداً؟ أنا هنا منذ ألف ومئة سنة ولم أنطلق صعداً! ثم رجعت إلى المنام. وقالت دجلة وقد صفَّق لي ماؤها سروراً: امضِ أيها الغلام، امض؛ إن طريقك طويل ولكنك قوي. إنك لا تمشي إلى القبر لتَفنى ولكن تدخل من باب القبر إلى عالم الخلود. ها أنا قد بلغت من العمر سبعمئة وخمسين ألف سنة، ولكنك قد وُلدت بعقلك قبلي، وستعيش بروحك من بعد أن تموت الجبال وتغرق البحار،

стр. 80

ويختنق الهواء وتُدفن الصحراء! وأمّن القمر على كلامها، وأطلّ عليّ من النافذة فصافحني بشعاعه وقال: لقد صدقَت. إنك تعيش الآن لتعدّ العدة للحياة، حين تنطلق من قيود الجسم. ثم صمَتَ وصمَتُّ. * * * وكان العام يقطع اللحظة الأخيرة، فصحت به: أنا الذي يهتم بك أيها العام، أنا الذي يودعك ويستقبل غيرك، لا النخلة ولا القبة ولا دجلة ولا القمر، تلك للفناء وأنا للبقاء، تلك تنتظر الموت وأنا أنتظر الحياة ... أنا أمشي على هام السنين إلى الحياة الأخرى. * * *

стр. 81

شهيد العيد نشرت سنة ١٩٤٦ [كلفتني محطة الشرق الأدنى أن أكتب قصة لتذاع عني أول يوم من عيد الأضحى، وهذا هو العيد قد حلّ، حلّت عليكم فيه البركات والخيرات، ولكن القصة لم تُكتَب. إن لها قصة يا سادة فاسمعوا قصتها.] أنا رجلٌ من طبعه التأجيل والتسويف، أؤخّر الأمرَ ما دام في الأجل فسحة، أُرجئه إلى آخر لحظة منه، ثم أقوم كالمجنون أنطّ (١) قافزاً مثل الأرنب الذي زعم «أخونا» لافونتين أنه نام حتى سبقته السلحفاة، وإنْ لم أكن قد رأيت في عمري سلحفاة تسبق أرنباً! فلما ورد عليّ كتاب المحطة نظرت، فإذا بيني وبين موعد الإذاعة أمد طويل، فاطمأننت ونمت. حتى إذا كانت ليلة العيد، ولم يبقَ أمامي إلا ساعات معدودة أكتب فيها القصة وألحق بها البريد الجوي، أخذت قلمي وصحيفتي لأكتب، فسُدَّت عليّ

стр. 82

أبواب القول ومنافذه وكُواه، وعدت مُرْتَجَاً عليّ محبوساً لساني كأني ما مارست الكتابة قط! وكذلك نفس الأديب يا سادة؛ تتفتح تفتُّح الينبوع الدفّاق، ثم تشحّ شحّ الصخرة الصماء ما تبضّ بقطرة ماء (١)، ولكن الناس لا يصدقون ذلك. إنهم يحسبون الكاتب يُخرج المقال من نفسه كما يخرج التاجر البضاعة من دكانه، ولا يدرون أن هذا الكلام يجيء أحياناً حتى ما يقدر الأديب على ردّه، ويعزُب حيناً حتى لا يلقاه، وأنه يعلو ويصفو، وينزل ويتعكر. وما عجزت الليلة عيّاً ولا فَهاهَةً (٢)، فأنا أكتب في الصحف من عشرين سنة، ولكن الكتابة بالأجرة، بيع وشراء، ولكل مبيع ثمن، وأنا أحب أن أنتصف وأنصف الناس من نفسي، لذلك رأيتني كلما سقطت على موضوع وزنته فوجدته لا يساوي الثمن الذي تدفعه لي المحطة، فتركته وفتّشت عن أغلى، وكلما خطرت لي فكرة طمحت إلى أعلى، حتى كاد يمضي الوقت ولم أصنع شيئاً، ونزل بي ما نزل بالأستاذ توفيق الحكيم لمّا كلفوه أن يضع حواراً للفِلْم وجعلوا له جُعْلاً ضخماً، فحصر فيه فكره وحشد له قواه وفَرَّ لأجله من داره، ثم انتهى به الأمر أن ألّفَ كتاب الحمار ولم يضع الحوار (٣).

стр. 83

عند ذلك أَيِسْتُ ولبست ثيابي، وهربت إلى الأسواق. * * * جلت في الأسواق. وأسواق دمشق ليلةَ العيد كأنها المحشر، قد أُوقِدَت فيها المصابيح وفُتحت المخازن وانتشر الباعة، وتدفّق عليها أهل البلد والفلاحون بالأزياء المختلفات واللغات المتباينات، وكل بائع ينادي برفيع صوته، وكل مُشترٍ يصيح، وكل مجتاز يتكلم، والبضائع معروضات من كل مأكول وملبوس ومفروش ومنظوم ومشموم، وكلٌّ يريد أن يُعِدّ الليلةَ عدّته للعيد فيشتري فيها طعامه ولباسه. وكنت أسير في هذا الزحام شاردَ الذهن نازحَ الفكر، أُعمل عقلي في هذه القصة التي وعدت بها المحطة فأعلنَت عنها وبشّرَت بها، ثم لم أستطع أن أكتبها، حتى وصلت إلى باب المُصَلَّى (١)، فإذا أنا بحشد عظيم من الناس قد احتشد حيال دكان، فدفعني الفضول إلى معرفة الخبر، فأقبلت أدفع الناس بكتفي وأشق طريقي بيديّ كلتيهما، وأطأ أعقاب الناس وأقدامهم، وأصغي إلى هذا الفيض العجيب من «النثر الفني» الذي جادت به قرائحهم فتدفق عليّ من ألسنتهم، حتى بلغت المشهد ونظرت. نظرت فرأيت اثنين يختصمان ويعتركان؛ أما أحدهما فكان مسكيناً قميئاً أعزل عاجزاً، وأما الآخر فكان ضخماً طُوالاً كالح

стр. 84

الوجه، مفتول العضل وسخ الثوب، قد حمل سكيناً في يده طويلة النصل حديدة الشفرة وهجم بها على صاحبه، والناس ينظرون ولا ينكرون، وصاحبه المسكين يصرخ ويتلفت تلفت المذعور، يطلب الغوث ولا يغيثه أحد، ويبتغي المهرب فيسد عليه الناس طريق الهرب. وإني لأفكر ماذا أصنع، وإذا بالخبيث العاتي يذبحه -والله- أمامنا ذبحاً، ويتركه يتخبط بدمه، ويوليه ظهره ويمضي إلى دكانه متمهلاً، فيعالج فيها شأنه على عادته، كأنه لم يرتكب جرماً ولم يأت الأمر النكر جهاراً! وكدت أهجم عليه وأسلمه إلى الشُّرَط، ثم ذكرت أن الشجاعة في مثل هذا الموطن تهوّر وحماقة، وأن المجرم بيده السكين، لا يمنعه شيء أن يَجَأ بها من يريده بِشَرّ. وطمعت أن يتحرك أحد الواقفين فيقدم عليه فأتبعه وأشد أزره، فلا والله ما تحرك أحد منهم ولا جَرُؤ على ذلك؛ بل لقد تكلم واحد منهم، فلما رفع القاتل رأسه ونظر إليه رأيته يجزع منه ويفزع، ويقول له بصوت مضطرب متلجلج: الله يسلِّم يديك! وحرت ماذا أعمل: أَأُبلّغ الشرطة، أو أدعهم وأمضي إلى داري لا عليّ ولا لي؟ ثم رأيت أن خير ما أفعل أن أكتب وصف ما رأيت وأبعث به ليُذاع ويعرفه الناس. وهأنذا أتهم هذا الرجل بالقتل، وأدعو الحكومة إلى القبض عليه حتى يعاقَب ويكون عبرة لمن يعتبر. ولا يحسبَنَّ أحدٌ أنه فَرَّ أو أن القصة متخيَّلة أو مكذوبة، أو أنها من أساطير الأولين أو

стр. 85

من أخبار العصور الخوالي، فالقاتل موجود في دكانه يغدو إليها ويروح إلى بيته، والقصة صحيحة رأيتها بعينَي رأسي وأنا سالم العقل غير مجنون ولا معتوه، متيقظ غير نائم ولا حالم، صاحٍ غير مخدَّر ولا سكران، ثم إني رأيتها الليلة البارحة! * * * هذه هي الحادثة الفظيعة التي كتب الله أن تكون هي موضوع قصتي التي فكرت فيها وأطلت التفكير، فكيف رآها الناس فلم يحفلوا بها ولم يأبهوا لها؟ أفَسَدت الأخلاق وضاعت المروءات حتى لا ننكر الأمر النُّكْر؟ أم خارت العزائم وانخلعت القلوب حتى لا نجرؤ على المجرم الظالم؟ وهل نامت الحكومة في الشام نَوْمَةَ أهل الكهف حتى ما تدري بالدم يسيل في شارع من أكبر شوارع دمشق؟ لقد سكت الجميع، حتى إن أنسباء القتيل قد ناموا على دمه وقعدوا عن الثأر له، ولم يتقدم أحدٌ منهم شاكياً ولا مدّعياً، لأن القاتل -كما قالوا- عازم على ذبحهم كلهم إنْ قدر عليهم، وماضيه حافل بمثل هذه الجرائم. فما سر هذا السكوت؟ لقد علمت السرَّ -بعدُ- يا سادة. ذلك أن المسكين الشهيد كان خروفاً من خرفان الضحية، وأن القاتل كان جزّارَ الحارة، وأن الناس شاركوه في جرمه، فأكلوا لحم الذبيح مشوياً ومقلياً ومطهياً، وأكلت معهم، ونسيت

стр. 86

من طيب اللحم هذا المشهد. هذه هي سنة الحياة؛ يموت المسكين لنستمتع نحن بأكلة طيبة، فكلوا منه أنتم أيضاً هنيئاً، واشربوا مريئاً، واشتغلوا بالأكل عن مطالبتي بالقصة. وكلَّ عام أنتم بخير! * * *

стр. 87

أعرابيٌّ في حَمّام نشرت سنة ١٩٣٦ صحبنا في رحلتنا إلى الحجاز (١)، دليلٌ شيخٌ من أعراب نجد يقال له صْلَبي (٢)، ما رأيت أعرابياً مثله قوّةَ جَنان وفصاحة

стр. 88

لسان وشدة بيان، ولولا مكان النبرة البدوية من لسانه لحسبته قد انصرف الساعة من سوق عُكاظ، لبيان لهجته وقوة عارضته وكثرة ما يدور على لسانه من فصيح الكلام. وكان أبِيَّ النفس أشمَّ المعطس كريم الطباع، لكن فيه لوثة وجفاء من جفاء الأعراب. رافقَنا أياماً طويلة، فما شئنا خلة من خلال الخير إلا وجدناها فيه، فكان يواسينا إذا أُصبنا، ويؤثرنا إذا أضقْنا، ويدفع عنا إذا هوجمنا، ويفدينا إذا تألمنا، على شجاعة نادرة ونكتة حاضرة، وخفة روح وسرعة جواب؛ قلنا له مرة: إن «صْلَبَة» في عرب اليوم كباهلة في عرب الأمس، قبيلة لئيمة يأنف الكرام من الانتساب إليها، وأنت -فيما علمنا- سيّد كريم من سادة كرام وليس لك في هذه القبيلة نسب، فما لك تُدعى صْلَبي؟ فضحك وقال: صدقتم والله، ما أنا من صلبة ولا صلبة مني، وإني لكريم العم والخال، ولكن لهذا الاسم نكتة أنا مخبركم بها. قلنا: هات. قال: كان أبواي لا يعيش لهما ولد، فلما وُلدت خَشِيا عليّ الموت فسمّياني صلبي. قلنا: أئن سمّياك «صلبي» عشت؟ قال: إن عزرائيل أكرم من أن يقبض روح صْلبي! وسألناه مرة: هل أنت متزوج يا صْلَبي؟ قال: لقد كنت متزوجاً بِشَرّ امرأة تزوجها رجل، فما زلت

стр. 89

أحسن إليها وتسيء إليّ، حتى ضقت باحتمالها ذرعاً فطلقتها ثلاثاً وثلاثين. قلنا: إنها تَبين منك بثلاث، فعلامَ الثلاثون؟ فقال على الفور: صدقةً مني على الأزواج المساكين! وطال بنا الطريق إلى تبوك وملّ القوم، فجعلوا يسألونه عن تبوك ويكثرون عليه، يتذمرون من بُعدها، حتى إذا أكثروا قال لهم: ما لكم تلومونني على بعدها؟ والله لم أكن أنا الذي وضعها هناك. ولم يكن صْلَبي يعرف المدن ولم يفارق الصحراء قطّ إلا إلى حاضرته تبوك (وتبوك لا تزيد عن خمسين بيتاً) فلما بلغنا مشارف الشام أغريناه بالإبلاد (١) ودخول المدينة، وجعلنا نصف له الشام ونشوّقه فيتأبى، وكنت صفيَّه من القوم وخليله ونَجِيَّه، فجعلت أحاوله وأداوره وبذلت في ذلك الجهد، فلم أصنع معه شيئاً لِمَا استقرّ في نفسه من كراهية المدن وإساءة الظن بأهلها، وكان عربياً حراً ومسلماً موحداً، لا يطيق أن يعيش يوماً تحت حكم «الروم» (٢) أو يرى مرة مظاهر الشرك. فودّعناه وتركناه. * * *

стр. 90

وعدت إلى دمشق، فانغمست في الحياة وغصت في حمأتها، أكدّ للعيش وأسعى للكسب، فنسيت صلبي وصُحبته وكدت أنسى الصحراء وأيامها، ومرّت على ذلك الشهور. وكان أمس، فإذا بي ألمح في «باب الجابية» وسط الزحمة الهائلة وجهاً أعرفه، فلحقت به أتبيّنه، فإذا هو وجه صلبي، فصحت به: صلبي! قال: لا صْلَبي ولا مْلَبي! قلت: ولِمَ ويحك؟ قال: أنا في طلبك منذ ثلاث ثم لا تأتي إليّ ولا تلقاني؟ فقلت له ضاحكاً: وأي ثلاث وأي أربع؟ أتحسبها تبوك فيها أربعمئة نسمة؟ إنها دمشق يا صلبي، فيها أربعمئة ألف إنسان، فأين تلقاني بين أربعمئة ألف؟ قال: صدقت والله. قلت: هَلُمَّ معي. فاستخرجته من هذه الزحمة الهائلة وملت به إلى قهوة خالية، فجلسنا فيها ودعوت له بالقهوة المرة والشاي، فسُرَّ وانطلق يحدثني. قال: لمّا فارقتكم ورجعت وحيداً أسير بجملي في هذه البادية الواسعة، جعلَتْ نفسي تحدثني أنْ لو أجبتَ القوم ورأيت المدينة. فلما كان رمضان مرّ بنا بعض الحضريين فدعوني إلى صحبتهم لأرشدهم الطريق، ثم أغروني كما أغريتموني وحاوروني كما حاورتموني، حتى غلبوني على أمري ودخلوا بي دمشق، فما راعني والله يا ابن أخي إلا سيارة كبيرة كسيارتكم

стр. 91

هذه، لكنها أهول وأضخم، لها نوافذ وفيها غرف، وقد خطوا لها خطين من حديد فهي تمشي عليهما، فأدخلوني إليها، فخشيت والله وأَبَيت، فأقسموا لي وطمأنوني، فدخلت ويدي على خنجري إن رأيت من أحد ما أكره وجأته به، وعيني على النافذة إن رابني من السيارة أمر قفزت إلى الطريق. وجلست، فما راعنا إلاّ رجل بثياب عجيبة قد انشق إزاره شقاً منكراً ثم التف على فخذيه فبدا كأنما هو بسراويل من غير إزار، وعمد إلى ردائه فصف في صدره مرايا صغيرة من النحاس ما رأيت أعجب منها، فعلمت أنه مجنون، وخفت أن يؤذينا فوضعت كفي على قبضة الخنجر، فابتسم صاحبي، وقال: هو الجابي. قلت: جابي ماذا، جَبَّ الله (...)! قال: اسكت، إنه جابي الترام، أعني هذه السيارة. ثم مدّ يده إليه بقرشين اثنين، أعطاه بهما فُتاتة ورق، فما رأيت والله صفقة أخسر منها، وعجبت من بلاهة هذا الرجل إذ يشتري بقرشين ورقتين لا تنفعان! وجلست لا أنبس، فلم تكن إلاّ هُنَيّة حتى جاء رجل كالأول له هيئة قردية، إلا أنه أجمل ثياباً وأحسن بزّة، فأخذ هذه الأوراق فمزقها! فثارت ثائرتي وقلت: هذا والله الذل، فقبَّحَ الله مَن يقيم على الذل والخَسيفة. وقمت إليه فلببّته وقلت له: يا ابن الصانعة، أتعمد إلى شيء اشتريناه بأموالنا ودفعنا فيه قروشنا فتمزّقه، لأمزّقنّ عمرك. وحسبت صاحبي سيدركه من الغضب لكرامته والدفاع عن حقه مثل ما أدركني، فإذا هو يضحك، ويضحك الناس ويعجبون

стр. 92

من فعلي، لأن عمل هذا الرجل -فيما زعموا- تمزيق أوراق الناس التي اشتروها بأموالهم! ولما نزلنا من هذه الآفة قال لي صاحبي: هلمّ إلى الحمّام. قلت: وما الحمام يا ابن أخي؟ قال: تغتسل وتلقي عنك وعثاء السفر. قلت: إن كان هذا هو الحمام فما لي فيه من مأرب، حسبي هذا النهر أغطس فيه فأغتسل وأتنظف. قال: هيهات! إن الحمام لا يعدله شيء، أوَما سمعت أن الحمام نعيم الدنيا؟ قلت: لا والله ما سمعت. قال: إذن فاسمع ورَهْ (١). وأخذني فأدخلي داراً قَوْراء (٢) في وسطها بركة عليها نوافير يتدفق منها الماء، فيذهب صُعُداً كأنه عمود من البلَّور ثم يتثنى ويتكسر ويهبط كأنه الألماس، له بريق يخطف الأبصار، صنعة ما حسبت أن يكون مثلها إلا في الجنان، وعلى أطراف الدار دكك

стр. 93

كثيرة مفروشة بالأسرّة والمُتَّكآت والزرابيّ كأنها خباء الأمير، فلم نكد نتوسطها حتى وثب إلينا أهلوها وثبة رجل واحد يصيحون علينا صياحاً غريباً، فأدركت أنها مَكيدة مدبَّرة وأنهم يريدون اغتيالي، فانتضيت خنجري وقلت: والله لا يدنو مني أحد إلا قطعت رقبته، فأحجموا وعجبوا ورَعَبوا، وغضب صاحبي وظنني أمزح ومال عليّ يعاتبني عتاباً شديداً. فقلت له: ويحك! أوَما تراهم قد أحاطوا بنا؟ قال: إنهم يرحبون بنا ويسلمون علينا. فسكتُّ ودخلت. وعادوا إلى حركتهم يضحكون من هذا المزاح ويدورون حولنا بقباقيبهم العالية، ويجيئون ويذهبون وأنا لا أدري ما هم صانعون، حتى قادونا إلى دكّة من هذه الدِّكَك وجاؤوا ينزعون ثيابنا، فتحققت أنها المكيدة وأنهم سيسلبونني خنجري حتى يهون عليهم قتلي، فقد عجزوا أن يقاتلوني وبيدي الخنجر، فأبيت وهممت بالخروج، ولكن صاحبي ألحَّ عليّ وأقسم لي، فأجبت واستسلمت، وإنّ روحي لتزهق حزناً على أني ذللت هذا الذل حتى أسلمتهم سَلَبي يسلبونني وأنا حيّ، ولو كنت في البادية لأريتهم كيف يكون القتال. حتى إذا تمّ أمر الله ولم يبقَ عليّ شيء قلت: أما من مسلم؟ أما من عربي؟ أتكشف العورات في هذا البلد فلا يغار أحد ولا يغضب إنسان؟ فهدّأ صاحبي من ثورتي وقال: أفتغتسل وأنت متّزر؟ قلت: فكيف أتكشف بعد هذه الشيبة، وتذهب عني في

стр. 94

العرب فتكون فضيحتي إلى الأبد؟ قال: من أنبأك أنك ستتكشف؟ هلاّ انتظرت؟ فانتظرت وسكت، فإذا غلام من أغلمة الحمام يأخذ بيده إزاراً فيحجبني به حتى أنزع عني إزاري وأتّزر به، فحمدت الله على النجاة. وكان صاحبي قد تعرّى، فأخذ بيدي وأدخلني إلى باطن الحمام، فإذا غرف وسطها غرف، وساحات تفضي إلى ساحات، ومداخل ومخارج ملتفّة ملتوية يضلّ فيها الخرّيت، وهي مظلمة كأنها قبر، قد انعقدت فوقها قباب وعقود، فيها قوارير من زجاج تضيء كأنها النجوم اللوامع في السماء الداجية، وفي باطن الحمام أناس عري جالسون إلى قدور من الصخور فيها ماء، فتعوذت بالله من الشيطان الرجيم وقلت: هذه والله دار الشياطين! وجعلت ألتمس آية الكرسي فلا أذكر منها شيئاً، فأيقنت أنها ستركبني الشياطين لِمَا نسيت من آية الكرسي. وجعلت أبكي على شيبتي أن يُختم لها هذه الخاتمة السيئة! وإني لكذلك، وإذا بالخبيث يعود إليّ يريد أن ينزع هذا الإزار الذي كسانيه، فصحت به: يا رجل، اتّقِ الله، سلبتني ثيابي وسلاحي وعدت تجرّدني وتعريني؟ الرحمة يا مسلمون! الشفقة أيها الناس! فوثب إليّ الناس وأحدقوا بي وجعلوا يضحكون، فقال صاحبي: ما هذا يا صْلَبي؟ لا تُضحك الناس علينا، أعطه الإزار. قلت: وأبقى عرياناً؟ قال: لا، ستأخذ غيره، هذا كساء يفسد إذا مسّه الماء، وإن للماء كساء آخر.

стр. 95

ونظرت فإذا عليه هيئة الناصح، وإذا هو يدفع إليّ إزاراً آخر، فاستبدلته به مكرهاً. وتبعت صاحبي إلى مقصورة من هذه المقاصير، فجلسنا إلى قدر من هذه القدور وأنا أستجير بالله لا أدري ماذا يجري عليّ، فبينما أنا كذلك وإذا برجل عارٍ كأنه قفص عظام، له لحية كثة وشكل مخيف، وقد تأبط ليفاً غليظاً، يا شرَّ ما تأبط! وحمل ماعوناً كبيراً يفور فَوَراناً، فاسترجعت وعلمت أنه السمّ وأنه سيتناثر منه لحمي، فقصد إليّ، فجعلت أفرّ منه وأتوثب من جانب إلى جانب، وهو يلحقني ويعجب من فعلي ويظن أني أداعبه، وصاحبي يضحك ويقسم لي إنه الصابون وإنه لا ينظف شيء مثله. قلت: ألا شيء من سدر؟ ألا قليل من أُشنان؟ قال: والله ما أغشك، فجرب هذا، إنه خير منه. فاستجبت واستكنت. وأقبل الرجل يدلكني دلكاً شديداً وأنا أنظر: هل تساقط لحمي؟ هل تناثر جلدي؟ فلا أجد إلا خيراً، فأزمعت شكره لولا أني وجدته يتغفّلني فيمد يده من تحت الإزار إلى فخذي فيدلكه ويقرصه، فقلت: هذا ماجن خبيث، ولو ترك من شرّه أحداً لتركني ولصرَفَته عني شيبتي. وهممت بهشم أنفه وهتم أسنانه، ولحظ ذلك صاحبي فهمس في أُذني: إنه ينظفك، وكذلك يصنع مع الناس كلهم. فلما انتهى وصب عليّ الماء شعرت والله كأنما نشطت من عقال، وأحسست الزهو والخفة، فصحت فأنكرت صوتي وقلت: ما هذا؟ أينطق على لساني مُغَنٍّ من الجنّ؟ وأعدت

стр. 96

الصيحة فازددت لصوتي إنكاراً، واستخفّني الطرب، فجعلت أغني وأحدو، فقال صاحبي: لعلك استطبت صوتك؟ قلت: إي والله. قال: أفأدلّك على باب القاضي؟ قلت: وما أصنع في باب القاضي؟ قال: ألا تعرف قصة جحا؟ قلت: لا والله، ما أعرف جحا ولا قصته. قال: كان جحا عالماً نحريراً وأستاذاً كبيراً، لكن كان فيه فَضْلُ نادرة وكان خفيف الروح، فدخل الحمام مرة فغنى فأعجبه صوته (وكان أقبحَ رجلٍ صوتاً) وراقه حُسْنُه، فخرج من فوره إلى القاضي فسأله أن ينصبه مؤذناً، وزعم أن له صوتاً لا يدخل أُذناً إلا حمل صاحبها حملاً فوضعه في المسجد. فقال القاضي: اصعد المنارة فأذِّن نسمعْ. فلما صعد فأذَّن لم يبقَ في المسجد رجل إلا فرَّ هارباً. فقال له القاضي: أي صوت هذا؟ هذا هو الصوت الذي ذكره ربنا في الكتاب! (١) قال: أصلح الله القاضي، ما يمنعك أن تبني لي فوق المئذنة حمّاماً؟! ولمح الأعرابي صديقاً له من أعراب نجد قد مرّ من أمام القهوة، فقطع عليّ الحديث وخرج مهرولاً يلحق به. * * *

стр. 97

أعرابي في سينما نشرت سنة ١٩٤٠ وطالت غيبة صْلَبي، فنسيته وطرحت همه عن عاتقي، وعدت أدور مع الحياة كما تدور السانية، مغمض العينين، أطوف في مَفْحَص قطاة، فلا غايةً أبلغ ولا راحةً أجد، أغدو إلى كدّ العقل وعذاب النّفْس وجفاف الريق وانقطاع النّفَس، وأروح وما بقي فيّ بقية لعمل ولا طاقة على كتابة، فألقي بنفسي على كرسي أو سرير أنتظر عذاب اليوم الجديد. وإني لَغَادٍ إلى المدرسة ذات يوم، وإذا أنا بأعرابي في شملته يشير إليّ وهو يسير بين تلك المواخير: تريانون وليدو ولوازيس، حائراً يتلفت. فقلت: لعله ضالٌّ أحب أن يستهديني، ووقفت له، فلما دنا وتبيّنته لم أملك من الفرح فمي، فصحت في السوق وسط الناس! وما لي لا أصيح وقد وجدت صلبي بعد طول الغياب؟ وحييته وحياني تحية ذاكر للصحبة حافظ للود، وطفق يحدثني حديثه. قال: أتذكر يا شيخ ما ابتلاني به الله من أمر الحمام؟ لقد وقعت في داهية أدهى، ولقد والله كرهت الحضر وعفت المدن

стр. 98

وأصبحت أخشى فيها على نفسي، فما أدري ماذا سيكون من أمري بعد الذي كان. قدمت الشام قَدْمَة أخرى، فكان أول ما صنعت أن قصدت صاحبي، وكنت قد عرفت داره في «الميدان»، فأكرمني وأحسن استقبالي أحسن الله إليه، وذبح لي خروفاً، ولم يكتفِ بذلك من إكرامي بل أزمع أن يأخذني إلى سنمة. قلت: ولكني لا أعرف سنمة هذا ولا أدري من هو، فيكف تأخذني إليه؟ قال: لا بد من ذلك. فاستحييت منه وكرهت أن أخالفه بعد الذي صنع في إكرامي، وقلت في نفسي: لولا أن سنمة هذا صديق له عزيز عليه ما سار بي إليه، ولقد قال المشايخ من قبيلتنا: «صديق صديقك صديقك». فرضيت وقلت له: على اسم الله. ولكن الرجل لم يَسِرْ، بل أدركه لؤم الحضر فصاح بابنه أن هات الجرائد حتى نرى الرواية، فتوجّست خيفة الشر، وقلت: إن الرجل قد جُنَّ، وإلا فما بال الجرائد؟ وهل تراه يضربني بها؟ إذن والله لأريته عزّ الرجال ولضربته ضرباً يبلغ مستقر اللؤم في نفسه. وخشيت أن أتريّث أو أتلوّم فأخيب وأفشل، وذكرت حكمة حَمَد بن عْلَوي: «الغلبة لمن بدأ»، فشدّ ذلك من عزمي وصرخت: "يا هُو ... " ووثبت وثبة أطبقت بها على عنقه، وقلت: سترى لمن الجرائد والسياط، ألابن المدينة الخَوّار الفَرّار أم لابن البَرّ الحُرّ؟ فارتاع -وأبيك- وجعل يصيح من جنبه: أدركوني، أنقذوني! النجدة، العون! يا فلان (لابنه) أقبل. ويلك يا صلبي، يا مجنون، كُفَّ عني. ويلك، ماذا اعتراك؟

стр. 99

فأخذتني به رأفة، فكففت عنه وقعدت محاذراً أرقب أهل المنزل وقد اجتمعوا ينظرون إليّ بعيون مَن يهمّ بِفَرْي جلدي، فقال لي: ما أردت بهذا ويلك؟ وبمَ أسأت إليك حتى أستحقق منك هذا الصنيع؟ قلت: بالجرائد؟ أمثلي يُضرَب بالجرائد لا أمَّ لك؟ فضحك والله وجعل يكركر حتى لقد شبهت بطنه بقربة جوفاء أدخلتها الماء، وضحك كل من كان حاضراً من أهله وبنيه ضحكاً ما شككت معه أن القوم قد أصابهم طائف من الجن، فقلت: قبّحكم الله من قوم، وقبّحني إذ أنزل بمثلكم! وهممت بالانصراف، فصاح بي وعزم عليّ إلا ما رجعت، فبَرَرت بيمينه وقفلت راجعاً، فقال لي: وأنت حسبت الجرائد مما يُضرَب به؟ ألم تبصر جريدة قط؟ قلت: ويحك، فكيف إذن؟ أنا من بلاد النخيل، تبوك حاضرتي. قال: وتحسبها جرائد نخيل؟ قلت: إذن فجرائد ماذا؟ قال: خذ، هذه هي الجرائد. وألقى إليّ صحفاً سوداً بها من دقيق الكلم مثل دبيب النمل، فعجبت منها وسألته أن يقرأ عليّ ما فيها فأستفيد علماً ينفعني في آخرتي، فإن الرجل لا يزال عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، ولقد سمعت أنه جاء في الأثر: «كن

стр. 100

عالماً أو متعلماً أو مستمعاً، ولا تكن الرابعة فتهلك». فضحك وقال: هل تظنها كتب علم؟ قلت: فماذا فيها مما ينفع الناس؟ قال: فيها أخبار البشر؛ مَن سافر منهم أو حضر، أو تزوج أو وُلد له ولد، فما يصنع أحدٌ من شيء إلا دُوِّن فيها، ولا ينبغ من عالم أو أديب أو يَقْدم مُغَنٍّ أو تجيء قَيْنة أو تأمر الحكومة أو تنهى إلا ذُكر ذلك فيها، حتى إنّ فيها صفة الخمر والإعلان عن الميسر، وأخبار دور الدعارة والدعوة إلى الروايات الخليعة! فلما سمعت ذلك طار عقلي، وأخذت هذه الجرائد فمزقتها شرّ ممزَّق، وعلمت أن الله مهلكٌ هذه القرية، وعزمت على مفارقتها ونويت ألاّ أعود إليها بعد الذي سمعت من خبر جرائدها، وما ظننت أن مثل ذلك يكون. ولم يجتزئ صاحبي بما أعلمني من علمها حتى وصف لي أخرى تكون في أيدي الصبيان والبنات، فيها صور قوم عراة تبدو عوراتهم ونساء ما يسترهن من شيء إلا شيء ليس بساتر! قلت: فهل يرضى الحضري بها؟ قال: نعم. فسقط والله من عيني وقلت: هذا القَرْنان الذي لا تأخذه على أهله غَيْرة، وما كنت أحسب أن رجلاً يؤمن بالله واليوم الآخر يفعل ذلك. * * * ولست مطيلاً عليك الحديث. وذهبنا نزور سنمة، فسرنا حتى بلغنا قصراً عظيماً على بابه خلق كثير، وله دهليز تسطع فيه الأضواء، فقلت: هذا قصر

стр. 101

أمير البلد، هذا الذي يدعونه رئيس الجماهير. وألهاني ما رأيت وشغلني ففقدت صاحبي وسط الزحمة، ولكني لم أُبال، وأقبلت أصعد الدرج، فمنعني أغلمة بثياب ضيقة حُمر ما رأيت مثلها، وعلى رؤوسهم كُمَمٌ لها رواق من فوق عيونهم كالذي يوضع على عينَي بغل العجلة، وأفخاذهم مكشوفة فعلَ أهل الفسوق والتهتك. فهممت أن آخذ ثلاثة منهم فأكركبهم على الدّرَج فأزحلق مِعَدَهم عن مواضعها، ثم قلت: ترفَّقْ يا صلبي لا تجنّ، فما أنت في البادية، أنت في قصر الأمير وهؤلاء مماليكه، وإنك إن مسستهم لم تجد أمامك إلا ضرب العنق. ووضعت يدي على عنقي أتحسسها فعلمت أني لا أزال أحتاج إليها. ولو أنني في السوق أبتاع مثلها ... -وجَدِّكَ- ما باليت أن أتقدّما وسألت الغلمان الكاشفي الأفخاذ ماذا يريدون مني أن أصنع، فأشاروا إلى كوّة ازدحم عليها الناس، فعلمت أن الدخول من هناك، وأقبلت أزاحم وأدافع وهم يردّونني حتى بلغت الكوّة، فإذا هي غرفة ضيقة كأنها القفص، وإذا فيها رجل محبوس والناس يتصدقون عليه، فقلت في نفسي: هذا رجل ضرب مماليكَ الأمير فحبسه هنا لتُضرَب عنقه في غداة الغد، وحمدت الله على السلامة، وتوجهت بوجهي إلى رجل توسمته أسأله: متى تضرب عنق السجين؟ فنظر إليّ ولم يُجِبْ، ثم ولاّني قفاه وانصرف، فعلمت أن الأمير يمنع الناس من الكلام في هذا، ولولا ذلك لأجابني. ودنوت من كوّة السجين فأعطيته قروشاً كانت معي وقلت له:

стр. 102

هذه لأولادك من بعدك، لهم الله فلا تحزن. فلم يقبضها حتى عدّها فرآها كثيرة، فرَدَّ إليّ بعضها وقبل بعضاً، فلم أُلحِفْ عليه وأخذتها منه، وأخذت معها ورقة صفراء أعطانيها لم أدرِ ما هي، ولكنني لم أشأ كسر قلبه بردّها، ووضعت ذلك كله في كمّي وعمدت إلى الكوة لأدخل منها فوجدتها عالية، فوثبت فأصبت بقدمي وجه رجل ممن كان هناك، فما باليته وقلت: سأعتذر إليه. فقد رأيت أهل المدن يؤذون إيذاء العدو ثم يعتذرون اعتذار الصديق! وأدخلت رأسي في الكوة، فصاح السجين صياحاً أرعبني والله، شبّهته بصراخ كلب ديس على ذنبه، وأجلب الناس فطفقوا يشدون برجلي وثيابي، وأنا أرفس بقدمي رفساً لا أبالي موقعه من أجساد الناس، والسجين اللئيم الذي أحسنت إليه يدفع برأسي ويشد بشعري، ولم يكن عضو من أعضائي إلا وهو مشغول، فيداي أتمسك بهما، ورجلاي أذود بهما عن نفسي، ولم أجد ما أدفع به أذاه عني إلا أن بصقت في وجهه، فأقبل يضربني فعضضت يده، ثم دنوت من وجهه فعضضت أنفه، وكان أنفاً ذليلاً لا يزال خبث طعمه على لساني. ثم أخرجوني قسراً وجبراً، وجاء مماليك السلطان فحجزوا بيني وبينهم، وأخذوا الورقة الصفراء، وأدخلوني من باب كان هناك إلى بهو واسع صَحَّ معه ما كنت قدرت من أن سنمة هذا سلطان البلد. ورأيت الناس قد صفّوا كراسيّهم كصف الصلاة، وإذا بعضهم يولي بعضاً دبره، فقلت: ما ألأمَ أهلَ المدن! والله ما كنت مولياً مسلماً ظهري إلا في الصلاة، وعمدت إلى الكرسي لأديره، فإذا هو مثبت بمسامير من حديد، فتركته واستدرت أنا

стр. 103

فجلست على قفاه، وجعلوا يضحكون مني فما ألقي لهم بالاً، حتى جاءت امرأة فجلست قبالتي، فقلت: يا أمَةَ الله استتري، فأقبلوا يَزْبُرونني، وإذا هي -فيما قالوا- شاب وليس امرأة! فجعلت أعجب. ولبثت أنتظر خروج السلطان، فإذا بالمماليك يديرونني فيجلسونني من حيث يجلس الناس، فلم أملك إلا الطاعة. وقعدت أنتظر، فلم أنشب أن جاء مملوك آخر فقدم إليّ صَفْحة من خشب قد صفّ عليها فَرَانيّ وشطائر (١) وقال: تريد؟ قلت أريد والله، وهل يأبى الكرامة إلا اللئيم؟ وأقبلت آكل فأجد طعاماً هشّاً تحت الأسنان حلواً في الحلق خفيفاً على البطن، فقلت: هذه هي البقلاوة التي وصفوها لنا. فمسحت شفتي بيدي وقلت: الحمد لله، جزاك الله خيراً. فظل واقفاً ولم يمضِ، فقلت: الحمد لله، لقد شبعت. قال: يَدَك على الفلوس؟ قلت: ويحك، ماذا تريد؟ قال: أكلت ثلاثين قطعة كل قطعة منها بسبعة قروش، فهذه مئتان وعشرة. قلت: قبّحك الله من عبد لئيم! تأخذ من ضيوف السلطان ثمن القِرى؟

стр. 104

وكان ما أكلت قد شَدَّ ظهري، فوثبت إليه ووثب إليّ، وقام الناس، وزُلزل البهو بأهله، وكادوا والله يطردونني لولا أن ظهر صاحبي، فانفرد بالمملوك فأرضاه عني وجاء فقعد معي. وإنّا لكذلك يا شيخ، وإذا بالأنوار تنطفئ، وإذا بالخيل تهجم علينا مسرعة حتى كادت والله تخالطنا. فقلت: لك الويل يا صْلَبي، ثكلتك أمك، إنه الغزو فما قعودك؟ وقفزت قفزاتي في البادية، وصرخت وهجمت أدوس على أجساد الناس وهم يضجُّون ويصخبون، فلما كدت أبلغ الخيل اشتعلت الأنوار وفرّ العدوّ من خوف بطشي هارباً، وجاء عبيد السلطان ليخرجوني فردّهم عني صاحبي وكلمهم. فقلت: هذا والله العجز والذل، فقبح الله من يقيم عليهما! ترون العدوّ قد خالطكم وتلبثون قعوداً؟ ما أكرَهَكم إليّ يا أهل المدن، ما ظننت والله إلا أنكم ستحملون إليّ صلة السلطان على أن رددت عدوَّكم وهزمته. فضحك اللئام، وجعل صاحبي يحذرني العودة إلى مثلها. ولم ألبث حتى أُطفئت الأنوار كَرّةً أخرى، ففزعت ونظرت، فما أحسست إلا امرأة قد قبض عليها رجل خبيث يحاول أن ينال منها على مرأى منا ومسمع، وهي تستغيث وأنا أسمع صياحها ولا من مغيث. فثارت الحمية في رأسي، وسللت الخنجر وأقبلت أريده، فاختفى والله حتى كأنْ لم يكن هناك من أحد، وعادت الأضواء ورجع الصخب، فقلت: والله ما أقيم. وجعلت أصيح: أخرجوني، ويلكم أخرجوني! * * *

стр. 105

قال صْلَبي: فخرجت وقد علمت أن جرائدكم -يا أهل المدن- تنشر الفجور وتهتك ستر الله عن الناس وتفضحهم، وأن شبابكم بنات، وأن أمراءكم سَحَرة يسحرون أعين الناس حتى يُروهم ما لا يُرى، ثم إنكم لا تغارون على أعراضكم ولا تبالون كشف عورات أبنائكم وبناتكم ... لا والله ما أحبكم. وذهب مولياً عني مسرعاً يمشي بين تلك المواخير القذرة: ترياتون وليدو وأوليمبيا، تلقاء سوق الحميدية والأموي حيث المدينة الطاهرة الفاضلة، حيث دمشق التي سمّاها شوقي «ظئر الإسلام». * * *

стр. 106

الأعرابي والشّعر نشرت سنة ١٩٣٩ أتاني منذ يومين صْلَبي، فقال لي: هل أنت من المَعْنيين بالشعر والأدب؟ قلت: نعم، فماذا عندك؟ قال: نعمة ساقها الله إليك، إن أنت أضعتها يوشك ألاّ تلقى مثلها يَدَ الدّهر (١). قلت: فاذكر لي ما هي، فإني أرجو ألاّ أضيعها. قال: أتعرف «السّوالِم»؟ قلت: نعم؛ جمع تكسير. قال: لا والله ما هم بجمع تكسير، إنهم أكرم من ذلك، هم والله جمع مبارك. قلت: إنما أردت الكلمة. قال: كلمة ماذا؟ إنها قبيلة كانت متوارية في رملة من رمال

стр. 107

«عالج» لا يدري بها أحد ولم يكشفها إلا حكم الإمام عبد العزيز أطال الله عمره، فعرفها العرب وعرفوا فيها العربية المبرَّأة من العجمة، والبلاغة التي ما وراءها بلاغة، والنبرة الصافية التي إن سمعتها فإنما سمعت كلام سَحْبان أو خالد بن صفوان (١). قلت: ولكن ما أبعدك يا رملة عالج! قال: بل ما أدناك يا شارع الحلبوني! ألا تعرف دار الباشا؟ قلت: القنصلية السعودية؟ قال: بارك الله فيك، إن شيخ السوالم نازل فيها، وقد هبط دمشق ليلة أمس، وهو أول «سالمي» يهبطها بعد إذ فارقتها قبيلته. قلت: متى فارقوها؟ قال: صبيحةَ الفتنة التي قُتل فيها الوليد بن يزيد، الملك المظلوم الذي عبث خصومه بتاريخه، فقوّلوه ما لم يقل ونسبوا

стр. 108

إليه ما لم يفعل، وروى هذا العبثَ مؤرخون هواهم عليه وميلهم مع أعدائه، وأدباء محاضرون لا يبالون ما يروون (كصاحب «الأغاني»، والأغاني من الكتب التي أفسدت الدين والخلق، وإن صانت الأدب والشعر والأخبار) (١). قلت: إنك لتذكر تاريخاً قديماً. قال: هو ما قلت لك، غير أن الشيخ لا يحب أن يلقى أحداً، وقد حذّروه قوماً يُقال لهم «أهل الصحف» يفضحون الناس: ينشرون من أسرارهم ما يطوون ويعلنون من أخبارهم ما يُسِرّون ليُسَلُّوا بذلك من يشتري منهم هذه الصحائف. فاحْتَلْ للقائه بحيلة.

стр. 109

ولقيت الشيخ فإذا هو فوق ما وُصف لنا، وإذا لسان مبين ولغة معربة وحديث، كأنك تقرأ في «البيان والتبيين» أو في «عيون الأخبار». ولقد خضنا معه كل بحر وعرجنا على كل منزل، فسألته عن الشعر واستطلعت رأيه في جديده، وسأله بعضُ من حضر عن مسائل من اللغة والنحو وعرض عليه أشياء من تمحّلات النحاة وغلاظاتهم، فأجاب بأسَدّ جواب وأحكمه، فما كان أعجبَ من سؤال السائل إلا جوابه هو، وما تقول فيهما إلا الأصمعي يشافه بُلَغاءَ الأعراب من أهل زمانه. وإني أروي هنا طرفاً من حديثه في الشعر بكلامي أنا لا ببيانه هو، فما استطعت حفظ ما قال بحروفه. * * * قلت له: كيف أنت والشعر؟ قال: أما ما قالت العرب فإني أرويه كله لا أخْرِم منه شيئاً، وأما ما قال المُحْدَثون بعدَ إذ فشا اللحن في الأمصار وعمَّت -فيما بلغنا- العُجْمَةُ فلا أعرفه ولا أرضى لنفسي روايته، لأن أصحابه أفسدوا على العرب ديوانهم وجاؤوهم بما ينكرون من القول. قلت: ولكنك رجل عادل حصيف، أفلا تسمع قول هؤلاء المحدثين قبل أن تحكم عليهم؟ قال: بلى والله، إني سامع فأنشدني. فنظرت، فكأنّ الله محا الشعر كله من قلبي إلا أبياتاً لأبي تمام في وصف الربيع نُرَوّيها التلاميذَ، فأنشدته إياها وفي ظني أنه

стр. 110

لا يرضى عنها لأنها ليست مما ألف، ولو أنشدته لغير أبي تمام أو أنشدته لأبي تمام غيرَها لكان ذلك أدنى إلى رضاه، ولكنْ ماذا أصنع وقد نسيت كل ما جاوزها من الشعر؟ قلت: مطرٌ يذوبُ الصَّحْوُ منه وبعدَه ... صحوٌ يكاد من الغَضارة يُمطِرُ غَيْثانِ؛ فالأنواءُ غيثٌ ظاهر ... لك وجهُهُ والصَّحْوُ غيثٌ مُضْمَرُ فرأيته قد طَرِبَ لها طرباً لم يُخْفِه وتمايل وصفق يداً بيد من الإعجاب، فقلت وقد قَوِيَت نفسي: كيف سمعت؟ قال لقد أحسن وجاء بما لم يسبقه إليه سابق، وما أحسبه يلحقه فيه فيدرك شأوَه لاحق. لقد عرف الناس ثلجاً يذوب، فأذاب لهم الصحو حتى سال ماءً، ثم عاد فجعل الصحو من طراوته كأنه يمطر، فلم يخلِّهم في المطر من صحو ولا في الصحو من مطر. ثم أصَّلَ وفرَّعَ، فجعل من الغيث ظاهراً ومُضمَراً، وما يكون مضمَر إلا وثمّةَ ضمير، ولا ضمير إلا في حيّ، أفلا تراه قد أسبغ الحياة على الجماد؟ قلت: هذا مذهب في الشعر يعرفه أهل زماننا ويحسبون أنهم ابتكروه، يعطيك صورة جميلة ولكنها ليست بَيِّنَة الحدود ولا واضحة المعالم، فأنت تستمتع فيها بكشف المجهول (وهو -?لَعَمري- أصل الآداب وأقوى الغرائز)، ثم تملأ فراغها بعواطفك وتجعل حدودها من أفكارك، فتكون كأنك صغتها لنفسك وتفهم منها ما لا يفهم سواك
следующие страницы →