← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كوثَر المَعَاني الدَّرَارِي في كَشْفِ خَبَايا صَحِيحْ البُخَاري تأليف الإِمَامِ المُحَدِّثِ العَلَّامَةِ الشَّيْخ مُحمَّد الخِضْر الجَكيني الشِّنقيطي (المتوفى سنة ١٣٥٤هـ) الجُزْء الأوّلُ مؤسسة الرسالة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

كوثَر المَعَاني الدَّرَارِي في كَشْفِ خَبَايا صَحِيحْ البُخَاري

стр. 4

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م مؤسسة الرسالة بيروت -شارع سوريا- بناية صَمدي وصالحة هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقيًا: بيُوشرَان

стр. 5

تنبيه: قد اشتمل هذا الكتاب على فنون كثيرة، استقل كل واحد منها بالتأليف عند علماء الحديث على رجال "البخاري"، حيثما جاءت في السند كانت أو في المتن، وأنساب الرجال وبلدانهم. وعلى إيضاح ما فيه من المبهمات، وعلى أصول الحديث بأجمعها، وعلى تعليق المعلقات، وعلى وصل الموقوفات والمرسلات والمقطوعات، وعلى ما في السند من اللطائف والنكت، وعلى تبيين مَنْ أخرج الحديث من الستة، وعلى تعريف الصحابة وطبقاتهم، والتابعين وطبقاتهم، وطبقات المحدثين، وعلى نبذة جليلة من السيرة النبوية، وترجمة الإِمام البخاري، إلى غير ذلك مما لا يحويه كتاب، ولا يستغني عنه راغب في العلم من جميع العلماء والطلاب.

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصلاةُ والسَّلامُ على النبيِّ الكريم، وعلى آله وصحبه أُولي الفضل العميم. وبعد: أيُّها القارىء الكريمُ، هذا شرحٌ لصحيح الإِمام محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري، جاء فريدًا في أسلوبه، ودِقة أبحاثه، بزَّ ما قبله، رَغْمَ ما أولى علماءُ المسلمين هذا الصحيح من دِراسةٍ، وشرح، وتمحيص، متعدِّدة المناهج والمشارب، والتي قيل: إنها بلغت خمسين ما بَيْن تعليقٍ وشرحٍ. لقد كان المؤلفُ ﵀ -في دروسه- يُوفي رجالَ السند حقَّهم من تعريفٍ وتجريحٍ وتعديلٍ، ثم يَعْمَدُ إلى شرحِ مفرداتِ الحديثِ، وما فيه من أمور لغوية، ومصطلح الحديث، ثم يبدأ في شرح الحديث، وما أخذه من العلماء، ومَنْ عَمِلَ به مِن علماءِ المذاهب، وذلك ما ستراه في هذا الكتاب (كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري) وما أصعب كشف خباياه لولا ما مَنَّ الله به على صاحبه من سَعَةٍ في العلم ودِقة وجهد وإخلاص. والمؤلفُ أَيها القارىء الكريم: هو محمَّد الخَضِر بن سيد عبد الله بن أحمد الملقب (بما يأبى) لكرمه وسخائه كان لا يرد سائلًا ولا يأبى حتى لُقِّبَ بهذا اللقب (الجكني) نسبة إلى قبيلة من أعظم قبائل شنقيط الجامعة بين العلم والسطوة. (الشنقيطي) نسبةً إلى قطر شنقيط. المعروف اليوم باسم الجمهورية الإِسلامية الموريتانية. أخذ عن والده، وأجلَّة علماء ذلك القطر العربي الإِسلامي، حتى أُنيط به الافتاءُ العام، ثم القاضي الأكبر بلا منازع وكان القضاء في ذلك

стр. 7

الزمان لا يُنال بالتعيين، ولكن ببروزِ العالمِ وتفوقهِ، وإقرار العلماء له بالتفوُّق، فحينئذ يقومُ أمير البلاد باعتماد آرائه وتنفيذِ أحكامه. وكان صاحبَ مدرسةِ علم يَؤُمُّهَا طلبةُ العلم من جميع أنحاء البلاد والبلدان الإفريقية المجاورة. وحينما هاجم الإِفرنسيون تلك البلاد ١٣٢١ هـ / ١٩٠٣ م - دعا للجهادِ، وقال الجيوشَ مع أمير البلاد الأمير عثمان بن بكار بن أسويد أحمد (صهره) في حرب استمرَّت أربعَ سنين، ولما ظهر تغلُّبُ الإِفرنسيين، توجه مع الأمير عثمان إلى المغرب الأقصى يَطلبُ النجدة من سلطانها، وصادفَ أن كانت حربٌ بين السلطان عبد العزيز وأخيه السلطان مولاي عبد الحفيظ الذي استتبَّ له الأمرُ، وبذلك السبب لم يجد عونًا حقيقيًا مفيدًا، فقرَّر البقاء في المغرب ونوى الهجرة، فأقام فيها خمسَ سنين أستاذًا للسلطان عبد الحفيظ. (وهو من أجلِّ العلماء وصاحب تآليف كثيرة) ورئيسًا للعلماء. وحينما أعلنت فرنسا الحماية على المغرب، قرر الاستمرار في الهجرة، ورحل إلى المدينة المنورة سنة ١٣٣٠ هـ - ١٩١٢ م مجاورًا، ومدرسًا بالحرم الشريف النبوي، وعُيِّنَ فيها مفتيًا للمذهب المالكي وفي سنة ١٣٤١ هـ - ١٩٢٢ م ذهب إلى الاردن، حيث عُينَ قاضيًا للقضاة، وأقام بضعَ سنين، ثم رأى التجوال في العالم الإِسلامي، ونشر العلم، فسافر إلى العراق ومصر وتركيا وسوريا وإِمارات الخليج والهند وقد ترك فيها كثيرًا من طلبة العلم، الذين اجتمعوا فيما بعد في أعلى المراكز الدينية، وكان دائم الرجاء من الباري جل شأنه الرجوع إلى المدينة المنورة والموت فيها، وقد تَمَّ له ما طلب فرجع إليها، ومات سنة ١٣٥٤ هـ - ١٩٣٦ م تغمَّده الله برحمته، وأسكنه فسيح جناته. كان ﵀ مالكيَّ المذهب، وأراد المقارنَة بين المذاهب الأَربعة وأدلة كل منهم في كتابه "إيضاح مختصر خليل بمذاهب الأربعة وأصح

стр. 8

الدليل" الذي لم يشأ الله أن يتم. وكان مع سَعة باعه في الحديث، وحفظه عن ظهر غيب لأغلب الكتب الستة، متمسكًا بالعمل بمذهب الإِمام مالك -سمعته يقول: لقد حفظتُ مختصر خليل وشروحه، وحواشيه- كما حفظتُ كتب الصحاح بما فيهم الموطأ، وأعتقد أني قد وصلتُ درجةَ الاجتهاد، ولكن كلما ازددتُ علمًا، ازددتُ تمسكًا بمذهب الإِمام مالك، إذ أني أجد فهمَه وعلمه أمامي في كل درجة أَصِلُ إليها. وترى أيها القارىء أثر ذلك في كتابه "قمع أهل الزيغ والإلحاد عن الطعن في تقليد أئمة الجهاد" وكان ﵀ جريئًا في الحق لا يُداهن، قويَّ الشكيمة، حاضر البديهة، قوَّام الليل، صائم النهار، مع عدم تركه لدنياه وصلته بالمجتمع من رؤساء ومرؤوسين. كان يُجِلُّ علماءَ الحقيقة في حرصهم على التمسك بأصول الدين القويم، والبعد عن البدع والضلالات، كما كان حاملًا لسور الإِمام الجيلاني، يُجل علماء الباطن، ناقمًا على من نزع عنهم، وشطًّ عن طريقهم المستقيم، وذلك ما تجده في كتابه "تصوف السادة والنجاح. والرد على متصوفة الرقص والصياح" وكتابه "مشتهى الخارف الجاني. في رد زلقات التجاني الجاني" ذلك الكتاب الذي عَمَّ نَفْعُهُ، وهدى الكثيرين إلى صراط الله المستقيم. كان متبحرًا في علوم العربية - شاعرًا بليغًا، قوي الأسلوب، سهل المعاني، نرجو الله أن ييسر طبعَ ديوانه، ومن شعره حينما كان بالأردن وحنَّ إلى الرجوع إلى المدينة المنورة. ألا لَيْتَ شِعرِي هَلْ إلى أُحُدٍ (١) عَوْدُ ... وهَلَ لي إلى سَلْعٍ ودَارَاته رَدَّ

стр. 9

وهَلْ لي إلى سُوقِ المنَاخَةِ نَظْرَةٌ ... بِهَا القلْبُ يُشْفى بَعْدما شَفَّهُ الوَجْدُ إلى غُرفٍ في حَوْش وَرْدَةَ أَثوى ... بَهَا غُرَرٌ عِيْنٌ بأردانها النَّدُّ إلى ذِرْوَة العَلْيَاءِ مِنْ آلِ يوسُفٍ ... سراة بني جاكان يُسترفد الرفدُ ومن شعره أيضًا: كُنَّا زَمَانًا مِثْلَ غُصْنَيْ بانِ ... يَأْتي النَّسيمُ مَعًا فَيهْتَزَّانِ مَيَلانُ هَذَا إنْ يَمِلْ مَيَلَانُ ذا ... لا سَابِقٌ ذَا ذَاكَ بالمَيَلَانِ واليَومَ فَرَّقَنا الزَّمانُ بصَرْفِهِ ... فرَأَى الوُشَاةُ طَرِيقَةَ الشَّنَاَنِ وقد أثنى عليه العلماءُ، والأدباءُ، ومدحوه بقصائد ورسائل تَجِدُ أكثرها مطبوعًا مع تقارير كتاب مشتهى الخارف الجاني. ﵀، وتغمده برحمته، وأسبل عليه رضوانه، وجزى الله القائمين بطبع هذا الكتاب خيرَ الجزاء والله ولي التوفيق، وحسبنا الله ونعم الوكيل. محمَّد الأمين بن المؤلف قاضي قضاة، ووزير المعارف بالأردن سابقًا

стр. 10

﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على النبي الكريم الحمدُ لله الموحي إلى عبده ما أوحى، من الأياتِ والأحاديثِ الشارحة لها شرحًا، المقيِّض لها جَهَابذَة نقادًا، لا تَعْرَى معهم ولا تَضْحَى، مصونةً بهِمْ عَنْ زَيْغِ مَنْ حَاوَلَ فيَها قدحًا، والصلاة والسَلامُ على مَن اصطفاه الَباري قديمًا لنبوته، فكان نبيًا وإن آدم لَمُجَدَّلٌ في طينته، متقلبًا في الساجدين إلى أن أظهره الله تعالى رحمة لخليقته، متدثِّرًا بأعباء رسالته، قامعًا كلَّ ماردٍ خارجٍ عن طريقته، محمدٍ الذي ما كان الكون إلا لكون حقيقته، وعلى آله الذين سبق لهم من الله تعالى التطهير، فكانوا في جميع العصور قادة لكل خير وخير، وعلى أصحابه المشمِّرين لإِظهار الحق غاية التشمير، حتى أبادوا ودمروا من خالفه أفظع إبادةٍ وشرَّ تدمير، والتابعينَ لهم فيما سلكوا من مناهج التبصير. أما بعد: فقد منَّ الله تعالى على هذا العاجز الحقير الفقير، فضلًا منه ورحمة وإحسانًا على أهل التقصير بخدمة جامع الصحيح للإِمام الحجة أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الشهير، فجمعت في خدمته ما يَعْجزُ عن تحريره كل عالمٍ نحرير خبير، فجعلت عليه كالشرح قاصدًا به تعريف ما فيه من الرجال سندًا كان، أو مذكورًا في خلال المتن على أي وجه جاء ذكره في الخلال، محيلًا كل ما تكرر من الرجال على الحديث المعرف فيه بالنص لا بالاحتمال، كي لا يتريَّث الناظرُ في طلبه لالتماس المحال، آتيًا بما لهم من الأنساب والبلدان على أكمل حال، موضحًا ما فيه من المبهمات، عازيًا وَصْلَ ما

стр. 11

فيه من التعليقات والموقوفات، والمرسلات والمقطوعات إلى من أوصل ذلك من أجلاء علماء الحديث الثقات، ذاكرًا عند كل محلٍّ ما فيه من أصول الحديث، فاحتوى على كل ما ألَّفه فيها العلماء من قديم وحديث، مبينًا عند كل حديث من أخرجه من الستة أهل الاعتماد، موشحًا ذلك بذكر ما فيه من لطائف الإِسناد، فجاء بحمد الله تعالى جامعًا لكل ما يحتاجه القارىء لصحيح البخاري مما انفرد كُلُّ نوع منه بالتآليف السَّنيَّة، فلم يبق من مطالبه سوى إيضاح المعاني اللغوية، وتناولها سهل على كل متعاط للغة العربية، وسميته. " كوثر المعاني الدراري، في خبايا صحيح البخاري " وأسأل الله تعالى الكريم الحنان المنان وأتوسل وأتشفع وأتوجه إليه بسيد ولد عدنان وقحطان، محمَّد الحاوي من الفضائل ما لم يحوه مَلَك ولا إنس ولا جان. أنْ يعينَني ويوفقَني لإتمام هذا الكتاب، ويجعله نافعًا لمن حاول النفعَ به من العلماء والطلاب، مقبولًا عند الله تعالى يومَ الجزاء والحساب، ليس بينه وبينه -يوم تُجزى كلُّ نفس بما لها- حجاب (١). هذا ولما كان الصحابةُ والتابعون، عليهم رضوان الله تعالى أجمعين، سببًا في اتصال الشريعة والسند لسائر علماء المسلمين، أردتُ أن أُثبت مقدمةً في حقيقتهم، وما لهم من الطبقات، فتمتاز عند العارف بذلك المرفوعات من المرسلات، ويجني من معرفة حقيقتهم يانعَ الثمرات.

стр. 12

فأقول وعلى الله اعتمادي، وبه توفيقي ورشدي وسدادي: مقدمة في حقيقة الصحابة والتابعين عليهم رضوان الله تعالى وأقتصر في هذا المبحث على ما ذكره فيه "فتح الباري"، سوى زيادات يسيرة من "المواهب" وشرحه للزَّرْقاني والنووي وغير ذلك، وأبدأ في تعريف الصحابي بما عرفه به البخاري. قال البخاري في "صحيحه": الصحابي من صَحِب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه. قال في "الفتح": يعني أن اسم صُحبة النبي ﷺ مستحق لمن صحبه أقل ما يُطلَق عليه اسم الصحبة لغةً، وإن كان العُرف يُخصُّ ذلك ببعض الملازمة، فالصحابي مشتق من الصحبة، جارٍ على من صحب غيرَه قليلًا كان أو كثيرًا؛ يقال: صحبه شهرًا ويومًا وساعة، وهذا يوجب في حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبي ﷺ ولو ساعة. وما ذكره البخاري هو الراجح، وسبقه إليه شيخُه علي بن المديني، وهو قول أحمد بن حَنْبل وجمهور المحدثين، وقال النووي: كافة المحدثين. وذهب أكثر أصحاب الفقه والأصول إلى أنه مَنْ طالت صحبته، له ﷺ قائلين: إن عُرف الأمة هو أنهم لا يستعملون لفظ الصحبة إلا فيمن كثرت صحبته، واتصل لقاؤه، ولا يجري ذلك على مَنْ لَقِيَ المرءَ ساعة، ومشى معه خَطَوات، وسمع منه حديثًا، فوجب أن لا يجري في الاستعمال إلا على من هذا حاله. قال النووي: ويُستدل على ترجيح مذهب المحدثين بأنهم نقلوا عن أهل اللغة أن الاسم يتناول صحبة ساعة، وأكثر أهل الحديث قد نقلوا الاستعمال في الشرع والعرف على وفق اللغة، فوجب المصير إليه. وعُلِم من قول البخاري: "أو رآه" أنه يُطلَق على من رآه رؤيةً، ولو

стр. 13

على بعد، وهل يُشتَرط في الرائي أن يكون بحيث يميز ما رآه أو يُكتفى بمجرد حصول الرؤية؟ محل نظر، وعمل من ألَّف في الصحابة يدل على الثاني، فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما وُلد قبل وفاة الرسول، ﷺ بثلاثة أشهر وأيام كما ثبت في الصحيح: "إن أمه أسماء بنت عميس ولدته في حجة الوداع، قبل أن يدخلوا مكة" وذلك في أواخر ذي القعدة سنة عشر من الهجرة، ومع ذلك فأحاديث هذا الضرب مراسيل. والخلاف الجاري بين الجمهور وبين أبي إسحاق الإسفراييني ومَنْ وافقه على رد المراسيل مطلقًا، حتى مراسيل الصحابة لا يجري في أحاديث هؤلاء؛ لأن أحاديثهم لا من قبيل مراسيل الصحابة الذين سمعوا من النبي ﷺ بل من قبيل مراسيل كبار التابعين. وهذا مما يُلغَز به، فيقال: صحابي حديثه مرسل ولا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة، ومنهم -يعني أهل الحديث- من بالغ فكان لا يعد في الصحابة إلا من صَحِب الصحبة العرفية، كما جاء عن عاصم الأحول قال: رأى عبد الله بن سَرْجِسَ النبيَّ ﷺ غير أنه لم تكن له صحبة. أخرجه أحمد؛ هذا مع كون عاَصم قد روى عن عبد الله بن سَرْجسَ هذا عدة أحاديث، وهي عند مسلم، وأصحاب السنن، وأكثرها من رواية عاصم عنه، ومن جملتها قوله: "إن النبي ﷺ استغفر له". فهذا رأي عاصم: أن الصحابي من يكون صحب الصحبة العرفية؛ وكذا روي عن سعيد بن المسيِّب: أنه كان لا يعد في الصحابة إلا من أقام مع النبي ﷺ سنة فصاعدًا، أو غزا معه غزوة فصاعدًا. والعمل على خلاف هذا القول، لأنهم اتفقوا على عَدّ جمع جَمٍّ في الصحابة، لم يجتمعوا مع النبي ﷺ إلا في حجة الوداع، ومن اشترط الصحبة العرفية أخرج مَن له رؤية، أو من اجتمع به، لكن فارقه عن قرب، كما جاء عن أنس أنه قيل له: "هل بقي من أصحاب النبي ﷺ أحد غيرك؟ قال: لا" مع أنه كان في ذلك الوقت عدد كثير ممن لقيه من

стр. 14

الأعراب، ومنهم من يشترط في ذلك أن يكون حين اجتماعه به بالغًا، وهو مردودٌ أيضًا؛ لأنه مخرج، مثل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، ونحوه من أحداث الصحابة. وقول البخاري: من المسلمين، قَيْد يخرج به مَنْ صَحِبه أو مَنْ رآه من الكفار، فأما من أسلم منهم بعد موته فإن كان قوله "من المسلمين" حالًا، خرج مَنْ هذا صفته، وهو المعتمد. ويَرِدُ على التعريف من صحبه أو رآه مؤمنًا به ثم ارتد بعد ذلك، ولم يعد إلى الإِسلام، فإنه ليس صحابيًا اتفاقًا، فينبغي أن يُزاد فيه: ومات على ذلك. وقد وقع في مسند أحمد حديث ربيعة بن أمية بن خَلَفٍ الجُمَحِىّ، وهو ممن أسلم في الفتح، وشهد مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، وحدَّث عنه بعد موته، ثم لحقه الخِذْلانُ، فلحِق في خلافة عمر بالروم، وتنصَر بسبب شيء أغضبه، وإخراج حديث مثل هذا مشكل، ولعل من أخرجه لم يقف على قصة ارتداده والله تعالى أعلم. فلو ارتد ثم عاد إلى الإِسلام لكن لم يره ثانيًا، بعد عوده؛ فالصحيح أنه معدود في الصحابة، لإطباق المحدثين على عدّ الأشعثِ بن قيس ونحوه ممن وقع له ذلك فيهم، وإخراجهم أحاديثهم في المسانيد. وقال العراقي: إن في ذلك نظرًا كبيرًا، فإن الردة مُحبطة للعمل عند أبي حنيفة، ونص عليه الشافعي في "الأم" وإن كان الرافِعي قد حكى عنه: أنها إنما تَبطُل بشرط اتصالها بالموت، وهو المعتمد عند الشافعية؛ وحينئذ فالظاهر أنها محبطة للصحبة المتقدمة. قلت: يعني على ما في "الأم" لا على ما للرافعي، فتأمل. ثم قال: والجواب عن هذا أنها محبطة لثوابها، لا لعملها الذي هو الصحبة أو الرؤية، فيُعتَدُّ به في عدِّه صحابيًا، وتخريج أحاديثه في المسانيد، كما يُعتد بما فعله المسلم قبل ردته من صلاة وزكاة وصيام

стр. 15

ونحوها، فلا يعيد ذلك إذا ارتد ثم عاد إلى الإِسلام، وإن سقط ثوابه بالردة، وحينئذ فلا نظر. أما من ارتد ثم عاد إلى الإِسلام في حياته ﷺ فهو داخل في الصحبة بدخوله الثاني في الإِسلام اتفاقًا إن رآه ﵊ مرة أخرى بعد العود للإسلام، وعلى الصحيح المعتمد: إن لم يره ثانيًا، والتقييد بالرؤية المراد به عند عدم المانع كالعمى، فإن كان كابن أم مَكْتوم الأعمى فهو صحابي جزمًا، فالأحسن أن يُعبَّر باللقاء بدل الرؤية. قال الحافظ زين الدين العراقي: قولهم: مَنْ رأى النبي- ﷺ هل المراد به: من رآه في حال نبوته، أو أعم من ذلك حتى يدخلَ من رآه قبل النبوة ومات قبل النبوة على دين الحنيفة: كزيد بن عمرو بن نُفَيْل، فقد قال النبي ﷺ : "إنه يُبعَثُ أمةً وَحْدَهُ بيني وبين عيسى بن مَريم" رواه البغوي في "الصحابة" من حديث جابر، ورواه أبو أسامة زيادة على رواية البخاري، وأخرجه البزار من طريق جابر أيضًا، والطَّيالِسِيُّ من طريق ابنه سعيد، وقد ذكره في الصحابة أبو عبد الله بن مَنْدَةَ. وكذلك لو رآه قبل النبوة، ثم غاب عنه، وعاش إلى بعد زمن البعثة، وأسلم ثم مات ولم يره، ولم أر من تعرض لذلك. ويدل على أن المراد رآه بعد نبوته أنهم ترجموا في الصحابة لمن وُلِدَ للنبي ﷺ بعد النبوة، كإبراهيم من مارية، وعبد الله من خديجة، ولم يترجموا لمن ولد له ﷺ قبل النبوة كالقاسم. وأما من رآه وآمن به بعد البعثة وقبل الدعوة، كوَرقَةَ بن نَوْفل، فإنه صحابي، كما جزم به ابن الصلاح. وهل يختص جميع ذلك ببني آدم، أو يَعُمُّ غيرهم من العقلاء؟ محل نظر، أما الجِنُّ فالراجح دخولهم، لأنّ النبي ﷺ بُعِث إليهم قَطْعًا وهم مكلفون، فيهم العصاة والطائعون؛ فمن عُرف اسمه منهم لا ينبغي التردد في ذكره في الصحابة، وإن كان ابن الأَثير عاب ذلك على أبي

стр. 16

موسى، ولم يستند في ذلك إلى حجة، فليس ذلك بمعيب. وأما الملائكة فيتوقف عندهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، فإنَّ فيه خلافًا بين الأصوليين، حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته وعَكس بعضهم. وهذا كله فيمن رآه وهو في قيد الحياة الدنيوية، أما من رآه بعد موته وقبل دفنه فالراجح أنه ليس بصحابي، وإلا لعد من اتفق أن يرى جسده الشريف المكرم وهو في قبره المعظم، ولو في هذه الأعصار، وكذلك من كشف له عنه من الأولياء، فرآه كذلك على طريق الكرامة، إذ حجة من أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه مستمر الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية، وإنما هي أخروية لا تتعلق بها أحكام الدنيا، فإن الشهداء أحياءٌ، ومع ذلك فإن الأحكام المتعلقة بهم بعد القتل جارية على أحكام غيرهم من الموتى، وكذلك المراد بهذه الرؤية من اتفقت له ممن تقدم شرحه وهو يقظان، أما من رآه في المنام وإن كان قد رآه حقًا فذلك مما يرجِعُ إلى الأمور المعنوية لا الأحكام الدنيوية، فلذلك لا يُعَدُّ صحابيًا، ولا يجب عليه أن يعمل بما أمر به في تلك الحالة. طبقات الصحابة وقد ذكر العلماء للصحابة ترتيبًا على طبقات، وقسمهم أبو عبد الله الحاكم في كتاب "علوم الحديث" إلى اثنتي عشرة طبقة. الأولى: قوم أسلموا بمكة أول المبعث، وهم سُبّاقُ المسلمين، مثل خديجة بنت خُوَيلد والعشرة المبشرين بالجنة. الثانية: أصحاب دار النَّدْوة، بعد إسلام عُمر بن الخطاب حمل عُمر النبي ﷺ ومن معه من المسلمين إلى دار الندوة، فأسلم لذلك جماعة من أهل مكة. الثالثة: الذين هاجروا إلى الحبشة، كجعفر بن أبي طالب، وأبي

стр. 17

سَلَمَة بن عبد الأسد، فرارًا بدينهم من أذى المشركين، أهل مكة. الرابعة: أصحاب العقبة الأولى، وهم سُبّاق الأنصار إلى الإِسلام وكانوا ستة، وأصحاب بيعة العقبة الأولى من العام المقبل وكانوا اثني عشر رجلًا، والستة الأُوَلُ كلهم من الخزرج، وهم أبو أُمامة أسْعد بن زُرارة، وعوفُ بن الحارث بن رِفاعة وهو ابن عَفْراء، ورافعُ بن مالك بن العَجْلان، وقُطبة بن عامر بن حديدة، وعُقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رِئاب لا جابر بن عبد الله بن حَرام، وعد بعض أهل السير فيهم عُبادة بن الصّامتِ بدل جابر بن عبد الله بن رِئاب، وكل هؤلاء من الاثني عشر أهل بيعة العقبة الأولى إلا جابر بن رِئاب، والسبعة الباقية هم: معاذُ ابن الحارث ابن رِفاعة وهو ابن عَفْراءَ أيضًا، وذَكوانُ بن عبد القَيس الزُّرَقِي، وعبادةُ بن الصامت، وأبو عبد الرحمن يزيدُ بن ثعلبةَ البَلَوِيّ، والعباس بن عُبادة بن نَضْلة وهؤلاء من الخَزْرج أيضًا، ومن الأوس: أبو الهَيْثَم بن التيهان من بني عبد الأشهل، وَعُويم بن ساعدة. الخامسة: أصحاب العقبة الثانية، وكانوا سبعين من الأنصار، منهم البراء بن مَعْرور، وسعدُ بن عبادة، وعبد الله بن رَوَاحة، وعبد الله بن حَرَام، وسعدُ بن الرّبيع. السادسة: المهاجرون الذين وصلوا إلى النبي ﷺ بعد هجرته، وهو بِقباء، قبل أن يبني المسجد، وينتقل إلى المدينة المنورة. السابعة: أهل بدر الكُبرى، قال النبي ﷺ لعمر في قصة حاطِب بن أبي بَلْتَعَة كما في "البخاري" و "مسلم": "وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ على هذه العصابةِ من أهل بدرٍ فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُم فَقَدْ غَفرْتُ لَكُم" وعند أحمد وأبي داود بالجزمَ، ولفظه: "إن الله اطلَع على أهلِ بدرٍ" إلخ. قال النوويُّ: الرجاء هنا راجع إلى عُمر، لأن وقوع هذا الأمر محققٌ عند الرسول، وقد قال العلماء: الترجي في كلام الله وكلام الرسول للوقوع.

стр. 18

وقال الحافظ: فيه بشارة عظيمة لم تقع لغير أهل بدر، واتفقوا على أن هذه البشارة فيما يتعلق بأحكام الآخرة، لا فيما يتعلق بأحكام الدنيا، من إقامة الحدود وغيرها. الفرقُ بين الترجي بلعل وعسى في كلام الله تعالى. قلت: فرق السُّهَيْلِيُّ بين الترجي في كلام الله تعالى بـ "بلعل" و"عسى"، فقال: إن الترجي بعسى واجب الوقوع وبلعل ليس كذلك، ونصه عند الكلام على آية ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] في توبة أبي لُبابة في غزوة بني قُرَيْظة. فإن قيل: إن القرآن نزل بلسان العرب، وليست عسى في كلام العرب بخبر، ولا تقتضي وجوبًا، فكيف تكون واجبةً في القرآن، وليس بخارج عن كلام العرب؟ وأيضًا فإن لعل تعطي معنى الترجي، وليست من الله واجبة، فقد قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، فلم يشكروا وقال: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، فلم يتذكر ولم يخش، فما الفرق بين لعل وعسى حتى صارت عسى واجبة؟! قلنا: لعل تعطي الترجي، وذلك الترجي مصروف إلى الخلق، وعسى مثلها في الترجي، وتزيد عليها بالمقاربة، ولذلك قال: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، ومعنى الترجي مع الخبر بالقرب، كأنه قال: قَرُبَ أن يبعثك ربك، فالترجي مصروف إلى العبد كما في لعل، والخبر عن القرب والمقاربة مصروف إلى الله تعالى، وخبره حق، ووعده حَتْمٌ، فما تضمنته من الخبر فهو الواجب، دون الترجي الذي هو محال على الله تعالى، ومصروف إلى العبد، وليس في لعل من تضمن الخبر مثل ما في عسى، فمِن ثَمَّ كانت عسى واجبةَ الوقوع إذا تكلم بها، ولم تكن لعل كذلك. وهو كلام تُشَدُّ له الرحال، مبين عدم الإطلاق الوارد عن العلماء في كون الترجي في كلام الله تعالى للوقوع، فإنه بين اختصاص ذلك بعسى

стр. 19

دون لعل، وأظهر الفرق الواضح. الثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحُدَيْبيَة. التاسعة: أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا بالحُدَيْبيَة تحت الشجرة، قال ﷺ : "لا يدخُلُ النارَ إن شاءَ الله تعالى من أصحاب الشجرة أحدٌ". رواه مسلم من حديث أم مبشر، وفي حديث جابر عند مسلم وغيره: "لا يدخلُ النارَ من شَهِدَ بَدرًا والحُدَيْبيَةَ". العاشرة: الذين هاجروا بعد الحُديبية، وقبل الفَتْح كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، قال الحافظُ العراقي: أما التمثيل بأبي هُرَيْرة كما جاء عن بعضهم فلا يَصِحُّ، لأنه هاجر عقيب خيبر في أواخرها، وذلك كان في المحرم سنة سبع. قلت: هذا سهو شديد فإن خيبر كانت بين الحُديبية والفتح، وهي المغانم التي وعد الله تعالى نبيه ﵊ في سورة الفتح، النازلة بعد الرجوع من الحديبية، فالتمثيل بأبي هُريرة فيمَنْ أسلم بين الحديبية والفتح صحيح. الحادية عشرة: الذين أسلموا يوم الفتح، وهم خلق كثير، فمنهم من أسلم طائعًا، ومنهم من أسلم كرهًا، ثم حسن إسلامه. الثانية عشرة: صبيان أدركوا الرسول ﷺ ورأوه يوم الفتح، وبعده في حجة الوداع، وغيرهما كالسائب بن يزيد. قلت: هذا تقسيم الحاكم، والعجب منه، كيف أغفل الذين هاجروا إلى المدينة المنورة قبله ﷺ بإذنه، كمصعب بن عُمير وغيره؟ ولعل هذه الطبقة هي المراد في قول ابن الصلاح: ومنهم من زاد على اثنتي عشرة طبقة. وقال ابن سعد: إنهم خمس طبقات: الأولى: البدريون، والثانية: من أسلم قديمًا ممن هاجر عامتهم إلى الحبشة وشهدوا أُحُدًا وما بعدها،

стр. 20

الثالثة: من شهد الخندق وما بعدها، الرابعة: مسلمة الفتح فما بعدها، الخامسة: الصبيان والأطفال ممن لم يغْزُ. ما قيل في عدَّة الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأما عدة أصحابه ﵊ فمن رَامَ حصر ذلك رام أمرًا بعيدًا، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا الله تعالى، لكثرة من أسلم من أول البعث إلى أن مات. ﵊، وتفرقهم في البلدان والبوادي، وقد روى البخاري في حديث كعب بن مالك في تخلفه عن غزوة تَبُوك: "وأصحاب رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ، يعني الديوان" لكن قد جاء ضبطهم في بعض مشاهده كتبوك وقد روي أنه سار عام الفتح في عشرة آلاف من المقاتلة، وإلى حنين في اثني عشر ألفًا، وإلى حجة الوداع في تسعين ألفًا، وإلى تبوك في سبعين ألفًا، وقد روي أنه قُبِضَ عن مئة ألف وأربعة وعشرين ألفًا من رجل وامرأة. وجاء عن أبي زُرْعَةَ الرَّازي أنه قيل له: أليس يقال: إن حديث النبي ﷺ أربعة آلاف حديث؟ فقال ومن قال هذا قلقل الله أنيابه؟ هذا قول الزنادقة، قبض ﷺ عن مئة وأربعة عشر ألفًا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه، وفي رواية ممن رآه وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا؟ وأين سمعوا منه؟ فقال أهل المدينة، وأهل مكة، ومن بينهما، والأعراب، ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه بعرفة. قال محمَّد بن فَتْحون في "ذيل الاستيعاب": أجاب أبو زرعة سؤال من سأله عن الرواة خاصة فكيف بغيرهم؟ وثبت عن الثَّوْرِيِّ فيما أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه، قال: من قدّم عليًّا على عثمان فقد أزرى باثني عشر ألفًا، مات النبي ﷺ وهو عنهم راض. قال النَّوَوِيُّ: وذلك بعد النبي ﷺ باثني عشر عامًا بعد أن مات، في خلافة أبي بكر في الردة والفتوح، الكثير ممن لم تضبط أسماؤهم، ثم مات في خلافة عمر في الفتوح، وفي الطاعون العام، وفي

стр. 21

عَمَواس، وغير ذلك من لا يحصى كثرةً. يعني الثوريُّ بالاثني عشر ألفًا الذين اتفقوا على بيعة عثمان دون علي. وعن الشافعي: قُبِضَ ﷺ عن ستين ألفًا ثلاثون بالمدينة، وثلاثون في قبائل العرب وغيرها. وعن أحمد: قُبِضَ وقد صلى خلفه ثلاثون ألف رجل. وكأنه عني بالمدينة فلا يخالف ما فوقه. وفي "المواهب": روي عن مالك؛ أنه قال: مات بالمدينة من الصحابة عشرة آلاف. قال الحافظ: لم يحصل لجميع من جمع أسماء الصحابة العُشر من أساميهم بالنسبة إلى قول أبي زُرْعة السابق؛ فإن جميع ما في "الاستيعاب" ثلاثة آلاف وخمس مئة، وزاد عليه ابن فتحون قريبًا من ذلك. قال الذَّهَبِيُّ: لعل الجميع ثمانية آلاف إن لم يزيدوا لم ينقصوا. وقال أيضًا: إن جميع من في "أُسْد الغابة" سبعة آلاف وخمس مئة وأربعة وخمسون نفسًا، وسبب خفاء أسمائهم أن أكثرهم أعراب، وأكثرهم حضروا حجة الوداع. قلت: التعرض لضبطهم على القول الصحيح أن كل من رآه مؤمنًا صحابي، صبيًّا كان أو امرأة، أو أَمَة، أو عبدًا غير ممكن، بل غير معقول، فإن النفوس في زمانه ﷺ غير محصورة ولا مُدَوَّنة، وأول من جعل الديوان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فمن في المدينة وحدها من النساء والإِماء والصبيان ممن رأوه لا يمكن حصرهم، فضلًا عمن رآه من غيرها ممن لم يعلم أنه رآه، فضلًا عن أن يعلم اسمه، فالتعرض لضبطهم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، محال. واعلم أنه قد أجمع جمهور العلماء من السَّلَف والخَلَف على أنهم

стр. 22

خير الخلق، وأفضلهم بعد النبيين، وخواصِّ الملائكة المقربين، والأحاديث الواردة في فضلهم كثيرة، وسنأتي إن شاء الله تعالى بالبعض، وكفاهم ثناء الله تعالى عليهم ورضاه، وقد وعدهم الله تعالى مغفرة وأجرًا عظيمًا، ووعد الله حق، وصدق، لا يخلَف. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]. بعض ما قيل في فَضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين فقد قال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة، لما أخبر أن سيدنا محمدًا ﷺ رسوله حقًا من غير شكٍّ، ولا رَيْب، قال: محمَّد رسول الله مبتدأ وخبر. وقال البيْضاوي وغيره: جملةٌ مبينة للمشهود به، يعني قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]، رادَّةٌ على الكفار في منع كتب اسمه، ويجوز أن يكون محمَّد خبر مبتدأ محذوف، صرح باسمه للعلم؛ دفعًا لتوهم غيره من الرسل، أي ذلك الرجل الموصوف "محمَّد رسول الله". ورسول الله بيان أو نعت، وهذه الآية مشتملة على كل وصف جميل، ولا يكون تركيب أجمل منه، ثم ثَنّى بالثناء على أصحابه فقال: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. فوصفهم بالشدة والغلظة على الكفار، والرحمة والبر بالأخيار ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: متعاطفون متوادّون بينهم، كالوالد مع الولد، وَصْفٌ لهم بكمالِ الرجولية والحكمة، حيث وضعوا كل شيء موضعه، وفي الحديث: "المُؤْمنون كالجَسَدِ الواحدِ إذا اشْتَكى عضوٌ منهُ تَدَاعى له سائرُ الجَسَدِ بالحُمّى والسَّهَر". وقال ﵊: "الرَّاحمونَ يرحَمُهُمُ الرَّحمن، ارْحَمُوا مَنْ في الأرْضِ يَرْحَمْكُم مَنْ في السَّماءِ". رواه أحمد في "مسنده"، وأبو داود، وأبو بكر بن أبي شيبة، والترمذي، وقال:

стр. 23

حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم وقال: "لا تُنْزعُ الرحْمَةُ إلَّا مِنْ شَقِيٍّ، ومن الترحم أن تُحِبَّ لكل مسلم ما تُحِبَّ لنفسك، وتكرهَ له ما تكره لنفسك، وتلقاه بوجه طَلْقٍ، مع بَذْل السلام وطيب الكلام، وبذل المعروف. والآية في جميع أصحابه عند الجمهور، وقيل: في أهل الحديبية، وفيها إشارة إلى ما غلب من الصفات في كل واحد من الخلفاء كالمعية مع النبي ﷺ في أبي بكر، والشدة على الكفار في عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب، والرحمة على المؤمنين في عثمان بن عفان، ﵃ أجمعين. ثم أثنى عليهم بكثرة الأعمال مع الإخلاص التامِّ، فمن نظر إليهم أعجبه سمتهم وهديهم لخلوص نياتهم وحسن أعمالهم. قال مالك: بلغني أن النصارى كانوا إذا رَأَوُا الصحابة الذين فتحوا الشام، يقولون: والله لَهؤلاء خيرٌ من الحواريين فيما بلغنا، وصدقوا، فإن هذه الأمة المحمدية، خصوصًا الصحابة، لم يزل ذكرهم مُعَظَّمًا في الكتب، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]، أي: أفراخه التي تَنْبُتُ حوله؛ ﴿فَآزَرَهُ﴾ شده وقواه، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ شَبَّ وطال، واستحكم غِلْظَةً بعد الرقة، ﴿فَاسْتَوَى﴾ قوي واستقام، ﴿عَلَى سُوقِهِ﴾ قصبه، جمع ساق، ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ قوته وغلظه وحسن منظره مثل الصحابة، ﵃، في ذلك لأنهم بدؤوا في قلة وضعف، فكثرُوا وقَووا على أحسن الوجوه، فآزروه ﵊، وأيدوه ونصروه، فهم معه كالشطء مع الزَّرْعِ، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. ومن هذه الآية انتزع مالك، رحمه الله تعالى، في رواية عنه، تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر، وقد وافقه على ذلك جماعة من العلماء.

стр. 24

إفادة العلة الحصر، قلت: وجه انتزاع مالك كفرهم من الآية هو أن العلة عنده تفيد الحصر، فكان المعنى على ذلك لا يُغيظُ بهم إلا الكفار فدخل كل من غاظوه في الكفار، وعلى جعله العلة للحصر بنى مذهبه في تحريم أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، لقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨]، فجعل منفعتها محصورةً في الركوب، لإفادة العلة الحصرَ عنده، فَحَرُمَ أكلها. وحكى النَّقَّاشُ عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: الزَّرْعُ النبي ﷺ أشْطَأَ بأبي بكر، فآزره عمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعلي، رضي الله تعالى عنهم. قال في "الجواهر": وهو لين الإسناد والمتن، والله أعلم بصحته. بعض الأحاديث الواردة في فضلهم ﵃ ومما هو وارد في فضلهم من الأحاديث: ما أخرجه البخاري من حديث عبد الله، أنه ﷺ قال: "خيرُ الناسِ قَرْني ثُمَّ الذينَ يَلُونهُمْ". وأخرج الشيخان عن عِمْران بن حُصَين قال: قال ﷺ : "خيرُ أُمَّتي قَرْني ثم الّذينَ يَلُونهُم ثم الّذينَ يَلُونهُم". قال عِمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثًا. "ثُمَّ إنَّ بَعْدَهُمْ قومًا يَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ ولا يُؤتَمَنُونَ، ويَنْذُرونَ، ولا يَفُونَ، ويَظْهَرُ فيهم السِّمَنُ". وفي رواية "وَيَحْلِفُونَ وَلا يُسْتَحْلَفونَ". وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة: "ثُمَّ يَخْلِفُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السِّمانَةَ". وروى النسائي، وإسناده صحيح، عن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "أكرِمُوا أصحابي فإنهُم خِيارُكُم، ثم الّذين يلونَهُم، ثم يَظهَرُ الكَذِب، حتى إن الرَّجُل يَحلِفُ ولا يُسْتَحْلَفُ، ويَشْهَدُ ولا يُسْتَشْهَدُ، ألا مَنْ سَرَّهُ بُحْبُوحَةُ الجنةِ فَلْيَلْزَم الجماعَةَ، فإنَّ الشَّيطانَ مع الفَذِّ وهو من

стр. 25

الاثنين أَبْعَدُ، ولا يَخلوَنَّ رَجُلٌ بامرأةٍ فإنَّ الشَّيطانَ ثالثُهم، وَمَنْ سرَّتْه حَسَنَتُهُ وساءَتْه سيِّئَتُهُ فهو مؤمنٌ". قال في "فتح الباري": القرن أهل زمان واحد متقارب، اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويطلق على مدة من الزمن، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مئة وعشرين، لكن لم أر من صرح بالتسعين ولا بمئة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل، وقال صاحب "المحكم": هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال، المراد بقرن النبي ﷺ في الحديث السابق الصحابة، وهم المقصودون في حديث بُريْدَةَ عند أحمد: "خيرُ هذهِ الأُمة القرنُ الذين بُعِثْتُ فيهم". وحديث: "بُعِثتْ مِنْ خَيرِ قُرونِ بَني آدمَ". وقد ضبط الأئمة من الحفاظ آخر من مات من الصحابة على الِإطلاق بلا خلاف أبو الطُّفَيْل عامر بن واثِلَةَ الَّلْيثِيُّ كما جَزَمَ به مسلم، وكان موتهُ سنة مئة على الصحيح، وقيل: سنة سبع ومئة، وقيل: سنة عشر ومئة، وهو الذي صححه الذَّهبِيُّ، وهو مطابق لقوله ﷺ قبل وفاته بشهر: "على رأس مئة سنة لا يبقى على وجهِ الأرْض ممَّنْ هُو عليها اليوم أحدٌ". وفي رواية مسلم: "أرأيتكم لَيْلَتَكُم هذه، فإنه ليس من نفسٍ منفوسةٍ تأتي عليها مئة سنة". وأما ما ذكر أن عِكْراشَ بن ذؤيب عاش بعد يوم الجمل مئة سنة، فذلك غير صحيح، كما نص عليه الأئمة. وأما آخر الصحابة موتًا بالِإضافة إلى النواحي: فقد أفردهم ابن مَنْدَةَ. وقوله: "ثمَّ الذينَ يلونُهم" فهم أهل القرن الذين بعدهم، وهم التابعون، "ثم الذين يلونهم" وهم أتباع التابعين، وقرن التابعين إن اعتبر من سنة مئة كان نحو السبعين أو الثمانين، وأما الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحوًا من خمسين فظهر بهذا أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان، والله تعالى أعلم. واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين، ممن يقبل قوله، من عاش

стр. 26

إلى حدود العشرين ومئتين. وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتُحِنَ أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن. وظهر قوله ﷺ : "ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ" ظهورًا بيِّنا حتى يَشْمَلَ الأقوال والأفعال والمعتقداتِ. واقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين؛ والتابعون أفضل من أتباع التابعين، ويأتي تحرير هذا قريبًا إن شاء الله تعالى. وأخرج الشيخان، وأحمد، وأبو داود، والترمذي عن أبي سعيد الخُدْري، قال: قال النبي ﷺ : "لا تَسُبُّوا أصحابي، فَلَوْ أنَّ أحدَكُم أَنْفَقَ مثل أحُدٍ ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدِهِم ولا نَصيفَهُ". قال في "الفتح": فيه إشعار بأن المراد بقوله: "أصحابي" أصحاب مخصوصون، وإلا فالخطاب كان للصحابة، وقد قال: "لَوْ أنَّ أحدَكُم أَنْفَقَ" وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ... الآية﴾ [الحديد: ١٠] ومع ذلك فَنهيُ بعض من أدركَ النبي ﷺ وخاطبه بذاك عن سب من سَبَقَهُ يقتضي زَجْرَ منَ لم يدرِكِ النبي ﷺ ولم يخاطبه عن سبِّ من سبقه من باب الأولى. وسبب هذا الحديث أنه كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبَّه خالدٌ، فذكر الحديث. وقال في "المِرْقاة": وكذا سائر طاعاتهم وعباداتهم وغَزَواتهم وخَدَماتهم. وقال القاضي عِياض: المعنى: لا يَنَالُ أحَدُكُم بإِنفاقِ مثلِ أُحُدٍ ذهبًا من الأجرِ والفضل ما ينال أحدهم بإنفاق مُدِّ طعام أو نصفه، لما يقارنه من مزيد الِإخلاصِ، وصدق النية، وكمالِ النفس. وقال الطِّيْبيُّ: يمكن أن يُقال: إن فضيلتهم بحسب فضيلة

стр. 27

إنفاقهم، وعِظَم موقعه، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ... الآية﴾ [الحديد: ١٠]. وهذا في الإنفاق، فكيفَ بمجاهدتهم وبذل أرواحهم بين يدي رسول الله ﷺ ؟! قال في "الفتح": وذلك أنَّ الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكة عظيمًا، لشدة الحاجة إليه، وقلة المعتني به، بخلاف ما وَقَعَ بعد ذلك، لأن المسلمين كَثُروا بعد الفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فإنه لا يَقَعُ ذلك الموقعَ، والحديث مثل الآية في المعنى. وأخرج عليُّ بن حَرب، وخَيْثَمَة بن سليمان، عن ابن عمر، قال: "لا تسبُّوا أصحَابَ مُحمَّد، فَلمنَامُ أحدِهمْ سَاعةٌ خَير مِنْ عَملِ أحَدِكمْ عُمرَهُ". وأخرج المَحامليُّ، والحاكم والطبراني عن عُويْم بن ساعِدَة مرفوعًا: "إنَّ الله اخْتارَني واختَار لي أَصحابًا، وجَعلَ لي فيهم وُزَراءَ وأَنصارًا وَأَصهارًا، فَمنْ سَبَّهمْ فَعلَيْهِ لَعْنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، لا يَقْبَلُ الله منه صرْفًا ولا عَدْلًا، وسيأتي قوم يَسبُّونهُم ويَسْتَنقصُونهم فلا تُجالِسوهم، ولا تُشارِبوهم، ولا تُؤاكِلُوهم، ولا تُنَاكِحُوهم". وروى الترمذي وحسنه، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "لا تَمسُّ النار مسلمًا رآني أو رأى مَنْ رآني". وروى عبد بن حُميْد، عن أبي سعيد الخُدري، وابن عساكر عن واثِلَة: "طُوبَى لِمَنْ رآني، ولِمَنْ رأى من رآني وَلِمَنْ رأى من رأى من رآني". وروى الطبراني، والحاكم عن عبد الله بن بسر: "طُوبى لِمَنْ رآني وآمَنَ بي، وطُوبى لمن رأى من رآني، ولمن رأى من رأى من رآني وآمن بي، طُوبى لهم وحُسْنُ مَآبٍ". وفي "شرح السنة" عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ

стр. 28

أصحابي في أُمَّتي كَالمِلْحِ في الطَّعامِ، لا يَصْلُحُ الطَّعامُ إلا بِالمِلْحِ". قال الحسن: فقد ذَهبَ مِلْحُنا، فكيف نصلُحُ؟! وروى الترمذي عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ أحَدٍ من أصحابي يموتُ بأرضٍ إلا بُعِثَ قائدًا ونورًا لهم يوم القيامة" انتهى. هذا بعضٌ قليلٌ مما قيل في فضل الصحابة جملة. وأما السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الداخل فيهم العشرة المبشرون بالجنة، فلا يحصي النَّزْرَ من مناقبهم إلا الدَّفاتِرُ الضخامُ، كما هو مسطورٌ فيها عن الجَهَابِذَةِ الأعلام. الترتيبُ في فضلِ الصَّحابةِ . واعلم أن أفضل الصحابة على الإطلاق عند أهل السنة إجماعًا أبو بكر، ثم عمر رضي الله تعالى عنهما، والمشهور عند أهل السنة تقديم عثمان عن علي رضي الله تعالى عنهما، وذهب بعض السلف إلى تقديم علي على عثمان، وممن قال به سُفيان الثَّورِيُّ، ويقال: إِنه رجع عنه، وقال ابن خُزَيْمَةَ وطائفة قبله وبعده، وقيل: لا يَفْضُلُ أحدهما على الآخر، قاله مالك في "المدونة"، وتبعه جماعة منهم يَحيى القطان، وقال ابن مَعِين: من قال: أبو بكر وعُمر وعثمان وعلي، وعرف لعلي سابقته وفضيلته فهو صاحب سنة، ولا شك أن من اقتصر على عثمان ولم يعرف لعلي فضيلته فهو مذموم قاله في "فتح الباري". قلت: قوله إن سفيان الثوري قيل: إنه رجع عن تقديم علي على عثمان هذا هو المتعين إن كان الثوري هو القائل بذلك ليوافق ما مر مما أخرجه الخطيب بسند صحيح أنه قال: "من قدَّم عليًّا على عثمان فقد أزرى باثني عشر ألفًا، مات النبي ﷺ وهو عنهم راض". والأظهر عندي أن يكون القائل بذلك سفيان بن عُيَيْنة، لما ذكر عنه ابن عَدِيّ أنه كان فيه شيء من التشيع، والثوري لم يقل أحد

стр. 29

عنه ذلك، وما قاله ابن معين في حق عثمان وعلي قال به قبله مَعْمر في حق الشيخين، فقد نقل عبد الرزاق عن معْمر أنه قال لو أن رجلًا قال: عمر أفضل من أبي بكر ما عنفته، وكذلك لو قال: علي أفضل عندي من أبي بكر وعمر لم أعنفه، إذا عرف فضل الشيخين وأحبهما وأثنى عليهما بما هما أهله، قال عبد الرزاق: فذكرت ذلك لِوَكيع فأعجبه واشتهاه. وحجة الجمهور في تقديم عثمان على علي: ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عمر، قال: كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ﵃. وفي رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع: كنا في زمان النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ فلا نفاضل بينهم. رواه البخاري أيضًا. وقوله: لا نَعْدِلُ بأبي بكرٍ أَحدًا، أي: لا نجعل له مثلًا. ولأبي داود من طريق سالم، عن ابن عمر، كنا نقول ورسول الله ﷺ حىٌّ: "أفضلُ أمةِ النبي ﷺ بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان" زاد الطَّبَرانيُّ في رواية: "فيسمع رسول الله ﷺ ذلك فلا يُنْكِرُهُ". وروى خَيْثَمَةُ بن سليمان في "فضائل الصحابة" من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن عمر: "كنا نقول: إذا ذهب أبو بكر وعمر وعثمان استوى الناس". فيسمع النبي ﷺ ذلك فلا ينكره. وقد ادَّعى ابن عبد البر أن حديث الاقتصار على الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان، خلاف قول أهل السنة: إن عليًّا أفضل الناس بعد الثلاثة، وتعقب بأنه يلزم من سكوتهم إذ ذاك عن تفضيله عدم تفضيله على الدوام، وبأن الإجماع المذكور إنما حدث بعد الزمن الذي قيده ابن عمر، فيخرج حديثه عن أن يكون غلطًا، وابن عمر قد اعترف بتقديم علي على غيره، فالمقطوع به عند أهل السنة القول بأفضلية أبي بكر ثم عمر، واختلفوا فيمن بعدهما، والجمهور على تقديم عثمان كما مر.

стр. 30

ونقل البَيْهَقِيُّ في "الاعتقاد" بسنده إلى أبي ثور، عن الشافعي أنه قال: أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. وقال الإِمام أبو مَنْصور البَغْدادي: أصحابُنا مجمعون، على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة تمام العشرة، والمسألة اجتهادية، ومستندها أن هؤلاء الأربعة اختارهم لخلافة نبيه، وإقامة دينه، فمنزلتهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة، قاله في "المواهب". قلت: كون المسألة اجتهادية يأباه ما مر من الأحاديث عن ابن عمر: أن النبي ﵊ يسمع ذلك ولا ينكره، ومعلومٌ أن سكوته ﵊ من سنته، اللهم إلا أن يكون الاجتهاد تعضيدًا للأحاديث لكونها خبر آحاد قابلة للتعضيد. والعشرة المبشرون بالجنة: هم الخلفاء الأربعة، وطَلْحة، والزُّبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عَوْف، وأبو عبيدة عامر بن الجَرّاح. وحديث تبشيرهم جميعًا بالجنة رواه الترمذي عن سعيد بن زَيْد. وروى البخاري عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ تبشير أبي بكر وعمر وعثمان بها يوم بئر أَرِيس، حين كان بوابًا على النبي ﷺ في حديث طويل. وجمع ابن حجر العَسْقَلاني شيخ الإِسلام العشرة المبشرين بالجنة في بيت واحد، فقال: لَقَدْ بَشَّرَ الهَادِي منَ الصَّحْبِ زُمْرَةٌ ... بجَنّاتِ عَدنٍ كلُّهُمْ فَضلُهُ اشْتهَرْ سَعيدٌ زُبَيرُ سَعدُ طَلحةُ عَامِرٌ ... أبو بَكْر عُثْمانُ ابنُ عَوْفٍ عَلي عُمَرْ قال في "فتح الباري": وذهب قوم إلى أن أفضل الصحابة من استُشْهد في حياته ﷺ وعين بعضهم منهم جعفر بن أبي طالب، ومنهم من ذهب إلى العباس، وهو قول مرغوب عنه، ليس قائله من أهل السنة، بل ولا من أهل الإيمان، ومنهم من قال: أفضلهم مطلقًا عمر، متمسكًا

стр. 31

بالحديث الصحيح الذي في المنام، إذ فيه في حق أبي بكر "وَفي نَزْعِهِ ضَعْفٌ" وهو تمسك واه. قال في "المواهب": فإن قلت: من اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم، ولكن محبته لبعضهم تكون أكثر هل يكون آثمًا به أم لا؟ فأجاب شيخ الإِسلام الوَليُّ ابن العراقي: إن المحبة قد تكون لأمر دُنيويٍّ، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له كثر، فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنه أفضل، ثم أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضًا، نعم، إن أحببنا غير الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوي كقرابة وإحسان فلا تناقض في ذلك، ولا امتناع، فمن اعترف بأن أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ أبو بكر ثم عُمَرَ، ثم عثمان ثم علي لكنه أحب عليًا أكثر من محبة أبي بكر، فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى لذلك، إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررناه، وهذا لم يعترف بأفضلية أبي بكر إلا بلسانه، وأما بقلبه فهو مفضل لعلي، لكونه أحبه محبة دينية زائدة على محبة أبي بكر، وهذا لا يجوز، وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية لكونه من ذرية علي، أو غير ذلك من المعاني، فلا امتناع فيه. وقد روى الطَّبَريُّ في "الرياض"، وعزاه للمَنْلا في سيرته، عن أنس مرفوعًا: "إن الله افْتَرَضَ عليكم حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، كما افترض الصلاةَ والزكاةَ والصومَ والحجَّ، فمن أنكر فضلَهم فلا تقبل منه الصلاةُ ولا الزكاةُ ولا الصومُ ولا الحجُّ". وأخرج الحافظ السِّلَفِيُّ في مشيخته من حديث أنس مرفوعًا: "حُبُّ أبي بكر واجب على أمتي". وأخرج الأنْصاريُّ عنه؛ أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا بكر ليت أني لقيت إخواني" فقال أبو بكر: يا رسول الله، نحن إخوانك، قال: "لا،

стр. 32

أنتم أصحابي، إخواني الذين لم يَروني، وصدَّقوا بي، وَأَجَلُّوني حتى إني لَأحَبُّ إلى أحدهم من ولده ووالده" قالوا: يا رسول الله، أما نحن إخوانك؟ قال: "لا، بل أنتم أصحابي، ألا تحب يا أبا بكر قومًا أحبوك بحبي إياك، قال: فأحبهم ما أحبوك بحبي إياك". ثم اعلم أن الصحابة على ثلاثة أصناف، الأول: المهاجرون، والثاني: الأنصار وهم الأوس والخزرج وحلفاؤهم ومواليهم، والثالث: من أسلم يوم الفتح، قال ابن الأثير في "الجامع": والمهاجرون أفضل من الأنصار، وهذا على سبيل الإِجمال. وأما على سبيل التفصيل: فإن جماعة من سُبّاق الأنصار أفضل من جماعة من متأخري المهاجرين، وإنما سباق المهاجرين أفضل من سُبّاق الأنصار، ثم هم بعد ذلك متفاوتون، فرب متأخر في الإِسلام أفضل من متقدم عليه مثل عمر بن الخطاب وبلال بن حَمامة. في فضل أحد من المتأخرين على أحد من الصحابة وأما ما تقدم من كون الحديث يقتضي أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين فهو حق، ولكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث. قال في "الفتح": وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر، والذي يظهر أن من قاتل مع النبي ﷺ أو في زمانه بأمره أو أنفق شيئًا من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا مَنْ كان، وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحث، والأفضل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]. وقال ابن عبد البر: إنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وإن قوله ﵊: "خَيرُ الناس قَرني" ليس على عمومه، بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول،

стр. 33

وقد جمع قرنه، ﵊، جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان، وأهل الكبائر الذين أقام عليهم، أو على بعضهم الحدود. واحتج بما رواه أبو أمامة أنه، ﵊، قال: "طُوبَى لِمَنْ رآني وآمَن بي، وطُوبى سَبْعَ مَرّاتٍ لِمَنْ لم يَرَني وآمن بي". وبحديث: "مَثَلُ أُمّتي مثلُ المَطر لا يُدْرى أولهُ خيرٌ أم آخرُه". قال في "الفتح": وهو حديث حسن، له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة، وأغرب النَّوَوِيُّ فعزاه في "فتاويه" إلى "مسند" أبي يعلى بسند ضعيف، عن أنس، مع أنه عند الترمذي بإسناد أقوى منه من حديث أنس، وصححه ابن حبان من حديث عمار. وقد روى ابن أبي شَيْبَةَ من حديث عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير -أحد التابعين- بإسناد حسن، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيُدْرِكَنَّ المَسِيحُ أقوامًا إنهم لَمِثْلُكُم أو خيرٌ ثلاثًا". واحتج أيضًا بحديث عمر في "مسند" أبي داود الطَّيالِسيِّ، قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فقال: "أتدرون أيُّ الخلق أفضل إيمانًا؟ " قلنا: الملائكة، قال: "وحُقَّ لهم بل غيرهم" قلنا: الأنبياء، قال: "وحُقَّ لهم بل غَيرهم" ثم قال ﷺ : "أفضل الخلق إيمانًا قومٌ في أصلاب الرجال، يؤمنون بي ولم يَرَوْني، فهم أفضل الخلق إيمانًا". وإسناده ضعيف فلا يحتج به، لكن روى أحمد، والدارمي، والطَّبرَاني، عن أبي عُبيدة بن الجَرّاح: يا رسول الله أأحدٌ منا؟ أسلَمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: "قومٌ يكونُونَ مِنْ بعدكم، يؤمنون بي ولم يَرَوْني". وإسناده حسن، وقد صححه الحاكم. واحتج أيضًا بأن السبب في كون القرن الأول خير القرون أنهم كانوا غُرباء في إيمانهم، لكثرة الكفار حينئذ، وصبرهم على أذاهم، وتمسكهم بدينهم، قال: فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين، وتمسكوا به، وصبروا على الطاعة حين ظهور المعاصي والفتن. كانوا أيضًا عند

стр. 34

ذلك غُرباء، وزَكَتْ أعمالهم في ذلك الزمان كما زَكَتْ أعمالُ أولئك. ويشهد له ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "بَدَأَ الإِسلامُ غريبًا وسيعودُ غريبًا كما بَدَأَ فطوبى للغرباءِ". واحتج بما روي أيضًا من أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن اكتب لي بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها، فكتب إليه سالم: "إن عَمِلْتَ بسيرةِ عُمر فأنتَ أَفْضَلُ من عمر، لأن زمانَكَ ليس كزمانِ عُمر، ولا رِجالَكَ كرجال عُمر". وكتب إلى فقهاء زمانه، فكلهم كتب بمثل قول سالم. قلت: وجه الاحتجاج لكلام سالم ومن معه هو أنهم قالوا له: "لَوْ عَمِلْتَ بعَمَلِ عُمر كنتَ خيرًا منه". فدل على أن العامل بخير من عمل الصحابي أو بمثله يكون خيرًا منه. واحتج بما رواه أبو داود، والترمذي من حديث أبي ثَعْلَبَةَ رفعه: "تَأْتي أيامٌ للعامل فيها أجرُ خمسين". قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: "بل منكم" وهو شاهد لحديث: "مَثَلُ أُمّتي مَثَلُ المطر". هذا ما أورده من الاحتجاج، ثم قال: فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها في فضل العمل لا أهل بدر والحُدَيْبِيَة. قال في "الفتح": صرَّحَ ابن عَبد البَرِّ في كلامه باستثناء أهل بدر والحُدَيْبيَة، فليس كلامه على الإطلاق في حقِّ جميع الصحابة، والذي ذهب إلَيه الجمهور أن فضيلة الصحبة لا يَعْدِلُها عمل لمشاهدة رسول الله ﷺ فأما من اتفق له الذب والسبق إليه بالهجرة أو النصرة وضبط الشرع المُتَلَقَّى عنه، وتبليغه لمن بعده، فإنه لا يعدِلُه أحدٌ ممن يأتي بعده، لأنه ما من خَصْلَةٍ من الخِصال المذكورة إلا وللذي سبق مثل أجر من عمل بها من بعده فظهر فضلهم. ومحصل النزاع يَتَمَحَّضُ فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة كما تقدم، فإن جمع بين مختلف الأحاديث المذكورة كان متجهًا على أن

стр. 35

حديث "للعامِل منهُم أجرُ خمسينَ منكم" لا يَدُلُّ على أفضلية غير الصحابة على الصحابة، لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة. وأيضًا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثِلهُ في ذلك العمل، فأما ما قارَبَهُ ممن شاهد النبي ﷺ من زيادة فضيلة المشاهدة، فلا يَعْدِلُهُ فيها أحدٌ، فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة، وأما حديث أبي عُبَيْدة، فلم تَتَّفِق الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية كما مر، ورواه بعضهم بلفظ: "يا رَسُولَ اللهِ؛ هل من قومٍ أعظمُ مِنّا أجرًا؟ ". الحديث أخرجه الطَّبَرانيُّ، وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وهي توافق حديث أبي ثَعْلَبَة، وقد مر الجواب عنه، انتهى. ما قيل في محبة الصحابة إذا علمت ما ذكر من فضل الصحابة، فاعلم أن محبتهم واجبة على كل مؤمن، وبغضهم وسبهم من أكبر الكبائر إن لم يكن كفرًا، كما يأتي إن شاء الله تعالى قريبًا. وذلك أن محبة من أحبه الرسول ﵊ كآل بيته وأصحابه، رضي الله تعالى عنهم، علامة على محبة رسول الله ﷺ كما أن محبته ﵊ علامة على محبة الله تعالى، وكذلك عداوة من عاداهم، وبغض من أَبْغَضَهُم وسبهم، فمن أحب شيئًا أحب من يحب، وأبغض من يبغض، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فحب آل بيته، ﵊، وأصحابه، وأولاده، وأزواجه، من الواجبات المتعينات، وبغضهم من الموبقات المهلكات. ومن محبتهم وجوب توقيرهم وبرهم، والقيام بحقوقهم، والاقتداء بهم، بأن يمشي على سننهم وآدابهم وأخلاقهم، والعمل بأقوالهم مما ليس للعقل فيه مجال، وحسن الثناء عليهم، بأن يُذْكروا بأوصافهم الجليلة على قصد التعظيم، فقد أثنى الله تعالى عليهم في كتابه المجيد كما مر في آية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ...﴾ إلخ. ومن أثنى الله تعالى عليه، فهو واجب الثناء، والاستغفار لهم. قالت عائشة - رضي الله

стр. 36

تعالى عنها - كما رواه مسلم وغيره: "أُمِرُوا أن يَسْتَغْفِروا لأصحاب رسول الله ﷺ فَسَبُّوهُم" وفائدة الاستغفار لهم عائد على المستغفر، قال سَهْل بن عبد الله التُّسْتَريُّ: "لم يؤمن بالرسول ﷺ من لم يوقر أصحابه، ولم يعز أصحابه". ما قيل فيمن سَبَّ الصحابةَ وقد مرت الأحاديث الواردة في النهي عن سبهم، والتعرض لهم، وقد قال ﷺ كما رواه الخِلَعِيُّ: "أيَّها الناس احفَظُوني في أختاني وأصهاري وأصحابي، لا يطالِبَنَّكُمُ الله بمظْلِمة أحد منهم، فإنها ليست مما يُوهب". وقال ﵊، كما رواه الترمذي وابن حبان في "صحيحه": "اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تَتَّخِذوهم غَرَضًا من بعدي، من أحبَّهُم فقد أحبَّني، ومن أبغضهم فقد أبغضني، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشكُ أن يأخذه الله". والغرض: الهدف الذي يرمى فيه؛ فهو نهي عن رميهم، مؤكدًا ذلك بتحذيرهم الله منه، وما ذلك إلا لشدة الحرمة. قال العلماء: في هذا الحديث إشارة إلى أن حبهم من الِإيمان، وبغضهم كفر، لأنه إذا كان بغضهم بغضًا له، كان كفرًا بلا نزاع، لحديث: "لَنْ يُؤمنَ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من نفسهِ". وهذا دالٌّ على كمال قربهم منه، بتنزيلهم منزلة نفسه، حتى كأن أذاهم واقع عليه، وواصل إليه ﷺ وقد قال مالك بن أنس وغيره فيما ذكره القاضي عِياض: "مَنْ أَبْغَضَ الصحابةَ؛ فليس له في فيءِ المسلمينَ حقٌّ" قال: ونزع في آية الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. وقد مر عنه في بحث فضل الصحابة أنه أخذ كفر مبغضي الصحابة من قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ...﴾ [الفتح: ٢٩]. قال في "المواهب": فسبهم والطعن فيهم، إذا كان مما يخالف الأدلة القطعية كفرٌ، كقذف عائشة، رضي الله تعالى

стр. 37

عنها، وإلا فبدعة وفسق. وقال في "فتح الباري": اختُلِف في سابِّ الصحابي، فقال عياض: ذهب الجمهور إلى أنه يُعَزَّرَ، وعن بعض المالكية يقتل، وخَصَّ بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسنين؛ فحكى القاضي حسين في ذلك وجهين، وقواه السُّبْكيُّ في حق من كَفَّرَ الشيخين، وكذا من كفر من صرح النبي ﷺ بإيمانه أو بتبشيره بالجنة إذا تواتر الخبر بذلك عنه، لما تضمن من تكذيب رسول الله ﷺ . وقد شفيت الغليل في الكلام على مبغض الصحابة في كتابي على الخلافة والباغية بما لا مزيد عليه، يسر الله طبعه ليعم به النفع. الِإمساك عما شَجَرَ بين الصحابة ومما هو واجبٌ بإجماع المسلمين في حق الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، الِإمساك عما شجر بينهم، أي وقع من الاختلاف، وقد قال ﷺ : "إذا ذُكِرَ أصحابي فَأمْسِكُوا". فلا يجوز للمسلم أن يصغي بأُذنِهِ إلى أخبار المؤرخين، وجهلة الرواة، وضُلّال الشيعة والمبتدعين القادحة في أحد منهم. وقد أخبر ﵊، أن ما وقع بينهم مغفور لهم، فقد أخرج نُعَيْم بن يزيد بن أبي حَبيب مرسلًا، قال ﷺ : "تَكونُ بَيْنَ أَصْحابي فتنة يغفِرُها الله لهم بسابِق صُحبتي لسابقتهم، إن اقتدى بهم قومٌ من بعدِهم كبَّهُمُ اللهُ تعالى في نار جَهَنَّمَ". هكذا لفظ "كنز العمال". ورويته عن شيخي عبد الله بن محمَّد سالم رحمه الله تعالى، وهو أول حديث رويته منه بلفظ: "سَتَكُونُ زَلَّةٌ بَيْنَ أَصْحابي يَغْفِرُها الله لهم بسابق صُحبتي، فيتأسى بهم أقوامٌ من بعدِهم؛ فَيَكبُّهمُ الله على مناخِرهِم في النّار". فبين الروايتين اختلاف قليل في بعض الألفاظ، والمعنىَ مُتحِدٌ. وإذا علمت أن ما وقع بينهم مغفور بنص الصادق المصدوق ﵊، لم يبق إلا أن تلتمسَ لهم أحسن التأويل، وتُخرِجَ لهم

стр. 38

أصوب المخارج إذ هم أهل لذلك، كما هو مشهورٌ من مناقِبهم، ومعدودٌ من مآثرهم. وما وقع بينهم من المنازعات والمحاربات، له محاملّ وتأويلاتٌ واضحةٌ، جليّةٌ لِمَنْ لَمْ يُعْمِ الله تعالى بصيرته؛ وها أنا أوضح ذلك لمن يريد الحق، وأراد الله تعالى له الهداية. فأقول: اعلم أن أصحاب النبي ﷺ كلهم عُدولٌ مجتهدون، وقد ثبت في الحديث الصحيح: "إن المجتهدَ إذا اجتهدَ وأصاب فله أجرانِ، وإذا اجتهدَ وأخطأَ فلهُ أجرٌ واحدٌ". وسبب الخلاف بينهم هو أن عائشةَ وطلحةَ والزبير، رضي الله تعالى عنهم، قالوا: إن متابعة علي، رضي الله تعالى عنه، وبيعته لا تمكن حتى يُمَكِّنَ ورثةَ عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، مِنْ قتَلَتِهِ؛ فيقتصون منهم أو يَعْفون، وقال علي رضي الله تعال عنه: لا يَصِحُّ تمكينُهم منهم حتى يبايعَ الجميعُ، ويترافَعَ إليه ورثةُ المقتولِ والقاتلونَ، ويحكم بينهم بحكم الله تعالى. فأصل النزاع هو هذا. وهذه مسألة اجتهادية، فليس بينهم نزاعٌ في طلب الإمارة، ولا في نزاع علي رضي الله تعالى عنه، ومعاوية رضي الله تعالى عنه، ابن عم عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ومعه ورثته، وهو طالبٌ بدمه، مريدٌ للقِصاص من القاتلين الذين مع علي، رضي الله تعالى عنه، كما طلبت منه ذلك الجماعة المتقدمة، وليس معاوية طالبًا الِإمارة، ولا منازعًا فيها، ولأجل كون المسألة اجتهادية ولم يتضح حكمها، اعتزل كثير من كبراء الصحابة الفِرْقتين، ولم يَدْخُلوا في القتال، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عُمر، ومحمد بن مَسْلمة، ودخل بعض من اعتزل الفرقتين مع علي، رضي الله تعالى عنه، لما مات عمار بن ياسر لكونه ثبت عنده قوله ﷺ : "يا وَيْحَ عَمّارٍ تَقْتُلُهُ الفئةُ الباغيةُ". واستمر بعضهم على اعتزال الفِتَن إلى أن ماتَ، كالثلاثة المذكورين، لكونهم لم يثبتْ عندهم الحديث، أو غير ذلك، وبهذا الحديث ظهر، وبحديث الخوارج أن عليًّا

стр. 39

هو المصيبُ، فلهُ أجران، وأن معاويةَ ومن معهم هم المُخطئون؛ فلهم أجرٌ واحدٌ؛ هذا ما يوضح الصواب لمن أراد الله به الخير والرشاد، وأما المتعنت فلا هداية له إلى يوم المعاد. ثم إني أذكر فروعً ا مفيدة تتعلق بالصحابة تتميمًا للفائدة، أشار العراقي في "ألفيته" في أصول الحديث إلى جميعها جملة، وأتيت بما علقه عليه شارحه الشيخ زكريا، وربما زدْت زيادة على ذلك فأقول: فيما تُعْرَفُ به الصُّحبة فروع: الفرع الأول: فيما تعرف به الصحبة: وهي تعرف بأربعة أمور: الأول: باشتهار الصحابي بها اشتهارًا قاصرًا، ويسمى استفاضة على رأي، وذلك كَعُكّاشة بن مِحْصن، وضِمام بن ثَعْلبة. الثاني: تواترها، وذلك كالخلفاء الأربعة. الثالث: إخبار صحابي آخر بها صريحًا، كقوله: فلان له صحبة؛ أو ضمنًا كقوله: كنت أنا وفلان عند النبي ﷺ إذا عُلم إسلام فلان في تلك الحالة، وكذلك تعرف بقول أحد ثقات التابعين. الرابع: دعوى الصحابي لها بنفسه، وهو عدلٌ، لأن مقامه يمنعه من الكذب، ولكن لا بد أن يكون ما ادعاه مما يقتضيه الظاهر؛ أما لو ادعاه بعد مضي مئة سنة من حين وفاته ﷺ فإنه لا يقبل، وإن ثبتت عدالته قبل ذلك، للخبر الصحيح المار: "أرأيْتُكُمْ لَيْلَتَكُم هذه فإنه على رأس مئة سنة منها، لا يبقى علي وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحدٌ". قاله قبل وفاته بشهر، واشترط الأُصولِيُّون في قَبول ذلك منه معرفة معاصرته للنبي ﷺ . وقيل: لا يقبل قَوْله بذلك لكونه متهمًا بدعوى رتبة يثبتها لنفسه، وإلى هذا الفرع أشار العراقي مبتدئًا بتعريف الصحابي؛ فقال:

стр. 40

رَائي النبيِّ مُسْلِمًا ذُو صُحبة ... وَقيْلَ إِنْ طالَتْ وَلمْ يُثبَّتِ وَقيْلَ مَنْ أَقامَ عامًا أوغَزَا ... معهُ وَذَا لابْنِ المُسيِّبِ عَزا. وَتُعْرَفُ الصُّحْبةُ باشتِهارٍ أَوْ ... تَواتُر أوْ قَوْلِ صَاحبٍ وَلَو قَدِ ادَّعاها وَهْوَ عَدْلٌ قُبِلا في عدالة الصحابة الفرع الثاني: هو أن الصحابة كلهم عدول باتفاق أهل السنة على ما حكاه ابن عبد البر، وإن دخلوا في الفتنة نظرًا إلى ما اشتهر عنهم من المآثر الجميلة، ولقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ...﴾ [البقرة: ١٤٣]، إلى آخر الآية. ولقوله ﵊: "لا تَسُبُّوا أصحابي ... " إلى آخر الحديث السابق، ولقوله ﵊ أيضًا: "الله، الله في أصحابي" إلى آخر الحديث السابق قريبًا. وقيل: لا يُحْكَمُ بعدالة من دخل في فتنة من حين مقتل عثمان، رضي الله تعالى عنه، كالجمل، وصِفّين، إلا بعد البحث عنها، لأن أحد الفريقين مخطئ. وقيل: القول بالعدالة مختص بما اشتهر منهم، ومَنْ عداهم كسائر الناس -والصحيح الأول تحسينًا للظن بهم، وحملًا لمن دَخَلَ في الفتنة على الاجتهاد، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير، فإن أكثره لا يَصِحُّ، وما صح، فله تأويل صحيح. وما أحسن قول عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى: تلك دماء طهر الله منها سيوفنا، فلا نخضب بها ألسنتنا. قال ابن الأنباري: وليس المراد بعدالتهم ثبوت عصمتهم، واستحالة المعصية منهم، بل قبول روايتهم من غير بحث عن عدالتهم، وطلب تزكيتهم- وإلى هذا الفرع أشار العراقي بعد الأبيات السابقة بقوله: .......... ... وَهُمْ عُدُولٌ قيلَ لَا مَنْ دَخَلا في فتنةٍ ...............
следующие страницы →