Полный текст (6 753 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
تعالى عنها - كما رواه مسلم وغيره: "أُمِرُوا أن يَسْتَغْفِروا لأصحاب رسول الله ﷺ فَسَبُّوهُم" وفائدة الاستغفار لهم عائد على المستغفر، قال سَهْل بن عبد الله التُّسْتَريُّ: "لم يؤمن بالرسول ﷺ من لم يوقر أصحابه، ولم يعز أصحابه".
ما قيل فيمن سَبَّ الصحابةَ
وقد مرت الأحاديث الواردة في النهي عن سبهم، والتعرض لهم، وقد قال ﷺ كما رواه الخِلَعِيُّ: "أيَّها الناس احفَظُوني في أختاني وأصهاري وأصحابي، لا يطالِبَنَّكُمُ الله بمظْلِمة أحد منهم، فإنها ليست مما يُوهب".
وقال ﵊، كما رواه الترمذي وابن حبان في "صحيحه": "اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تَتَّخِذوهم غَرَضًا من بعدي، من أحبَّهُم فقد أحبَّني، ومن أبغضهم فقد أبغضني، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشكُ أن يأخذه الله". والغرض: الهدف الذي يرمى فيه؛ فهو نهي عن رميهم، مؤكدًا ذلك بتحذيرهم الله منه، وما ذلك إلا لشدة الحرمة.
قال العلماء: في هذا الحديث إشارة إلى أن حبهم من الِإيمان، وبغضهم كفر، لأنه إذا كان بغضهم بغضًا له، كان كفرًا بلا نزاع، لحديث: "لَنْ يُؤمنَ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من نفسهِ". وهذا دالٌّ على كمال قربهم منه، بتنزيلهم منزلة نفسه، حتى كأن أذاهم واقع عليه، وواصل إليه ﷺ وقد قال مالك بن أنس وغيره فيما ذكره القاضي عِياض: "مَنْ أَبْغَضَ الصحابةَ؛ فليس له في فيءِ المسلمينَ حقٌّ" قال: ونزع في آية الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. وقد مر عنه في بحث فضل الصحابة أنه أخذ كفر مبغضي الصحابة من قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ...﴾ [الفتح: ٢٩]. قال في "المواهب": فسبهم والطعن فيهم، إذا كان مما يخالف الأدلة القطعية كفرٌ، كقذف عائشة، رضي الله تعالى
стр. 37
عنها، وإلا فبدعة وفسق.
وقال في "فتح الباري": اختُلِف في سابِّ الصحابي، فقال عياض: ذهب الجمهور إلى أنه يُعَزَّرَ، وعن بعض المالكية يقتل، وخَصَّ بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسنين؛ فحكى القاضي حسين في ذلك وجهين، وقواه السُّبْكيُّ في حق من كَفَّرَ الشيخين، وكذا من كفر من صرح النبي ﷺ بإيمانه أو بتبشيره بالجنة إذا تواتر الخبر بذلك عنه، لما تضمن من تكذيب رسول الله ﷺ .
وقد شفيت الغليل في الكلام على مبغض الصحابة في كتابي على الخلافة والباغية بما لا مزيد عليه، يسر الله طبعه ليعم به النفع.
الِإمساك عما شَجَرَ بين الصحابة
ومما هو واجبٌ بإجماع المسلمين في حق الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، الِإمساك عما شجر بينهم، أي وقع من الاختلاف، وقد قال ﷺ : "إذا ذُكِرَ أصحابي فَأمْسِكُوا". فلا يجوز للمسلم أن يصغي بأُذنِهِ إلى أخبار المؤرخين، وجهلة الرواة، وضُلّال الشيعة والمبتدعين القادحة في أحد منهم.
وقد أخبر ﵊، أن ما وقع بينهم مغفور لهم، فقد أخرج نُعَيْم بن يزيد بن أبي حَبيب مرسلًا، قال ﷺ : "تَكونُ بَيْنَ أَصْحابي فتنة يغفِرُها الله لهم بسابِق صُحبتي لسابقتهم، إن اقتدى بهم قومٌ من بعدِهم كبَّهُمُ اللهُ تعالى في نار جَهَنَّمَ". هكذا لفظ "كنز العمال". ورويته عن شيخي عبد الله بن محمَّد سالم رحمه الله تعالى، وهو أول حديث رويته منه بلفظ: "سَتَكُونُ زَلَّةٌ بَيْنَ أَصْحابي يَغْفِرُها الله لهم بسابق صُحبتي، فيتأسى بهم أقوامٌ من بعدِهم؛ فَيَكبُّهمُ الله على مناخِرهِم في النّار". فبين الروايتين اختلاف قليل في بعض الألفاظ، والمعنىَ مُتحِدٌ.
وإذا علمت أن ما وقع بينهم مغفور بنص الصادق المصدوق ﵊، لم يبق إلا أن تلتمسَ لهم أحسن التأويل، وتُخرِجَ لهم
стр. 38
أصوب المخارج إذ هم أهل لذلك، كما هو مشهورٌ من مناقِبهم، ومعدودٌ من مآثرهم. وما وقع بينهم من المنازعات والمحاربات، له محاملّ وتأويلاتٌ واضحةٌ، جليّةٌ لِمَنْ لَمْ يُعْمِ الله تعالى بصيرته؛ وها أنا أوضح ذلك لمن يريد الحق، وأراد الله تعالى له الهداية. فأقول:
اعلم أن أصحاب النبي ﷺ كلهم عُدولٌ مجتهدون، وقد ثبت في الحديث الصحيح: "إن المجتهدَ إذا اجتهدَ وأصاب فله أجرانِ، وإذا اجتهدَ وأخطأَ فلهُ أجرٌ واحدٌ".
وسبب الخلاف بينهم هو أن عائشةَ وطلحةَ والزبير، رضي الله تعالى عنهم، قالوا: إن متابعة علي، رضي الله تعالى عنه، وبيعته لا تمكن حتى يُمَكِّنَ ورثةَ عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، مِنْ قتَلَتِهِ؛ فيقتصون منهم أو يَعْفون، وقال علي رضي الله تعال عنه: لا يَصِحُّ تمكينُهم منهم حتى يبايعَ الجميعُ، ويترافَعَ إليه ورثةُ المقتولِ والقاتلونَ، ويحكم بينهم بحكم الله تعالى. فأصل النزاع هو هذا.
وهذه مسألة اجتهادية، فليس بينهم نزاعٌ في طلب الإمارة، ولا في نزاع علي رضي الله تعالى عنه، ومعاوية رضي الله تعالى عنه، ابن عم عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ومعه ورثته، وهو طالبٌ بدمه، مريدٌ للقِصاص من القاتلين الذين مع علي، رضي الله تعالى عنه، كما طلبت منه ذلك الجماعة المتقدمة، وليس معاوية طالبًا الِإمارة، ولا منازعًا فيها، ولأجل كون المسألة اجتهادية ولم يتضح حكمها، اعتزل كثير من كبراء الصحابة الفِرْقتين، ولم يَدْخُلوا في القتال، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عُمر، ومحمد بن مَسْلمة، ودخل بعض من اعتزل الفرقتين مع علي، رضي الله تعالى عنه، لما مات عمار بن ياسر لكونه ثبت عنده قوله ﷺ : "يا وَيْحَ عَمّارٍ تَقْتُلُهُ الفئةُ الباغيةُ". واستمر بعضهم على اعتزال الفِتَن إلى أن ماتَ، كالثلاثة المذكورين، لكونهم لم يثبتْ عندهم الحديث، أو غير ذلك، وبهذا الحديث ظهر، وبحديث الخوارج أن عليًّا
стр. 39
هو المصيبُ، فلهُ أجران، وأن معاويةَ ومن معهم هم المُخطئون؛ فلهم أجرٌ واحدٌ؛ هذا ما يوضح الصواب لمن أراد الله به الخير والرشاد، وأما المتعنت فلا هداية له إلى يوم المعاد.
ثم إني أذكر فروعً ا مفيدة تتعلق بالصحابة تتميمًا للفائدة، أشار العراقي في "ألفيته" في أصول الحديث إلى جميعها جملة، وأتيت بما علقه عليه شارحه الشيخ زكريا، وربما زدْت زيادة على ذلك فأقول:
فيما تُعْرَفُ به الصُّحبة
فروع:
الفرع الأول: فيما تعرف به الصحبة: وهي تعرف بأربعة أمور:
الأول: باشتهار الصحابي بها اشتهارًا قاصرًا، ويسمى استفاضة على رأي، وذلك كَعُكّاشة بن مِحْصن، وضِمام بن ثَعْلبة.
الثاني: تواترها، وذلك كالخلفاء الأربعة.
الثالث: إخبار صحابي آخر بها صريحًا، كقوله: فلان له صحبة؛ أو ضمنًا كقوله: كنت أنا وفلان عند النبي ﷺ إذا عُلم إسلام فلان في تلك الحالة، وكذلك تعرف بقول أحد ثقات التابعين.
الرابع: دعوى الصحابي لها بنفسه، وهو عدلٌ، لأن مقامه يمنعه من الكذب، ولكن لا بد أن يكون ما ادعاه مما يقتضيه الظاهر؛ أما لو ادعاه بعد مضي مئة سنة من حين وفاته ﷺ فإنه لا يقبل، وإن ثبتت عدالته قبل ذلك، للخبر الصحيح المار: "أرأيْتُكُمْ لَيْلَتَكُم هذه فإنه على رأس مئة سنة منها، لا يبقى علي وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحدٌ". قاله قبل وفاته بشهر، واشترط الأُصولِيُّون في قَبول ذلك منه معرفة معاصرته للنبي ﷺ . وقيل: لا يقبل قَوْله بذلك لكونه متهمًا بدعوى رتبة يثبتها لنفسه، وإلى هذا الفرع أشار العراقي مبتدئًا بتعريف الصحابي؛ فقال:
стр. 40
رَائي النبيِّ مُسْلِمًا ذُو صُحبة ... وَقيْلَ إِنْ طالَتْ وَلمْ يُثبَّتِ
وَقيْلَ مَنْ أَقامَ عامًا أوغَزَا ... معهُ وَذَا لابْنِ المُسيِّبِ عَزا.
وَتُعْرَفُ الصُّحْبةُ باشتِهارٍ أَوْ ... تَواتُر أوْ قَوْلِ صَاحبٍ وَلَو
قَدِ ادَّعاها وَهْوَ عَدْلٌ قُبِلا
في عدالة الصحابة
الفرع الثاني: هو أن الصحابة كلهم عدول باتفاق أهل السنة على ما حكاه ابن عبد البر، وإن دخلوا في الفتنة نظرًا إلى ما اشتهر عنهم من المآثر الجميلة، ولقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ...﴾ [البقرة: ١٤٣]، إلى آخر الآية. ولقوله ﵊: "لا تَسُبُّوا أصحابي ... " إلى آخر الحديث السابق، ولقوله ﵊ أيضًا: "الله، الله في أصحابي" إلى آخر الحديث السابق قريبًا.
وقيل: لا يُحْكَمُ بعدالة من دخل في فتنة من حين مقتل عثمان، رضي الله تعالى عنه، كالجمل، وصِفّين، إلا بعد البحث عنها، لأن أحد الفريقين مخطئ.
وقيل: القول بالعدالة مختص بما اشتهر منهم، ومَنْ عداهم كسائر الناس -والصحيح الأول تحسينًا للظن بهم، وحملًا لمن دَخَلَ في الفتنة على الاجتهاد، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير، فإن أكثره لا يَصِحُّ، وما صح، فله تأويل صحيح. وما أحسن قول عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى: تلك دماء طهر الله منها سيوفنا، فلا نخضب بها ألسنتنا. قال ابن الأنباري: وليس المراد بعدالتهم ثبوت عصمتهم، واستحالة المعصية منهم، بل قبول روايتهم من غير بحث عن عدالتهم، وطلب تزكيتهم- وإلى هذا الفرع أشار العراقي بعد الأبيات السابقة بقوله:
.......... ... وَهُمْ عُدُولٌ قيلَ لَا مَنْ دَخَلا
في فتنةٍ ...............
стр. 41
في المكثرين رواية وفتوى
الفرع الثالث: في المكثرين منهم روايةً، وفيمن هو أكثر فتوى منهم، والمكثر من زاد حديثه على ألف، وهم ستة على الصحيح.
وأكثرهم رواية أبو هُريرة، لقوله كما في "الصحيحين": قلت: يا رسول الله! إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، قال: "ابسُطْ رداءَكَ" فبسطته، فغرف بيده؛ ثم قال: "ضُمَّهُ"؛ فضممته، فما نسيت شيئًا بعد ذلك.
وأكثرهم فتوى عبد الله بن عباس، لأن النبي ﷺ دعا له؛ فقال: "اللهُمَّ عَلِّمْهُ الكتابَ" وفي لفظ: "اللهُمَّ فَقِّهْهُ في الدين وعَلِّمْه التأويل" وفي آخر: "اللهُمَّ علمه الحكمة وتأويل الكتاب".
والمكثرون منهم فتوى غير ابن عباس ستة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة، رضي الله تعالى عن الجميع.
فقد روى أبو هريرة الذي هو أكثرهم رواية خمسة آلاف حديث وثلاث مئة وأربعة وسبعين حديثًا، ثم يليه ابن عمر، لأنه روى ألفين وست مئة وثلاثين، ثم أنس، لأنه روى ألفين ومئتين وستة وثمانين، ثم عائشة، لأنها روت ألفين ومئتين وعشرًا، ثم ابن عباس، لأنه روى أَلفًا وست مئة وستين، ثم جابر، لأنه روى ألفًا وخمس مئة وأربعين. وزاد العراقي سابعًا، وهو أبو سعيد الخدري، لأنه روى ألفًا ومئة وسبعين وإلى هذا الفرع، أشار العراقي؛ فقال بعد قوله السابق:
في فِتْنَةٍ والمُكْثِرونَ سِتَّهْ ... أنَسٌ ابنُ عُمَرَ الصِّدِّيقَهْ
البحرُ جابِرٌ، أبو هُرَيْرَهْ ... أكْثَرُهُم وَالبَحْرُ في الحَقيقَهْ
أكْثَرُ فتوى .............
стр. 42
فِيْمَنْ يقالُ لَهُمُ: العبادلة
الفرع الرابع: فيمن يقال لهم: العبادلة؛ فإذا اجتمعوا على شيء، قيل: هذا قول العبادلة، وهم: عبد الله بن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص. وجعل بعضهم مكان ابن عمرو بن العاص ابنَ مسعود، وهو غير صحيح، وبعضهم زاد عليهم، وبعضهم نقص منهم، وإلى هذا أشار العراقي؛ فقال بعد قوله:
أكثَرُ فَتْوى وهْوَ وابْنُ عُمرَا ... وابنُ الزُّبيْرِ وابنُ عَمْرٍو قدْ جرى
علَيهِمُ بالشُّهرَةِ العَبادِلَهْ ... ليْسَ ابنَ مَسْعُودٍ ولاَ مَنْ شاكَلَهْ
فيمن لهم أتباع في الفقه
الفرع الخامس: فيمن كان من الصحابة لهم أتباع، وأصحاب يقولون برأيه، وهم ثلاثة: ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس.
وإلى هذا أشار العراقي بعد قوله السابق: "ولا مَنْ شاكَلَهْ". فقال:
وهْوَ وزَيْدٌ وابنُ عَبّاسٍ لهُمْ ... في الفِقْهِ أَتْباعٌ يَرَوْنَ قَوْلَهُمْ
فيمن انتهى إليهم العلمُ من الصَّحابةِ
الفرع السادس: فيمن انتهى إليهم العلم من أكابر الصحابة، وهم ستة؛ قال مَسْروق بن الأَجْدع: انتهى علم الصحابة إلى ستة منهم، وهم عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأُبيُّ بن كعب، وأبو الدَّرْداء، وبعضهم نقل عنه أبا موسى الأشعريَّ مكان أبي الدرداء، والناقل لذلك عنه الشَّعْبِيُّ، ثم قال: إن علم الستة انتهى لابن مسعود، وعلي.
ولا يَقْدَحُ في انتهاء علم الستة إليهما تأخر وفاة كل من زيد، وأبي موسى عنهما، إذ لا مانع من انتهاء علم شخص إلى آخر مع بقاء الأول، كما أفاده العراقي، ولأن عليًّا وابن مسعود كانا مع مسروق بالكوفة؛ فانتهى العلم بها إليهما، بمعنى أن عمدة أهل الكوفة في معرفة علم الصحابة
стр. 43
عليهما، وإلى هذا أشار العراقي، بعد قوله السابق: "يَرَوْن قَوْلَهم" - فقال:
وقالَ مسْروقُ انْتَهَى العِلْمُ إلى ... سِتَّةِ أصْحابٍ كِبَارٍ نُبَلا
زَيْدٍ أَبي الدَّرْدَاءِ مَعْ أُبَىِّ ... عُمَرَ عَبْدِ اللهِ مَعْ عَلِيِّ
ثُمَّ انْتَهى لِذَيْنِ وَالبَعْضُ جَعَلْ ... الأَشْعَرِيَّ عَنْ أبي الدَّرْدا بَدَلْ
في عدد الصحابة وطِباقِهم
الفرع السابع: في عدد الصحابة وطِباقِهم، وقد مَرَّ مستوفى غاية الاستيفاء، وإليه أشار العراقي بعد قوله السابق: "عن أبي الدَّرْدا بَدَلْ" فقال:
وَالعَدُّ لا يَحْصُرُهُم فَقَدْ ظَهَر ... سَبْعونَ ألْفًا بتَبُوكَ وَحَضَرْ
الحَجَّ أرْبَعُونَ ألْفًا وقُبِضْ ... عَنْ ذَيْن مَعْ أرْبَعِ آلافٍ تَنِضّ
وَهُمْ طِباقٌ إنْ يُرَدْ تَعْديدُ ... قيلَ اثنتَا عَشْرَةَ أوْ تَزِيْدُ
في ترتيبهم في الفضل
الفرع الثامن: في ترتيب الصحابة في الفضل؛ وفي السابقين من هم؟
الأول: قد مر الكلام فيه، في أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على ترتيب الخلافة، وقد مر عن مالك أنه توقف في التفضيل بين عثمان وعلي، رضي الله تعالى عنهما، لكن حكى عنه القاضي عِياض أنه رجع عن الوقف إلى تفضيل عثمان، وقال القرطبي: هو الأصح، والمشهور عنه، كما أنه هو المشهور عند الشافعي، وأحمد، والثَّوري وكافة أئمة الحديث، والفقه، وكثير من المتكلمين، وإليه ذهب أبو الحسن الأشْعَرِيّ، والقاضي أبو بكر الباقِلّانِيّ، لكنهما اختلفا في التفضيل بين الصحابة، هل هو قطعي الدَّليل؟ أم ظَنِّيُّهُ؟ فالذي مال إليه الأشعري الأول، والباقِلّانِيُّ الثاني. وتقدم الكلام عن كون المسألة اجتهادية أم لا؟
стр. 44
واختلافهما راجع إلى ذلك. فالستة الباقون من العشرة المشهود لهم بالجنة، وقد مروا، فيليهم في الفضل أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل الحديبية وهم أهل بيعة الرضوان، الذين نزل فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. إلخ الآية. وكانوا ألفًا وأربع مئة رجل.
وأما السابقون المشهود لهم بالفضل في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] وبقوله تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ إلخ، وبقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠] الآية فقد قال الشعبي وغيره: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان. وقال محمَّد بن كَعْب القُرَظيُّ وغيره: هم أهل بدر. وقال أبو موسى الأشْعَريّ وغيره: هم أهل القِبلَتَيْن الذين صلَّوْا إليهما مع رسول الله ﷺ وإلى هذا أشار العراقي بعد قوله السابق: " ... أو تزيد" فقال:
والأفضَلُ الصِّديقُ ثُم عُمَرُ ... وبَعدَهُ عثْمانُ وهْوَ الأَكثَرُ
أو فَعَلِيٌّ قَبْلهُ خُلْفٌ حُكِي ... قُلتُ وقَوْلُ الوَقْفِ جَا عَنْ مالِكِ
فالسِّتةُ الباقونَ فالبَدْريَّةُ ... فأُحُدٌ فالبَيْعةُ المَرضِيَّةُ
قالَ وفَضْلُ السّابقينَ قد ورَدْ ... فَقِيل هُمْ وقِيْلَ بَدْريٌّ وقَدْ
قيلَ بَلْ أهلُ القِبْلَتَيْنِ .. ... ................
في أول من أسلم من الصحابة
الفرع التاسع: فيمن هو أول الصحابة إسلامًا.
فقال ابن عباس وغيره: أولهم إسلامًا أبو بكر الصديق لقوله، رضي الله تعالى عنه، كما في الترمذي: "كُنْتُ أوَّلَ مَنْ أَسْلَمْ"، ولقوله ﷺ لِعمرو بن عَبسة لما سأله؛ من معك على هذا الأمر؟ قال: "حُرٌّ وعَبْد". يعني أبا بكر وبلالًا. رواه مسلم.
стр. 45
وقال جابر وغيره: أولهم إسلامًا علي ابن أبي طالب، لما روي مرفوعًا عن سَلْمان الفارسي، أنه قال: قال ﷺ : "أول هذه الأمةِ ورودًا على الحوض أولُهم إسلامًا علي بن أبي طالب". ولقوله، رضي الله تعالى عنه: "صلَّيتُ مَع النبيِّ ﷺ لا يُصَلِّي معه غَيري إلا خديجة". وقال على المنبر: "لَقَدْ صَلَّيْتُ قبلَ أن تُصليَ النّاس سبعًا".
قلت: لعل هذا لم يصح عنه، رضي الله تعالى عنه، لأن الصلاة إنما نزلت ليلة الإسراء، ومعلوم أن أبا بكر إذ ذاك مسلم؛ وقد قيل: إنه سمي الصديق لتصديقه بالإسراء؛ فكيف يصدر هذا من علي، رضي الله تعالى عنه؟! وادعى الحاكم الإجماع على أن عليًا هو أول من أسلم، ودعواه مردودة غير مقبولة، قال مَعْمَر عن الزُّهري: أولهم إسلامًا زيد بن حارثِة. وقال قَتادة وأبو إسحاق: أول الناس إسلامًا خديجة، أم المؤمنين.
وادّعى الثَّعْلَبيُّ الاتفاق على ذلك؛ فقال: الخلاف إنما هو فيمن أسلم بعدها. قالَ النووي: هذا القول هو الصواب عند جماعة من المحققين.
وقال ابن إسحاق: أول من آمن خديجة، ثم علي وهو ابن عشر، ثم زيد، ثم أبو بكر فأظهر إسلامه، ودعا إلى الله ؛ فأسلم بدعائه عثمان، والزبير، وعبد الرحمن بن عَوْف، وسعد بن أبي وَقاص، وطَلْحة بن عبيد الله، فكان هؤلاء النفر الثمانية أسبق الناس إسلامًا.
قلت: على هذا القول ذهب الشِّنْقِيْطِيُّ في نظمه حين قال:
أولُ الناسِ بِالنَّبي اقْتِداءً ... أُمُّ أبنائِهِ الكرامِ الجُدودِ
فعليٌّ ثُمَّ ابنُ حارثةَ الكَلْـ ... بِيُّ زيدٌ مولى النَّبيِّ المجيدِ
ثُمَّ إذ آمَن الصِّديقُ دَعا الناسَ ... فَجَاءَت عِصَابَةٌ كالفَريدِ
وهْي عثمانُ والزُّبَيرُ ... وابنُ عَوْفٍ وطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ
وقيل: أولهم إسلامًا بلال، لخبر مسلم السابق. قلت: ليس في خبر مسلم دلالة على أسبَقِيَّة بلال في الإِسلام لأبي بكر؛ فإن غاية ما في الحديث أنهما معه، ﵊، على الإِسلام، ولم يبين
стр. 46
أسبَقِيَّةً لأحدهما على الآخر.
قال ابن الصَّلاح: للجمع بين الأقوال، والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار، أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال. وحكي هذا عن أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه. وفي المسألة أقوال أُخر.
وإلى هذا الفرع أشار العراقي بعد قوله السابق: "قيل بل أهل القبلتين ... "، فقال:
............... واخْتَلَفْ ... أيُّهمُ أسْلَمَ قَبْلَ مَنْ سَلَفْ
قِيْلَ أبو بَكْرٍ وقيلَ بلْ عَلِي ... ومُدَّعي إجْماعِهِ لَم يُقْبَل
وقِيلَ زَيْدٌ وادَّعى وِفَاقًا ... بَعْضٌ عَلى خَدِيجَةَ اتِّفاقا
في آخرهم موتًا
الفرع العاشر: فيمن مات منهم آخرًا مطلقًا، أو في إحدى النواحي.
أما آخرهم موتًا على الِإطلاق؛ فقد مر أنه أبو الطفيل عامر بن وَاثلةَ اللَّيْثِي، مات عام مئة على الصحيح، للحديث السابق وقد روي عنه كما في مسلم، أنه قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ وما على وجهِ الأرضِ رجلٌ رآه غيري". وقيل: بالكوفة.
وآخرهم موتًا بالمدينة النبوية على ما قال ابن الصلاحِ: السائبُ بن يزيد، أو سَهْل بن سَعْد الساعِديُّ، أو جابر بن عبد الله، وقيل: إن جابرًا مات بمكة، والجمهور على الأول.
وقد تأخر عن الثلاثة موتًا بالمدينة محمودُ بن الرَّبيع، مات سنة تسع وتسعين بتقديم التاء فيهما، ومحمود بن لَبيد الأشْهَلِيّ، مات سنة خمس أو ست وتسعين.
وآخر من مات بمكة عبد الله بن عُمر، على أن أبا الطفيل لم يمت
стр. 47
فيها. وقد مات السائب سنة ثمانين أو اثنتين أو ست أو ثمان وثمانين أو إحدى وتسعين أقوال. ومات سهل سنة ثمان وثمانين، وقيل: إحدى وتسعين، ومات جابر سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع أو سبع أو ثمان أو تسع وسبعين والمشهور خامسها. ومات ابن عمر سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع وسبعين والمشهور ثانيها.
وآخر من مات بالبَصرة -بفتح الموحدة أشهر من كسرها وضمها- أنس ابن مالك؛ مات سنة تسعين أو إحدى أو اثنتين أو ثلاث وتسعين. ورجح النَّوويُّ وغيره آخرها.
وآخر من مات بالكوفة عبد الله بن أبي أوفى الأَسْلَمِيّ؛ مات سنة ست أو سبع أو ثمان وثمانين.
وآخرهم موتًا بالشام عبد الله بن بُسْر -بضم الموحدة ثم سين مهملة- المازنىّ. وقيل: أبو أمامة، والصحيح الأول، مات الأول سنة ثمان وثمانين على المشهور أو ست وتسعين أو مئة. ومات الثاني سنة إحدى أو ست وثمانين. وقيل: إن ابن بسر آخر من مات بحمص. وقيل: آخرهم بدمشق واثِلَةُ بن الأَسْقَع؛ مات سنة ثلاث أو خمس أو ست وثمانين، وقيل: مات بالقدس، وقيل: بحمص.
وآخرهم موتًا بالقدس أبو أُبَيّ -بالتصغير- عبد الله، ويقال له: ابن أم حرام، واختلف في اسم أبيه؛ فقيل: عمر بن قيس وقيل: أُبيّ، وقيل: كعْب: إنه مات بدمشق. والقدس من مدن فِلَسْطين -بكسر الفاء وفتح اللام وسكون المهملة- وهي ناحية كبيرة وراء الأردن من الشام، فيها عدة مدن كالقُدس والرَّمْلَة وعَسْقَلان، وآخر من مات بالجزيرة التي بين دِجْلة والفُرات، العُرْسُ -بضم العين- ابن عَميرة -بفتحها- الكِنْدِيُّ.
وآخرهم موتًا بمصر عبد الله بن جَزْء وهو الزُّبَيْدِي -بالتصغير- مات سنة خمس أو ست أو سبع أو ثمان أو تسع وثمانين والمشهور ثانيها! وقيل: إنه
стр. 48
مات باليمامة، وقيل: مات بِسَفْطِ القدور، وتعرف اليوم بِسَفْطِ أبي تراب بالغَرْبِيَّةِ.
وآخرهم موتًا باليمامة الهِرْماس -بكسر الهاء- ابن زياد الباهِلِىّ. وقد روي عن عِكْرمة بن عمار أنه لقيه سنة اثنتين ومئة، فموته إما فيها أو فيما بعدها. فإن صح ذلك أشكل بما مر من أن آخرهم موتًا مطلقًا أبو الطُّفَيْل، وأنه مات سنة مئة على الصحيح.
وآخرهم موتًا ببلاد المغرب رُوَيْفع بن ثابت الأنصاري، مات ببرقة، وقيل: بإفريقية، وقيل مات بالشام.
وآخرهم موتًا بالبادية سَلَمَةُ بن الأَكْوَع، مات سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة أربع وستين وقيل: مات بالمدينة المكرمة، وهو الصحيح.
وآخرهم موتًا بخراسان بُرَيْدة بن الحُصَيْب.
وآخرهم موتًا بالرُّخَّج -براء مضمومة ثم خاء مشددة مفتوحة، وقيل: ساكنة ثم جيم- وهي من أعمال سجستان، العَداء بن خالد بن هوذة.
وبأصبهان النَّابِغَةُ الجَعْدي.
وبالطائف عبد الله بن عباس، مات فيه سنة ثمان وستين، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة سبعين، ﵃ أجمعين.
هذا آخر ما لخصته من أحوال الصحابة، ولعلك لا تجده مجموعًا ملخصًا جامعًا بين النثر والنظم في غير هذا الكتاب، فادع الله تعالى لمخلصه بالعافية والغفران والموت بالمدينة المنورة على الإيمان، وتوسل في دعائك بأفضل ولد عدنان، فما صلح أمر ليس واسطة فيه للكريم الحنان المنان، ثم أَشْرَعُ في تبين حقيقة التابعين وما لهم من الأحوال والطبقات.
стр. 49
حقيقة التابعين وطبقاتهم
فأقول: التابعي، ويقال: التابع -والأول أكثر استعمالًا- هو من لقي الصحابي ولو كان أعمى، ولو كان غير مميز، واحدًا كان الصحابي أو أكثر، سمع منه اللاقي أم لا. وحده الخطيب: بأنه من صحب الصحابي ولا يكفي اللُّقِيُّ. والأول أصح، وممن صرح بتصحيحه ابن الصَّلاح والنَّوويُّ، قال النَّوَوِيُّ: الخلاف فيه كالخلاف الجاري في الصحابي، والاكتفاء هنا بمجرد اللقاء أولى نظرًا إلى مقتضى اللفظين. ورجح القَسْطَلاني في "المواهب اللدنية" الثاني، ونصه في خصائص النبي ﷺ : ومنها أنه تثبت الصحبة لمن اجتمع به ﷺ لحظة بخلاف التابعي مع الصحابي، فلا تثبت إلا بطول الاجتماع معه على الصحيح عند أهل الأصول، والفرق عِظَمُ مَنْصِب النبوة ونورها بمجرد ما يقع بصره على الأعرابي الجِلْفِ ينطق بالحكمةَ.
وهو فرق واضح في غاية الحسن، فينبغي اعتماده.
واختلف العلماء في طبقاتهم فعند مسلم في "طبقاته" أنها ثلاثة، وكذلك عند ابن سعد في "طبقاته"، وربما بلغ بها أربعًا، وكونها أربع طبقات هو الذي صرح به الحافظ ابن حَجَر في "تقريب التهذيب" كما يأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. وقال الحاكم: إنهم خمسَ عشرة طبقة. آخرهم من لقي أنس ابن مالك من أهل البصرة، ومن لقي عبد الله بن أبي أَوْفَى من أهل الكوفة، ومن لقي السائب بن يزيد من أهل المدينة، وأولهم من لقي العشرة المبشرين بالجنة، وسمع منهم، ولم يقع هذا الوصف إلا لقيس بن أبي حازم، كما نص عليه ابن حِبّان، وعبد الرحمن بن يوسف ابن خِراش. وقال أَبو داود وغيره: إنه لم يسمع من عبد الرحمن بن عَوْف، وعد الحاكم سعيد بن المسيِّب مع قيس بن أبي حازِم في هذا الوصف، وهو غلط لأن سعيدًا إنما ولد في خلافة عمر بن الخطاب، فكيف يسمع من أبي بكر، مع أنه لم يسمع من بعض بقيتهم، بل قيل: إنه لم يسمع من أحد منهم إلا سعد بن أبي وقاص. هكذا عزا العراقي في "ألفيته"
стр. 50
للحاكم أنهم خمس عشرة طبقة، فقال مبينًا لتعريف التابعي وطبقاته، فقال:
والتّابِعُ الّلاقِي لِمَنْ قَدْ صحِبا ... وَلِلْخَطيب حَدُّهُ أنْ يَصْحَبا
وَهُمْ طِباقٌ قيلَ خَمْسَ عَشْرة ... أَوَّلُهُمْ رُوَاةُ كُلِّ العَشْرَة
وَقَيْسٌ الفَرْدُ بِهذا الوَصْفِ ... وَقِيلَ لَمْ يَسْمَعْ مِن ابنِ عَوْفِ
وَقَوْلُ مَنْ عَدَّ سعيدًا فَغَلَط ... بَلْ قيلَ لَمْ يَسْمَعْ سوى سَعْدٍ فَقَطْ
ولم أر من فَصَّلَ الطبقات الخمس عشرة المعزوة للحاكم.
والذي ذكره ابن حَجَر العَسْقَلاني في "تقريب التهذيب" هو أن عدد طبقات المحدثين جميعًا من عهد الصحابة اثنتا عشرة طبقة. ونصه:
وأما الطبقات:
فالأولى: الصحابة على اختلاف مراتبهم، وتمييز من ليس له منهم إلا مجرد الرؤية عن غيره.
الثانية: طبقة كبار التابعين كابن المُسَيِّب، فإذا كان مُخَضْرَمًا صرحت بذلك، ويأتي، إن شاء الله تعالى، إيضاح المخضرم.
الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين كالحسن وابن سيرين.
الرابعة: طبقة تليها جلُّ روايتهم عن كبار التابعين كالزُّهري وقتادة.
الخامسة: الطبقة الصغرى، منهم الذين رأوا الواحد والاثنين، ولم يثبت لبعضهم السماع من أحد الصحابة كالأعمش.
السادسة: طبقة عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة كابن جريج.
السابعة: كبار أتباع التابعين، كمالك والثوري.
стр. 51
الثامنة: الطبقة الوسطى منهم، كابن عيينة وابن عُلَيَّة.
التاسعة: الطبقة الصغرى من أَتباع التابعين، كيزيد بن هارون، والشافعي، وأبي داود الطَّيَالِسيّ، وعبد الرزاق.
العاشرة: كبار الآخذين لمن تبع الأتباع، ممن لم يلق التابعين، كأحمد بن حَنْبل.
الحادية عشرة: الطبقة الوسطى من ذلك كالذُّهْلي والبُخاري.
الثانية عشرة: صغار الآخذين عن تبع الأتباع كالترمذي، وألحقت بها باقي شيوخ الأئمة الستة الذين تأخرت وفاتهم قليلًا، كبعض شيوخ النسائي.
وذكرت وفاة من عرفت سنة وفاته منهم؛ فإن كان من الأولى والثانية فهم قبل المئة، وإن كان من الثالثة إلى آخر الثامنة فهم بعد المئة، وإن كان من التاسعة إلى آخر الطبقات فهم بعد المئتين؛ ومن ندر عن ذلك بَيَّنْتُهُ.
هذا حاصل ما ذكره من الطبقات، وهو مستوفى غاية الاستيفاء. فانظر الطبقات الخمس عشرة التي ذكرها الحاكم في التابعين وحدهم كيف تصورها. هذا التقسيم لم يذكر لهم إلا أربع طبقات، وذكر طبقة معاصرة للرابعة من طبقات التابعين، لكن لم يحصل لها لقاء لأحد من الصحابة.
أفضل التابعين
وقد اختلف العلماء في أفضل التابعين، فعند الإِمام أحمد وابن المَدينيِّ وأهل المدينة أن أفضلهم سعيد بن المُسَيِّب، ورُوي عن أحمد أيضًا أن أفضلهم قَيْس بن أبي حازم، وقيل: أفضلهم أبو عثمان النَّهْدِيّ، ومَسْروق ابن الأَجْدع، وأفضلهم عند أهل البصرة الحسن البصري، وعند أهل الكوفة أُوَيْسٌ القَرَنِيُّ. وهذا التفضيل حكاه ابن الصَّلاح عن أبي عبد الله بن خُفَيْف واستحسنه. لكن قال العراقي: الصحيح، والصواب ما
стр. 52
ذهب إليه أهل الكوفة، لحديث مسلم، عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ خيْر التابعين رَجُلٌ يُقال له: أُوَيْسٌ وبه بياض، فمروهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لكم" قال: فهذا الحديث قاطع النزاع. وأما تفضيل أحمد لابن المسيِّب وغيره فلعله لم يبلغه الحديث، أو لم يصح عنده، أو أراد بالأفضلية الأفضلية في العلم لا الخيرية عند الله تعالى.
هذا حكم ذكورهم.
وأما نساؤهم فعند إياس بن معاوية أفضلهن حَفْصة بنت سِيرين وحدها، وعند أبي بكر بن داود حَفْصَة وعَمْرَة بنت عبد الرحمن، وتليهما أم الدَّرْداء الصغرى، واسمها هُجيمة ويقال: جُهيمة لا الكبرى، فتلك صحابية واسمها خيرة. وإلى هذا أشار العراقي بعد قوله السابق "لم يسمع سوى سعد فقط" فقال:
لكنهُ الأَفضلُ عنْدَ أحمدا ... وعَنهُ قَيْسٌ وسِواهُ ورَدا
وفَضَّلَ الحسنَ أهلُ البَصرَة ... والقَرنِي أوَيْسًا أَهلُ الكُوفَة
وفي نِساءِ التّابِعينَ الأبْدا ... حَفْصَةُ مَع عَمْرَةَ أمِّ الدَّرْدا
الفقهاء السبعة
من كبار التابعين فقهاء المدينة السبعة الذين كانوا يُنْتَهَى إلى قولهم وإفتائهم، فلا يحكي قاض في مسألة حتى يتفقوا على الحكم فيها، وهم "سَعيدُ بن المُسيِّب، وعُروة بن الزُّبير، والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر، وخارجةُ بن ثابت الأنصاري، وسليمانُ بن يسار الهِلاليُّ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود". فهذه ستة متفق عليها. واختلف في السابع فقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عَوْف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وبلغ بهم يحيى بن سعيد اثني عشر فنقص وزاد؛ فقال: فقهاء المدينة اثنا عشر؛ سَعيد بن المُسيِّب، وأبو سَلَمة، والقاسم بن محمَّد، وسالم، وحمزة، وزيد، وعبيد الله، وبلال بن عبد الله بن عمر، وأبانُ بن عثمان بن عفان،
стр. 53
وقَبيصَةُ بن ذُؤَيْب، وخارجَةُ وإسماعيل ابنا زيد بن ثابت. وإلى السبعة الأَولين أشار العراقي بعد قوله السابق: "أم الدردا"، فقال:
وفي الكِبار الفُقَهاءُ السَّبعَةُ ... خارجَةُ القاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ.
ثُمَّ سلَيْمَانُ عُبيْدُ اللهِ ... سعيدُ والسَّابعُ ذو اشتِباه.
أما أبُو سَلَمَةٍ أَو سالِمُ ... أو فأَبو بَكْرٍ خِلَافٌ قائِمُ
المُخَضْرَمونَ
ثم اعلم أن من التابعين مَنْ يُسَمَّوْنَ المخضرمين كما مر. والصحيحُ أن المخضرم هو الذي أدرك الجاهليةَ والإِسلامَ؛ ولم يُرَ في خبر قَطُّ أنهم اجتمعوا بالنبي ﷺ ولا رأوه، سواء أسلموا في حياته أو بعد موته، وليسوا أصحابه باتفاق أهل الحديث، وفتح الراء فيهم أشهد من كسرها، وما حكاه الحاكم عن بعض مشايخه في اشتقاقه من أن أهل الجاهلية ممن أسلم، ولم يهاجر، كانوا يُخضرمُون آذان الإبل، أي يقطعونها لتكونَ علامة لإسلامهم إن أُغير عليهم أو حُوربوا؛ مُحتَمَلٌ لهما، فالفتح من أجل أنهم خُضْرموا، أي قُطِعوا عن نُظَرائِهم بما ذُكر، فهم مَفْعولون؛ والكسر من أجل أنهم خَضْرموا آذان الإبل فهم فاعلون.
وقال صاحب "المحكم": رجلٌ مخضرَمٌ إذا كان نِصْفُ عُمُرِهِ في الجاهلية ونصفُ عمره في الإِسلام. ورجل مُخضرَمٌ أدرك الجاهلية والإِسلام. وقال ابن حبان: الرَّجُلُ إذا كان له في الكفر ستون سنةً، وفي الإِسلام ستون يُدعى مخضرَمًا.
ومقتضى عدم اشتراطهما نفي الصحبة أن حَكيم بن حِزام وشبهه مخضرمٌ، وليس كذلك في الاصطلاح، لأن المخضرم هو المتردد بين الطبقتين لا يُدْرَى من أيتهما هو، وهذا هو مدلول الخَضْرَمَةِ لغة. فقد قال صاحب "المحكم": رجل مخضرَمٌ، ناقص الحسب، وقيل: الدَّعِيُّ، وقيل: مَنْ لا يُعْرَفُ أبواه، وقيل: من أبوه أبيض وهو أسود، وقيل: من ولدته السَّراري. وقال هو أيضًا الجَوْهَرِيُّ: لحم مخضرم؛ لا يدري أمن
стр. 54
ذكر هو أو أنثى؟ فكذلك المخضرمون متردَّدون بين الصحابة والتابعين لعدم اللُّقِيِّ، وهم كثيرون، منهم سُوَيْد بن غَفَلَة -بالتحريك- وأبو عمرو بن جابر، وعُمر بن مَيْمون الأَوْدِيُّ، والأسود بن يزيد النَّخَعِيّ، والأسود بن هلال المُحارِبيّ وقد بلغ بهم مُسلم بن الحجاج عشرين، ومُغُلْطاي مئة، وإلى هذا أشار العراقي بعد قوله السابق: "خلاف قائم" فقال:
والمُدْرِكونَ جاهِلِيّةً فسَمْ ... مخَضْرمينَ كَسُوَيدٍ في أُمَمْ
الغلط في عَدِّ مَنْ ليس من طبقة فيها
ومما يستحق الذكر هنا والتنبيه عليه، ما قد يقع لأهل الطباق من عد التابعي في تابعي التابعين، وعكس ذلك، وهو عد بعض تابع التابعين في التابعين، وكذلك عدّ بعضِهم بعضَ الصحابة في التابعين. وعكس ذلك، وهو عد بعض التابعين في الصحابة. فهذه أربعة أنواع تقع من أهل الطِّباق، وهي فاسدة قطعًا.
الأول: الذي هو عد بعض التابعين في تابعيهم، مثل أبي الزِّناد عبد الله ابن ذَكْوان، وهشام بن عُروة، وموسى بن عُقبة؛ فإنهم تابعيون مع أنهم معدودون عند أكثر الناس في أتباع التابعين.
والثاني: الذي هو عد بعض تابعي التابعين في التابعين، مثل إبراهيم ابن سُوَيْد النَّخَعِي، وسعيد، وواصل ابني عبد الرحيم البصري.
والثالث: وهو عد بعض الصحابة في التابعين يقع لأحد أمرين: إما لأجل الغلط لا غير؛ وإما لكون الصحابي من صغار الصحابة، يقارب التابعين في أن روايته أو جُلَّها عن الصحابة. فالأول: كالنعمان وسويد ابني مُقَرِّنٍ المُزَني؛ فإنهما صحابيان معروفان من جملة المهاجرين، مع أن الحاكم عدهما غلطًا في الإخوة من التابعين. والثاني: مثل يوسف بن عبد الله بن سلام، ومحمود بن لَبيد؛ فقد عدهما مسلم وابن سعد في التابعين.
стр. 55
والرابع: الذي هو عدّ بعض التابعين في الصحابة، كعبد الرحمن بن غَنْم الأشعري؛ فقد عده محمَّد بن الربيع الجيزي في الصحابة مع أنه تابعي، وإلى هذا أشار العراقي، فقال:
وَقَدْ يُعَدُّ في الطِّباقِ التّابِعُ ... في تَابِعَيْهِم إذْ يَكُونُ الشّائِعُ
الحَمْلَ عَنهمْ كَأَبي الزِّنادِ ... وَالعكْسُ جَاءَ وَهْوَ ذُو فَسَادِ
وَقَدْ يُعَدُّ تابِعِيًّا صَاحِبُ ... كَابْنَيْ مُقَرِّنٍ وَمَنْ يُقَارِبُ
فائدتان
الأولى: قال البُلْقِيني: أول التابعين موتًا أبو زيد مَعْمر بن زيد، مات بخراسان، وقيل: بأذربيجان سنة ثلاثين، وآخرهم موتًا خَلَفُ بن خليفة. مات سنة ثمانين ومئة.
الثانية: مما يُلْغَزُ به: تابعي، يقول: قال رسول الله ﷺ كذا، وحديثه مسند لا مرسل، ويحتج به من غير خلاف، وذلك مثل التَّنُوخِىّ، رسول هِرَقْل؛ فإنه مع كونه تابعيًّا اتفاقًا محكوم لما سمعه بالاتصال لا بالإِرسال، ولا خلاف في الاحتجاج به؛ فإن محل كون قول التابعي مرسلًا ما لم يسمع من النبي ﷺ وهو كافر، ثم أسلم بعد موته، أو قبله ولم يره، ثم حدث عنه بما سمع منه، كما وقع للتنوخي هذا، وذلك لأننا إنما رددنا المرسل لجهالة الواسطة، وهي هنا مفقودة.
وهذا عكس ما مر في محمَّد بن أبي بكر وأضرابه ممن رأى النبي ﷺ وهو غير مميز؛ فإنه على القول بأنه صحابي حديثه من قبيل مراسيل كبار التابعين، لا من قبيل مراسيل الصحابة. ويلغز به، فيقال: صحابي حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة وهذا قد قدمته في أول بحث الصحابة، ولكن أعدته جمعًا للنظائر تتميمًا للفائدة.
وهذا آخر الكلام على ما أردت ذكره في المقدمة، وأشرع في المقصود بعون الصمد الحي الودود، فأقول: لا بد قبل الشروع في
стр. 56
المقصود من الإتيان بشيء يسير من السيرة النبوية، وإن كان علماء أهل التآليف فيها، تكفلوا بها، وأتوا في تآليفهم فيها بما لا يقبل الزيادة، وكادت سيرته ﷺ تحصر.
نبذة من السيرة النبوية
وها أنا أذكر منها نبذة مختصرة، تبركًا بالإتيان بها في أول الكتاب، ولأن بعض العلماء قال: إن ذاته ﷺ الشريفة هي موضوع علم الحديث رواية من حيث إنه نبي، وموضوع الفن لا بد من معرفته وتعريفه، وإن كان هو ﷺ معروفًا عند جميع المسلمين، ولكن أذكر ما أَذْكُرُهُ تيمنًا بسيرة أسعد الخلق ﷺ ثم بعد ما أذكر منها أذكر شيئًا من تعريف البخاري، صاحب هذا التأليف المقصود كشف خباياه، فأقول:
اعلم أن أول ما خلق الله من شيء على ما أخرجه عبد الرزاق بسنده عن جابر، رضي الله تعالى عنه نور النبي ﷺ -من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى، ولم يكن في ذلك الوقت لوحٌ، ولا قلمٌ، ولا جنةٌ، ولا نارٌ، ولا سماءٌ، ولا أرضٌ، ولا شيءٌ من الأشياء؛ فلما أراد الله أن يخلقَ الخَلْقَ، قسم ذلك النور أربعة أجزاء .. إلخ الحديث الطويل، وقد نقلناه مُسْتَوْفى في كتابنا "الفتوحات الربانية" في الرسالة العاشرة.
ثم لما خلق الله آدم، جعل ذلك النور المحمدي في جبينه، وصار من ذلك الوقت كلما حملت زوجة بولد يكون جَدًّا له، ﵊، ينتقل ذلك النور إلى جبينها، وإذا وُلِدَ ذلك المولودُ انتقل إلى جبينه إلى أن ولد ﷺ ولأجل هذا أخرج أبو نُعَيْم، والخَرائِطِيُّ وابن عساكر، عن ابن عباس، قال:
لما خَرَجَ عبد المطلب بابنه عبد الله ليزوجه، مَرَّ به على كاهنة من قبالة؛ قد قرأت الكتب، يقال لها: فاطمة بنت مر الخَثْعَمِيّة، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله؛ فقالت له: لك مثل الِإبل التي نحرت عنك، وقع
стр. 57
علي الآن، لما رأت في وجهه من نور النبوة، ورجت أن تحمل بهذا النبي الكريم ﷺ ثم خرج به حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زُهْرة، وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا، فزوجه ابنته آمنة، وهي يومئذٍ أفضل امرأة في قريش نسبًا، وموضِعًا، فزعموا أنه دخل عليها حين مَلَكَها مكانه، فوقع عليها يوم الاثنين في شعب أبي طالب، عند الجَمْرة، فحملت برسول الله ﷺ ثم خرج من عندها، فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عَرَضَتْ، فقال لها: ما لك لا تَعْرِضين علي اليوم ما عرضت علي بالأمس؟ فقالت: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة، إنما أردت أن يكون النور فيّ، فأبى الله إلا أن يجعله حيث شاء. وفي رواية عن ابن عباس: أن المرأة من بني أسد بن عبد العُزّى، واسمها قَتِيلة أو رَفيقة بنت نَوْفَل، وفي هذه الرواية أنه أجابها بقوله:
أَمّا الحَرَامُ فَالمَمَاتُ دُونَهُ ... وَالحِلُّ لا حِلٌّ فَأَسْتَبِينُهُ
فَكَيْفَ بِالأَمْرِ الذي تَبْغِينَهُ ... يحْمِي الكَرِيمُ عِرْضَهُ ودِينَهُ
ولأجل هذا النور، سجد رئيس فِيَلَةِ أَبْرهة -الذي كان لا يسجُدُ لأبرهة- لعبد المطلب لما نظر في وجهه. وفي النُّطْقِ المفهوم أنه قال له: السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب.
وقد اتفق أهل العلم بالأنساب والأخبار، وسائر العلماء بالأمصار، على رفع نسبه إلى عدنان، واختلفوا اختلافًا كثيرًا، فيما بين عدنان وإسماعيل، وفيما بين إبراهيم ونوح، عليهما الصلاة والسلام. وقد جمع في "فتح الباري" أكثر من عشرة أقوال. ولأجل الاضطراب الشديد والخلاف أعْرَضتُ عن سياق النسب بين عدنان وإسماعيل. وقد روي في "مسند الفردوس" أنه ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز مَعدِّ ابن عدنان ثم يمسك، ويقول: "كذب النسابون" مرتين أو ثلاثًا، لكن قال السُّهَيْلِيُّ: الأصحُّ في هذا الحديث أنه من قول ابن مسعود. وقال غيره: كان ابن مسعود إذا قرأ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ
стр. 58
نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩].
قال: كذب النسابون يعني أنهم يدَّعون علم الأنساب، والله تعالى نفى علمها عن العباد. وروي عن عمر أنه قال: إنما ينتسب إلى عدنان، وما فوقه لا يُدرى ما هو. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: بينَ عدنان، وإسماعيل ثلاثون أبًا لا يعرفون. وروي عن عروة بن الزبير أنه قال: ما وجدنا أحدًا يعرف بعد عدنان. وسئل مالك عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك، وقال: من أخبره بذلك؟ وروي ذلك عنه في رفع نسب الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام؛ فالذي ينبغي الإعراض عنه.
والنسب المتفق عليه هو أنه محمَّد بن عبد الله الذبيح بن عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد على الصحيح. قيل: سمي به لأنه ولد وفي رأسه شيبة، وقيل: اسمه عامر، وكنيته أبو الحارث بابن له هو أكبر أولاده.
وإنما قيل له: عبد المطلب، لأن أباه هاشمًا قال لأخيه المطلب وهو بمكة حيث أدركته الوفاة: أدرك عبدَك بيثرب؛ فمن ثَم سُمِّيَ عبدَ المطلب.
وقيل: إن عمَّه المطلب جاء به إلى مكة رديفه وهو بهيئة بَذَّة؛ فكان يُسأل عنه، فيقول: هو عبدي حياء أن يقول: هو ابن أخي. فلما أدخله وأحسن حاله، أظهر أنه ابن أخيه؛ فلذلك قيل له: عبدُ المطلب. وهو أوَّل من خضب بالسواد من العرب، وعاش مئة وأربعين سنة. وأمه سلمى بنت عمرو بن زيد من بني عدي بن النجار. وعبد المطلب، ابن هاشم، واسمه عمرو، وإنما قيل له: هاشم، لأنه كان يهشِمُ الثريدَ لقومه في الجدب، وفي ذلك قال الشاعر:
عَمرو العُلى هَشَم الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ... ورِجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ
وهاشم بن عبد مناف، واسمه المغيرة، ابن قُصي، بضم القاف تصغير قَصي، أي: بعيد سمي بذلك، لأنه تقصى مع أمه فاطمة بنت سعد من بني عُذرة، ونشأ مع أخواله مِن كلب في باديتهم، واسمه زيد وقيل: يزيد، وكان يُدعى مجمعًا، لأنه جمع القبائل من قريش حين انصرافه إليها. وفيه يقول الشاعر:
стр. 59
أبوكم قُصَيٌّ كان يُدعى مُجمِّعًا ... به جمَّع اللهُ القَبَائِلَ مِن فِهْرِ
وذلك حين اشترى قُصي من خاله أبي غبشان -بضم المعجمة وسكون الموحدة- واسمه المحرِّش "باسم الفاعل" ابن حُليل "بالتصغير" ابن عمرو ابن لحي، أخو أم قصي، حُبّى -بضم المهملة وتشديد الموحدة مع الإمالة- إمرة البيت بأذوادٍ من الإبل، وقيل: بِزِقِّ خمر، وكان في عقله شيء فخدعه. وجمع بطون بني فِهر، وحارب خُزاعة حتى أخرجهم من مكة، وغلب على أمر البيت، وشرع لقريش السقاية والرِّفادة؛ فكان يصنع الطعام أيامَ مِنى، والحياض للماء، فيُطعم الحجيج ويسقيهم، وهو الذي عَمَّرَ دار الندوة بمكة، فإذا وقع لقريش شيء، اجتمعوا فيها، وعقدوه بها. وكون اسم أمه حُبّى هو الذي في "الفتح"، وما مَرَّ من تسميتها فاطمة لابن عبد البر، وهو (ابن كلاب) واسمه حكيم، وقيل: عروة. وكلاب إما منقول من المصدر الذي في معنى المكالبة، نحو كالبت العدو مكالبة، وإما من الكلاب جمع كلب، لأنهم يريدون الكثرة كما تَسَمَّوْا بسباع. وسئل أعرابي؛ لمَ تسمون أَبناءَكم بشر الأسماء، نحو كلب وذئبٍ، وعبيدكم بأحسن الأسماء نحو مرزوق ورباح؟ فقال: إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا، وعبيدنا لأنفسنا، يريدون أن الأبناء عدةٌ للأعداء، وسهام في نحورهم، فاختاروا لهم هذه الأسماء. وهو (ابن مرة ابن كعب) وهو أول من جمع العروبة، وكانت تجتمع إليه قريش في هذا اليوم، فَيَخْطُبُهم ويذكرهم بمبعث النبي ﷺ ويُعلمهم بأنه من ولده، ويأمرهم باتباعه، والِإيمانِ به، ويُنشد في ذلك أبياتًا منها:
وليتني شَاهِدٌ فَحْوَاء دَعْوَتهِ ... حِينَ العشيرة تَبْغي الحَقّ خِذلانا
وهو "ابن لؤي" تصغير اللأي بوزن العصي، وهو الثور الوحشي "بن غالب بن فهر" واسمه قريش وإليه تنسب قريش، فما كان فوقه، فكناني لا قرشي، على الصحيح، ويأتي ما في ذلك من الخلاف. وهو "ابن مالك بن النضر" واسمه قيس "ابن كنانة بن خُزيمة" تصغير "خزمة" بن
стр. 60
مدركة واسمه عمرو "بن إلياس" بكسر الهمزة في قول وبفتحها في قول، ضد الرجاء، واللام فيه للتعريف، والهمزة للوصل قال السهيلي: وهذا أصح. وهو أول من أهدى البُدْنَ إلى البيت الحرام. ويُذْكَرُ أنه كان يسمع في صلبه تلبية النبي ﷺ بالحج. وهو "ابن مضر" وهو أول من سَنَّ الحُداء للابل، وكان من أحسن الناس صوتًا. وهو بضم الميم وفتح الضاد، يقال: إنه سُمِّي به، لأنه كان مولعًا بشرب اللبن الماضر، أي: الحامض؛ وفيه نظر، لأنه يستدعي أنه كان له اسم غيره قبل أن يتصف بهذه الصفة. نعم، ويمكن أن يكون هذا اشتقاقه، ولا يلزم أن يكون متصفًا به حالة التسمية. وهو "ابن نزار" بكسر النون من النزر وهو القليل.
قيل: لأنه لما ولد، ونظر أبوه إلى نور محمَّد ﷺ بين عينيه فرح فرحًا شديدًا، وأطعم، وقال: إن هذا كلَّه نزر في حق هذا المولود، فسمي نزارًا لذلك. وهو "ابن معد بن عدنان".
قال ابن دِحْية: أجمع العلماءُ -والِإجماعُ حجة- على أن رسول الله ﷺ إنما انتسب إلى عدنان ولم يتجاوره.
وروى الطبراني، بإسناد جيد، عن عائشة، قالت: "استقام نسبُ الناس إلى مَعَدِّ بن عدنان". وروى ابن سعد من حديث عمرو بن العاص، بإسناد فيه ضعف، مرفوعًا "أنا محمَّد بن عبد الله" وانتسب حتى بلغ النضر بن كِنانة قال: فمن قال غير ذلك فقد كذب. وروى ابنُ حبيب في "تاريخه" عن ابن عباس، قال: "كان عدنان ومعد وربيعة ومضر، وخزيمة، وأسد، على ملة إبراهيم فلا تذكروهم إلا بخير" وروى الزبير ابن بكار من وجه آخر عن ابن عباس: "لا تسبوا مُضَرَ، فإنه كان قد أسلم". هذا نسبُه ﵊ المتفق عليه من جهة الأب.
أما من جهة الأم، فأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب إلى آخر النسب الشريف الزهرية، تزوَّجها عبد الله بن عبد المطلب، وهو ابن ثلاثين سنة. وقيل: كان يومئذ ابن خمس وعشرين سنة.
стр. 61
خرج به أبوه عبد المطلب إلى وهب بن عبد مناف، فزوجه ابنته كما مر، وقيل: كانت آمنة في حِجر عمها وهب بن عبد مناف، فأتاه عبد المطلب، فخطب إليه ابنته هالة لنفسه، وخطب على ابنه عبد الله ابنة أخيه آمنة، فزوجه، وزوج ابنه في مجلس واحد، فولدت آمنة لعبد الله رسول الله ﷺ . وولدت هالة لعبد المطلب حمزة.
والمشهور عند أهل النسب أن زهرة اسم الرجل، وشذ ابن قتيبة، فزعم أنه اسم امرأته، وأن ولدها غلب عليهم النسب إليها، وهو مردود بقول إمام أهل النسب هشام بن الكَلبي: إن اسم زهرة المغيرة، فإن ثبت قول ابن قتيبة، فالمغيرة اسم الأب، وزهرة اسم امرأته، فنسب أولادهما إلى أمهم، ثم غلب ذلك حتى ظن أن زهرة اسم الأب، فقيل: زهرة بن كلاب، وزُهرة بضم الزاي بلا خلاف، فهو ﷺ قرشي الأب والأم. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ -قال: "لم يكن بطنٌ من قريش إلا وله فيه قرابة".
ما يُقال فيمن يقال له: قرشي وعلى اشتقاق التسمية
وها أنا أذكر ما قيل فيمن يقال: إنه قرشي، وما ورد من الخلاف في معنى قريش.
ففي قريش أربعة أقوال.
أحدها: أنهم ولد النضر بن كنانة، وبذلك جزم أبو عبيدة أخرجه ابن سعد، وروي عن هشام بن الكلبي عن أبيه: كان سكان مكة يزعمون أنهم قريش دون سائر بني النضر حتى رحلوا إلى النبي ﷺ فسألوه عن قريش فقال: "من ولد النضر بن كنانة".
وقيل: إن قريشًا هم ولد فِهر بن مالك بن النضر، وهو قول الأكثر، وبه جزم مصعب، قال: ومن لم يلده فِهر، فليس بقرشي، وإنما هو كناني، يعني مما فوقه.
стр. 62
وقيل: أول من نسب إلى قريش قُصي بن كلاب. فروى ابن سعد: أن عبد الله بن مروان سأل محمَّد بن جبير، متى سميت قريش قريشًا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم بعد تفرقها، قال: ما سمعت بهذا، ولكن سمعت أن قُصيًا كان يقال له: القرشي، ولم يسمِّ أحد قريشًا قبله. وروى ابن سعد من طريق المقداد: لما فرغ قُصي من نفي خُزاعة من الحرم، تجمعت إليه قريش، فَسُمِّيَتْ يومئذ قريشًا لحال تجمعها. وحكى الزبير ابن بكار عن عمه مصعب: أن أول من تسمَّى قريشًا قريشُ بن بدر بن مخلد ابن النضر بن كِنانة، وكان دليلَ بني كنانة في حروبهم، فكان يُقال: قدمت عير قُريش، فسميت قريش به قريشًا، وأبوه صاحب بدر الموضع المعروف.
واختلف في اشتقاق قريش على عشرة أقوال، فقيل: من التقرش وهو التجمع، وذلك إما لتجمعهم على قصي كما مر، أو لأن الجد الأعلى جاء في ثوب واحد متجمعًا فيه فسمي قريشًا. وقيل: لتجمعهم للتجارة؛ فهذه ثلاثة أقوال على أنه من التجمع. وقيل: من التقرش، وهو أخذ الشيء أولًا فأولًا، وقال المُطرزي: سميت قريش بدابة في البحر هي سيدة دواب البحر، وكذلك قريش سادة الناس. قال صاحب "المحكم": قريش دابة في البحر، ما تدع دابة في البحر إلا أكلتها، فجميع الدواب تخافها، قال الشاعر:
وقُرَيْشٌ هِيَ الَّتي تَسْكُنُ البَحْـ ... ـرَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا
تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمينَ وَلاَ ... تَتَّرِك فيه لِذي جَنَاحَيْن رِيشَا
هكذا في البِلادِ حَيُّ قُرَيشٍ ... يَأْكلُونَ البِلادَ أَكْلًا كَميشا
وَلَهُمْ آخِرَ الزَّمَان نبِيٌ ... يُكْثِرُ القتلَ فيهم والخُموشا
قال في "الفتح": الذي سمعته من أفواه أهل البحر، القِرش بكسر القاف، وسكون الراء، لكن البيت المذكور شاهد صحيح، فلعله من
стр. 63
تغيير العامة، فإن البيت الأخير من الأبيات المذكورة يدل على أنه من شعر الجاهلية، ثم ظهر لي أنه من مصغر القِرش الذي بكسر القاف.
وقد أخرج البيهقي عن ابن عباس، قال: قريش -تصغير قرش- وهي دابة في البحر، لا تمر بشيء من غث أو سمين إلا أكلته.
وقيل: سمي قريشًا لأنه كان يقرش عن خَلة الناس وحاجتهم، ويسُدُّها، والتقريش: هو التفتيش.
وقيل: سموا بذلك لمعرفتهم بالطعان، والتقريش وقع الأسِنة، وقيل: التقرش: التنزه عن رذائل الأمور.
وقيل: هو من أقرشت الشجة، إذا صدعت العظمَ ولم تهشمه.
وقيل: أقرش بكذا: إذا سعى به. وقيل: غير ذلك. ولله در القائل:
وَنِسْبَةُ عِزٍّ هاشِمٌ مِنْ أُصُولِهَا ... وَمَحتدُهَا المرضيُّ أَكْرَمُ محْتِدِ
سَمَتْ رُتْبَةً عَلياءَ أَعْظِمْ بِقَدْرِهَا ... وَلَم تَسْمُ إلا بالنَّبىِّ مُحمَّدِ
وعِزُّ قريش إنما هو منه ﷺ كما قال الشاعر:
وكَمْ أَبٍ قَدْ عَلا بابنٍ ذُرَى حَسَبٍ ... كَمَا عَلَتْ برسولِ اللهِ عَدْنَانُ
وقد أخرج مسلم من حديث واثلة مرفوعًا: "إن الله اصطفى كِنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
وروى الترمذي -وقال: حديث حسن- عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم تخير القبائل، فجعلني في خيرِ قبيلةٍ، ثم تخير البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا، وخيرهم بيتًا" أي: أصلًا.
стр. 64
وروى الطبراني عن ابن عمر قال: "إن الله اختار خلقه فاختار منهم بني آدم، ثم اختار منهم العرب، ثم اختارني من العرب، فلم أزل خيارًا من خيار ألا من أحب العرب فبحبي أَحَبَّهُم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغَضَهُمْ".
واعلم أنه ﷺ لم يزل ينتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات إلى أن وُلِدَ، فقد روى ابن سعد، وابن عساكر عن هشام بن محمَّد بن السائب الكلبي عن أبيه، قال: كانت للنبي ﷺ خمس مئة أم، فما وجدت فيهن سِفاحًا، ولا شيئًا مما كان في أمر الجاهلية. وروى الطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم، وابن عساكر عن علي بن أبي طالب، أن النبي ﷺ قال: "خرجتُ من نكاح ولم أخرج من سِفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء".
وروى أبو نعيم، عن ابن عباس مرفوعًا: "لم يلتق أبواي قطُّ على سفاح؛ لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة، مصفى مهذبًا، حتى لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما".
وروى البزار عنه في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ قال: من نبي إلى نبي حتى أخْرَجْتُك نبيًا. وروى عنه أبو نعيم أيضًا في الآية أنه قال: "ما زال النبي ﷺ يتقلَّبُ في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه".
وعن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] قال: لم يُصبه شيء من ولادة الجاهلية، قال: وقال النبي ﷺ ؛ "خرجت من نِكاح غير سِفاح". وروى ابن مردويه عن أنس قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفَسِكُمْ﴾ بفتح الفاء. وقال: أنا أنفسكم نسبًا وصهرًا وحسبًا، ليس من آبائي من لدن آدم سفاح كلنا نكاح، وفي "الدلائل" لأبي نعيم، وأخرجه الطبراني في
стр. 65
"الأوسط"، عن عائشة، عنه ﷺ عن جبريل قال: قَلَّبتُ مشارقَ الأرض ومغاربها؛ فلم أر رجلًا أفضل من محمَّد، ولم أر بني أبٍ أفضلَ من بني هاشم. قال الحافظ شيخ الإِسلام ابن حجر: لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن. وفي البخاري عن أبي هريرة، قال ﷺ : "بُعِثتُ من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا حتى كنت من القرن الذي كنت فيه".
موت والده عبد الله
ولما تم مِنْ حمله ﵊ شهران، توفي أبوه عبد الله، وقيل: توفي وهو في المهد، وقيل: وهو ابن شهرين، وقيل: ابن سبعة، وقيل: ابن ثمانية وعشرين شهرًا، والمشهور الأول.
وكان عبد الله قد رجع ضعيفًا مع قريش لما رجعوا من تجارتهم، ومرُّوا بالمدينة فتخلف عند أخواله بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضًا شهرًا، فلما قَدِم أصحابهُ مكة سألهم عبد المطلب عنه، فقالوا: خلفناه مريضًا، فبعث إليه أخاه الحارث، فوجده قد توفي، ودُفِنَ في دار التبابعة. وقيل: إنه خرج إلى المدينة يمتارُ التمر لأبيه. وقيل: خرج إليها زائرًا لأخواله. وقيل: دفن بالأبواء. ورَثَتْه زوجته آمنة فقالت:
عَفا جانِبُ البطحاءِ مِن آل هاشمٍ ... وجاوَرَ لحدًا خارجًا في الغماغم
دعته المنايا دعوةً فأجابها ... وما تَرَكَتْ في الناس مثلَ ابن هاشم
عَشِيَّةَ راحوا يحملون سريره ... تعاورَه أصحابُه في التزاحم
فإن تَكُ غالته المنايا وريبها ... فقد كان مِعطاءً كثيرَ التراحم
وقيل لجعفر الصادق: لِمَ يُتِّمَ النبي ﷺ من أبويه؟ قال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق، نقله أبو حيان في "البحر".
قلت: ولئلا ينسب شيء من أخلاقه السنية إلى أنها من تعليم البشر وتأديبهم.
стр. 66
مدة الحمل به ومحل ولادته ﷺ
واختلف في مدة الحمل به، فقيل: تسعة أشهر، وقيل: عشرة، وقيل: ثمانية، وقيل: سبعة، وقيل: ستة. وولد ﵊، في الدار التي كانت لمحمد بن يوسف أخي الحجاج، ويقال: بالشعب.
عام ولادته ﷺ
واختلف في عام ولادته ﷺ فالأكثرون على أنه عام الفيل، ومن العلماء من حكى الاتفاق عليه، وقال: كل قول يخالفه وَهْمٌ. والمشهور أنه وُلِدَ بعد الفيل بخمسين يومًا، وإليه ذهب السهيلي في جماعة، وقيل: بعدها بخمسة وخمسين يومًا، وإليه ذهب الدمياطي في آخرين، وقيل: بشهر، وقيل: بأربعين يومًا، وقيل: بعد الفيل بعشر سنين، وقيل: قبل الفيل بخمس عشرة سنة، وقيل: غير ذلك. والمشهور أنه بعد الفيل؛ لأن قصة الفيل كانت توطئة لنبوته، وتقدمة لظهوره وبعثته، وإلا أصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم خيرًا من دين أهل مكة إذ ذاك؛ لأنهم كانوا عُبادَ أوثان، فنصرهم الله تعالى على أهل الكتاب نصرًا لا صنع للبشر فيه، إرهاصًا وتقدمة للنبي الذي خرج من مكة، ﵊.
قلت: ولأجل كون قضية أصحاب الفيل إرهاصًا له ﷺ سلط الله الحَجاج على الكعبة فخربها، ولم يَحْدُثْ فيه شىء، وذلك لأنّ الإرهاص إنما يحتاج إليه قبلَ ظهوره، ﵊؛ وأما بعد أن ظهر، وتأكدت نبوته بالدلائل القطعية، فلا حاجة إلى شىء من ذلك، كما أنه تعالى في آخر الزمان يُسلِّط عليها ذا السويقتين، رجل من الحبشة، ينقضها ويرميها في اليم حجرًا حجرًا، كما في الحديث الصحيح.
стр. 67
الشهر الذي وُلِدَ فيه
واختلف في الشهر الذي ولد فيه، والمشهور أنه ولد في ربيع الأول وهو قول جمهور العلماء. ونقل ابن الجوزي الاتفاق عليه. وفيه نظر فقد قيل: في صفر، وقيل: في ربيع الآخر، وقيل: في رجب، ولا يصح، وقيل: في رمضان، ونقل عن ابن عمر، بإسناد لا يصح، وهو موافق لمن قال: إن آمنة حملت به في أيام التشريق. وأغرب من قال: ولد في عاشوراء.
في أي يوم من الشهر ولد
واختلف أيضًا في أي يوم وُلِدَ من الشهر، فقيل: إنه غير معين، إنما ولد يوم الاثنين من ربيع الأول من غير تعيين؛ والجمهورُ على أنه معين منه، فقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لثمان خلت منه، وهو اختيارُ أكثر أهل الحديث، وأكثر من له معرفة بهذا الشأن، وقيل: لعشر خلت منه، وقيل: لاثنتي عشر، وقيل: لسبع عشرة، وقيل: لثمان عشرة، وقيل: لثمان بقين منه، وهذان القولان الأخيران غير صحيحين عمن حكيا عنه.
والمشهور من هذا الخلاف أنهُ ولد ثاني عشر ربيع الأول، وإنما كانت ولادته ﷺ في شهر ربيع الأول، ولم تكن في شيء من الأشهر ذوات الشرف؛ لأنه ﷺ لا يتشرف بالزمان، وإنما يتشرف به الزمان والمكان؛ فلو وُلِدَ في شهر من الشهور المشرفة، كرمضان وذي الحجة والمحرم ورجب، لتوهم أنه تشرَّف بها؛ فجعل الله تعالى مولده، ﵊ في غيرها ليظهر عنايته به، وكرامته عليه، وإذا كان يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم خص بساعة لا يصادفها عبد مسلم، يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، فما بالك بالساعة التي ولد فيها سيد المُرسلين ﵊.
стр. 68
اليوم الذي ولد فيه
واختلف في اليوم الذي ولد فيه، والصحيح أنه يوم الاثنين؛ فقد روى مسلم عن أبي قتادة الأنصاري "أنه ﷺ سئل عن صيام يوم الاثنين: فقال: ذلك يَوْم وُلِدْتُ فيه، وأُنْزِلَتْ علَيَّ فيه النُّبوَّة" وهذا يدل على أنه ﵊، ولد نهارًا.
وفي "المسند" عن ابن عباس قال: ولد ﷺ يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، واستنبىء يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ورفع الحجر يوم الاثنين.
وكذا فتحُ مكة، ونزول سورة المائدة يوم الاثنين، وقد روي أنه ولد يوم الاثنين، عند طلوع الفجر؛ فقد روى أبو بكر بن أبي شيبة، وأخرجه أبو نعيم في "الدلائل"، بسند فيه ضعف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كان بمر الظهران راهب يسمى عيصى من أهل الشام، وكان يقول: يُوشِك أن يُوْلَد فيكم يا أهل مكة مولود تدينُ له العرب، ويملك العجم، هذا زمانهُ، فكان لا يُولد بمكة مولود إلا يسأل عنه، فلما كان صبيحة اليوم الذي ولد فيه رسول الله ﷺ خرج عبدُ المطلب حتى أتى عيصى، فناداه فأشرف عليه، فقال له: كن أباه؛ فقد وُلِدَ ذلك المولود الذي كنتُ أحدثكم عنه يوم الاثنين، ويُبعث يوم الاثنين، ويموت يوم الاثنين، قال: وُلِدَ لي الليلة مع الصبح مولود، قال: فما سميته؟ قال: محمدًا، قال: والله لقد كنت أشتهي أن يكون هذا المولودُ فيكم أهلَ هذا البيت بثلاث خصال تعرفه، فقد أتى علي منها طلع نجمه البارحة، وأنه وُلِدَ اليوم، وأن أسمه محمَّد.
وقيل: كان مولده ﵊، عند الغَفْرِ، وهي ثلاثة أنجم صغار ينزلها القمر، وهو مولد النبيين، ووافق ذلك من الشهور الشمسية نيسان، وهو برج الحمل، وكان لعشرين مضت منه.
стр. 69
ولم يجعل الله ﵎ في يوم الاثين يوم مولده ﷺ من التكاليف ما جعل في يوم الجمعة المخلوق فيه آدم من الجمعة والخطبة إكرامًا لنبيه ﷺ بالتخفيف عن أمته عناية بوجوده، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، من جملة ذلك عدم التكليف.
على أنه ولد ليلًا
وقيل: إنه ﷺ وُلِدَ ليلًا، فروى الحاكم عن عائشة قالت: كان بمكة يهودي يتجر فيها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ قال: يا معشر قريش، هل وُلِدَ فيكم الليلة مولود؟ قالوا: نعم. قال: ولد الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواتراتٌ، كأنها عَرْفُ فرس؛ فخرجوا باليهودي حتى أدخلوه على أمه، فقالوا: أخرجي لنا ابنك، فأخرجته، وكشفوا عن ظهره، فرأى تلك الشامة، فوقع اليهودي مغشيًا عليه. فلما أفاق قالوا: مالك ويلك، قال: ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل.
قال بدر الدين الزركشي: الصحيح أن ولادته كانت نهارًا، وأما ما روي من تدلي النجوم، فضعفه ابن دحية لاقتضائه أن الولادة ليلًا، قال: وهذا لا يصلح أن يكون تعليلًا؛ فإن زمان النبوة صالح للخوارق، ويجوز أن تسقط النجوم نهارًا.
قلت: لا يحكم ببطلان الأحاديث إلا بدليلٍ قاطع على بطلانها، وتدلي النجوم ليلة ولادته ويكون هو ﵊ إنما يُولد نهارًا تقدمة على ولادته ممكن غيرُ مُنافٍ لولادته نهارًا على ما هو الصحيح.
فضل ليلة المولد على ليلة القدر
وعلى القول بأنه ﷺ وُلِدَ ليلًا؛ فهل ليلة ولادته أفضل أم ليلة القدر؟
والجواب: أن ليلة مولده ﵊، أفضلُ من ليلة القدر لثلاثة وجوه.
стр. 70
الأول: هو أن ليلة المولد ليلة ظهوره، ﵊، وليلة القدر معطاة له، وما شرُف بظهور ذات المشرف من أجله أشرفُ مما شرف بسبب ما أُعطيه، ولا نزاع في ذلك؛ فكانت ليلة المولد بهذا الاعتبار أفضل.
الثاني: أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها، وليلة المولد شرفت بظهوره، ﷺ فيها؛ ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليلة القدر على ما هو المرتضى عند أهل السنة، فتكون ليلةُ المولد أفضل، مع أن ليلة القدر شرفت بنزولهم فيها، وليلة المولد شرفت بوجوده وظهوره فيها، وبين النزول والوجود فرق ظاهر.
الثالث: أن ليلة القدر وقع التَّفضُّلُ بها على أمة محمَّد ﷺ ، وليلة المولد وقع التفضل بها على سائر الموجودات؛ فقد بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، فعمت به النعمة على جميع الخلائق؛ فكانت ليلة المولد أعم نفعًا، فكانت أفضل، فرحم الله تعالى من قال:
يَقولُ لَنا لِسَانُ الحَالِ مِنْهُ ... وقَوْلُ الحَقِّ يَعْذُبُ للسَّميعِ
فوَجْهي والزَّمانُ وشَهرُ وضْعِي ... رَبيعٌ في ربيعٍ في ربيعٍ
إرضاعه صلي الله تعالى عليه وسلم
ولما ولد، ﵊، كان أول من أرضعته ثويبة، أمة أبي لهب، ولما بشرته بولادته، ﵊، عتقها. وفي الأحاديث الصحاح أن أبا لهب رؤي في النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟
فقال: في النار إلا أنه خفف عني كل ليلة اثنين، وأمص من بين أصبعي هاتين ماء، وأشار إلى النُّقرة التي بين الإبهام والسبابة، وذلك بإعتاقي لثويبة، عندما بشرتني بولادة النبي ﷺ ، وإرضاعها له.
قال ابن الجزري: فإذا كان هذا أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزيَ بفرحه بمولد النبي ﷺ فما حالُ الموحد من أمته الذي يُسَرُّ
стр. 71
بمولده، ويبذُلُ ما تصل إليه قدرته في محبته، ﵊، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم.
قلت: ولأجل هذا المعنى ما زال المسلمون يُعظِّمون المولد الشريف، جاعلين له عيدًا أعظم من كل عيد، وهو حقيقٌ بذلك وجدير.
وأرضعت ثويبة معه ﷺ حمزة بن عبد المطلب، وأبا سلمة بن عبد الأسد، وكان النبي ﷺ يُكرمها، وكانت تدخل عليه بعد أن تزوج خديجة، فكانت خديجة تُكرمها، وكان يبعث إليها من المدينة بكسوة وصلة إلى أن ماتت بعد فتح خيبر فبلغته ﷺ وفاتها؛ فسأل عن ولدها مسروح الذي أرضعته بلبنه، فقيل له: قد مات، ثم سأل عن قرابتها، فقيل له: لم يبق منهم أحد. ثم بعد ثويبة كان استرضاعه في بني سعد بن بكر، أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية وما رأته حليمة من الخوارق من يوم أرضعته شهير كثير جدًا، من دَرٍّ شارفها، ونطق أتانها، وخِصب غنمها، وكثرة لبنها، وغير ذلك مما لا يُحصى، وكانت تقول في ترقيصها له ﵊.
يا ربِّ إذ أعطيتَه فأبْقِهِ
وأَعْلِهِ إلى العُلى وأَرقِهِ
وادْحَضْ أباطيلَ العِدا بِحَقِّه
وكانت الشيماء أخته من الرضاعة تقول.
هذا أخٌ لي لَمْ تَلِدْه أُمِّي ... ولَيس مِنْ نَسلِ أبي وعمِّي
فديته مِنْ مخولٍ مُعِمِّ ... فأَنْمِهِ الَّلهُمَّ فِيما تَنْمي
رد حليمة له إلى أمه ﷺ
وأخبار إرضاع حليمة له شهيرة، ثم ردته حليمة إلى أمه بعد خمس سنين ويومين من مولده، وذلك سنة ست من عام الفيل. ولما بلغ ستَّ سنين خرجت به أمه إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم،
стр. 72
ومعه أم أيمن، فنزلت به دار التبابعة، فأقامت عندهم شهرًا، فكان ﷺ يذكر أمورًا كانت في مقامه ذلك، ونظر إلى الدار، فقال: ها هنا نزلت بي أمي، وأحسنتُ العوم في بئر بني عدي بن النجار، وكان قوم من اليهود يختلفون، ينظرون إلي، فقالت أم أيمن: سمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة، وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامهم، ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانت بالأبواء توفيت.
موت أمه آمنة صلى الله تعالى عليه وسلم
قالت أسماء بنت رهم عن أمها: شهدت آمنة أمَّ النبي ﷺ في علتها التي ماتت فيها، ومحمد ﷺ عند رأسها، وهو ابن خمس سنين، فنظرت إلى وجهه فقالت:
بارَكَ ربِّي فيكَ مِن غُلام ... يا ابنَ الذي من حَوْمَةِ الحمام
تبايعوا في الملك النعام ... فُودِيَ غَداةَ الضَّربِ بالسِّهامِ
بمائةٍ مِن إبلٍ سَوَام ... إن صَحَّ ما أبصرتُ في المَنَامِ
فأَنْت مبعوثٌ إلى الأنام ... مِن عند ذي الجلالِ والإكرامِ
تُبعَثُ في الحِلِّ وفي الحَرام ... تُبْعَثُ في التحقيق والإِسلام
دين أبيكَ البَرِّ إبراهامِ ... فالله أنهاك عن الأَصْنامِ
أن لا تواليها مع الأقوامِ
ثم قالت: كُلُّ حي ميت، وكُلُّ جديد بال، وكُلُّ كثير يفنى، وأنا ميتة، وذكري باق، وقد تركتُ خيرًا، وولدتُ طهرًا، ثم ماتت، وكنا نسمع نوحَ الجن عليها، فحفظنا من ذلك هذه الأبيات:
نَبْكي الفَتاةَ البَرَّةَ الأمينَهْ ... ذاتَ الجَمال العَفَّةَ الرَّزينَهْ
زوجَةَ عبدِ الله والقَرينهْ ... أم نبيِّ اللهِ ذي السَّكينهْ
وصاحِبِ المنبرِ بالمَدينهْ ... صارت لدى حَضرتها رَهينَهْ
стр. 73
وكونها ماتت بالأبواء، وهو ابنُ ست سنين، هو الصحيح، وقيل: ماتت وهو ابن أربع، وقيل خمس، وقيل: سبع، وقيل: تسع، وقيل: اثنتي عشرة سنة وشهر، أو عشرة أيام، وقيل: ماتت بشعب أبي ذئب بالحَجُون. وفي "القاموس": ودار رائعة بمكة فيها مدفن آمنة أم النبي ﷺ
وكانت أمُّ أيمن بَركةُ دايتَه، وحاضِنته بعد موت أمه، وكان ﵊ يقول لها: أنتِ أُمي بعد أمي.
موت جده عبد المطلب
ثم لما بلغ ثمان سنين أو ثمانيًا وشهرًا وعشرة أيام، أو تسع سنين، أو عشرًا على الخلاف، مات جده عبد المطلب، وله عشرة ومائة سنة، وقيل: مائة وأربعون سنة. وكفله بعده أبو طالب، واسمه عبد مناف، وكان عبد المطلب قد أوصاه بذلك، لكونه شقيق عبد الله، فصار في حجر عمه أبي طالب، وكان يحبه حتى إذا بلغ خمس عشرة سنة انفرد بنفسه.
قصة بحيرى الراهب
ولما بلغ ﷺ اثنتي عشرة سنة، أو ثلاث عشرة، خرج في تجارة مع عمه أبي طالب، حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرى الراهب -بفتح الموحدة، وكسر الحاء، بعدها ياء، ثم راء وألف مقصورة- واسمه جرجيس، فعرفه بصفته، فقال: وهو آخذ بيده: هذا سيدُ العالمين، هذا يبعثه الله رحمةً للعالمين، فقيل له: فما علمك بذلك؟ قال: إنَّكم حين أشرفتم به من العقبة، لم يبق شجر ولا حجرٌ إلا وخر ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أَعرفُه بخاتم النبوة في أسفَل من غُضرُوف كتفه مثلَ التفاحة، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يردَّه خوفًا عليه من اليهود. والحديث أخرجه ابن أبي شيبة وفيه: أنه، ﵊، أقبل وعليه غمامة تظله، وعند البيهقي، وأبي نعيم: أن بحيرى رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة بيضاء تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت
стр. 74
الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها ..... الحديث. وفيه أن بحيرى قام واحتضنه، وأنه جعل يسأله عن أشياء من حاله، من نومه، وهيئته، وأموره، ورسول الله ﷺ يخبره، فيوافق ذلك ما عنده من صفته، ورأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. وخرج الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه: أن في هذه السفرة أقبل سبعة من الروم يقصِدُون قتله ﷺ فاستقبلهم بحيرى؛ فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبي خارج في هذا الشهر، ولم يبق طريق إلا بعث إليها بأناس، قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوا، وأقاموا معه، وردَّه أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالا. وضعف الذهبي هذا الحديث، لقوله في آخره: "وبعث معه أبو بكر بلالا، فإن أبا بكر إذ ذاك لم يكن متأهلًا ولا اشترى بلالا. قال ابن حجر في "الإصابة": الحديث رجاله ثقات: وليس فيه ما ينكر سوى هذه اللفظة، فتحمل على أنها مدرجة مقتطعة من حديث آخر، وهمًا من أحد رواته.
قصة نسطورا الراهب
ثم خرج ﷺ ، ومعه ميسرة، غلام خديجة ابنة خويلد بن أسد، في تجارة لها، حتى بلغ سوق بصرى، أو سوق حباشة، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة، لأربع عشرة ليلة، بقيت من ذي الحجة، فنزل تحت ظل شجرة، فقال نسطورا الراهب: ما نزل تحت ظل هذه الشجرة إلا نبي، وفي رواية: بعد عيسى. وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يُظلانه من الشمس، ولما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة، وخديجة في عِلِّيَةٍ لها، فرأت رسول الله ﷺ وهو على بعيره، وملكان يُظللان عليه. أخرجه أبو نعيم.
وتزوج ﷺ بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يومًا -وقيل: سنة إحدى وعشرين، وقيل: سنة ثلاثين- خديجة، وكانت تُدعى في الجاهلية
стр. 75
بالطاهرة. وقد استوفينا ترجمتها، وتزويجه بها في كتاب بدء الوحي من هذا الكتاب، ثم شهد رسول الله ﷺ بنيان الكعبة، وتراضت قريش بحكمه في موضع الحجر بعد ذلك بعشر سنين، وذلك سنة ثلاث وثلاثين، وقال محمَّد بن جبير: بنيت الكعبة على رأس خمس وعشرين من عام الفيل، وقيل: بل كان بين بنيان الكعبة، ومبعث النبي ﷺ خمس سنين.
وقت البعثة
ولما بلغ رسول الله ﷺ أربعين سنة، وقيل: وأربعين يومًا، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرين، يوم الاثنين، لسبع عشرة، خلت من رمضان، وقيل: لسبع، وقيل: لأربع وعشرين ليلة. وقال ابن عبد البر: يوم الاثنين، لثمان من ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين من الفيل. وقيل: في أول ربيع، بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، ورسولًا إلى كافة الناس أجمعين، وقولُ بعض العلماء تنبأه الله تعالى، وهو ابن أربعين، المراد به بعثه وإرساله للناس، لا أصل النبوة، لأنه ﷺ كان نبيًا وآدم منجدلٌ في طينته، وولد نبيًا، وقد حررنا ذلك في أول "الفتوحات الربانية".
ولما أوحى الله إليه، ﵊، أسرَّ أمره ثلاث سنين أو نحوها. ثم أمره بإظهار دينه، والدعاء إليه، فأظهره بعد ثلاث سنين من مبعثه. وأخرج ابن عبد البر، وأحمد بن حنبل عن الشعبي قال: أُنزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل، ﵇، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين، قرن بنبوته ﷺ ، جبريل، ﵊، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة.
ولما دعا قومه إلى دين الله تعالى لم يبعدوا منه، ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم، وعابها، وكان ذلك في سنة أربع، فأجمعوا على خلافه، وعداوته إلا من عصمه الله تعالى منهم بالإِسلام.
следующие страницы →