← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

قال عياض: وردت آثار تدل على معرفته حروف الخط وحسن تصويرها، كقوله لكاتبه: "ضع القلم على أذنك، فإنه أذكر لك" وقوله لمعاوية: "أَلق الدواة، وحَرّف القلم، وأَقِم الباء، وفرّق السين، ولا تُعَوّر الميم" وقوله "لا تمدّ بسم الله" قال: وهذا، وإن لم يثبت أنه كتب، فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء. وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث، وعن قصة الحديبية بأن القصة واحدة والكاتب فيها علي. وقد صرح في حديث المُسَوَّر بأن عليًا هو الذي كتب، فيحمل على أن النكتة في قوله "فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب" لبيان أن قوله "أرني إياها" أنه ما احتاج أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك "فكتب" فيه حذف تقديره "فمحاها فأعادها لعليّ فكتب". وبهذا جزم ابن التين، أو أطلق "كتب" بمعنى "أمر بالكتابة" وهو كثير، كقوله "كتب إلى قيصر"، "وكتب إلى كسرى" وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم، وهو لا يحسن الكتابة، أن يصير عالمًا بالكتابة. ويخرج عن كونه أميًا، فإن كثيرًا ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصور بعض الكلمات، ويحسن وضعها بيده، وخصوصًا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا، ككثير من الملوك. ويحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا، وبهذا أجاب أبو جعفر السَّمْناني أحد أئمة الأصول من الأشاعرة، وتبعه ابن الجَوْزِيّ. وتعقب ذلك السُّهَيليّ وغيره بأنَّ هذا وإن كان ممكنًا ويكون آية أخرى، لكنه يناقض كونه أميًا لا يكتب، وهو الآية التي قامت بها الحجة، وأفحم الجاحد، وانحسمت الشبهة، فلو جاز أن يكتب بعد ذلك، لعادت الشبهة، وقال المعاند: كان يحسن يكتب، لكنه كان يكتم ذلك. قلت: هذا القول بعد تقرر الإِسلام ورسوخه في القلوب، وقوته وصيرورته

стр. 1542

بالسيف، لا يؤثر ولا يضر. قال السُّهَيليّ: والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا، والحق أن معنى قوله "فكتب" أي: أمر عليا أن يكتب. وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظر كبير. وقوله "كتابًا" بعد قوله "بكتاب" فيه الجناس التام بين الكلمتين، وإن كانت إحداهما بالحقيقة والأخرى بالمجاز. وقوله "لا تضلّوا بعده" هو نفى وحذفت النون منه لأنه بدل من جواب الأمر من غير حرف العطف جائز. وقوله: "فقال عمر غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا" أي اشتد عليه فيشق عليه إملاء الكتاب، أو مباشرة الكتابة على ما مر من الاحتمالين، وكان عمر رضي الله تعالى عنه، فهم من ذلك أنه يقتضي التطويل. قال القُرطبيّ وغيره: "ائتوني" أمر، وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال، لكن ظهر لعمر، رضي الله تعالى عنه، مع طائفة أنه ليس للوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح، فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قول الله تعالى ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقوله تعالى ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ولهذا قال عمر "حسبنا كتاب الله". ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار، ولهذا عاش صلى الله تعالى عليه وسلم، بعد ذلك أياما ولم يعاود أمرهم بذلك. ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم؛ لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف. وكان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر، فإذا عزم امتثلوا. قال المازَريّ: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريع أمره لهم بذلك؛ لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها عن الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن، بأنه ﵊، قال ذلك من غير قصد جازم، وعزمه

стр. 1543

الحديث السادس والخمسون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: "ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ، كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ". قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ: "قُومُوا عَنِّي، وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ". فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ. قوله: "لما اشتد وجعه" أي قوي وجعه في مرض موته كما سيأتي، وفي رواية في المغازي: "لما حضرت النبيَّ، صلى الله تعالى عليه وسلم، الوفاة، وفيها من حديث سعيد بن جُبير أن ذلك كان يوم الخميس، قبل موته صلى الله تعالى عليه وسلم، بأربعة أيام. وقوله "بكتاب" أي بأدوات الكتاب، كالقلم والدَّواة، ففيه مجاز الحذف، أو أراد بالكتاب ما من شأنه أن يكتب فيه، كالكاغد وعَظم الكتف؛ لأنهم كانوا يكتبون فيها. وقد صرح بذلك في رواية لمسلم، قال "ائتوني بالكتف والدواة". وقوله: "أكتب" هو بالجزم جواب الأمر، ويجوز الرفعُ على الاستئناف. وفيه مجاز أيضًا، أي: أمر بالكتابة. وفي مسند أحمد من حديث عليّ أنه المأمور بذلك، ولفظه "أمرني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أن آتي بطبق يكتب ما لا تضل أمته من بعده". قلت: هذا كحديث المتن، ليس فيه التصريح بأن عليًا هو المأمور بالكتابة، لقوله فيه "يكتب" ويحتمل أن يكون على ظاهره من كونه ﵊ يريد أن يكتب بنفسه.

стр. 1544

وفي كتْبه، ﵊، بيده الشريفة خلاف مشتهر بين العلماء. فقد أخرج البخاري في باب عُمرة القضاء "فأخذ رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، الكتاب، وليس يحسن يكتب، فكتب: "هذا ما قاضى محمد بن عبد الله " فتمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجِيّ، فادعى أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كتب بيده، بعد أن لم يكن يحسن يكتب، فشنَّع عليه علماء الأندلس في زمانه، ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن حتى قال قائلهم: برئت ممن شرى دنيا بآخرة ... وقال إن رسول الله قد كتبا فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة، وقال للأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن؛ لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وبعد أن تحققت أمنيته، وتقررت بذلك معجزته، وأمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم، فتكون معجزة أخرى. وذكر ابن دَحْية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك، منهم شيخه أبو ذَر الهَرَويّ وأبو الفتح النَّيْسابُورِيّ، وآخرون من علماء إفريقية وغيرها. واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شَيْبة، وعمر بن شَبَّة، من طريق مجاهد عن عبد الله بن عون قال: ما مات رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى كتب وقرأ. قال مجاهد: فذكرته للشعبيّ فقال: صدق قد سمعت من يذكر ذلك. ومن طريق يونس بن مَيْسرة عن سَهْل بن الحَنْظَليَّة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعُيَيَنْة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمِّس؟ فأخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، الصحيفة فنظر فيها، فقال: قد كتب لك بما أمر لك. قال يونس: فنرى أن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، كتب بعدما أُنزل إليه

стр. 1545

صلى الله تعالى عليه وسلم، كان إما بالوحي أو بالاجتهاد، وكذلك تركه؛ إنْ كان بالوحي فبالوحي، وإلا فبالاجتهاد أيضًا. وقال النوويّ: اتفق قول العلماء على أن قول عمر "حسبنا كتاب الله" من قوة فقهه ودقيق نظره؛ لأنه خشي أن يكتب أمورًا ربما عجزوا عنها، واستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، وأراد أن لا ينسد باب الاجتهاد على العلماء. وفي تركه، صلى الله تعالى عليه وسلم، الإنكار على عمر إشارةٌ إلى تصويبه رأيهُ، فعُلم بذلك أن المأمور به ليس مما لا يستغنون عنه، إذ لو كان من هذا القبيل لم يتركه ﵊، لأجل اختلافهم، ولا يعارض ذلك قول ابن عباس: إن الرَّزية ... الخ؛ لأن عمر كان أفقه منه قطعًا. قال الخطابي: لم يتوهم عمر الغلظ فيما كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يريد كتابته، بل امتناعه محمول على أنه لما رأى ما هو فيه من الكرب، وحضور الموت، خشي أن يجد المنافقون سبيلًا إلى الطعن فيما يكتبه، وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق، فكان ذلك سبب توقف عمر لا أنه تعمد مخالفة قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا جوز وقوع الغلط عليه، حاشا وكلا. وقد ظهر لطائفة أخرى أن الأوْلى أن يكتب لما فيه من امتثال أمره، وما تضمنه من زيادة الإيضاح. واختلف في المراد "بالكتاب" فقيل: أراد أن يكتب كتابًا ينصّ فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف، وقيل: بل أراد أن ينص على أسامي الخلفاء بعده، حتى لا يقع بينهم الاختلاف، قاله سفيان بن عُيَينة، ويؤيده أنه صلى الله تعالى عليه وسلم، قال في أوائل مرضه، وهو عند عائشة: "ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ، ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" أخرجه مسلم، وللمصنف معناه، والأول أظهر، لقول عمر "كتاب الله حسبنا" أي كافينا، مع أنه يشمل الوجه الثاني؛ لأنه بعض أفراده.

стр. 1546

وقال الشيخ الطيِّب بن كيران في شرحه "لتوحيد ابن عاشر": إن هذا الذي أراد أن يكتبه هو من العلم المخير في تبليغه، الذي قال فيه: "فكنت أسر إلى أبي بكر وإلى عمر وإلى عثمان وإليك يا أبا الحسن" قال: إذ لو كان ذلك من الواجب ما تركه لأجل اختلافهم، وقد عاش بعد ذلك أياما، ولو كان مما يجب كتمانه ما همَّ بكتبه لهم. وما قاله في غاية الحسن ولم أجده لغيره وهو يشير إلى ما هو مروي في حديث الإسراء من أن الله تعالى علمه ليلة الإِسراء ثلاثة علوم: علم أمره بتبليغه للعام والخاص، وعلم أمره بكتمه، وعلم خيره فيه. وقوله "وكثر اللَّغَط" بتحريك اللام والغين المعجمة، أي الصوت والجلبة بسبب ذلك، فلما رأى ذلك، قال: "قوموا عني" وقوله "ولا ينبغي عندي التنازع" هو بالرفع فاعل ينبغي، وفيه إشعار بأن الأولى كان المبادرة إلى امتثال أمره، وإن كان ما اختاره عمر صوابًا، إذ لم يتدارك ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، بعد كما مر، ولأن في بعض الروايات "وأوصاهم بثلاث: قال: أخْرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ... إلخ"، وهذا يدل على أن الذي أراد أن يكتبه لم يكن أمرا متحتما؛ لأنه لوكان مما أمر بتبليغه، لم يكن يتركه لوقوع اختلافهم، ولعاقب الله من حال بينه وبين تبليغه، ولبلغه لهم لفظًا كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك، وقد عاش بعد هذه المقالة أيامًا، وحفظوا عنه أشياء لفظًا، فيحتمل أن يكون مجموعها هو ما أراد أن يكتبه. قال القرطبي: واختلافهم في ذلك كاختلافهم في قوله لهم "لا يُصَلِّينَّ أحد العصر إلا في بني قريظة" فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا، وتمسك آخرون بظاهر الأمر فلم يصلوا، فما عنَّف أحدا منهم من أجل الاجتهاد المسوغ، والمقصد الصالح. وقوله في تلك الرواية "أجيزوا الوفد" أي أعطوهم، والجائزة العطية، وقيل: أصله أن ناسًا وفدوا على بعض الملوك، وهو قائم على قنطرة، فقال: أجيزوهم، فصاروا يعطون الرجل ويطلقونه،

стр. 1547

فيجوز على القنطرة متوجهًا، فسميت عطية من يقدم على الكبير جائزة. وتستعمل، أيضًا، في إعطاء الشاعر على مدحه ونحو ذلك. وقوله "بنحو ما كنت أجيزهم" أي بقريب منه. وكانت جائزة الواحد على عهده، صلى الله تعالى عليه وسلم، أوقية من فضة، وهي أربعون درهمًا. وقوله "فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية" ظاهره أن ابن عباس كان معهم، وأنه في تلك الحالة خرج قائلًا هذه المقالة، وليس الأمر في الواقع على ما يقتضيه الظاهر، بل قول ابن عباس المذكور إنما كان يقوله عندما يحدث بهذا الحديث. فوجه الرواية أن ابن عباس لما حدث عبيد الله بهذا الحديث، خرج من المكان الذي كان فيه، وهو يقول ذلك. ويدل عليه رواية أبي نعيم في المستخرج، قال عُبيد الله: فسمعت ابن عباس يقول ... الخ وإنما تعين حمله على غير ظاهره؛ لأن عبيد الله تابعيّ من الطبقة الثانية، لم يدرك القصة في وقتها؛ لأنه ولد بعد النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، بمدة طويلة، ثم سمعها من ابن عباس بعد ذلك بمدة أخرى. وفي رواية معمر عند المصنف في الاعتصام "قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: ... " وكذا لأحمد من طريق جرير بن حازم. وقوله "إن الرزية" هي بفتح الراء وكسر الزاي بعدها مثناة تحتية ثم همزة، وقد تسهل الهمزة وتشدد الياء، ومعناها المصيبة. وزاد في رواية معمر "لاختلافهم ولغطهم" أي إن الاختلاف كان سببًا لترك كتابة الكتاب. وفي الحديث دليل على جواز كتابة العلم، وعلى أن الاختلاف قد يكون سببًا في حرمان الخير، كما وقع في قصة الرجلين اللذين تخاصما فرفع تعيين ليلة القدر بسبب ذلك، وفيه وقوع الاجتهاد بحضرته، صلى الله تعالى عليه وسلم، فيما لم ينزل عليه فيه. وقد ذكر البخاريّ في هذا الباب أربعة أحاديث، فبدأ بحديث علي " أنّه كتب عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم"، وقد يطرقه احتمال أن يكون إنما كتب ذلك بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يبلغه النهي، وثنى بحديث أبي هريرة، وفيه

стр. 1548

الأمر بالكتابة، وهو بعد النهي، فيكون ناسخًا، وثلّث بحديث عبد الله بن عمرو، وقد مر في بعض طرقه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أذن له في ذلك، فهو أقوى في الاستدلال للجواز من الأمران يكتبوا لأبي شاهٍ، لاحتمال اختصاص ذلك بمن يكون أُميا أو أعمى، وختم بحديث ابن عباس الدال على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم همَّ أن يكتب لأمته كتابًا يحصل معه الأمن من الاختلاف، وهو لا يهم إلا بالحق. رجاله ستة: وقد ذكروا جميعًا ما عدا الأول يحيى بن سليمان بن يحيى ابن سعيد بن مسلم بن عبد الله بن مسلم الجُعْفيّ أبو سعيد، الكوفيّ المقري، سكن مصر، روى عن عمه عمرو بن عثمان بن سعيد، وحفْص بن غِيَاث، وعبد الله بن إدريس، وعبد الله بن وهب وغيرهم. وروى عنه البخاري. وروى التّرمْذيُّ عن أحمد بن الحسن التِّرْمِذيّ عنه، وأبو زرعة وأبو حاتم وآخرون. قال أبو حاتم: شيخ ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أغرب. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال مَسْلمة بن قاسم: لا بأس به، وكان عند العقيليّ ثقة، وله أحاديث مناكير، وكان النَّسائي سىء الرأي فيه، قال: إنه ليس ثقة. قال ابن حجر: لم يكثر البخاري من تخريج حديثه، وإنما أخرج أحاديث معروفة من حديث ابن وهب. مات بمصر سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومئتين، والجُعْفي في نسبه نسبة إلى جُعَفى وقد مر في الثاني من الإيمان. الثاني: عبد الله بن وهب المصري، مر تعريفه في الحديث الثالث عشر من كتاب العلم. الثالث يونس بن يزيد، والرابع ابن شهاب وقد مر تريفهما في الحديث الشاك من بدء الوحى، الخامس عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، مر تعريفه أيضًا في الحديث السادس من بدء الوحي، ومر ابن عباس في الحديث الخامس منه أيضًا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والإِخبار

стр. 1549

والعنعنة. وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواته ما بين كوفيّ ومصريّ ومدنيّ، أخرجه المؤلف هنا، وفي المغازي وفي الطب وفي الاعتصام، وأخرجه مسلم في الوصايا، والنَّسائي في العلم والطب. ثم قال المصنف: باب العلم والعظة بالليل أي تعليم العلم بالليل والعظة به، وقد مر أنها الوعظ، وأراد المصنف التنبيه على أن النهي عن الحديث بعد العشاء مخصوص بما لا يكون في الخير.

стр. 1550

الحديث السابع والخمسون حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَمْرٍو وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِى الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِى الآخِرَةِ". قوله "قالت استيقظ النبي" أي تيقظ، فالسين ليست للطلب، أي انتبه. وقوله "ذات ليلة" أي في ليلة. ولفظ "ذات" زيد للتأكيد. وقيل: إن الإضافة من إضافة المسمى إلى الاسم، والتقدير قطعة ذات ليلة، أي صاحبة هذا الاسم، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه. وقوله "سبحان الله ماذا" ما استفهامية متضمنة لمعنى التعجب والتعظيم؛ لأن سبحان الله تستعمل لذلك. وقوله "أنْزِل" بضم الهمزة، وللكُشْمَيهني " أنزلَ الله" واستعمل المجاز في الإنزال والمراد به إعلام الملائكة بالأمر المقدور، أوأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أوحي إليه في نومه ذلك، بما سيقع بعده من الفتن، فعبر عنه بالإنزال. وقوله "من الفتن وماذا فتح من الخزائن" عبر عن العذاب بالفتن؛ لأنها أسبابه، وعبر عن الرحمة بالخزائن، لقوله تعالى: ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠]. وقال الداودي: الثاني هو الأول، والشيء قد يعطف على نفسه تأكيدًا؛ لأن ما يُفتح من الخزائن يكون سببًا للفتنة، وكأنه فهم أن المراد بالخزائن خزائن فارس والروم وغيرهما، مما فتح على الصحابة، لكن المغايرة بين الخزائن والفتن أوضح؛ لأنهما غير متلازمين، وكم من نائل من تلك الخزائن سالم من الفتن.

стр. 1551

وقوله "أيْقظوا صواحب الحُجَر" بصيغة الأمر، مفتوح الأول مكسور الثالث، وصواحب بالنصب على المفعولية، وجوّز الكرمانيّ "إيقَظوا" بكسر أوله وفتح ثالثه، وصواحب منادى، والحُجَر بضم الحاء وفتح الجيم، جمع حُجْرة، وهي منازل أزواج النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، كما هو مصرح به في بعض الروايات بلفظ "يريد أزواجه لكي يصلين"، وإنما خصهن بالإيقاظ لأنهن الحاضرات حينئذ، أو من باب إبدأ بنفسك ثم بمن تعول. وفي رواية "من يوقظ صواحب الحجرات"، ودلت رواية أيقظوا على أن المراد بقوله "من يوقظ" التحريض على إيقاظهن. وقوله "فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة" بزيادة الفاء في أوله، وفي رواية بحذفها، وفي رواية ابن المبارك "يارُبَّ" بزيادة حرف النداء في أوله، وفي رواية هشام "كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة". وهذا يؤيد ما ذهب إليه ابن مالك من أن "ربَّ" أكثر ما ترد للتكثير: فإنه قال: أكثر النحويين أنها للتقليل، وأن معنى ما يصدر بها المضيّ، والصحيح أن معناها في الغالب التكثير، وهو مقتضى كلام سيبويه، فإنه قال في باب "كم" اعلم أن "كم" في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه "رب" لأن المعنى واحد، إلا أن "كم" اسم "ورب" حرف، ولا خلاف. إن معنى كم الخبرية التكثير، ولم يقع في كتابه ما يعارض ذلك، فصح أن مذهبه ما ذكر، وحديث الباب شاهد لذلك، فليس مراده أن ذلك قليل، بل المتصف بذلك من النساء كثير، وهنَّ أكثر أهل النار، ولذلك لو جعلت "كم" موضع "رب" لحسن، وقد وقعت كذلك في نفس هذا الحديث، لكن الحديث إنما يدل لورودها في التكثير لا لأكثريتها فيه، وأما تصدير "رب" بحرف النداء في رواية ابن المبارك، فقيل: المنادى فيه محذوف والتقدير: يا سامعين، وقد مر في باب "رُبّ مبلغ" استيفاء الكلام على مباحث "رب". وقوله كاسية على وزن فاعلة من كسا، ولكنه بمعنى مكسوَّة كما في قول الحطيئة:

стр. 1552

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي قال الفراء يعني المكسو كقولك ماء دافق، وعيشة راضية؛ لأنه يقال: كُسِي العريان ولا يقال كَسَا. وقوله "عارية" قال عياض: الأكثر بالخفض على الوصف للمجرور بِرُبَّ، وقال غيره: الأولى الرفع على إضمار مبتدأ، والجملة في موضع النعت لكاسية، أي هي عارية، والفعل الذي يتعلق به "رُب" محذوف. وقال السُّهيليُّ: الأحسن الخفض على النعت، لأن "رُبَّ" حرف جر يلزم صدر الكلام. واختلف في المراد بقوله "كاسية وعارية" على أوجه أحدها كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى، عارية في الآخرة من الثواب لعدم العمل في الدنيا، ثانيها: كاسية بالثياب، لكنها شفافة لا تستر عورتها، فتعاقب في الآخرة بالعُري جزاء على ذلك. ثالثها: كاسية من نعم الله، عارية من الشكر الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب. رابعها: كاسية جسدها لكنها تشد خمارها من ورائها، فيبدو صدرها، فتصير عارية، فتعاقب في الآخرة. خامسها: كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح عارية في الآخرة من العمل، فلا ينفعها صلاح زوجها، كما قال تعالى ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ذكر هذا الأخير الطَيْبِيّ، ورجحه لمناسبة المقام. واللفظة، وإن وردت في أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لكن العبرة بعموم اللفظ، وقد سبق لنحوه الداودي فقال: كاسية للترف في الدنيا، لكونها أهل التشريف، وعارية يوم القيامة. قال: ويحتمل أن يراد عارية في النار، وأشار صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك إلى موجب

стр. 1553

استيقاظ أزواجه، أي ينبغي لهن أن لا يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن على كونهن أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. قال ابن بطال: في هذا الحديث أن الفتوح في الخزائن تنشأ عنه فتنة المال، بأن يتنافس فيه فيقع القتال بسببه، وأن يبخل به فيمنع الحق، أو يبطر صاحبه فيسرف، فأراد صلى الله تعالى عليه وسلم تحذير أزواجه من ذلك، وكذا غيرهن ممن بلغه ذلك، وأراد بقوله "من يوقظ" بعض خدمه، كما قال يوم الخندق: "من يأتيني بخبر القوم" وأراد أصحابه، لكن هناك عرف الذي انتدب، وهنا لم يذكر. وفيه استحباب الإسراع إلى الصلاة عند خشية الشر، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم، إذا حَزَبه أمر فَزع إلى الصلاة، وأمر من رأى في منامه ما يكره أن يصلي، وفيه التسبيح عند رؤية الأشياء، وفيه تحذير العالم من يأخذ عنه من كل شيء يتوقع حصوله، والإرشاد إلى ما يدفع ذلك المحذور، وفيه الندب إلى الدعاء والتضرع عند نزول الفتنة، ولاسيما في الليل، لرجاء وقت الإجابة، لتكشف. أو يسلم الداعي ومن دعا له. وفيه جواز قول "سبحان الله" عند التعجب، وندبية ذكر الله بعد الاستيقاظ، وإيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة، لاسيما عند آية تحدُثُ. رجاله ثمانية: الأول صدقة بن الفضل، أبو الفضل المَرْوَزِيّ أحد الرحالين روى عن المُعْتمر بن سليمان، وابن عُيينة، ويحيى القَطّان وطبقتهم. وروى عنه البخاريّ منفردًا به عن الستة، والدارميُّ وعبد الرحيم بن مُنِيب، ومحمد بن نصر المَرْوَزِيّ وغيرهم. قال عباس العَنْبَريّ: ثلاثة جعلتهم حجة فيما بيني وبين الله تعالى، فعد منهم صَدَقة. وقال ابن حبّان: كان صاحب حديث وسنة. وقال وهب بن جرير: جزى الله صدقة ويعْمر بن بشر المَرْوَزيّ وإسحاق عن الإِسلام خيرًا؛ أحيوا السنة بأرض

стр. 1554

المشرق. وقال عباس بن الوليد: كنا نقول: بخراسان صدقة، وبالعراق أحمد، وزيد بن المبارك باليمن. وقال النسائي: ثقة، وكان من المذكورين بالعلم والفضل والسنة. وقال أحمد بن سَيّار: لم أر في جميع من رأيت مثل مسدد بالبصرة، والقواريري ببغداد، وصدقة بمرو. والمَرْوَزِيّ في نسبه مر في السادس من بدء الوحي، مات سنة ثلاث وقيل ست وعشرين ومئتين. الثاني: سفيان بن عُيينة: مر في الحديث الأول من بدء الوحي. الثالث: معمر بن راشد، مر في المتابعات بعد الحديث الثالث من بدء الوحي. الرابع: ابن شهاب، مر في الحديث الثالث منه أيضًا. الخامس: عمرو بن دينار، مر في الحديث الرابع والأربعين من كتاب العلم قبل هذا بحديث واحد. السادس: يحيى بن سعيد الأنصاري، مر في أول "حديث إنما الأعمال بالنيات". السابع: هند بنت الحارث الفراسية، ويقال القُرشية، ولعله تصحيف من الفراسية، أو نسبت إلى قريش لكونها من بني كنانة، لأن بني فراس بطن من كنانة، وعند الداودي القادسية، ولا وجه لها. ذكرها ابن حبان في الثقات، كانت تدخل على أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانت زوجة لمَعبد بن المِقْداد، وأسقط في التهذيب معبدًا، روى لها الجماعة إلا مسلم والفِرَاسية في نسبها نسبة إلى فِراس بطن من كنانة. الثامن: أم سلمة هند، وقيل رَمْلة، زوجة النبي ﷺ ،

стр. 1555

بنت أبي أُمية، اسمه حذيفة، وقيل سَهْل بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر ابن محزوم، القرشية المخزومية، مشهورة بكنيتها، معروفة باسمها، وكان أبوها يلقب بزاد الرّكب، لأنه كان أحد الأجواد، فكان إذا سافر لم يحمل أحد معه من رُفقته زادًا بل هو كان يكفيهم. وأمها عاتكة بنت عامر، كنانية من بني فراس، وكانت تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، وهو وابن عمها، وهاجرت معه إلى الحبشة، وكانا أول من هاجر إلى الحبشة، وهاجرت معه إلى المدينة أيضًا، ويقال إنها أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة. وقيل بل ليلى بنت أبي حُثمة زوجة عامر بن ربيعة. ولما مات زوجها من الجراحات التي أصابته، خطبها النبي ﷺ ، وروي عنها أنها قالت: لما خطبني قلت له: فيَّ ثلاثٌ: كبيرة السن" وامرأة مُعْيل، وامرأة شديدة المغيرة. فقال: أنا أكبر منك، وأما العيال فإلى الله، وأما المغيرة فأدعو الله فيذهبها عنك، فتزوجها فلما دخل عليها قال لها: إن شئت سبَعْت لك وسبعت للنساء، فرضيت بالثلاث. والحديث في الصحيح من طرق. وروي عنها أنها قالت: قلت لأبي سَلَمة: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة ثم لم تتزوج بعده إلا جمع الله بينهما في الجنة، وكذا إذا ماتت المرأة، وبقي الرجل بعدها، فقال: أُعاهدك على أن لا أتزوج بعدك، ولا تتزوجي بعدي، قال: أتطيعينّي؟ قالت: ما استأمرتك إلا لأطيعك. قال: فإذا مت فتزوجي. ثم قال: اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلًا خيرًا مني، لا يخزيها ولا يؤذيها. فلما مات قلت: من هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة؟ فلبثت ما لبثت، ثم تزوجني رسول الله ﷺ . وفي الصحيح عن أم سَلمة أن أبا سلمة قال لها: قال رسول الله ﷺ : "إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي، وأجرني فيها"، وأردت أن أقول:

стр. 1556

"وأبدلني بها خيرًا منها" فقلت: من هو خير من أبي سلمة؟ فما زلت حتى قلتها. وروي عن هند بنت الحارث قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن لعائشة مني شُعْبة ما نزلها أحد، فلما تزوج أم سلمة سئل: ما فعلت الشعبة؟ فسكت، فعرف أن أم سلمة قد نزلت عنده وروي عن عائشة أنها قالت: لما تزوج النبي ﷺ أم سلمة حزنت حُزنًا شديدًا لما ذكر لنا في جمالها. قالت: فتلطفت لها حتى رأيتها، فرأيتها أضعاف ما وصف لي في الحسن والجمال، فقلت: إن هذا إلا المغيرة، فتلطفت لها حفصة حتى رأتها، فقالت لي: لا والله ما هي كما تقولين، وإنها لجميلة. قالت: فرأيتها بعد فكانت كما قالت حفصة. روت عن النبي ﷺ ، وأبي سلمة. وروى عنها أولادها عمر وزينب ومكاتِبُها نَبْهان، وأخوها عامر بن أبي أميّة وابن عباس، وعائشة، وأبو سعيد الخُدْرِيّ وغيرهم. قال الواقدي: توفيت في شوال سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، ولها أربع وثمانون سنة. كذا قال، وليس بجيد، ففي صحيح مسلم أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وعبد الله بن صفوان دخلا على أم سلمة في ولاية يزيد بن معاوية، وسألاها عن "الجيش الذي يخسف به" الحديث، وكانت ولاية يزيد بعد أبيه في سنة ستين. وقال ابن حبان: ماتت في سنة إحدى وستين بعدما جاءها الخبر بقتل الحسين بن علي، وهذا أقرب. قاله ابن حجر. وقال محاربُ بن دِثار: أوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وكان أمير المدينة يومئذ مروان بن الحكم. وقيل: الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. قال ابن حجر: والثاني أقرب؛ لأن سعيد بن زيد مات قبل تاريخ موت أم سلمة على الأقوال كلها، فكأنها كانت أوصت بأن يصلي عليها في مرضة مرضتها، ثم عوفيت، ومات سعيد قبلها. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، وفيه ثلاثة من

стр. 1557

التابعين في نسق، وفيه رواية صحابية عن صحابية، على قول من قال إن هندًا صحابية، وليس بصحيح. وفيه رواية الأقران في موضعين: أحدهما ابن عُيينة عن معمر، والثاني عمرو ويحيى عن الزُّهْرِيّ، وعمرو بالجر عطف على معمر، فابن عيينة يروي عن معمر، وعمرو ويحيى، والثلاثة تروي عن الزهري. ويجوز الرفع في عمرو، وروي به، ووجهه أن يكون استئنافًا وقد جرت عادة ابن عُيينة أن يحدث بحذف صيغة الأداء، ويحيى عطف على عمرو في الوجهين. وقد روى الحُميدي هذا الحديث في مسنده عن ابن عُيينة قال: حدثنا معمر عن الزُّهرِيّ، قال: وحدثنا عمرو ويحيى بن سعيد عن الزُّهريّ، فصرح بالتحديث عن الثلاثة. أخرجه البخاريُّ هنا، وفي صلاة الليل، وفي اللباس، وفي علامات النبوءة، وفي موضعين من كتاب الأدب، وفي الفتن، وهو مما انفرد به عن مسلم، وأخرجه التِّرْمِذيّ في الفتن، وقال: صحيح. وأخرجه مالك عن ابن شهاب مرسلًا. ثم قال المصنف: باب السمر في العلم في رواية أبي ذر بإضافة باب إلى "المسمر"، وفي رواية غيره بابٌ السمر في العلم، بتنوين باب، أي هذا باب، والسمر بالتحريك معناه الحديث بالليل قبل النوم. وقيل: الصواب إسكان الميم، لأنه اسم الفعل، وأما بالفتح فهو اعتماد السمر للمحادثة، وأصله من لون ضوء القمر؛ لأنهم كانوا يتحدثون فيه، وبتفسير السمر هنا يظهر الفرق بين هذه الترجمة، والتي قبلها لأن الأولى في مطلق الليل.

стр. 1558

الحديث الثامن والخمسون حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ". قوله "صلى بنا" في روايته "لنا" أي إماما في الروايتين، وإلا فالصلاة لله لا لهم، وقوله "العشاء" بكسر العين والمد، أي صلاة العشاء. وقوله "في آخر حياته" مقيدًا في رواية جابر أن ذلك كان قبل موته ﵊ بشهر. وقوله "أرأيتكم ليلتكم هذه" هو بفتح المثناة، لأنها ضمير الخطاب، والكاف ضمير ثان لا محل له من الإعراب، والهمزة الأولى للاستفهام التقريريّ، أي قد رأيتم ذلك فأخبروني. فأرأيتكم بمعنى أخبروني. وهو من إطلاق السبب على المسيِّب؛ لأن مشاهدة هذه الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، فقد قال الزَّمَخْشَرِيّ: إن أرأيتكم ترد للاستخبار، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠] الَآية، فالمعنى: أخبروني، ومتعلق الاستخبار محذوف تقديره من تدعون ثم بكَّتهم، فقال: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] وقيل: إن الهمزة الأولى للاستفهام، والرؤية بمعنى العلم أو البَصر، والمعنى أعلمتم أو أبصرتم ليلتكم، وهي منصوبة على المفعولية، والجواب محذوف تقديره: قالوا: نعم، قال: فاضبطوها، أي: هل تدرون ما يحدث بعدها من الأمور العجيبة؟ ولا يستعمل هذا اللفظ إلا في الإخبار عن حال عجيبة.

стр. 1559

وقوله "فإن رأس مئة سنة منها" في رواية الأصيلي "فإن على رأس" أي عند انتهاء مئة سنة. وقوله "منها" فيه دليل على أن من تكون لابتداء الغاية في الزمان، لقول الكوفيين. وقد رد ذلك تجاه البصريين وأوَّلوا ما ورد من شواهده، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] وقول أنس: مازلت أحب الدُّبَّاء من حينئذ. وقوله "مُطرنا من يوم الجمعة إلى يومِ الجمعة". وقوله "لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد" يعني موجودًا اليوم، وقد ثبت هذا التقدير في رواية شُعيب عن الزُّهري عند المصنف في الصلاة، ولفظه هناك "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد"، قال ابن عمر: يريد أنها تَخْرمُ ذلك القرن، فبيّن ابن عمر أن مراده ﵊، أن عند انقضاء مئة سنة من مقالته تلك ينخرم ذلك القرن، فلا يبقى أحد ممن كان موجودًا حال تلك المقالة، وكذلك وقع بالاستقراء، فكان آخر من ضبط أمره ممن كان موجودًا حينئذ أبو الطُّفيل عامر بن واثلة، وقد أجمع أهل الحديث على أنه آخر الصحابة موتًا، وغاية ما قيل فيه أنه بقي إلى سنة عشر ومئة، وهي رأس مئة سنة من مقالة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. قال ابن بطّال: إنما أراد النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، أن هذه المدة تخترم الجيل الذي هم فيه، فوعظهم بقصر أعمارهم، وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأمم، ليجتهدوا في العبادة. وقال النووي: المراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعد هذه الليلة أكثر من مئة سنة، سواء قل عمره قبل ذلك أم لا. وليس فيه نفي حياة أحد يولد بعد تلك الليلة مئة سنة. وقال النّوويّ وغيره: احتج البخاريّ، ومن قال بقوله، بهذا الحديث على موت الخِضْر. والجمهور على خلافه، وأجابوا عنه بأن الخضر كان حينئذ من ساكني البحر، فلم يدخل في الحديث. قالوا: ومعنى الحديث: لا يبقى ممن ترونه أو تعرفونه، فهو عامٌ أريد به الخصوص. وقيل احترز بالأرض عن الملائكة، وقالوا: خرج عيسى من

стр. 1560

ذلك، وهو حي لأنه في السماء لا في الأرض، وخرج إبليس؛ لأنه على الماء أو الهواء، وقيل إن "أل" في الأرض عهدية، والمراد بها أرضه التي بها نشأ ومنها بعث، كجزيرة العرب المشتملة على الحجاز وتهامة ونجد، فهو على حد قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] أي بعض الأرض التي صدرت الجناية فيها، "فأل" ليست للاستغراق، وبهذا يندفع الاستدلال بالحديث على موت الخِضر، لأن الخضر يحتمل أن يكون حينئذ في غير هذه الأرض المعهودة. وأما من قال: المراد أمةُ محمد سواء، أمة الإِجابة وأمة الدعوة، وخرج عيسى والخِضر؛ لأنهما ليسا من أمته فهو قول ضعيف لأن عيسى يحكم بشريعته فيكون من أمته. والقول في الخضر إن كان حيًا كالقول في عيسى. رجاله سبعة: الأول سعيد بن عُفير، وقد مر في الحديث الثالث عشر من كتاب العلم. الثاني الليث بن سعيد، ومر أيضًا في الحديث الثالث من بدء الوحي. الثالث: عبد الرحمن بن خالد بن مُسافر الفَهميّ أبو خالد، ويقال أبو الوليد مولى الليث بن سعد أمير مصر لهشام بن عبد الملك، كانت ولايته عليها سنة ثمان عشرة ومئة، وعزل عنها بعد سنة. روى عن الزُّهرْيّ، وروى عنه الليث ويحيى بن أيّوب. قال ابن معين: كان على مصر، وكان عنده من الزُّهري كتاب فيه مئتا حديث أو ثلاث مئة كان الليث يحدث عنه بها. وكان جده شهد فتح بيت المقدس مع عمر. ذكره ابن حبّان في الثقات، وثَّقة العِجْليّ والنَّسائيّ والذُّهْلِيّ والدارقطنيّ. وقرنه النَّسائي بابن أبي ذيب من أصحاب الزُّهريّ. وقال أبو حاتم: صالح. وقال زكرياء السَّاجيّ: صدوق عندهم، ولهَ مناكير، احتج به الجماعة إلاَّ الترمذيّ. واستشهد به مسلم في حديث "أرأيتكم ليلتكم هذه" الخ. مات سنة سبع وعشرين ومئة. والفهمي في نسبه مر في الثالث من بدء الوحي.

стр. 1561

الرابع: محمد بن مسلم، وقد مر في الحديث السابع عشر من كتاب الإيمان. ومر تعريف عبد الله بن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. وأما أبو بكر فهو أبو بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة، بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة، واسم أبي حثمة عبد الله بن حُذَيفة بن غانم بن عبد الله بن عُوَيج بن عَدِيّ بن كعب القُرَشِيّ العَدَويّ. قال ابن عبد البَرّ: أبو بكر هذا ليس له اسم. روى عن جدته الشفاء وسعيد بن زيد، وروى عنه ابن المُنْكدر والزُّهْرِيّ، وقال: هو من علماء قريش، وقال ابن حبان: ثقة. أخرج له البخاريّ هذا الحديث خاصة مقرونًا بسالم كما ترى ومسلم غير مقرون، أخرجوا له إلا ابن ماجه، وليس له عند مسلم والتِّرمْذِيّ سوى هذا الحديث أيضًا، والعدوي في نسبه مر في الأول من بدء الوحي. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، وفيه أربعة من التابعين، وهم عبد الرحمن وابن شهاب وسالم وأبو بكر، وليس له عند البخاريّ غير هذا الحديث المقرون فيه، أخرجه البخاريّ هنا، وفي الصلاة أيضًا، ومسلم في الفضائل.

стр. 1562

الحديث التاسع والخمسون حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ فِى بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِه، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: "نَامَ الْغُلَيِّمُ" أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ. قوله "فصلى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، العشاء، ثم جاء إلى منزله" يعني بيت ميمونة، أم المؤمنين، وقوله "فصلى أربع ركعات" الفاء فيه للتعقيب، وقوله "نام الغُليم" بضم المعجمة، وهو من تصغير الشفقة، والمراد به ابن عباس، ويحتمل أن يكون ذلك إخباراً منه ﵊ بنومه، أو استفهامًا بحذف الهمزة. وقوله "أو كلمة تشبهها" بالشك من الراوي، والمراد بالكلمة الجملة، ككلمة الشهادة، وفي رواية "نام الغلام". وقوله "فقمت عن يساره" بفتح الياء وكسرها، شبهوها في الكسر بالشمال، وليس في كلامهم كلمة مكسورة الياء إلا هذه، وحكى تشديد السين، لغة عن ابن عبّاد. وقوله "ثم صلى ركعتين" أي ركعتي الفجر، وأغرب الكرماني فقال: إنما فصل بينهما وبين الخمس، ولم يقل سبع ركعات؛ لأن الخمس اقتدى ابن عباس به فيها، بخلاف الركعتين، أو لأن الخمس بسلام، والركعتين بسلام آخر. وكأنه ظن أن الركعتين من جملة صلاة الليل، وهو محتمل، لكنّ حملها على سنة الفجر أولى، ليحصل الختم بالوتر.

стр. 1563

وقوله "حتى سمعت غَطيطه" بفتح الغين المعجمة، وكسر المهملة الأولى، وهو صوت نفس النائم عند استثقاله، وفي العبادة وغطيط النائم والمخنوق، نخيرهما. وقوله "أو خَطيطه" بفتح الخاء المعجمة وكسر المهملة، شك من الراوي، وهو بمعنى الأول. وقال ابن بطّال: لم أجده بالخاء المعجمة عند أهل اللغة، وتبعه القاضي عياض، وقد نقل ابن الأثير عن أهل الغريب أنه دون الغطيط. وقوله "ثم خرج إلى الصلاة" أي لم يتوضأ؛ لأن من خصائصه أن نومه مضطجعًا لا ينقض وضوءه؛ لأن عينيه تنامان ولا ينام قلبه، كما في البخاري وغيره. ولا يقال إنه معارض بحديث نومه ﵊ في الوادي إلى أن طلعت الشمس؛ لأنه مجاب عنه بأجوبة، قال النوويّ: له جوابان: أحدهما أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به، كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك ما يتعلق بالعين لأنها نائمة، والقلب يقظان. الثاني أنه كان له حالان: حال كان قلبه لا ينام وهو الأغلب، وحال ينام فيه قلبه، وهو نادر، فصادف هذا قصة النوم عن الصلاة. قال: والصحيح المعتمد هو الأول، والثاني ضعيف. ولا يقال القلب، وإن كان لا يدرك ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلًا، لكنه يدرك إذا كان يقظانًا مرور الوقت الطويل، فإنّ من ابتداء طلوع الفجر إلى أن حميت الشمس مدة طويلة، لا تخفى على من لم يكن مستغرقًا؛ لأنّا نقول: يحتمل أن يقال: كان قلبه صلى الله تعالى عليه وسلم إذ ذاك مستغرقًا بالوحي، ولا يلزم مع ذلك وصفه بالنوم، كما كان يستغرق صلى الله تعالى عليه وسلم حالة إلقاء الوحي إليه في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك بيان التشريع بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس كما في قضية سهوه في الصلاة. وقريب من هذا جواب ابن المنير: إن القلب قد يحصل له السهو في اليقظة، لمصلحة التشريع، ففي النوم بطريق الأولى أو على السواء، وقد أجيب بأجوبة أخرى ضعيفة منها: أن معنى قوله "لا ينام قلبي" أي: لا

стр. 1564

يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه، ومنها أن معناه لا يستغرق بالنوم حتى يوجد منه الحدث، وهذا قريب من الذي قبله، قال ابن دقيق العيد: كأنّ قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإدراك حالة الانتقاض، وذلك بعيد لأن قوله ﵊ "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي" خرج جوابًا عن قول عائشة "أتنام قبل أنْ توتر"، وهذا كلام لا تعلق له بانتقاض الطهارة الذي تكلموا فيه، وإنما هو جواب يتعلق بأمر الوتر، فتحمل يقظته على تعلق القلب باليقظة للوتر، وفرق بين من شرع في النوم مطمئن القلب به، ومن شرع فيه متعلقًا باليقظة، قال: فعلى هذا فلا تعارض ولا إشكال الذي حديث النوم "حتى طلعت الشمس" لأنه يحمل على أنه اطمأن في نومه لما أوجبه تعب السير، معتمدًا على من وكَّله بكلاءَة الفجر. ومحصله تخصيص اليقظة المفهومة من قوله "ولا ينام قلبي" بإدراكه وقت الفجر إدراكًا معنويًا، لتعلقه به، وإن نومه في حديث ليلة الوادي كان نومًا مستغرقًا، ويؤيده قول بلال له: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، كما في حديث أبي هُريرة عند مسلم، ولم ينكره عليه، ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقًا، قلت: قوله إن سؤال عائشة لا تعلق له بانتقاض الطهارة. فيه نظر؛ لأنها إنما سألته عن نومه عن الوتر، لعلمها بأن النوم مبطل للوضوء، فأفادها بما ذكر أنَّ قلبه لا ينام حتى يحصل منه ما ينقض الوضوء، وهذا الذي أفادها به لم تكن عالمة به قبل ذلك، ثم قال الذي "الفتح": وقد اعترض عليه بان ما قاله يقتضي اعتبار خصوص السبب، وأجاب بأنه يعتبر إذا قامت عليه قرينة، وأرشد إليه السياق، وهو هنا كذلك. ومن الأجوبة الضعيفة قول من قال: كان قلبه يقظان، وعلم بخروج الوقت لكن ترك إعلامهم بذلك عمدًا، لمصلحة التشريع. وقول من قال: المراد بنفي النوم عن قلبه أنه لا يطرأ عليه أضغاث أحلام، كما يطرأ على غيره، بل كل ما يراه في نومه حق ووحي. وأقرب الأجوبة إلى الصواب الأول على ما قررا، واعلم أن حديث ابن عمر مناسب للترجمة لقوله فيه

стр. 1565

"قام فقال أرأيتكم" ... إلخ، بعد قوله "صلى العشاء"، وأما حديث ابن عباس فلم تظهر فيه مناسبة للباب. وقال ابن المنير ومن تبعه: يحتمل أن يريد أن أصل السمر يثبت بهذه الكلمة، وهي قوله "نام الغليم"، ويحتمل أن يريد ارتقاب ابن عباس لأحوال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. ولا فرق بين التعليم من القول والتعليم من الفعل، فقد سمر ابن عباس ليلته في طلب العلم زاد الكرمانى: أو ما يفهم من جعله إياه عن يمينه كأنه قال له: قف عن يميني، فقال: وقفت. وتعقب هذا بأن المتكلم بالكلمة الواحدة لا يسمى سامرًا، وبأن صنيع ابن عباس يسمى سَهَرًا، لا سمرًا؛ لأن السمر لا يكون إلا عن تحدث، وأجيب بأن حقيقة السمر التحدث بالليل، ويصدق بكلمة واحدة، ولم يشترط أحد التعدد، وكما يطلق السمر على القول، يطلق على الفعل، بدليل قولهم: سمر القومُ الخمر إذا شربوها ليلًا، وقال الكرمانيّ تبعًا لغيره: يحتمل أن يكون مراد البخاري أن الأقارب إذا اجتمعوا لابد أن يجري بينهم حديث للمؤانسة، وحديثه ﵊ كله علم وفوائد، وأجاب في "الفتح" بأن مناسبة الحديث للترجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه، من طريق أخرى وهذا يفعله البخاري كثيرًا، يريد به تنبيه الناظر في كتابه على الاعتناء بتتبع طرق الحديث، والنظر في مواقع ألفاظ الرواة؛ لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن. والحديث هو ما أخرجه البخاري في التفسير عن ابن عباس قال: "بتُّ في بيت ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة، ثم رقد" الحديث، فهذا الحديث يدل صريحًا على حقيقة السمر بعد العشاء، فإن قيل: هذا إنما يدل على السمر مع الأهل لا في العلم، فالجواب أنه يلحق به، والجامع تحصيل الفائدة، أو هو بدليل الفحوى؛ لأنه إذا شرع في المباح ففي المستحب من طريق الأولى. قلت: وهذا الجواب هو أحسن الأجوبة، واعتراض العيني عليه ساقطٌ، وما استبعده غير بعيد، ويكفي في الجواب عنه ما مر من أنَّ

стр. 1566

البخاريَّ كثيرًا ما يفعله لما مر، وما قال من أنّ هذا ليس فيه تفسير للحديث يقال فيه إن هذا فيه تفسير له؛ لأن تراجم البخاري من الحديث، وهو تفسير لها، ومبين أيضًا لمناسبة الحديث لها. ويدخل في هذا الباب حديث أنس عند المصنف في كتاب الصلاة أن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، "خطبهم بعد العشاء" وحديثه عنده أيضًا في المناقب، في قصة أسِيد بن حُضَير، وحديث عمر "كان النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين". أخرجه التَّرمِذيّ والنَّسائِيّ. ورجاله ثقات، وهو صريح في المقصود، إلا أن في إسناده اختلافًا على علقمة، فلذلك لم يصح على شرطه، وحديث عبد الله بن عمرو"كان نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، لا يقوم إلا إلى عظيم صلاة" رواه أبو داود وصحّحه ابن خزَيمة، وليس على شرط البخاريّ. وأما حديث "الأسمر إلا لمصل أو مسافر" فهو عند أحمد بسند فيه راو مجهول، وعلى تقدير ثبوته، فالسمر في العلم يلحق بالسمر في الصلاة نافلة، وقد سمر عمر مع أبي موسى في مذاكرة الفقه، فقال أبو موسى: الصلاة، فقال عمر: إنّا في صلاة. وفي الحديث طرق غير هذه، ويستفاد منه باعتبار طرقه، ملاطفة الصغير والقريب والضيف، وحسن المعاشرة للأهل، والرد على من يؤثر دوام الانقباض، وفيه مبيت الصغير عند محرمه، وإن كان زوجها عندها، وجواز الاضطجاع مع المرأة الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير، وإن كان مميزًا، بل وإن كان مراهقًا، وفيه صحة صلاة الصبيّ، وجواز فتل أذنه لتأنيه وإيقاظه. وقد قيل إن المتعلم إذا تعود بفتل أذنه كان أذَكى لفهمه، وفيه حمل أفعاله، صلى الله تعالى عليه وسلم، على الاقتداء به، وجواز التصغير، والذكر بالصفة في قوله "نام الغليم"، وبيان فضل ابن عباس، وقوة فهمه وحرصه على تعلم أمر الدين، وحسن تأنيه في ذلك.

стр. 1567

رجاله خمسة: وفيه ذكر ميمونة بنت الحارث، الأول آدم بن أبي إياس، والثاني شعبة بن الحجاج، وقد مر تعريفهما في الحديث الثالث من كتاب الإيمان، والرابع سعيد بن جُبَير، والخامس عبد الله بن عباس، مر تعريفهما في الحديث الخامس من بدء الوحي. والثالث: الحكم بن عُتَيْبة، بالتصغير، كنيته أبو عبد الله، وقيل أبو عمر، وقيل أبو محمد، الكِنْديّ، مولاهم، مولى عَدِيّ بن عَدِيّ الكِنْديّ، ويقال: مولى امرأة من كندة، وليس هو الحكم بن عُتيبة بن النَّهَّاسي. روى عن أبي جُحَيفة، وزيد بن أرقم، وقيل لم يسمع منه. وعبد الله بن أبي أوفى، وهؤلاء صحابة، وعن شريح القاضي وقيس بن أبي حازم، وموسى بن أبي طلحة، وسعيد بن جبير، ومجاهد وعطاء، وطاووس وغيرهم. وروى عنه الأعمش، ومنصور، ومحمد بن جحادة، وأبو إسحاق السَّبِيعي، وقتادة وغيرهم. قال يحيى بن أبي كثير وعَبَدَة بن أبي لُبَابة: ما بين لابتيها أفقه من الحكم. وقال مجاهد بن روميّ: رأيت الحكم في مسجد الخِيف، وعلماء الناس عيال عليه. وقال جرير عن مغيرة: كان الحَكَمُ إذا قدم المدينة أخلوا له سارية النبي، ﷺ ، يصلي إليها. وقال عباس الدُّوْرِيّ: كان صاحب عبادة وفضل. وقال ابن عُيَينة: ما كان بالكوفة بعد إبراهيم والشَّعْبِيّ مثل الحَكم وحمّاد، وقال ابن مَهْديّ: الحكم ثقة ثبت، ولكن يختلف معنى حديثه. وقال أحمد: أثبت أصحاب إبراهيم الحكم، ثم ابن منصور. وقال ابن مَعين وأبو حاتم والعِجْليّ والنَّسائيّ: ثقة، زاد النّسائي: ثبت، وزاد العجليّ: كان من فقهاء أصحاب إبراهيم، وكان صاحب سنة واتِّباع، وكان فيه تشيُّع، إلا أنه لم يظهر منه. وقال يعقوب بن سفيان: كان فقيهاً ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة ثقة فقيهًا عالمًا، رفيعًا كثير الحديث. وقال ابن حبان في الثقات: كان يُدَلِّس، وسنُّه سن إبراهيم النخعيّ. مات سنة أربع عشرة وقيل خمس عشرة ومئة. روى

стр. 1568

له الجماعة. والكِنْدي في نسبه مر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. وأما ميمونة، فهي ميمونة بنت الحارث بن حَزْن بن بُجَير بن الهَرِم بن رُوَيْبيَة بن عبد الله بن هِلال بن عامر بن صَعْصَعَة بن مُعاوية بن بكر بن هَوازن بن منصور بن عِكْرمة بن خَصَفَة بن قيس بن غَيلان بن مُضر الهلالية، زوج النبي ﷺ ، وأمها هند بنت عوف بن زُهير بن حَمَاطة من حِمْير، وقيل من كنانة. وأخوات ميمونة لأبيها وأمها أُمُّ الفضل لُبَابَةُ الكبرى بنت الحارث، زوج العباس بن عبد المطلب، ولُبَابة الصّغرى بنت الحارث، زوج الوليد بن المغيرة المخزوميّ، وهي أم خالد بن الوليد، وعَصْماء بنت الحارث، كانت تحت أبيّ بن خلف الجُمَحِيّ، فولدت له أبانًا وغيره، وعزَّة بنت الحارث بن حَزْن، كانت تحت زياد بن عبد الله بن مالك الهلاليّ، فهؤلاء أخوات ميمونة لأب وأم، وأمهن هند بنت عوف. وأخوات ميمونة لأمها أسماء بنت عُمَيس، كانت تحت جعفر بن أبي طالب، فولدت له عبد الله وعونًا ومحمدًا، ثم خلف عليها أبو بكر الصديق فولدت له محمدًا، ثم خلف عليها علي بن أبي طالب، فولدت له يحيى، وقد قيل إن أسماء بنت عُمَيس كانت تحت حمزة، قيل: ولا يصح، وسلمى بنت عُميس الخَثْعَمية أخت أسماء، كانت تحت حمزة بن عبد المطلب، فولدت له أمة الله بنت حمزة، ثم خلف عليها بعده شداد بن أسامة بن الهادي اللَّيْثّي، فولدت له عبد الله وعبد الرحمن. وسلامة بنت عُميس أخت أسماء وسَلمى، كانت تحت عبد الله بن كعب بن مُنَبِّه الخَثْعَمِيّ. وزينب بنت خُزَيمة أُخت ميمونة لأُمها. كان اسم ميمونة بُرَّة فسماها رسول الله ﷺ ميمونة. وقال أبو عُبيدَة: لما فرغ رسول الله ﷺ ، من خيبر توجه إلى مكة معتمرًا، سنة سبع، وقدم عليه جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، فخطب عليه ميمونة بنت الحارث الهلالية، وكانت أختها لأمها

стр. 1569

أسماء بنت عُمَيس عند جعفر، وسلمى بنت عميس عند حمزة، وأم الفضل عند العباس، فأجابت جعفر بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ ، وجعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها النبي ﷺ ، وهو محرم، فلما رجع بني بها بسرَفٍ حلالًا، وكانت قبله عند أبي رهِم بن عبد العُزَّى بن أبي قيس بن عبدودّ بن مضربن مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ. وقال: يقال: بل عند سَبْرَة بن أبي رهِم. قال: وماتت بسرفٍ. هذا كله قول أبي عبيدة. وقيل: إنها كانت عند حُوَيْطب بن عبد العُزّى، وقيل: إنها هي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] الآية. وعن شُرَحبيل بن سعد قال: لقي العباس بن عبد المطلب النبيّ ﷺ بالجحفة، حين اعتمر عمرة القضاء، فقال: يا رسول الله تأَيَّمَتْ ميمونة بنت الحارث بن حَزْن، هل لك في أن تتزوجها؟ فتزوجها رسول الله ﷺ وهو محِرم، فلما قدم مكة، أقام ثلاثًا، فجاءه سهُيل بن عمرو في نفر من أصحابه من أهل مكة، فقال: يا محمد، أخرج عنّا، فقال له سعد: يا عاضَّ بَظْرِ أُمِّهِ أرضك وأرض أمك؟ نحن دونه، لا يخرج رسول الله ﷺ ، إلا أن يشاء، فقال له رسول الله ﷺ : دعهم فإنهم زارونا، لا نؤذيهم، فخرج فبنى بها بسَرف. واختلف الفقهاء هل كان نكاحه لها في حال إحرامه أم وهو حل. وعن يزيد بن الأصَمّ قال: تلقينا عائشة من مكة أنا وابن طلحة من أختها، وقد وقفتا على حائط من حيطان المدينة، فأصبنا منه فبلغها ذلك، فأقبلت على ابن أُختها تلومه، ثم أقبلت عليَّ فوعظتني موعظة بليغة، ثم قالت: أما علمت أن الله تعالى ساقك حتى جعلك في بيت من بيوت نبيه. ذهبت، والله ميمونة، ورمى بحبلك على غاربك، أما إنها كانت من أتقانا لله، وأوصلنا للرحم.

стр. 1570

وروي عن ميمون بن مِهران: سالت صفيّة بنت شَيْبَةَ فقالت: تزوج رسول الله، ﷺ ، ميمونة بسَرفٍ، وبنى بها في قبة لها، وماتت بسرف. ودفنت في موضع قبتها. وكانت وفاتها سنة ست وستين، وقيل سنة ثلاث وستين. وصلى عليها ابن عباس، ودخل قبرها هو ويزيد بن الأَصَمّ، وعبد الله بن شدّاد بن الهادي، وهم بنو أخواتها، وعبيد الله الخَوْلانيّ، وكان يتيمًا في حِجْرها. والهلالية في نسبها نسبة إلى هِلال بن عامر المذكور في نسبها، وقد مر في الثاني والعشرين من كتاب الإيمان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ورواته كلهم أئمة أجلاء، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والحكم من التابعين الصغار، وأخرجه المؤلف هنا، وفي الصلاة، عن سليمان، وفي مواضع من كتابه عن كَريب وعطاء. وأبو داود في الصلاة، والنَّسائي فيها أيضًا. ثم قال المصنف: باب حفظ العلم لم يذكر في الباب شيئًا عن غير أبي هريرة، وذلك لأنه كان أحفظ الصحابة للحديث، قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في عصره، وقد كان ابن عمر يترحَّم عليه في جنازته، ويقول: كان يحفظ على المسلمين حديث النبيّ ﷺ ، رواه ابن سعد. وقد دل الحديث الثالث من الباب على أنه لم يحدِّث بجميع محفوظه، ومع ذلك فالموجود من حديثه أكثر من الموجود من حديث غيره من المكثرين، ولا يعارض هذا ما مر من تقديمه عبد الله بن عمر على نفسه في كثرة الحديث، لما تقدم من الجواب عنه.

стр. 1571

الحديث الستون حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلاَ آيَتَانِ فِى كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وِإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِى أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لاَ يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لاَ يَحْفَظُونَ. قوله "أكثر أبو هريرة" أي: من الحديث، كما صرح به في البيوع، وله فيها، وفي المزارعة. ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه؟. وبهذه الزيادة تبين الحكمة في ذكره المهاجرين والأنصار، ووضعه المُظْهر موضع المُضْمر على طريق الحكاية، حيث قال: أكثر أبو هريرة، ولم يقل أكثرت، وقوله "ولولا آيتان" مقول قال، لا مقول يقولون، وقوله "ثم يتلو" مقول الأعرج، وذكره بلفظ المضارع استحضارًا لصورة التلاوة، ومعناه: لولا أن الله ذم الكاتمين للعلم ما حدّث أصلًا، لكن لما كان الكتمان حرامًا، وجب الإظهار، فلهذا حصلت الكثرة، لكثرة ما عنده. والكتمان هو ترك إظهار الشيء مع مساس الحاجة إليه، وتحقق الداعي إلى إظهاره، ثم بين سبب الكثرة بقوله "إن إخواننا" جمع أخ، ولم يقل "إخوانه" بضمير الغيبة، لقصد الالتفات، وعدل عن الإفراد إلى الجمع لقصد نفسه وأمثاله من أهل الصُّفَّة، وحذف العاطف لجعله جملة استئنافية للإكثار جوابًا للسؤال عنه، والمراد إخوة الإِسلام. وقوله "من المهاجرين" أي: الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وقوله

стр. 1572

"كان يَشْغَلُهم" بفتح أوله وثالثه من الثلاثي، وحكي ضم أوله من الرباعي، وهو شاذ. وقوله "الصفق بالأسواق" هو بفتح الصاد وإسكان الفاء، كناية عن التبايع؛ لأنهم كانوا يضربون فيه يدًا بيد عن المعاقدة، وسميت السوق لقيام الناس فيها على سوقهم، وقوله "العمل في أموالهم" أي: القيام على مصالح زرعهم. ولمسلم "كان يشغلهم عمل أراضيهم" ولابن سعد "كان يشغلهم القيام على أراضيهم". وقوله "وإن أبا هُريرة" فيه التفات، إذ كان نسق الكلام أن يقول: وإني. وقوله "لشبَع بطنه" في رواية الأربعة باللام، وللأصيلي بالباء الموحدة، وكلاهما للتعليل، أي لأجل بطنه، والشبع بكسر الشين وفتح الموحدة، وعن ابن دُرَيد إسكانها، وعن غيره الِإسكان. اسم لما أشبعك من الشيء، ولابن عساكر "ليشبع بطنه" بلام كي، ويشبع بصورة المضارع المنصوب، والمعنى: أنه كان يلازم قانعًا بالقوت، لا يتجر ولا يزرع. وقوله "ويحضر ما لا يحضرون" أي من أحواله ﵊؛ لأنه يشاهد ما لا يشاهدون. وقوله "ويحفظ ما لا تحفظون" أي: من الأقوال؛ لأنه يسمع ما لا تسمعون، وهما معطوفان على قوله يلزم. وقد روى البخاري في "التاريخ"، والحاكم في "المستدرك" عن طلحة بن عُبيد الله أنه قال: لا أشك أنه سمع من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ما لا نسمع، وذلك أنه كان مسكينًا لا شىء له، ضيفًا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذا شاهد لحديث أبي هريرة، وأخرج البخاري في التاريخ أيضًا، والبَيْهَقِيّ في "المدخل" عن محمد بن عمارة بن حَزم أنه قعد في مجلس فيه مشيخة من الصحابة بضعة عشر رجلًا، فجعل أبو هريرة يحدثهم بالحديث عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلا يعرفه بعضهم، فيراجعون فيه حتى يعرفوه، ثم يحدثهم بالحديث كذلك، حتى فعل مرارًا، فعرفت يومئذٍ أن أبا هُريرة أحفظ الناس. وأخرج أحمد والتِّرْمِذِيّ عن ابن

стр. 1573

عِمر أنه قال لأبي هريرة: كنتَ ألزمنا لرسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وأعرفنا بحديثه. قال التِّرْمِذيّ: حسن. رجاله خمسة: الأول عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى، مر تعريفه في الحديث الأربعين من كتاب العلم. الثاني الإمام مالك، مر في الحديث الثاني من بدء الوحي، ومرّ ابن شهاب في الحديث الرابع منه أيضًا. ومر تعريف الأعرج عبد الرحمن بن هرْمُز في الحديث السابع من كتاب الإِيمان، ومر تعريف أبي هريرة في الحديث الثاني منه أيضًا. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، والعنعنة، ورواته كلهم مدنيّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، أخرجه البخاريُّ أيضًا في المزارعة والاعتصام، ومسلم في الفضائل، والنّسائي في العلم، وابن ماجه في السنة.

стр. 1574

الحديث الحادي والستون حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ. قَالَ: "ابْسُطْ رِدَاءَكَ" فَبَسَطْتُهُ. قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "ضُمُّهُ" فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ. قوله "قلت يا رسول الله" في رواية ابن عساكر "قلت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم". وقوله "حديثًا كثيرًا" صفة لقوله كثيرًا؛ لأنه اسم جنس، يقناول القليل والكثير، وقوله "أنساه" صفة ثانية لـ"حديثًا" والنسيان زوال علم سابق عن الحافظة والمدركة، والسهو زواله عن الحافظة فقط، ويفرق بينه وبين الخطأ بأن السهو ما ينتبه صاحبه بأدنى تنبيه، بخلاف الخطأ، وقوله "ابسط رداءك فبسطته" أي: لما قال: ابسط امتثلت أمره، فبسطته، وإلا فيلزم من عطف الخبر على الإنشاء، وهو مختلف فيه. وقوله: "فغرف بيديه" لم يذكر المغروف منه. وكأنها كانت إشارة محضة، وإنما كان الغرف من فيض فضل الله، فجعل الحفظ كالشيء الذي يغرف منه، ورمى به في ردائه، ومثل بذلك في عالم الحسّ، ثم قال "ضمه" أي قال ﵊ لأبي هريرة: ضمه إليك، بالهاء مع ضم الميم، تبعًا للضاد، وفتحها، وقيل يتعين الضم، لأجل ضمة الهاء، ويجوز كسرها، والضمير يرجع إلى الحديث، كما يدل عليه قوله في غير الصحيح "فغرف بيده" ثم قال "ضم الحديث"، وقوله "فما نسيت شيئًا" مقطوع عن الإضافة، مبنيٌ على الضم، وتنكير "شيئًا" بعد النفي ظاهر في العموم في عدم النسيان منه لكل شيء من الحديث وغيره. وفي رواية ابن عُيَيْنة "فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئًا سمعته منه". وفي رواية يونس عند مسلم "فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدثني به" وهذا يقتضي تخصيص عدم النسيان بالحديث.

стр. 1575

وفي رواية شعيب "فما نسيت من مقالته تلك من شيء". وهذا يقتضي عدم النسيان بتلك المقالة فقط، وقد صرح التِّرمْذِي في الجامع، وأبو نعيم في "الحلية" بتلك المقالة من طريق أخرى عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا مما فرض الله، فيتعلمهنَّ ويُعلِّمهنَّ إلا دخل الجنة" لكن سياق الكلام يقتضي ترجيح رواية يونس ومن وافقه؛ لأن أبا هُريرة نبه به على كثرة محفوظه من الحديث، فلا يصح حمله على تلك المقالة وحدها، ويحتمل أن تكون وقعت له قضيتان: فالتي رواها الزُّهْري مختصة بتلك المقالة، والتي رواها سعيد المَقْبَريّ عامة. وفي هذين الحديثين فضيلة ظاهرة لأبي هريرة، ومعجزة واضحة من علامات النبوة، لأن النسيان من لوازم الإنسان، وقد اعترف أبو هريرة بأنه كان يكثر منه، ثم تخلف عنه ببركته صلى الله تعالى عليه وسلم وفي "المستدرك" للحاكم عن زيد بن ثابت قال: كنت أنا وأبو هريرة وآخر، عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: ادعوا، فدعوت أنا وصاحبي، وأمَّنَ النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللَّهم إني أسألك مثل ما سألك صاحباي، وأسألك علمًا لا ينسى فأمَّن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقلنا: ونحن كذلك يا رسول الله، فقال: سبقكما الغلام الدَّوْسِيّ. وهذا الحديث أخرجه النَّسائِيّ بإسناد جيد، كما في الإصابة، بلفظ "إني أسألك ما سألك صاحباي، وأسألك علمًا لا ينسى" وفيه فقلنا: ونحن يا رسول الله نسألك علمًا لا ينسى ... الخ، ففي رواية النَّسائي سؤالُ العلم الذي لا ينسى من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وفي رواية الحاكم سؤاله من الله تعالى، والمخرج واحد، فتكون رواية الحاكم مفسرة لرواية النَّسائي، مبينة أن كل ما وقع سؤاله من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو غيره من المخلوقين، مما لا قدرة للمخلوق على إعطائه، كالعلم، إنما

стр. 1576

يراد من المسؤول التوجه إلى الله تعالى به فيه، وسؤاله هو له من الله تعالى، لا أن المخلوق مسؤول منه أن يعطي ما لا قدرة له عليه، ويكفي في جواز السؤال بهذه الصورة صدورها من الصحابة، وإقرار النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لهم على ذلك، خلافًا للطائفة الزائفة من الخوارج، القائلة إن هذا السؤال كفر أعاذنا الله تعالى مما ابتلاهم به. وفي الحديث الحث على حفظ العلم، وفيه أن التقلُّل من الدنيا أمكن لحفظه، وفيه فضيلة التكسب لمن له عيال، وفيه جواز إخبار المرء بما فيه من فضيلة إذا اضطر إلى ذلك وأمن من الإِعجاب. رجاله خمسة: الأول أحمد بن أبي بكر، واسم أبي بكر القاسم، وقيل زُرارة بن الحارث بن زُرَارة بن مُصْعَب بن عبد الرحمن بن عوف، أبو مُصْعب الزُّهْريّ العوْفي، قاضي المدينة، وعالمها، وهو أحد من حمل الموطأ عن مالَك، وروى عن الدَّراوَرْدِيّ وابن أبي حازم والمغيرة بن عبد الرحمن، وروى عنه الجماعة لكن النَّسائي روى عنه بواسطة خَيّاط السُّنَّة، وبَقيّ بن مَخْلَد وأبو زُرعة وغيرهم. قال الزبير بن بكّار: مات وهو فقيه المدينة غير مدافع، وقال صاحب الميزان: لا أدري ما معنى قول أبي خَيْثَمَة لابنه: لا تكتب عن أبي مصعب، واكتب عمن شئت، فيحتمل أن يكون مراده دخوله في القضاء أو إكثاره من الفتوى بالرأي. وقال الحاكم: كان فقيهًا متقشفًا عالمًا بمذاهب أهل المدينة، وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال ابن حزم: في موطئه زيادة على مئة حديث، وقدمه الدارقطنيّ في الموطأ على يحيى بن بُكَير. مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين، عن اثنتين وتسعين سنة، ولم يرو له مسلم إلا حديث أبي هريرة "السفر قطعة من العذاب". والزهرِيّ في نسبه نسبة إلى زُهْرَة بن كِلاب أبي بطن من قريش، منه أمنا آمنة الزهرية. الثاني: محمد بن إبراهيم بن دينار المَدنِيّ، أبو عبد الله الجُهني، ويقال الأنصاريّ. يقال: لقبه صَنْدَل. روى عن ابن أبي ذئب، وسلمة بن

стр. 1577

وَرْدان، ويزيد بن أبي عبيد، وابن عَجلان، وروى عنه ابن وهب، ويعقوب بن محمد الزُّهّري ويحيى بن إبراهيم بن أبي قَتِيلة وغيرهم. قال البخاريّ: معروف الحديث. وقال أبو حاتم: كان من فقهاء المدينة نحو مالك، وكان ثقة. وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال ابن عبد البرّ: كان مدار الفتوى في آخر زمان مالك على المغيرة بن عبد الرحمن ومحمد بن إبراهيم بن دينار وقال في موضع آخر: كان فقيهًا فاضلًا له بالعلم رواية وغاية. وقال الدارقطني: ثقة توفي سنة اثنتين وثمانين ومئة. والجهني في نسبه مرَّ في التاسع عشر من العلم. الثالث: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذِيب بكسر الذال المعجمة، القُرشيّ، العامريّ المدنيّ، الثقة، كبير الشأن، يكنى أبا الحارث، روى عن أخيه المغيرة، وخاله الحارث بن عبد الرحمن، وعبد الله بن السائب، وعكرمة مولى ابن عباس، ونافع مولى ابن عمر، والزُّهريّ، وسعيد المَقْبَرِيّ، وخلق. وروى عنه الثّوْرِيّ ومعمر، وهما من أقرانه، وسعد بن إبراهيم والوليد بن مسلم، وعبد الله بن نمير، وابن المبارك وغيرهم. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: كان ابن أبي ذِيب يشبَّه بسعيد بن المَسيّب. قيل لأحمد: خلف مثله ببلاده. قال: لا ولا بغيرها. وقال أحمد: ابن أبي ذيب كان يعد صدوقًا أفضل من مالك إلا أن مالكًا أشد تنقية للرجال منه كان ابن أبصب ذيب لا يبالي عمن يحدث عنه، وقال: كان رجلًا صالحًا، يأمر بالمعروف وقيل لأحمد: من أعلم، مالك أو ابن أبي ذيب؟ قال: ابن أبي ذيب أصلح في بدنه، وأورع، وأقوم بالحق من مالك عند السلاطين وقد دخل ابن أبي ذيب على أبي جعفر فلم يهبه أنْ قال له الحق، قال: الظلم فاشٍ ببابك. وأبو جعفر أبو جعفر. قيل له: ما تقول في حديثه. قال: كان ثقة صدوقًا رجلًا صالحًا ورعًا. وقال الشافعي: ما فاتني أحد فاسفت عليه ما أسفتُ على اللَّيْث وابن

стр. 1578

أبي ذيب وقال النّسائيّ: ثقة، وقال ابن مَعين: ابن أبي ذيب ثقة، وكل من روى عنه ثقة إلا أبا جابر البَيّاخي، وكل من روى عنه مالك ثقة، إلا عبد الكريم أبا أميّة. وقال يعقوب بن شَيْبة: ابن أبي ذيب ثقةٌ صدوق، غير أن روايته عن الزُّهرِيّ خاصةً، تكلم فيها بعضهم بالاضطراب، قال: وسمعت أحمد ويحيى يتناظران في ابن أبي ذيب، وعبد الله بن جعفر المخرميّ، فقدم أحمد المخرميَّ على ابن أبي ذيب، فقال يحيى: المخرميُّ شيخٌ وأَيْش روى من الحديث؟ وأطرى ابن أبي ذيب، وقدمه تقديمًا كثيراً. قال: فقلت لعلي بعد، أيهما أحب إليك؟ قال: ابن أبي ذيب. قال: وسألت عليًا عن سماعه من الزهْريّ، فقال: عرضٌ، قلت: وإن كان عرضًا كيف هو؟ قال: مقارب. وقال الواقديّ: كان ابن أبي ذيب أورع الناس، وأفضلهم وكانوا يرمونه بالقدر، وما كان قدريًا، لقد كان يتقي قولهم. ويعيبه، ولكنه كان رجلًا كريمًا يجلس إليه كل أحد، وكان يصلي الليل أجمع، ويجتهد في العبادة. وأخبرني أخوه أنه كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان شديد الحال، وكان من أشد الناس صرامة وقولًا بالحق، وكان يحفظ حديثه، لم يكن له كتاب، وقال أحمد بن عليّ الأبَّار: سألتُ مصعب بن الزبير عن ابن أبي ذيب، وقلت له: حدثوني عن أبي عاصم أنه كان قدريًا، فقال: معاذ الله إنما كان في زمن المهديّ، قد أخذوا أهل القدر، فجاء قوم فجلسوا إليه فاعتصموا به، فقال قوم: إنما جلسوا إليه لأنه يرى القدر. ودخل ابن أبي ذيب على عبد الصمد بن عليّ، فكلمه في شيء فقال له: إني لأحسبك مُرائيًا، فأخذ عودًا من الأرض وقال: من أرائي؟ فوالله للناسُ عندي أهون من هذا، قال: وكان ابن أبي ذيب يفتي بالمدينة، وكان عالمًا ثقة فقيهًا ورعًا عابدًا فاضلًا، وكان يرمى بالقدر وقال ابن حِبّان في الثقات: كان من فقهاء أهل المدينة وعبّادهم، وكان من أقول أهل زمانه للحق، وعظ المهدي، فقال له: أما إنك أصدق القوم. وكان مع هذا يرى القدر، وكان مالك يهجره من أجله. وقال

стр. 1579

الخليليّ: ثقة أثنى عليه مالك، فقيه من أئمة أهل المدينة. حديثه مخرَّجُ في الصحيح وإنما تكلموا في سماعه من الزُّهريّ لأنه كان بينه وبين الزُّهري شيء، فحلف الزُّهريُّ أن لا يحدثه، ثم ندم، فسأله ابن أبي ذيب أنْ يكتب له أحاديث أرادها فكتبها له، فلأجل هذا لم يكن في الزُّهريّ بذلك بالنسبة إلى غيره. وقد قال عمرو بن الغَلّاس: هو أحب إلى في الزُّهري من كل شامي. مات سنة ثمان وخمسين ومئة، وقيل سنة تسع وخمسين. والعامريّ في نسبه نسبة إلى عامر بن لؤي بن غالب بن فِهر أبي بطن من بطون قُريش الإثني عشر. الرابع: سعيد بن أبي سعيد المقْبريّ، مر تعريفه في الحديث الثالث والثلاثين من كتاب الإيمان، ومر تعريف أبي هريرة في الحديث الثاني من كتاب الإيمان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون، وكلهم أئمة أجلاء، أخرجه البخاري هنا وفي علامات النبوة. والتِّرمْذيُّ في المناقب، وقال: حسن صحيح. ثم قال المصنف: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا ابن أبي فُدَيك بهذا، أو قال: "غُرف بيده فيه". قوله "بهذا" أي بهذا الحديث، كما ساقه المؤلف في علامات النبوة، وقوله أو قال "غرف بيده فيه" يعني بإفراد اليد، مع زيادة فيه بضمير راجع للثوب، وللمستملي وحده "يحذف فيه" بالحاء المهملة والذال المعجمة والفاء، من الحذف، وهو الرمي. وقال في "الفتح": إن هذه الرواية تصحيف، لأنه لم يذكر في علامات النبوة إلا الغرف، وكذا رواه ابن سعد في الطبقات عن أبي فُدَيك، ولم يذكر إلا الغرف. وما قاله العينيّ من أنها لو كانت تصحيفًا لنبه عليها صاحب "المطالع" لا حجة فيه على عدم تصحيفها، إذ لا يلزم من عدم

стр. 1580

تنبيه صاحب "المطالع" عليها أن لا تكون تصحيفًا، وما ذكر من قوله "حدثنا إبراهيم" الخ ساقط في رواية أبي ذَرٍ والأصيليّ وابن عساكر. أما إبراهيم بن المنذر فقد مر تعريفه في الحديث الأول من كتاب العلم، وأما ابن أبي فُدَيك فهو: أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُدَيك، واسم أبي فُديك دينار الدِّيليّ، مولاهم، المدنيّ. روى عن أبيه، ومحمد بن عمرو ابن علقمة حديثاً واحدًا، وهشام بن سعد وابن أبي ذيب وغيرهم. وروى عنه الشافعيّ والحُميدي وأحمد بن صالح وخلق كثير. قال النَّسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال ابن مَعين: ثقة، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس بحجة كذا قال ابن سعد، ولم يوافقه على ذلك أئمة الجرح والتعديل. وقد احتج به الجماعة، وقد اشترك مع محمد ابن إبراهيم بن دينار المار في الرواية عن ابن أبي ذيب، وفي كونهما مدنيَّيْن، وليس له في البخاريّ سوى أربعة أحاديث. مات سنة مئتين. وقيل سنة إحدى ومئتين والدِّيلي بكسر الدال في نسبه نسبة إلى ديل، حي من أحياء العرب، ولا أدري لأي ديل نسبه؛ لأن دِيل عدد كثير. في عبد القيس ديلان: دِيْل بن شَنّ بن أَفْصى بن عبد القيس، وديل بن عمرو بن وَدِيعة بن أفصى بن عبد القيس، منهم أهل عُمان، كما في الصحاح. فمن بني الدِّيل بن شَنّ عبد الرحمن بن أُذينة، كان قاضي البصرة، وعمرو بن الجُعَيد الذي ساق عبد القيس إلى البحرين، وكان يقال له: أفكل من ولده المثنى بن مَخْرَمة صاحب علي ﵁، وِمن بني الديل بن عمرو أيضًا عوف بن الديل، وحَطِم بن حَبْلة، وأبو نَضرة صاحب أبي سعيد الخُدرِيّ. وفي الأزد أيضًا الديل بن هَدَّاد بن زيد مناة، وفي إياد الديل بن أمية، وبنو الديل من بني بكر بن عبد مناة بن كنانة، منهم أبو الأسود كما قال الكسائي وأبو عبيد، والديل أيضًا ابن الصبّاح بن عَبِيد بن عَبْد شمس بطن من عَنزة.
следующие страницы →