← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

صحته من بعض متن أو سند ... كذا إذا أثبته من يعتمد وحسنوا البيان كالمستشكل ... كلمة في أصله فليسأل وإنما أطلت في هذا لشدة الاحتياج إليه. ثم قال المصنف. باب كتابة العلم طريقة البخاري في الأحكام التي يقع فيها الاختلاف أن لا يجزم فيها بشيء، بل يوردها على الاحتمال، وهذه الترجمة من ذلك, لأن السلف اختلفوا في ذلك عملًا وتركًا، وإن كان الأمر استمر والاجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم.

стр. 1507

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري تأليف الامام المحدث العلامة الشيخ محمد الخضر الجكينى الشنقيطي (المتوفى سنة ١٣٥٤هـ) الجزء الرابع مؤسسة الرسالة

стр. 1508

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1509

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

стр. 1510

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م مؤسسة الرسالة بيروت - شارع سوريا - بناية صمدي وصالحة هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ - برقيًا: بيُوشرَان

стр. 1511

الحديث الثالث والخمسون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لاَ، إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. قوله: "هل عندكم" الخطاب لعلي، والجمع إما لإِرادته مع بقية أهل البيت، أو للتعظيم. وقوله: "كتاب" أي مكتوب، أخذتموه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، مما أُوحيَ إليه، ويدل على ذلك رواية المصنف في الجهاد "هل عندكم شيء من الوحي" وله في الديات "هلِ عندكم شيء مما ليس في القرآن". وفي مسند ابن راهَوَيه "هل علمت شيئاً من الوحي"؟ وقد سأله قيس بن عبادة والأشتر النَّخعيّ عن هذه المسألة كما في مسند النَّسائي، وإنما سألوه عن ذلك, لأن جماعة من الشيعة يزعمون أن عند أهل البيت، لاسيما عليًا، أشياء خصهم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بها, لم يطلع عليها غيرهم. وقوله: "إلا كتابُ الله" هو بالرفع بدل من المستثنى منه. وقوله: "أو فَهمٌ أعطيه رجل مسلم" فهم بالرفع عطف على كتاب، وأُعطيه بصيغة المجهول، نائبه رجل مسلم، والإِعطاء يكون من فحوى الكلام، ويدركه من باطن المعاني التي هي غير الظاهر من نصه، ومراتب الناس متفاوتة في ذلك، ويفهم منه جواز استخراج العالم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عن المفسرين، إذا وافق أصول الشريعة، وقال ابن المنير: فيه دليل على أنه كانت عنده أشياء مكتوبة من الفقه المستنبط من كتاب الله، وهي المراد بقوله: "أو فهم أُعطيه رجل" والمراد بذكر الفهم إثبات إمكان الزيادة على

стр. 1512

ما في الكتاب، أي إن أعطى الله رجلًا فهمًا في كتابه، فهو يقدر على الاستنباط، فتحصل عنده الزيادة بذلك الاعتبار. وقوله: "أو ما في هذه الصحيفة" هي الورقة المكتوبة، وكانت معلقة بقبضة سيفه, إما احتياطًا أو استحضارًا، أو لكونه منفردًا بسماع ذلك وللنسائيّ "فأخرج كتابًا من قِراب سيفه". وقوله: قلت "وما في هذه الصحيفة": وفي رواية وللكُشْمَيْهنيّ "فما" وكلاهما للعطف، أي: أيُّ شيء. وقوله: "العَقْلُ" أي الدِّية، وإنما سميت به لأنهم كانوا يعطون الإِبل فيها ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال، وهو الحبل، ووقع في رواية ابن ماجه بدل العقل "الديات"، والمراد أحكامها ومقاديرها وأصنافها وأسنانها. وقوله: "وفِكاك الأسير" بفتح الفاء ويجوز كسرها، وهو ما يحصل به خَلاصه. وقوله "ولا يُقتل مسلم بكافر" بضم اللام على الرفع، وللكُشْمَيْهنيّ "وأنْ لا يقتل" بالنصب، وعطفت الجملة على المفرد لأن التقدير فيها أي الصحيفة، حكم العقل، وحكم تحريم قتل المسلم بالكافر، فالخبر محذوف، وحينئذ فهو عطف جملة على جملة، وتحريم القصاص من المسلم بالكافر وهو مذهب الجمهور، إلا أنه يلزم في قول المالكية في قاطع الطريق ومن في معناه إذا قتل غيلة أن يقتل ولو كان المقتول ذميًّا استثناء هذه الصورة من منع قتل المسلم بالكافر، وهي لا تستثنى في الحقيقة لأن فيه معنى آخر، وهو الفساد في الأرض. وخالفت الحنفية الجمهور، فقالوا: يقتل المسلم بالذمي إذا قتله بغير استحقاق، ولا يقتل بالمستأمن. وعن الشعبيّ والنّخعي: يقتل باليهودي والنصراني دون المجوسي. واحتجت الحنفية بما أخرجه الدارقطنيّ عن ابن عمر قال: قتل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مسلمًا بكافر. وقال: "أنا أولى من وفى بذمته". قال الدارقطني: فيه إبراهيم بن أبي يحيى، وهو ضعيف، ومدار هذا الحديث على ابن البَيْلمانيّ. وقد قال

стр. 1513

الدارقطني: ابن البَيْلَمانيّ ضعفه جماعة، ووثق، فلا يحتج بما انفرد به إذا وصل، فكيف إذا أرسل؟ فكيف إذا خالف؟ وقال البيهقيّ: هذا الحديث منقطع، وراويه غير ثقة. وقال أبو عبيد: بمثل هذا السند لا تسفك دماء المسلمين. وذكر الشافعي في الأم أن في حديث عبد الرحمن بن البيلماني أن ذلك كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أميّة، قال: فعلى هذا لو ثبت، لكان منسوخًا, لأن حديث "لا يقتل مسلم بكافر" خطب به النبي ﵊، يوم الفتح، كما في رواية عمرو بن شُعيب. وقصة عمرو بن أمُيَّة متقدمة على ذلك بزمانْ. واحتجوا، أيضًا، بما أخرجه أبو داوود عن قيس بن عبّاد وعن علي بلفظ: "لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده". ووجه استدلالهم به هو أنهم جعلوا معنى الحديث "ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" أي بكافر أيضًا، قالين: إن الذي لا يقتل به ذو العهد من الكفار هو الحربي خاصة دون المعاهد والذميُّ، فيجب أن يكون الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسويةً بين المعطوف والمعطوف عليه، وما فسروا به الحديث غير متعين، فمعنى الحديث على ما أبداه الشافعيّ هو أن النبي ﵊، لما أعلمهم أن لا قَوْد بينهم ويين الكفار، أعلمهم أن دماء أهل الذمة والعهد محرمة عليهم بغير حق، فقال: "لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" فمعنى الحديث: لا يقتل مسلم بكافر قصاصًا، ولا يقتل من له عهد ما دام عهده باقيًا وهذا معنى صحيح غير محتاج إلى تقدير. والأصل عدم التقدير، والمشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه لا تطلب من كل وجه، بل تكفي المشاركة في أصل النفي، كقول القائل: مررت بزيد منطلقًا وعمرو، فإنه لا يوجب أن يكون "بعمرو منطلقًا" أيضًا، بل بالمشاركة في أصل المرور. ويؤيد هذا التأويل أن خطبة الفتح كانت بسبب القتيل الذي قتله الخزاعيّ، وكان له عهد، فخطب النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم،

стр. 1514

وقال: "لو قتلف مسلمًا بكافر لقتلته به" وقال "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" فأشار بالحكم الأول إلى ترك اقتصاصه من الخزاعي بالمعاهد الذي قتله، وبالحكم الثاني إلى النهي عن الإِقدام على ما فعله القاتل المذكور. وقال ابن السَّمعانيّ: وأما حملهم الحديث على المستأمن, فلا يصح لأن العبرة بعموم اللفظ، حتى يقوم دليل على التخصيص، ومن حيث المعنى إن الحكم الذي يبنى في الشرع على الإِسلام والكفر، إنما هو لشرف الإِسلام أو لنقص الكفر، أو لهما جميعًا، فإن الإِسلام ينبوع الكرامة، والكفر ينبوع الهوان. وأيضًا إباحة دم الذمي شبهة قائمةٌ لوجود الكفر المبيح للدم، والذمة إنما هي عهد عارض منع القتل مع بقاء العلة، فمن الوفاء بالعهد أن لا يقتل المسلمُ ذميًا، فإن اتفق القتل لم يتجه القول بالقود, لأن الشبهة المبيحة لقتله موجودة، ومع بقاء الشبهة لا يتجه القود. وذكر أبو عُبيدَ بسند صحيح، عن زُفَر أنه رجع عن قول أصحابه، فأسند عن عبد الواحد بن زياد قال: قلت لزُفَر: إنكم تقولون تُدرأ الحدود بالشبهات، فجئتم إلى أعظم الشبهات، فأقدمتم عليها، المسلم يقتل بالكافر! قال: فاشهد علي أني رجعت عن هذا، وذكر ابن العربيّ أن بعض الحنفية سأل الشاشي عن دليل ترك قتل المسلم بالكافر، وأراد أن يستدل بالعموم، فيقول: أخصّه بالحربيّ، فعدل الشاشي، عن ذلك، وقال دليلي السنة والتعليل لأن ذكر الصفة في الحكم يقتضي التعليل، فمعنى لا يقتل المسلم بالكافر، تفضيل المسلم بالإِسلام فَأَسكته. ومما احتجوا به قطعُ المسلم بسرقة مال الذمي، قالوا: والنفس أعظم حرمة، وأجاب ابن بَطّال بأنه قياس حسَن لولا النص، وأجاب غيره بأن القطع حق لله، ومن ثم لو أعيدت السرقة بعينها لم يسقط الحد، ولو عفا. والقتل بخلاف ذلك، وأيضًا القصاص يشعر بالمساواة، ولا مساواة للكافر والمسلم. والقطع لا تشترط فيه المساواة.

стр. 1515

وفي هذا الحديث رواية للمصنف ومسلم عن عليّ قال: "ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة" فإذا فيها "المدينة حرم" .. الحديث. ولمسلم عن أبي الطُّفيل عن علي ما خصنا رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، بشيء لم يعم به الناس كافةً، إلا ما في قراب سيفي هذا، وأخرج صحيفة مكتوبًا فيها "لعن الله من ذبح لغير الله" .. الحديث. وللنَّسائيّ من طريق الأشتر وغيره، عن علي "فإذا فيها المؤمنون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم" .. الحديث. ولأحمد من طريق طارق بن شهاب: فيها فرائض الصدقة. والجمع بين هذه الأحاديث أن الصحيفة كانت واحدة، وكان جميع ذلك مكتوبًا فيها، فنقل كل واحد من الرواة عنه ما حفظه. وقد بين ذلك قتادةُ في روايته لهذا الحديث عن أبي حَسّان عن عليّ، وبين أيضًا السبب في سؤالهم لعلي، رضي الله تعالى عنه. أخرجه أحمد والبَيْهقِيّ في الدلائل عن أبي حَسّان "أن عليا كان يأمر بالأمر فيقال: قد فعلناه، فيقول: صدق الله ورسوله" فقال له الأشتر: هذا الذي تقول أهو شيء عهده إليك رسول الله صلى الله عليه تعالى عليه وسلم خاصة دون الناس؟ فذكره بطوله. رجاله سبعة: الأول محمد بن سَلاَم البِيْكَنْدِيّ، مر تعريفه في الحديث الثالث عشر من كتاب الإِيمان، وفي السند سفيان يحتمل أن يكون ابن عُيينة، وقد مر تعريفه في الحديث الأول من بدء الوحي، ويحتمل أن يكون الثَّوْريّ وقد مر في الحديث الثامن والعشرين من كتاب الإِيمان، ومر تعريف الشعبيّ عامر بن شراحيل في الحديث الثالث من كتاب الإِيمان أيضًا، ومرّ تعريف علي، ﵁، في الحديث السابع والأربعين من كتاب العلم وفي السند مُطَرِّف، وهو مطرف بضم الميم، على وزن اسم الفاعل، ابن طريف بفتح الطاء، أبو بكَر، أو أبو عبد الرحمن، الكوفيّ الحارثيّ، نسبة إلى الحارث بن كعب بن عمرو،

стр. 1516

ويقال الخارِفيّ، بالخاء المعجمة وبالفاء، نسبة إلى خارف بن عبد الله روى عن الشعبي وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والحَكَم بن عُتيبة، وخلق. وروى عنهُ أبو عُوانة وهُشَيم وأبو جعفر الرازيّ والسفيانان وخلق كثير. وثَّقه أحمد وأبو حاتم، وقال أبو داود: قلت لأحمد: أي أصحاب الشعبيّ أحب إليك؟ قال: ليس عندي فيهم مثل إسماعيل بن أبي خالد. قلت: ثمّ من؟ قال: مُطَرَّف. وقال الشافعي: ما كان ابن عُيينة بأحد أشد إعجابًا منه بمُطرف وقال ابن عُيينة: قال مُطَرِّف: ما يسرني أني كذبت كذبة وأن لي الدنيا وما فيها. وقال داود بن علية: ما أعلم عربيًا ولا عجميًا أفضل من مُطَرِّف بن طَرِيف. وقال: العِجْليّ صالح الكتاب ثقة، ثبت في الحديث، ما يذكر عنه إلا الخير في المذهب. وقال ابن أبي شيبة: ثقة صدوق وليس بثبت. وقال يعقوب بن أبي شيبة: ثقة ثبت. وقال سفيان: حدثنا مُطْرِف، وكان ثقة. وقال أبو داود: بيَان فوق مُطَرِّف، ومُطَرِّف ثقة، وابن أبي السَّفْر دونه. مات سنة ثلاث وثلاثين ومئة. وقيل سنة اثنتين وأربعين. وأما وكيع فهو ابن الجَرَّاح بن مُليَح بن عَدِيّ بن الفَرس بن حُمَحَمة، وقيل غيره. أصله من قرية من قرى نَيْسابور، الرؤاسيّ الكوفيّ من قيس عيلان. روى عن الأعمش وهشام بن عُروة، وجرير بن حازم، وإسماعيل بن أبي خالد، وخلق لا يحصى، وروى عنه أبناؤه سفيان ومُليح وعبيد ومُسْتَمليه محمد بن أبان البَلْخيَّ وشيخه سفيان الثَّوريّ، وعبد الرحمن بن مَهْدِيّ، وأحمد وعلي، ويحيى، وخلق لا يحصى. قال القَعْنَبِيّ: كنا عند حماد بن زيد، فجاء وكيع فقالوا: هذا راوية سفيان، فقال: حماد؟ ولو شئت قلت: هذا أرجح من سفيان. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع، ولا أحفظ منه. قال: وسمعت أبي يقول: كان مطبوع الحفظ. وكان وكيع حافظًا وكان أحفظ من عبد الرحمن بن مَهْدِيّ كثيرًا كثيرًا. وقال صالح بن أحمد:

стр. 1517

قلت لأبي أيهما أثبت عندك وكيع أو يزيد؟ قال: ما منهما، بحمد الله تعالى، إلا ثَبْت، قلت: فأيهما أصلح؟ قال: ما منهما إلا صالح، إلا أن وكيعاً لم يتلطخ بالسلطان، وما رأيت أحدًا أوعى للعلم منه، ولا أشبه بأهل السنة منه. وقال محمد بن عامر المَصِّيْص: سألت أحمد: وكيع أحب إليك أو يحيى بن سعيد قال: وكيع. قلت: لِمَ؟ قال: كان وكيع صديقًا لحفص ابن غِيَاث، فلما ولي القضاء هجره، وكان يحيى بن سعيد صديقا لمعاذ بن معاذ، فلما ولي القضاء لم يهجره. وقال الدُّوريّ: ذاكرت أحمد بحديث فقال: من حدثك؟ قلت: شبابة. قال: لكن حدثني من لم تر عيناك مثله، وكيع. وقيل لأحمد: إن أبا قَتادة يتكلم في وكيع. قال: من كذب بأهل الصدق فهو الكذّاب. وقال، أيضًا: ما رأيت مثل وكيع في الحفظ والإِسناد والأبواب، مع خشوع وورع، وقد عرض عليه القضاء فامتنع منه، وكان يذاكر في الفقه فيحسن، ولا يتكلم في أحد، وقال، أيضًا: وكيع أكبر في القلب وابن مهدي إمام، وقال أيضا: كان وكيع إمام المسلمين في وقته، وقال أيضًا حين سئل عن يحيى بن سعيد وابن مَهْدي ووكيع وأبي نعيم فقال: ما رأيت أحفظ من وكيع، وكفاك بعبد الرحمن معرفة وإتقانًا، وما رأيت أوزن لقوم من غير محاباة ولا أشد ثبتًا في الرجال من يحيى. وأبو نعيم أقل الأربعة خطأ. وقال أيضًا: ما رأيت بالبصرة مثل يحيى، وبعده عبد الرحمن، وعبد الرحمن أفقه الرجلين. قيل له: فوكيع وأبو نعيم؟ قال: أبو نعيم أعلم بالشيوخ وأساميهم، ووكيع أفقه. وسئل: إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن بمن نأخذ؟ قال: عبد الرحمن موافق، ويسلَّم عليه السلف، ويجتنب شرب النبيذ، وقال: عليكم بمصنفات وكيع. وقال أيضًا: المثبت عندنا بالعراق وكيع ويحيى وعبد الرحمن. وذُكر ذلك لابن مُعين فقال: الثبت عندنا بالعراق وكيع: وقال ابن معين: ما رأيتُ أفضلَ من وكيع. فقيل

стр. 1518

له: فابن المبارك؟ قال: قد كان له فضل، ولكن ما رأيت أفضل من وكيع، كان يستقبل القبلة، ويحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويسرد الصوم، ويفتي بقول أبي حنيفة. وقال أيضًا: والله ما رأيتُ أحدًا يحدث لله تعالى إلا وكيعًا والقعنبيّ. وقال أحمد بن سيّار: قدم وكيع مكة، فانجفل الناس إليه، وحج تلك السنة غير واحد من العلماء، وكان ممن قدم عبد الرّزاق، فخرج ونظر إلى مجلسه، فلم ير أحدا، فاغتم، ثم خرج فلقي رجلًا فقال: ما للناس؟ قال له: قدم وكيع. قال: الحمد لله تعالى. وقال: ظننت أن الناس تركوا حديثي. وأما أبو أسامة، فلما خرج ولم ير أحدًا وسمع بوكيع، قال: هوِ التِّنِّين لا يقع مكانًا إلا أحرق ما حوله. وقال ابن مُعين أيضًا: ما رأيت أحداً يحدث لله تعالى غير وكيع، وما رأيت أحفظ منه ووكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه. وقال أيضًا: ما رأيت من يحدث لله تعالى إلا ستة أو سبعة ديّانة: ابن المبارك، وحسين الجُعْفيّ، ووكيع، وسعيد بن عامر، وأبو داود الحفريّ، والقعنبيّ. وقال أيضًا: وكيع أثبت من عبد الرحمن بن مهديّ في سفيان. قال: ورأيت يحيى يميل إلى وكيع ميلًا شديدًا، فقلت له: إذا اختلف وكيع وأبو معاوية في الأعمش؟ قال: يكون موقوفًا حتى يجىء من يتابع أحدهما، قلت: فحفص؟ قال: من يحدث عنه؟ قلت: ابنه، فكأنه لم يقنع بهذا، وقال: إنما كانت الرحلة إلى وكيع في زمانه. وقال أيضًا: ثقات الناس أربعة وكيع ويعلي بن عُبيد والقَعْنبيّ وأحمد بن حنبل. وقال أيضًا: ما رأيت أحفظ من وكيع. قيل له: ولا هُشيم؟ قال: وأين يقع حديث هُشيم من حديث وكيع؟ وقال: قلت لابن مَعين: أبو معاوية أحب إليك في الأعمش أو وكيع؟ قال: أبو معاوية أعلم به، ووكيع ثقة. قال: وقلت له: عبد الرحمن أحب إليك في سفيان أم وكيع؟ قال: وكيع. قلت: فأبو نعيم؟ قال: وكيع. قلت: فابن المبارك أم وكيع؟ فلم يفضل، وقال أيضًا: رأيت عند مروان لوحًا مكتوبًا فيه أسماء شيوخ فلان كذا، وفلان كذا، ووكيع

стр. 1519

رافضيّ. قال يحيى: قلت له: وكيع خيرٌ منك. قال: مني؟ قلت: نعم، فسكت. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا عاليًا رفيع القدر كثير الحديث حجة، وقال العَجْلي: كوفيُّ ثقةٌ عابدٌ صالح أديب، من حفاظ الحديث، وكان يفتي، وقال ابن حبان في الثقات: كان حافظًا متقنًا. وقال يحيى بن يحيى: لم أر من الرجال أحفظ منه. وقال ابن نُميَر: وكيع أعلم بالحديث من ابن إدريس، ولكن ليس هو مثله، وكانوا إذا رأوا وكيعًا سكتوا. وقال ابن عمار ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه منه، ولا أعلم بالحديث. كان جهبذًا. قال ابن عمار: قلت له: عدوا عليك أربعة أحاديث بالبصرة غلطت فيها. قال: حدثتهم بعبادان بنحو من ألف وخمس مئة وأربعة ليس بكثير في ألف وخمس مئة. وقال ابن عمّار: قال لنا أبو نعيم: ما دام هذا يعني وكيعًا حيًا لا يفلح أحد معه وقال ابن عمّار أيضًا: كان سفيان يدعو وكيعًا وهو غلام، فيقول له: أي شيء سمعته؟ فيقول: حدثني فلان كذا، قال وسفيان يتبسم ويتعجب من حفظه. وقال الغلاني: كنا بعبادان فقال لي حماد بن سَعْدة أحب أن تجيء معي إلى وكيع، فجئناه، فلما خرجنا، قال لي حماد: قد رأيت الثَّوري، فما كان مثل هذا. وقال: أتيت الأعمش فقلت له: حدثني، فقال: ما اسمك؟ قلت: وكيع، قال: اسم نبيلٌ ما أحسبه إلاَّ يكون له نبأ. والرؤاسيّ في نسبه نسبة إلى رُؤاس أبي حَيّ من عامر بن صعْصَعة، واسمه رؤاس الحارث، وعَقِبه ثلاثة: بجاد وبجيد وعبيد، أولاده لصلبه، ومنهم حُميد بن عبد الرحمن بن حُميد الرؤاسيون، محدثون. وقال أبو هشام الرفاعيّ: دخلت المسجد الحرام، فإذا عُبيد الله بن موسى يحدث، والناس حوله كثير، قال: فطفت أسبوعًا، ثم جئت، فإذا عبيد الله قاعد وحده، فقلت: ما هذا؟ قال: قدم التِّنِّين فأخذهم، يعني وكيعًا.

стр. 1520

وقال نوح بن حبيب القَوْمَسيّ: رأيت الثَّوريّ ومعمرًا ومالكًا، فما رأت عيناي مثل وكيع. وقال علي بن خَشْرم: رأيت وكيعًا وما رأيت بيده كتابًا قط، إنما هو يحفظ، فسألته عن دواء الحفظ، فقال: ترك المعاصي ما جربت مثله للحفظ، وقال هارون الحمّال: ما رأيت أخشع من وكيع، وكذا قال مروان بن محمد، وزاد: وما وصف لي أحد إلا رأيته دون الصفة، إلا وكيع فإني رأيته فوق ما وصف لي. وقال ابن عمار: أخبرت عن شريك أن رجلًا ادعى عنده على آخر بمئة ألف دينار، فأقر، فقال: أما إنه لو أنكر لم أقبل عليه شهادة أحد بالكوفة إلا شهادة وكيع وعبد الله بن نُمير، وقال جرير: جاءني ابن المبارك فقلت له: من دخل الكوفة اليوم؟ قال: رجَلُ المصرين وكيع. وقال يحيى بن أكتم: صحبت وكيعًا في الحضر والسفر، فكان يصوم الدهر، ويختم كل ليلة، وقال سلَم بن جُنَادة: جالست وكيعًا سبع سنين، فما رأيته بَزَق ولا مَسَّ حصاةً، ولا تحرك من مجلسه إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله العظيم. وقال معاوية الهَمْدانِيّ: كان وكيع يؤتى بطعامه ولباسه، ولا يسأل عن شيء، ولا يطلب شيئًا. وقال إبراهيم بن شَمّاس: كنت أتمنى عقل ابن المبارك، وورعه وزهد فُضيل ورقته وعبادة وكيع وحفظه وخشوع عيسى بن يونس، وصبر حُسين بن علي الجُعْفيّ. وقال إسحاق بن راهَوية: كان حفظه طبعًا، وحفظنا تكلفًا. وقال أبو داود كان أبوه على بيت المال، فكان إذا روى عنه قرنه بآخر، ومناقبه أكثر من أن تحصى، مات سنة ست وتسعين في طريق الحج. وأما أبو جُحيْفَة، بالجيم مصغرًا، فهو وهْب بن عبد الله السُّوائِي، سماه عليّ، ﵁، وهب الخير، وكان يكرمه ويحبه ويثق به، وجعله على بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهده كلها، ونزل الكوفة وتوفي بها سنة اثنتين وسبعين. روى له الجماعة، وكان من صغار

стр. 1521

الصحابة، قيل: إنه توفي رسول الله ﷺ ، وهو لم يبلغ الحلم. روي عنه أنه قال: جئت رسول الله ﷺ وقد أكلت ثريدة بُرٍّ بلحم، وأنا أتجشَّأ، فقال: "اكفف أو احبس عليك جُشَاءك أبا جُحيفة، فإن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا يوم القيامة" فما أكل بعد ذلك ملء بطنه حتى فارق الدنيا. كان إذا تعشى لا يتغذى، وإذا تغذى لا يتعشى. وروي أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ ، وكان الحسن بن علي يشبهه، وأمر لنا بثلاثة عشر قلوصًا، فمات قبل أن نقبضها. وروي له عن رسول الله، ﷺ ، خمسة وأربعون حديثًا اتفقا على حديثين، وانفرد البخاريُّ بحديثين، ومسلم بثلاثة. وروى عن علي وعن البراء بن عازب، وروى عنه ابن عَوْن وسلَمة بن كُهَيل والشَّعْبي والسَّبيعيّ وغيرهم. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والإِخبار، ورواته كلهم كوفيون إلا شيخ البخاريّ. وقد دخل فيها، ورواية صحابيّ عن صحابيّ وفيه حدثنا محمد بن سلام، وفي رواية الأصيليّ: حدثنا ابن سلام. وفيه عن الشعبي، وفي المصنف في الديات "سمعتُ الشعبي". وفيه عن أبي جُحَيفة وفي رواية البخاري في الديات "سمعت أبا جحيفة"، وقد صرح باسمهِ الإِسماعيلي في رواية أخرجها المؤلف هنا، وفي الجهاد والديات، والتِّرمِذِيّ في الديات، وقال: حسن صحيح، والنَّسائي في القْود، وابن ماجةَ في الديات.

стр. 1522

الحديث الرابع والخمسون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ -أَوِ الْفِيلَ شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ- وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلاَ وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلاَ وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلاَ وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ". فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "اكْتُبُوا لأَبِى فُلاَنٍ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلاَّ الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِلاَّ الإِذْخِرَ، إِلاَّ الإِذْخِرَ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ يُقَادُ بِالْقَافِ. فَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ. قوله: إن خُزاعة أي القبيلة المشهورة، وهم بنو كعب بن عمرو ابن لُحيّ، بضم اللام مصغر، قيل: إن أصلهم من سبأ، قال ابن الكلبيّ: لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم، نزل بنو مازن على ماء يقال له غسان، فمن أقام منهم فهو غسانيّ، وانخزعت منهم بنو عمرو بن لُحىِّ عن قومهم، فنزلوا مكة وما حولها، فسُموا خزاعة، وتفرقت سائر الأَزْد وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: ولما نزلنا بطنَ مُرّ تخزعتْ ... خُزاعة عنا في جُموعٍ كراكرٍ وفي الحديث أن عمرو بن لُحَيّ أبا خزاعة، هو ابن قَمَعة بفتح القاف

стр. 1523

والميم، أو بكسر القاف وفتح الميم مشددة، ابن خِنْدَف، بكسر الخاء وسكون النون، وفتح الدال، وهي امرأة إلياس بن مُضر، واسمها ليلى بنت حُلْوان بن عِمران بن الحاف بن قضاعة، لقبت بخندف لمشيتها، والخَنْدفَة الهرولة، واشتهر بنوها بالنسبة إليها دون أبيهم, لأن إلياس لما مات حزنت عليه حزنًا شديدًا، بحيث هجرت أهلها ودارها، وساحت في الأرض حتى ماتت، فكان من رأى أولادها الصغار يقول: من هؤلاء؟ فيقال: بنو خندف، إشارة إلى أنها ضيعتهم، فعلى هذا، فخزاعة من مُضَر، وهو الصحيح وجمع بعضهم بين القولين -أعني نسبة خزاعة إلى اليمن وإلى مضر- فزُعم أن حارثة بن عمرو بن عامر بن ماء السماء جد عمرو بن لحُيّ، لما مات قمعة بن خندف، كانت امرأته حاملًا بلُحَيّ، فولدته وهي عند حارثة، فتبناه فنسب إليه، فعلى هذا فهو من مضر بالولادة، ومن اليمن بالتبني. وقال ابن الكلبيّ: إن سبب قيام عمرو بن لحيّ بأمر الكعبة ومكة أن أمه فُهَيْرة بنت عمرو بن الحارث بن مُضاض الجُرْهُمِيّ، وكان أبوها آخر من ولي أمر مكة من جُرْهُم، فقام بأمر البيت سبطه عمرو بن لُحِيّ، فصار ذلك في خزاعة بعد جرهم، ووقع بينهم في ذلك حرب إلى أن انجلت جُرْهم عن مكة، ثم تولت خُزاعة أمر البيت ثلاث مئة سنة، إلى أن كان آخرهم يدعى أبا غبشان، بضم المعجمة وسكون الموحدة، وهو خال قُصَيّ بن كلاب، أخو أمه حُبّى بضم الحاء المهملة، وتشديد الموحدة مع الإِمالة، وكان في عقله شيء، فخدعه قصي، فاشترى منه أمر البيت بأذواد من الإِبل، ويقال بزقَّ خمر، فغلب حينئذٍ على أمر البيت، وجمع بطون بني فهر، وحارب خزاعة حتى أخرجهم من مكة، وفيه يقول الشاعر: أبوكم قُصَيُّ كان يدعى مُجمِّعًا ... به جمّع الله القبائل من فِهْرِ وقوله "إن خزاعة" المراد به واحد منهم، فأطلق عليه اسم القبيلة مجازًا، وقوله "قتلوا رجلًا من بني ليث عام فتح مكة. بقتيل منهم قتلوه" وفي رواية "ثم إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هُذَيل، وإني عاقله" وبنو ليث

стр. 1524

قبيلة كبيرة ينسبون إلى ليث بن بكر بن كنانة، وهُذَيل قبيلة كبيرة أيضًا، ينسبون إلى هُذيل، وهم بنو مُدْرِكه بن إلياس، وكان بين خزاعة وبين بني بكر في الجاهلية عداوة ظاهرة، وكانت خزاعة حلفاء بني هاشم إلى عهد النبي ﷺ . وكان بنو بكر حلفاء قريش واسم الرجل القاتل منِ خزاعة خراش بن أُميّة، والمقتول منهم في الجاهلية اسمه أُحْمَر وقيل مُنَبِّه وذكر ابن هشام أن المقتول من بني ليث اسمه جُنْدب بن الأدلَع وفي مغازي ابن إسحاق أنه الذي قتله حِراش بن أمية -الغدَ من الفتح- ابن الأَثْوَع الهُذَليّ، فلعله كان هذليًا حالف بني ليث أو بالعكس، ولعل الأثوع تغيير من الأدلع، وفي فوائد أبي علي أن الخُزَاعيَّ القاتل هلالُ بن أُميّة فإن ثبت، فلعل هلالًا لَقبُ خِراشٍ. وقوله "إن الله حبس عن مكة القتل" أي منعه منها، وهو بالقاف والمثناة من فوق، وقوله "أو الفيل" أي بالفاء المكسورة بعدها ياء تحتانية، والمراد بحبس الفيل، أهل الفيل، وأشار بذلك إلى القصة المشهورة للحبشة في غزوهم مكة، ومعهم الفيل، فمنعها الله منهم، وسلط عليهم الطير الأبابيل، كما في القرآن، مع كون أهل مكة إذ ذاك كانوا كفارًا، فحرمة أهلها بعد الإِسلام آكد، لكن غزو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مخصوص به على ظاهر هذا الحديث. وقد استوفينا جميع مباحثه في حديث أبي شُريح في باب "ليبلغ الشاهد الغائب" ما عدا قوله "ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد" إلى آخره. وقوله كذا، قال أبو نعيم، أراد البخاريّ إن الشك من شيخه، وإن غيره يقول الفيل بالفاء بلا شك، والمراد بالغير من رواه عن شيبان رفيقًا لأبي نعيم، وهو عبيد الله بن موسى، ومن رواه عن يحيى رفيقًا لشيبان، وهو حرب بن شداد كما يأتي في الديات وقوله: "وسلط عليهم رسول الله والمؤمنون" بضم سين سلط، مبنيُّ للمجهول، ورسول نائبه، والمؤمنون معطوف عليه وقوله "ولا تحل لأحد بعدي" للكشْمَيْهنيّ "ولم تحل"، وللمصنف في اللقُّطة "ولن تحل" وهي أليق بالمستقبل، وقوله "لا يختلى"

стр. 1525

بالخاء المعجمة، أي لا يُحْصد يقال: اختليته: إذا قطعته، ومر ما في قطع الشوك من الخلاف في الحديث السابق. وقوله "إلا لمنشد" أي مُعَرِّف، وأما الطالب، فيقال له الناشد، يقال: نشدت الضّالة: إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرَّفتها، وأصل الإِنشاد والنشيد رفع الصوت، والمعنى لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يُعَرفها فقط، فأما من أراد أن يعرِّفها ثم يتملكها، فلا. واستدل بالحديث على أن لُقطة مكة لا تلتقط للتمليك، بل للتعريف خاصة، وإنما اختصت بذلك عندهم لإِمكان إيصالها إلى ربها, لأنها إن كانت للمكيّ فظاهر، وإن كانت للآفاقيّ فلا يخلو أفق غالبًا من وارد إليها، فإذا عرّفها واجدها في كل سنة سهل التوصل إلى معرفة صاحبها. قاله ابن بطّال. وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف, لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف، واحتج ابن المنير لمذهبه بظاهر الاستثناء, لأنه نفى الحل واستثنى المنشد، فدل على أن الحل ثابت للمنشد, لأن الاستثناء من النفي إثبات. قال: ويلزم على هذا أن مكة وغيرها سواء، والقياس يقتضي تخصيصها. والجواب أن التخصيص إذا وافق الغالب لم يكن له مفهوم، والغالب أن لقطة مكة ييأس ملتقطها من صاحبها، وصاحبها من وجدانها, لتفرق الخَلْق إلى الآفاق البعيدة، فربما داخل الملتقط الطمع في تملكها من أول وهلة، فلا يعرّفها، فنهى الشارع عن ذلك، وأمر أن لا يأخذها إلا من يُعَرِّفها. وفارقت في ذلك لقطة العَسْكر ببلاد الحرب بعد تفرقهم، فإنها لا تعرف في غيرهم باتفاق، بخلاف لقطة مكة، فيشرع تعريفها, لإِمكان عود أهل أُفق صاحب اللقطة إلى مكة، فيحصل التوصل إلى معرفة صاحبها. وقال إسحاق بن راهْوَيه: قوله "إلا لمنشد" أي لمن سمع ناشدًا يقول: من رأى لي كذا، فحينئذ يجوز لواجد اللقطة أن يعرفها ليردها على

стр. 1526

صاحبها، وهو أضيق من قول الجمهور, لأنه قيدها بحالة للمعرف دون حالة. وقيل: المراد بالمنشد الطالب، حكاه أبو عُبَيْد، وتُعُقِّب بأنه وإن ورد في اللغة، كما حكاه الحربيّ أيضًا وعياض، لا يصح أن يفسر به الحديث هنا. ويكفي في رد ذلك قوله ﵊ في حديث ابن عباس "لا يلتقط لقطتها إلا مُعَرِّف" والحديث يفسر بعضه بعضًا. واستدل به أيضًا على أن لقطة عَرَفة والمدينة النبوية كسائر البلاد، لاختصاص مكة بذلك. وحكى الماوَرْديّ في "الحاوي" وجهًا في عرفة أنها تلتحق بحكم مكة, لأنها تجمع الحاج كمكة، ولم يرجح شيئًا، وليس الوجه المذكور في الروضة ولا في أصلها. واستدل به على تعريف الضالة في المسجد الحرام، بخلاف غيره من المساجد، وهو أصح الوجهين عند الشافعية، قاله في الفتح، ولم أفهم وجه الاستدلال من الحديث، والحكم عندنا معاشر المالكية الكراهة مطلقًا. وقوله: "ومن قتل فهو بخير النظرين" كذا وقع هنا، وفيه حذف وقع بيانه عند المصنف في الديات عن أبي نعيم بهذا الإِسناد "فمن قتل له قتيل" ولا يمكن حمله على ظاهره لأن المقتول لا اختيار له، وإنما الاختيار لوليه، وما قاله العَيْنيُّ من أن هذا التقدير يلزم منه حذف الفاعل خطأٌ صُراح, لأن التقدير هو لفظ الحديث في نفس هذه الرواية, فلا يمكن حمل الحديث على سواه، والتقدير الذي قدره هو مع مخالفته لرواية الحديث ركيكٌ جدًا لا يلتفت إليه. وقوله في رواية الديات: "قتل له قتيل" معناه من قتل له قريب، كان حيًا فصار قتيلًا بذلك القتل، والباء في "بخير النظرين"، متعلق بمحذوف تقديره فهو مرضى بخير النظرين أو عامل أو مأمور وخير النظرين أفضلهما، ثم فسر خير النظرين بقوله: إما أن يعقل، وإما أن يقاد أهل القتيل، أي: إما أن يعطي القاتلُ، أو أولياؤه لأولياء المقتول العَقْل، أي الدية، وإما أن يقاد أي يمكن أهل القتيل من القتل، يقال: أَقَدْتُّ القاتل بالمقتولِ: اقْتَصَصْتُه منه، فالنائب عن الفاعل ضمير

стр. 1527

يعود على المقتول المفهوم من قوله سابقًا "فمن قتل" أي: يؤخذ له القود، فالفعلان مبنيان للمجهول، أو يكون "أهل" نائب على جعل "يقاد" بمعنى "يمكن"، وهمزة إما التفصيلية مكسورة، وأن المصدرية مفتوحة. وفي رواية لمسلم "إما أن يفادي" بالفاء وزيادة ياء بعد الدال. والصواب أن الرواية على وجهين، من قالها بالقاف قال قبلها: إما أن يُعقل من العَقْل وهو الدية. ومن قالها بالفاء قال فيما قبلها: إما أن يُقْتَل بالقاف والمثناة، والحاصل في تفسير "النظرين" بالقصاص أو الدية. وفي الحديث أن ولي الدم يخير بين القصاص والدية. واختلف إذا اختار الدية، هل يجب على القاتل إجابته، فذهب الأكثر إلى ذلك. وعن مالك وأبي حنيفة والثَّوْريّ: لا يجب إلا برضى القاتل. واستدل الجمهور بأن ظاهر هذا الحديث أن المخير في القود أو أخذ الدية هو الوَليّ وقرره الخطابيّ بأن العفو في الآية في قوله تعالى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] إلخ يحتاج إلى بيان, لأن ظاهر القصاص أن لا تبعة لأحدهما على الآخر، لكن المعنى أن من عُفِي عنه من القصاص إلى الدية، فعلى مستحق الدية الاتباع بالمعروف، وهو المطالبة، وعلى القاتل الأداء، وهو دفع الدية بإحسان. وقد فسر ابن عباس العفو بقبول الدية في العمد، وقبول الدية راجع إلى الأولياء الذين لهم طلب القصاص، وقالوا: إنما لزمت القاتل الدية بغير رضاه, لأنه مأمور بإحياء نفسه، لعموم قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فإذا رضي أولياء المقتول بأخذ الدية لم يكن للقاتل أن يمتنع. واستدل مالك ومن وافقه بأن قوله تعالى ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إشارة إلى أن أخذ الدية لم يكن في بني إسرائيل، بل كان القصاص متحتمًا، وشريعة عيسى لم يكن فيها قصاص، وإنما كانت فيها الدية خاصة، فخفف الله عن هذه الأمة بمشروعية أخذ الدية إذا رضي أولياء المقتول والقاتل، وليس في شيء من الأدلة ما يدل على إكراه القاتل على

стр. 1528

بذل الدية، فامتازت شريعة الإِسلام بأنها جمعت بين الأمرين فكانت وُسْطى لا إفراط ولا تفريط. واحتجوا أيضًا بحديث أنس في قصة قتل الربيع عمه، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "كتاب الله القصاص"، فإنه حكم بالقصاص ولم يخير، ولو كان الخيار للولي لأعلمهم النبي ﵊ بذلك، إذ لا يجوز للحاكم أن يحكم لمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأن الحق له في أحدهما، فلما حكم بالقصاص وجب أن يحمل عليه قوله "فهو بخير النظرين" أي: ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية. وتُعُقِّبَ بأن قوله ﵊ "كتاب الله القصاص" إنما وقع عند طلب أولياء المجني عليه في العمد القودُ، فاعلم أن كتاب الله نزل على أن المجني عليه إذا طلب القود أجيب إليه، وليس فيه ما ادُّعي من تأخير البيان. واحتج الطحاويّ بأنهم أجمعوا على أن الولي لو قال للقاتل: رضيت أن تعطيني كذا على أن لا أقتلك، إن القاتل لا يجبر على ذلك، ولا يؤخذ منه كرْهًا، وإن كان يجب أن يحقن دم نفسه، قلت: قد يختار أن يقتص منه ليكون ذلك كفّارة، ويكون غير معتقد أنَّ الدية برضى الأولياء مكفرة للذنب، فلا يجب عليه حينئذ حقن دمه، وقال المهلب وغيره: يستفاد من قوله "فهو بخير النظرين" أن الولي إذا سئل في العفو على مال إن شاء قبل ذلك، وإن شاء اقتص، وعلى الوالي اتباع الأولى في ذلك، وليس فيه ما يدل على إكراه القاتل على بذل الدية، واستدل به الجمهور على جواز أخذ الدية في قتل العمد، ولو كان غيلة، وهو أن يخدع شخصًا حتى يصير به إلى موضع خفي، أو يجده فيه فيقتله، خلافًا للمالكية، فألحقه مالك بالمحارب، فإن الأمر فيه إلى السلطان، وليس للأولياء العفو عنه. وهذا على أصله في أن حد المحارب القتل. إذا رآه الإِمام، وإن "أو" في الآية للتخيير لا للتنويع.

стр. 1529

وقوله "فجاء رجلٌ من أهل اليمن، فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال: اكتبوا لأبي فلان" أبو فلان هو أبو شاهٍ، بهاء منونة، اليمانيُّ، جاء مسمى في اللقطة، ويأتي تعريفه في آخر الكلام على سند هذا الحديث، وفي اللقطة زيادة عن الوليد بن مسلم "قلت للأوزاعي، ما قوله: اكتبوا لي" قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وبهذا تظهر مطابقة هذا الحديث للترجمة. وقوله: "فقال رجل من قريش إلا الإِذْخِر" الرجل هو العباس بن عبد المطلب كما جاء مسمى في اللقطة، وقد جاء معرفا في الثالث والستين من الوضوء. وقوله إلا الإِذخر هو بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين، نبت معروف عند أهل مكة، طيب الريح، له أصل مندفن وقضبان دقاق، ينبت في السهل والحزْن، وبالمغرب صنف منه، والذي بمكة أجوده. ويجوز فيه الرفع والنصب. أما الرفع فعلى البدل مما قبله، وأما النصب فلكونه استثناءً واقعًا بعد النفي. وقال ابن مالك: المختار النصب، لكون الاستثناء وقع متراخيًا عن المستثنى منه، فبعدت المشاكلة بالبدلية، ولكون الاستثناء، أيضًا، عرض في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا، وللأصيلي "إلا الإِذْخِر" مرتين، والثانية على سبيل التأكيد. وقوله: "فإنّا نجعله في بيوتنا وقبورنا" وفي رواية المغازي فإنه لابد منه للقين والبيوت" وفي رواية في اللقطة "فإنه لصاغتنا وقبورنا" وفي مرسل مجاهد عند عمر بن شَبَّة الجمع بين الثلاثة. ووقع عنده، أيضًا، فقال العباس: يا رسول الله، إن أهل مكة لا صبر لهم عن الإِذْخِر، لقينهم وبيوتهم، وكان أهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب، ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور، ويستعملونه بدلًا من الحلفاء في الوقود، ولعل فائدته للصاغة هو أنهم يجلون به الذهب والفضة، لقول الأنطاكيّ في تذكرته: "فإنه جلاء"، ولم أر في شروح البخاري ذكرًا لما تستعمله

стр. 1530

الصاغة له، والقَيْن، بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون، الحَدَّاد. وقال الطبريّ: القين عند العرب كل ذي صناعة يعالجه بنفسه. وهذه الروايات تدل على أن الاستثناء في حديث الباب، لم يرد به أن يستثني هو وإنما أراد أن يلقن النبي، ﷺ الإستثناء، وقوله ﵊ في جوابه "إلا الإذْخِر" هو استثناء بعض من كل، لدخول الإدْخِر في عموم ما يُختْلَي، واستدل به على جواز النسخ قبل الفعل، وليس بواضح، وعلى جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، ومذهب الجمهور اشتراط الاتصال إما لفظًا وإما حكمًا، لجواز الفصل بالتنفس مثلًا. وقد اشتهر عن ابن عباس الجواز مطلقًا، ويمكن أن يحتج له بظاهر هذه القصة. وأجابوا عن ذلك بأن هذا الاستثناء في حكم المتصل، لاحتمال أن يكون ﵊ أراد أن يقول "إلا الإذخِر" فشغله العباس بكلامه، فوصل كلامه بكلام نفسه، فقال إلا "الإذْخِر" وقد قال ابن مالك: يجوز الفصل مع إضمار الاستثناء متصلًا بالمستثنى منه. واختلفوا هل كان قوله صلى الله تعالى عليه وسلم "إلا الإذْخِر" باجتهاد أو وحي؟ وقيل: كأنّ الله فَوَض له الحكم في هذه المسألة مطلقًا. وقيل: أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء فأجب سؤاله. وقال الطبري: ساغ للعباس أن يستثنى الإذْخِر لأنه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكة، تحريم القتال دون ما ذكر من تحريم الاختلاء، فإنه من تحريم الرسول باجتهاده، فساغ له أن يسأله استثناء الإذْخِر، وهذا مبنى على أن الرسول، ﵊، كان له أن يجتهد في الأحكام، وليس ما قاله بلازم بل تقريره، صلى الله تعالى عليه وسلم، للعباس على ذلك دليلٌ على جواز تخصيص العام. وقد مر قريبًا أن العباس لم يرد الاستثناء، وإنما أراد تلقينه ﵊، وقال ابن بَطّال عن المُهَلَّب: إن الاستثناء هنا للضرورة، كتحليل أكل الميتة عند الضرورة. وقد بين العباس ذلك بأن الإذْخِر لا غنى لأهل مكة عنه.

стр. 1531

وتعقبه ابن المنير بأن الذي يباح للضرورة، يشترط حصولها فيه، فلو كان الإذخر مثل الميتة لامتنع استعماله إلا فيمن تحققت ضرورته إليه والِإجماع على أنه مباح مطلقاً من غير قيد الضرورة، ويحتمل أن يكون مراد المهلب أن أصل إباحته كان للضرورة وسببها، لا أنه يريد أنه مقيد بها. قلت: هذا الاحتمال هو الظاهر المتعين، فإن المراد أن أهل مكة في ضرورة دائمًا إلى الإذْخِر، لما ذكر وما ذكر دائم لا ينقطع، وبهذا التقرير يبطل تعقب ابن المنير. ثم قال ابن المنير: والحق أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة، وترخيص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان تبليغًا عن الله، إما بطريق الإلهام أو الوحي. ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متسع فقد وهم. وفي الحديث بيان خصوصية النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، بما ذكر في الحديث، وجواز مراجعة العالم في المصالح الشرعية والمبادرة إلى ذلك في المجامع والمشاهد، وعظيم منزلة العباس عند النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وعنايته بأمر مكة لكونه كان بها. أصلُهُ ومنشؤه. وفيه أن من قتل متأولاً كان حكمه حكم من قتل خطأ في وجوب الدية، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم "فإنّي عاقله". رجاله خمسة: الأول أبو نعيم الفضل بن دُكَين مر تعريفه في الحديث السادس والأربعين من كتاب الإيمان وفيه أبو سَلَمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عَوْف، ومر تعريفه بعد الحديث الثالث من بدء الوحي، ومر تعريف أبي هُريرة في الحديث الثاني من كتاب الإِيمان. والثاني من السند: شَيْبان بن عبد الرحمن، أبو معاوية النَّحْوِي المؤدب البصريّ، مولى بني تميم، سمع الحسن البصريّ، وعبد الملك بن عُمَير وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، والأعمش وخلقًا، وروى عنه أبو حنيفة، وزَائدة بن قُدَامة، وهما من أقرانه، وأبو داود الطَّيالسِيّ، وشبَّابة، ومعاوية بن هشام، وغيرهم. قال العيني: إنه روى عنه علي بن الجَعْد وأبو

стр. 1532

حنيفة، وبين وفاتيهما تسع وسبعون سنة. كان صاحب حروف وقراآت، قال أحمد: هو ثبت في كل المشايخ، وشيبان أثبت في يحيى بن أبي كثير من الأوزاعي. وقال ابن مَعين: هو أحب إلي في قتادة من معمر. وقال أيضًا: هو ثقة. صاحب كتاب. وقال أيضًا: ثقة في كل شيء ووثَّقه النَّسائِي والعَجْلِيّ وابن سعد والتِّرمْذِيّ والبَزّار. وقال عثمان بن أبي شيبة: كان معلمًا صدوقًا حسَن الحديث. وقال أحمد: هشام حافظ، وشيبان صاحب كتاب، قيل له: حَربُ بن شداد كيف هو؟ قال: لا بأس به، وشيبان أرفع. وقال السَّاجيّ: صدوق، عنده مناكير، وأحاديثه عن الأعمش تفرد بها، وكان أحمد يثني عليه. وكان ابن مَهْديّ يحدث عنه ويفخر به، وقرأت بخط الذهبيّ في "الميزان" قال أبو حاتم: صالح الحديث لا يحتج به. قال ابن حجر: وهو وَهمٌ في النقل، فالذي في كتاب ابن أبي حاتم عن أبيه: "كوفي حسن الحديث صالح، يكتب حديثه" وكذا نقل الباجيّ عنه، وكذا هو في تهذيب الكمال. وهو الصواب وأما قول السَّاجِيّ فهو معارَض بقول أحمد أنه ثبت في كل المشايخ، ومع ذلك، فليس في البخاريّ من حديثه عن الأعمش شيء لا أصلًا ولا استشهادا، نعم أخرج له أحاديث من روايته عن يحيى بن أبي كثير ومنصور بن المعتمر، وقتادة، وفراس بن يحيى، وزياد بن علاقة، وهلال الوَزّان، واعتمده الجماعة كلهم. والنَّحْوي في نسبه نسبة إلى قبيلة ولد النَّحْو بن الشَّمس بن عمرو بن غَنْم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران، وليس في هذه القبيلة من يروي الحديث سواه، هو ويزيد بن أبي سعيد. وأما ما عداهما فنسبة إلى النحو، علم العربية، كأبي عمرو بن العلاء النَّحْويّ، وغيره. وليس في البخاري من اسمه شيبان غيره، وفي مسلم هو وشيبان بن فَرُّوخ، وفي أبي داود شيبان أبو حُذَيفة النَّسائيّ وليس في الكتب الستة غير ذلك. مات ببغداد ودفن في مقبرة الخَيْزران، أو في باب التِّين، سنة أربع وستين ومئة في خلافة المهدي.

стр. 1533

والثالث من السند: يحيى بن أبي كثير، واسمه أبي كثير صالح بن المُتَوكِّل، وقيل: نشيط، وقيل دينار، مولى عليّ اليَعماميّ الطائي مولاهم، العطار، أحد الأعلام الثقات، العبّاد، روى عن أنس وجابر مرسلًا، وعن أبي سَلَمة وهِلال بن ميمونة، ومحمد بن إبراهيم التميميّ وغيرهم، روى عنه ابنه عبد الله وأيوب السَّخْتيانيّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهما من أقرانه، والأوزاعي وغيرهم، قال وهُيب عن أيوب: ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى، وقال ابن عُيينة: قال أيوب: ما أعلم أحداً بعد الزُّهريّ أعلم بحديث أهل المدينة من يحيى، وقال القطان: سمعت شُعْبة يقول: يحيى أحسن حديثًا من الزهريّ، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه يحيى: من أثبت الناس، إنما يعد مع الزُّهريّ، ويحيى بن سعيد، وإذا خالفه الزُّهْري فالقول قول يحيى، وقال العِجْليّ ثقة، كان يعد من أصحاب الحديث وقال أبو حاتم: يحيى إمام لا يحدث إلا عن ثقة. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: كان من العُبَّاد، رأى أنسًا يصلي في المسجد الحرام رؤية لم يسمع منه، وقال يحيى القَطَّان: مرسلاته تشبه الريح؛ لأنه كان كثير الإرسال والتحديث من الصحف. قال همام: كان يسمع الحديث منا بالغداة، فيحدث به بالعشيّ، يعني: ولا يذكر من حدثه به. وقال أبو حاتم: لم يسمع من أحد من الصحابة، وقال حسين المعلِّم: قال لي يحيى بن أبي كثير: كل شيء عن أبي سَلاَم إنما هو كتاب. قال: وقلنا له: هذه المرسلات، عمن هي؟ قال: أترى أحدًا أخذ مدادًا وصحيفة يكتب على رسول الله ﷺ الكذب؟ قال: فقلت له: فإذا جاء مثل ذلك، فأخبرنا. قال: إذا قلت بلغني فإنه من كتاب. مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل سنة اثنتين وثلاثين بعد أيوب بسنة وليس في الكتب الستة يحيى بن أبي كثير غيره، نعم فيها يحيى بن كثير العَنْبريّ، وفي أبي داود يحيى بن كثير الباهِليّ، وفي ابن ماجه يحيى بن كثير صاحب البصريّ، وهما ضعيفان.

стр. 1534

والطائيّ في نسبه نسبة إلى طيّء، كسيد، أبي قبيلة من اليمن، واسمه جُلْهمَة بن أدَد بن زيد بن كَهْلان بن سبأ بن حِمْير، سمي طيئًا لإبعاده في الأرض، وجولانه في المرعى، من الطّاءَة، كالطاعة، الإبعاد في المرعى، والنسبة إليه طائيُّ على غير قياس، وقد تحذف الهمزة من طيء فيقال فيه طيّ، كحي، ينسب إلى هذه القبيلة كثير من الأجواد والشعراء والمحدثين. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته أئمة أجلاء، وهم ما بين كوفي وبصريّ ويماني ومدنيٍّ، وفيه من رأى الصحابيَّ عن التابعيّ. أخرجه البخاريُّ هنا وفي الديات واللقطة، وأخرجه مسلم في الحج، وأبو داود والتِّرمْذيِ، وقال: حسن صحيح، والنَّسائيّ، وابن ماجَه. وفي الحديث لفظ "أبي فلان" وهو أبو شاهٍ اليمانيّ يقال: إنه كلبيّ، ويقال: إنه فارسيّ من الأبناء الذين قدموا في نصرة سيف بن ذي يَزَن، وقيل: إن هاءه أصلية وهو بالفارسية معناه الملِك. ومن ظن أنه باسم أحد الشياه فقد وهم، له ذكر في الصحيحين في هذا الحديث.

стр. 1535

الحديث الخامس والخمسون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو فَقَالَ أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنْ أَخِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قوله: "أحد" بالرفع اسم ما النافية، وقوله "أكثر" بالنصب خبرها، وفي رواية أبي ذَرٍ "أكثر" بالرفع فأعربها العيني وغيره صفة أحد، ويكون الخبر حينئذ الجار والمجرور المتقدم، وتعقبه الدّمامينيُّ فقال: إن هذا يقتضي أن ما عاملة، واحد الشروط متخلف، وهو تأخير الخبر، واغتفارهم لتقدم الظرف دائمًا إنما هو إذا كان معمولاً للخبر، لا خبرًا، وأما نصب أكثر فيحتمل أيضًا أن يكون حالًا من الضمير المستكنّ في الظرف المتقدم على بحث فيه، فتأمله. قال: والذي يظهر أن "ما" هذه مهملة غير عاملة عمل ليس، وأن أحد مبتدأ. وأكثر صفته و"من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم" خبره. وقوله: "حديثًا" بالنصب على التمييز، وقوله: "فإنه كان يكتب ولا أكتب" هذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره من أكثرية ما عند عبد الله ابن عمرو بن العاص على ما عنده، ويستفاد من ذلك أن أبا هُريرة كان جازمًا بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثًا عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم منه إلا عبد الله، مع أن الموجود المرويّ عن عبد الله بن عمرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة، ويعارض هذا الحديث ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو بن أمية قال: تحدث عند أبي

стр. 1536

هريرة بحديث، فأخذ بيدي إلى بيته، فأرانا كتبًا من حديث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال: هذا هو مكتوب عندي. قال ابن عبد البر: حديث همام أصح ويمكن الجمع بأنه لم يكن يكتب في العهد النبويّ، ثم كتب بعده. وأقوى من هذا أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوبًا عنده أن يكون بخطه، وقد ثبت أنه لم يكن يكتب. فتعين أن المكتوب عنده لم يكن بخطه، والاستثناء في الحديث إن قيل إنه منقطع فلا إشكال إذ التقدير لكن الذي كان من عبد الله، وهو الكتابة، لم يكن مني سواء لزم منه كونه أكثر حديثًا، لما تقتضيه العادة، أم لا، وإن قيل إنه متصل، فالسبب في كثرة حديث أبي هريرة عنه مع ذلك من جهات. أحدها: أن عبد الله كان مشتغلًا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلت الرواية عنه. ثانيها: أنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصديًا فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمان مئة نفس من التابعين. ولم يقع هذا لغيره. ثالثها: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم له بأن لا ينسى، كما سيأتي قريبا. رابعها: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام يحمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدث منها، فتجنبّ الأخذ عنه لذلك كثيرٌ من التابعين. خامسها: أن يقال تحمل أكثرية عبد الله بن عمرو على ما فاز به من الكتابة قبل الدعاء لأبي هريرة لأنه قال الذي حديثه "فما نسيت شيئًا بعد" فجاز أن يدخل عليه النسيان فيما سمعه قبل الدعاء، بخلاف عبد الله فإن الذي سمعه مضبوط بالكتابة.

стр. 1537

ويستفاد من هذا الحديث ومن حديث علي المتقدم ومن قصة أبي شاهٍ أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أذن في كتابة الحديث عنه. وهو يعارض حديث أبي سعيد الخدري " أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن" رواه مسلم. والجمع بينهما أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في تفريقها، أو النهي فتقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، وهو أقربها مع أنه لا ينافيها. وقيل: النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك. ومنهم من أعل حديث أبي سعيد. وقال: الصوابُ وقفه على أبي سعيد. قاله البخاريّ وغيره. قال العلماء: كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوه حفظًا، لكن لما قصرت الهمم، وخشي الأئمة ضياع العلم، دونوه، وأول من دون الحديث ابن شهاب الزُّهْريّ على رأس المئة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير. قال هنا في "الفتح": وقد مر في باب "كيف يقبض العلم" أن أول تدوين الحديث كتب عمر بن عبد العزيز بذلك إلى أبي بكر بن حزم. يجمع بينهما بما ذكر هناك مما أخرجه أبو نعيم أن عمر كتب بذلك إلى الآفاق، فيكون كتب لكل من ابن شهاب وأبي بكر بذلك. رجاله ستة: الأول علي بن عبد الله المدينيّ، وقد مر تعريفه في الحديث الرابع عشر من كتاب العلم، الثاني سفيان بن عُيينة، وقد مر أيضًا تعريفه في الحديث الأول من بدء الوحي. الثالث: عمرو بن دينار، المكيّ أبو محمد الأثرم، الجُمَحِيّ، مولاهم، أحد الأعلام روى عن العبادلة الأربعة، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبي الطفيل والسائب بن يزيد، والحسن بن محمد بن علي بن

стр. 1538

أبي طالب، ووهب بن مُنَبه وخلق. وروى عنه قتادة، ومات قبله، وأيوب بن جُرَيج، وجعفر الصادق ومالك، وشعبة، والحمّادان، والسفيانان، وخلق كثير. قال أحمد بن حنبل: كان شعبة لا يقدم على عمرو بن دينار أحدًا، لا الحكم ولا غيره يعني في التَّثَبُّت. وقال ابن أبي نَجِيح: ما كان عندنا أحدًا أفقه ولا أعلم من عمرو بن دينار، زاد غيره: لا عطاء ولا مجاهد ولا طاووس. وقال القطان: عمرو بن دينار أثبت عندي من قتادة، فذكر ذلك لأحمد، فذكر مثله. وقال أحمد أيضًا: عمرو أثبت الناس في عطاء وقال النَّسائيّ: ثقة ثبت، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. وقال سفيان لمِسْعَر من رأيت أشد إتقانًا للحديث؟ قال: عمرو بن دينار، والقاسم بن عبد الرحمن. وقال ابن عُيينة: حدثنا عمرو بن دينار، وكان ثقة ثقة ثقة، وحديث أسمعه من عمرو أحب إلى من عشرين حديثًا من غيره. ومرض عمرو فعاده الزُّهري، فلما قام الزُّهْرِيّ قال: ما رأيت شيخاً أنصَّ للحديث الجيد من هذا الشيخ. وقال ابن عُيينة وعمرو بن جرير: كان ثقة ثبتًا، كثير الحديث صدوقًا عالمًا، وكان مفتي أهل مكة في زمانه. وذكره ابن حِبّان في الثقات، مات سنة ست وعشرين ومئة، وقد جاوز السبعين، والجُمَحِيّ في نسبه نسبة إلى جُمَح بن عمر بن هُصَيْص بن كعب بن لُؤَي بن غالب بن فهو. الرابع: وهب بن مُنبه، بضم الميم وفتح النون وكسر الباء الموحدة المشددة، ابن كامل بن سِيْج، بفتح السين المهملة، وقيل بكسرها وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره جيم، وقيل الشين معجمة، ابن ذي كنار، وهو الأسوار الصنعانيّ اليمانيّ الأبناويّ الذَّمَارِيّ، روى عن العبادلة ما عدا ابن الزبير، وعن أبي هريرة، وأبي سعيد وجابر، وأنس وعمرو بن شُعيب، وأخيه همام بن مُنّبه. وروى عنه ابناه عبد الله وعبد الرحمن، وابنا أخيه عبد الصمد، وعقيل بن مَعْقِل بن منبه. قال ابن حنبل: كان من أبناء فارس، وقال العِجْليّ: تابعي ثقة، وكان

стр. 1539

على قضاء صنعاء. وثَّقه النَّسائي وأبو زرعة، وذكره ابن حِبّان في الثقات. وكان وهب بن منبه يختلف إلى هَراة، ويتفقد أمرها. وجاء من وجهين ضعيفين عن عُبادة بن الصّامت مرفوعًا: "سيكون رجلان في أمتي أحدهما يقال له وهبٌ يؤتيه الله تعالى الحكمة، والَاخر يقال له غَيْلان هو أضر على أمتي من إبليس". وقال المثنّى بن الصَّبَاح: لبث وهب بن منبه أربعين سنة لم يسب شيئًا فيه الروح، ولبث عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وضوءًا. وقال أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق عن أبيه: حج عامة الفقهاء سنة مئة، فحج وهب، فلما وصلوا أتاه نفر فيهم العطاء والحسن، وهم يريدون أن يذاكروه القدر، قال: فأمعن في باب من الحمد، فمازال فيه حتى طلع الفجر، فافترقوا ولم يسألوه عن شيء. قال أحمد: كان يتهم بشيء من القدر؛ ثم رجع، وقال حماد بن سلمة عن أبي سفيان: سمعت وهب بن مُنّبه يقول: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتابًا من كتب الأنبياء في كلها "من جعل إلى نفسه شيئًا من المشيئة فقد كفر" فتركت قولي. وقال الجُوْزجَانيّ: كان وهب كتب كتابًا في القدر، ثم حدثت أنه ندم عليه. وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار: دخلت على وهب بن منبه داره بصنعاء، فاطعمني جوزًا من جوزة في داره، فقلت له: وددت أنك لم تكن كتبت في القدر، فقال: أنا والله وددت. ولد سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان، ومات سنة عشر ومئة، وقيل: إن يوسف بن عمر ضربه حتى مات. روى له البخاري هذا الحديث الواحد عن أخيه. والأبْنَاويّ في نسبه نسبة إلى أبناء، بباء موحدة ثم نون، وهم كل من ولد من أبناء الفرس الذين وجههم كسرى مع سيف بن ذي يزن. الخامس: همّام بن مُنبِّه، ومر تعريفه في الحديث السادس والثلاثين من كتاب الإيمان.

стр. 1540

السادس: أبو هريرة، ومرَّ تعريفه في الحديث الثاني من كتاب الإِيمان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والإخبار بصيغة الإفراد والسماع. ووهب لم يرو له البخاري غير هذا الحديث، وفيه ثلاثة من التابعين في طبقة متقاربة أولهم عمرو. وأخرجه البخاري هنا ليس إلا، وهو من إفراده عن مسلم، وأخرجه التِّرْمِذيُّ في العلم والمناقب، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النَّسائيّ في العلم. ثم قال: تابعه معمر عن همام عن أبي هريرة، يعني أن ابن راشد معمرًا تابع وَهْب بن منبه في روايته لهذا الحديث عن همّام. والمتابعة المذكورة أخرجها عبد الرزاق عن معمر، وأخرجها أبو بكر بن علي المَرْوَزِيّ في كتاب العلم له عن حجّاج بن الشاعر عنه، وروى أحمد والبيهقي في "المدخل" عن عمرو بن شُعيب عن مُجاهد والمُغيرة بن حكيم قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو. فإنه كان يكتب ويعي بقلبه، وكنت أعي ولا أكتب. واستأذن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، في الكتابة عنه، فأذِن له. إسناده حسن. وله طرق أخر، ولا يلزم أن يكونا في الوعي سواء، لما مر من اختصاص أبي هريرة بالدعاء بعدم النسيان، ومعمر بن راشد قد مر تعريفه في متابعة بعد الحديث الثالث من بدء الوحي، وهمام مر تعريفه في الحديث السادس والثلاثين من كتاب الإيمان. وأبو هريرة مر تعريفه في الحديث الثاني من كتاب الإيمان.

стр. 1541

قال عياض: وردت آثار تدل على معرفته حروف الخط وحسن تصويرها، كقوله لكاتبه: "ضع القلم على أذنك، فإنه أذكر لك" وقوله لمعاوية: "أَلق الدواة، وحَرّف القلم، وأَقِم الباء، وفرّق السين، ولا تُعَوّر الميم" وقوله "لا تمدّ بسم الله" قال: وهذا، وإن لم يثبت أنه كتب، فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء. وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث، وعن قصة الحديبية بأن القصة واحدة والكاتب فيها علي. وقد صرح في حديث المُسَوَّر بأن عليًا هو الذي كتب، فيحمل على أن النكتة في قوله "فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب" لبيان أن قوله "أرني إياها" أنه ما احتاج أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك "فكتب" فيه حذف تقديره "فمحاها فأعادها لعليّ فكتب". وبهذا جزم ابن التين، أو أطلق "كتب" بمعنى "أمر بالكتابة" وهو كثير، كقوله "كتب إلى قيصر"، "وكتب إلى كسرى" وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم، وهو لا يحسن الكتابة، أن يصير عالمًا بالكتابة. ويخرج عن كونه أميًا، فإن كثيرًا ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصور بعض الكلمات، ويحسن وضعها بيده، وخصوصًا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا، ككثير من الملوك. ويحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا، وبهذا أجاب أبو جعفر السَّمْناني أحد أئمة الأصول من الأشاعرة، وتبعه ابن الجَوْزِيّ. وتعقب ذلك السُّهَيليّ وغيره بأنَّ هذا وإن كان ممكنًا ويكون آية أخرى، لكنه يناقض كونه أميًا لا يكتب، وهو الآية التي قامت بها الحجة، وأفحم الجاحد، وانحسمت الشبهة، فلو جاز أن يكتب بعد ذلك، لعادت الشبهة، وقال المعاند: كان يحسن يكتب، لكنه كان يكتم ذلك. قلت: هذا القول بعد تقرر الإِسلام ورسوخه في القلوب، وقوته وصيرورته

стр. 1542

بالسيف، لا يؤثر ولا يضر. قال السُّهَيليّ: والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا، والحق أن معنى قوله "فكتب" أي: أمر عليا أن يكتب. وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظر كبير. وقوله "كتابًا" بعد قوله "بكتاب" فيه الجناس التام بين الكلمتين، وإن كانت إحداهما بالحقيقة والأخرى بالمجاز. وقوله "لا تضلّوا بعده" هو نفى وحذفت النون منه لأنه بدل من جواب الأمر من غير حرف العطف جائز. وقوله: "فقال عمر غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا" أي اشتد عليه فيشق عليه إملاء الكتاب، أو مباشرة الكتابة على ما مر من الاحتمالين، وكان عمر رضي الله تعالى عنه، فهم من ذلك أنه يقتضي التطويل. قال القُرطبيّ وغيره: "ائتوني" أمر، وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال، لكن ظهر لعمر، رضي الله تعالى عنه، مع طائفة أنه ليس للوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح، فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قول الله تعالى ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقوله تعالى ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ولهذا قال عمر "حسبنا كتاب الله". ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار، ولهذا عاش صلى الله تعالى عليه وسلم، بعد ذلك أياما ولم يعاود أمرهم بذلك. ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم؛ لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف. وكان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر، فإذا عزم امتثلوا. قال المازَريّ: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريع أمره لهم بذلك؛ لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها عن الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن، بأنه ﵊، قال ذلك من غير قصد جازم، وعزمه

стр. 1543

الحديث السادس والخمسون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: "ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ، كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ". قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ: "قُومُوا عَنِّي، وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ". فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ. قوله: "لما اشتد وجعه" أي قوي وجعه في مرض موته كما سيأتي، وفي رواية في المغازي: "لما حضرت النبيَّ، صلى الله تعالى عليه وسلم، الوفاة، وفيها من حديث سعيد بن جُبير أن ذلك كان يوم الخميس، قبل موته صلى الله تعالى عليه وسلم، بأربعة أيام. وقوله "بكتاب" أي بأدوات الكتاب، كالقلم والدَّواة، ففيه مجاز الحذف، أو أراد بالكتاب ما من شأنه أن يكتب فيه، كالكاغد وعَظم الكتف؛ لأنهم كانوا يكتبون فيها. وقد صرح بذلك في رواية لمسلم، قال "ائتوني بالكتف والدواة". وقوله: "أكتب" هو بالجزم جواب الأمر، ويجوز الرفعُ على الاستئناف. وفيه مجاز أيضًا، أي: أمر بالكتابة. وفي مسند أحمد من حديث عليّ أنه المأمور بذلك، ولفظه "أمرني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أن آتي بطبق يكتب ما لا تضل أمته من بعده". قلت: هذا كحديث المتن، ليس فيه التصريح بأن عليًا هو المأمور بالكتابة، لقوله فيه "يكتب" ويحتمل أن يكون على ظاهره من كونه ﵊ يريد أن يكتب بنفسه.

стр. 1544

وفي كتْبه، ﵊، بيده الشريفة خلاف مشتهر بين العلماء. فقد أخرج البخاري في باب عُمرة القضاء "فأخذ رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، الكتاب، وليس يحسن يكتب، فكتب: "هذا ما قاضى محمد بن عبد الله " فتمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجِيّ، فادعى أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كتب بيده، بعد أن لم يكن يحسن يكتب، فشنَّع عليه علماء الأندلس في زمانه، ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن حتى قال قائلهم: برئت ممن شرى دنيا بآخرة ... وقال إن رسول الله قد كتبا فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة، وقال للأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن؛ لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وبعد أن تحققت أمنيته، وتقررت بذلك معجزته، وأمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم، فتكون معجزة أخرى. وذكر ابن دَحْية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك، منهم شيخه أبو ذَر الهَرَويّ وأبو الفتح النَّيْسابُورِيّ، وآخرون من علماء إفريقية وغيرها. واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شَيْبة، وعمر بن شَبَّة، من طريق مجاهد عن عبد الله بن عون قال: ما مات رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى كتب وقرأ. قال مجاهد: فذكرته للشعبيّ فقال: صدق قد سمعت من يذكر ذلك. ومن طريق يونس بن مَيْسرة عن سَهْل بن الحَنْظَليَّة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعُيَيَنْة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمِّس؟ فأخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، الصحيفة فنظر فيها، فقال: قد كتب لك بما أمر لك. قال يونس: فنرى أن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، كتب بعدما أُنزل إليه

стр. 1545

صلى الله تعالى عليه وسلم، كان إما بالوحي أو بالاجتهاد، وكذلك تركه؛ إنْ كان بالوحي فبالوحي، وإلا فبالاجتهاد أيضًا. وقال النوويّ: اتفق قول العلماء على أن قول عمر "حسبنا كتاب الله" من قوة فقهه ودقيق نظره؛ لأنه خشي أن يكتب أمورًا ربما عجزوا عنها، واستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، وأراد أن لا ينسد باب الاجتهاد على العلماء. وفي تركه، صلى الله تعالى عليه وسلم، الإنكار على عمر إشارةٌ إلى تصويبه رأيهُ، فعُلم بذلك أن المأمور به ليس مما لا يستغنون عنه، إذ لو كان من هذا القبيل لم يتركه ﵊، لأجل اختلافهم، ولا يعارض ذلك قول ابن عباس: إن الرَّزية ... الخ؛ لأن عمر كان أفقه منه قطعًا. قال الخطابي: لم يتوهم عمر الغلظ فيما كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يريد كتابته، بل امتناعه محمول على أنه لما رأى ما هو فيه من الكرب، وحضور الموت، خشي أن يجد المنافقون سبيلًا إلى الطعن فيما يكتبه، وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق، فكان ذلك سبب توقف عمر لا أنه تعمد مخالفة قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا جوز وقوع الغلط عليه، حاشا وكلا. وقد ظهر لطائفة أخرى أن الأوْلى أن يكتب لما فيه من امتثال أمره، وما تضمنه من زيادة الإيضاح. واختلف في المراد "بالكتاب" فقيل: أراد أن يكتب كتابًا ينصّ فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف، وقيل: بل أراد أن ينص على أسامي الخلفاء بعده، حتى لا يقع بينهم الاختلاف، قاله سفيان بن عُيَينة، ويؤيده أنه صلى الله تعالى عليه وسلم، قال في أوائل مرضه، وهو عند عائشة: "ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ، ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" أخرجه مسلم، وللمصنف معناه، والأول أظهر، لقول عمر "كتاب الله حسبنا" أي كافينا، مع أنه يشمل الوجه الثاني؛ لأنه بعض أفراده.
следующие страницы →