Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
الحديث الخامس والستون
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً. فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ".
قوله "جاء رجل" في رواية عند المصنف في فرض الخُمس "قال أعرابي" وهذه تدل على وهم ما وقع عند الطبراني عن أبي موسى أنه قال: يا رسول الله. فأبو موسى، وإن جاز أن يُبهم نفسه في رواية الباب، لكن لا يصفها بكونه أعرابيًا. وهذا الأعرابيُّ يصلح أن يفسر بـ" لاحق بن ضُميرة" لما جاء عند أبي موسى المدنيّ أنه قال: "وفدت على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فسألته عن الرجل يلتمس الأجر والذكر، "فقال: لا شيء له ... " الحديث. وفي إسناده ضعف، ولاحق يأتي تعريفه في الخامس والعشرين من الجهاد. وفي فوائد أبي بكر بن أبي الحديد بإسناد ضعيف عن معاذ بن جبل أنه قال: "يا رسول الله كل بني سلمة يقاتل، فمنهم من يقاتل رياء ... " الحديث. فلو صح لاحتمل أن يكون معاذ أيضًا سأل عما سأل عنه الأعرابيّ؛ لأن سؤال معاذ خاص، وسؤال الأعرابي عام. ومعاذ أيضًا لا يقال له أعرابيّ، فيحمل على التعدد. ومر معاذ في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
وقوله "فقال يارسول الله ما القتال الذي سبيل الله"؟ مبتدأ وخبره وقع مقول القول. وقوله "يقاتل غضبًا" نصب مفعول له، والغضب حالة تحصل عند غليان الدم في القلب لإِرادة الانتقام. وقوله "ويقاتل حَمِيَّةً" نصب
стр. 1612
مفعول له أيضًا، وهو بفتح الحاء المهملة وكسر الميم وتشديد المثناة التحتية المفتوحة، وهي الأَنفة من الشيء والمحافظة على من يقاتل لأجله من أهل أو عشيرة أو صاحب، ويحتمل أن يفسر القتال للحمية بدفع المضرة، والقتال غضبًا بجلب المنفعة، وفي رواية شعبة في الجهاد "الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر" أي: ليذكر بين الناس ويشتهر بين الناس بالشجاعة وفيها "والرجل يقاتل ليرى مكانه". وفي رواية الأعمش في التوحيد "ويقاتل رياء" ومرجع التي قبلها إلى السمعة، ومرجع هذه إلى الرياء، وكلاهما مذموم.
والحاصل من الروايات أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار الشجاعة، والرياء، والحمية، والغضب، وكل منها يتناوله المدح والذم، فلهذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنفي، وقوله "وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائمًا" أي، ما رفع رأسه لأمر من الأمور إلا لقيام الرجل، فإن واسمها وخبرها في تقدير المصدر مفعول لأجله. وظاهر الحديث أن القائل لهذا أبو موسى، ويحتمل أن يكون من دونه، فيكون مدرجًا في أثناء الخبر.
وقوله "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" المراد بكلمة "الله" دعوة الله إلى الإِسلام، ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله إعلاء كلمة الله تعالى فقط، بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سببًا من الأسباب المذكورة أخل بذلك. ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمنًا، لا أصلًا ومقصودًا، وبذلك صرح الطّبريّ فقال: إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضره ما عرض له بعد ذلك. وبذا قال الجُمهور.
لكن روى أبو داود والنَّسائي عن أمامة بإسناد جيد قال: "جاء رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ قال: لا شيء له، فأعادها ثلاثًا كل ذلك يقول: لا شيء له، ثم قال رسول الله صلى
стр. 1613
الله تعالى عليه وسلم: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، وابتُغي به وجهه ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معًا على حد واحد، فلا يخالف المرجح أولًا، فتصير المراتب خمسًا: أن يقصد الشيئين معًا أو يقصد أحدهما صِرْفًا، أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضمنًا. والمحذور أن يقصد غير الإعلاء، فقد يحصل الإعلاء ضمنًا، وقد لا يحصل ويدخل تحته مرتبتان، وهذا ما دل عليه حديث أبي موسى، ودونه أن يقصدها معًا، فهو محذور أيضًا على ما دل عليه حديث أبي أمامة، والمطلوب أن يقصد الإعلاء صرفاً، وقد يحصل غير الإعلاء، وقد لا يحصل، ففيه مرتبتان أيضًا.
قال ابن أبي جمرة: المحققون على أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه، ويدل على أن دخول غير الإعلاء ضمنًا لا يقدح في الإعلاء إذا كان الإعلاء هو الباعث الأصلي -ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن حُوالة قال: "بعثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أقدامنا لنغنم، فرجعنا ولم نغنم شيئًا، فقال: اللهم لا تَكِلْهم إلى .. " الحديث، ويدخل فيه من قاتل لطلب الثواب ورضاء الله ودحض أعدائه، فإنه من إعلاء كلمة الله تعالى. وقد مر بعض الكلام على هذا المنزع في حديث "إنما الأعمال بالنيات" وفي إجابة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، بما ذكر غاية البلاغة والإيجاز، وهو من جوامع كلمِهِ صلى الله تعالى عليه وسلم؛ لأنه أجاب بلفظ جامع لمعنى السؤال مع زيادة عليه، ولو أجاب السائلَ بأن جميع ما ذكره ليس في سبيل الله، احتمل أن يكون ما عدا ذلك كله في سبيل الله، وليس كذلك، فعدل إلى لفظ جامع، عدل عن الجواب عن ماهية القتال إلى حال المقاتل، فتضمن الجواب وزيادة. ويحتمل أن يكون الضمير في قوله "فهو" راجعًا إلى القتال الذي في ضمن "قاتل" أي: فقتاله قتال في سبيل الله.
والحاصل أن القتال منشؤه القوة العقلية، والقوة الغضبية، والقوة الشَّهوانية. ولا يكون في سبيل الله إلا الأول. وقال ابن بطّال: إنما عدل
стр. 1614
صلى الله تعالى عليه وسلم، عن لفظ جواب السائل لأن الغضب والحمية قد يكونان لله تعالى، أو لغرض الدنيا، فأجاب ﵊ بلفظ جامع مختصر، أفاد دفع الإلباس، وزيادة الإفهام. ولو ذهب يقسم وجوه الغضب لطال ذلك، ولخشي أن يلبس عليه.
وفي الحديث بيان أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة، وأن الفضل الذي ورد في المجاهد يختص بمن ذكر، وفيه جواز السؤال عن العلة، وتقدم العلم على العمل، وأنه لا بأس بقيام السائل عند أمن الكِبْر، وفيه استحباب إقبال المسؤول على السائل، وذم الحرص على الدنيا وعلى القتال لحظ النفس في غير الطاعة، وجواز وقوف المستفتي لعذر أو حاجة.
رجاله خمسة وقد ذكروا: الأول عثمان بن أبي شَيبة، والثاني جرير بن عبد الحميد، والثالث منصور بن المَعْتَمِر، وقد مر تعريف هؤلاء الثلاثة في الحديث الثاني عشر من كتاب العلم. والرابع أبو وائل شقيق، مر تعريفه في الحديث الثاني والأربعين من كتاب الإيمان، والخامس أبو موسى عبد الله بن قيس، مر تعريفه في الحديث الرابع منه أيضًا.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورجاله كلهم كوفيون، وهم أئمة أجلاء، أخرجه البخاري هنا، وفي الجهاد وفي كتاب الخمس، وفي التوحيد. ومسلم في الجهاد، وأبو داود فيه أيضًا والتِّرمذْي فيه أيضًا، وقال: حسن صحيح. والنَّسائيّ وابن ماجه فيه أيضًا. ثم قال المصنف:
باب السؤال والفُتيا عند رمي الجمار
مراده أن اشتغال العالم بالطاعة، لا يمنع من سؤاله عن العلم، ما لم يكن مستغرقًا فيها، وأن الكلام في الرمي وغيره من المناسك جائز.
وقد اعترض بعضهم على الترجمة بأنه ليس في الخبر أن المسألة وقعت في حال الرمي، بل فيه أنه كان واقفًا عندها فقط، وأجيب بأن
стр. 1615
المصنف كثيراً ما يتمسك بالعموم، فوقوع السؤال عند الجمرة أعم من أن يكون في حال اشتغاله بالرمي، أو بعد الفراغ منه، أو يقال: إن كونه عند الجمرة قرينة علي أنه كان يرمي، أو في الذكر المقول عندها. واعترض الإسماعيلي أيضًا عليها فقال: لا فائدة في ذكر المكان الذي وقع السؤال فيه حتى يفرد بباب، وعلى تقدير اعتبار مثل ذلك، فليترجم بباب السؤال والمسؤول على الراحلة، وباب السؤال يوم النحر.
وما نفي من الفائدة مردود بما مر قريبًا من المراد بالترجمة، والإِلزامان اللذان ألزمهما يجاب عن الأول بأنه ترجم له فيما مضى، فقال: "باب الفُتيا وهو واقف على الدابة" وأما الثاني، فكأنه أراد أن يقابل المكان بالزمان، وهو مُتَّجهٌ، وإن كان معلومًا أن السؤال عن العلم لا يتقيد بيوم دون يوم، لكن قد يتخيل متخيل من كون يوم العيد يوم لَهْوٍ امتناع السؤال عن العلم فيه.
стр. 1616
الحديث السادس والستون
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الْجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: "ارْمِ وَلاَ حَرَجَ". قَالَ آخَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ. قَالَ: "انْحَرْ وَلاَ حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ إِلاَّ قَالَ افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ.
قوله "عند الجمرة" أي جمرة العقبة لأنها المقصودة عند الإطلاق، "فَأَلْ" للعهد، وقوله "يسأل" بضم أوله مبنيٌّ للمجهول، واستدل الإسماعيليّ بالخبر على أن الترتيب قائم مع اللفظ بأي صيغة ورد، ما لم يقم دليل على عدم إرادته. ووجه دلالته هو أنهم لو لم يفهموا أن ذلك هو الأصل، لما احتاجوا إلى السؤال عن حكم تقديم الأول على الثاني، إذا ورد الأمر لشيئين معطوفين بالواو، فيقال: الأصل العمل بتقديم ما قدم، وتأخير ما أخر، حتى يقوم الدليل على التسوية، ولمن يقول بعدم الترتيب أصلًا أن يتمسك بهذا الخبر، فيقول: حتى يقوم دليل على وجوب الترتيب.
ويستفاد منه أن سؤال من لا يعرف الحكم عنه في موضع فعله حسن بل واجب عليه؛ لأن صحة العمل متوقفة على العلم بكيفيته، وإن سؤال العالم على قارعة الطريق عما يحتاج إليه السائل، لا نقص فيه على العالم إذا أجاب، ولا لوم على السائل. ويستفاد منه أيضًا دفع توهم من يظن أن في الاشتغال بالسؤال والجواب عند الجمرة تضييقًا على الرامين، وهذا وإن كان كذلك، لكن يستثنى من المنع ما إذا كان فيما يتعلق بحكم تلك العبادة وهذا الحديث قد استوفيت مباحثه عند ذكره في باب "الفتيا وهو واقف على الدابة".
стр. 1617
رجاله خمسة: الأول أبو نعيم الفضل بن دُكين، مر تعريفه في الحديث السادس والأربعين من كتاب الإيمان، ومر تعريف ابن شهاب في الحديث الثالث من بدء الوحي، ومر تعريف عيسى بن طلحة بن عُبيد الله في الحديث الخامس والعشرين من كتاب العلم. ومر تعريف عبد الله بن عمرو بن العاص في الحديث الثالث من كتاب الإيمان.
والثاني من السند: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، نسب إلى جده أبي سلمة الماجشون، بفتح الجيم وكسرها، واسم أبي سلمة ميمون، وقيل دينار، المدنيّ، أبو عبد الله. ويقال أبو الأصْبغ الفقيه، أحد الأعلام، مولى آل الهدبر التميميّ، نزيل بغداد. روى عن أبيه وعمه يعقوب، ومحمد بق المُنْكدَر، والزُّهْرِيّ، وإسحاق بن أبي طلحة، وزيد ابن أَسْلَم وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الملك، وزهير بن معاوية، وإبراهيم بن طَهْمان، والليث بن سعد، وهم من أقرانه، وابن وهب وابن مَهْدي، وخلق كثير. والماجَشون فارسِيُّ. وإنما سُمي الماجشون لأن وجنتيه كانتا حمراوين، فسُمي بالفارسية "الماهكون" فشبه وجنتاه بالقمر، فعربه أهل المدينة، فقالوا الماجشون. وقال أحمد: تعلق من الفارسية بكلمة، فكان إذا لقي الرجل يقول "شموني" فلقب الماجشون.
وقال الحسين بن حبّان قيل، لأبي زكرياء: الماجشون هل هو مثل الليث وإبراهيم بن سعد؟ فقال: لا هو دونهما، إنما كان رجلًا يقول بالقدر والكلام، ثم تركه وأقبل على السنة، ولم يكن من شأنه الحديث، فلما قدم بغداد كتبوا عنه، فكان بعد يقول: جعلني أهل بغداد محدثًا وكان صدوقًا. ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والنَّسائيّ. وقال ابن خراش: صدوق، قال ابن مَهْديّ: لم يسمع من الزُّهْرِيّ. وقال أحمد بن سنان: معناه أنه عرض. وقال ابن وهب حججت سنة ثمان وأربعين ومئة، وصائح يصيح: لا يفتح الباب إلا لمالك وعبد العزيز بن أبي سلمة.
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وأهل العراق أروى عنه من
стр. 1618
أهل المدينة، وكان فقيهًا ورعًا، متابعًا لمذهب أهل الحرمين، مفرعًا على أصولهم، ذابًا عنه. وقال أحمد بن صالح: كان نزهًا صاحب سنة، ثقة. وقال ابن أبي مَرْيم: سمعت أشْهَبَ يقول: هو أعلم من مالك. وقال أحمد بن كامل لعبد العزيز: كتب مصنفة في الأحكام. وقال موسى بن هارون الحمّال: كان ثبتًا متقنًا. توفي ببغداد سنة أربع وستين ومئة، ويقال إن سكينة بنت الحسين بن علي ﵄ لقبته بهذا اللقب الذي هو الماجشون. والتميميّ في نسبه مر في السادس من بدء الوحي.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته ما بين كوفيّ ومدنيّ ومصري، ومر المواضيع التي أخرج فيها عند ذكره في الحديث الخامس والعشرين من كتاب العلم. ثم قال المصنف:
باب قول الله تعالى وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا
كذا في رواية الكشميهنيّ، ولغيره في التفسير "وما أوتوا"، وقد ذكر في آخر الحديث. قال الأعمش: هي كذا في قراءتنا، وبيّن مسلم اختلاف الرواة فيها عن الأعمش، وهي مشهورة عن الأعمش، ولا مانع أن يذكرها بقراءة غيره. وقراءة الجمهور "وما أوتيتم" بل ليست هذه القراءة في السبعة، ولا في المشهور من غيرها. وقد أغفلها أبو عُبيد في "كتاب القراءات" له، من قراءة الأعمش. والأكثر على أن إلمخاطب بذلك اليهودُ، فتتحد القراءتان، نعم هي تتناول علم جميع الخلق بالنسبة إلى علم الله تعالى. وفي حديث ابن عباس "أن اليهود لما سمعوها قالوا أوتينا علمًا كثيراً: التوراة، ومن أوتى التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا" فنزلت ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] الآية. قال التِّرمذي: حسن صحيح. وقوله "إِلَّا قَلِيلًا" استثناء من العلم، أي إلا علمًا قليلًا، أو من الإعطاء أي الإعطاء قليلًا أو من ضمير المخاطب أو الغائب على القراءتين، أي إلا قليلًا منكم أو منهم.
стр. 1619
الحديث السابع والستون
حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تَسْأَلُوهُ لاَ يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ. فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ. فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، قَالَ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قَالَ الأَعْمَشُ هَكَذَا فِى قِرَاءَتِنَا.
قوله "في خِرَب المدينة" هو بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء، جمع خِرْبة بالسكون، ويقال بفتح الخاء وكسر الراء، ككَلِمة وكلْمَة، وهذا أصوب، وأوفق للقياس. وفي التفسير: "في حرث" بفتح المهملة وسكون الراء، وعند مسلم بلفظ "كان في نخل" ولابن مردويه "في حرث للأنصار". وهذا يدل على أن نزول الآية وقع في المدينة، لكن روى التِّرمِذيُّ عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل هذا الرجل عنه فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، فأنزل الله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] ورجاله رجال مسلم، ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول يحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك إن ساغ هذا، وإلا فما في الصحيح أصح. وقوله "وهو يتوكأ" جملة اسمية حالية، أي يعتمد. وقوله "على عَسِيب" بمهملتين آخره موحدة بوزن عظيم، وهي الجَرِيدة التي لا خُوص لها. وفي رواية ابن حبان "ومعه جريدة". قال ابن فارس: العُسْبان من النخل كالقُضْبان من غيره. وقوله "فمر بنفر من اليهود" النَّفَر بالتحريك، عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة، وفي
стр. 1620
رواية التفسير "إذ مر اليهود" بالرفع على الفاعلية، وعند الطبريّ "إذ مررنا على يهود" ويحمل هذا الاختلاف على أن الفريقين تلاقوا، فيصدق أن كلًا مر بالآخر.
وقوله "على يهود" هذا اللفظ معرفة تدخله اللام تارة، وتارة يتجرد، وحذفوا منه ياء النسبة، ففرقوا بين مفرده وجمعه بالياء في المفرد، كما قالوا زنْج وزنْجي، وليس في شيء من الطرق تسمية من هؤلاء اليهود. وقوله "لا يجيء فيه بشيء تكرهونه" برفع يجيء على الاستئناف، والمعنى لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، وبالجزم على جواب النهي، وهو على مذهب الكوفيين، وبالنصب على معنى لا تسألوه خشية أن يجيء فيه بشيء. ولا زائدة. وفي رواية التفسير "لا يستقبلكم بشيء تكرهونه" وفي الاعتصام لا يسمعكم ما تكرهون"، وهي كلها بمعنىً وإعراب.
وقوله فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ وسؤالهم بقولهم: ما الروح؟ مُشْكلٌ، لأن الروح جاء في القرآن لمعان كثيرة، كما سترى إن شاء الله تعالى، لكن الأكثرون على أنهم سألوه عن الروح التي تكون بها الحياة في الجسد. وقال أهل النظر: سألوه عن كيفية مسلك الروح في الجسد، وامتزاجه به، وهذا هو الذي استأثر الله بعلمه. وقال القرطبي: المرجح أنهم سألوه عن روح الإنسان، لأن اليهود لا تعترف بان عيسى روح الله، ولا تجهل أن جبريل ملَك، وأن الملائكة أرواح.
وقال فَخْر الدين الرّازِيّ: المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، كما قال الجمهور، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه، وبيانه أن السؤال عن الروح يحتمل عن ماهيته، وهل هي متحيزة أم لا؟ وهل هي حالة في متحيّز أم لا؟ وهل قديمة أو حادثة؟ وهل تبقى بعد إنفصالها عن البدن أو تفنى؟ وما حقيقة تنعيمها أو تعذيبها؟ وغير ذلك من متعلقاتها. قال: وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه المعاني إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية، وهل الروح قديمة أو حادثة. والجواب يدل على أنها
стр. 1621
شيء موجود، مغاير للطبائع والأخلاط وتركيبها، فهو جوهر بسيط مجرد، ولا يحدث إلا بمحدث، وهو قوله تعالى ﴿كُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فكأنه قال: هي موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه، ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه.
وجنح ابن القيِّم في "كتاب الروح" إلى ترجيح أن المراد بالروح المسؤول عنها في الآية ما وقع في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]، قال: وأما أرواح بني آدم، فلم تقع تسميتها في القرآن إلا نفسًا، كذا قال، وفيه نظر، إذ لا دلالة في ذلك لما رجحه، بل الراجح الأول، فقد أخرج الطبري عن ابن عباس في هذه القصة أنهم قالوا عن الروح: وكيف يعذب الروح الذي في الجسد وإنما الروح من الله؟ فنزلت الآية.
وقيل: سألوه عن جبريل، وقيل: عن عيسى، وقد مر ما قاله القرطبيُّ في ذلك، وقوله "فقلت إنه يوحى إليه فقمت" أي: حتى لا أكون مشوشاً عليه، أو فقمت حائلًا بينه وبينهم. وفي رواية التفسير "فقمت مقامي" وفي الاعتصام "فتأخرت عنه". وقوله "فلما انجلى عنه" أي: انكشف عنه ﵊ الكرب الذي كان يتغشاه حال الوحي. وقوله "فقال"، وفي رواية الأربعة "قال". وقوله "ويسألونك" بإثبات الواو، كالتنزيل. وفي رواية أبي ذَرّ والأصيليّ وابن عساكر "يسألونك" بحذف الواو. وقوله "قل الروح من أمر ربي". أي من الإبداعيات الكائنة "بكن" من غير مادة، وتولد من أصل واقتصر على هذا الجواب، كما اقتصر موسى ﵇ في جواب ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] بذكر بعض صفانه، إذ الروح لدقته، لا تمكن معرفة ذاته، إلا بعوارض تميزه عما يلتبس، فلذلك اقتصر على هذا الجواب، ولم يبين الماهية لكونها مما استأثر الله بعلمها، ولأن في عدم بيانها تصديقاً لنبوة نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقوله "من أمر ربي" قال الفخر: يحتمل أن يكون المراد بالأمر الفعل، كقوله ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أي فعله، فيكون الجواب
стр. 1622
الروح من فعل ربي، إن كان السؤال هل هي قديمة أو حادثة، فيكون الجواب أنها حادثة. وقال الإسماعيلى: المراد أن الروح من جملة أمر الله، وأن الله اختص بعلمه، ولا سؤال لأحد عنه، وقال ابن القيم: ليس المراد هنا بالأمر الطلب اتفاقًا، وإنما المراد به المأمور، والأمر يطلق على المأمور، كالخلق على المخلوق، ومنه ﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠١] وقال ابن بطّال: معرفة حقيقة الروح مما استأثر الله بعلمه، بدليل هذا الخبر، قال: والحكمة في إبهامه اختبار الخلق، ليُعرِّفَهُم عجزهم عن علم ما لا يدركونه حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه.
وقال القرطبيُّ: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء؛ لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق من باب الأولى، وقيل: المراد بقوله "من أمر ربي" كون الروح من عالم الأمر الذي هو عالم الملكوت، لا عالم الخلق الذي هو عالم الغيب والشهادة. ووقع في بعض التفاسير أن الحكمة في سؤال اليهود عن الروح، أن عندهم في التوراة، أن روح بني آدم لا يعلمها إلا الله، فقالوا نسأله، فإن فسرها فهو نبيَّ، وهو معنى قولهم "لا يجيء بشيء تكرهونه" وروى الطبريُّ في هذه القصة: فنزلت الآية، فقالوا: هكذا نجده عندنا. ورجاله ثقات، إلا أنه سقط من الإِسناد علقمة.
وقد اجتمع من كلام أهل التفسير في معنى لفظ الروح الوارد في القرآن لا خصوص هذه الآية، أقوالٌ كثيرةٌ، فمن الذي في القرآن ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [غافر: ١٥] ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]. فالأول جبريل، والثاني القرآن. والثالث الوحي، والرابع القوة، والخامس والسادس محتمل لجبريل ولغيره.
стр. 1623
ووقع إطلاق روح الله على عيسى، وقد روى ابن إسحاق في تفسيره بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: الروح من الله، وخلق من خلق الله، وصور كبني آدم، لا ينزل ملك إلا ومعه واحد من الروح. وثبت عن ابن عباس أنه كان لا يفسر الروح، أي لا يعين المراد به في الآية، وقد مر ما قيل في الروح المسؤول عنه من الاختلاف، وقيل: الروح ملَكٌ يقوم وحَدْه صفًا يوم القيامة، وقيل: ملك له أحد عشر ألف جناح ووجه. وقيل: ملك له سبعون ألف لسان، وقيل: له سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان ألف لغة، يسبح الله تعالى، يخلق الله بكل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة. وقيل: ملك رجلاه في الأرض السفلى، ورأسه عند قائمة العرش. وقيل: خلق كخلق بني آدم، يقال لهم الروح، يأكلون ويشربون، لا ينزل ملك من السماء، إلا نزل معه واحد منهم. وقيل: بل هم صنف من الملائكة يأكلون ويشربون.
وقد اختلف في حقيقة الروح التي بها حياة البدن من ادَّعى معرفة حقيقتها اختلافًا كثيرًا متباينًا، فقيل هي النَّفس الداخل والخارج، وقيل الحياة، وقيل: جسم لطيف يحل في جميع البدن، وقيل: هي الدم، وقيل: هي عرض، حتى قيل إن الأقول فيها بلغت مئة. ونقل ابن مَنْده عن بعض المتكلمين أن لكل نبي خمسة أرواح، ولكل مؤمن ثلاثة، ولكل حي واحدة. وقال ابن العربيّ. اختلفوا في الروح والنفس، فقيل متغايران، وهو الحق، وقيل هما شيء واحد، وقد يعبر بالروح عن النفس وبالعكس، كما يعبر عن الروح والنفس بالقلب وبالعكس، وقد يعبر بالروح عن الحياة، حتى يتعدى ذلك إلى غير العقلاء، بل إلى الجماد مجازًا.
وقال السهيليّ: يدل على مغايرة الروح والنفس. وقوله تعالى ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وقوله تعالى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] فإنه لا يصح جعل أحدهما موضع الآخر، ولولا التغاير لساغ ذلك.
стр. 1624
قلت: لم أفهم ما قاله من كونه لا يصح جعل أحدهما موضع الآخر، فمن أي وجه عدم الصحة؟ من اللفظ؟ فاللفظ ممكن، أو من جهة المعنى، فالمعنى غير محقق حتى يحكم عليه بعدم الصحة.
وقد أمسك كثير من السلف عن الخوض فيها، فممن رأى الإمساك عن ذلك أستاذ الطائفة أبو القاسم الجُنَيد، فقال فيما نقله في "عوارف المعارف" عنه، بعد أن نقل كلام الناس في الروح: وكان الأولى الإمساك عن ذلك، والتأدب بادب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. ثم نقل عن الجنيد أنه قال: الروح استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحداً من خلقه، فلا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود وعلى ذلك جرى ابن عطية وجمع من أهل التفسير.
وأجاب من خاض في ذلك بأن اليهود سألوا عنها سؤال تعجيز وتغليط، لكونه يطلق على أشياء، فأضمروا بأنه بأي شيء أجاب، قالوا: ليس هذا المراد، فرد الله تعالى كيدهم، وأجابهم جوابًا مجملًا مطابقًا لسؤالهم المجمل. وقال السَّهْروردي في "العوارف": يجوز أن يكون من خاض فيها، سلك سبيل التأويل لا التفسير، إذ لا يسوغ التفسير إلا نقلا، وأما التأويل فتمتد العقول إليه بالباع الطويل، وهو ذكر ما لا يحتمل إلا به من غير قطع، بأنه المراد، فمن ثم يكون القول فيه.
قال: وظاهر الآية المنعُ من القول فيها، لختم الآية بقوله ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] أي اجعلوا حكم الروح من الكثير الذي لم تؤتوه، فلا تسألوا عنه، فإنه من الأسرار. وقال بعضهم: ليس في الآية دلالة على أن الله لم يطلع نبيه على حقيقة الروح، بل يحتمل أن يكون أطلعه، ولم يأمره أنه يطلعهم، وقد قالوا في علم الساعة نحو هذا، وقد خالف الجُنَيد ومن تبعه من الأئمة جماعةً من متأخري الصوفية، فأكثروا من القول في الروح، وصرح بعضهم بمعرفة حقيقتها، وعاب من أمسك عنها. ونقل ابن مَنْده في كتاب الروح له، عن محمد بن نصر المَرْوَزِي
стр. 1625
المطلع على اختلاف الأحكام من عهد الصحابة إلى عهد فقهاء الأمصار -نقل الإجماع على أن الروح مخلوقة، وإنما ينقل القول بقدمها عن بعض غُلاة الرَّافضة والمتصوفة.
واختلف هل تفنى عند فناء العالم قبل البعث أو تستمر باقية على قولين، قاله في "الفتح": قلت: الذي هو الثابت عند السنيين من أهل التوحيد أن الروح باقية لا تفنى، هي سابعة سبعة من المخلوق غير فانية، نظمها بعضهم بقوله:
سبع من المخلوق غير فانيه ... العربُ والكرسيّ ثم الهاويه
واللّوح والقلم والأَرواح ... وجنة في عرضها نرتاح
وفي الحديث من الفوائد: جواز سؤال العالم في حال قيامه ومشيه إذا كان لا يثقل ذلك عليه، قلت: إنما أخذ هذا من الحديث، مع أن السؤال وقع من كفار اليهود، لإقرار النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لهم على ذلك. وفيه أدب الصحابة مع النبي ﵊، والعمل بما يغلب على الظن، والتوقف عن الجواب بالاجتهاد لمن يتوقع النص، وأن بعض المعلومات قد استأثر الله بعلم حقيقته، وأن الأمر يرد لغير الطلب.
رجاله ستة: الأول: قيس بن حَفْص بن القَعْقاع التّميميّ الدارميّ، مولاهم، أبو محمد البَصريّ، روى عن عبد الواحد بن زياد، وهُشيم، ومعمر، وطالب بن حُجَير، وخالد بن الحارث وغيرهم. وروى عنه البخاري وأبو داود في فضائل الأنصار، ويعقوب بن سفيان وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: لا بأس به كتبتُ عنه شيئًا يسيرًا. وقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: يُغْرِب. وقال الدارقطني: ثقة، وفي الزهرة روى عنه البخاريّ اثني عشر حديثًا، انفرد البخاري به عن الأئمة الخمسة، وليس في مشايخهم من اسمه قيس سواه. توفي سنة سبع وعشرين ومئتين.
стр. 1626
الثاني: عبد الواحد بن زياد، مر تعريفه في الحديث الثلاثين من كتاب الإيمان.
الثالث: سليمان بن مهران الأعمش، مر في الحديث السادس والعشرين منه أيضًا. وكذلك إبراهيم بن يزيد النَخَعِيّ، وعلقمة بن قيس، ومر تعريف عبد الله بن مسعود في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته ما بين بصريّ وكوفيّ، وفيه ثلاثة من التابعين الحفاظ المتقنين، يروي بعضهم عن بعض، وهم الأعمش وإبراهيم وعلقمة، ومنها رواية الأعمش عن إبراهيم عن علقمة أصح الأسانيد فيما قيل. أخرجه البخاريّ هنا، وفي التوحيد والتفسير والاعتصام، ومسلم في الرقاق، والتِّرمْذِيُّ والنَّسائِيّ في التفسير. وقال التِّرْمِذيّ: حسن صحيح. ثم قال المصنف:
باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشد منه .
قوله "ترك بعض الاختيار" أي ترك فعل بعض الشيء المختار، أوترك الإعلام به، وقوله "فيقعوا" نصب بإسقاط النون، عطفًا على المضارع المنصوب بأن. وقوله "في أشد منه" أي من تَرْك الاختيار. وفي رواية الأصيليَّ في أشر بالراء، وفي أخرى للكشميهنيَّ في شرٍ منه بالراء مع إسقاط الهمزة.
стр. 1627
الحديث الثامن والستون
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا فَمَا حَدَّثَتْكَ فِى الْكَعْبَةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ، لَوْلاَ قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ" قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ "لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ". فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
قوله: "كانت تُسرُّ إليك كثيرًا" أي إسرارًا كثيرًا، من الإسرار ضد الإعلان وفي رواية ابن عساكر "تسر إليك حديثًا كثيرًا"، فإن قلت قوله "كانت" للماضي، و"تسر" للمضارع، فكيف اجتمعا؟ فالجواب بأن تسر تفيد الاستمرار، وذكر بلفظ المضارع استحضارًا لصورة الإسرار. وقوله "فما حدثتك في الكعبة" أي في شأنها. وقوله "قلت" في رواية أبي ذر "فقلت".
وقوله "قالت لي" زاد فيه ابن أبي شيبة في مسنده بهذا الإِسناد. قلت لقد حدثتني حديثًا كثيرًا نسيتُ بعضَه وأنا أذكر بعضه، قال ابن الزبير ما نسيتَ أذكرتُك، قلت: قالت. وقوله "حديثُ عهدهم" بتنوين حديث ورفع عهدهم، على إعمال الصفة المشبهة. وقوله "قال ابن الزبير: بكفر" وللأصيلي. "فقال ابن الزبير" كأن الأسود نسي قولها "بكفر" فذكره ابن الزبير. وأما التالي، وهو قوله "لنقضت الخ" فيحتمل أن يكون مما نسي أيضًا، أو مما ذكر، ورواه الإسماعيلى عن زُهير بن معاوية عن أبي إسحاق بلفظ "حدثتني حديثًا حفظتُ أوله، ونسيت آخره" وللترمذي والمؤلف في الحج الحديث بتمامه إلا قوله "بكفر" جعل بدلها "بجاهلية".
стр. 1628
وقوله "لنقضت الكعبة" جواب لولا، وقوله "فجعلت لها بابين، بابًا يدخل الناس، وبابًا يخرجون" بتقدير "منه" مع كل من الفعلين وفي رواية الحَمَوِيّ والمستحلى إثبات ضمير الثاني "يخرجون منه"، وهي منازعة بين الفعلين، ولأبي ذرٍّ بنصب "بابًا" في الموضعين على البدل أو البيان، ولغيره بالرفع على الاستئناف. وقوله "ففعله ابن الزبير" يعني ما ذكر من النقض والبناء على ما أراد النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم.
وكان سبب هدم ابن الزبير للكعبة وبنائه لها ما أخرجه مسلم عن عطاء بن أبي رباح قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشام، وللفاكهانيّ: لما أحرق أهل الشام الكعبة ورموها بالمنجنيق، وهت الكعبةُ. ولابن سعد في الطبقات عن أبي الحارث بن زَمْعَة قال: ارتحل الحصين بن نُمير الأمير الذي كان يقاتل ابن الزبير من قبل يزيد بن معاوية، لما أتاهم موت يزيد بن معاوية في ربيع الآخر سنة أربع وستين، قال: فأمر ابن الزبير بالخِصاص التي كانت حول الكعبة فهدمت، فإذا الكعبة تنفض، أي تتحرك متوهنة، ترتج من أعلاها إلى أسفلها، فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق.
ولعبد الرزّاق عن مَرْثد بن شُرَحبيل أنه حضر ذلك، قال: كانت الكعبة قد وهت من حريق أهل الشام، فتركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم، يريد أن يَحْزُبهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: أشيروا عليَّ في الكعبة، فكشف عن ربض في الحجر آخذٍ بعضه ببعض، فتركه مكشوفًا ثمانية أيام ليشهدوا عليه، فرأيت ذلك الربض مثل خَلِف الِإبل، وجهُ حَجَر، ووجه حجران، ورأيت الرجل يأخذ العَتلة فيضرب بها من ناحية الركن فيهتز الركن الآخر.
وذكر مسلم في رواية عطاء السابقة إشارة ابن عباس عليه بأن لا يفعل. وقول ابن الزبير: لو أن أحدكم احترق بيته بناه حتى يجدده، وأنه استخار الله ثلاثًا، ثم عزم على أن ينقضها، قال: فتحاماه الناس حتى صعد رجل فألقى منه حَجَرة، فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوه، حتى
стр. 1629
بلغوا به الأرض، وجعل ابن الزبير أعمدةً فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه.
وقال ابن عُيينة في "جامعه" عن مجاهد: خرجنا إلى منىً فأقمنا بها ثلاثًا ننتظر العذاب، وارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة، هو بنفسه، فهدم. وللفاكهانيّ في كتاب مكة عن يزيد بن رومان، ثم عزل ما كان يصلح أن يعاد في البيت فبنوا به، ثم نظروا إلى ما كان لا يصلح منها أن يبنى به، فأمر بدفنه في حفرة في جوف الكعبة، واتبعوا قواعد إبراهيم من نحو الحِجْر، فلم يصيبوا شيئًا حتى شق على ابن الزبير، ثم أدركوها بعد ما أمعنوا، فنزل عبد الله بن الزبير فكشفوا له عن قواعد إبراهيم، وهي صخر مثل الخلف من الإبل، فانفضوا له، أي حركوا تلك القواعد بالعتل، فنفضت قواعد البيت، ورأوه بنيانًا مربوطًا بعضه ببعض، فحمد الله تعالى وكبره، ثم أحضر الناس، فأمر بوجوههم وأشرافهم، فنزلوا حتى شاهدوا ما شاهده، ورأوا بنيانًا متصلًا فأشهدهم على ذلك.
والخَلِف ككتف، حوامل الإبل، واحدتها خلفه بالهاء، وللفاكهانيّ من وجه آخر عن عطاء قال: كنت في الأمناء الذين جُمعوا على حفره فحفروا قامة ونصفًا، فهجموا على حجارة لها عروق تتصل بزَرَد عروق المروة، فضربوه فارتجت قواعد البيت، فكبر الناس فبنى عليه. وفي البخاريّ قال يزيد وهو ابن رُومان: شهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارةً كأسْنمة الإِبل. ولعبد الرزاق عن ساباط عن زيد أنهم كشفوا عن القواعد، فإذا الحجر مثل الخَلِفَة، والحجارة مشبَّكة بعضها ببعض، وعند مسلم من رواية عطاء "وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه" وعند الإِسماعيليّ "فنقضه ابن الزبير فجعل له بابين في الأرض" ونحوه للتِّرمِذِيّ.
وللفاكهانيّ عن موسى بن مَيْسرة أنه دخل الكعبة بعدما بناها ابن الزبير، فكان الناس لا يزدحمون فيها، يدخلون من باب ويخرجون من
стр. 1630
آخر. وقصة تغيير الحجاج لما صنعه ابن الزبير ذكرها مسلم من رواية عطاء قال: فلما قُتل ابن الزبير، كتب الحجاجُ إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير قد وضعه على أُسٍ، نظَر العُدول إليه من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن النربير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسدَّ بابه الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه.
وللفاكهانيّ عن أبي أويس: فبادر الحجاج فهدمها، وبنى شقها الذي يلي الحِجْر، ورفع بابها، وسد الباب الغربي. قال أبو أُويس: فأخبرني غير واحد من أهل العلم أن عبد الملك ندم على إذنه للحجاج في هدمها، ولعن الحجاج. ولابن عُيينة عن مُجاهد: فرد الذي كان ابن الزبير أدخل فيها من الحِجْر. قال: فقال عبد الملك: وَدِدنا أنا تركنا ابن الزبير وما توَّلى من ذلك.
وأخرج مسلم قصة ندمه عن الوليد بن عطاء، أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وقد على عبد الملك في خلافته فقال: ما أظن أبا خُبيَبْ، يعني ابن الزبير، سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها. فقال الحارث: بلى، أنا سمعته منها. زاد عبد الرزاق عن ابن جُرَيج فيه. وكان الحارث مُصَدَّقًا لا يكذب، فقال عبد الملك: أنت سمعتها تفول ذلك؟ قال: نعم، فنكت ساعة بعصاه، وقال: وددت أني تركته وما تحمل. وأخرجها أيضًا عن أبي قزعة "بينما عبد الملك يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير، حيث يكذب على أُم المؤمنين ... " فذكر الحديث، فقال له الحارث: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعتها تحدِّث بذلك. فقال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته علي بناء ابن الزبير.
قال في "الفتح" جميع الروايات متفقة على أن ابن الزبير جعل الباب بالأرض، ومقتضاه أن يكون الباب الذي زاده على سمته، وقد ذكر الأزرقيّ أن جملة ما غيّره الحجاج الجدار الذي من جهة الحِجر والباب المسدود
стр. 1631
الذي في الجانب الغربيّ عن يمين الركن اليمانيّ، وما تحت عتبة الباب الأصليّ، وهو أربعة أذرع وشبر، وهذا موافق للروايات المذكورة. لكن المشاهد الآن في ظهر الكعبة باب مسدود ومقابل الباب الأصلي، وهو في الارتفاع مثله، ومقتضاه أن يكون الباب الذي كان على عهد ابن الزبير لم يكن لاصقًا بالأرض، فيحتمل أن يكون لاصقًا كما صرحت به الروايات، لكن الحجاج لما غيّره رفعه، ورفع الباب الذي يقابله، ثم بدا له فسدَّ الباب المجدد، لكن لم أر النقل بذلك صريحًا.
قلت: بل ظاهر النقل أو صريحه مخالفٌ له، لما مر عن مسلم أن عبد الملك أمره بسد الباب الذي فتحه ابن الزبير، وقال الفاكهانيّ: إن الحجاج بادر إلى فعل ما أمر به، فكيف يقال إنه رفع الباب أولًا، ثم بدا له فسدَّه، فإنه مأمورٌ مبادرٌ إلى ما أمر به. وذكر الفاكهانيّ في أخبار مكة أنه شاهد هذا الباب المسدود من داخل الكعبة في سنة ثلاث وستين ومئتين، فإذا هو مقابل باب الكعبة، وهو بقدره في الطول والعرض، وإذا في أعلاه كلاليب ثلاثة، كما في الباب الموجود سواء.
وأما زمن بناء ابن الزبير للبيت، فقد قال ابن سعد عن ابن أبي مُلَيكة: لم يبن ابن الزبير الكعبة حتى حج الناس سنة أربع وستين، ثم بناها حين استقبل سنة خمس وستين. وحُكِي عن الواقِدِيّ أنه ردّ ذلك، وقال: الأثبت عندي أنه ابتدأ بناءها بعد رحيل الجيش بسبعين يومًا، وجزم الأَزْرَقِيّ بأن ذلك كان في نصف جمادى الآخرة سنة أربع وستين، ويمكن الجمع بأن يكون ابتداء البناء من ذلك الوقت، وامتد أمده إلى الموسم، ليراه أهل الآفاق ليشنع علي بني أُمية.
ويؤيده أنّ في تاريخ المسيمي أن الفراغ من بناء الكعبة كان في سنة خمس وستين، وزاد المحب الطَّبريّ أنه كان في شهر رجب. قال في "الفتح": وإن لم يكن هذا الجمع مقبولًا، فالذي في الصحيح مقدم علي غيره، قلت: لم أر في واحد من الصصحيحين التصريح بشيء يكون مقدمًا
стр. 1632
على غيره، وبناء ابن الزبير للبيت هو المرة الرابعة من بناء البيت، ثم بناه الخامسة الحجاج، واستمر علي بنائه.
وقد تضمن الحديث معنى ما ترجم له؛ لأن قريشًا كانت تعظم أمر الكعبة جدًا، فخشي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يظنوا، لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غيَّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك. ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خوف الوقوع في أنكر منه، وإن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم، ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرمًا.
رجاله ستة: الأول عبيد الله بن موسى، مر تعريفه في الحديث الأول من كتاب الإيمان، ومر تعريف عائشة في الحديث الثاني من بدء الوحي، ومر تعريف أبي إسحاق عمرو بن عبد الله في الحديث الرابع والثلاثين من كتاب الإيمان، ومر تعريف ابن الزبير في الحديث الثامن والأربعين من كتاب العلم.
وأما إسرائيل فهو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الهَمْدانيّ الكوفيّ، أبو يوسف. روى عن جده وزياد بن عِلاقة، وزيد بن جبير، وعاصم الأحول وسِماك بن حَرْب، وهشام بن عُروة وغيرهم. وروى عنه ابنه مهديّ والنَضْر بن شُمَيل، وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان، ووكيع وخلق. قال ابن مهدي عن عيسى بن يونس: قال لي اسرائيل: كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة من القرآن. وقال يحيى القطان: إسرائيل فوق أبي بكر بن عَيّاش.
وقال أحمد بن حنبل: كان شيخًا ثقة، وجعل يتعجب من حفظه. وقال مرة، هو وابن معين وأبو داود: هو أثبت من شريك. وقال أيضًا: كان القطان يحمل عليه في حال أبي يحيى القتات. قال: روى عنه مناكير، قال: قال أحمد: ما حدث عنه يحيى بشيء. وقال ابن مَعين: هو أثبت
стр. 1633
في أبي إسحاق من شيبان، وقدمه أبو نعيم فيه على أبي عُوانة، وقدمه أحمد على أبيه في حديث أبي إسحاق، وكذا قدمه أبوه على نفسه. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق من أتقن أصحاب أبي إسحاق.
وقال ابن سعد: كان ثقة، وحدث عنه الناس حديثًا كثيرًا، ومنهم من يستضعفه، وقدم ابن مَعين وأحمد شعبة والثَّوريّ عليه في أبي إسحاق، وقدمه ابن مَهْديّ عليهما، وقال حجاج الدَّعور: قلنا لشعبة: حدثنا عن أبي إسحاق، فقال: سلوا إسرائيل، فإنه أثبت مني فيها. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة صدوق. وقال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث، وفي حديثه لِيْن. وقال في موضع آخرة ثقة صدوق، وليس في الحديث بالقوي، ولا بالساقط.
وقال يحيى بن آدم: كنا نكتب عنده من حفظه، وقال يحيى: كان إسرائيل لا يحفظ، ثم حفظ، وقال عيسى بن يونُس: كان أصحابنا سفيان وشريك، وعد قومًا، إذا اختلفوا في حديث أبي إسحاق يجيئون إلى أبي فيقول: اذهبوا إلى ابني إسرائيل، فهو أروى عنه مني، وأتقن لها مني، هم كان قائد جده، وقال شبابة بن سوّار: قلت ليونس بن أبي إسحاق: املِ عليَّ حديث أبيك، قال: اكتب عن ابني إسرائيل، فإن أبي أملاه عليه.
وقال ابن معين: زكرياء وزهير وإسرائيل حديثهم في أبي إسحاق قريبٌ من السواء، إنما أصحاب أبي إسحاق سفيان وشعبة. وقال ابن مَهْدي: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثَّوري عن أبي إسحاق، إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم. فهذا ما قيل فيه من الثناء.
قال ابن حجر: وبعد ثبوت ذلك واحتجاج الشيخين به، لا يجمل من متأخر لا خبرة له بحقيقة حال من تقدمه، أن يطلق على إسرائيل الضعف، ويرد الأحاديث الصحيحة التي يرويها دائمًا، لاستناده إلى كون القَطَّان كان يحمل عليه، من غير أن يعرف وجه ذلك العمل، وقد بحثت عن ذلك،
стр. 1634
فوجدت الإمام أبا بكر بن أبي خيْثمة قد كشف علة ذلك، وأبانها بما فيه الشفاء لمن أنصف.
قال في تاريخه: قيل ليحى بن مَعين: إن إسرائيل روى عن أبي يحيى القتات ثلاث مئة، وعن إبراهيم بن مهاجر ثلاث مئة، يعني مناكير، فقال: لم يوت منه، أتى منهما وهو كما قال، فتوجه أن كلام يحيى القطَّان محمول على أنه أنكر الأحاديث التي حدثه بها إسرائيل عن أبي يحيى، فظن أن النِّكارة من قبله، وإنما هي من قبل أبي يحيى لما قال ابن مَعين وأبو يحيى ضعَّفه الأئمة النقاد، فالحمل عليه أولى من العمل على من وثقوه، واحتج به الأئمة كلهم، والله تعالى أعلم.
ولد في سنة مئة، ومات سنة ستين ومئة، والسَّبيعيّ في نسبه مر في الثالث والثلاثين من الإِيمان.
والأسود بن يزيد بن قيس النخعي، خال إبراهيم بن يزيد، أبو عمرو ويقال أبو عبد الرحمن: أدرك زمن النبيّ ﷺ ، ولم يره، روى عن أبي بكر وعمر وعلى وابن مسعود وحُذيفة وبلال وعائشة وغيرهم، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وأخوه عبد الرحمن وابن أخته إبراهيم بن يزيد، وأبو إسحاق السَّبيعيّ، وأبو بُرْدة وخلق، قال أحمد: ثقة من أهل الخير. وقال يحيى أيضًا: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال: كان فقيهًا زاهدًا، وذكره إبراهيم النخعى فيمن كان يفتي من أصحاب ابن مسعود.
وقال الحكم: كان الأسود يصوم الدهر كله، وذهبت إحدى عينيه في الصوم، حج مع أبي بكر وعمر وعثمان، سافر ثمانين حجة وعمرة، ولم يجمع بينهما، وكان عبد الرحمن سافر ثمانين حجة وعمرة، ولم يجمع بينهما، وكان يقول في تلبيته: لبيك أنا الحاج بن الحاج. وكان يصلي كل يوم سبع مئة ركعة، وصار عظمًا وجلدًا، وكانوا يسمونه: أهل الجنة، مات
стр. 1635
سنة خمس وتسعين، روى له الجماعة، وفي الصحيحين الأسود جماعة غيره، منهم: الأسود بن عامر شادان. والنخعي في نسبه مر في الخامس والعشرين من الإيمان.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته إلى الأسود كوفيون، وفيه صحابيان، أخرجه البخاريّ هنا، وفي الحج والتمني، وابن ماجه في الحج أيضًا، ومسلم فيما انفرد به، أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت قال: قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول: سمعتها تقول قال رسول الله ﷺ "يا عائشة لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحِجر، فإن قومك اقتصروا في البناء" فقال ابن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، إني سمعتها تحدث بهذا، قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته علي بناء ابن الزبير. ثم قال المصنف:
باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا
قوله "دون قوم" أي سوى قوم، لا بمعنى الأدون، وقوله "كراهية" بتخفيف الياء، والنصب على التعليل، مضاف لقوله "أن لا يفهموا" وأن مصدرية، والتقدير لأجل كراهية عدم فهم القوم، الذين هم سوى القوم الذين خصهم بالعلم. ولفظ أنْ ساقط للأصيلي، وهذه الترجمة قريبةٌ من التي قبلها لكن هذه في الأقوال، وتلك في الأفعال، أو فيهما، ثم قال:
وقال عليّ: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله؟ وقوله "يعرفون" أي: يفهمونه وتدركه عقولهم. وزاد آدم بن أبي إياس "ودعوا ما ينكرون" أي: ما يشتبه عليهم فهمه، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة ومثله قول ابن مسعود: ما أنت مُحَدثًا قومًا حديثًا لا تبلغُهُ عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة. رواه مسلم.
وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد، في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف
стр. 1636
في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين، وإن المراد ما يقع من الفتن ونحوه، عن حذيفة وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين، لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يتعمده من المبالغة في سفك الدماء، بتأويله الواهي، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يُخْشى عليه الأخذ بظاهره -مطلوبٌ.
وقوله "أن يكذَّب الله ورسوله" يكذب بصيغة المجهول، ومعناه أن الإنسان إذا سمع ما لا يفهم، وما لا يتصور إمكانه، اعتقد استحالته جهلًا، فلا يصدق وجوده، فإذا أسند إلى الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم. لزم ذلك المحذور. ثم ذكر المصنف سند الأثر السابق فقال:
حدثنا عُبيد الله بن موسى عن معروف بن خَرَّبوذ، عن أبي الطُّفيل عن علي بذلك. وقد أخر المؤلف هنا الإسناد عن المتن في رواية غير أبي ذَر، ليميز بين طريقة إسناد الحديث وإسناد الأثر، أو لضعف الإِسناد بسبب ابن خَرَّبوذ أو للتفنن وبيان الجواز، وقد وقع في رواية أبي ذَرٍ مقدمًا على المتن، وسقط هذا الأثر كله من رواية الكشميهنيّ.
ورجال هذا الأثر أربعة: الأول عُبيد الله بن موسى، مر تعريفه في الحديث الأول من الإيمان، ومر تعريف علي بن أبي طالب في السابع والأربعين من كتاب العلم. والثالث معروف بن خَرَّبوذ، بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الراء وضم الباء الموحدة في آخره ذال معجمة، ورواه بعضهم بضم الخاء، المكيّ القرشيّ مولى عثمان، روى عن أبي الطفيل، وأبي جعفر، وروى عنه وكيع وعُبيد الله بن موسى، وهو من صغار التابعين، ضعفه يحيى بن مَعين، وقال أحمد: ما أدري كيف هو. وقال الساجيّ: صدوق، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقول ابن حبّان في الضعفاء: كان يشتري الكتب فيحدث بها، ثم تغير حفظه، فكان يحدث على التوهم. كأنه ترجمه لغيره، فإن هذه الصفة مفقودة في حديث معروف. قاله في
стр. 1637
"تهذيب التهذيب" وليس له في البخاري سوى هذا الأثر، وأخرج له مسلم وأبو داود وابن ماجه حديثه عن أبي الطُّفيل: أنه رأى النبيّ ﷺ في الحج.
الرابع: أبو الطُّفيل، بضم الطاء وفتح الفاء، عامر بن واثلة، وقيل عمرو بن واثلة بن عبد الله بن جَحْش بن جَريّ بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن عليّ بن كنانة، الكنانيّ الليثيّ، ولد عام أحد، وأدرك من حياة النبي ﷺ ثمان سنين. نزل الكوفة وصحب عليًا، ﵁، في مشاهده كلها، فلما قتل علي، ﵁، انصرف إِلى مكة، فأقام بها حتى مات.
روى عن أبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وحُذيفة وابن مسعود وابن عباس وغيرهم، وروى عنه الزُّهرْيّ وأبو الزبير وقتادة وعكرمة بن خالد وعمرو بن دينار، ومعروف بن خَرَّبوذ وغيرهم. جاءت عنه روايات ثابتة أنه رأى النبيّ ﷺ ، وأما سماعه منه فلم يثبت روى سعيد الجَريريّ عن أبي الطُّفيل أنه قال: ما على وجه الأرض اليوم رجلٌ رأى رسول الله ﷺ غيري، كان شاعرًا محسنًا، وهو القائل:
أيدعونني شيخًا وقد عشتُ حِقبة ... وهنَّ من الأزواج نحوي نوازعُ
وما شاب رأسي من سنين تتابعتْ ... عليَّ ولكن شيبتنيِ الوقائع
وذكره ابن أبي خيثمة في شعراء الصحابة، وكان فاضلاً عاقلاً حاضر الجواب فصيحًا، وكان متشيعًا في عليّ يفضّله ويثنى على الشيخين، ويترحم على عثمان، قدم على معاوية يومًا فقال له: كيف وَجْدكَ على خليلك أبي الحسن؟ قال: كوجد أُم موسى على موسى، وأشكو إلى الله التقصير. قال له معاوية: كنت فيمن حصر عثمان؟ قال: لا ولكني كنت فيمن حضره. قال له: وما منعك من نصره؟ قال له: وأنت فما منعك من نصره إذ تربصت به ريب المنون؟ وكنت مع أهل الشام وكلهم تابع لك فيما
стр. 1638
تريد؟ فقال له معاوية: أو ما ترى طلبى لدمه نصرة له؟ قال: بلى، ولكنك كما قال أخُو حجف:
لا ألفينك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادًا
وهو آخر من مات من الصحابة على الإِطلاق، مات بمكة سنة مئة، وقيل سنة اثنتين ومئة، وقيل سنة سبع ومئة، وقيل عشر ومئة. وحديث علي بن زيد بن جدعان عن أبي الطفيل قال: "كنت أطلب النبي ﷺ فيمن يطلبهُ وهو بالغار" ضعيف؛ لأنهم لا يختلفون في أن أبا الطفيل لم يكن ولد في تلك الليلة. قال في الإصابة: وأظن أن هذا من رواية أبي الطفيل عن أبيه.
والكناني في نسبه، بكسر الكاف، نسبة إلى كنانة بن خُزَيمة الجد الرابع عشر للنبي ﷺ ، وروي بفتح الكاف، والأول أصح، كنيته أبو النضر، قيل: سمي به لأنه كان يُكنُّ قومه. وقيل: لأنه لما ولدته أمه خرج أبوه يطلب شيئًا يسميه به، فوجد كنانة السهام، فسماه بها. وفي غير عمود النسب خمسُ قبائل: بنو عبد مناة بن كنانة، ويقال لولده بنو علي، وبنو عمرو بن كنانة، وبنو عامر بن كنانة، وبنو مَلْكان بن كنانة، وبنو مالك بن كنانة، وهذا الإِسناد من عوالي البخاريّ؛ لأنه ملحق بالثلاثيات من حيث أن الراوي الثالث منه صحابيُّ، وهو أبو الطفيل المذكور، وعلى أنه تابعي ليس منها.
стр. 1639
الحديث التاسع والستون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ. قَالَ: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: "يَا مُعَاذُ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلاَثًا. قَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: "إِذًا يَتَّكِلُوا". وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.
قوله "ومعاذ رديفه على الرحل" أي: راكب خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، والجملة حالية، والرَّحْل، بإسكان الحاء المهملة، وأكثر ما يستعمل للبعير، وهو أصغر من القَتَب، لكن يأتي للمصنف في الجهاد أن معاذًا كان في تلك الحالة رديفه ﵊ على حمار. وقوله "قال يا معاذ بن جبل" هو خبر أنَّ المتقدمة، وابن جبل بفتح النون، وأما معاذُ فبالضم؛ لأنه منادى مفرد علم وهذا اختيار ابن مالك، لعدم احتياجه إلى تقدير، واختار ابن الحاجب النصب على أنه مع ما بعده كاسم واحد مركب، كأنه أضيف، والمنادى المضاف منصوب فقط. وقال ابن التين: يجوز النصب على أن قوله "معاذ" زائد، فالتقدير: يا ابن جبل، وهو يرجع إلى كلام ابن الحاجب بتأويل.
وقوله "قال لبيك يا رسول الله، وسعديك" اللَّب بفتح اللام، معناه هنا الإجابة، والسعد المساعدة، كأنه قال: لبًا لَك وإسعادًا لك، وهو لفظ مثنى عند سيبويه ومن تبعه، وعند يونس مفرد، وألفه إنما انقلبت ياءً لاتصالها
стр. 1640
بالضمير، ك "لدى" وعلى، ورُدَّ بأنها قلبت ياء مع المظهر في قول الشاعر:
فلبَّىْ ولَبَّيْ يدَي مسوَر
وعن الفراء هو منصوب على المصدر، وأصله لبالك فثنى على التأكيد، أي إلبابًا بعد إلبابٍ، وهذه التثنية ليست حقيقة، بل هي للتكثير والمبالغة، ومعناه إجابة لك بعد إجابة، أو إجابة لازمة. قال ابن الأنباريّ: ومثله حنانيك أي تحنّنًا بعد تحنُّنٍ، وقيل: معنى لبيك: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تَلُبُّ دارك، أي تواجهها. وقيل: معناه محبتي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبَّة، أي محبة، وقيل: إخلاصي لك، من قولهم: حُبُّ لباب، أي: خالص. وقيل: أنا مقيم على طاعتك، من قولهم "لبَّ الرجل بالمكان" إذا أقام. وقيل: قربى لك، من الإلباب وهو القرب، وقيل: خاضعًا لك.
والأول أظهر وأشهر، لقول المحرم لهذا اللفظ حال إحرامه، وهو مستجيب لدعاء الله إياه في حج بيته، ولهذا من دعا فقال: لبيك، فقد استجاب، وقال ابن عبد البَرّ: قال جماعة من أهل العلم: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج.
وقوله "ثلاثًا" أي: النداء والإجابة قيلا ثلاثًا. وصرح بذلك في رواية مسلم، ويؤيده الحديث السابق في باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه. وقوله "صدقًا من قلبه" الجار والمجرور يمكن أن يتعلق بقوله صدقًا أو بقوله "يشهد"، فعلى الأول: الشهادةُ لفظية، أي: يشهد بلفظه، ويصدق بقلبه، وعلى الثاني: قلبية، أي: يشهد بقلبه، ويصدق بلسانه، واحترز به عن شهادة المنافقين. والأول أَوْلى وقال الطِّيبيّ: قوله "صدقًا" أُقيم هنا مقام الاستقامة؛ لأن الصدق يعبر به قولًا عن مطابقة القول المخبر عنه، ويعبر به فعلًا عن تحرّي الأخلاق المَرْضية، كقوله تعالى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] أي: حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا.
стр. 1641
وأراد بهذا التقرير رفع الإشكال عن ظاهر الخبر؛ لأنه يقتضي عدم دخول من شهد الشهادتين النار، لما فيه من التعميم والتأكيد.
وقد دلت الأدلة القطعية عند أهل السنة على أن طائفة من عصاة المؤمنين يعذبون ثم يخرجون من النار بالشفاعة، فعلم أن ظاهره غير مراد، فكأنه قال: إن ذلك مقيد بمن عمل الأعمال الصالحة. قال: ولأجل خفاء ذلك لم يؤذن لمعاذ في التبشير به.
وقد أجاب العلماء عن الإشكال بأجوبة أخرى منها: أن مطلقه مقيد بمن قالها تائبًا، ثم مات على ذلك، ومنها أن ذلك كان قبل نزول الفرائض، وفيه نظر؛ لأن مثل هذا الحديث وقع لأبي هريرة كما رواه مسلم، وصحبته متأخرة عن نزول أكثر الفرائض، وكذا ورد نحوه من حديث أبي موسى، رواه أحمد بإسناد حسن. وكان قدومه في السّنة التي قدم فيها أبو هريرة. ومنها أنه خرج مخرج الغالب، إذ الغالب أن الموحِّد يعمل الطاعة، ويجتنب المعصية. ومنها أن ذلك ليس لكل من وحّد وعبد، بل يختص بمن أخلص، والإخلاص يقتضي تحقيق القلب بمعناها، ولا يتصور حصول التحقيق مع الإصرار على المعصية. لامتلاء القلب بمحبة الله وخشيته، فتنبعث الجوارح إلى الطاعة، وتنكف عن المعصية، وهذا الجواب هو المراد عند الطِّيبيّ، لكن هذا يوضحه. ومنها أن المراد بتحريمه تحريم خلوده فيها لا تحريم أصل دخوله فيها، ومنها أن المراد بتحريمه على النار حرمة جملته؛ لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم، كما ثبت في حديث الشفاعة، أن ذلك محرَّم عليها. وكذا لسانُه الناطق بالتوحيد. ومنها أن المراد: النار التي أُعدت للكافرين، لا الطبقة التي أُفردت لعصاة الموحدين.
وقوله "يا رسول الله، أفلا أُخبر الناس؟ " بهمزة الاستفهمام، وفاء العطف، والمعطوف محذوف تقديره: أقلت ذلك فلا أُخْبِر؟.
وقوله "فيستبشرون" بالرفع لأبي ذَرٍ أي: فهم يستبشرون، وللباقين
стр. 1642
بحذف النون على النصب، وهو أوجه، لوقوع الفاء بعد النفي أو الاستفهام أو العرض، وهي تنصب في كل ذلك بتقدير أن بعدها، أي: فأَنْ يستبشروا.
وقوله: "إذا يتَّكلوا" بتشديد المثناة المفتوحة وكسر الكاف، وهو جواب وجزاء، أي: إنْ أخبرتهم يتكلوا. وللأصيلي والكشميهنيّ "ينْكلوا" بإسكان النون وضم الكاف، أي يمتنعوا من العمل اعتمادًا على ما يتبادر من ظاهره. وروى البزَّار بإسناد حسن عن أبي سعيد الخُدري، رضي الله تعالى عنه، في هذه القصة "أن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أذِنَ لمعْاذ في التبشير، فلقيه عمر فقال: لا تعجَلْ، ثم دخل، فقال: يا نبيّ الله أنت أفضل رأيًا، إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها، قال: فرده" وهذا معدود من موافقات عمر، وفيه جواز الاجتهاد بحضرته صلى الله تعالى عليه وسلم، واستدل بعض متكلمي الأشاعرة من قوله "يتكلوا" على أن للعبد اختيارًا، كما سبق في علم الله. وقوله "عند موته" أي موت معُاذ، وأَغرْب الكرمانيُّ فقال: يحتمل أن يرجع الضمير إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
ويَرُدُّه ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: أخبرني من شهد معاذًا حين حضرته الوفاة يقول: سمعت من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حديثًا لم يمنعني أنْ أُحَدّثكموه إلا مخافة أن تتكلوا، فذكره تأثُّمًا، بفتح الهمزة وتشديد المثلثة المضمومة، أي خشية الوقوع في الإثم إنْ كتم ما أمر الله بتبليغه، حيث قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
وقد مر توجيه "تأثما" في حديث بدء الوحي، عند قوله "يتحنث". فإن قيل: إن كان تَأَثَّم من الكتمان، فكيف لا يتأثم من مخالفة الرسول ﵊ في التبشير؟ فالجواب أنه عرف أن النهي عن التبشير كان على التنزيه لا على التحريم، وإلا لما كان يخبر به أصلًا، أو عرف أن
стр. 1643
النهي مقيد بالاتكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك، وإذا زال القيد زال المُقيد، والاول أوجه، لكونه أَخَّر ذلك إلى وقت موته.
وقال القاضي عياض: لعل معاذًا لم يفهم النهي، لكن كثر عزمه عما عرض له من تبشيرهم. لكن الرواية الآتية في الجهاد صريحة في النهي حيث قال فيها "لاتبشرهم فيتكلوا" فالأولى ما تقدم.
وفي الحديث جواز ركوب اثنين على حمار، وفيه تواضع النبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم، وفضل مُعاذ، وحسن أدبه في القول وفي العلم، برده لما لم يحط بحقيقته إلى علم الله ورسوله، وقرب منزلته من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لخصوصيته له بما ذكر، وفيه تكرار الكلام لتأكيده وتفهيمه، واستفسار الشيخ تلميذه عن الحكم، ليختبر ما عنده، ويبين له ما يشكل عليه منه، واستئذانه في إشاعة ما يعلم به وحده.
قال ابن رجب في شرحه لأوائل البخاريّ: قال العلماء: يؤخذ من منع معاذ من تبشير الناس لئلا يتكلوا، أن أحاديث الرُّخص لا تشاع في عموم الناس لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها. وقد سمعها معُاذ، فلم يزدد إلا اجتهادا في العمل، وخشية لله ، فاما من لم يبلغ منزلته، فلا يؤمن أن يقصر اتكالا على ظاهر هذا الخبر. وقد عارضه ما تواتر من نصوص الكتاب والسنة أن بعض عصاة الموحدين يدخلون النار، فعلى هذا فيجب الجمع بين الأمرين بما مر.
رجاله ستة: الأول: إسحاق بن إبراهيم الشهير بابن راهويه، مرَّ تعريفه في الحديث الحادي والعشرين من كتاب العلم.
والثاني: معاذ بن هشام الدَّسْتوائي البَصريّ، سكن اليمن، ثم البصرة، روى عن أبيه وابن عَون وشُعبة وأشْعث بن عبد الملك. وخلق. وعنه أحمد وابن المدِيْني، وابن مَعين وعَفّان وخلق. كان من أصحاب الحديث الحُذّاق، وثقَّه يحيى بن مَعين في رواية عثمان الدارميّ، واعتمده
стр. 1644
علي بن المَدِيْنيّ وقال: سمعت مُعاذ بن هشام يقول: سمع أبي من قتادة عشرة آلاف حديث، ثم أخرج إلينا من الكتب عن أبيه نحواً مما قال، فقال: هذا سمعته، وهذا لم أسمعه، فجعل يميزها. وقال الدوريُّ عن ابن مَعين: صدوق، وليس بحجة، وقال ابن أبي خَيْثَمة عنه: ليس بذلك القويّ. وقال ابن عديّ: ربما يغلط في الشيء بعد الشيء، وأرجو أنه صدوق.
وتكلم فيه الحُمَيديّ من أجل القدر، فقال: لا تسمعوا من هذا القدري شيئًا، قال ابن حجر: لم يكثر له البخاريّ، واحتج به الباقون، قال عثمان الدارميّ. قلت ليحيى بن مَعين: مُعاذ بن هشام أثبت في شُعبة أم غُنْدُر؟ قال: ثقةٌ وثقة. وقال ابن قانع: ثقة مأمون.
مات في ربيع الَآخر سنة مئتين. والدَّستوائي في نسبه مر في السابع والثلاثين من الإيمان.
الثالث: أبوه هِشام، مر تعريفه في الحديث الثامن والثلاثين من كتاب الإيمان، ومر تعريف قتادة وأنس في الحديث السادس منه أيضًا، ومر تعريف معُاذ بن جبل في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد وفيه الإخبار والعنعنة، ورواته بصريون ما خلا إسحاق، وقد دخلها، وفيه رواية الأبناء عن الآباء. أخرجه مسلم في الإيمان.
стр. 1645
الحديث السبعون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ: "مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ". قَالَ: أَلاَ أُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ: "لاَ، إِنِّى أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا".
قوله "ذكر لي" بضم الذال، مبني للمجهول، ولم يسمِّ أنس من ذكر له ذلك في جميع الطرق وهو غير قادح في صحة الحديث، لأن متنه ثابت من طريق أُخرى، وأيضًا، فأنس لا يروي إلا عن عدل صحابيّ أو غيره، فلا تضر الجهالة هنا، وكذلك جابر فيما مر له عند أحمد، لم يسمِّ من روى عنه حديث معاذ؛ لأن معاذًا إنما حدث به عند موته بالشام، وجابر وأنس إذ ذاك بالمدينة، فلم يشهداه. وقد حضر ذلك من مُعاذ عمرُو بن ميمون، كما عند المصنف، في الجهاد ورواه النسائِيّ عن عبد الرحمن بن سَمُرة الصحابي أنه سمع ذلك من معاذٍ أيضًا، فيحتمل أن يفسر المبهم بأحدهما، وعمرو بن ميمون يأتي تعريفه في الخامس والمئة من الوضوء، ويأتي تعريف عبد الرحمن بن سمرة في الثالث عشر من كتاب الصلح.
وقوله "من لقي الله" أي: من لقي الأجل الذي قدره الله، يعني الموت، أو المراد البعث، أو رؤية الله. وقوله "لا يشرك به شيئًا" اقتصر على نفي الإشراك، لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم؛ لأن من كذّب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد كذّب الله تعالى، ومن كذب الله تعالى فهو مشركٌ، أو هو مثل قول القائل "من توضأ صحت صلاته" أي مع سائر الشرائط، فالمراد من مات حال كونه مؤمنًا بجميع ما يجب الإيمان به.
стр. 1646
وقوله "دخل الجنة" أي وإن لم يعمل صالحًا، إما قبل دخوله النار أو بعده بفضل الله ورحمته، وليس في قوله هنا "دخل الجنة" من الإِشكال ما مرّ في قوله "حرمه الله على النار"؛ لأن هذا أعم من أن يكون قبل التعذيب أو بعده كما علمت. قال النّووي: مذهب أهل السنة بأجمعهم أن أهل الذنوب في المشيئة، وإن من مات موقنًا بالشهادتين، دخل الجنة، فإن كان دَيِّنًا أو سليمًا من المعاصي، دخل الجنة برحمة الله تعالى، وحرِّم على النار، وإن كان من المخلطين بتضييع الأوامر أو بعضها، وارتكاب النواهي أو بعضها، ومات من غير توبة فهو في خطر المشيئة، وهو بصدد أن يمضي عليه الوعيد، إلاَّ أن يشاء الله أن يعفو عنه، فإن شاء أن يعذبه فمصيره إلى الجنة بالشفاعة، وحينئذ فمعنى قوله "دخل الجنة" لكنه قبل ذلك إن مات مصرًا على المعصية في مشيئة الله.
وقوله "حرمه الله على النار" أي: إلا أن يشاء الله، وقوله "لا أخاف أن يتكلوا" هي للنهي، ليست داخلة على أخاف، بل المعنى لا تبشرهم، ثم استأنف، فقال: أخاف، وفي رواية كريمة "إِني أخاف" بإثبات التعليل، وللحسن بن سفيان في مسنده عن مُعْتمر قال: لأدعهم، فليتنافسوا في الأعمال، فإنى أخاف أن يتنافسوا وإخبار معاد به عند موته مخافة من الإِثم المرتب على الكتمان كما مر، وكأنه فهم من منع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يخبر بها إخبارًا عامًا، لقوله: أفلا أبشر الناس؟ فأخذ هو أولًا بعموم المنع، فلم يخبر بها أحدًا، ثم ظهر له أن المنع إنما هو من الإخبار بالعموم، فبادر قبل موته، فأخبر بها خاصًا من الناس، فجمع بين الحكمتين. ويقوّي ذلك أن المنع لو كان على عمومه في الأشخاص لما أخبر هو بذلك، وأُخذ منه أن من كان مثل مقامه في اللهم إنه لم يمنع من إخباره.
وقد تعقب هذا الجواب بما أخرجه أحمد من وجه فيه انقطاع عن
стр. 1647
معاذ، أنه لما حضرته الوفاة قال: أدْخلوا عليَّ الناس، فأُدخلوا عليه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يقول: "من مات لا يشرك بالله شيئًا جعله الله في الجنة، وما كنت أحدثكموه إلا عند الموت، وشاهدي على ذلك أبو الدرداء، فقال: صدق أخي، وما كان يحدثكم به إلا عند موته" وقد وقع لأبي أيوب مثل ذلك، ففي "المسند" أن أبا أيّوب غزا الروم، فمرض، فلما حضر قال: سأحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، لولا حالي هذه ما حدثتكموه، سمعته يقول: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة" وإذا عورض هذا الجواب فأجيب عن أصل الإشكال، بأن معاذًا اطلع على أنه لم يكن المقصود من المنع التحريم، بدليل أن النبيّ، صلى الله تعالى عليه وسلم، أمر أبا هريرة أن يبشر بذلك الناس، فلقيه عمر، فدفعه، وقال: ارجع يا أبا هُريرة، ودخل على أثره، فقال: يا رسول الله لا تفعل، فإنى أخشى: أن يتكل الناس، فخلِّهم يعملون، فقال: فخلِّهم أخرجه مسلم.
فكان قوله صلى الله تعالى عليه وسلم، لمعاذ: أخاف أن يتَّكلوا، كان بعد قصة أبي هُريرة، فكان النهي للمصلحة لا للتحريم، فلذلك أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ، وقال الطِّيبيّ: قال بعض المحققين: قد يتخذ من أمثال هذه الأحاديث المطلقة ذريعة إلى طرح التكاليف، وإبطال العمل ظنًا أن ترك الشرك كاف، وهذا يستلزم طي بساط الشريعة، وإبطال الحدود، وأن الترغيب في الطاعة، والتحذير عن المعصية لا تأثير له، بل يقتضي الانخلاع من الدين، والانحلال عن قيد الشريعة، والخروج عن الضبط، والولوج في الخبط، وترك الناس سدى مهملين، وذلك يفضي إلى خراب الدنيا بعد أن يفضي إلى خراب الأُخرى، مع أن قوله في بعض طرق الحديث "أن يعبدوه" يتضمن جميع أنواع التكاليف الشرعية.
وقوله "ولا يشرك به شيئًا" يشمل مسمى الشرك الجليّ والخفيّ، فلا
стр. 1648
راحة للتمسك به في ترك العمل؛ لأن الأحاديث إذا ثبتت، وجب ضم بعضها إلى بعض، فإنها في حكم الحديث الواحد، فيحمل مطلقها على مقيدها، ليحصل العلم بجميع ما في مضمونها.
رجاله أربعة: الأول: مسدد بن مُسَرهد، مر تعريفه في الحديث السادس من كتاب الإيمان.
والثاني: مُعْتَمر بن سليمان بن طَرَخَان التَّيمي البّصريّ، لم يكن من بني تيم، ولكنه كان نازلًا فيهم، وهو مولى بني مرة، روى عن أبيه ومنصور وحُميد وخلق. وروى عنه ابن المبارك وابن مَهْديّ وعفّان وخلق. وثَّقه أبو حاتم وابن مَعين وابن سعد. وقال يحيى القطَّان: كان سيء الحفظ، فإذا حدثكم بشيء فاعرضوه. وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال أبو داود عن أحمد: ما كان أحفظ معتمر بن سليمان! ما كنا نسأله عن شيء إلا عنده فيه شيء. وقال ابن خِراش: كان يخطىء إذا حدث من حفظه، وإذا حدث من كتابه فهو ثقة، وأكثر ما أخرج له البخاريّ مما توبع عليه، واحتج به الجماعة. حدث عنه الثَّوْرِيّ والحسن بن عُرْفَة، وبين وفاتهما ستٌّ وتسعون سنة، كان رأسًا في العلم والعبادة مثل أبيه، مات سنة سبع وثمانين ومئة.
الثالث: سليمان بن طرخَان، أبوه كان ينزل في بني مُرة، فلما تكلم بالقدر أخرجوه، فقبله بنو تَيْم وقدموه، وصار إمامًا لهم. روى عن أنس وأبي عثمان النَّهديّ وطاووس، ويحيى بن يعمر، وخلق. وروى عنه ابنه المَعْتَمر، وشُعبة وابن المبارك وابن علية وخلق. قال ابن المدينيّ: له نحو مئتي حديث. قال شُعبة: ما رأيت أصدق من سليمان، كان إذا حدث تغير لونه. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكان من العباد المجتهدين، وكان يصلي الليل كله بوضوء العشاء الآخرة.
وقال القطّان: ما جلست إلى رجل أخوف لله من سليمان التيمي، وقال ابن سلَمة: كنا نرى أن سليمان لا يحسن أن يعصي الله، ولم يضع جنبه
стр. 1649
على الأرض عشرين سنة، وكان هو وابنه معتمر يدوران بالليل في المساجد، فيصليان في هذا مرة، وفي ذلك مرة، وكان مائلًا إلى عليّ ﵁، وقال الربيع بن يحيى عن سعيد: ما رأيت أحدًا أصدق من سليمان التيميّ. وقال شُعبة: شكُّ ابن عون وسليمان التيميّ يقينٌ. وقال أحمد: ثقة، وهو في أبي عثمان أحب إليّ من عاصم الأحول. وقال ابن معين والنَّسائي: ثقة، وقال العجليّ: تابعيّ ثقة، كان من خيار أهل البصرة وسئل أبو حاتم: سليمان أحب إليك في أبي عثمان أو عاصم؟ فقال: سليمان.
قال سليمان التيميّ: أتوني بصحيفة جابر، فلم أروها، فراحوا بها إلى الحسين فرواها، وراحوا بها إلى قتادة فرواها. وقال الثوريّ: حفّاظ البصرة ثلاثة، فذكره فيهم. وقال ابن حبَّان في الثقات: كان من عبّاد أهل البصرة، وصالحيهم ثقةً وإتقانًا وحفظًا وسُنَّةً توفي بالبصرة في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين ومئة، ومات وهو ابن سبع وتسعين سنة.
الرابع: أنس بن مالك، مر تعريفه في الحديث السادس من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والسماع مكررًا، ورواته كلهم بصريون، وفيه رواية الابن عن الأب، وهو من الرباعيات العوالي، ولم يخرجه غير البخاري ثم قال المصنف:
باب الحياء في العلم
أي حكم الحياء في تعلم العلم وتعليمه، وقد مر أن الحياء من الإيمان، وهو الشرعيّ الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر، وهو محمود وأما ما يقع سببًا لترك أمر شرعيّ فهو مذموم، وليس بحياء شرعيّ، وإنما هو ضعف ومهانة، وهو المراد بقول مجاهد. ثم قال:
وقال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحيي ولا مستكبر، وهو بإسكان الحاء وبياءين أخيرتهما ساكن من استحي يستحيي، على وزن يستفعل،
стр. 1650
ويجوز مستحي بياء واحدة من استحى يستحي، على وزن مستفع، ويجوز مستح على وزن مستفٍ، "ولا" في كلامه نافية لا ناهية، ولذا كانت ميم "يتعلمُ" مضمومة، وكأنه أراد تحريض المتعلمين على ترك العجز والتكبر، لما يؤثر كل منهما من النقص في التعليم. وسئل أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: بم حصلت العلم العظيم؟ فقال ما بخلت بالإفادة، ولا استنكفت عن الاستفادة. ثم قال: وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهنَّ الحياء أن يتفقهنَّ في الدين.
برفع نساء في الموضعين فالأُولى على الفاعلية، والثانية على أنها مخصوصة بالمدح. وقوله "أن يتفقهن" أن مصدرية، والتقدير عن التفقه في أمور الدين. أما مجاهد، فقد مر تعريفه في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومر تعريف عائشة في الحديث الثاني من بدء الوحي، وأثر مجاهد وصَله أبو نعيم في "الحلية" من طريق عليّ بن المَدِينيّ عن ابن عُيينة عن منصور عنه بإسناد صحيح على شرط البخاري، والثاني: رواه أبو داود عن عُبيد الله بن مُعاذ: حدثنا أبي، حدثنا شُعبة عن إبراهيم بن مُهاجر عن صَفيَّة بنت شَيْبة، عن عائشة ﵂، الخ.
следующие страницы →