← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وقوله "دخل الجنة" أي وإن لم يعمل صالحًا، إما قبل دخوله النار أو بعده بفضل الله ورحمته، وليس في قوله هنا "دخل الجنة" من الإِشكال ما مرّ في قوله "حرمه الله على النار"؛ لأن هذا أعم من أن يكون قبل التعذيب أو بعده كما علمت. قال النّووي: مذهب أهل السنة بأجمعهم أن أهل الذنوب في المشيئة، وإن من مات موقنًا بالشهادتين، دخل الجنة، فإن كان دَيِّنًا أو سليمًا من المعاصي، دخل الجنة برحمة الله تعالى، وحرِّم على النار، وإن كان من المخلطين بتضييع الأوامر أو بعضها، وارتكاب النواهي أو بعضها، ومات من غير توبة فهو في خطر المشيئة، وهو بصدد أن يمضي عليه الوعيد، إلاَّ أن يشاء الله أن يعفو عنه، فإن شاء أن يعذبه فمصيره إلى الجنة بالشفاعة، وحينئذ فمعنى قوله "دخل الجنة" لكنه قبل ذلك إن مات مصرًا على المعصية في مشيئة الله. وقوله "حرمه الله على النار" أي: إلا أن يشاء الله، وقوله "لا أخاف أن يتكلوا" هي للنهي، ليست داخلة على أخاف، بل المعنى لا تبشرهم، ثم استأنف، فقال: أخاف، وفي رواية كريمة "إِني أخاف" بإثبات التعليل، وللحسن بن سفيان في مسنده عن مُعْتمر قال: لأدعهم، فليتنافسوا في الأعمال، فإنى أخاف أن يتنافسوا وإخبار معاد به عند موته مخافة من الإِثم المرتب على الكتمان كما مر، وكأنه فهم من منع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يخبر بها إخبارًا عامًا، لقوله: أفلا أبشر الناس؟ فأخذ هو أولًا بعموم المنع، فلم يخبر بها أحدًا، ثم ظهر له أن المنع إنما هو من الإخبار بالعموم، فبادر قبل موته، فأخبر بها خاصًا من الناس، فجمع بين الحكمتين. ويقوّي ذلك أن المنع لو كان على عمومه في الأشخاص لما أخبر هو بذلك، وأُخذ منه أن من كان مثل مقامه في اللهم إنه لم يمنع من إخباره. وقد تعقب هذا الجواب بما أخرجه أحمد من وجه فيه انقطاع عن

стр. 1647

معاذ، أنه لما حضرته الوفاة قال: أدْخلوا عليَّ الناس، فأُدخلوا عليه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يقول: "من مات لا يشرك بالله شيئًا جعله الله في الجنة، وما كنت أحدثكموه إلا عند الموت، وشاهدي على ذلك أبو الدرداء، فقال: صدق أخي، وما كان يحدثكم به إلا عند موته" وقد وقع لأبي أيوب مثل ذلك، ففي "المسند" أن أبا أيّوب غزا الروم، فمرض، فلما حضر قال: سأحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، لولا حالي هذه ما حدثتكموه، سمعته يقول: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة" وإذا عورض هذا الجواب فأجيب عن أصل الإشكال، بأن معاذًا اطلع على أنه لم يكن المقصود من المنع التحريم، بدليل أن النبيّ، صلى الله تعالى عليه وسلم، أمر أبا هريرة أن يبشر بذلك الناس، فلقيه عمر، فدفعه، وقال: ارجع يا أبا هُريرة، ودخل على أثره، فقال: يا رسول الله لا تفعل، فإنى أخشى: أن يتكل الناس، فخلِّهم يعملون، فقال: فخلِّهم أخرجه مسلم. فكان قوله صلى الله تعالى عليه وسلم، لمعاذ: أخاف أن يتَّكلوا، كان بعد قصة أبي هُريرة، فكان النهي للمصلحة لا للتحريم، فلذلك أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ، وقال الطِّيبيّ: قال بعض المحققين: قد يتخذ من أمثال هذه الأحاديث المطلقة ذريعة إلى طرح التكاليف، وإبطال العمل ظنًا أن ترك الشرك كاف، وهذا يستلزم طي بساط الشريعة، وإبطال الحدود، وأن الترغيب في الطاعة، والتحذير عن المعصية لا تأثير له، بل يقتضي الانخلاع من الدين، والانحلال عن قيد الشريعة، والخروج عن الضبط، والولوج في الخبط، وترك الناس سدى مهملين، وذلك يفضي إلى خراب الدنيا بعد أن يفضي إلى خراب الأُخرى، مع أن قوله في بعض طرق الحديث "أن يعبدوه" يتضمن جميع أنواع التكاليف الشرعية. وقوله "ولا يشرك به شيئًا" يشمل مسمى الشرك الجليّ والخفيّ، فلا

стр. 1648

راحة للتمسك به في ترك العمل؛ لأن الأحاديث إذا ثبتت، وجب ضم بعضها إلى بعض، فإنها في حكم الحديث الواحد، فيحمل مطلقها على مقيدها، ليحصل العلم بجميع ما في مضمونها. رجاله أربعة: الأول: مسدد بن مُسَرهد، مر تعريفه في الحديث السادس من كتاب الإيمان. والثاني: مُعْتَمر بن سليمان بن طَرَخَان التَّيمي البّصريّ، لم يكن من بني تيم، ولكنه كان نازلًا فيهم، وهو مولى بني مرة، روى عن أبيه ومنصور وحُميد وخلق. وروى عنه ابن المبارك وابن مَهْديّ وعفّان وخلق. وثَّقه أبو حاتم وابن مَعين وابن سعد. وقال يحيى القطَّان: كان سيء الحفظ، فإذا حدثكم بشيء فاعرضوه. وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال أبو داود عن أحمد: ما كان أحفظ معتمر بن سليمان! ما كنا نسأله عن شيء إلا عنده فيه شيء. وقال ابن خِراش: كان يخطىء إذا حدث من حفظه، وإذا حدث من كتابه فهو ثقة، وأكثر ما أخرج له البخاريّ مما توبع عليه، واحتج به الجماعة. حدث عنه الثَّوْرِيّ والحسن بن عُرْفَة، وبين وفاتهما ستٌّ وتسعون سنة، كان رأسًا في العلم والعبادة مثل أبيه، مات سنة سبع وثمانين ومئة. الثالث: سليمان بن طرخَان، أبوه كان ينزل في بني مُرة، فلما تكلم بالقدر أخرجوه، فقبله بنو تَيْم وقدموه، وصار إمامًا لهم. روى عن أنس وأبي عثمان النَّهديّ وطاووس، ويحيى بن يعمر، وخلق. وروى عنه ابنه المَعْتَمر، وشُعبة وابن المبارك وابن علية وخلق. قال ابن المدينيّ: له نحو مئتي حديث. قال شُعبة: ما رأيت أصدق من سليمان، كان إذا حدث تغير لونه. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكان من العباد المجتهدين، وكان يصلي الليل كله بوضوء العشاء الآخرة. وقال القطّان: ما جلست إلى رجل أخوف لله من سليمان التيمي، وقال ابن سلَمة: كنا نرى أن سليمان لا يحسن أن يعصي الله، ولم يضع جنبه

стр. 1649

على الأرض عشرين سنة، وكان هو وابنه معتمر يدوران بالليل في المساجد، فيصليان في هذا مرة، وفي ذلك مرة، وكان مائلًا إلى عليّ ﵁، وقال الربيع بن يحيى عن سعيد: ما رأيت أحدًا أصدق من سليمان التيميّ. وقال شُعبة: شكُّ ابن عون وسليمان التيميّ يقينٌ. وقال أحمد: ثقة، وهو في أبي عثمان أحب إليّ من عاصم الأحول. وقال ابن معين والنَّسائي: ثقة، وقال العجليّ: تابعيّ ثقة، كان من خيار أهل البصرة وسئل أبو حاتم: سليمان أحب إليك في أبي عثمان أو عاصم؟ فقال: سليمان. قال سليمان التيميّ: أتوني بصحيفة جابر، فلم أروها، فراحوا بها إلى الحسين فرواها، وراحوا بها إلى قتادة فرواها. وقال الثوريّ: حفّاظ البصرة ثلاثة، فذكره فيهم. وقال ابن حبَّان في الثقات: كان من عبّاد أهل البصرة، وصالحيهم ثقةً وإتقانًا وحفظًا وسُنَّةً توفي بالبصرة في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين ومئة، ومات وهو ابن سبع وتسعين سنة. الرابع: أنس بن مالك، مر تعريفه في الحديث السادس من كتاب الإيمان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والسماع مكررًا، ورواته كلهم بصريون، وفيه رواية الابن عن الأب، وهو من الرباعيات العوالي، ولم يخرجه غير البخاري ثم قال المصنف: باب الحياء في العلم أي حكم الحياء في تعلم العلم وتعليمه، وقد مر أن الحياء من الإيمان، وهو الشرعيّ الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر، وهو محمود وأما ما يقع سببًا لترك أمر شرعيّ فهو مذموم، وليس بحياء شرعيّ، وإنما هو ضعف ومهانة، وهو المراد بقول مجاهد. ثم قال: وقال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحيي ولا مستكبر، وهو بإسكان الحاء وبياءين أخيرتهما ساكن من استحي يستحيي، على وزن يستفعل،

стр. 1650

ويجوز مستحي بياء واحدة من استحى يستحي، على وزن مستفع، ويجوز مستح على وزن مستفٍ، "ولا" في كلامه نافية لا ناهية، ولذا كانت ميم "يتعلمُ" مضمومة، وكأنه أراد تحريض المتعلمين على ترك العجز والتكبر، لما يؤثر كل منهما من النقص في التعليم. وسئل أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: بم حصلت العلم العظيم؟ فقال ما بخلت بالإفادة، ولا استنكفت عن الاستفادة. ثم قال: وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهنَّ الحياء أن يتفقهنَّ في الدين. برفع نساء في الموضعين فالأُولى على الفاعلية، والثانية على أنها مخصوصة بالمدح. وقوله "أن يتفقهن" أن مصدرية، والتقدير عن التفقه في أمور الدين. أما مجاهد، فقد مر تعريفه في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومر تعريف عائشة في الحديث الثاني من بدء الوحي، وأثر مجاهد وصَله أبو نعيم في "الحلية" من طريق عليّ بن المَدِينيّ عن ابن عُيينة عن منصور عنه بإسناد صحيح على شرط البخاري، والثاني: رواه أبو داود عن عُبيد الله بن مُعاذ: حدثنا أبي، حدثنا شُعبة عن إبراهيم بن مُهاجر عن صَفيَّة بنت شَيْبة، عن عائشة ﵂، الخ.

стр. 1651

الحديث الحادي والسبعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ". فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ تَعْنِى وَجْهَهَا وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ: "نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا". قوله: "إن الله لا يستحيي من الحق" قدمت هذا القول تمهيدًا لعذرها في ذكر ما يستحى منه، فإن كتمان هذا من عادتهن، لأنه يدل على شدة شهوتهن للرجال، ولذا قالت لها عائشة، كما في مسلم: فضحت النساء. والمراد بالحياء هنا: معناه اللغويّ، وقد مر في كتاب الإيمان أن الحياء لغةً: تغير وانكسار، وهو مستحيل في حقه تعالى، فيحمل هنا على أن المراد أن الله لا يأمر بالحياء في الحق، أو لا يمنع من ذكر الحق. وقد يقال: إنما يحتاج إلى التأويل في الإثبات، ولا يشترط في النفي أن يكون ممكنًا، لكنْ لما كان المفهوم يقتضي أنه يستحيي من غير الحق، عاد إلى جانب الإثبات، فاحتيج إلى تأويله. وقوله "فهل على المرأة من غُسل" من زائدة، وقد سقطت في رواية المصنف في الأدب، والغُسل بضم الغين، وروي بفتحها، وهما مصدران عند أكثر أهل اللغة، وقال آخرون: بالضم الاسم، وبالفتح المصدر. وقوله "إذا احتلمت" الاحتلام افتعال من الحُلم، بالضم والضمتين، وهو ما يراه النائم في نومه، يقال منه؛ حلَم بالفتح، واحتلم، والمراد به هنا أمر خاص منه، وهو الجماع. وفي رواية أحمد عن أم سُلَيم أنها قالت: يا رسول الله، إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام، اتغتسل؟

стр. 1652

وقوله "إذا رأت الماء" أي المني بعد الاستيقاظ، فإذا ظرفية، ويجوز أن تكون شرطية، أي إذا رأت وجب عليها الغسل، وجعْل رؤية المني شرطًا للغُسل يدل على أنها إذا لم تر الماء لا غسل عليها. وقوله "فغطت أم سلمة" تعني وجهها. قال ذلك عُروة أو غيره، وفاعل تعني زينب والضمير يعود على أم سلمة، ويحتمل أن تكون أم سلمة قالته على سبيل الالتفات، من باب التجريد، كأنها جردت من نفسها شخصًا، فاسندت إليه التغطية إذ الأصل "فغطيت". وقوله "وقالت يا رسول الله وتحتلم المرأة" بحذف همزة الاستفهام، وللكشميهنيّ "أو تحتلم المرأة" بإثباتها، وهو معطوف على مقدر يقتضيه السياق، أي أترى المرأة الماء وتحتلم؟ ويأتي في الأدب للمصنف عن هشام: فضحكت أم سلمة. ويجمع بينهما بأنها تبسمت تعجبًا وغطت وجهها حياء، وروى مسلم الحديث عن الزهري عن عروة لكن قال عن عائشة وفيه أن المراجعة، وقعت بين أمّ سلمة وعائشة. وأخرج أيضًا من حديث أنس قال: جاءت أُم سليم إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالت له وعائشة عنده، فذكر الحديث. ويجمع بينهما بأن تكون عائشة وأم سلمة جميعًا أنكرتا على أم سليم وهو جمع حسن لأنه لا يمتنع حضور أم سلمة وعائشة عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، في مجلس واحد. وقال النّوويّ في "شرح المهذب". يجمع بين الروايات بان أنسًا وعائشة وأُم سلَمة حضروا القصة. والذي يظهر أن أنسًا لم يحضر القصة، وإنما رواها عن أم سُليم. وقد سألت عن هذه المسألة أيضًا خولةُ بنت حكيم، عند أحمد والنَّسائيّ وابن ماجه. وفي آخره "كما ليس على الرجل غسل، إذا رأى ذلك فلم يُنزل"، وسَهْلةُ بنت سُهيل عند الطَّبرانيّ، ويُسْرة بنت صَفْوان عند ابن أبي شَيْبة. وقوله "قال: نعم، تربت يمينك" بكسر الراء، من ترب الرجل، إذا

стр. 1653

افتقر، أي لصق بالتراب، وأترب إذا استغنى، وهي كلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر بها، كما يقولون: قاتله الله. وقيل: معناه لله دره، وقال عياض: هذا خطاب على عادة العرب في استعمال هذه الألفاظ، عند الإنكار للشيء، والتأنيس، أو الإِعجاب أو الاستعظام، لا يريدون معناها الأصليّ، وكثيرًا ما يرد للعرب ألفاظ ظاهرها الذم، وإنما يريدون بها المدح كقولهم: لا أب لك، ولا أم لك، وهوت أمه، ولا أرض لك. قال الهروِيّ: ومنه قوله في حديث خزيمة "أنعم صباحًا تربت يداك" فأراد الدعاء له، ولم يرد الدعاء عليه. وقوله "فبم يُشْبهها ولدها" أصله "فبما" فحذفت الألف. يُشبهها: فعل ومفعول، وولدها فاعل، والضمير يرجع إلى المرأة. وفي رواية عند المصنف في الهجرة "فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد" أي جذبته إليها. وعند مسلم عن عائشة "إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه أعمامه، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه أخواله". ونحوه للبزّار عن ابن مسعود وفيه "ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان الشبه له" والمراد بالعلو هنا السبق، لأن كل من سبق، فقد علا شأنه، فهو علو معنوي. وأما ما وقع عند مسلم من حديث ثوبان رفعه "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثا بإذن الله" فهو مشكل من جهة أنه يلزم منه اقتران الشبه للأعمام إذا علا ماء الرجل، ويكون ذكرًا لا أنثى، وعكسه والمشاهد خلاف ذلك؛ لأنه قد يكون ذكراً ويشبه أخواله لا أعمامه، وعكسه. قال القرطبيُّ: يتعين تأويل حديث ثوبان بان المراد بالعلو السبق. قال في "الفتح": والذي يظهر ما قدمته وهو تأويل العلو في حديث عائشة بالسبق. وأما حديث ثوبان فيبقى العلو فيه على ظاهره، فيكون السبق علامة التذكير والتأنيث، والعلو علامة الشبه، فيرتفع الإشكال، كذا قال.

стр. 1654

والظاهر أن فيه تغييرًا، وإصلاحه أن يقال: فيكون العلو علامة التذكير والتأنيث، والسبق علامة الشبه، فيرتفع الإشكال ثم قال: وكان المراد بالعلو الذي يكون سبب الشبه بحسب الكثرة، بحيث يصير الآخر مغمورًا فيه، فبسبب ذلك يحصل الشبه، كذا قال. والظاهر أن فيه تغييرًا أيضًا، وإصلاحه أن يقال: بالعلو الذي يكون سبب التذكير والتأنيث، ويقال فيما بعده: فبسبب ذلك يحصل التذكير والتأنيث. ثم قال: وينقسم ذلك إلى ستة أقسام. الأول: أن يسبق ماء الرجل ويكون أكثر فيحصل له المذكورة والشبه. والثاني: عكسه. والثالث: أن يسبق ماء الرجل ويكون ماء المرأة أكثر، فتحصل الذكورة، والشبه للمرأة، والصواب عندي أن يقال: فتحصل الأنوثة والشبه للرجل. والرابع: عكسه. والخامس: أن يسبق ماء الرجل، ويستوك، فيذكر، ولا يختص بشبه، والصواب عندي أن يقال: فيشبه، ولا يختص بذكورة ولا أنوثة. والسادس: عكسه. قال ابن بَطّال: فيه دليل على أن كل النساء يحتلمن، وعكسه غيره فقال: فيه دليل على أن بعض النساء لا يحتلمن. والظاهر أن مراد ابن بطّال الجواز لا الوقوع، أي فيهن قابلية ذلك. وفيه دليل على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال، ونفى ابن بطّال الخلاف فيه، وليس بصواب، فقد حكى ابن المنذر وغيره الخلاف فيه عن إبراهيم النخعِيّ، واستبعد النووي في "شرح المهذب" صحته عنه، لكن رواه ابن أبي شيبة عنه بإسناد جيد، وكأن أم سليم لم تسمع حديث "إنما الماء من الماء" أو سمعته وقام عندها ما يوهم خروج المرأة من ذلك، وهو ندور بروز الماء منها.

стр. 1655

وقد روى أحمد من حديث أم سليم في هذه القصة، أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، وهل للمرأة ماء؟ فقال: هن شقائق الرجال. وروى عبد الرزاق في هذه القصة: "إذا رأت إحداكن الماء كما يراه الرجل". وروى أحمد عن خَولة بنت حكِيم في نحو هذه القصة "ليس عليها غُسل حتى تنزل كما ينزل الرجل"، وفيه رد على من زعم أن ماء المرأة لا يبرز، وإنما يعرف إنزالها بشهوتها. وحمل قوله "إذا رأت" أي علمت به؛ لأن وجود العلم هنا متعذر؛ لأنه إذا أراد به علمها بذلك، وهي نائمة، فلا يثبت به حكم؛ لأن الرجل لو رأى أنه جامع، وعلم أنه أنزل في النوم، ثم استيقظ، فلم ير بللا، لم يجب عليه الغسل اتفاقًا. فكذلك المرأة. وإن أراد به علمها بذلك بعد أن استيقظت، فلا يصح؛ لأنه لا يستمر في اليقظة ما كان في النوم، إلا إن كان مشاهدًا، فحَمْل الرؤية على ظاهرها هو الصواب. وفيه استفتاء المرأة بنفسها، وسياق صور الأحوال في الوقائع الشرعية لما يستفاد من ذلك، وفيه جواز التبسم في التعجب. رجاله ستة: وفيه ذكر أم سليم. الأول: محمد بن سلام البيْكَنْديّ، مر تعريفه في الحديث الثالث عشر من كتاب الإيمان. الثاني أبو معاوية محمد بن خَازِم، مر في الحديث الثالث منه أيضًا، ومر تعريف هشام وأبوه عُروة في الحديث الثاني من بدء الوحي، ومر تعريف أُم سَلَمة في الحديث الخامس والخمسين من كتاب العلم. وزينب بنت أم سَلَمة هي زينب بنت أبي سلمة، واسم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأَسَد بن عمرو بن مخزوم المخزومية، ربيبة رسول الله ﷺ ، أمها أم سلمة بنت أبي أميّة، يقال: ولدت بأرض الحبشة، وتزوج النبي ﷺ أمها وهي ترضعها. وفي مسند البزّار ما

стр. 1656

يدل على أن أم سلمة وضعتها بعد موت أبي سلمة، فحلت، فخطبها النبي ﷺ ، فتزوجها، وكانت ترضع زينب، وكان اسمها بُرَّة، فغير النبي ﷺ اسمها، كما فعل بزينت بنت جحش. حفظت عن النبي ﷺ ، وروت عنه وعن أزواجه: أُمِّها وعائشة وأُم حبيبة وغيرهن. لها في البخاري حديثان، وفي مسلم حديث واحد. روى عنها ابنها أبو عُبيدة بن عبد الله بن زَمَعَة ومحمد بن عطاء، وعراك بن مالك، وعُروة بن الزبير، وزين العابدين، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، كانت أسماء بنت أبي بكر أرضعتها، فكانت أخت أبناء الزبير. قال أبو رافع الصائغ: كنت إذا ذكرتُ امرأة فقيهة بالمدينة ذكرتُ زينب بنت أبي سلمة. وقال سُليمان التَّيمّي عن أبي رافع: غضبت على امرأتي فقالت زينب بنت أبي سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة بالمدينة، فذكر قصته، وروى عطّاف بن خالد عن أمه عن زينب بنت أبي سلمة قالت: "كان رسول الله ﷺ ، إذا دخل يغتسل، تقول أمي: أُدخلي عليه، فإذا دخلت، نضح في وجهي من الماء ويقول: ارجعي، قالت: فرأيت زينب، وهي عجوز كبيرة، ما نقص من وجهها شيء" وفي رواية "فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت وعُمِّرَت". وروى ابن المبارك عن خرير بن حازم قال: سمعت الحسن يقول: لما كان يوم الحرة قُتل أهل المدينة، فكان فيمن قتل ابنا زينب، ربيبة رسول الله ﷺ ، فحملا ووضعا بين يديها مقتولين، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقالت: والله إن المصيبة عليّ فيهما لكبيرة، وهي علي في هذا أكبر منها في هذا، أما هذا فجلس في بيته، فكف يده، فدخل عليه وقتل مظلوما، وأنا أرجو له الجنة، وأما هذا فبسط يده، فقاتل حتى قتل، فلا أدري على ما هو من ذلك، فالمصيبة به علي

стр. 1657

أعظم منها في هذا وهما ابنا عبد الله بن زَمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ. وأم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حَرام بن جُنْدب بن عامر بن غَنم بن عدي بن النجار. اختلف في اسمها، قيل: اسمها سَهلة، وقيل: رمُيَثه وقيل: مُلَيكة، وقيل: الغُميصاء أو الرُّميصاء. كانت تحت مالك بن النَّضْر أبي أنس بن مالك في الجاهلية، فولدت له أنس بن مالك، فلما جاء الله بالإسلام أسلمت مع قومها في السابقين، وعرضت على زوجها الإِسلام فغضب عليها، وخرج إلى الشام، ومات به كافرًا فخطبها أبو طلحة قبل أن يسلم، فقالت له: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد نبت من الأرض؟ قال: بلى، قالت: ألا تستحيي تعبد شجرة؟ إن أسلمت فإني لا أريد منك صداقًا غيره. قال لها: حتى انظر في أمري. فذهب ثم جاء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فقالت: يا أنس زوج أبا طلحة، فزوجها وكان صداقها الإِسلام. وكانت أم سليم تقول: لا أتزوج حتى يبلغ أنس، ويجلس في المجالس، فيقول: جزى الله أُمي عني خيرًا، لقد أحسنت ولايتي. فقال لها أبو طلحة: فقد جلس أنس وتكلم، فتزوجها. وروي عن أنس أن النبي ﷺ ، كان يزور أم سليم فتتحفه بالشيء تصنعه له. وروي عنه أيضًا أنه قال: لم يكن رسول الله ﷺ يدخل بيتًا غير بيت أم سلمة، إلا على أزواجه، فقيل له، فقال: إني أرحمها، قتل أبوها وأخوها معي. والجواب عن دخوله بيت أم حرام أُختها، أنهما كانتا في "دار واحدة. وكانت تغزو مع النبي ﷺ ، ولها قصص مشهورة، منها ما أخرجه ابن سعد بسند صحيح، أن أم سليم اتخذت خِنجرًا يوم حُنين، فقال أبو طلحة: يا رسول الله هذه أُم سليم معها خِنجر، فقالت: اتخذته إنْ دنا مني مشركٌ بقَرَتُ به بطنه. ومنها قصتها المخرجة في

стр. 1658

الصحيح: لما مات ولدها ابن أبي طلحة قالت لما دخل: لا يذكر ذلك أحد لأبي طلحة قبلي، فلما جاء وسأل عن ولده، قالت: هو أسكن ما كان، فظن أنه عوفي، وقام فأكل، ثم تزينت له وتطيبت، فنام معها وأصاب منها، فلما أصبح قالت له: احتسبْ ولدك. فذكر ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: بارك الله لكما في ليلتكما، فجاءت بولد، وهو عبد الله ابن أبي طلحة، فأنجب ورزُق أولادًا، قرأ القرآن منهم عشرةٌ كُمَّل، وحُمِل عن كل واحد منهم العلم. روي عنها أنها قالت: لقد دعا لي رسول الله ﷺ ، حتى ما أريد زيادة. والولد الميت هو أبو عُمير، صاحب النّفير. وفي الصحيح عن أنس أن أُم سليم لما قدم النبي ﷺ ، قالت له: يا رسول الله، هذا أنس يخدمك، وكان حينئذ ابن عشر سنين، فخدم النبي ﷺ منذ قدم المدينة حتى مات، فاشتهر بخادم النبي ﷺ . روي لها عن النبي ﷺ أربعة عشر حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بحديثين. روى عنها ابنها أَنس وابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وآخرون. وفي كتاب ابن السَّكن أن اسم أُمها أنيقة. روُي عن أنس أنه قال: أتيت أبا طلحة وهو يضرب أمّي فقلت: تضرب هذه العجوز؟ لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، وفيه رواية صحابية عن صحابية، ورواية البنت عن الأُم. أخرجه البخاريّ هنا، وفي الطهارة والأدب، ومسلم في الطهارة، والتِّرمِذِيُّ فيها أيضًا، وقال: حسن صحيح، والنَّسائي فيها وفي العلم، وابن ماجه وأبو داود في الطهارة أيضًا. وفي الحديث إدراج، وهو قول زينب: فغطت أم سلمة وجهها، وقول عروة أو غيره من الرواة: تعني وجهها.

стр. 1659

فنذكر هنا حقيقة الإدراج، وهو قسمان: قسم في المتن، وهو أن يقع في المتن كلام ليس منه، تارة في أوله، وتارة في أثنائه، وتارة في آخره، وهو الأكثر، لأنه يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوف من كلام الصحابة، أو من بعدهم، بمرفوع من كلام النبي ﷺ ، بدون فصل. وقسم في الإِسناد وهو أقسام: الأول: أن يروي جماعةٌ الحديث لأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راوٍ فيجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد، ولا يبين الاختلاف، كحديث أبي وائل عن عمرو بن شُرحبيل عن عبد الله بن مسعود، قلت: يا رسول الله أيّ الذنب أعظم؟ والثاني: أن يكون المتن عند راو إلا طرفًا منه: فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه راو آخر عنه تامًا بالإِسناد الأول. مثاله حديثُ وائل بن حَجَر في صفة صلاة رسول الله ﷺ ، وفيه ثم جئت بعد ذلك، في زمان فيه برد شديد، فرأيت الناس عليهم جُلُّ الثياب، تحركُ أيديهم تحت الثياب، الخ. ومنه أن يسمع الحديث من شيخه، بلا واسطة، إلا طرفًا منه، فيسمعه عن شيخه بواسطة، فيرويه راو عنه تامًا بحذف الواسطة. الثالث: أن يكون عند الراوي متنان مختلفان بإسنادين مختلفين، فيرويهما راو عنه مقتصرًا على أحد الإسنادين، أو يروى أحد الحديثين بإسناده الخاص به، لكن يزيد فيه من المتن الآخر ما ليس في الأول، كحديث أنس، رفعه "لا تباغَضوا ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا" فقدله "ولا تنافسوا" أدرجه ابن أبي مريم، الخ. الرابع: أن يسوق الراوي الإِسناد، فيعرض له عارض، فيقول كلاما من قبل نفسه، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك

стр. 1660

الإِسناد، فيرويه عنه، كحديث جابر بن عبد الله مرفوعًا "من كثرت صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار". قال الحاكم: دخل ثابت على شريك، وهو يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال رسول الله ﷺ ، وسكت ليكتب المستملي، فلما نظر إلى ثابت قال: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"، وقصد بذلك ثابتًا لزهده وتهجده، فظن ثابت أن متن ذلك الإِسناد، فكان يحدث به، وإنما هو قول شريك، فهو أشبه الموضوع بغير قصد، وليس بموضوع حقيقة. وحكم الإدراج، قال ابن الصّلاح والنّوويّ: إنه بأقسامه حرام بإجماع أهل الحديث والفقه، لكن قال ابن السَّمعانيّ: عندي أن ما أُدرج بتفسير غريب لا يمنع، ولذلك فعله الزُّهْريّ وغير واحد من الأئمة، ونقل عن الماوَرْدِيّ والرويانيّ وابن السَّمعانيّ أنهم قالوا: إن من تعمد الإدارج ساقطُ العدالة، وهو ممن يحرف الكَلِم عن مواضعه، فكان ملحقًا بالكذابين. ونظم العراقيُّ في ألفيته أقسام المدرج فقال: المدرَجُ الملحقَ آخر الخبر ... من قول راوٍ ما، بلا فصل ظهر نحو: إذا قلت التشهدّ وصل ... ذاك زهير، وابن ثوبان فصل قلت: ومنه مدرج قبل قلب ... فأسبغوا الوضوء، ويل للعقب ومنه جمع ما أتى كل طرف ... منه بإسناد بواحد سلف كوائل في صفة الصلاة قد .... أدرج ثم جئتهم وما اتحد ومنه أن يدرج بعض سند ... في غيره مع اختلاف السند نحو "ولا تنافسوا" في متن "لا ... تباغضوا فمدرج قد نقلا من متن "لا تجسسوا" أدرجه ... ابن أبي مريم إذْ أخرجه ومنه متن عن جماعة ورد ... وبعضهم خالف بعضًا في السند فيجمع الكل بإسناد ذكر ... كمتن "أي الذنب أعظم" الخبر فإن عَمْرا عند واصل فقط ... بين شقيق وابن مسعود سقط وزاد الأعمش، كذا منصور ... ومحمد الإدراج لها محظور

стр. 1661

الحديث الثاني والسبعون حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِىَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ ". فَوَقَعَ النَّاسُ فِى شَجَرِ الْبَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِى نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا؟. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هِىَ النَّخْلَةُ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِى نَفْسِي فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا. هذا الحديث قد استوفينا الكلام عليه استيفاء لا يحتاج إلى زيادة، في أوائل كتاب العلم هذا، في الحديث الثالث، وأورده المؤلف هنا لقول ابن عمر "فاستحييت" ولتأسف عمر على كونه لم يقل ذلك لتظهر فضيلته، فاستلزم حياؤه تفويت ذلك، وكان يمكنه إذا استحيا إجلالًا لمن هو أكبر منه، أن يذكر ذلك لغيره سرًا، فيخبر به عنه، فيجمع بين المصلحتين، ولهذا عقبه المصنف "بباب من استحيا فأمر غيره بالسؤال" وقوله في الحديث: لأن تكوُنَ قُلْتها بلفظ المضارع في تكون، والماضي في قلت، قيل فيه: كان من حقه أن يقال: لأن كنت قلتها والجواب عن ذلك، هو أن المعنى لأن تكون في الحال موصوفًا بهذا القول الصادر في الماضي. رجاله أربعة: الأول إسماعيل بن أبي أُويس، مر في الحديث الخامس عشر من كتاب الإيمان، ومر تعريف الإمام مالك في الحديث الثاني من بدء الوحي، ومر تعريف عبد الله بن دينار في الحديث الثاني من الإيمان، ومر تعريف عبد الله بن عمر في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث

стр. 1662

منه، ومر الكلام على المواضيع التي أخرجه فيها المؤلف وغيره، عند الحديث الثالث من كتاب العلم. ثم قال المصنف: باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال أي استحيا من العالم أن يسأله بنفسه.

стр. 1663

الحديث الثالث والسبعون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "فِيهِ الْوُضُوءُ". قوله "كنت رجلًا مذّاء" بتثقيل الذال المعجمة، والمد بصيغة المبالغة، أي كثير المذي، يقال مَذَى يمَذْي مثل مضى يمضي، ثلاثيًا ويقال أيضًا: أمذى يُمْذي بوزن أعطى يعُطي رباعيًا. وفي المذي لغات أفصحها فتح الميم وسكون الذال المعجمة وتخفيف الياء. ثم بكسر الذال وتشديد الياء، وهو ماء أبيض رقيق لزج، يخرج عند الملاعبة، أو تذكر الجماع، أو إرادته، وقد لا يحس بخروجه. وقوله "فأمرتُ المِقداد أن يسأل النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم" وفي رواية قُتيبة عند المصنف في الوضوء "فاستحييتُ". وفي رواية عنده في الغسل "لمكان ابنته". وفي رواية لمسلم "من أجل فاطمة رضي الله تعالى عنها"، ووقع في رواية للنَّسائيّ أن عليًا قال: أمرت عمارًا أن يسأل. وفي رواية لابن حِبَّان والإسماعيليّ أنّ عليًا قال: سألت، وجمع ابن حبان بين هذا الاختلاف، بأن عليًا أمر عمارًا أنْ يسال، ثم أمر المقداد بذلك ثم سأل بنفسه، وهو جمع جيد إلا بالنسبة إلى آخره، لكونه مغايرًا لقوله: إنه استحيا عن السؤال بنفسه لأجل فاطمة، فيتعين حمله على المجاز بأن بعض الرواة أطلق أنه سأل، لكونه الآمر بذلك، وبهذا جزم الإسماعيليّ ثم النّوويّ. ويؤيد أنه أمر كلًا من المقداد وعمار بالسؤال عن ذلك، ما رواه عبد الرزاق عن عائِش بن أنس قال: تذاكر علي والمقداد وعمار المَذْيَ فقال عليّ: إنني رجل مذّاء، فاسألا عن ذلك النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم،

стр. 1664

فسأله أحد الرجلين. وصححَّ ابن بَشْكوال أن الذي تولّى السؤال عن ذلك هو المقداد وعليّ هذا، فنسبة عمار إلى أنه "سأل عن ذلك" محمولة على المجاز أيضًا، لكونه قصده لكن تولى المقداد الخطاب دونه. وقوله "فقال فيه الوضوء" هذا مطابق لكون السائل المقداد، وفي رواية الغُسل، فقال: توضأ واغسل ذكرك. وهذا الأمر، بلفظ الإفراد، يشعر بأن المقداد سأل لنفسه، ويحتمل أن يكون سأل لمبهم أو لعليّ، فوجه النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم الخطاب إليه. وفي رواية لمسلم، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ بلفظ الغائب، فيحتمل أن يكون سؤال المقداد وقع على الإبهام، وهو الأظهر، ففي مسلم، أيضًا فسأله عن المذي يخرج من الإنسان وفي الموطأ نحوه. والظاهر أن عليًا كان حاضر السؤال، فقد أطبق أصحاب المسانيد والأطراف على إيراد هذا الحديث في مسند علي، ولو حملوه على أنه لم يحضر، لأوردوه في مسند المقداد، ويؤيده ما في رواية النَّسائيّ عن أبي حصين في هذا الحديث، عن علي قال: فقلت لرجل جالس في جنبي: سله، فسأله. وفي رواية لأبي داود والنَّسائيّ وابن خُزَيمة، ذكر سبب ذلك عن حَصين بن قُبَيْصةَ عن عليّ قال: كنت رجلًا مذاءًا، فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهري، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تفعل. ولأبي داود وابن خُزيمة عن سَهل بن حُنيف أنه وقع له نحو ذلك، وأنه سأل عنه بنفسه. واستدل بقوله ﵊ "توضّأ" على أن الغُسل لا يجب بخروج المذي، وصرح بذلك في رواية أبي داود وغيره، وهو إجماع، وعلى أن الأمر بالوضوء منه كالأمر بالوضوء من البول، وحكى الطحاويّ عن قوم أنهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرد خروجه، ثم رد عليهم بما رواه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عليّ قال: سئل النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عن المَذْي فقال: فيه الوضوء، وفي المَنْي الغُسْل.

стр. 1665

فعرف بهذا أن حكم المَذْي حكم البوك وغيره من نواقض الوضوء، لا أنه يوجب الوضوء بمجرد خروجه. واستدل به على وجوب الوضوء على من به سلس المذي، للأمر بالوضوء مع الوصف بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة، وتعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّ الكثرة هنا ناشئة عن غلبة الشهوة مع صحة الجسد، بخلاف صاحب السلس، فإنه ينشأ عن علة في الجسد، ويمكن أن يقال: أمر الشارع بالوضوء منه، ولم يستفصل فدل على عموم الحكم. وقوله "واغسل ذكرك" وقع في رواية البخاري تقديم الأمر بالوضوء على غسله، وفي العُمدة نسبة عكس ذلك للبخاري، لكن الواو لا ترتّب، فالمعنى واحد، وهي رواية الإسماعيليّ، فيجوز تقديم غسله على الوضوء، وهو أوْلى، ويجوز تقديم الوضوء على غسله، لكن من يقول بنقض الوضوء بمسه، يشترط أن يكون ذلك بحائل، واستدل به ابن دقيق العيد على تعين الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأن ظاهره يعيّن الغُسل والمُعين لا يقع الامتثال إلا به، وهذا هو مذهب المالكية، وهو ما صححه النَّوويّ في شرحِ مسلم، وصحح في باقي كتبه جواز الاقتصار إلحاقًا له بالبول، وحملاً للأمر بغسله على الاستحباب، أو على أنه خُرِّج مخْرج الغالب، وهذا هو المعروف في مذهب الشافعية. واستدل به المالكية والحنابلة على إيجاب استيعابه بالغسل، عملاً بالحقيقة، لكن الجمهور نظروا إلى المعنى، فإن الموجب لغسله إنما هو خروج الخارج، فلا تجب المجاوزة إلى غير محله، ويؤيده ما عند الإسماعيلي في رواية فقال: "توضأ واغسلْه" فأعاد الضمير على المذي. ونظير هذا قوله "من مس ذكره فليتوضأ" فإن النقض لا يتوقف على مسّ جميعه. قلت: من أين لهم أن الضمير في رواية الإسماعيليّ راجع إلى المذيّ؟ فلم لا يكون راجعًا إلى الذكر، حملًا للحديث على الرواية

стр. 1666

الصريحة، وتحصيلًا للتوفيق بين الحديثين الواجب الجمع بينهما؟ وأما حصول النقض بمس بعض الذكر، فيجاب عنه بأنه جعل فيه النقض بمس البعض ليتيقن حصول الوضوء صحيحًا، فتبرأ به الذمة من الصلاة، والأصل أن الذمة لا تبرأ إلا بمحقق، ولو حمل على أن المس لابد أن يكون لجميعه، بقي احتمال كون المراد به البعض، فلا يتحقق من مس البعض صحة وضوئه، وكذلك الأمر بالغسل للذكر حمل على الحقيقة، لأنه لو حُمل على غسل البعض الذي هو خلاف المتبادر من اللفظ، لم تتحقق براءة الذمة من المأمور به، ولا صحة وضوء الخارج منه المذي، وبالله تعالى التوفيق. واختلف القائلون بوجوب غسل جميعه، هل هو معقول المعنى أو للتعبد؟ فعلى الثاني تجب النية فيه، قال الطحاويّ: لم يكن الأمر بغُسله لوجوب غسله كله، بل ليتقلص فيبطل خروجه كما في الضرع إذا غسل بالماء البارد، ويتفرق لبنه إلى داخل الضرع، فينقطع خروجه. قلت: العلة تشمل البول، فلِمَ لم يأمر الشارع بغسل الذكر فيه؟ واستدل به أيضًا على نجاسة المذي، وهو ظاهر، وخرَّج ابن عقيل الجنبليّ من قول بعضهم إن المذي من أجزاء المني، رواية بطهارته، وتعُقِّب بأنه لو كان منيًا لوجب الغسل منه. واستدل به على قبول خبر الواحد، وعلى جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع به. وفيهما نظر، لأن السؤال كان بحضرة عليّ رضي الله تعالى عنه، كما مر، ولو صح أن السؤال كان في غيبته، لم يكن دليلًا على المدعى، لاحتمال وجود القرائن التي تحفُّ الخبر فترقيه عن الظن إلى القطع. والمراد بالاستدلال به على قبول خبر الواحد مع كونه خبر واحد، أنه صورة من الصور التي تدل، وهي كثيرة، تقوم الحجة بجملتها، بفرد معين منها. وفيه جواز الاستنابة في الاستفتاء، وقد يؤخذ منه جواز دعوى الوكيل

стр. 1667

بحضرة موكّله، وفيه ما كان الصحابة عليه من حرمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتوقيره، وفيه استعمال الأدب في ترك المواجهة لما يستحيا منه عُرفًا، وحسن المعاشرة مع الأصهار، وترك ذكر ما يتعلق بجماع المرأة ونحوه، بحضرة أقاربها. رجاله ستة: الأول مسدد بن مُسَرهَد، مر تعريفه في الحديث السادس من كتاب الإِيمان، ومر تعريف سليمان بن مهران الأعمش في الحديث السادس والعشرين من كتاب الإيمان، ومر تعريف عليّ بن أبي طالب في الحديث السابع والأربعين من كتاب العلم. والثاني: عبد الله بن داود بن عامر بن الربيع الخُرَبْبيّ، نسبة إلى خُرَيْبة تصغير خَرْبة، ملحة بالبصرة، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن، الهَمْدانيّ، الكوُفيّ الأصل. روى عن الأعمش وهشام بن عروة وابن جُرَيج وإسماعيل بن أبي خالد، والأوزاعيّ وخلق. وروى عنه الحسن بن صالح ابن حَيّ، وهو من شيوخه، وعامر ومسدد، وعمرو بن أبي ليلى الصَّيرفيّ، وخلق. قال ابن سعد: كان ثقة عابدًا ناسكًا. وقال ابن مَعين: ثقة مأمون صدوق. وقال عثمان الدارميّ: سالت ابن مَعين عنه وعن أبي عاصم فقال: ثقتان، قال الدارميّ: الخريبي أعلى ووثَّقه أبو زَرعة والنَّسائِيّ. وقال الدارقطنيّ: ثقة زاهد. وقال ابن عُيينة ذلك أحد الأحدين، وقال مرة: ذلك شيخنا القديم. قال الكُدَيميّ: سمعته يقول: ما كذبت قط إلا مرة واحدة، كان أبي قال لي: قرأت على المعلم؟ قلت: نعم، وما كنت قرأت عليه. وقال أبو نصر بن ماكولا: كان عسرًا في الرواية، وقال محمد بن أبي مسلم الكجيّ عن أبيه: أتينا عبد الله بن داود ليحدثنا، فقال: قوموا اسقوا البستان، فلم نسمع منه غير ذلك. قال ابن قانع: كان ثقة. وقال الخليليّ: أَمسك عن الرواية قبل موته. وقال أبو حاتم: كان يميل إلى الرأي، وكان صدوقًا.

стр. 1668

ولد سنة إحدى وعشرين ومئة، ومات في شوال سنة ثلاث عشرة ومئتين. روى له الجماعة إلا مسلمًا، وليس في البخاري والكتب الأربعة عبد الله بن داود غير هذا. نعم، في التِّرْمِذيّ آخر واسطي مختلف فيه. والخُريَبة المنسوب إليها التي هي محلة بالبصرة، تسمى البَصْرة الصغرى ينسب إليها خلق كثير، والنسبة إليها على غير قياس؛ لأن فُعَيلة النسبة إليها بطرح الياء إلا ما شذ. الثالث من السند: مُنذر، بضم الميم، ابن يَعْلى، بفتح الياء آخر الحرِوف، أبو يعلى الثَّوْرِيّ الكوفيّ، روى عن محمد بن الحَنْفية، والربيع ابن خيْثم وسعيد بن جُبير وجماعة. وروى عنه ابنه الربيع والأعمش وقَطَر ابن خَليفة وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة، وقال: كان ثقة قليل الحديث. وقال ابن مَعين والعِجْليّ وابن خِراش: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات. روى له الجماعة. رابع السند، محمد بن الحَنَفية، وهو محمد بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو القاسم، المدنيّ، المعروف بابن الحنفية، وهي خَوْلة بنت جَعفر بن قيس بن ثَعْلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدُّؤل بن حَنفية بن لجَيم. ويقال: بل كانت من سبْي اليمامة، وصارت إلى عليّ ﵁، وقيل: بل كانت سِنْدِيَّة سوداء، وكانت أَمة لبني حنيفة، ولم تكن منهم، وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق، ولم يصالحهم على أنفسهم. استولد عليّ تلك الجارية من السبيّ، ثم لم ينقرض عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد لا يسبى. وكنيته بأبي القاسم رُخْصة من النبيّ ﷺ لعليّ. يقال إنه قال لعليّ: سيولد لك بعدي ولد، وقد نحلته اسمي وكنيتي، ولا تحل لأحد من أمتي بعده. وممن سمي محمدًا وتكنَّى أبا القاسم، محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن طلحة بن عُبَيد الله، ومحمد بن سعد بن أبي وقّاص، ومحمد

стр. 1669

ابن عبد الرحمن بن عَوف، ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن حاطب بن أبي بَلْتَعة، ومحمد بن الأشعث بن قيس. روى عن أبيه وعثمان وعمار ومعاوية وأبي هريرة وابن عباس، ودخل على عمر، وروى عنه أولاده إبراهيم والحسن وعبد الله وعمر وعَوْن، وابن أخيه محمد بن عمر بن علي، ومحمد بن بشرِ الهَمْدانّي، وكان مؤدبًا له، وخلق. قال العِجْليّ: تابعي ثقة، كان رجلًا صالحًا. قال إبراهيم بن الجُنَيد: لا نعلم أحدًا أسند عن عليّ، ولا أصح مما أسند محمد. وتسميه الشيعة المهديّ، وكانوا إذا سلموا عليه يقولون: السلام عليك يا مهديّ، فيقول: أجل، أنا مهديٌّ أُهدى إلى الخير، ولكن إذا سلم أحدكم فليقل: السلام يا محمد. وقال ابن حبان: كان من أفاضل بيته، كان كثير العلم والورع. وقد ذكره الشيخ أبو إسحاق الشِّيرازِيّ في "طبقات الفقهاء"، وكانت راية أبيه يوم الجمل بيده، ويُحكى أنه توقف أول يوم في حملها لكونه قتال المسلمين، ولم يكن قبل ذلك شهد مثاله، فقال له عليّ ﵁: هل عندك شك في جيش مقدمه أبوك؟ فحملها. وقيل له: كان أبوك يُقْحمك المهالك ويُولجك المضايق دون أخَويك: الحسن والحسين، فقال: لأنهما كانا عيْنيه، وكنت يديه، فكان يقي عينيه بيديه. ومن كلامه. ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف، مَنْ لا يجد في معاشرته بُدًا، حتى يجعل الله له فرجًا. كان ﵁ شديد القوة، وله في ذلك أخبار عجيبة، منها ما حكاه المُبَرِّد في كتابه "الكامل" أن أباه عليًا، ﵁، استطال درعًا كانت له، فقال: لينقص منها كذا وكذا حلقة، فقبض محمد بإحدى يديه على ذيلها، وبالأخرى على فضلها، ثم جذبها، فقطع من الموضع الذي حَدَّه أبوه. وكان عبد الله بن الزبير، إذا حُدِّث بهذا الحديث، غضب واعتراه أفْكَل، وهو الرعدة؛ لأنه كان يحسده على قوته. وكان ابن الزبير أيضًا شديد القوة، ومن قوته أيضًا ما حكاه المُبَرِّد في كتابه أن ملك الروم في أيام

стр. 1670

معاوية، وجه إليه أن الملوك قَبْلك كانت تراسل الملوك منا، ويجهد بعضهم أن يغرب على بعض، أفتأذن لي في ذلك؟ فأذن له، فوجه إليه رجلين، أحدهما جسيم طويل، والآخر أيِّد، فقال معاوية لعمرو بن العاص: أما الطويل فقد أصبنا كفؤه، وأما الآخر الأيِّد، فقد احتجنا إلى رأيك فيه، فقال عمرو: هاهنا رجلان كلاهما إليك بغيض، محمد بن الحنفية، وعبد الله بن الزبير. قال معاوية: من هو أقرب إلينا على كل حالى، فلما دخل الرجلان، وجه إلى قيس بن سعد بن عبادة يعلمه، فدخل قيس، فلما مثل بين يدي معاوية، نزع سراويله، ورمى بها إلى العلج، فلبسها فبلغت ثندوته فأطرق مغلوبًا، فقيل: إن قيسًا لاموه على ذلك، وقيل له: لِمَ تَبَذَّلْت هذا التَّبَذُّل بحضرة معاوية؟ وهلّا وجّهت إليه غيرها؟ فقال: أردتُ لكيما يعلم الناس أنها ... سراويلُ قيس، والوفودُ شهودُ وأن لا يقولوا غاب قيسٌ وهذه ... سراويلُ عاديّ نَمَتْهُ ثَمُودُ وإنّي من القوم اليمانين سيّدٌ ... وما الناس إلا سيد ومَسَودُ وبَدَّ جميع الناس أصلي ومنصبي ... وجسمٌ به أعلو الرجال مديدُ ثم وجه معاوية إلى محمد بن الحنفية فحضر، فخُبر بما دُعي إليه فقالى: قولوا له إن شاء فليجلس، وليعطني يده حتى أُقيمه، أو يقعدني، وإن شاء فليكن هو القائم وأنا القاعد، فاختار الرومي الجُلوس، فأقامه محمد، وعجز الرومي عن إقعاده، ثم اختار أن يكون محمد القاعد، فجذبه محمد فأقعده، وعجز الرومي عن إقامته، فانصرفا مغلوبين. ولما دعا ابن الزبير إلى نفسه، وبايعه أهل الحجاز، دعا عبد الله بن عباس ومحمد بن الحنفية، ﵄، إلى بيعته فأبيا ذلك، وقالا: لا نبايعك حتى يجتمع لك البلاد، ويتفق الناس، فأساء جوارهما، وحصرهما وآذاهما، وقال لهما: لئن لم تبايعا أحرقتكما بالنار. والشرح في ذلك يطول. كانت ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وتوفي ﵁ في أولى

стр. 1671

المحرم سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة ثلاث وثمانين، وقيل: سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين، بالمدينة، وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو والي المدينة يومئذ، ودفن بالبقيع، وقيل: إنه خرج إلى الطائف هاربًا من ابن الزبير، فمات هناك، وقيل إنه مات ببلاد أَيْلة، وتعتقد الفرقة الكَيْسانية إمامته، وأنه مقيم بجبل رَضْوى وإلى ذلك أشار كثير عزة بقوله، من جملة أبيات وكان كيْسَاني الاعتقاد: تغَيَّب لا يُرى فيهم زمانًا ... برضوى، عنده عسلٌ وماء وأول هذه الأبيات: ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء عليٌّ والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط وليس بهم خفاء فسبطٌ سبي إيمان وبِرٍ ... وسبطٌ غَيَّبَتْه كرْبلاء وسبطٌ لا يذوق الموت حتى ... يقول الخيل يَقْدُمُه اللواء وكان المختار بن عُبيد الثقفيّ يدعو الناس إلى إمامة محمد بن الحنفية، ويزعم أنه المهديّ، وقال الجوهري في كتاب "الصحاح" كَيْسان لقب المختار المذكور، وقال غيره: كيسان مولى علي، ﵁، والكيسانية يزعمون أنه مقيم برضوى في شِعبٍ منه، ولم يمت، دخل إليه ومعه أربعون من أصحابه، ولم يوقف لهم على خبر، وهم أحياء يرزقون، ويقولون: إنه مقيم في هذا الجبل بين أسد ونمر، وعنده عينان نضاختان تجريان عسلًا وماءً، وأنه يرجع إلى الدنيا فيملأها عدلًا، وانتقلت إمامته إلى ولده أبي هاشم عبد الله، ومنه إلى محمد بن عليّ والد السَّفَّاح والمنصور، ويقال: إن له ولدًا اسمه الهَيْثَم. وكان مُوَخَّذًا عن مسجد رسول الله ﷺ ، لا يقدر أن يدخله، والأخيذ في اللغة الأسير، ووالأُخْذة، بضم الهمزة، رُقْيَةٌ كالسحر، فكأنه كان مسحورًا. كان محمد، ﵁، يخضب بالحناء والكتَم، وكان يتختم في اليسار، وله أخبار مشهورة. ورضَوى، بفتح الراء بعدها

стр. 1672

ضاد ساكنة، جبل جُهَينة، وهو في عمل اليَنْبُع، بينهما مسيرة يوم واحد، وهو من المدينة على سبعة مراحل، ميامنة طريق المدينة، ومياسرة طريق البَرّ، لمن كان مُصَعَّدًا إلى مكة. وهو على ليلتين من البحر، ومنه تحمل حجارة المِسَنّ إلى سائر الأمصار، والحنفيّ في نسبه مر في تعريفه ما هو النسبة له. وفيه ذكر المقداد، وهو المقداد بن الأسود، نسب إلى الأسود بن عَبْد يَغُوث بن وَهب بن عبد مناف بن زُهْرة الزُّهْرِيّ؛ لأنه كان تبناه وحالفه في الجاهلية، فقيل له: المقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود، النهروانيّ، وقيل الحضرميّ. قال ابن الكلبيّ: كان عمرو أبو المقداد أصاب دمًا في قومه، فلحق بحضرموت، فحالف كندة، فكان يقال له الكنديّ، وتزوج هناك امرأة فولدت له المقداد، فلما كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمِر بن حُجْر الكنديّ، فضرب رجله بالسيف، وهرب إلى مكة، فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهريّ وكتب إلى أبيه فقدم عليه، وتبنى الأسود المقداد، فصار يقال له المقداد بن الأسود، وغلب عليه واشتهر بذلك، فلما نزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] قيل له المقداد بن عمرو، واشتهر شهرته بابن الأسود. وكان المقداد يكنى أبا الأسود، وقيل: كنيته أبو عمرو، وقيل أبو سعيد، أسلم قديمًا، روي عن ابن مسعود أنه قال: أول من أظهر الإِسلام سبعة، فذكر المقداد منهم. وكان من الفضلاء النجباء من أصحاب النبي ﷺ . وروي عن عليّ قال: قال رسول الله ﷺ : إنه لم يكن نبىٌّ إلا أعطى سبعة نُجَباء ووزراء ورفقاء، وإني أعطيت أربعة عشر: حمزة وجعفر وأبو بكر وعمر وعليّ والحسن والحسين وعبد الله بن مسعود وعمّار وسَلْمان وحذَيفة وأبو ذَرٍّ والمِقْداد وبلال. وروي عن ابن مسعود: لقد شهدت مع المقداد مشهدًا، لأن أكون

стр. 1673

صاحبه أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، وذلك أنه أتى النبيَّ، ﷺ ، وهو يذكر المشركين، فقال: يا رسول الله، إنا والله لا نقول لك كما قال أصحاب موسى لموسى، إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكنا نقاتل من بين يديك ومن خلفك، وعن يمينك وعن شمالك، قال: فرأيت رسول الله ﷺ يشرق وجهه بذلك، وسره وأعجبه. وروي عن عبد الله بن بُرَيدة عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله أمرني بحب أربعة من أصحابي، وأخبرني أنه يحبهم، فقيل له: يا رسول الله من هم؟ قال: عليٌّ والمقداد وسَلمان وأبو ذر. وروي عن أنس أن النبي، ﷺ ، سمع رجلًا يقرأ القرآن، ويرفع صوته به، فقال: "أوَّاب"، وسمع آخر يرفع صوته به، فقال "مراءٍ" فنظر فإذا الأول المقداد بن عمرو. وروي عن المقداد أنه قال: لما نزلنا المدينة عَشَرنا النبيُّ ﷺ ، عشرة عشرة في كل بيت، فكنت في العشرة الذين كانوا مع النبي ﷺ ، ولم يكن لنا إلا شاةٌ نتجزَّأ لبنها. وهو أول من قاتل علي فرس في سبيل الله، معِ رسول الله ﷺ ، فقد شهد بدراً على فرس له يقال لها سَبْخَة. تزوج ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عم النبيّ ﷺ ، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها. كان المقداد وعبد الرحمن بن عوف جالسين، فقال له: مالك لا تتزوج؟ قال: زوِّجني ابنتك، فغضب عبد الرحمن وأغلظ له، فشكاه إلى النبيّ ﷺ ، فقال: أنا أزوجك، فزوجه بنت عمه ضُباعة. كان المقداد عظيم البطن، وكان له غلام، روميٌّ، فقال له: أشُقُّ بطنك فأُخرج من شحمه حتى تلطف؟ فشق بطنه ثم خاطه، فمات المقداد، وهرب الغلام.

стр. 1674

شهد المقداد مصر، ومات في أرضه بالجرف، فحمل إلى المدينة ودفن بها، وصلى عليه عثمان بن عفان ﵁، سنة ثلاث وثلاثين. روى عنه من كبار التابعين طارق بن شهاب، وعُبيد الله بن عَدِيّ بن الخيار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم. والنَّهرْوانِيُّ في نسبه نسبة إلى نهروان، قرية من قرى اليمن، من أعمال ذَمار، والنسبة في الزُّهريّ قد مرت. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته ما بين بصريّ وكوفيّ وحجازيّ، وفيه رواية تابعيّ، وهو الأعمش، يروي عن غير تابعيّ وهو المنذر، وفيه ما قيل لا يُعلم أحدٌ أسند إلى عليّ ﵁ عن النبي ﷺ أكثر ولا أصح مما أسند محمد بن الحنفية، رضي الله تعالى عنه. أخرجه البخاري هنا وفي الطهارة، ومسلم فيها أيضًا، والنَّسائيّ فيها وفي العلم، وروي بوجوه مختلفة. ثم قال المصنف: باب ذكر العلم والفتيا في المسجد أي إلقاء العلم والفتيا في المسجد، وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من توقف عليه، لما يقع في المباحثة من رفع الأصوات، فنبه على الجواز.

стр. 1675

الحديث الرابع والسبعون حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. أَنَّ رَجُلاً قَامَ فِى الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ". وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قوله "إن رجلًا قام في المسجد" قال في "الفتح": لم أقف على اسم هذا الرجل، والمراد بالمسجد، مسجد النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم. ويستفاد منه أن السؤال عن مواقيت الحج كان قبل السفر من المدينة. وحكى الأثرم عن أحمد أنه سئل في أي وَقْتٍ وَقَّت النبيّ، صلى الله تعالى عليه وسلم، المواقيت؟ فقال: عام حَجَّ. وهذا موافق لما استفيد من الحديث إلا أن المستفاد منه مبين، لكون التوقيت قبل سفره للحج. وقوله "من أين تأمرنا أن نُهِل" أي: بالإهلال، وأصله رفع الصوت، لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، ثم اطلق على نفس الإحرام اتساعًا، والسؤال عن "المُهَلّ" بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام، وهو موضع الإهلال، وهو الميقات المكانيّ. وقال أبو البقاء العَكْبَرِيّ: إن المُهَل مصدر بمعنى الإهلال، كالمدخل والمخرج، بمعنى الإدخال والإخراج. وقوله "يهلُّ أهل المدينة من ذي الحُليفة" بالمهملة والفاء مصغر، مكان معروف بينه وبين المدينة ستة أميال، ووهم من قال بينهما ميل واحد، وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب، وبها بئر يقال

стр. 1676

لها بئر عليّ، وهي أبعد المواقيت من مكة، فقيل: الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة، وقيل: رفقًا بأهل الآفاق؛ لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة أي ممن له ميقات معين. وقوله: "ويهلُّ أهل الشام من الجُحْفَة" بضم الجيم وسكون المهملة، وهي قرية خَرِبة بيتها وبين مكة خمس مراحل أو ستة. وفي حديث ابن عمر أنها مَهْيعةٌ، بوزن علقمة، وقيل بوزن لطيفة، وسميت الجُحفة لأن السيل أجحف بها. قال ابن الكلبيّ: كان العمالق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني عَبِيل، بفتح المهملة بوزن عظيم، وهم أخوة عاد حرب، فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مهيعة، فجاء سيل فاجتحفهم، أي استأصلهم، فسميت الجحفة. وقوله "ويهل أهل نجدٍ من قَرْن"، أما نجد فهو كل مكان مرتفع، وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد هنا التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها الشام والعراق، وجميع ما يسمى نجدًا مضاف أي: نجد كذا، إلا هذا، أو يقال لقْرن قَرْن المنازِل، بلفظ جمع المنزل، وهو اسم المكان، وهو بفتح القاف وسكون الراء، وغلط من قال بفتح الراء، لكن حكى عياض عن القابِسيّ أن من قاله بالإسكان أراد الجبل، ومن قاله بالفتح أراد الطريق. والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان، وحكى الروياني عن بعض الشافعية، أن المكان الذي يقال له قَرْن موضعان: أحدهما في هبوط، وهو الذي يقال له قَرْن المنازل، والآخر في صعود وهو الذي يقال له قرْنُ الثعالب، والمعروف الأول. وفي أخبار مكة للفاكهانيّ: أن قَرن الثعالب جبل مشرف على أسفل مِنى، بينه وبين مسجد مني ألف وخمس مئة ذراع. وقيل له قرن الثعالب، لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب، فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت. وقوله "ويهل" في الكل على صورة الخبر في الظاهر، والظاهر أن المراد منه الأمر، فالتقدير "ليهل"، وقوله "وقال ابن عمر" هو بواو العطف في

стр. 1677

غير رواية ابن عساكر والأصيلي، فإنها أي: الواو، ساقطة، والعطف على لفظٍ عن عبد الله بن عمر عطفا من جهة المعنى، كأنه قال: قال نافع قال عبد الله بن عمر ما مر. وقال "ويزعمون" وهو عطف على مقدر، أي: وقال: قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: كذا. ويزعمون أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "ويهل أهل اليمن من يلمْلَم" وهذا التقدير لابد منه؛ لأن هذه الواو لا تدخل بين القول ومقوله، ويلملم بفتح المثناة التحتية وفتح اللامين، جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة، بينهما ثلاثون ميلًا ويقال "ألملم" بالهمزة بدل الياء، وهو الأصل والياء تسهيل لها، وحكي فيه "يَرَمْرَم" براءين بدل اللامين، وفي عبارة القاضي حسين في سياقه لحديث ابن عباس "ولأهل نجد اليمن ونجد الحجاز قَرْن"، وهذا لا يوجد في شيء من طرق حديث ابن عباس، وإنما يوجد ذلك من مرسَل عطاء، وهو المعتمد، فإن لأهل اليمن إذا قصدوا مكة طريقين: إحداهما طريق أهل الجبال، وهم يصلون إلى قَرْن أو يحاذونه، فهو ميقاتهم، كما هو ميقات أهل المشرق، والأخرى طريق أهل تهامة، فيمرون بيلملم، أو يحاذونه، وهو ميقاتهم لا يشاركهم فيه إلا من أتى عليه من غيرهم. وقول ابن عمر "ويزعمون" إلى آخره، يفسر بمن روى الحديث تامًا، كابن عباس وغيره، وقوله "وقال ابن عمر: لم أفقه هذه من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم" أي: لم أفهم هذه الأخيرة، أي يلملم لأهل اليمن، وهذا من شدة تحرّيه وورعه. وفيه دليل على إطلاق الزعم على القول المحقق، لأن ابن عمر سمع ذلك من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لكنه لم يفهمه، لقوله: لم أفقه هذه، أي الجملة الأخيرة، فصار يرويها من غيره، وأيضًا فإن ابن عمر لا يريد بهؤلاء الزاعمين إلا أهل الحجة، والعلم بالسنة، ومحالٌ أن يقولوا ذلك بآرائهم، لأن هذا ليس مما يقال بالرأي.

стр. 1678

رجاله أربعة: الأول قتيبة بن سعد، مر في الحديث الثاني والعشرين من كتاب الإيمان، ومر تعريف أبي معاوية محمد بن حازم في الحديث الثالث منه أيضًا، ومر تعريف عبد الله بن عمر في أول كتابه أيضًا قبل ذكر حديث منه. الثالث: نافع بن سَرْجِس، بفتح السين وسكون الراء وكسر الجيم في آخره سين أخرى، أبو عبد الله المدني مولى عبد الله بن عمر، أصله من المغرب، وقيل من نَيْسابور، وقيل من سَبْي كابُل، وقيل من جبال الطَّالقان، أصاب عبد الله بن عمر في بعض غزواته، روى عن مولاه وأبي هريرة وأبي لبُابة بن عبد المنذر وأبي سعيد الخُدْريّ ورافع بن خديج، وعائشة وأم سلَمة، وعبد الله وعبيد الله وسالم وزيد أولاد عبد الله بن عمر، وخلق كثير. روى عنه أولاده أبو عمر وعمر وعبد الله وعبد الله بن دينار وصالح بن كَيْسان وأبو إسحاق السَّبيعيّ ومالك بن أنس والأوزاعي وابن إسحاق وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال البخاريّ: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر، وقال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع عن عبد الله بن عمر لا أبالي أن لا أسمعه من أحد غيره. وأهل الحديث يقولون: رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذَّهب لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة. ومعظم حديث ابن عمر دائر عليه، وقال عبد الله بن عمر: لقد منّ الله علينا بنافع، قال أحمد بن صالح المصريّ: كان نافع حافظًا ثبتًا له شأن، وهو أكبر من عِكرمة عند أهل المدينة. وقال الخليليّ: نافع من أئمة التابعين بالمدينة، إمام في العلم، متفق عليه، صحيح الرواية" منهم من يقدمه على سالم، ومنهم من يقارنه به، ولا يعرف له خطأ في جميع ما رواه، بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلمهم السنن، وقيل لابن مَعين: نافع عن ابن عمر أحب إليك أو سالم؟

стр. 1679

فلم يفضل. فقيل له: نافع أو عبد الله بن دينار؟ فقال: ثقات، ولم يفضل. وقال العجليّ: مدنيّ ثقة. وقال ابن خراش: ثقة نبيل. وقال النَّسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: أثبت أصحاب نافع مالك ثم أيوب، فذكر جماعة. وقال في موضع آخر: اختلف سالم ونافع في ثلاثة أحاديث، وسالم أجل من نافع، وحديث الثلاثة أولى بالصواب. وقال سفيان: فأي حديث أوثق من حديث نافع؟ وروي عنه أنه قال: كنت أسير مع عبد الله ابن عمر، ﵄، فسمع زُمَّارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه، ثم عدل عن الطريق، فلم يزل يقول: يانافع، أتسمع؟ حتى قلت: لا، فأخرج أصبعيه عن أذنيه، ثم رجع إلى الطريق ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ . وفي هذا الأثر إشكال تسأل عنه الفقهاء، وهو أن ابن عمر كيف سد أذنيه عن استماع صوت الزمارة، ولم يأمر مولاه نافعًا حينئذ بفعل ذلك؟ بل مكنه منه، وكان يسأله كل وقت: هل انقطع الصوت أم لا؟ وقد أجابوا عن الإشكال بأن نافعًا حينئذ كان صبيًا، فلم يكن مكلفًا حتى يمنعه عن الاستماع، ويرد على هذا الجواب سؤال، وهو أن الصحيح أن إخبار الصبي غير مقبول، فكيف ركن ابن عمر إلى إخباره في انقطاع الصوت؟ ولكن الصحيح غير ما ذكر من عدم قبول رواية الصبي، بل الصحيح عند المحدثين قبول روايته، كما هو مذكور في أصول الحديث. وفي متن البخاريّ وغيره. وأخبار نافع كثيرة، مات ﵁ سنة سبع عشرة ومئة، وقيل سنة عشرين ومئة. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، وفيه "حدثني قتيبة" وفي بعض النسخ "حدثنا قتيبة". أخرجه البخاريّ هنا وفي الحج، والنَّسائي في العلم، وثبت من رواية ابن عباس. أخرجه البخاريّ ومسلم وأبو داود، وأخرجه مسلم عن جابر، وأكمل الأحاديث حديث ابن عباس؛ لأنه ذكر المواقيت الأربعة فيه، وحديث ابن عمر لم يحفظ فيه ميقات أهل اليمن،

стр. 1680

وحديث جابر، ﵁، لم يجزم برفعه، ثم قال المصنف: باب من أجاب السائل بكثر مما سأله موقع هذه الترجمة التنبيه على أن مطابقة الجواب للسؤال غير لازمة، بل إذا كان السبب خاصا والجواب عاما جاز، وحمل الحكم على عموم اللفظ على خصوص السبب لأنه جواب وزيادة فائدة وأما ما وقع في كلام كثير من الاصوليين أن الجواب يجب أن يكون مطابقا للسؤال، فليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة بل المراد أن الجواب يكون مفيدًا للحكم المسؤول عنه.

стр. 1681

الحديث الخامس والسبعون حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: "لاَ يَلْبَسِ الْقَمِيصَ وَلاَ الْعِمَامَةَ وَلاَ السَّرَاوِيلَ وَلاَ الْبُرْنُسَ وَلاَ ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ". قوله ابن أبي ذئب عن الزُهريُّ هو بالضم عطفًا على قول آدم: حدثنا ابن أبي ذئب والمراد أن آدم سمعه من ابن أبي ذيب بإسنادين، وفي رواية غير أبي ذر وعن الزُّهريّ بالعطف على نافع، ولم يعد ذكر ابن أبي ذيب، وقوله "إن رجلًا" قال في "الفتح": لم أقف على اسمه، وقد سأله ما يلبس المُحْرِم، بفتح المثناة التحتية والموحدة، مضارع لبس بكسر الموحدة، والمراد بالمحرم من أحرم بحج أو عمرة أو قِران. وحكى ابن دقيق العيد أن ابن عبد السلام كان يستشكل معرفة حقيقية الإحرام على مذهب الشافعيّ، ويرد على من يقول إنه النية؛ لأن النية شرط في الحج الذي الإحرام ركنه، وشرط الشيء غيره، ويعترض على من يقول إنه التلبية، بأنها ليست ركنًا، وكأنه يحوم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء، والذي يظهر أنه مجموع الصفة الحاصلة، من تجرد وتلبية ونحو ذلك. وعند النَّسائِيّ عن ابن عمر "ما تلبس من الثياب إذا أحرمنا" وهو مشعر بأن السؤال عن ذلك كان قبل الإحرام، وقد حكى الدارقطنيّ أن في رواية

стр. 1682

ابن جُرَيج والليث عن نافع أن ذلك كان في المسجد، قال في "الفتح": ولم أر ذلك في شيء من الطرق عنهما، لكن أخرج البيهقيّ عن نافع عن ابن عمر قال: نادى رجل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يخطب بذلك المكان، وأشار نافع إلى مُقَدم المسجد، فذكر الحديث" وظهر أن ذلك كان بالمدينة. ووقع في حديث ابن عباس في آخر الحج عند المصنف أنه صلى الله تعالى عليه وسلم خطب بذلك في عرفات، فيحُمل على التعدد، ويؤيده أن حديث ابن عمر أجاب به السائل، وحديث ابن عباس ابتدأ به في الخطبة. وقوله "لا يُلْبَسُ القميص" هو بالرفع على الخبر، وهو في معنى النهي، وروى بالجزم على أنه نهي، وأجمعوا على أن المراد بالمُحْرِم هنا الرجلُ، ولا تلتحق به المرأة في ذلك. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس جميع ما ذكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الوَرْس، ويؤيده ما في حديث اللّيث الآتي في آخر الحج، ولا تَنْتَقبُ المرأة وقال عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المُحرم وأنه نبه بالقميص والسراويل على كل مَخِيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى الرأس به، مخيطًا أو غيره، وبالخِفاف على كل ما يستر الرجل. وخصَّ ابن دقيق العيد الإجماع الثاني بأهل القياس، وهو واضح، والمراد بتحريم المخِيط ما يُلْبس على الموضع الذي جعل له، ولو في بعض البدن، فأما لو ارتدى بالقميص مثلًا فلا بأس وقال الخَطَّابيّ: ذكر العِمامة والبُرْنُس معًا ليدل على أنه لا تجوز تغطية الرأس، لا بالمعتاد ولا بالنادر. قال: ومن النادر، المِكْتَل يحمله على رأسه فإن أراد أنه يجعله على رأسه كلابس القُبعُ صح ما قال، وإلا فمجرد وضعه على رأسه على

стр. 1683

هيئة الحامل لحاجته لا يضر على مذهبه، ومما لا يضر أيضًا الانغماس في الماء، فإنه لا يسمى لابسًا، وكذا سَتْر الرأس باليد. وقال النَووِيّ: قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام، وجزله، لأن مالا يلبس منحصرٌ، فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال: لا يلبس كذا، أي: ويلبس ما سواه، وقال البَيْضاويّ: سُئِل عما يُلْبَس، فأجاب بما لا يلبس , ليدل بالالتزام من طريق المفهوم علي ما يجوز، وإنما عَدَل عن الجواب لأنه أخصر وأحصر، ونكتة العدول أيضًا هي أن السائل سأل عما يلبس، فأجيب بما لا يلبس، إذا الأصل الإباحة، ولو عدد له ما يلبس لطال به، بل كان يؤمن أن يتمسك بعض السامعين بمفهومه، فيظن اختصاصه بالمحرم، وأيضاً المقصود ما يحرم لبسه، لا يحل له لبسه, لأنه لا يجب له لباس مخصوص، بل عليه أن يجتنب شيئًا مخصوصًا. قال البيضاوي وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس، لأنه الحكم العارض بالإحرام المحتاج لبيانه، إذ الجواز ثابت بالأصل، معلوم بالاستصحاب، فكان الأَليق السؤال عما لا يلبس، وقال غيره: هذا يشبه أسلوب الحكيم، ويقرب منه قوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥] الآية: فعدل عن جنس المنفَق. وهو المسؤول عنه، إلى ذكر المنفق عليه, لأنه الأهم. وقال بعضهم: يؤخذ منه أن المفتي إذا سئل عن واقعة، واحتمل عنده أن يكون السائل يتذرع بجوابه إلى أن يعديه إلى غير محل السؤال، تعين عليه أن يفصل الجواب، ولهذا قال: فإن لم يجد نعلين، فكأنه سأل عن حالة الاختيار، فأجابه عنها، وزاده حالة الاضطرار، وليست أجنبيته عن السؤال؛ لأن حالة السفر تقتضي ذلك. وقال ابن دقيق العيد: يستفاد منه أن المعتبر في الجواب، ما يحصل منه المقصود، كيف كان، ولو بتغيير أو زيادة، ولا تشترط المطابقة. وطعن

стр. 1684

بعضهم في قول من قال: إن هذا من أسلوب الحكيم، بأنه كان يمكن الجواب بما يحصر أنواع ما لا يُلْبَس، كأن يقال: ما ليس بمخيط، ولا على قدر البدن، كالقميص، أو بعضه كالسراويل، أو الخف، ولا يستر الرأس أصلًا، ولا يلبس ما مسه طيب، كالورس والزعفران. وفي هذا الاعتراض نظر؛ لأن إمكان الحصر لا يمنع من أسلوب الحكيم، فإن أسلوب الحكيم إنما هو لكون المعدول إليه أهم من المسؤول عنه. وفي هذا الجواب العدول إلى ما هو الأهم، وهو ما يحرم لبسه، ويوجب الفدية، وهذا كله بناء على الرواية المشهورة عن نافع وسالم. وقد رواه أبو عُوانة عن ابن جُريج عن نافع بلفظ "ما يترك المُحْرم" وهي شاذة، والاختلاف فيها على ابن جُرَيج لا على نافع، ورواه سالم عن ابن عمر بلفظ "إن رجلًا قال ما يجتنب المحرم من الثياب" أخرجه أحمد وابن خزيمة وأبو عُوانة في صحيحيهما عن معمر عن الزُّهْريّ عنه وأخرجه أحمد عن ابن عُيينة عن الزُّهري. قال مرة ما يترك؟ ومرة ما يلبس؟ وأخرجه المؤلف في أواخر الحج عن الزُّهري بلفظ نافع، فالاختلاف فيه على الزُّهري يُشْعر بأن بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافع لعدم الاختلاف فيها، واتجه البحث المتقدم. وقوله "ولا ثوبًا مسه الورس أو الزعفران" الورس، بفتح الواو وسكون الراء بعدها مهملة، نبت أصفر طيِّب الريح يصيبغ به، قال ابن العربي: ليس الورس بطيب، ولكنه نبه به على اجتناب الطِّيب وما يشبهه في ملاءمته الشم، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم. والزعفران، بفتح الزاي والفاء، اسم أعجمي، وقد صرفته العرب، فقالوا: ثوب مُزَعْفر، وقد زَعْفَر ثوبه. قال أبو حنيفة الدِّيْنَوريّ: لا أعمله ينبت بشيء من أرض العرب، وفي كتاب المفضل بن سلمة أن الكُرْكُمَ عروق الزَّعفران. وقال مُؤرّج يقال لورق الزعفران الفَيْد، ومنه يسمى مورج أبا فَيد. واستدل بقوله "مسه" على تحريم ما صبغ كله، أو بعضه، ولو خفيت رائحته.

стр. 1685

قال مالك في الموطأ: إنما يكره لبس المصبغات لأنها تنغض، وقال الشافعية: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة، لم يمنع. والحجة فيه حديث ابن عباس عند المصنف في آخر الحج "ولم ينه عن شيء من الثياب إلاَّ المزعفرة التي تَرْدَعُ الجلد" وأما المغسول، فقال الجمهور: إذا ذهبت الرائحة جاز خلافاً لمالك، واستدلوا بما رواه أبو معاوية عن عُبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث "إلا أن يكون غسيلًا". وهذه الزيادة شاذة, لأنها عن أبي معاوية والحَمَّانيّ، وأبو معاوية مضطرب الحديث في عُبيد الله، ولم يجيء بهذه الزيادة غيره، والحَمَّانيّ ضعيف، واستنبط من منع لبس الثوب المزعفر منه أكل الطعام الذي فيه الزعفران وهذا قول الشافعية، وعن المالكية خلاف. وقال الحنفية: لا يحرم؛ لأن المراد اللُّبس والتَّطَيُّب، والأكل لا يسمى متطيبًا. وقوله: "فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين" وفي حديث ابن عباس "ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل للمحرم"، زاد معمر في روايته عن الزهريّ زيادة تفيد ارتباط ذكر النعلين بما سبق، وهي قوله: "وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين. فإن لم يجد النعلين، فليلبس الخفين" واستدل بقوله: "فإن لم يجد" على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين، وهو قول الجمهور. وعن بعض الشافعية جوازه. وكذا عند الحنفية. وقال ابن العربيّ: إن صارا كالنعلين جاز، وإلا متى سترا من ظاهر الرِّجل شيئًا، لم يجز إلا للفاقد. والمراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده أو ترك بذل المالك له، أو عجزه عن الثمن إن وجد من يبيعه، أو الأجرة. ولو بيع بغُبن لم يلزمه شراؤه، أو وهب له لم يجب قبوله، إلا إن أُعير له. وقوله "فليلبس" ظاهر الأمر للوجوب، لكنه لما شرع للتسهيل، لم يناسب التثقيل، وإنما هو للرخصة. وقوله "وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين" المراد كشف الكعبين في
следующие страницы →