Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
حنيف، وعنه الثَّوريّ، ومالك وابن المبارك، وأبو ضَمرة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإِخبار كذلك في موضعين، والقول والسماع. ورواية الصحابيّ عن الصحابيّ، وفيه راويان مروزيان، والبقية مدنيون. أخرجه البخاري هنا، ومسلم والنَّسائيّ في الصلاة.
ثم قال المصنف:
باب وقت العصر
كذا وقع في رواية المستملي دون غيره، وهو خطأ، لأنه تكرار بلا فائدة.
стр. 3537
الحديث السابع والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِي عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ.
قوله: "والشمس مرتفعة حية"، قد مرَّ معنى حياتها في باب "وقت الظهر عند الزوال"، وفيه إشارة إلى بقاء حرها وضوئها. وقوله بعد ذلك: "فيأتيهم والشمس مرتفعة"، أي: دون ذلك الارتفاع، لكنها لم تصل إلى الحد الذي توصف به بأنها منخفضة، وفيه دليل على تعجيله ﵊ لصلاة العصر، لوصف الشمس بالارتفاع بعد أن تمضي مسافة أربعة أميال. وروى النَّسائيّ والطحاويّ، واللفظ له، عن أنس، قال: "كان رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يُصلي بنا العصر والشمس بيضاء مُحَلِّقة، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة، فأقول لهم قوموا فصلوا، فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد صلى". قال الطحاوي: نحن نعلم أن قوم أنس لم يكونوا يصلونها إلا قبل اصفرار الشمس، فدل ذلك على أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كان يعجلها.
وقوله: "وبعض العوالي"، أي: بين بعض العوالي والمدينة المسافة المذكورة، وروى البيهقيّ هذا الحديث، وقال في آخره: "وبُعد العوالي" بضم الموحدة، وبالدال المهملة، وكذا أخرجه المصنف في الاعتصام تعليقًا. ورواه البيهقيّ أيضًا عن الزُّهريّ، وقال: قال أربعة أميال أو ثلاثة. ورواه أبو عَوانة في صحيحه، وأبو العباس السرَّاج عن الزُّهريّ، ولفظه: "والعوالي من المدينة على
стр. 3538
ثلاثة أميال"، وأخرجه الدارقطنيّ عن المحامليّ بلفظ: "على ستة أميال"، ورواه عبد الرزاق عن الزُّهريّ بلفظ: "على ميلين أو ثلاثة" فتحصل من هذا أن أقرب العوالي من المدينة مسافة ميلين، وأبعدها مسافة ستة إن كانت رواية المحاملي محفوظة، وفي "المدونة" عن مالك: "أبعد العوالي مسافة ثلاثة أميال"، قال عياض: كأنَّه أراد معظم عمارتها، وإلا فأبعدها ثمانية أميال، وبذلك جزم ابن عبد البر وغير واحد، آخرهم صاحب "النهاية".
ويحتمل أن يكون أراد أنه أبعد الأمكنة التي يذهب إليها الذاهب في هذه الواقعة، والعوالى عبارة عن القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها، وأما ما كان من جهة تهامتها فيقال لها: "السافلة". واعلم أن قوله: "وبعض العوالي"، إلخ، مُدْرَج من كلام الزهريّ في حديث أنس، بيّن ذلك عبد الرزاق، عن الزهريّ، فقال فيه بعد قوله: "والشمس مرتفعة": قال الزهري: والعوالي من المدينة على ميلين أو ثلاثة. ولم يقف الكرمانيّ على ذلك، فقال: هو إما كلام البخاريّ أو الزهريّ أو أنس، والميل ثلث الفرسخ، وهو ثلاثة آلاف ذراع بذراع محمد بن فرج الشاشي، ويعبر عنه أيضًا بالذراع الهاشميّ، وهو أربعة وعشرون أصبعًا بعدد حروف لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وعرض الأصبع ست حبات من شعير ملتصقة ظهرًا لبطن، والحبة عرضها ست شعرات من شعر البرذون، أو سبعون حبة خردل وزنًا، وقيل: الميل ثلاثة آلاف وخمس مئة ذراع إلى أربعة آلاف ذراع. وقيل: الميل أربعة آلاف خطوة، كل خطوة ذراع ونصف بالذراع المار.
رجاله أربعة:
الأول: أبو اليمان، والثاني: شعيب بن أبي حمزة، وقد مرا في السابع من بدء الوحي، ومرَّ الزهريّ في الثالث منه، ومرّ أنس في السادس من الإِيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضح واحد، وبصيغة الإفراد في موضع،
стр. 3539
والإِخبار بصيغة الجمع في موضع، والعنعنة في موضع، والقول. وفيه من الرواة حِمصيان ومدنيّ وبصريّ. أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائيّ وابن ماجة.
стр. 3540
الحديث الثامن والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهريِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.
قوله: "كنا نصلي العصر"، أي: مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كما يظهر من الطرق الأخرى، وقد أخرجه الدارقطني في غرائبه، عن خالد بن مَخْلَد، عن مالك، مصرحًا بذلك. وقوله: "ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء"، كان أنسًا أراد بالذاهب نفسه، كما يشعر بذلك من الرواية الماضية عند النَّسائيّ والطحاويّ. قلت: لكن الرواية الماضية ليس فيها ذكر قباء، وإنما فيها: "ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة" فالظاهر من عبارته هذه أنه في المدينة نفسها، مع ما هو معلوم من كون مسكن أنس الذي هو بيت أبي طلحة زوج أمه، كان بالمدينة، لا بقباء.
قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك أنه قال في هذا الحديث إلى قباء، ولم يتابعه أحد من أصحاب الزُّهريّ، بل كلهم يقولون إلى العوالي، وهو الصواب عند أهل الحديث. قال: فلا شك في أن قوله هذا وهم، وما قاله مردود، فقد تابعه ابن أبي ذيب، عن الزُّهريّ، فقال: إلى قباء، كما قال مالك، نقله الباجيّ، عن الدارقطنيّ. وقد اختلف فيه على مالك، فقد رواه خالد بن مَخْلَد، عن مالك، فقال فيه: "إلى العوالي"، كما قال الجماعة، ونسبة الوهم فيه إلى مالك منتقدة، لأنه إن كان وهمًا احتمل أن يكون منه، وأن يكون من الزُّهريّ، حين حدث به مالكًا، وأيضًا المعنى في الروايتين متقارب، والجمع بينهما ممكن. فرواية مالك أخص، لأن قباء من العوالي، وليست العوالي كلاًّ قباء، فلعل مالكًا لما رأى أن في روإية الزُّهريّ إجمالًا، حملها على الرواية
стр. 3541
المفسرة، وهي روايته المتقدمة عن إسحاق، حيث قال فيها: ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، وقد مرَّ أنهم أهل قباء، فبنى مالك على أن القصة واحدة، لأنهما جميعًا حدثاه عن أنس. والمعنى متقارب، فما أحسنه من جمع. ولهذا قال ابن رشيد: قضى البخاريّ بالصواب لمالك بأحسن إشارة، وأوجز عبارة، لأنه قدم أولًا المجمل، ثم أتبعه بحديث مالك المفسر المعين، فما أبعد هذا من كلام ابن عبد البر الذي لم يلتمس فيه لشيخه مخرجًا حسنًا مع وضوحه، وبهذا الجمع يُستغنى عن البحث في كون الخطأ من مالك، أو من الزُّهريّ.
وقوله: "إلى قباء فيأتيهم"، أي: أهل قباء، فهو على حد قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، يعني قوله: إلى قباء. وأما قوله: "فيأتيهم" فالضمير راجع إلى أهل المقدر، ولذلك جمعه، ولو كان لقباء لقال: "فيأتيها" بالإفراد. وقد مرَّ ما في قباء من اللغات في الحديث الثالث من بدء الوحي.
قال النووي: في الحديث المبادرة بصلاة العصر في أول وقتها، لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر، ميلين أو أكثر، والشمس لم تتغير، ففيه دليل للجمهور في أن أول وقت العصر مصير ظل كل شيء مثله، خلافًا لأبي حنيفة. وقد مضى الكلام على هذا.
رجاله أربعة:
الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني: مالك، وقد مرّا في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرّ أنس في السادس من الإيمان، وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك في موضع، والعنعنة في موضعين، والقول. أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
ثم قال المصنف:
باب إثم من فاته العصر
أشار المصنف بذكر الإثم إلى أن المراد بالفوات تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر، لأن الإثم إنما يترتب على ذلك، ويأتي تمام الكلام على الفوات في الحديث.
стр. 3542
الحديث التاسع والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ عبد الله بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الَّذِى تَفُوتُهُ صَلاَةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ".
قوله: "الذي تفوته"، قال ابن بزيزة: فيه رد على من كره أن يقال فاتتنا الصلاة، ويأتي الكلام على ذلك في باب مفرد في كتاب الأذان، والمراد بتفويتها أن يخرجها متعمدًا عن وقتها بغروب الشمس، كما في رواية عبد الرزاق، فإنه أخرج الحديث عن ابن جريج، عن نافع، فذكر نحوه، وزاد: "قلت لنافع: حين تغيب الشمس؟ قال: نعم"، وتفسير الراوي اذا كان فقيهًا أولى من غيره. وروى ابن وهب أن المراد إخراجها عن الوقت المختار باصفرار الشمس، كما ورد مفسرًا من رواية الأوزاعي في هذا الحديث. قال فيه: وفواتها أن تدخل الشمس صُفرة.
وظاهره إيراد أبي داود له في سننه أنه من كلام الأوزاعيّ، لا أنه من الحديث، لأنه ورد بإسناد منفرد عن الحديث عن الأوزاعي أنه قال: وذلك أن ترى ما على الأرض من الشمس أصفر، ولعله مبنيٌّ على مذهبه في خروج وقت العصر. وفي "العلل" لأبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه الأوزاعي، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "من فاتته صلاة العصر، وفواتها أن تدخل الشمس صفرة، فكأنما وُتِر أهله ومالَه"، قال أبي: التفسير قولُ نافع. وقال المهلب: إنما أراد فواتها في الجماعة، لا فواتها باصفرار الشمس أو مغيبها. قال: ولو كان لفوات وقتها كله لبطل اختصاص العصر، لأن ذهاب الوقت موجود في كل وقت صلاة، ونوقض بغير ما ادعاه، لأن فوات الجماعة موجود في كل صلاة، لكن
стр. 3543
في صدر كلامه أن العصر اختصت بذلك، لاجتماع المتعاقبين من الملائكة فيها.
وتعقبه ابن المنير بان الفجر أيضًا فيها اجتماع المتعاقبين، فلا يختص العصر بذلك. قال: والحق أن الله يختص ما يشاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة، وبوّب التِّرمذيّ على حديث الباب ما جاء في السهو عن وقت العصر، فحمله على الساهي، وعلى هذا فالمراد بالحديث أنه يلحقه من الأسف عند معاينة الثواب لمن صلى، ما يلحق من ذهب منه أهله وماله. وقد رُوي بمعنى ذلك، عن سالم بن عبد الله بن عمر، ويؤخذ منه التنبيه على أن أسف العامد أشد، لاجتماع فقد الثواب، وحصول الإثم. ويؤيد القولَ الأوّلَ أن المراد إخراجها عن وقتها حديثُ ابن عمر، عند ابن أبى شيبة مرفوعًا: "من ترك العصر حتى تغيب الشمس"، أي: من غير عذر.
وظاهر الحديث التغليظ على من تفوته العصر، وأن ذلك مختص بها. وقال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون هذا الحديث خرج جوابًا لسائلٍ سأَل عن صلاة العصر، فأجيب. فلا يمنع ذلك إلحاق غيرها من الصلوات بها. وتعقبه النووي بأنه إنما يلحق المنصوص بالمنصوص، إذا عرفت العلة، واشتركا فيها، والعلة هنا لم تتحقق، فلا يلتحق غير العصر بها. وهذا لا يدفع الاحتمال، واحتج ابن عبد البر بما رواه ابن أبي شيبة، عن أبي قِلابة، عن أبي الدرداء مرفوعًا: "من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته ... " الحديث، لكن في إسناده انقطاع، لأن أبا قِلابة لم يسمع من أبي الدرداء.
ورواه أحمد عن أبي الدرداء بلفظ: "من ترك العصر" فرجع حديث أبي الدرداء إلى تَعيين العصر. وقد روى ابن حبّان وغيره عن نوفل بن معاوية مرفوعًا: "من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله" وهذا ظاهره العموم في الصلوات المكتوبة. وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن نوفل بلفظ: "لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن تفوته صلاة"، وهذا أيضًا ظاهره العموم، فيحصل به الاحتجاج لما قاله ابن عبد البر. ورواه الطبرانيّ من وجه آخر، وزاد فيه: عن
стр. 3544
الزهريّ، قلتُ لأبي بكر بن عبد الرحمن لما حدثه به: ما هذه الصلاة؟ قال: العصر. ورواه ابن أبي خيثمة من وجه آخر، فصرح بكونها العصر في نفس الخبر، والمحفوظ أن كونها العصر من تفسير أبي بكر بن عبد الرحمن.
ورواه الطحاويّ والبيهقيّ من وجه آخر، وفيه أن التفسير من قول ابن عمر، فالظاهر اختصاص العصر بذلك. وقيل: إن صلاة العصر خصت بذلك لاجتماع المتعاقبين فيها من الملائكة، وعورض بأن صلاة الفجر كذلك يجتمع فيها المتعاقبان، وأجيب باحتمال أن التهديد إنما غلظ في العصر دون الفجر، لأنه لا عذر في تفويتها، لأنها وقت يقظة، بخلاف الفجر، فربَّما كان النوم عندها عذرًا.
وقوله: "فكأنما"، كذا الكشميهنيّ، وسقط لفظ "صلاة" والفاء من قوله: "فكأنما". وقوله: "وتر أهله وماله"، أي: بالنصب عند الجمهور على أنه مفعول ثان لوُتِرَ، وأضمر في وتر مفعول لم يسم فاعله، وهو عائد على الذي فاتته. ووتر بمعنى سُلب، وهو يتعدى الى مفعولين، وقيل بالرفع على أن وتر بمعنى أُخذ، فيكون أهله هو المفعول الذي لم يسم فاعله، والمعنى على هذا أُخذ أهله وماله، فصار وَترًا. وقيل: وتر هنا بمعنى نقص، فعلى هذا يجوز رفعه ونصبه، فمن رد النقص إلى الرجل نصبهما، ومن رده إلى الأهل والمال رفعهما. وقيل: منصوب على نزع الخافض، أي: وتر في أهله وماله، فلما حذف الخافض انتصب.
ويروى "أهلُه" بالرفع على أنه نائب الفاعل بدون إضمار، بل يقوم أهلُ مقام الفاعل، وماله عطف عليه، أي: انتزع منه أهله وماله، والمعنى أن من وُتر أهله وماله قد تُرك فردًا منها، وبقي بلا أهل ولا مال، فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله وماله.
ثم قال: قال أبو عبد الله: ﴿يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ وترت الرجل، إذا قتلت له قتيلًا، أو أخذت له مالًا، وهذه الزيادة في رواية المستملي دون غيره، وأبو عبد
стр. 3545
الله المراد به البخاري. واستدل بالآية على نصب أهله لكونها مفعولًا ثانيًا، لنصب الآية لمفعولين الكاف وأعمالكم. وأشار بقوله: "وترت الرجل" إلى أن وتر يتعدى إلى مفعول واحد، وهو يؤيد رواية الرفع، وحقيقته الوتر كما قال الخليل هو الظلم في الدم، فعلى هذا فاستعماله في المال مجاز، لكن قال الجوهريّ: المَوْتور هو الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه وُتِر، وتقول أيضًا وَتَرَه حقه، أي: نقصه. وقيل: المَوْتُور من أُخِذ أهله وماله وهو ينظر، وذلك أشد لغمّه، فوقع التشبيه بذلك لمن فاتته الصلاة، لأنه يجتمع عليه غمّان، غمّ الإثم، وغمّ فقد الثواب. كما يجتمع على الموتور غمّان، غمّ السلب، وغم الطلب بالثأر، وهذا المعنى تؤيده رواية أبي مسلم الكجّي عن نافع، فذكر نحو هذا الحديث، وزاد في آخره: "وهو قاعد".
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث إشارة إلى تحقير الدنيا، وأن قليل العمل خير من كثر منها. وقال ابن بطال: لا يوجد حديث يقوم مقام هذا الحديث، لأن الله تعالى قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غير هذا الحديث.
رجاله أربعة:
الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني: مالك، وقد مرّا في الثاني من بدء الوحي، ومرّ نافع في الثالث والسبعين من العلم، ومرّ عبد الله بن عمر أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائيّ.
ثم قال المصنف:
باب من ترك العصر
أي: ما يكون حكمه. قال ابن رشيد: أجاد البخاريّ حيث اقتصر على صدر الحديث، فأبقى فيه محلاًّ للتأويل. وقال غيره: كان ينبغي أن يذكر حديث الباب في الباب الذي قبله، ولا يحتاج إلى هذه الترجمة. وتعقب بأن الترك أصرح في إرادة التعمد من الفوات.
стр. 3546
الحديث الثلاثون
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلاَةِ الْعَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ".
قوله: "ذي غيم"، قيل: خص يوم الغيم بذلك لأنه مظنة التأخير، إما لمتنطع يحتاط لدخول الوقت فيبالغ في التأخير حتى يخرج الوقت، أو لمتشاغل بأمر آخر فيظن بقاء الوقت فيَسْتَرسّ في شغله إلى أن يخرج الوقت. وقوله: "بكِّروا"، أي: عجِّلوا، والتبكير يطلق لكل من بادر بأي شيء كان، في أي وقت كان. وأصله المبادرة بالشيء أول النهار. وقوله: "فإن النبي ﷺ "، الفاء للتعليل، وقد استشكل معرفة تيقن دخول أول الوقت مع وجود الغيم، لأنهم لم يكونوا يعتمدون فيه إلا على الشمس، وأجيب باحتمال أن بريدة قال ذلك عند معرفة دخول الوقت، لأنه لا مانع في يوم الغيم من أن تظهر الشمس أحيانًا، ثم إنه لا يشترط إذا احتجبت الشمس اليقين، بل يكفي الاجتهاد.
قلت: مما تعرف به الأوقات معرفة تامة الأوراد والصنائع، فإن الأوقات تعرف بذلك عند أهل الأوراد والصنائع، كما نصت عليه الكتب، وكما جربناه. وقوله: "من ترك صلاة العصر"، زاد معمر في روايته: "متعمدًا"، وكذا أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء. وقوله: "فقد حَبِط عمله"، سقط "فقد" من رواية المستملي، وفي رواية معمر: "أحبط الله عمله"، وقد استدل بهذا الحديث من يقول بتكفير أهل المعاصي من الخوارج وغيرهم. وقالوا: هو نظير قوله تعالى: ﴿ومَنْ يكفُرْ بالِإيمان فقَدْ حَبِطَ عَمَلُه﴾. وقال ابن عبد البر: مفهوم
стр. 3547
الآية أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله، فيتعارض مفهومها ومنطوق الحديث، فيتعين تأويل الحديث، لأن الجمع إذا أمكن كان أولى من الترجيح.
وتمسك بظاهر الحديث أيضًا الحنابلة ومن قال بقولهم، من أن تارك الصلاة يكفر، وجوابهم ما تقدم. وأيضًا فلو كان على ما ذهبوا إليه لما اختصت العصر بذلك. وأما الجمهور فتأولوا الحديث فافترقوا في تأويله فرقًا، فمنهم من أوَّل سبب الترك، ومنهم من أوّل الحبط، ومنهم من أوَّل العمل، فقيل: المراد من تركها جاحدًا لوجوبها أو معترفًا، لكنه مستخف مستهزىء بمن أقامها، وتعقب بأن الذي فهمه الصحابي إنما هو التفريط، ولهذا أمر بالمبادرة إليها، وفهمه أولى من غيره.
وقيل: المراد من تركها متكاسلًا، لكن خرج الوعيد مخرج الزجر الشديد، وظاهره غير مراد، كقوله: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، وهذا هو أقرب التأويلات. وقيل: هو من مجاز التشبيه، كأنَّ المعنى: فقد أشبه من حبط عمله. وقيل: معناه كاد أن يحبط، وقيل: المراد بالحبط نقصانُ العمل في ذلك الوقت الذي ترتفع فيه الأعمال إلى الله تعالى، فكأنَّ المراد بالعمل الصلاة خاصة، أي: لا يحصل على أجر من صلى العصر، ولا يرتفع له عملها حينئذ. وقيل: المراد بالعمل في الحديث عملُ الدنيا الذي بسبب الاشتغال فيه ترك الصلاة، يعني: أنه لا ينتفع به ولا يتمتع. وقيل: المراد بالحبط الإبطال، أي: يبطل انتفاعه بعمله في وقت ما، ثم ينتفع به كمن رجحت سيئاته على حسناته، فإنه موقوف في المشيئة، فإن غفر له فمجرد الوقوف إبطال لنفع الحسنة إذ ذاك، وإن عُذب ثم غفر له، فكذلك، وهذا من كلام ابن العربيّ، وقد مرّ كلامه مستوفى في باب "خوف المؤمن من أن يحبط عمله" في كتاب الإيمان.
رجاله ستة:
الأول: مسلم بن إبراهيم، والثاني: هشام بن أبي عبد الله الدستوائيّ، وقد مرّا في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرّ أبو قِلابة في التاسع منه، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم.
стр. 3548
الخامس: أبو المَليح بن أسامة الهُذَلي، قيل: اسمه عامر، وقيل: زيد بن أسامة بن عمير، وقيل: ابن عامر بن عمير بن حُنيف بن ناجية بن عمرو بن الحارث بن كثير بن هند بن طابخة بن لَحْيان بن هُذيل. وقيل: ابن عمير بن عامر بن أُقيشر. اسمه عمير بن حنيف. روى عن أبيه ومعقل بن يسار وعائشة وابن عباس وغيرهم. وروى عنه أولاده عبد الرحمن ومحمد ومبشر، وروى عنه أيوب وخالد الحذاء وأبو قِلابة وقتادة وغيرهم. وأبو المليح سواه في الستة اثنان: الفارسيّ المدنيّ، والرَّقِّيّ.
السادس: بُريدة بن الحُصَيب بالتصغير فيهما، ابن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عديّ بن سهم بن مازن الحارث بن سَلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر. يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا سهل، وقيل: أبا الخُصيب، وقيل: أبا ساسان، والمشهور الأول. أسلم قبل بدر ولم يشهدها ولا أُحدًا، وشهد الحديبية، وكان ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر من مكة إلى المدينة فانتهى إلى الغَمِيم، أتاه بريدة بن الحُصيب، فأسلم هو ومن كان معه، وكانوا زهاء ثمانين بيتًا، فصلى رسول الله ﷺ العشاء فصلوا خلفه، ثم رجع بُريدة إلى بلاد قومه وقد تعلم شيئًا من القرآن ليلتئذ، ثم قَدِم على رسول الله ﷺ بعد أحد، فشهد معه مشاهده، وشهد الحديبية، وكان من ساكني المدينة، ثم تحول إلى البصرة، ثم خرج منها إلى خراسان غازيًا، فمات بمرو في إمرة يزيد بن معاوية. وبقي ولده بها. وفي الصحيحين أنه غزا مع رسول الله ﷺ ست عشر غزوة.
وروى عنه ولده عبد الله أنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يتطَيَّر، ولكن يتفاءل. فركب بُريدة في سبعين راكبًا من أهل بيته من بني سهم، فتلقى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "من أنت؟ " قال: أنا بريدة. فالتفت إلى أبي بكر، فقال: "يا أبا بكر، برد أمرنا وصلح". قال: ثم قال لي: "ممن أنت؟ " قلت: من أسلم. قال لأبي بكر: "سلمنا". ثم قال لي: "من بني من أنت؟ " قلت: من بني سهم. قال: "خرج سهمك"، وروى البخاري عن عبد الله بن بُريدة أنه
стр. 3549
قال: مات والدي بمرو، وقبر بالحُصين، وهو قائد أهل المشرق ونورهم، لأن النبي ﷺ قال: "أيُّما رجل من أصحابي ببلدة، فهو قائدهم ونورهم يوم القيامة". كان موته سنة ثلاث وستين، وليس في الصحابة بريدة سواه، له مئة حديث وأربعة وستون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر. روى عنه ابنه عبد الله وأبو المليح والشّعبي وغيرهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة والقول في ثلاثة مواضع، وفيه ثلاثة من التابعين على الولاء، ورواته كلهم بصريُّون. أخرجه النَّسائيّ في الصلاة، وابن ماجه وابن حبان.
ثم قال المصنف:
باب فضل صلاة العصر
أي: على جميع الصلوات إلا العصر، لأن حديثي الباب لا يظهر منهما فضل العصر عليهما، ويحتمل أن يكون المراد أن العصر ذات فضيلة لا ذات أفضلية. وتعقب هذا بأن كل الصلوات ذوات فضيلة، فكان الأَوْلى للمصنف أن يقول: باب فضل صلاة الفجر والعصر، لاشتراكهما في المزية المذكورة في الحديثين. ويجاب عن المصنف بأنه إنما خصص العصر بالذكر للاكتفاء، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾، أي: والبرد.
стр. 3550
الحديث الحادي والثلاثون
حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً، يَعْنِي الْبَدْرَ، فَقَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا". ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: افْعَلُوا لاَ تَفُوتَنَّكُمْ.
قوله: "حدثنا إسماعيل"، في رواية ابن مردويه التصريح بسماع إسماعيل من قيس، وقيس من جرير. وقوله: "نظر إلى القمر ليلة"، يعني البدر. زاد مسلم: "ليلة البدر"، وأخرجه المصنف من وجه آخر في باب "فضل صلاة الفجر" كذلك. وفي رواية إسحاق: "ليلة أربع عشرة"، وفي رواية بيان الآتية في التوحيد: "خرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة البدر"، ويجمع بينهما بأن القول لهم صدر منه بعد أن جلسوا عنده. وقوله: "إنكم سترون ربكم"، في رواية عبد الله بن نمير ووكيع وأبي أسامة عن إسماعيل عند مسلم: "إنكم ستعرضون على ربِّكم فترونه"، وفي رواية أبي شهاب عند المصنف في "التوحيد": "سترون ربكم عيانًا"، وعلى أن أبا شهاب تفرد بها، فتفرده غير ضار، لأنه حافظ متقن من ثقات المسلمين. وقد قال الهروي: إن ابن أبي أُنسية رواه أيضًا عن إسماعيل بهذا اللفظ، فلم يقع تفرد لأبي شهاب.
وقوله: "لا تضامُّون في رؤيته"، أي: بضم التاء وتشديد الميم، وبفتح التاء مع التشديد، معناه: لا تجتمعون لرؤيته في جهة، ولا يضم بعضكم بعضًا. ومعناه بالفتح كذلك، والأصل لا تتضامون في رؤيته، بحذف إحدى التاءَين، أي: باجتماع في جهة. وفي رواية: "تُضامُون" بضم التاء وتخفيف الميم من
стр. 3551
الضيم، وأصله الغلبة على الحق والاستبداد به، والمعنى: لا تُظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، فإنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو متعال عن الجهة. وفي رواية عند المصنف في الرقاق: "هل تُضَارون" بضم أوله وبالضاد المعجمة وتشديد الراء بصيغة المفاعلة من الضر. وأصله "تضارَرون" بكسر الراء وفتحها، أي: لا تضرون أحدًا، ولا يضركم بمنازعة ولا مجادلة ولا مضايقة. وجاء بتخفيف الراء من الضير، وهو لغة في الضُّرّ، أي: لا يخالف بعض بعضًا، فيكذبه وينازعه، فيضيره بذلك، يقال: ضارَه يَضِيره. وقيل: المعنى لا تضايقون، أي: لا تزاحمون. كما جاء في الرواية السابقة لا تضامون، وقيل: المعنى لا يحجب بعضكم بعضًا عن الرؤية فيضره. وحكى الجوهري: ضرني فلان إذا دنا مني دنوًا شديدًا. قال ابن الأثير: فالمراد المضارة بازدحام.
وفي رواية عند المصنف في باب "فضل صلاة الفجر": "لا تضامون أو تضاهون"، بالشك، ومعنى التي بالهاء: لا يشتبه عليكم، ولا ترتابون فيه، فيعارض بعضكم بعضًا. وفي رواية شعيب عنده في فضل السجود: "هل تُمارون" بضم أوله وتخفيف الراء، أي: يجادلون في ذلك، أو يدخلكم فيه شك، من المرية، وهو الشك. وجاء بفتح أوله وفتح الراء على حذف إحدى التاءين. وفي رواية للبيهقي: "تتمارون" بإثباتهما.
والتشبيه برؤية القمر لتعين الرؤية دون تشبيه المرئي . وقال ابن الأثير: قد يتخيل بعض الناس أن الكاف كاف التشبيه للمرئي، وهو غلط، وإنما هي كاف التشبيه للرؤية، وهو فعل الرأي، ومعناه أنها رؤية يبعد عنها الشك، مثل رؤيتكم القمر، فالتمثيل واقع في تحقيق الرؤية لا في الكيفية، لأن الشمس والقمر متحيزان. والحق سبحانه منزه عن ذلك. قيل: الحكم في التمثيل بالقمر أنه تتيسر رؤيته للرائي بغير تكلف ولا تحديق يضر بالبصر، بخلاف الشمس. وقد ورد في بعض الروايات ذكر الشمس والقمر. كما أخرجه المصنف في الرقاق عن أبي هريرة بلفظ: "هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله" وفي رواية أبي هُريرة أيضًا، عند المصنف
стр. 3552
في "التوحيد"، تقديمُ القمر على الشمس.
وقد قال ابن المنير عند ذكرهما: إنما خص الشمس والقمر بالذكر، مع أن رؤية السماء بغير سحاب أكبر آية، وأعظم خلقًا من مجرد الشمس والقمر، لما خصا به من عظيم النور والضياء، بحيث صار التشبيه بها فيمن يوصف بالجمال والكمال سائغًا شائعًا في الاستعمال. وقد قالوا: إن في عطف الشمس على القمر في الرواية الأخيرة، مع أن تحصيل الرؤية بذكره كافٍ، لأن القمر لا يدرك وصفَه الأعمى حسًّا، بل تقليدًا، والشمس يدركها الأعمى حسًا بوجود حرها إذا قابلها وقت الظهيرة مثلًا، فحسن التأكيد. وذكره للقمر في محل ذكره لهما في محل آخر، إن ثبت أن المجلس واحد، خدشٌ في الحكمة التي مرت في انفراد القمر. وقد أبدى ابن أبي جمرة حكمة في الرواية التي وقع فيها الابتداء بذكر القمر، فقال: في الابتداء بذكر القمر متابعة للخليل، فكما أمر باتباعه في الملة اتبعه في الدليل، فاستدل به الخليل على إثبات الوحدانية، واستدل به الحبيب على إثبات الرؤية، فاستدل كل منهما بمقتضى حاله، لأن الخلة تصح بمجرد الوجود، والمحبة لا تقع غالبًا إلا بالرؤية، وقد مرت الحكمة في تأخير الشمس غير هذه، ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما قيل في الرؤية قريبًا.
وقوله: "فإن استطعتم أن لا تغلبوا" فيه إشارة إلى قطع أسباب الغلبة المنافية للاستطاعة، كالنوم والشغل، ومقاومة ذلك بالاستعداد له. وقوله: "فافعلوا"، أي: عدم الغلبة، وهو كناية عما ذكر من الاستعداد، وذلك كناية عن الإتيان بالصلاة، لأنه لازم الإتيان، فكأنّه قال: فأتوا بالصلاة فاعلين لها. وفي رواية شعبة المتقدمة: "فلا تغفلوا عن صلاة ... " الحديث.
وقوله: "قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"، زاد مسلم: "يعني العصر والفجر" ولابن مردويه عن إسماعيل: "قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقبل غروبها صلاة العصر"، قال ابن بطال: قال المهلب: قوله: "فإن استطعتم أن لا تُغلبوا عن صلاة"، أي: في جماعة. قال: وخص هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما، ورفْعهم أعمال العباد لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم، وبهذا
стр. 3553
تظهر مناسبة إيراد حديث: "يتعاقبون ... " عقب هذا الحديث، لكن لم يظهر وجه تقييد ذلك بكونه في جماعة، وإن كان فضل الجماعة معلومًا من أحاديث أُخر، بل ظاهر الحديث يتناول من صلاهما ولو منفردًا، إذ مقتضاه التحريض على فعلهما، وذلك أعم من كونه في جماعة أو لا. قال الخطابي: هذا يدل على أن الرؤية قد يرجى نيلها بالمحافظة على هاتين الصلاتين.
وقوله: "ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ "، والمراد بالتسبيح الصلاة، وفي جميع روايات البخاري إبهام فاعل قرأ، وفي أكثر روايات غيره، وظاهر السياق أنه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وعليه حمله بعض الشرّاح، ولم يوجد ذلك صريحًا. وأخرجه مسلم بإسناد حديث الباب "ثم قرأ جرير"، أي: الصحابي، وكذلك أخرجه أبو عَوانة في صحيحه، فظهر أن في حديث الباب وما وافقه إدراجًا، ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما، ورفع الأعمال وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات، فناسب أنْ يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى الله تعالى. وقيل: لما حقق رؤية الله تعالى برؤية القمر والشمس، وهما آيتان عظيمتان، شرعت لخسوفهما الصلاة والذكر ناسب من يحب رؤية الله أن يحافظ على الصلاة عند غروبها، وفي هذا تكلف.
اعلم أن رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسلف الأمة. وقد رُوِيَ أحاديث أكثر من عشرين صحابيًا، ومنعتها المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة، واحتجوا في ذلك بوجوه يأتي إبطالها إن شاء الله تعالى، ومن الأحاديث الواردة في ذلك المطربة للمؤمنين، من غير أحاديث الصحيحين، ما أخرجه عبد بن حُميد والتِّرمذيّ والطبريّ وغيرهم، وصححه الحاكم عن ابن عمر، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لَمَن ينظر في ملكه ألف سنة، وإن أفضلهم منزلة لمن ينظر في وجه ربه في كل يوم مرتين"، قال: ثم تلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾
стр. 3554
بالبياض والصفاء، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، قال: تنظر كل يوم في وجه الله تعالى"، وفي رواية: "لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه وخدمه ونعيمه، وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله تعالى من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية". وروى هذا الحديث عن ابن عمر موقوفًا، ولا يضر وقفه، لأنه لا يقال من قبل الرأي، فله حكم الرفع. وأخرج الطبري بسند صحيح عن عكرمة في هذه الآية، قال: تنظر إلى ربها نظرًا. وأخرج عن الحسن: تنظر إلى الخالق، وحق لها أن تنظر.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة: انظروا ماذا أعطى الله عبده من النور في عينه من النظر إلى وجه ربه الكريم عيانًا، يعني في الجنة. ثم قال: لو جعل نور جميع الخلق في عيني عبد، ثم كشف عن الشمس ستر واحد، ودونها سبعون سترًا ما قدر على أن ينظر إليها، ونور الشمس جزء من سبعين جزءًا من نور الكرسي، ونور الكرسي جزء من سبعين جزءًا من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزءًا من نور الستر. وفيه إبراهيم بن الحكم بن أبان، وهو ضعيف. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة من وجه آخر إنكار الرؤية، ويمكن الجمع بالحمل على غير أهل الجنة. قلت: ويؤيد الحمل المذكور ما مرَّ قريبًا في الأثر المروي عنه، "يعني في الجنة"، وأخرج أيضًا بسند صحيح عن مجاهد: ناظرة تنظر الثواب. وعن أبي صالح نحوه، ويأتي قريبًا رد هذا التأويل.
وبالغ ابن عبد البر في رد ما نقل مجاهد، وقال: هو شذوذ، وقد تمسك به بعض المعتزلة، ويأتي في متمسكاتهم الواهية، وقد استدل البخاري وغيره من العلماء على ثبوت الرؤية يوم القيامة بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، قلت: وهي أقوى دليل. قال البيهقي: وجه الدليل من الآية أن لفظ ناضرة الأول، بالضاد المعجمة الساقطة من النضرة، بمعنى السرور. ولفظ ناظرة، بالظاء المعجمة المشالة يحتمل في كلام العرب أربعة أشياء: نظر التفكر والاعتبار كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، ونظر الانتظار كقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾، ونظر التعطف والرحمة كقوله تعالى: ﴿لا ينظر الله إليهم﴾، ونظر الرؤية كقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ
стр. 3555
نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، والثلاثة الأُوَل غير مرادة، أما الأول فلأن الآخرة ليست بدار استدلال، وأما الثاني فلأن في الانتظار تنغيصًا وتكديرًا، والآية خرجت مخرج الامتنان والبشارة، وأهل الجنة لا ينتظرون شيئًا، لأنه مهما خطر لهم أُتوا به.
قلت: يمكن الجواب عن هذا بأن الانتظار واقع في الموقف قبل دخول الجنة لا بعد دخولها، وسياق الكلام دال عليه، والآية الآتية بعدها دالة على ذلك، لأن فيها: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ فوقع التصريح بأن هذا قبل دخول أهل النارِ النارَ، وأهل الجنةِ الجنةَ. ثم قال: وأما الثالث فلا يجوز، لأن المخلوق لا يتعطف على خالقه، فلم يبق إلا نظر الرؤية، وانضم إلى ذلك أن النظر إذا ذكر مع الوجه انصرف إلى نظر العينين اللتين في الوجه، ولأنه هو الذي يتعدى بإلى، كقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، وقوله في الرواية المارة: "سترون ربَّكم عيانًا" كالصريح في هذا، أو صريح وإذا ثبت أن ناظرة بمعنى رائية، اندفع قول من زعم أن المعنى ناظرة إلى ثواب ربها، لأن الأصل عدم التقدير. وأيد منطوق الآية في حق المؤمنين بمفهوم الآية الأخرى في حق الكافرين: ﴿إنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، وقيّدها بالقيامة في الآيتين إشارة إلى أن الرؤية تحصل للمؤمنين في الآخرة دون الدنيا.
وهذا صريح حديث أبي امامة عند مسلم: "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا". وقد أخرج أبو العباس السرّاج، شيخ شيخ البخاري في تاريخه، عن مالك، وقيل قيل له: يا أبا عبد الله، قول الله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، يقول قوم: إلى ثوابه، قال: كذبوا، فأين هم من قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. ومن حيث النظر إن كل موجود يصح أن يرى، وهذا على سبيل التنزل، وإلا فصفات الله تعالى لا تقاس على صفات المخلوقين، وأدلة السمع طافحة بوقوع ذلك في الآخرة لأهل الإيمان دون غيرهم، ومنع من ذلك في الدنيا، إلا أنه اختلف في نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم، وما ذكروه من الفرق بين الدنيا والآخرة، من أن أبصار أهل الدنيا فانية، وأبصارهم في الآخرة باقية جيد. ولكن لا يمنع تخصيص ذلك بمن ثبت وقوعه له.
стр. 3556
قلت: رؤيته ﵊ لربه ليلة الإسراء لا تدخل في الرؤية الدنيوية، لأن الدنيا على الصحيح ما على الأرض من الهواء والجو، والرؤية الواقعة في الملكوت الأعلى خارقة للعادة، فيمكن أن يعطى حينئذ قوة إبصار أهل الملكوت الأعلى، الذين هو فيهم الآن.
واختلف من أثبت الرؤية في معناها، فقال قوم: يحصل للرائي العلم بالله تعالى برؤية العين، كما في غيره من المرئيات، وهو على وفق قوله في حديث الباب: "كما ترون القمر" إلا أنه منزه عن الجهة والكيفية، وذلك أمر زائد على العلم، وهذا هو الحق. وقال بعضهم: إن المراد بالرؤية العلم، وعبر عنها بعضهم بأنها حصول حالة في الإنسان نسبتها إلى ذاته المخصوصة نسبة الإبصار إلى المرئيات. وقال بعضهم: رؤية المؤمن لله نوع كشف وعلم، إلا أنه أتم وأوضح من العلم، وهذا أقرب إلى الصواب من الأول. وتعقب الأول بأنه حينئذ لا اختصاص لبعض دون بعض، لأن العلم لا يتفاوت وتعقبه ابن التين بأن الرؤية بمعنى العلم تتعدى لمفعولين، تقول: رأيت زيدًا فقيهًا، أي: علمته. فإن قلت: رأيت زيدًا منطلقًا، لم يفهم منه إلا رؤية البصر. ويزيده تحقيقًا قوله في الخبر: "إنكم سترون ربكم عيانًا" لأن اقتران الرؤية بالعيان لا يحتمل أن يكون بمعنى العلم، وتمسك المانعون لها من المعتزلة والخوارج، بقوله ﵊ في حديث سؤال جبريل: "أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، فقالوا: فيه إشارة إلى انتفاء الرؤية، وتعقب بأن المنفي فيه رؤيته في الدنيا، لأن العبادة خاصة بها، فلو قال قائل: إن فيه إشارة إلى جواز الرؤية في الآخرة لما أبعد، وتمسكوا بأن من شرط المرئي أن يكون في جهة، والله منزه عن الجهة. ويأتي رده، واتفقوا على أنه يرى عباده فهو راء لا من جهة، وتمسكوا بأن الرؤية تُوجب كون المرئي محدثًا وحالاًّ في مكان، وأوَّلوا قوله تعالى: ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بمنتظرة، وهو خطأ، لأنه لا يتعدى. إلى آخر ما مرَّ.
قال ابن بطال: وما تمسكوا به فاسد، لقيام الأدلة على أن الله تعالى موجود، والرؤية في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلقه بالمعلوم، فإذا كان تعلق العلم
стр. 3557
بالمعلوم لا يوجب حدوثه، فكذلك المرئي، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، وبقوله تعالى لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، فقالوا في الأول: يلزم من نفي الإدراك بالبصر نفي الرؤية، وقالوا في الثالث: إن "لن" للتأبيد، بدليل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾، والجواب عن الأول أن المراد من الإدراك الإحاطة، ونحن نقول به، فنفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية، لإمكان رؤية الشيء من غير إحاطة بحقيقته، وبأن المراد لا تدركه الأبصار في الدنيا، جمعًا بين دليلَي الآيتين. وعن الثاني بأنَّا لا نسلم أن "لن" تدل على التأبيد، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ مع أنهم يتمنونه في الآخرة في قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، وبان المراد: لن تراني في الدنيا جمعًا أيضًا، ولأن نفي الشيء لا يقتضي احالته مع ما جاء من الأحاديث الدالة على وفق الآية، وقد تلقاها المسلمون بالقبول من لدن الصحابة والتابعين، حتى حدث من أنكر الرؤية، وخالف السلف.
وقال القرطبي: اشترط النفاة في الرؤية شروطًا عقلية، كالبينة المخصوصة، والمقابلة واتصال الأشعة، وزوال الموانع كالبعد والحجب، في خبط لهم وتحكم. وأهل السنة لا يشترطون شيئًا من ذلك سوى وجود المرئيّ، وأن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي فيرى المرئيّ وتقترن بها أحوال يجوز تبدلها. وقد أفرطت طائفة من المتكلمين، كالسالمية من أهل البصرة، فزعموا أن في الحديث دليلًا على أن الكفار يرون الله تعالى يوم القيامة من عموم اللقاء والخطاب، وقال بعضهم: يراه بعض دون بعض، واحتجوا بحديث أبي سعيد، حيث جاء فيه أن الكفار يتساقطون في النار إذا قيل لهم ألا تردون، ويبقى المؤمنون فيهم المنافقون، فيرونه لمّا ينصب الجسر، ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم نوره، ثم يطفأ نور المنافقين.
وأجابوا عن قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ بأنه بعد دخول الجنة، وهو احتجاج مردود، فإن بعد هذه الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾، فدل على أن الحجب وقع قبل ذلك. وأجاب بعضهم بأن الحجب يقع عند
стр. 3558
إطفاء النور، ولا يلزم من كونه يتجلى للمؤمنين ومن معهم ممن أدخل نفسه فيهم أن تعمهم الرؤية، لأنه أعلم بهم، فينعم على المؤمنين برؤيته دون المنافقين، كما يمنعهم من السجود، والعلم عند الله تعالى.
قلت: يكفي من بطلان قول هذه الطائفة أن رؤية الله تعالى لا نعيم في الجنة يقاربها، والكفار في الآخرة ليس لهم إلا العذاب، فكيف يعطون هذا النعيم الذي لا وراء وراءه. فقد أخرج مسلم عن صهيب حديثاً فيه: "فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله تعالى شيئًا أحب إليهم من النظر إليه"، وفي "سنن اللالكائي"، عن أنس وأبيُّ بن كعب وكعب بن عجرة: "سئل رسول الله ﷺ عن "الزيادة" في كتاب الله تعالى، قال: "النظر إلى وجهه"، ومباحث الرؤية كثيرة جدًا، وقد استوفيناها استيفاء لا مزيد عليه في خاتمة كتابنا: "متشابه الصفات".
رجاله خمسة:
الأول: الحميديّ، وقد مرّ في الأول من بدء الوحي.
والثاني: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفَزَاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الحافظ، سكن مكة ودمشق، وهو ابن عم أبي إسحاق الفزاريّ، أحد شيوخ أحمد المشهورين. قال أحمد: كان ثقة حافظًا يحفظ حديثه كله كأنَّه نصب عينيه. وفي رواية عنه: ثبْت حافظ. في رواية: ما كان أحفظه. وقال ابن مَعين ويعقوب بن شيبة والنَّسائيّ: ثقة. وقال الدوريّ: سألت يحيى بن مَعين عن حديث مروان بن معاوية، عن عليّ بن أبي الوليد، قال: هذا علي بن غُراب، والله ما رأيت أميل للتدليس منه. وقال علي بن المَدِينيّ: ثقة فيما يروي عن المعروفين، وضعيف فيما يروي عن المجهولين. وقال ابن نمير: كان يلتقط الشيوخ من السكك. وقال العجليّ: ثقة، ثبت، ما حدّث عن المعروفين فصحيح، وما حدّث عن المجهولين ففيه ما فيه، وليس بشيء. وقال أبو حاتم: صدوق لا يدفع عن صدقه، ويكثر روايته
стр. 3559
عن الشيوخ المجهولين.
وقال أبو داود: كان يقلب الأسماء. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن مَعين: كان مروان يغيّر الأسماء، يُعَمِّي على الناس، كان يحدث عن الحكم بن أبي خالد، وإنما هو حكم بن ظهير. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن مَعين: ثقة، ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وفي "الميزان" قال ابنُ مَعين: وجدت بخط مروان: "وكيع رافضيٌّ"، فقلت له: وكيع خير منك، فسبني.
قال الذهبي: كان به عالمًا، لكنه يروى عمن دب ودرج، وكان فقيرًا ذا عيال، فكانوا يبرونه، يعني الذين يروي عنهم، كأنَّه يجازيهم. احتج به الأئمة. قال ابن حجر: أخرج البخاريّ من حديثه عن خمسة من الشيوخ المعروفين، وهم: حميد وعاصم الأحول وأبو يعقوب العبديّ وإسماعيل بن أبي خالد وهاشم بن هاشم. روى عن إسماعيل بن أبي خالد وحميد الطويل وعاصم الأحول ويحى بن سعيد الأنصاريّ وعوف الأعرابيّ وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل وابنُ مَعين وإسحاق بن راهويه والحميدي وعلي بن المَدينيّ وداود بن رشيد ومحمد بن سلام البِيْكَنديّ وغيرهم. مات فجأة سنة ثلاث وتسعين ومئة قبل التروية بيوم.
الثالث: إسماعيل بن أبي خالد، وقد مرّ في الثالث من الأول، ومرّ قيس بن أبي حازم، وجرير بن عبد الله في الخمسين من الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، والقول. ورواته ما بين مكيّ وكوفيّ، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وأحد الرواة من المخضرمين، وفيه الحميديّ من أفراد البخاري. أخرجه البخاريّ هنا وفي الصلاة وفي التفسير والتوحيد، ومسلم في الصلاة، وأبو داود وابن ماجه في السنة، والنسائي.
стр. 3560
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخبرنا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ، وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ".
قوله: "يتعاقبون"، أي: تأتي طائفة عقب طائفة، ثم تعود الأولى عقب الثانية. قال ابن عبد البر: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين، بأن يأتي هذا مرة، ويعقبه هذا. ومنه تعقيب الجيوش: أن يجهز الأمير بعثًا إلى مدة، ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدة، ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز الأولين. قال القرطبي: الواو في قوله: "يتعاقبون" علامة الفاعل المذكر المجموع على لغة بلحارث، وهم القائلون: "أكلوني البراغيث". ومنه قول الشاعر:
بحَوْرانَ يعصرنَ السليطَ أقاربه
وهي لغة فاشية، وحمل الأخفش عليها قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وقد تعسف بعض النحاة في تأويلها وردها للبدل، وهو تكلف مستغنى عنه، فإن تلك اللغة مشهورة، ولها وجه من القياس واضح. وقال غيره في تأويل الآية: الضمير في أسروا عائد على الناس المذكورين أولًا، والذين ظلموا بدل من الضمير. وقيل: التقدير أنه لما قيل: "وأسروا النجوى"، قيل: ومن هم؟ قال: "الذين ظلموا". والأول أقرب إذ الأصل عدم التقدير. وقال جماعة من الشراح: إن حديث الباب من هذا القبيل، ووافقهم ابن مالك،
стр. 3561
وناقشه أبو حيان زاعمًا أن هذه الطريق اختصرها الراوي، واحتج لذلك بما رواه البزار من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: "إن لله ملائكةً يتعاقبون فيكم: ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار ... " الحديث.
وقد أخرجه البخاري في بدء الخلق عن أبي الزناد بلفظ: "الملائكة يتعاقبون فيكم" فاختلف فيه على أبي الزناد، فالظاهر أنه كان تارة يذكر هكذا، وتارة هكذا، فيقوى بحديث أبي حيان، ويؤيد ذلك أن غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رووه تامًا، فأخرجه أحمد ومسلم عن هَمّام بن مُنبِّه، عن أبي هريرة مثل رواية البخاريّ بحذف "إن" من أوله، وأخرجه ابن خُزيمة والسَّرّاج عن أبي صالح، عن أبي هريرة، بلفظ: "إن لله ملائكة يتعاقبون"، وهذه هي التي أخرجها البزار. وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" بإسناد صحيح، عن أبي موسى، عن أبي هريرة، بلفظ: "إن الملائكة فيكم يتعاقبون"، فإذا عرف هذا، فالعزو إلى الطريق التي تتحد مع الطريق التي وقع فيها القول أولى من طريق مغاير لها، فليعزُ ذلك إلى طريق البخاريّ والنَّسائيّ عن أبي الزناد، لا إلى البزار وغيره، مما لا يتحد مع الطريق المذكورة في الباب.
وقوله: "فيكم"، أي: المصلين أو المؤمنين مطلقًا. والأول أولى، لأن الفضيلة المذكورة للمصلين. وقوله: "ملائكة" بالتنكير في الموضعين، ليفيد أن الثانية غير الأُولى، كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، إنه استئناف وعده تعالى، بأن العسر مشفوع بيسر آخر، لقوله: "لن يغلب عسر يسرين" فإن العسر معروف فلا يتعدد سواء كان للعهد أو للجنس، واليسر منكر فيحتمل أن يراد بالثاني يسر ما، يغاير ما أُريد بالأول.
والمراد بالملائكة: الحَفَظَة، نقله عياض وغيره عن الجمهور، وتردد ابن بزيزة. وقال القرطبيّ: الأظهر عندي أنهم غيرهم، ويقويه أنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد، ولا أن حفظة الليل غير حفظة النهار، وبأنهم لو كانوا هم الحفظة، لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها، في قوله: "كيف تركتم عبادي؟ ". وقوله: "ويجتمعون"، قال ابن المنير: التعاقب
стр. 3562
مغاير للاجتماع، وأجيب بأن تعاقب الصنفين لا يمنع اجتماعهما، لأن التعاقب أعم من أن يكون معه اجتماع كهذا، أو لا يكون معه اجتماع، كتعاقب الضدَّين، أو المراد حضورهم معهم الصلاة في الجماعة، فينزل على حالين. وتخصيص اجتماعهم في الورود والصدور بأوقات العبادة تكرمه للمؤمنين، ولطف بهم، لتكون شهادتهم بأحسن الثناء وأطيب الذكر، ولم يجعل اجتماعهم معهم في حال خلواتهم بلذاتهم، وانهماكهم في شهواتهم، وفي هذا شيء على قول من رجح أنهم الحفظة، إذ لا شك أن الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم، مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأَوْلى أن يقال: الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم عن الحالة التي تركوهم عليها ما ذكر، ويحتمل أن يقال: إن الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه فيما بين الوقتين، لكنه بناء على أنهم غير الحفظة. وفيه إشارة إلى الحديث الأخر: "الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما" فمن ثَمّ وقع السؤال من كل طائفة عن آخر شيء فارقهم عليه.
وقوله: "ثم يعرج الذين باتوا فيكم"، العروج الصعود، واستدل به بعض الحنفية على استحباب تأخير وقت العصر، ليقع عروج الملائكة إذا فرغ منها آخر النهار، وتعقب بأن ذلك غير لازم، إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنهم لا يصعدون إلا ساعة الفراغ من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصلاة ويتأخروا بعد ذلك إلى آخر النهار، ولا مانع أيضًا من أن تصعد ملائكة النهار وبعض النهار باق، وتقيم ملائكة الليل، ولا يرد على ذلك وصفهم بالمبيت بقوله: "باتوا فيكم" لأن اسم المبيت صادق عليهم ولو تقدمت إقامتَهم بالليل إقامتُهم قطعة من النهار.
واختلف في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظلوا، فقيل: هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، أي: وإن لم تنفع. وقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾، أي: والبرد. قاله ابن التين وغيره. وقيل: الحكمة في الاقتصار على ذلك، أن حكم طرفَيْ النهار يُعلم من حكم طرفي الليل، فلو ذكره لكان تكرارًا،
стр. 3563
وقيل: الحكمة في الاقتصار على ذلك الشق دون الآخر، أن الليل مظنة المعصية، فلما لم يقع منهم عصيان مع إمكان دواعي الفعل من إمكان الإخفاء ونحوه، واشتغلوا بالطاعة، كان النهار أَولى بذلك، فكان السؤال عن الليل أبلغ من السؤال عن النهار، لكون النهار محل الاشتهار.
وقيل: الحكمة في ذلك أن ملائكة الليل إذا صلوا الفجر عرجوا في الحال، وملائكة النهار إذا صلوا العصر لبثوا إلى آخر النهار، لضبط بقية عمل النهار، وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن ملائكة النهار لا يسألون عن وقت العصر، وهو خلاف ظاهر الحديث. قلت: ليس في التأخير لضبط بقية عمل النهار ما يقتضي عدم سؤالهم عن وقت العصر، لإمكان سؤالهم بعد صعودهم عند انتهاء النهار. وقيل، بناء على أنهم الحفظة: إن ملائكة النهار هم الذين لا يبرحون عن ملازمة بني آدم، وملائكة الليل هم الذين يعرجون ويتعاقبون.
ويؤيده ما رواه أبو نعيم عن الأسود بن يزيد النخعي، قال: "يلتقي الحارسان"، -أي: ملائكة الليل والنهار- عند صلاة الصبح، فيسلم بعضهم على بعض، فتصعد ملائكة الليل، وتلبث ملائكة النهار، وقيل: يحتمل أن يكون العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصة، وأما النزول فيقع في الصلاتين معًا وفيه التعاقب، وصورته أن تنزل طائفة عند العصر وتبيت، ثم تنزل طائفة ثانية عند الفجر، فتجتمع الطائفتان في صلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فقط، ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر، فتنزل الطائفة الأخرى فيحصل إجتماعهم عند العصر أيضًا، ولا يصعد منهم أحدٌ بل تبيت الطائفتان أيضًا، ثم تعرج إحدى الطائفتين، ويستمر ذلك، فتصح صورة التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر، والعروج بالفجر، فلهذا خُصَّ السؤال بالذين باتوا.
وقيل: يحمل قوله: "ثم يرجع الذين باتوا" على ما هو أعم من المبيت بالليل، والإقامة بالنهار، فلا يختص ذلك بليل دون نهار، ولا عكسه، بل كل طائفة منهم، إذا صعدت سئلت، وغاية ما فيه أنه استعمل لفظ "بات" في "أقام" مجازًا، ويكون قوله: "فيسألهم"، أي: كلاًّ من الطائفتين في الوقت الذي
стр. 3564
يصعد فيه، ويدل على هذا الحمل رواية موسى بن عقبة عند النّسائيّ بلفظ: "ثم يعرج الذين كانوا فيكم" فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار ولا اقتصار، وهذا أقرب الأجوبة.
ووقع في هذا الحديث التصريح بسؤال كل من الطائفتين فيما رواه ابن خزيمة في صحيحه، وأبو العباس السّرّاج عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر، فتصعد ملائكة الليل، وتبيت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر، فتصعد ملائكة النهار، وتبيت ملائكة الليل، فيسألهم ربُّهم كيف تركتم عبادي ... " الحديث. وهذه الرواية تزيل الإشكال، وتغني عن كثير من الاحتمالات المتقدمة، فهي المعتمدة، ويحمل ما نقص منها على تقصير بعض الرواة.
وقيل: إن قوله في الحديث: "ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر" وَهْمٌ، لأنه ثبت في كثير من الطرق أن الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر، كما في الصحيحين عن أبي هريرة في أثناء حديث قال فيه: "وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر"، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، وفي الترمذيّ والنَّسائيّ بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، قال: تشهده ملائكة الليل والنهار. وروى ابن مردويه عن أبي الدرداء مرفوعًا نحوه. قال ابن عبد البر: ليس في هذا دفع الرواية التي فيها ذكر العصر، إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر، في الآية والحديث الآخر، عدم اجتماعهم في العصر، لأن المسكوت عنه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر.
قال: ويحتمل أن يكون الاقتصار وقع في الفجر لكونها جهرية، وبحثه الأول متجه، لأنه لا سبيل إلى ادعاء توهيم الراوي الثقة مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولاسيما أن الزيادة من العدل الضابط مقبولة، وَلِمَ لا يُقال: إن رواية من لم يذكر الذين أقاموا في النهار، واقع من تقصير بعض الرواة؟ قلت: وقد
стр. 3565
مرَّ ما يدل على هذا في رواية ابن خزيمة السابقة.
وقوله: فيسألهم، قيل: الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي: وقد وجد فيهم من يسبح ويقدس مثلكم، بنص شهادتكم. قال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة، كما أمرهم أن يكتبوا أعمال بني آدم، وهو أعلم من الجميع بالجميع.
وقوله: "كيف تركتم عبادي؟ " قال ابن أبي جَمرة: وقع السؤال عن آخر الأعمال، لأن الأعمال بخواتيمها، والعباد المسؤول عنهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. وقوله: "تركناهم وهم يصلُّون، وأتيناهم وهم يصلون"، لم يراعوا الترتيب الوجوديّ، لأنهم بدأوا بالترك قبل الإتيان، والحكمة فيه أنهم طابقوا السؤال، لأنه قال: كيف تركتم؟ ولأن المخبر به صلاة العباد، والأعمال بخواتيمها، فناسب ذلك إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله.
وقوله: "تركناهم وَهم" ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في صلاة العصر، سواء تمت أم منع مانع من إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها أم لا، لأن المنتظر في حكم المصلي. ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: "وهم يصلون"، أي: ينتظرون صلاة المغرب. وقال ابن التين: الواو في قوله: "وهم يصلون" واو الحال، أي: تركناهم على هذه الحالة، ولا يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة، فلم يشهدوها معهم، والخبر ناطق بأنهم يشهدونها، لأنَّا نقول: هو محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها في أول وقتها، وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك، ومن شرع في أسباب ذلك. قال ابن أبي جمرة: أجابت الملائكة بأكثر مما سئلوا عنه، لأنهم علموا أنه سؤال يقتضي
стр. 3566
التعطف على بني آدم، فزادوا في موجب ذلك. وفي صحيح ابن خزيمة، عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث: "فاغفر لهم يوم الدين".
واستنبط بعض الصوفية من الحديث أنه يستحب أن لا يفارق الشخص شىءٌ من أموره إلا وهو على طهارة، كشعره إذا حَلقه، وظفره إذا قلمه، وثوبه إذا أبدله، ونحو ذلك. ويستفاد منه أن الصلاة أعلى العبادات، لأن عنها وقع السؤال والجواب، وفيه الإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين، لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة. والإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين. وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه وفي عمله. ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما، والاهتمام بهما. وفيه تشريف هذه الأمة على غيرها. ويستلزم تشريف نبيها على غيره.
وفيه الإخبار بالغيوب، ويترتب عليه زيادة الإيمان، وفيه الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا، حتى نتيقظ ونتحفظ في الأوامر والنواهي، ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا، وسؤال ربنا عنا. وفيه إعلامنا بحب ملائكة الله لنا، لنزداد فيهم حبًّا، ونتقرب إلى الله نعالى بذلك. وفيه كلام الله تعالى مع ملائكته.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرّ هو ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ أبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع، والعنعنة في ثلاثة مواضع. ورواته مدنيُّون، ما خلا عبد الله بن يوسف، فإنه تَنيسيّ وهو من أفراد البخاري. أخرجه البخاريّ في التوحيد، ومسلم والنَّسائيّ في الصلاة.
ثم قال:
стр. 3567
باب من أدرك ركعة من العصر قبل المغرب
قيل: إنما لم يات المصنف في الترجمة بجواب الشرط، لما في لفظ المتن الذي أورده من الاحتمال، وهو قوله: "فليتم صلاته" لأن الأمر بالإتمام أعم من أن يكون ما يتمه أداء أو قضاء، فحذف جواب الشرط لذلك، ويحتمل أن تكون "مَنْ" في الترجمة موصولة. وفي الكلام حذف تقديره: "باب حكم من أدرك"، وسيأتي في حديث مالك في أبواب وقت الصبح بلفظ: "فقد أدرك الصلاة" وهو يقتضي أن تكون أداء، وسيأتي البحث في ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
стр. 3568
الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ".
قوله: "سجدة من صلاة العصر"، قال الخطابيّ: المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها، فسميت على هذا المعنى سجدة، وكأن المصنّف أورد حديث أبي سلمة هذا في هذه الترجمة مريدًا تفسير الحديث بالترجمة، وأن المراد بقوله فيه: سجدة، أي: ركعة، وقد رواه الإسماعيليّ بلفظ: "من أدرك منكم ركعة" وتأتي رواية مالك في أبواب وقت الصبح بلفظ: "من أدرك ركعةً"، ولم يختلف على راويها في ذلك، فكان الاعتماد عليها، ودلّ ذلك على أن الاختلاف في الألفاظ.
وقوله: "فليتمّ صلاته"، يعني فيهما، أي: في العصر والفجر، وبهذا قال الجمهور. وخالف أبو حنيفة في الفجر، فقال: من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته، واحتج لذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وادعى بعضهم أن أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث، وهي دعوى تحتاج إلى دليل، فإنه لا يُصار إلى النسخ بالاحتمال.
والجمع بين الحديثين ممكن، بأن أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل، عند من يخص النهي بما لا سبب له، ولا شك أن التخصيص أولى من ادعاء النسخ، أو تحمل أحاديث النهي على النفل دون الفرض، كما يأتي تقرير أنه هو الذي عليه الجمهور. وفي الرواية الآتية عن مالك: "من أدرك من
стр. 3569
الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح"، والإدراك الوصول إلى الشيء بتمامه، وظاهره أن تلك الركعة تكفيه عن الصلاة، وليس ذلك مرادًا بالإجماع، لأنه لا يكون بالركعة الواحدة مدركًا لجميع الصلاة، بحيث تحصل براءة ذمته منها، فإذا فيه إضمار تقديره: "فقد أدرك وقت الصلاة أو حكم الصلاة أو نحو ذلك". ويلزمه إتمام بقيتها.
وقد صرح بذلك زيد بن أسلم عند البيهقي، ولفظه: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعدما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة"، وأصرح منه رواية أبي غسّان، عن أبي هريرة بلفظ: "من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس، فلم تفته العصر". وقال مثل ذلك في الصبح. وللنَّسائيّ: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة كلها، إلا أنه يقضي ما فاته"، وللبيهقيّ: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليصلِّ إليها أخرى"، ويؤخذ من هذا الرد على الطحاوي، حيث خص الإدراك باحتلام الصبي، وطهر الحائض، وإسلام الكافر ونحوها. وأراد بذلك نصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته، لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة. وقد مرَّ ما قيل فيه قريبًا.
واختلف في هذه الصلاة المدرك منها ركعة هل هي أداء أو قضاء، والمختار عند الكل أنها أداء، وعند المالكية والشافعية قول بأن الكل قضاء، وقول بأن ما في الوقت أداء وما بعده قضاء. وقيل: يكون كذلك، لكنه يلتحق بالأداء حكمًا. وفائدة التحاقه بالأداء حكمًا أنه لا يأثم، وتظهر فائدة الخلاف في مسافرٍ نوى العصرَ وصلى ركعة في الوقت. فإن قلنا: الجميع أداء فله قصرها. وإن قلنا: كلها قضاء، أو بعضها، وجب إتمامها أربعًا. إن قلنا: إن فائتة السفر إذا قضاها في السفر يجب إتمامها، وهذا ليس بمذهب مالك، وكذا تظهر فائدة الخلاف فيما لو حاضت امرأة، أو أُغمي على أحد في الركعة الثانية، فتسقط عنهما الصلاة بناء على أن الكل أداء. ويلزم قضاؤها بناء على أن الكل قضاء. ويتردد النظر على أن ما في الوقت أداء، وما كان خارجًا عنه قضاء. وأما إن أدرك أقل
стр. 3570
من ركعة فالكل قضاء عند الجمهور. والفرق أن الركعة تشمل على معظم أفعال الصلاة، إذ معظم الباقي كالتكرير لها، فجعل ما بعد الوقت تابعًا لها، بخلاف ما دونها. وعلى القول بالقضاء يأثم المصلي بالتأخير إلى ذلك.
ومفهوم قوله في الحديث: "أدرك ركعة" إنَّ من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركًا للوقت، وهو الذي استقر عليه الاتفاق. وكان فيه شذوذ قديم منها إدراك الإمام راكعًا يجزىء، ولو لم يدرك معه الركوع. وقيل: يدرك الركعة ولو رفع الإمام رأسه، ما لم يرفع بقية من ائتم به رؤوسهم، ولو بقي واحد. وعن الثوريّ وزُفَر: "إِذا كبّر قبل أن يرفع الإمام رأسه، أدرك إن وضع يديه على ركبتيه قبل رفع الإمام، وقيل: من أدرك تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع أدرك الركعة. وعن أبي العالية: إذا أدرك السجود أكمل بقية الركعة معهم، ثم يقوم فيركع فقط، وتجزئه. وعن ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه كان إذا جاء والقوم سجود سجد معهم، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد أخرى، ولا يعتد بها. وعن ابن مسعود: "إذا ركع ثم مشى فدخل فى الصف قبل أن يرفعوا رؤوسهم اعتد بها، وإن رفعوا رؤوسهم قبل أن يصل إِلى الصف فلا يعتد بها".
ثم هذه الركعة التي يدرك بها الوقت، هي بقدر ما يكبر فيها للإحرام، ويقرأ أم القرآن قراءة معتدلة، ويركع، ويسجد سجدتين يفصل بينهما، ويطمئن في كل ذلك على قول من أوجب الطمأنينة، وعلى قول من لا يوجب قراءة أم القرآن في كل ركعة تكفيه تكبيرة الإحرام، والوقوف لها. وأشهب لا يراعي إدراك السجدة بعد الركوع. وسبب الخلاف هل المفهوم من اسم الركعة الشرعية أو اللغوية؟ وقال الرافعي: المعتبر فيها أخف ما يقدر عليه أحد، وهذا في حق غير أصحاب الأعذار، وأما أصحاب الأعذار، كمن أفاق من إغماء أو طهُرت من حيض، أو غير ذلك، فإن بقي من الوقت هذا القدر، كانت الصلاة في حقهم أداء.
وللعلماء تفاصيل بين أصحاب الأعذار وغيرهم، وبين مدرك الجماعة ومدرك الوقت ومدرك الجمعة، فأما مدرك الوقت فهو ما مرَّ الكلام عليه، وأما
стр. 3571
التي تدرَك بها فضيلة الجماعة فحكمها بأن يكبر لإحرامها ثم يركع، ويمكِّن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه، وهذا مذهب الجمهور. ورُوي عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة ما لم يدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع. وروي معناه عن أشهب، وروي عن جماعة من السلف أنه متى أحرم والإمام راكع أجزأَة، وإن لم يدرك الركوع وركع بعد الإمام. وقيل: يجزيه وان رفع الإمام رأسه ما لم يرفع الناس. ونقله ابن بزيزة عن الشعبيّ، قال: واذا انتهى إلى الصف الآخر، ولم يرفعوا رؤوسهم، أو بقي منهم واحد لم يرفع رأسه، وقد رفع الإمام رأسه، فإنه يرجع، وقد أدرك الصلاة، لأن الصف الذي هو فيه أمامه إلى غير هذا مما مرَّ.
واختلفوا في الجمعة، فذهب مالك والثّوريّ واللَّيث والأوزاعيّ والشافعيّ وزُفَر ومحمد وأحمد إلى أن من أدرك ركعة منها يضيف إليها أخرى. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين، وهو قول النخعيّ والحَكَم وحماد. وأغرب عطاء ومكحول وطاووس ومجاهد، فقالوا: إن فاتته الخطبة يوم الجمعة يصلي أربعًا، لأن الجماعة إنما قُصِرت من أجل الخطبة.
رجاله خمسة:
الأول: أبو نعيم، وقد مرّ في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرّ شيبان النحويّ ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ أبو سلمة في الرابع من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، والقول. ورواته ما بين مدنيّ وبصريّ وكوفيّ. أخرجه البخاريّ ومسلم والنَّسائي وابن ماجه.
стр. 3572
الحديث الرابع والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بن سعد، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلاً، قَالَ: قَالَ اللَّهُ : هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا: لاَ، قَالَ: فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ".
قوله: "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس"، ظاهره أن بقاء هذه الأمة وقع في زمان الأمم السالفة، وليس ذلك مرادًا قطعًا، وإنما معناه أن نسبة مدة هذه الأمة إلى مدة مَنْ تقدم مِن الأمم، مثل ما بين صلاة العصر وغروب الشمس إلى بقية النهار، فكأنه قال: إنما بقاؤكم بالنسبة إلى ما سلف ... إلخ. وحاصله أن "في" بمعنى "إلى" وحذف المضاف، وهو لفظ "نسبة".
وقوله: "أُوتي أهلُ التوراةِ التوراةَ"، ظاهره أن هذا كالشرح والبيان لما تقدم من تقدير مدة الزمانين، وقد زاد المصنف من رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر في "فضائل القرآن": "وإن مَثَلَكم ومَثَل اليهود والنصارى ... " إلى آخره، وهو يشعر بأنهما قضيتان.
стр. 3573
وقوله: "حتى إذا انتصف النهار عجزوا". قال الداوديّ: هذا مشكل، لأنه إن كان المراد من مات منهم مسلمًا، فلا يوصف بالعجز، لأنه عمل ما أمر به، وإن كان من مات بعد التبديل والتغيير، فكيف يعطى القيراط من حَبِط عمله بكفره؟ وأجيب بأن المراد من مات منهم مسلمًا قبل التبديل والتغيير، وعبر بالعجز لكونهم لم يستوفوا عمل النهار كله، وإن كانوا قد استوفوا عمل ما قدر لهم. فقوله: "عجزوا"، أي: عن إحراز الأجر الثاني دون الأول، لكن من أدرك منهم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، وآمن به، أُعطي الأجر مرتين، كما مرَّ في كتاب العلم.
وقوله: "قيراطًا قِيراطًا"، كرر قيراطًا ليدل على تقسيم القراريط على العمال، لأن العرب إذا أرادت تقسيم الشيء على متعدد كررته، كما تقول: اقسم هذا المال على بني فلان درهمًا درهمًا، أي: لكل واحد درهم، والمراد بالقيراط النصيب، وهو في الأصل نصف دانق، والدانق سدس درهم.
وقوله: "ونحن كنا أكثر عملًا"، تمسك به بعض الحنفية كأبي زيد في كتاب "الأسرار"، إلى أن وقت العصر من مصير ظل كل شيء مثليه، لأنه لو كان من مصير ظل كل شيء مثله لكان مساويًا لوقت الظهر، وقد قالوا: كنا أكثر عملًا، فدل على أنه دون وقت الظهر. وأجيب بمنع المساواة، وذلك معلوم عند أهل العلم بهذا الفن، وهو أن المدة التي بين الظهر والعصر أطول من المدة التي بين العصر والمغرب.
وأما ما نقله بعض الحنابلة من الإجماع على أن وقت العصر ربع النهار، فمحمول على التقريب، إذا فرعنا على أن أول وقت العصر مصير الظل مثله، كما قال الجمهور. وأما على قول الحنفية، فالذي من الظهر إلى العصر أطول قطعًا، وعلى التنزل لا يلزم من التمثيل والتشبيه التسوية من كل جهة، وبأن الخبر إذا ورد في معنى مقصود لا تؤخذ منه المعارضة، لما ورد في ذلك المعنى بعينه مقصودًا في أمر آخر، وبأنه ليس فيه نص على أن كلاًّ من الطائفتين أكثر عملًا، لصدق أن كلهما مجتمعين أكثر عملًا من المسلمين، وباحتمال أن يكون
стр. 3574
أطلق ذلك تغليبًا، وباحتمال أن يكون ذلك قول اليهود خاصة، فيندفع الاعتراض من أصله كما جزم به بعضهم، وتكون نسبة ذلك للجميع في الظاهر غير مرادةٍ، بل هو عمومٌ أُريد به الخصوص، أُطلق ذلك تغليبًا.
ويؤيده ما وقع في التوحيد بلفظ: "فقال أهل التوراة"، وبأنه لا يلزم من كونهم أكثر عملًا أن يكونوا أكثر زمانًا، لاحتمال كون العمل في زمنهم كان أشق. ويؤيده قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، ومما يؤيد كون المراد كثرة العمل وقلته، لا بالنسبة إلى طول الزمان وقصره، كونُ أهلِ الأخبار متفقين على أن المدة التي بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام، دون المدة التي بين نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم وقيام الساعة، لأن جمهور أهل المعرفة بالأخبار قالوا: إن مدة الفترة بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام ست مئة، وثبت ذلك في صحيح البخاريّ عن سلمان. وقيل إنها دون ذلك، فذكر الحاكم في "الإكليل" أنها مئة وخمس وعشرون سنة، وذُكر أنها أربع مئة سنة. وقيل: خمس مئة وأربعون سنة، وعن الضحاك أربع مئة وبضع وثلاثون سنة.
وهذه مدة المسلمين المشاهدة أكثر من ذلك، فلو تمسكنا بأن المراد التمثيل بطول الزمانين وقصرهما، للزم أن يكون وقت العصر أطول من وقت الظهر، ولا قائل به، فدل على أن المراد كثرة العمل وقلته، ويحتمل أن يكون كل من الفريقين قال ذلك، أما اليهود؛ فلأنهم أطول زمانًا، فيستلزم أن يكونوا أكثر عملًا، وأما النصارى، فلأنهم وزنوا كثرة أتباعهم بكثرة زمن اليهود، لأن النصارى آمنوا بموسى وعيسى جميعًا، عليهما الصلاة والسلام.
ويحتمل أن تكون نسبة ذلك إليهم على سبيل التوزيع، فالقائل: نحن أكثر عملًا، اليهودُ، والقائلُ في الرواية الآتية في الإجارة: نحن أقل أجرًا، النصارى. وقوله: هل ظلمتكم من أجركم من شيء، في رواية الإجارة الآتية: "هل نقصتكم من حقكم"، وأطلق لفظ الحق في هذه الرواية لقصد المماثلة، وإلا فالكل من فضل الله تعالى. وقوله: "فذلك فضلي أوتيه من أشاء"، فيه حجة
стр. 3575
لأهل السنة على أن الثواب من الله تعالى على سبيل الإحسان منه ﷻ .
رجاله خمسة:
الأول: عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيْسِيّ، وقد مرَّ في الأربعين من العلم، ومرّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان، ومرّ سالم بن عبد الله في السابع عشر منه، وأبوه عبد الله أوله قبل ذكر حديث منه، وابن شهاب في الثالث من الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في ثلاثة، والإخبار بصيغة الإفراد والقول والسماع. ورواته كلهم مدنيُّون، وفيه شيخ البخاريّ من أفراده، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. أخرجه البخاريّ أيضًا في باب الإجارة وفضل القرآن والتوحيد، وفي باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ومسلم والترمذيِّ.
следующие страницы →