← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

التي تدرَك بها فضيلة الجماعة فحكمها بأن يكبر لإحرامها ثم يركع، ويمكِّن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه، وهذا مذهب الجمهور. ورُوي عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة ما لم يدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع. وروي معناه عن أشهب، وروي عن جماعة من السلف أنه متى أحرم والإمام راكع أجزأَة، وإن لم يدرك الركوع وركع بعد الإمام. وقيل: يجزيه وان رفع الإمام رأسه ما لم يرفع الناس. ونقله ابن بزيزة عن الشعبيّ، قال: واذا انتهى إلى الصف الآخر، ولم يرفعوا رؤوسهم، أو بقي منهم واحد لم يرفع رأسه، وقد رفع الإمام رأسه، فإنه يرجع، وقد أدرك الصلاة، لأن الصف الذي هو فيه أمامه إلى غير هذا مما مرَّ. واختلفوا في الجمعة، فذهب مالك والثّوريّ واللَّيث والأوزاعيّ والشافعيّ وزُفَر ومحمد وأحمد إلى أن من أدرك ركعة منها يضيف إليها أخرى. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين، وهو قول النخعيّ والحَكَم وحماد. وأغرب عطاء ومكحول وطاووس ومجاهد، فقالوا: إن فاتته الخطبة يوم الجمعة يصلي أربعًا، لأن الجماعة إنما قُصِرت من أجل الخطبة. رجاله خمسة: الأول: أبو نعيم، وقد مرّ في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرّ شيبان النحويّ ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ أبو سلمة في الرابع من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، والقول. ورواته ما بين مدنيّ وبصريّ وكوفيّ. أخرجه البخاريّ ومسلم والنَّسائي وابن ماجه.

стр. 3572

الحديث الرابع والثلاثون حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بن سعد، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلاً، قَالَ: قَالَ اللَّهُ : هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا: لاَ، قَالَ: فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ". قوله: "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس"، ظاهره أن بقاء هذه الأمة وقع في زمان الأمم السالفة، وليس ذلك مرادًا قطعًا، وإنما معناه أن نسبة مدة هذه الأمة إلى مدة مَنْ تقدم مِن الأمم، مثل ما بين صلاة العصر وغروب الشمس إلى بقية النهار، فكأنه قال: إنما بقاؤكم بالنسبة إلى ما سلف ... إلخ. وحاصله أن "في" بمعنى "إلى" وحذف المضاف، وهو لفظ "نسبة". وقوله: "أُوتي أهلُ التوراةِ التوراةَ"، ظاهره أن هذا كالشرح والبيان لما تقدم من تقدير مدة الزمانين، وقد زاد المصنف من رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر في "فضائل القرآن": "وإن مَثَلَكم ومَثَل اليهود والنصارى ... " إلى آخره، وهو يشعر بأنهما قضيتان.

стр. 3573

وقوله: "حتى إذا انتصف النهار عجزوا". قال الداوديّ: هذا مشكل، لأنه إن كان المراد من مات منهم مسلمًا، فلا يوصف بالعجز، لأنه عمل ما أمر به، وإن كان من مات بعد التبديل والتغيير، فكيف يعطى القيراط من حَبِط عمله بكفره؟ وأجيب بأن المراد من مات منهم مسلمًا قبل التبديل والتغيير، وعبر بالعجز لكونهم لم يستوفوا عمل النهار كله، وإن كانوا قد استوفوا عمل ما قدر لهم. فقوله: "عجزوا"، أي: عن إحراز الأجر الثاني دون الأول، لكن من أدرك منهم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، وآمن به، أُعطي الأجر مرتين، كما مرَّ في كتاب العلم. وقوله: "قيراطًا قِيراطًا"، كرر قيراطًا ليدل على تقسيم القراريط على العمال، لأن العرب إذا أرادت تقسيم الشيء على متعدد كررته، كما تقول: اقسم هذا المال على بني فلان درهمًا درهمًا، أي: لكل واحد درهم، والمراد بالقيراط النصيب، وهو في الأصل نصف دانق، والدانق سدس درهم. وقوله: "ونحن كنا أكثر عملًا"، تمسك به بعض الحنفية كأبي زيد في كتاب "الأسرار"، إلى أن وقت العصر من مصير ظل كل شيء مثليه، لأنه لو كان من مصير ظل كل شيء مثله لكان مساويًا لوقت الظهر، وقد قالوا: كنا أكثر عملًا، فدل على أنه دون وقت الظهر. وأجيب بمنع المساواة، وذلك معلوم عند أهل العلم بهذا الفن، وهو أن المدة التي بين الظهر والعصر أطول من المدة التي بين العصر والمغرب. وأما ما نقله بعض الحنابلة من الإجماع على أن وقت العصر ربع النهار، فمحمول على التقريب، إذا فرعنا على أن أول وقت العصر مصير الظل مثله، كما قال الجمهور. وأما على قول الحنفية، فالذي من الظهر إلى العصر أطول قطعًا، وعلى التنزل لا يلزم من التمثيل والتشبيه التسوية من كل جهة، وبأن الخبر إذا ورد في معنى مقصود لا تؤخذ منه المعارضة، لما ورد في ذلك المعنى بعينه مقصودًا في أمر آخر، وبأنه ليس فيه نص على أن كلاًّ من الطائفتين أكثر عملًا، لصدق أن كلهما مجتمعين أكثر عملًا من المسلمين، وباحتمال أن يكون

стр. 3574

أطلق ذلك تغليبًا، وباحتمال أن يكون ذلك قول اليهود خاصة، فيندفع الاعتراض من أصله كما جزم به بعضهم، وتكون نسبة ذلك للجميع في الظاهر غير مرادةٍ، بل هو عمومٌ أُريد به الخصوص، أُطلق ذلك تغليبًا. ويؤيده ما وقع في التوحيد بلفظ: "فقال أهل التوراة"، وبأنه لا يلزم من كونهم أكثر عملًا أن يكونوا أكثر زمانًا، لاحتمال كون العمل في زمنهم كان أشق. ويؤيده قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، ومما يؤيد كون المراد كثرة العمل وقلته، لا بالنسبة إلى طول الزمان وقصره، كونُ أهلِ الأخبار متفقين على أن المدة التي بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام، دون المدة التي بين نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم وقيام الساعة، لأن جمهور أهل المعرفة بالأخبار قالوا: إن مدة الفترة بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام ست مئة، وثبت ذلك في صحيح البخاريّ عن سلمان. وقيل إنها دون ذلك، فذكر الحاكم في "الإكليل" أنها مئة وخمس وعشرون سنة، وذُكر أنها أربع مئة سنة. وقيل: خمس مئة وأربعون سنة، وعن الضحاك أربع مئة وبضع وثلاثون سنة. وهذه مدة المسلمين المشاهدة أكثر من ذلك، فلو تمسكنا بأن المراد التمثيل بطول الزمانين وقصرهما، للزم أن يكون وقت العصر أطول من وقت الظهر، ولا قائل به، فدل على أن المراد كثرة العمل وقلته، ويحتمل أن يكون كل من الفريقين قال ذلك، أما اليهود؛ فلأنهم أطول زمانًا، فيستلزم أن يكونوا أكثر عملًا، وأما النصارى، فلأنهم وزنوا كثرة أتباعهم بكثرة زمن اليهود، لأن النصارى آمنوا بموسى وعيسى جميعًا، عليهما الصلاة والسلام. ويحتمل أن تكون نسبة ذلك إليهم على سبيل التوزيع، فالقائل: نحن أكثر عملًا، اليهودُ، والقائلُ في الرواية الآتية في الإجارة: نحن أقل أجرًا، النصارى. وقوله: هل ظلمتكم من أجركم من شيء، في رواية الإجارة الآتية: "هل نقصتكم من حقكم"، وأطلق لفظ الحق في هذه الرواية لقصد المماثلة، وإلا فالكل من فضل الله تعالى. وقوله: "فذلك فضلي أوتيه من أشاء"، فيه حجة

стр. 3575

لأهل السنة على أن الثواب من الله تعالى على سبيل الإحسان منه ﷻ . رجاله خمسة: الأول: عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيْسِيّ، وقد مرَّ في الأربعين من العلم، ومرّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان، ومرّ سالم بن عبد الله في السابع عشر منه، وأبوه عبد الله أوله قبل ذكر حديث منه، وابن شهاب في الثالث من الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في ثلاثة، والإخبار بصيغة الإفراد والقول والسماع. ورواته كلهم مدنيُّون، وفيه شيخ البخاريّ من أفراده، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. أخرجه البخاريّ أيضًا في باب الإجارة وفضل القرآن والتوحيد، وفي باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ومسلم والترمذيِّ.

стр. 3576

الحديث الخامس والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلاً إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لاَ حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ، فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ. فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَلَكُمُ الَّذِى شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلاَةِ الْعَصْرِ، قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا. فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ". قوله: "مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل"، في السياق، حذف تقديره: مثل المسلمين مع نبيِّهم، ومثل اليهود والنصارى مع أنبيائهم، كمثل رجل استأجر. فالمثل مضروب للأمة مع نبيهم، والممثل به الأُجراء مع من استأجرهم. وقوله: "استأجر قومًا يعملون له عملًا إلى الليل"، هذا مغاير لحديث ابن عمر، لأن فيه أنه استأجرهم على أن يعملوا إلى نصف النهار. والظاهر أنهما حديثان سيقا في قضيتين، وقد حاول بعضهم الجمع بينهما فتعسف. وقال ابن رشد ما حاصله: إن حديث ابن عمر ذكر مثالًا لأهل الأعذار، لقوله "فعجزوا" فأشار إلى أن من عجز عن استيفاء العمل من غير أن يكون له صنيع في ذلك أن الأجر يحصل له تامًا بفضل الله تعالى. قال: وذكر حديث أبي موسى مثالًا لمن أخَّر بغير عذر، وإلى ذلك الإشارة بقولهم: "لا حاجة لنا إلى أجرك"، فأشار إلى أن مَن أخَّر عامدًا لا يحصل له ما حصل لأهل الأعذار، ولكن وقع في رواية سالم عند المصنف في التوحيد ما يوافق رواية أبي موسى. ورجحها الخطابيّ فيحتمل أن تكون القضيتان جميعًا كانتا عند ابن عمر،

стр. 3577

فحدث بهما في وقتين، وجمع بينهما ابن التين باحتمال أن يكونوا غضبوا أولًا، فقالوا ما قالوا، طلبًا للزيادة، فلما لم يُعطوا قدرًا زائدًا تركوا، فقالوا: لك ما عملنا باطل، وفيه مع بُعده مخالفة لصريح ما وقع في رواية الزُّهريّ هنا وفي التوحيد، ففيها قالوا: ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كنا أكثر عملًا، ففيه التصريح بأنهم أُعطوا ذلك إلا أن يُحمَلَ قولهم: "أعطيتنا": أمرت لنا، أو وعدتنا، ولا يلزم من ذلك أنهم أخذوه، ولا يخفى أن الجمع بكونهما قضيتين أوضح. وظاهر المثل الذي في حديث أبي موسى أن الله تعالى قال لليهود: آمنوا بي وبرسلي إلى يوم القيامة، فآمنوا بموسى إلى أن بعث عيسى، فكفروا به. وذلك قدر نصف المدة التي من بعث موسى إلى قيام الساعة. فقولهم: لا حاجة لنا إلى أجرك إشارة إلى أنهم كفروا وتولوا، واستغنى الله عنهم. وهذا من إطلاق القول وإرادة لازمه، لأن لازمه تَرْك العمل المعبر به عن ترك الإيمان. وقولهم: "وما عملنا باطل"، في الرواية الآتية في الإجارة إشارة إلى احباط عملهم بكفرهم بعيسى، إذ لا ينفعهم الإيمان بموسى وحده بعد بعثة عيسى، وكذلك القول في النصارى، إلا أن فيه إشارة إلى أن مدتهم كانت قدر نصف المدة، فاقتصروا على نحو الربع من جميع النهار. وقوله: "ولكم الذي شرطت"، زاد في رواية الإسماعيليّ: "ولكم الذي شرطت لهؤلاء من الأَجر"، يعني الذين قبلهم، وفي رواية الإجارة زيادة: "فإن ما بقي من النهار شيء يسير"، أي: بالنسبة لما مضى منه، والمراد ما بقي من الدنيا، وفيه إشارة الى قصر المدة التي بقيت من الدنيا، وسيأتي بعض الكلام على ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى. وقوله: "واستكملوا أجر الفريقين، أي: بإيمانهم بالأنبياء الثلاثة، وفي رواية الإجارة زيادة: "فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من النور"، وفي رواية الإسماعيليّ: "فذلك مثل المسلمين قَبِلوا هُدى الله تعالى وما جاء به رسوله، ومثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله به"، قال المهلب: أورد البخاريّ

стр. 3578

حديث ابن عمر وحديث أبي موسى في هذه الترجمة، ليدل على أنه قد يستحق بعمل البعض أجر الكل، مثل الذي أعطى من العصر الى الليل أجر النهار كله، فهو نظير من يعطى أجر الصلاة كلها، ولو لم يدرك إلا ركعة، وبهذا تظهر مطابقة الحديثين للترجمة، وتكملة ما ذكر هي أن يقال: إن فضل الله الذي أقام به عمل ربع النهار مقام عمل النهار كله، هو الذي اقتضى أن يقوم إدراك الركعة الواحدة من الصلاة الرباعية، التي هي العصر، مقام إدراك الأربع في الوقت، فاشتركا فى كون كل منهما ربع العمل، وحصل بهذا التقرير جواب من استشكل وقوع الجميع أداءً، مع أن الأكثر إنما وقع خارج الوقت، فيقال: في هذا ما أجيب به أهل الكتاب: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، وكلام المهلب واضح لا استبعاد فيه. وقال ابن المنير: يستنبط من هذا الحديث أن وقت العمل ممتد الى غروب الشمس، وأقرب الأعمال المشهورة بهذا الوقت صلاة العصر، فهو من قبيل الإشارة لا من صريح العبارة، فإن الحديث مثال، وليس المراد العمل الخاص بهذا الوقت، بل هو شامل لسائر الأعمال من الطاعات في بقية الإمهال إلى قيام الساعة. وقال إمام الحرمين: إن الأحكام لا تؤخذ من الأحاديث التي تأتي لضرب الأمثال، واستُدل بالحديث على أن بقاء هذه الأئمة يزيد على الألف، لأنه يقتضي أن مدة اليهود نظير مدتي النصارى والمسلمين، وقد اتفق أهل النقل على أن مدة اليهود الى بعثة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كانت أكثر من ألفي سنة، ومدة النصارى من ذلك ست مئة، وقيل أقل من ذلك، فتكون مدة المسلمين أكثر من ألف قطعًا، وقد أخرج الطبري في "تاريخه"، عن ابن عباس: "الدنيا جمعة من جُمَعِ الآخرة، سبعة آلاف سنة"، وقد مضى ستة آلاف سنة، ومئة سنة، وأورد الطبريّ أيضًا عن كعب الأحبار: "الدنيا ستة آلاف سنة"، وعن وهب بن منبّه مثله، وزاد أن الذي مضى منها خمسة آلاف وست مئة سنة، وزيفهما وحق لهما ذلك، ورجح ما جاء عن ابن عباس، وقد تبين عدم صحة ما نسب اليه بالمشاهدة.

стр. 3579

وقد أخرج معمر في جامعه عن عِكرمة في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، قال: الدنيا من أولها إلى آخرها يوم مقداره خمسون ألف سنة، لا يدري كم مضى، ولا كم بقي إلا الله تعالى. وهذا هو الحق في أن وقت الساعة لا يعلمه إلا الله. وأصح ما ورد فيها حديث الشيخين، عن أبي هريرة وأنس وغيرهما: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين"، يعني الوسطى والسبابة. وقد اختلف في معناه. ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه عند ذكره في كتاب الرقاق. وفي الحديث أن أجر النصارى كان أكثر من أجر اليهود، ولأن اليهود عملوا نصف النهار بقيراط، والنصارى نحو ربع النهار بقيراط، ولعل ذلك باعتبار ما حصل لمن آمن من النصارى بموسى وعيسى فحصل لهم تضعيف الأجر مرتين بخلاف اليهود، فإنهم لما بعث عيسى كفروا به. وفي الحديث تفضيل هذه الأمة، وتوفير أجرها مع قلة عملها، وفيه جواز استدامة صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس. وفي قوله: "فإنما بقي من النهار شيء يسير"، إشارة إلى قصر مدة المسلمين بالنسبة إلى مدة غيرهم، وفيه إشارة إلى أن العمل في الطوائف كان مساويًا في المقدار. رجاله خمسة: الأول: أبو كريب، والثاني: أبو أسامة، وقد مرّا في الحادي والعشرين من العلم، ومرّ بريد وأبو بُردة وأبو موسى في الرابع من الإيمان. فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في أربعة، والقول. ورواية الابن عن الجد، ورواية الابن عن الأب، ورواته ما بين كوفيّ وبصريّ، وفيه ثلاثة بالكنى. أخرجه البخاري في الإمارة أيضًا. ثم قال المصنف:

стр. 3580

باب وقت المغرب أي: باب في بيان وقت المغرب، ثم قال: وقال عطاء: يجمع المريض بين المغرب والعشاء. وأشار بهذا الأثر في هذه الترجمة إلى أن وقت المغرب يمتد إلى العشاء، وذلك أنه لو كان مضيقًا لانفصل عن وقت العشاء، ولو كان منفصلًا لم يجمع بينهما كما في الصبح والظهر، وبهذه النكتة ختم الباب بحديث ابن عباس الدال على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما. وأما الأحاديث التي أوردها في الباب، فليس فيها ما يدل على أن الوقت مضيق، لأنه ليس فيها إلا مجرد المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها، وكانت تلك عادته ﵊ في جميع الصلوات، إلا فيما ثبت فيه خلاف ذلك، كالإبراد، وكتأخير العشاء إذا أبطاوا، وما قاله عطاء من جمع المريض كالمسافر، وهو قول أحمد وإسحاق مطلقًا، واختاره بعض الشافعية كالنوويّ والقاضي الحسين الرويانيّ، وجوّزه مالك بشرطه، وهو أن يخاف الإغماء في أول الثانية، أو الحمى النافض أو الميد، والمشهور عن الشافعيّ وأصحابه المنعُ، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج عنه، وعطاء المراد به ابن أبي رَباح، مرّ في التاسع والثلاثين من العلم.

стр. 3581

الحديث السادس والثلاثون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ صُهَيْبٌ مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وهو عطاء بن صهيب، قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ. قوله:"وإِنه ليُبصر مواقع نَبله"، أي: بضم ياء يبصر من الإبصار، وفتح نون نَبله، وسكون الموحدة، وهي السهام العربية، مؤنثة لا واحد لها من لفظها. وقيل: واحدها نبلة مثل تمر وتمرة، ومواقع المواضع التي تصل إليها سهامه إذا رمى بها، ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها، بحيث إن الفراغ منها يقع والضوء باق. وأخرج أحمد في مسنده عن ناس من الأنصار، قالوا: "كنَّا نصلِّي مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المغربَ، ثم نرجع، فنترامى، حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا"، إسناده حسن. وعند النّسائيّ بسند صحيح عن رجل من أسلم "أنهم كانوا يصلّون مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المغرب، ثم يرجعون إلى أهليهم إلى أقصى المدينة، ثم يرمون فيبصرون مواقع نبلهم". وذهب طاووس وعطاء ووهب بن منبه إلى أن أول وقتها حين طلوع النجم، واحتجوا لذلك بحديث أبي بصرة الغفاريّ، قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم العصر بالمَحْمَض، فقال: إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد"، والشاهد النجم. والمَحْمَض، بفتح الميمين، الموضع الذي ترعى فيه الإبل الحمض، واختلف في وقت خروج المغرب، فعند الجمهور إذا غاب الشفق، وهو الحمرة، وخرج وقتها.

стр. 3582

وقال عمر بن عبد العزيز وابن المبارك والأوزاعيّ في رواية، ومالك في رواية، وهو مذهب أبي حنيفة: لا يخرج حتى يغيب الشفق الأبيض. رجاله خمسة: الأول: محمد بن مِهران، بكسر الميم، الجمّال، أبو جعفر الرازيّ الحافظ. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي جعفر الجمّال وإبراهيم بن موسى، فقال: كان أبو جعفر أوسع حديثًا، وكان إبراهيم أتقن. وقال أيضًا: سئل أبي عنه، فقال: صدوق، وقال أبو بكر الأعين: مشايخ خراسان ثلاثة، أولهم قتيبة، والثاني محمد بن مِهران، والثالث علي بن حجر. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن مَعين: ليس به بأس، وقال مَسْلَمة بن قاسم: ثقة. روى عن عيسى بن يونس وابن علية والوليد بن مسلم وعبد الرزاق وغيرهم. وروى عنه البخاريّ ومسلم وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم وأحمد بن عليّ الأَبّار وغيرهم. مات سنة تسع وثلائين ومئتين أو قريبًا منه. الثاني: الوليد بن مسلم القرشي، مولى بني أمية، وقيل مولى بني العباس، أبو العباس الدمشقيّ، عالم الشام. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال حماد كاتبه عنه: جالست ابن جابر سبع عشرة سنة، وعنه قال: كنت إذا أردت أن أسمع من شيخ سألت عنه الأوزاعيّ وسعيد بن عبد العزيز. وقال أحمد: ليس أحد أروى عن الشاميين من إسماعيل بن عياش والوليد. وقال أيضًا: ما رأيت أعقل منه. وقال إبراهيم بن المنذر: سألني عليّ بن المَدِينيّ أن أخرج له حديث الوليد، فقلت له: سبحان الله، وأين سماعي من سماعك؟ فقال: الوليد دخل الشام وعنده علم كبير، ولم أستمكن منه. قال: فأَخرجته له، فتعجب من فوائده، وجعل يقول: كان يكتب على الوجه. وقال ابن المدينى أيضًا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن الوليد، ثم سمعت من الوليد، وما رأيت من الشاميين مثله. وقد أغرب بأحاديث صحيحة لم يشركه فيها أحد. وقال مروان بن محمد: إِذ! كتبت حديث الأوزاعيّ عن الوليد فما تبالي من فاتك. وقال أيضًا. كان الوليد عالمًا بحديث الأوزاعيّ. وقال أبو مسهر: كان

стр. 3583

الوليد معتنيًا بالعلم. وقال أيضًا: كان من ثقات أصحابنا. وفي رواية: من حفاظ أصحابنا. وقال أبو زرعة الدمشقي: قال لي أحمد: عندكم ثلاثةُ أصحاب أصحابُ حديث: مروان بن محمد والوليد وأبو مسهر. وقال يعقوب بن سفيان، كنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الناس عند أهل العلم متقنًا صحيحًا صحيح العلم. وقال العجليُّ ويعقوب بن شيبة: الوليد بن مسلم ثقة. وقال محمد بن إبراهيم: قلت لأبي حاتم: ما تقول في الوليد بن مسلم؟ قال: صالح الحديث. وقال أبو زرعة الرازيّ: كان الوليد أعلم من وكيع بأمر المغازي. وقال ابن جوصاء: لم نزل نسمع أنه مَن كتب مصنفات الوليد صَلُحَ أن يَلِيَ القضاء. قال: ومصنفات الوليد سبعون كتابًا. وقال صدقة بن الفضل: قدم الوليد مكة، فما رأيت أحفظ للطوال والملاحم منه، فجعلوا يسألونه عن الرأي ولم يكن يحفظ، ثم رجع وأنا بمكة، وإذا هو قد حفظ الأبواب، وإذا الرجل حافظ متقن. وقال الحميدي: قال لنا الوليد بن مسلم: إن تركتموني حدثتكم عن ثقات شيوخنا، وإن أبيتم فاسألوا نحدثكم بما تسألون. وقال أحمد: كان الوليد رفاعًا. وقال الفسويّ: سألت هشام بن عمار، عن الوليد، فأقبل يصف علمه وورعه وتواضعه، وقال ابن اليمان: ما رأيت مثله. وقال الدارقطنيّ: كان الوليد يروي عن الأوزاعيّ أحاديث عنده عن شيوخ ضعفاء، عن شيوخ ثقات قد أدركهم الأوزاعيّ، فيسقط الوليد الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعيّ، عن الثقات. وقد قال أبو داود في صدقة بن خالد: اهو أثبت من الوليد، وإن الوليد قد روى عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل. قال ابن حجر: ماله عن مالك في الكتب الستة شيء، وقد احتجوا به في حديثه عن الأوزاعيّ، بل لم يروِ له البخاريّ إلا من روايته عن الأوزاعيّ وعبد الرحمن بن نمر وثور بن يزيد وعبد الله بن العلاء بن زبر وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ويزيد بن أبي مريم أحاديثَ يسيرة، واحتج به الباقون. روى عن الأوزاعيّ وابن جريج وابن عجلان وابن أبي ذيب وسعيد بن عبد العزيز والثوريّ وشيبان وخلق. وروى عنه الليث بن سعد، وهو من شيوخه،

стр. 3584

وبقية بن الوليد، وهو من أقرانه، والحميديّ وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن المَدينيّ وغيرهم. مات سنة خمس وتسعين ومئة بعد انصرافه من الحج بذي المروة، وقبل أن يصل إلى دمشق. وفي الستة الوليد بن مسلم سواه واحد، وهو أبو بشر التميميّ العنبريّ. والثالث: الأوزاعيّ، وقد مرَّ في العشرين من العلم. والرابع: عطاء بن صهيب الأنصاريّ، أبو النجاشي، قالَ النَّسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان صحب رافع بن خديج ست سنين. روى عن مولاه رافع بن خديج، وعنه الأوزاعيّ ويحيى بن أبي كثير وعكرمة وغيرهم، وهو من الطبقة الرابعة. الخامس: رافع بن خَديج بن رافع بن عديّ بن زيد بن جُشَم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، الأنصاريّ الحارثيّ الأوسيّ أبو عبد الله أو أبو خديج. أمه حليمة بنت مسعود بن سنان بن عامر، من بني بياضة. عرض على النبيِّ ﷺ يوم بدر، فاستصغره، وأجازه يوم أحد فشهد أحدًا والخندق وأكثر المشاهد. وأصابه يوم أحد سهم، فقال له رسول الله ﷺ : "أنا أشهدُ لك يومَ القيامة". استوطن المدينة، وكان عريف قومه بالمدينة، وأخرج ابن شاهين: أصاب رافعًا سهم يوم أُحد، فقال له رسول الله ﷺ : "إن شئت نزعت السهم وتركت القُطْبة، وشهدت لك يوم القيامة أنك شهيد"، فلما كانت خلافة عثمان انتقض به ذلك الجرح فمات منه، والصواب خلافة معاوية. وقال الواقديّ: وقد ثبت أن ابن عمر صلى عليه، وابن عمر في سنة أربع كان بمكة عقب قتل ابن الزبير، فتأخّر رافع إلى أن قدم ابن عمر المدينة، فمات فصلى عليه، ثم مات ابن عمر بعده، وشهد ابن عمر جنازته، وخرج نسوة يصرخن، فقال ابن عمر: اسكتن، فإنه شيخ كبير لا طاقة له بعذاب الله. شهد صفين مع علي بن أبي طالب. له ثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا على

стр. 3585

خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة. روى عنه ابن عمرو ومحمود بن لبيد والسائب بن يزيد وأسيد بن ظهير، وروى عنه من التابعين من دون هؤلاء مجاهد وعطاء والشَّعبيّ وابن ابنه عباية بن رفاعة بن رافع، وعَمرة بنت عبد الرحمن، وليس في الصحابة رافع بن خديج سواه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع واحد، والقول في خمسة مواضع، والسماع، ورواته ما بين رازيّ وشاميّ ومدنيّ. أخرجه مسلم وابن ماجه في الصلاة.

стр. 3586

الحديث السابع والثلاثون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَدِمَ الْحَجَّاجُ، فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَوْا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا أَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ. قوله: "قدم الحَجّاج"، بفتح الحاء المهملة وتشديد الجيم، وهو ابن يوسف الثقفي الآتي تعريفه قريبًا، وغلط من زعم أنه بضم الحاء جمع حاج، ويوضح رواية المصنف وسبب السؤال ما أخرجه أبو عَوانة في صحيحه عن شعبة: "سألنا جابر بن عبد الله في زمن الحجّاج، وكان يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة"، وفي رواية مسلم عن شعبة: "كان الحجاج يؤخر الصلاة"، وكان قدوم الحجاج المدينة أميرًا عليها من قبل عبد الملك بن مروان سنة أربع وسبعين، وذلك عقب قتل ابن الزبير، فأمَّره عبد الملك على الحرمين وما معهما، ثم نقله بعد هذا إلى العراق. وقوله: "بالهاجرة"، قد مرَّ سبب تسميتها بالهاجرة، وظاهره يعارض حديث الإبراد المتقدم، لأن قوله: كان يفعل، يُشعر بالكثرة والدوام عرفًا، ويجمع بينهما بأن يكون أطلق الهاجرة على الوقت بعد الزوال مطلقًا، لأن الإبراد، كما تقدم، مقيدٌ بحال شدة الحر وغير ذلك كما مرَّ، فإن وُجدت شروط الإبراد أبردوا، وإلا عجل. فالمعنى كان يصلي الظهر بالهاجرة إلا إنْ احتاج إلى الإبراد، وتُعقب بأنه لو كان ذلك مراده، لفصل كما فصل في العشاء.

стр. 3587

وقوله: "نقية"، بفتح النون، أوله، أي: خالصة صافية لم يدخلها صُفرة ولا تَغَيُّر. وقوله: "إذا وجبت"، أي: غابت، وأصل الوجوب السقوط، والمراد سقوط قرص الشمس. وفاعل وجبت مستتر وهو الشمس، وفي رواية أبي داود: "والمغرب إذا غربت الشمس"، ولأبي عَوانة: "والمغرب حين تجب الشمس"، وفيه دليل على أن سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أن محله إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة، وبين الرائي، حائلٌ. وقوله: "والعشاء أحيانًا وأحيانًا"، والعشاء بالنصب، أي: ويصلي العشاء، ولمسلم: "أحيانًا يؤخرها، وأحيانًا يعجل، كان إذا رآهم قد اجتمعوا"، إلخ. وللمصنف في باب العشاء عن مسلم بن إبراهيم: "إذا كثر الناس عجّل، وإذا قلّوا أخّر"، ونحوه لأبي عَوانة. والأحيان جمع حين، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان على المشهور. وقيل: الحين ستة أشهر، وقيل: أربعون سنة، وحديث الباب يقوّي المشهور. وقال ابن دقيق العيد: إذا تعارض في شخص أمران، أحدهما: أن يقدم الصلاة في أول الوقت منفردًا، أو يؤخرها في الجماعة أيهما أفضل. الأقرب أن التأخير لصلاة الجماعة أَفضل، وحديث الباب يدل عليه، لقوله: "واذا رآهم أبطاوا أخّر"، فيؤخر لأجل الجماعة، مع إمكان التقديم. ورواية مسلم بن إبراهيم المتقدمة تدل على أخص من ذلك، وهو أن انتظار من تكثر بهم الجماعة أَوْلَى من التقديم، ولا يخفى أن محل ذلك ما لم يفحش التأخير، ولم يشق على الحاضرين. قاله في الفتح. قلت: مذهب مالك أن الفَذّ ومن في حكمه كالجماعة لا تنتظر الأفضل له تقديمها مطلقًا، ولو كان عالمًا بجماعة في آخر الوقت. والجماعة المنتظرة غيرها الأفضل لها تقديم غير الظهر، وتأخير الظهر لربع القامة، ويزاد لشدة الحر على ما مرَّ مبينًا، وروي عن مالك تأخير العشاء قليلاً في حق مساجد القبائل بقدر اجتماع الناس، وقال الطحاوي: تأخير العشاء إلى ثلث الليل مستحب، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قاله الترمذي. وإلى النصف مباح، وبعده مكروه، وحكى ابن المنذر أن المنقول عن ابن مسعود وابن

стр. 3588

عباس الى ما قبل ثلث الليل، وهو مذهب اسحاق والليث، وبه قال الشافعيّ في الجديد، وفي القديم تقديمها. قال النوويّ: وهو الأصح. قلت: ومشهور مذهب مالك امتداد مختار العشاء الى الثلث الأول. وقيل: إلى النصف. وقيل: إلى طلوع الفجر. وقوله: "كانوا أو كان النبيّ"، الخ، الشك من الراوي عن جابر، والمعنى فيهما متلازم، لأن أيهما كان يدخل فيه الآخر، ان أراد أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلى فالصحابة كانوا معه في ذلك، وإن أراد الصحابة، فالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان إمامهم، أي: كان شأنه التعجيل دائمًا، لا كما كان يصنع في العشاء من تعجيلها أو تأخيرها، وخبر كانوا محذوف يدل عليه قوله: "يصليها"، أي: كانوا يصلون. وقال ابن بطال: فيه حذفان، حذف خبر كانوا، وهو جائز، كحذف خبر المبتدأ في قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، أي: فعدتهن مثل ذلك. والحذف الثاني حذف الجملة بعد أو، تقديره: أوْ لم يكونوا مجتمعين. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون تقديره: والصبح كانوا مجتمعين مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وحده يصليها بغلس، والتقدير الأول أوْلَى، لوجود ما يدل عليه. وقال ابن التين: يصح أن يكون: "كانوا" هنا تامة غير ناقصة، بمعنى الحضور والوقوع، فيكون المحذوف ما بعد "أو" خاصة. وقوله: "بغلس"، يتعلق بأي اللفظين كان هو الواقع، والمعنى في ذلك متلازم، كما مرَّ. والغَلَس، بفتح اللام، ظلمة آخر الليل. رجاله ستة: وفيه ذكر الحجاج. الأول: محمد بن بشار، وقد مرَّ في الحادي عشر من العلم، ومرَّ محمد بن جعفر في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث فيه، ومرَّ سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف في السابع والأربعين من الوضوء، ومرَّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي. السادس من السند: محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب،

стр. 3589

الهاشميّ، أبو عبد الله المدني، أمه رملة بنت عقيل بن أبي طالب. قال أبو زُرعة والنَّسائيّ وابن خِراش: ثقة، وقال أبو حاتم أيضًا: ثقة، وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى عن عمة أبيه زينب بنت علي، وابن عباس وجابر. وروى عنه سعد بن ابراهيم وأبو الجحاف داود بن عوف، وعبد الله بن ميمون وغيرهم. والحجّاج المذكور في الحديث هو الحجاج بن يوسف بن أبي عقيل الثقفى، الأمير الشهير، نشأ بالطائف، وكان أبوه من شيعة بني أُمية، وحضر مع مروان حروبه، ونشأ ابنه مؤدب كتاب، ثم لحق بعبد الملك بن مروان، وحضر معه قتل مصعب بن الزبير، ثم انتدب لقتال عبد الله بن الزبير. وقال جماعة: انه دس على ابن عمر من سمه في زج رمح، وقد وقع بعض ذلك في "صحيح البخاري"، وولاه عبد الملك الحرمين مدة، ثم استقدمه وولاه الكوفة، وجمع له العراقَيْن، فسار بالناس سيرة جائرة، واستمر في الولاية نحوًا من عشرين سنة. وكان فصيحًا بليغًا فقيهًا، وكان يزعم أن طاعة الخليفة فرض على الناس في كل ما يرومه، ويجادل على ذلك. وخرج عليه ابن الأشعث ومعه أكثر الفقهاء والقراء من أهل البصرة، فحاربه حتى قتله، وتتبع من كان معه، فعرضهم على السيف، فمن أقر له أنه كفر بخروجه عليه أطلقه، ومن امتنع قتله صبرًا، حتى قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم. وسبب تولية عبد الملك له ما روى ابن عبد ربه، أن الحجاج وأباه كانا يعلِّمان الصبيان بالطائف، ثم لحق الحجاج برَوح بن زنباع الجُذاميّ، وزير عبد الملك بن مروان، فكان في عديد شرطته، الى أن رأى عبد الملك انحلال عسكره، وأنّ الناس لا يرحلون برحيله، ولا ينزلون بنزوله، فشكا ذلك الى روح بن زنباع، فقال له: ان في شُرطتي رجلًا لو قلده أمير المؤمنين أمرَ عسكره، لأرحل الناس برحيله، وأنزلهم بنزوله، يقال له الحجاج بن يوسف. قال: إنا قد قلّدناه ذلك، فكان لا يقدر أحد أن يتخلف عن الرحيل والنزول إلا أعوان روح بن زنباع، فوقف عليهم يومًا وقد أرحل الناس وهم على الطعام يأكلون، فقال لهم: ما منعكم أن ترحلوا برحيل أمير المؤمنين؟ فقالوا له: انزل يا بن

стр. 3590

اللَّخناء فكُل معنا، فقال لهم: هيهات، ذهب ذلك، ثم أمر بهم فجُلدوا بالسياط، وطوّفهم في العسكر، وأمر بفساطيط روح فأحرقت بالنار، فدخل روح على عبد الملك باكيًا، وقال: يا أمير المؤمنين، إن الحَجّاج الذي كان في شُرطتي ضرب غلماني، وأحرق فساطيطي. قال: عليّ به، فلما دخل عليه قال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: أنا ما فعلت. قال: ومن فعل؟ قال: أنت فعلت، إنما يدي يدك، وسوطي سوطك، وما على أمير المؤمنين أن يخلف لروح عوض الفسطاط فسطاطين، وعوض الغلام غلامين، ولا يكسرني فيما قدمني له، فأخلف لروح ما ذهب له، وتقدم الحجاج في منزلته، وكان ذلك أول ما عرف من كفايته. وكان للحجاج في القتل وسفك الدماء والعقوبات غرائب لم يسمع بمثلها. وقد أخرج الترمذي من طريق هشام بن حسان: أحصينا من قتله الحجاج صبرًا فبلغ مئة ألف وعشرين ألفًا، ويقال: إن سبب ولوعه بالدماء ما أخرجه المسعوديّ من أن أُم الحجاج الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفيّ، كانت تحت الحارث بن كَلَدة الثقفيّ الطائفيّ، حكيم العرب، فدخل عليها مرة في السَحَر، فوجدها تتخلل، فبعث إليها بطلاقها، فقالت: لِمَ بعثت إليّ بطلاقي؟ هل لشيءٍ رابك مني؟ قال: نعم، دخلت عليك في السحر وأنت تتخللين، فإن كنت بادرت الغداء، فأنتِ شرهة، وإن كنت بتِّ والطعام بين أسنانك فأنت قذرة. فقالت: كل ذلك لم يكن، لكني تخللت من شظايا السواك. فتزوجها بعده يوسف بن أبي عقيل الثَّقفيّ فولدت له الحجاج مشوهًا لا دُبر له، فنقب عن دبره، وأبى أن يقبل ثدي أمه وغيرها، فأعياهم أمره. ويقال: إن الشيطان تصور لهم في صورة الحارث بن كلدة المقدم ذِكْره، فقال: ما خبركم؟ قالوا: ولد ولدٌ ليوسف من الفارعة، وقد أبى أن يقبل ثدي أمه، فقال: اذبحوا جديًا أسود، وأولغوه دمه، فإذا كان في اليوم الثاني، فافعلوا به كذلك، فإذا كان في اليوم الثالث، فاذبحوا له تيسًا أسود وأولغوه دمه، ثم اذبحوا له أسود سالخًا وأولغوه دمه، واطلوا به وجهه، فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع،

стр. 3591

ففعلوا به ذلك، فكان لا يصبر عن سفك الدماء لما كان منه في أول الأمر. وكان الحجاج يخبر عن نفسه أن أكبر لذّاته سفك الدماء، وارتكاب أمور لا يقدم عليها غيره. ويقال: إن زياد بن أبيه أراد أن يتشبه بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، في ضبط الأمور والحزم والصرامة وإقامة السياسات، إلا أنه أسرف وتجاوز الحد. وأراد الحجاج أن يتشبه بزياد فأهلك ودمر. وخطب يومًا فقال في أثناء كلامه: أيها الناس، إن الصبر عن محارم الله، أهون من الصبر على عذاب الله، فقام إليه رجل فقال: ويحك يا حجاج ما أصفق وجهك وأقل حياءك، فأمر به فحبس، فلما نزل عن المنبر دعا به فقال له: لقد اجترأت عليّ، فقال له: أتجترىء على الله فلا ننكره، ونجترىء عليك فتنكره؟ فخلى سبيله. قال شاذان: كان مفلسًا من دينه. وقال طاووس: عجبت لمن يسميه مؤمنًا. وكفّره جماعة منهم: سعيد بن جُبير ومجاهد والنخعي والشعبي وغيرهم. وقالت له أسماء بنت أبي بكر: أنت المُبير الذي أخبرنا به رسول الله ﷺ . وقال مالك بن دينار: سمعت الحجاج يخطب، فلم يزل بيانه وتخليصه بالحجج حتى ظننت أنه مظلوم. وروى ابن أبي الدنيا عن زيد بن أسلم بإسناد صحيح أن المِسْوَرَ بن مَخْرَمة أغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها، عبد الرحمن بن عوف في الرفيق الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا، وعبد الملك والحجاج يجران أمعاءهما في النار. ولم يكن للحجاج حينئذ ذكر، ولا كان عبد الملك ولي الخلافة بعدُ، لأن المسور مات في اليوم الذي جاء نعي يزيد بن معاوية من الشام، وذلك في ربيع الأول سنة أربع وستين من الهجرة. وقال القاسم بن مخيمرة: كان الحجاج ينقض عرى الإِسلام عروة عروة. قال النسائيّ عن أبيه: ليس بثقة ولا مأمون. وقال الحاكم: أبو أحمد ليس بأهل أن يُروى عنه، ومما يحكى عنه من الموبقات قوله لأهل السجن: اخسؤوا فيها

стр. 3592

ولا تكلمون. ولم يقصد الشيخان الرواية عن الحجاج، كما لم يقصد البخاريّ الرواية عن الحسن بن عمارة، فإما أن يتركا، واما أن يذكرا، وإلا فما الفرق بينهما؟ وفي الصحيح عن سلام بن مسكين، قال: بلغني أن الحجاج قال لأنس: حدثني عن أشد عقوبة عاقب بها النبي ﷺ ، فحدثه بحديث العرنيين. وقال أبو عمرو بن العلاء: لما مات الحجاج قال الحسن: اللهم أنت أمتَّه، فأَمِتْ سُنَّتَه، أتانا أُخَيفش أُعيمش قصير البنان، والله ما عرق له عذار في سبيل الله قط، فمدّ كفًّا كبره، وقال: بايعوني وإلا ضربت أعناقكم. ورُوي عن أشعث الحَدّانيّ، وكان يقرأ للحجاج في رمضان، قال: رأيته في منامي بحالة سيئة، فقلت: يا أبا محمد، ما صنعت؟ قال: ما قتلت أحدًا بقتلة، إلا قتلت بها. قلت: ثم مه؟ قال: ثم أمر به إلى النار. قلت: ثم مه؟ قال: أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا الله، فبلغ ذلك ابن سيرين، فقال: إني لأرجو له، فبلغ قول ابن سيرين الحسن، فقال: أما والله ليخلفن الله رجاءَه فيه. وقد روى الحديث عن سَمُرة بن جندب وأنس وعبد الملك بن مروان وأبي بُردة. وروى عنه سعيد بن أبي عروبة ومالك بن دينار وحُميد الطويل وثابت البنانيّ والأعمش وأيوب السختيانيّ وغيرهم. وحكى أبو أحمد العسكريّ أن الناس غبروا يقرأون في مصحف عثمان بن عفان، ﵁، نيفًا وأربعين سنة، إلى أيام عبد الملك بن مروان، ثم كثر التصحيف، وانتشر بالعراق، ففزع الحجّاج بن يوسف إلى كتّابه، وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات، فيقال: إن نصر بن عاصم قام بذلك، فوضع النقط أفرادًا وأزواجًا، وخالف بين أماكنها، فغَبَر الناس بذلك زمانًا لا يكتبون إلا منقوطًا، فكان مع استعمال النقط أيضًا يقع التصحيف، فأحدثوا الإعجام، فكانوا يتبعون النقط، فإذا أغفل الاستقصاء عن الكلمة فلم توف حقوقها، اعترى التصحيف، فالتمسوا حيلة، فلم يقدروا فيها إلا على الأخذ من أفواه الرجال بالتلقين، وكان ينشد في مرضه هذين البيتين: يارب قد حلف الأعداء واجتهدوا ... أيمانهم أنني من ساكني النارِ أيحلفون على عمياء ويحهم ... ما ظنهم بعظيم العفو غَفَّارِ

стр. 3593

وكتب إلى الوليد بن عبد الملك كتابًا يخبره فيه بمرضه، وكان الوليد أبقاه وأقره على ما بيده بعد عبد الملك، وفي آخر الكتاب هذه الأبيات: إذا ما لقيت الله عني راضيًا ... فإن سرور النفس فيما هنا لكِ فحسبي حياة الله من كل ميت ... وحسبي بقاء الله من كل هالكِ لقد ذاق هذا الموت من كان قبلنا ... ونحن نذوق الموت من بعد ذلكِ ولما حضرته الوفاة أحضر منجمًا، فقال له: هل ترى في عِلمك مَلِكًا يموت؟ قال: نعم. ولست هو. فقال: وكيف ذلك؟ قال المنجّم: لأن من يموت اسمه كليب، فقال الحجاج: أنا هو والله، بذلك سمتني أمي، فأوصى عند ذلك، وكان مرضه بالأكلة وقعت في بطنه، ودعا بالطبيب لينظر إليها، فأخذ لحمًا وعلقه في خيط وسرحه في حلقه وتركه ساعة، ثم أخرجه وقد لصق به دود كثير، وسلّط الله عليه الزمهرير، فكانت الكوانين تجعل حوله مملوءة نارًا، وتُدنى منه حتى تحرق جلده، وهو لا يحس بها. وشكا ما يجده إلى الحسن البصريّ، فقال له: قد كنت نهيتك أن تتعرض إلى الصالحين، فلججت. فقال له: يا حسن، لا أسالك أن تسال الله أن يفرّج عني، ولكن أسالك أن تسأله أن يُعجِّل قبض روحي، ولا يطيل عذابي، فبكى الحسن بكاء شديدًا. وأقام الحجاج على هذه الحالة خمسة عشر يومًا، والذي قال غير الطبريّ: إنه لما جاء نعي الحجاج إلى الحسن البصريّ، سجد لله تعالى شكرًا، وقال: اللهم إنَّك قد أمتَّه ... إلخ. وكان قد رأى في منامه أن عَينيه قد قُلعتا، وكانت عنده هند بنت المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وهند بنت أسماء بن خارجة، فطلق الهندين اعتقادًا منه أن رؤياه تتأوّل بهما، وكانت وفاته لتسع بقين من شهر رمضان سنة خمس وتسعين بمدينة واسط، ودفن بها، وعفا قبره، وأُجريَ عليه الماء. ومدينة واسط هو الذي بناها بين البصرة والكوفة في ثلاث سنين. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين،

стр. 3594

والقول في أربعة، وفيه السؤال، وتابعيان، ورواته ما بين بصريّ ومدنيّ وكوفيّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي الصلاة أيضًا، ومسلم وأبو داود والنَّسائيّ فيها.

стр. 3595

الحديث الثامن والثلاثون حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. وقوله: "إذا توارت بالحجاب"، أي: استترت، والمراد الشمس، وأضمرها اعتمادًا على فهم السامعين، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، وذكر المغرب قرينة دالة على المقدّر، وقد رواه مسلم عن يزيد بن عبيد، بلَفظ: "إذا غربت الشمس وتواترت بالحجاب" فدل على أن الاختصار في المتن من شيخ البخاريّ. ورواه عبد بن حُميد والإسماعيليّ من وجه آخر، عن يزيد بن عبيد بلفظ: "كان يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس، حين يغيب حاجبها"، والمراد الذي يبقى بعد أن يغيب أكثرها، والرواية التي فيها توارت أصرح في المراد. رجاله ثلاثة: الأول: المكي بن إبراهيم، وقد مرَّ في السابع والعشرين، ومرَّ يزيد بن عبيد وسلمة بن الأكوع في الخمسين منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والقول في موضعين، والعنعنة في موضع، وهو من ثلاثيّات البخاريّ. أخرجه مسلم وأبو داود والترمذيّ وابن ماجه في الصلاة.

стр. 3596

الحديث التاسع والثلاثون حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ يَزيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ سَبْعًا جَمِيعًا، وَثَمَانِيًا جَمِيعًا. قوله: "سبعًا جميعًا، وثمانيًا جميعًا"، أي: صلى المغرب والعشاء سبعًا جمعًا، والظهر والعصر ثمانيًا، جمعًا، وقد استوفى الكلام على هذا الحديث في باب "الجمع بين الظهر والعصر، في وقت الظهر"، وقد استدل المصنف بهذه الأحاديث على ضعف حديث أبي بصرة المتقدم ذكره قبل هذا بحديثين. رجاله خمسة: الأول: آدم بن أبي إياس، والثاني: شُعبة، وقد مرّا في الثالث من الإيمان، ومرّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرّ جابر بن زيد في السادس من الغسل، ومرّ ابن عباس في الخاص من بدء الوحي. ثم قال المصنف: باب مَنْ كَرِهَ أن يقال للمغرب العشاء قال ابن المنير: عدل المصنف عن الجزم، كأن يقول: باب كراهية كذا، لا أن لفظ الخبر لا يقتضي نهيًا مطلقًا، لكن فيه النهي عن غلبة الأعراب على ذلك، فكأنَّ المصنف رأى أن هذا القدر لا يقتضي المنع من إطلاق العشاء عليه أحيانًا، بل يجوز أن يطلق على وجه لا تترك له التسمية الأخرى، كما ترك ذلك الأعراب وقوفًا مع عادتهم. قال: وإنما شرع لها التسمية بالمغرب لأنه اسم يشعر

стр. 3597

بمسماها أو بابتداء وقتها، وكره إطلاق اسم العشاء عليها لئلا يقع الالتباس بالصلاة الأخرى، وعلى هذا لا يكره أن تسمى العشاء بقيد، كان يقول: العشاء الأُولى، ويؤيده قولهم العشاء الآخرة، كما ثبت في الصحيح من حديث أنس الآتي في الباب الذي يليه، ونقل ابن بطال عن غيره أنه لا يقال للمغرب العشاء الأُولى، ويحتاج إلى دليل خاص، أما من حديث الباب فلا حجة له. وقال المهلب: إنما كره أن يقال للمغرب العشاء لأن التسمية من الله تعالى ورسوله، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.

стр. 3598

الحديث الأربعون حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لاَ تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاَتِكُمُ الْمَغْرِبِ". قَالَ: وَتَقولُ الأَعْرَابُ هِيَ الْعِشَاءُ. قوله: "حدثني عبدُ الله المزني"، كذا للأكثر لم يذكر اسم أبيه، وزاد في رواية: "هو ابن مغفل"، ووقع منسوبًا عند الإسماعيليّ وغيره في رواية عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه. وقوله: "لا تغلبنكم الأعراب"، قال الطيبيّ: يقال غلبه على كذا: غَصَبَه منه، أو أخذه منه قهرًا. والمعنى: لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعشاء، والعشاء بالعتمة، فيغصب منكم الأعراب اسم العشاء الذي سماها الله به، فالنهي على الظاهر للأعراب، وعلى الحقيقة لهم. وقال غيره: معنى الغلبة أنكم تسمونها اسمًا وهم يسمونها اسمًا، فإن سميتموها بالاسم الذي يسمونها به، وافقتموهم. وإذا وافق الخصم خصمه صار كأنّه انقطع له حتى غلبه، ولا يحتاج إلى تقدير غصب ولا أخذ. وقال التوربشتيّ: المعنى لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول بينهم، فيغلب مصطلحهم على الاسم الذي شرعته لكم، والأعراب مَنْ كان مِن أهل البادية، وإن لم يكن عربيًا، والعربي من ينتسب إلى العرب، ولو لم يسكن البادية. وقوله: على اسم صلاتكم، التعبير بالاسم يبعد قول الزهريّ إن المراد بالنهي عن ذلك أن لا تؤخر صلاتها عن وقت الغروب، وكذا قول ابن المنير: السر في النهى سد الذريعة لئلا تسمى عشاءً، فيظن امتداد وقتها عن غروب الشمس أخذًا من لفظ العشاء، وكأنه أراد تقوية مذهبه في أن وقت المغرب

стр. 3599

مضيّق، وفيه نظر، إذ لا يلزم من تسميتها المغرب أن يكون وقتها مضيقًا، فإنَّ الظهر سميت بذلك لأن ابتداء وقتها عند الظهيرة، وليس وقتها مضيقًا بلا خلاف. وقوله: "قال: وتقول الأعراب: هي العشاء"، جزم الكرمانيّ بأن فاعل قال هو عبد الله المزنيّ راوي الحديث، ويحتاج إلى نقل خاص لذلك وإلا فظاهر إيراد الإسماعيليّ أنه من تتمة الحديث، فإنه أورده بلفظ: "فإن الأعراب تسميها"، والأصل في مثل هذا أن يكون كلامًا واحدًا، حتى يقوم دليل على إدراجه. وسر النهي عن موافقتهم على ذلك أن لفظ العشاء لغة هو أول ظلام الليل، وذلك من غيبوبة الشفق، فلو قيل للمغرب عشاء لأدى إلى أن وقتها غيبوبة الشفق، ولا يتناول النهي تسمية المغرب عشاء على سبيل التغليب، كمن قال مثلًا: صليت العشاء، إذا قلنا إن حكمة النهي عن تسميتها عشاء خوف اللبس، لزوال اللبس في الصيغة المذكورة. وقد روى أبو مسعود الرازيّ هذا الحديث عن عبد الصمد بن عبد الوارث بلفظ: "لا تغلبنَّكم الأعرَاب على اسم صلاتكم، فإن الأعراب تسميها عتمة"، ووافقه غيره، وجنح الإسماعيليّ إلى ترجيح رواية أبي مسعود لموافقته حديث ابن عمر عند مسلم الآتي في صدر الباب الذي يليه، والذي يظهر أنهما حديثان أحدهما في المغرب، والآخر في العشاء، كانا جميعًا عند عبد الوارث بسند واحد. رجاله خمسة: الأول: أبو معمر، والثاني: عبد الوارث، وقد مرا في السابع عشر من العلم، ومرَّ الحسين المعلم في السادس من الإيمان، ومرَّ عبد الله بن بريدة في الخامس والثلاثين من الحيض. الخامس: عبد الله بن مُغَفَّل بن عبد غنم، ويقال ابن عبد نهم بن عفيف بن سحيم بن ربيعة بن عداء بن عثمان بن عمرو المزني. كان من أصحاب الشجرة، سكن المدينة ثم تحول عنها إلى البصرة، وابتنى بها دارًا

стр. 3600

قرب المسجد الجامع. يكنى أبا سعيد، وقيل: أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا زياد. قال الحسن: كان عبد الله بن مغفل أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر يفقِّهون الناس، وكان من نقباء أصحابه، وكان له سبعة أولاد. وعن معاوية بن قرة، قال: أول من دخل من باب مدينة تُسْتَر عبد الله بن مغفل المزنيّ، يعني يوم فتحها. وروى عنه عنترة أنه قال: "إني لآخذ بغصن من أغصان الشجرة التي بايع رسول الله ﷺ تحتها، أظله بها، فبايعناه على أن لا نَفِرّ"، وفي رواية: "إني لممن يرفع أغصان الشجرة عن وجه رسول الله ﷺ ، وهو يخطب". له ثلاثة وأربعون حديثًا اتفقا على أربعة، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بآخر. روى عنه جماعة من التابعين بالكوفة والبصرة. وأروى الناس عنه الحسن البصريّ، وهو أحد البكّائين في غزوة تبوك. مات بالبصرة سنة تسع وخمسين أو ستين، وأوصى أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي، فصلى عليه، وليس في الصحابة عبد الله بن مغفل سواه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في موضع، والقول. ورواته كلهم بصريُّون. وهذا الحديث من أفراد البخاريّ. ثم قال المصنف: باب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعًا أي هذا باب في بيان ذكر العشاء والعتمة في الآثار، من رأى إطلاق اسم العتمة على العشاء واسعًا، أي: جائزًا، والعَتَمة بالتحريك صلاة العشاء الآخرة. وقال الخليل: هي بعد غيبوبة الشفق، وأَعْتَم إذا دخل في العتمة، والعتمة الإبطاء؛ يقال: أعتم الشيء، وعَتَمَه إذا أخّره، وقد غاير المصنف بين هذه الترجمة والتي قبلها، مع أن سياق الحديثين الواردين فيهما واحد، وهو

стр. 3601

النهي عن غلبة الأعراب على التسميتين، وذلك لأنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إطلاق اسم العشاء على المغرب، وثبت عنه إطلاق اسم العَتَمة على العشاء، فتصرف المصنف في الترجمتين بحسب ذلك. والحديث الذي ورد في العشاء أخرجه مسلم عن ابن عمر، بلفظ: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، فإنها في كتاب الله العشاء، وإنهم يعتمون بحلاب الإبل"، ولابن ماجه نحوه بإسناد حسن عن أبي هريرة، ولأبي يعلى والبيهقيّ عن عبد الرحمن بن عوف كذلك. زاد الشافعيّ في روايته عن ابن عمر: "وكان ابن عمر إذا سمعهم يقولون العَتَمة صاح وغضب". وأخرج عبد الرزاق الموقوف من وجه آخر عن ابن عمر، وروى ابن أبي شيبة عن ميمون بن مِهران، قال: قلت لابن عمر: من أول من سمى صلاة العشاء العَتَمة؟ قال: الشيطان. واختلف السلف في ذلك، فمنهم من كرهه كابن عمر راوي الحديث، ومنهم من أطلق جوازه، نقله ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصِّديق وغيره، ومنهم من جعله خلاف الأولى، وهو الراجح، وسيأتي للمصنف قريبًا، وكذا نقله ابن المنذر عن مالك والشافعيّ، واختاره ونقل القرطبيّ: إنما نهى عن ذلك تنزيهًا لهذه العبادة الشرعية الدينية، عن أن يطلق عليها ما هو اسم لفِعلة دنيوية، وهي الحَلْبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت، ويسمونها العَتَمة، وذكر بعضهم أن تلك الحلبة إنما كانوا يعتمدونها في زمان الجدب خوفًا من السؤال والصعاليك، فعلى هذا فهي فعلة دنيوية مكروهة لا تطلق على فعلة دينية محبوية. وقال الطبري: العتمة بقية اللبن تغبق بها الناقة بعد هَوِيّ من الليل، فسميت الصلاة بذلك لأنهم كانوا يصلونها في تلك الساعة. ثم قال: وقال أبو هُريرة عن النبيِّ ﷺ : "أثقل الصلاة على المنافقين العشاء والفجر". وقال: "لو يعلمون ما في العتمة والفجر ... " شرع المصنف في إيراد أطراف أحاديث محذوفة الأسانيد، كلّها صحيحة مخرّجة في أمكنة أخرى، حاصلها ثبوت تسمية هذه الصلاة تارة عشاء، وتارة عتمة. وأما الأحاديث التي لا تسمية فيها، بل فيها إطلاق الفعل كقوله: "أعتم النبي صلى الله تعالى عليه

стр. 3602

وسلم" ففائدة ايراده لها الإشارة الى أن النهي عن ذلك إنما هو لإطلاق الاسم، لا لمنع تأخير هذه الصلاة عن أول الوقت. وأبو هريرة مرّ في الثاني من الإيمان، والأول أسنده البخاريّ في فضل العشاء في جماعة، والثاني أسنده في باب الاستفهام في الأذان والشهادات. ثم قال: قال أبو عبد الله: والاختيار أن يقول: "العشاء"، لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ أبو عبد الله هو المصنف، وقد قال ابن المنير: هذا لا يتناوله لفظ الترجمة، لأن لفظ الترجمة يشعر بالتسوية، وهذا ظاهر في الترجيح. وفيما قاله نظر، إذ لا تنافي بين الجواز والأولوية، فالشيئان، إذا كانا جائزي الفعل، قد يكون أحدهما أولى من الآخر، وإنما صار عنده أولى لموافقته لفظ القرآن، ويترجح أيضًا بأنه أكثر ما ورد عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وبأن تسميتها عشاء يُشعر بأول وقتها، بخلاف تسميتها عتمة، لأنه يُشعر بخلاف ذلك، وبأن لفظه في الترجمة لا ينافي ما ذكر أنه الاختيار، لأنه أشار بالترجمة إلى الخلاف، وما فيه الخلاف لا يمتنع فيه الاختيار. ثم قال: ويذكر عن أبي موسى، قال: "كنا نتناوب النبيّ ﷺ عند صلاة العشاء، فأَعْتَم بها. كأنه لم يجزم به، لأنه اختصر لفظه، قد أجاب بذلك من اعترض على ابن الصلاح حيث فرق بين الصيغتين، وحاصل الجواب أن صيغة الجزم تدل على القوة، وصيغة التمريض لا تدل. ثم بين مناسبة العدول في حديث أبي موسى عن الجزم، مع صحته إلى التمريض، بأن البخاري قد يفعل ذلك لمعنى غير التضعيف، وهو ما ذكر من ايراد الحديث بالمعنى، وكذا الاقتصار على بعضه لوجود الاختلاف في جوازه، وإن كان المصنف يرى الجواز. وهذا التعليق وصله البخاريّ في باب فضل العشاء مطولًا بعد باب واحد، وأبو موسى مرَّ في الرابع من الإيمان. ثم قال: وقال ابن عباس وعائشة: "أعتم النبيُّ ﷺ ". قوله: "أعتم"، أي:

стр. 3603

دخل في وقت العَتَمة، ويطلق "أعتم" بمعنى "أَخَّر"، كما مرَّ. وحديث ابن عباس وصله في باب النوم قبل العشاء، وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي، وحديث عائشة وصله في باب فضل العشاء، وباب النوم قبل العشاء، وعائشة مرت في الثاني من بدء الوحي. ثم قال: وقال بعضهم عن عائشة: "أعتم النبي ﷺ بالعتمة" وهذا التعليق وصله البخاريّ في باب "خروح النساء إلى المساجد بالليل"، من طريق شعيب، عن الزهري، وأخرجه النّسائيّ أيضًا من هذا الطريق. وقال جابر: "كان النبي ﷺ يصلي العشاء". وهذا التعليق طرف من حديث وصله في باب "وقت المغرب"، وفي باب "وقت العشاء"، الذي يلى هذا الباب، وجابر مرَّ في الرابع من بدء الوحي. ثم قال: وقال أبو برزة: "كان النبي ﷺ يؤخر العشاء"، وهذا التعليق طرف من حديث وصله البخاري في باب "وقت العصر"، الذي مضى، وأبو برزة مرَّ في الثامن عشر من كتاب المواقيت. ثم قال: وقال أنس: "أخَّر النبي ﷺ العشاء الآخرة"، وهذا التعليق طرف من حديث وصله البخاري في باب "وقت العشاء" إلى نصف الليل، يأتي قريبًا إن شاء الله، وأنس مرَّ في السادس من الإيمان. ثم قال: وقال ابن عمر وأبو أيوب وابن عباس: "صلى النبي ﷺ المغرب والعشاء"، أما حديث ابن عمر وأبي أيوب، فقد وصلهما البخاري في لفظ الأول: "صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا"، ولفظ الثاني: "جمع في حجة الوداع بين المغرب والعشاء"، وأما حديث ابن عباس، فقد وصله في باب "تأخير الظهر إلى العصر" فيما مرّ، وابن عمر مرّ أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرّ أبو أيوب الأنصاري في العاشر من الوضوء، ومرَّ ابن عباس في الخامس من الوحي.

стр. 3604

الحديث الحادي والأربعون حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاَةَ الْعِشَاءِ، وَهْيَ الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ". قوله: "صلى لنا"، أي لأجلنا، أو اللام بمعنى الباء، ومعنى اللام صلى إمامًا لنا، وإلا فالصلاة لله. وقوله: "وهي التي يدعو الناس العَتَمة"، تقدم نظير ذلك في حديث أبي برزة في قوله: "وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة"، وفي كل هذا إشعار بغلبة استعمالهم لها بهذا الاسم، فصار من عرف النهي عن ذلك يحتاج إلى ذكره لقصد التعريف. قال النووي وغيره: بين النهي عن تسميتها عتمة، وبيّن ما جاء من تسميتها عتمة بأمرين: أحدهما: أنه استعمل ذلك لبيان الجواز، وأن النهي للتنزيه لا للتحريم. والثاني: بأنه خاطب بالعتمة من لا يعرف العشاء، لكونه أشهر عندهم من العشاء، فهو لقصد التعريف لا لقصد التسمية، ويحتمل أنه استعمل لفظ العتمة في العشاء، لأنه كان مشتهرًا عندهم استعمال لفظ العشاء للمغرب، فلو قال: لو يعلمون ما في الصبح والعشاء، لتوهموا أنها المغرب، وهذا ضعيف، لأنه قد ثبت في نفس الحديث: "لو يعلمون ما في الصبح والعشاء" فالظاهر أن التعبير بالعشاء تارة، والعتمة تارة، من الرواة. وقيل: إن النهي عن تسمية العشاء عتمة نسخ بالجواز، وتُعقب بأن نزول الآية كان قبل الحديث المذكور، وفي كل من القولين نظر، للاحتياج في مثل

стр. 3605

ذلك إلى التاريخ، ولا بعد في أن ذلك كان جائزًا، فلما كثر إطلاقهم له نهوا عنه، لئلا تغلب السنة الجاهلية على السنة الإسلامية، ومع ذلك فلا يحرم ذلك، بدليل أن الصحابة الذين رووا النهي استعملوا التسمية المذكورة، وأما استعمالها في حديث أبي هُريرة، فدفع الالتباس بالمغرب. وقوله: "فقال: أرأيتم ليلتكم هذه ... " إلخ، مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب "السمر في العلم" من كتاب العلم. رجاله ستة: الأول: عبدان، والثاني: عبد الله بن المبارك، وقد مرّا في السادس من الوحي، ومرّ يونس بن يزيد في متابعات الرابع منه، ومرّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرّ سالم بن عبد الله في السابع من الإيمان، ومرّ أبوه عبد الله قبل ذكر حديث منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار بصيغته في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة في موضع، والقول. ورواية الابن عن أبيه بذكر اسمه، ورواته ما بين مروزيّ ومدنيّ وأيليّ، ورواية تابعيّ عن صحابيّ، ومرّ ذكر مواضعه عنده في باب "السمر في العلم". ثم قال المصنف: باب وقت العشاء إذ اجتمع الناس أو تأخروا أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال إنها تسمى العشاء إذا عُجّلت، والعتمة إذا أُخِّرت أخذًا من اللفظين، وأراد هذا القائل الجمع بوجه غير الأربعة المتقدمة، فاحتج عليه المصنف بأنها قد سميت في حديث الباب، في حال التقديم والتأخير باسم واحد.

стр. 3606

الحديث الثاني والأربعون حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْر، وهُوَ ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلاَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ. وهذا الحديث مرَّ في باب وقت المغرب، ومرَّ الكلام عليه. رجاله خمسة: الأول: مسلم بن ابراهيم، وقد مرَّ في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرّ سعد بن إبراهيم في السابع والأربعين من الوضوء ومرّ محمد بن عمرو بن الحسن في السابع والثلاثين من كتاب المواقيت هذا، ومرّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي، ومرّ الكلام على مواضع إخراجه عند ذكره في السابع والثلاثين. ثم قال المصنف: باب فضل العشاء قال في "الفتح": لم أر من تكلم على هذه الترجمة، فإنه ليس في الحديثين اللذين ذكرهما المؤلف في هذا الباب ما يقتضي اختصاص العشاء بفضيلة ظاهرة، وكأنَّه مأخوذ من قوله: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم، فعلى هذا في الترجمة حذفٌ تقديره: "باب فضل انتظار العشاء".

стр. 3607

الحديث الثالث والأربعون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلاَمُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ فَقَالَ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ: "مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ". قوله: "عن عروة"، عن مسلم في رواية يونس عن ابن شهاب: "أخبرني عروة"، وقوله: "وذلك قبل أن يفشو الإسلام"، أي: في غير المدينة، وإنما فشا الإسلام في غيرها بعد فتح مكة. وقوله: "حتى قال عمر"، زاد المصنف في رواية صالح عن ابن شهاب، في باب "النوم قبل العشاء": "حتى نادى عمر الصلاة" وهي بالنصب بفعل مضمر تقديره صل الصلاة مثلًا، وساغ هذا الحذف لدلالة السياق عليه. وقوله: "نام النساء والصبيان"، أي: الحاضرون في المسجد، وإنما خصهم بذلك لأنهم مِظنة قلة الصبر عن النوم، ومحل الشفقة والرحمة بخلاف الرجال. وسيأتي في حديث ابن عمر قريبًا: "حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا" ونحوه في حديث ابن عباس، وهو محمول على أن الذي رقد بعضهم لا كلهم، ونسب الرقاد إلى الجميع مجازًا. وقوله: "ما ينتظرها أحد غيركم"، وذلك إما لأنه لا يُصَلّى حينئذ إلا بالمدينة، أي: لا يصلّى بالهيئة المخصوصة، وهي الجماعة، إلا بها. وبه صرح الداووديّ، لأن من كان بمكة من المستضعفين لم يكونوا يصلُّون إلا سرًّا"، وأما غير مكة والمدينة من البلاد فلم يكن الإسلام دخلها. وقوله: "غيركم"، يحتمل الرفع على أنه نعت لأحد، أو بدل منه، والنصب على

стр. 3608

الاستثناء. ودل لفظ: "أعتم ليلةً" على أن غالب أحواله ﵊ كان تقديم العشاء. رجاله ستة: وفيه ذكر عمر. الأول: يحيى بن بكير، وقد مرَّ هو والليث وعقيل وابن شهاب في الثالث من الوحي، ومرّ عروة وعائشة في الثاني منه، ومرَّ عمر في الأول منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، والإخبار بتأنيث الفعل، والقول، ورواية التابعيّ عن التابعيّ، عن الصحابية.

стр. 3609

الحديث الرابع والأربعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولاً فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، فَأَعْتَمَ بِالصَّلاَةِ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ، قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: "عَلَى رِسْلِكُمْ أَبْشِرُوا، إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ". أَوْ قَالَ: "مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ". لاَ يَدْرِى أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ. قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قوله: "في بقيع بطحان"، بفتح الموحَّدة وكسر القاف، المكانُ المتسع من الأرض، ولا يسمى بقيعًا إلا وفيه شجرٌ أو أُصولها. وبُطحان، بضم الموحدة وسكون الطاء، واد بالمدينة، وحكي فيه فتح الباء وكسر الطاء. وقوله: "نفر"، مرفوع لأنه فاعل يتناوب، والنفر عدة رجال من الثلاثة إلى عشرة. وقوله: "وله بعض الشغل في بعض أمره"، وروى الطبريّ من وجه صحيح عن جابر أن الشغل المذكور كان في تجهيز جيش. وقوله: "فأعتم في صلاة"، فيه دلالة على أن تأخير النبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم إلى هذه الغاية لم يكن قصدًا، ومثله في حديث ابن عمر الآتي قريبًا "شغل عنها ليلة"، وكذا قول عائشة: "أعتم بالصلاة ليلةً" فهذا كلّه يدل على أن ذلك لم يكن من شأنه، والفصل في ذلك حديث جابر: "كانوا إذا اجتمعوا عجل، وإذا أبطأوا أخَّر".

стр. 3610

وقوله: "حتى ابْهارَّ الليل"، أي: طلعت نجومه واشتبكت، والباهر: الممتلىء نورًا، وقيل: ابهارّ الليل: كَثُرَت ظُلمته، وابهارّ القمر: كَثُر ضوءُه. وقيل: ابهارٌ انتصف، مأخوذ من بهرة الشيء، وهو وسطه، ويؤيده أن في بعض الروايات: "حتى إذا كانَ قريبًا من نصف الليل، وتأتي عن أبي سعيد، ويأتي في حديث أنس عند المصنف: "إلى نصف الليل"، وفي الصحاح: "ابهار الليل: ذهب معظمه وأكثره، وعند مسلم من رواية أم كلثوم عن عائشة: "حتى ذهب عامة الليل". وقوله: "على رِسلِكم" بكسر الراء ويجوز فتحها، والمعنى تأنَّوا. وقوله: "أبشروا"، من الإبشار. يقال: بَشَر وبَشَّر وأبْشَر بمعنى. وقوله: "إنَّ من نعم الله أنه"، بكسر همزة إن، وفتح همزة أنه خبر إن. واستدل بذلك على فضل تأخير صلاة العشاء، ولا يعارض ذلك فضيلة أول الوقت لما في الانتظار من الفضل، لكن قال ابن بطال: ولا يصح ذلك الآن للأئمة، لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بالتخفيف، وقال: "إن فيهم الضعيف وذا الحاجة"، فتَرْكُ التطويل عليهم في الانتظار أَوْلى، وقد روى أبو داود والنَّسائيّ وابنُ خُزيمة وغيرهم، عن أبي سعيد: "صلينا مع رسول الله ﷺ العَتَمة، فلم يخرج حتى مضى نحوٌ من شطر الليل، فقال: "إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم، وحاجة ذي الحاجة، لأخَّرتُ الصلاة إلى شطر الليل". ويأتي في حديث ابن عباس قريبًا: "لولا أن أَشُقَّ على أُمَّتي لأَمرتهم أن يصلُّوها هكذا"، وللتِّرمذيَّ وصححه، عن أبي هُريرة: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه"، فعلى هذا من وجد قوة على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين، فالتأخير في حقه أفضل. وقال العيني: قال أصحابنا: إن كان القوم كسالى يستحب التعجيل، وإن كانوا راغبين يستحب التأخير، وقد مرّ باقي الكلام عليه في باب "وقت المغرب"، عند حديث جابر.
следующие страницы →