← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بمولده، ويبذُلُ ما تصل إليه قدرته في محبته، ﵊، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم. قلت: ولأجل هذا المعنى ما زال المسلمون يُعظِّمون المولد الشريف، جاعلين له عيدًا أعظم من كل عيد، وهو حقيقٌ بذلك وجدير. وأرضعت ثويبة معه ﷺ حمزة بن عبد المطلب، وأبا سلمة بن عبد الأسد، وكان النبي ﷺ يُكرمها، وكانت تدخل عليه بعد أن تزوج خديجة، فكانت خديجة تُكرمها، وكان يبعث إليها من المدينة بكسوة وصلة إلى أن ماتت بعد فتح خيبر فبلغته ﷺ وفاتها؛ فسأل عن ولدها مسروح الذي أرضعته بلبنه، فقيل له: قد مات، ثم سأل عن قرابتها، فقيل له: لم يبق منهم أحد. ثم بعد ثويبة كان استرضاعه في بني سعد بن بكر، أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية وما رأته حليمة من الخوارق من يوم أرضعته شهير كثير جدًا، من دَرٍّ شارفها، ونطق أتانها، وخِصب غنمها، وكثرة لبنها، وغير ذلك مما لا يُحصى، وكانت تقول في ترقيصها له ﵊. يا ربِّ إذ أعطيتَه فأبْقِهِ وأَعْلِهِ إلى العُلى وأَرقِهِ وادْحَضْ أباطيلَ العِدا بِحَقِّه وكانت الشيماء أخته من الرضاعة تقول. هذا أخٌ لي لَمْ تَلِدْه أُمِّي ... ولَيس مِنْ نَسلِ أبي وعمِّي فديته مِنْ مخولٍ مُعِمِّ ... فأَنْمِهِ الَّلهُمَّ فِيما تَنْمي رد حليمة له إلى أمه ﷺ وأخبار إرضاع حليمة له شهيرة، ثم ردته حليمة إلى أمه بعد خمس سنين ويومين من مولده، وذلك سنة ست من عام الفيل. ولما بلغ ستَّ سنين خرجت به أمه إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم،

стр. 72

ومعه أم أيمن، فنزلت به دار التبابعة، فأقامت عندهم شهرًا، فكان ﷺ يذكر أمورًا كانت في مقامه ذلك، ونظر إلى الدار، فقال: ها هنا نزلت بي أمي، وأحسنتُ العوم في بئر بني عدي بن النجار، وكان قوم من اليهود يختلفون، ينظرون إلي، فقالت أم أيمن: سمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة، وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامهم، ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانت بالأبواء توفيت. موت أمه آمنة صلى الله تعالى عليه وسلم قالت أسماء بنت رهم عن أمها: شهدت آمنة أمَّ النبي ﷺ في علتها التي ماتت فيها، ومحمد ﷺ عند رأسها، وهو ابن خمس سنين، فنظرت إلى وجهه فقالت: بارَكَ ربِّي فيكَ مِن غُلام ... يا ابنَ الذي من حَوْمَةِ الحمام تبايعوا في الملك النعام ... فُودِيَ غَداةَ الضَّربِ بالسِّهامِ بمائةٍ مِن إبلٍ سَوَام ... إن صَحَّ ما أبصرتُ في المَنَامِ فأَنْت مبعوثٌ إلى الأنام ... مِن عند ذي الجلالِ والإكرامِ تُبعَثُ في الحِلِّ وفي الحَرام ... تُبْعَثُ في التحقيق والإِسلام دين أبيكَ البَرِّ إبراهامِ ... فالله أنهاك عن الأَصْنامِ أن لا تواليها مع الأقوامِ ثم قالت: كُلُّ حي ميت، وكُلُّ جديد بال، وكُلُّ كثير يفنى، وأنا ميتة، وذكري باق، وقد تركتُ خيرًا، وولدتُ طهرًا، ثم ماتت، وكنا نسمع نوحَ الجن عليها، فحفظنا من ذلك هذه الأبيات: نَبْكي الفَتاةَ البَرَّةَ الأمينَهْ ... ذاتَ الجَمال العَفَّةَ الرَّزينَهْ زوجَةَ عبدِ الله والقَرينهْ ... أم نبيِّ اللهِ ذي السَّكينهْ وصاحِبِ المنبرِ بالمَدينهْ ... صارت لدى حَضرتها رَهينَهْ

стр. 73

وكونها ماتت بالأبواء، وهو ابنُ ست سنين، هو الصحيح، وقيل: ماتت وهو ابن أربع، وقيل خمس، وقيل: سبع، وقيل: تسع، وقيل: اثنتي عشرة سنة وشهر، أو عشرة أيام، وقيل: ماتت بشعب أبي ذئب بالحَجُون. وفي "القاموس": ودار رائعة بمكة فيها مدفن آمنة أم النبي ﷺ وكانت أمُّ أيمن بَركةُ دايتَه، وحاضِنته بعد موت أمه، وكان ﵊ يقول لها: أنتِ أُمي بعد أمي. موت جده عبد المطلب ثم لما بلغ ثمان سنين أو ثمانيًا وشهرًا وعشرة أيام، أو تسع سنين، أو عشرًا على الخلاف، مات جده عبد المطلب، وله عشرة ومائة سنة، وقيل: مائة وأربعون سنة. وكفله بعده أبو طالب، واسمه عبد مناف، وكان عبد المطلب قد أوصاه بذلك، لكونه شقيق عبد الله، فصار في حجر عمه أبي طالب، وكان يحبه حتى إذا بلغ خمس عشرة سنة انفرد بنفسه. قصة بحيرى الراهب ولما بلغ ﷺ اثنتي عشرة سنة، أو ثلاث عشرة، خرج في تجارة مع عمه أبي طالب، حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرى الراهب -بفتح الموحدة، وكسر الحاء، بعدها ياء، ثم راء وألف مقصورة- واسمه جرجيس، فعرفه بصفته، فقال: وهو آخذ بيده: هذا سيدُ العالمين، هذا يبعثه الله رحمةً للعالمين، فقيل له: فما علمك بذلك؟ قال: إنَّكم حين أشرفتم به من العقبة، لم يبق شجر ولا حجرٌ إلا وخر ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أَعرفُه بخاتم النبوة في أسفَل من غُضرُوف كتفه مثلَ التفاحة، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يردَّه خوفًا عليه من اليهود. والحديث أخرجه ابن أبي شيبة وفيه: أنه، ﵊، أقبل وعليه غمامة تظله، وعند البيهقي، وأبي نعيم: أن بحيرى رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة بيضاء تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت

стр. 74

الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها ..... الحديث. وفيه أن بحيرى قام واحتضنه، وأنه جعل يسأله عن أشياء من حاله، من نومه، وهيئته، وأموره، ورسول الله ﷺ يخبره، فيوافق ذلك ما عنده من صفته، ورأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. وخرج الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه: أن في هذه السفرة أقبل سبعة من الروم يقصِدُون قتله ﷺ فاستقبلهم بحيرى؛ فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبي خارج في هذا الشهر، ولم يبق طريق إلا بعث إليها بأناس، قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوا، وأقاموا معه، وردَّه أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالا. وضعف الذهبي هذا الحديث، لقوله في آخره: "وبعث معه أبو بكر بلالا، فإن أبا بكر إذ ذاك لم يكن متأهلًا ولا اشترى بلالا. قال ابن حجر في "الإصابة": الحديث رجاله ثقات: وليس فيه ما ينكر سوى هذه اللفظة، فتحمل على أنها مدرجة مقتطعة من حديث آخر، وهمًا من أحد رواته. قصة نسطورا الراهب ثم خرج ﷺ ، ومعه ميسرة، غلام خديجة ابنة خويلد بن أسد، في تجارة لها، حتى بلغ سوق بصرى، أو سوق حباشة، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة، لأربع عشرة ليلة، بقيت من ذي الحجة، فنزل تحت ظل شجرة، فقال نسطورا الراهب: ما نزل تحت ظل هذه الشجرة إلا نبي، وفي رواية: بعد عيسى. وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يُظلانه من الشمس، ولما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة، وخديجة في عِلِّيَةٍ لها، فرأت رسول الله ﷺ وهو على بعيره، وملكان يُظللان عليه. أخرجه أبو نعيم. وتزوج ﷺ بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يومًا -وقيل: سنة إحدى وعشرين، وقيل: سنة ثلاثين- خديجة، وكانت تُدعى في الجاهلية

стр. 75

بالطاهرة. وقد استوفينا ترجمتها، وتزويجه بها في كتاب بدء الوحي من هذا الكتاب، ثم شهد رسول الله ﷺ بنيان الكعبة، وتراضت قريش بحكمه في موضع الحجر بعد ذلك بعشر سنين، وذلك سنة ثلاث وثلاثين، وقال محمَّد بن جبير: بنيت الكعبة على رأس خمس وعشرين من عام الفيل، وقيل: بل كان بين بنيان الكعبة، ومبعث النبي ﷺ خمس سنين. وقت البعثة ولما بلغ رسول الله ﷺ أربعين سنة، وقيل: وأربعين يومًا، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرين، يوم الاثنين، لسبع عشرة، خلت من رمضان، وقيل: لسبع، وقيل: لأربع وعشرين ليلة. وقال ابن عبد البر: يوم الاثنين، لثمان من ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين من الفيل. وقيل: في أول ربيع، بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، ورسولًا إلى كافة الناس أجمعين، وقولُ بعض العلماء تنبأه الله تعالى، وهو ابن أربعين، المراد به بعثه وإرساله للناس، لا أصل النبوة، لأنه ﷺ كان نبيًا وآدم منجدلٌ في طينته، وولد نبيًا، وقد حررنا ذلك في أول "الفتوحات الربانية". ولما أوحى الله إليه، ﵊، أسرَّ أمره ثلاث سنين أو نحوها. ثم أمره بإظهار دينه، والدعاء إليه، فأظهره بعد ثلاث سنين من مبعثه. وأخرج ابن عبد البر، وأحمد بن حنبل عن الشعبي قال: أُنزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل، ﵇، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين، قرن بنبوته ﷺ ، جبريل، ﵊، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة. ولما دعا قومه إلى دين الله تعالى لم يبعدوا منه، ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم، وعابها، وكان ذلك في سنة أربع، فأجمعوا على خلافه، وعداوته إلا من عصمه الله تعالى منهم بالإِسلام.

стр. 76

وحَدَبَ عليه عَمُّه أبو طالب، ومنعه، وقام دونه، واشتدت العداوةُ، وتذامرت قريش على تعذيب من أسلم، وافتتانه، ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب، وبني هاشم، غير أبي لهب، وبني المطلب؛ واجتمعت قريش، وطلبت من أبي طالب أن يسلم لهم النبي ﷺ فقال لهم: حين تروح الإِبل، فإن حنت ناقة على غير فصيلها، دفعته لكم، وقال: واللهِ لَنْ يَصِلوا إليكَ بجَمعهمْ ... حَتى أُوَسَّدَ في التُّراب دَفينَا فاصْدَعْ بأَمرِكَ ما عليكَ غَضاضةً ... وابشرْ وَقَرَّ بذاكَ مِنْكَ عُيونا ودَعَوْتني وزَعَمْتَ أَنك ناصحي ... ولَقد صَدَقْتَ وكُنْتَ ثَمَّ أمينا وعَرَضْتَ دينًا لا مَحَالَة أنَّه ... مِنْ خَيرِ أَديانِ البَرِيَّةِ دِينا وحاصرت قريش النبي ﷺ ، وأهل بيته بني هاشم، ومعهم بنو المطلب في الشعب بعد المبعث لست سنين، فمكثوا في ذلك الحصار ثلاث سنين، وخرجوا منه في أول سنة خمسين من عام الفيل. وتوفي أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وتوفيت خديجة بعده بثلاثة أيام، وقيل: بسبعة، وقيل: بشهر وخمسة أيام، وتوفي أبو طالب، وهو ابن بضع وثمانين سنة، وتوفيت خديجة وهي بنت خمس وستين سنة؛ فكان مكثُها مع النبي ﷺ خمسًا وعشرين سنة. وتوالت على النبي ﷺ مصيبتان بوفاة عمه، ووفاة خديجة. وقد استوفينا في كتاب الاستسقاء ما قيل في أبي طالب، حيث جاء ذكره هناك وكان أبو طالب قد أسلم ولده عليًا إلى رسول الله ﷺ ، وذلك أن قريشًا أصابتهم أزمةٌ شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال النبي، ﵊، لِعمه العباس، وكان من أيسر بني هاشم: يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، فانطلق بنا، فلنخفف عنه من عياله، فقال: نَعَمْ، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب وقالا له: إنا نُريد أن نخفف من عيالك حتَّى يكشِفَ الله عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلًا فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله ﷺ عليًا، وضمه إليه، وأخذ العباس جعفرًا وضمه إليه، ولم يزل علي

стр. 77

مع رسول الله ﷺ إلى أن بعثه الله تعالى وآمن به، وإلى أن زوجه ابنته، فاطمة الزهراء، ولم تمت خديجة فيما ذكره ابن إسحاق وغيره إلا بعد الإسراء، وبعد أن صلت الفريضة مع رسول الله ﷺ . ولما توفي أبو طالب وخديجة، خَرَجَ رسول الله ﷺ إلى الطائف، ومعه زيدُ بن حارثة، يطلب منهم المنَعَةَ، فأقام عندهم شهرًا، ولم يجد فيهم خيرًا، ثم رجع إلى مكة في جوار المطعم بن عدي، وكان ذلك سنة إحدى وخمسين من الفيل. وكان بين الإسراء واليوم الذي هاجر فيه النبيُّ ﷺ إلى المدينة سنة وشهران، وكان مكثُه ﷺ بمكة بعد مبعثه صابرًا على أذى قريش، وتكذيبهم له، داعيًا إلى الله تعالى إلى أن أَذِنَ له في الهجرة إلى المدينة، وذلك بعد أن بايعه وجُوْهُ الأوس والخزرج، بالعقبة، على أن يُؤووه وينصروه، حتى يُبَلِّغَ عن الله تعالَى رسالته، ويُقاتِلَ من عانده، وخالفه، فهاجر إلى المدينة، وكانت بيعة العقبة أواسط أيام التشريق في ذي الحجة. مخرجه إلى المدينة وكان مخرج النبي ﷺ إلى المدينة بعد العَقَبَة بشهرين وليال، كما قال ابن إسحاق، وابن عبد البر، وقال الحاكم: بثلاثة أشهر أو قريبًا منها، وخرج لهلال ربيع الأول من مكة، وقدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، قال في "الفتح": وعلى هذا خروجه كان يوم الخميس، وقال الحاكم: إن خروجه كان يوم الاثنين، ودخوله المدينة كان يوم الاثنين. ويجمع بينهما بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس، وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين، لأنه أقام فيه ثلاث ليال، ليلة الجمعة، وليلة السبت، وليلة الأحد، وخرج أثناء ليلة الاثنين، وأمره جبريل أن يستصحِبَ معه أبا بكر، ولم يرافقه غيره من أصحابه فيها، وكان يخدمهما في ذلك السفر عامرُ بن فهيرة. وحديث هجرتهما أخرجه البخاري وغيره.

стр. 78

مكثه بمكة بعد البعثة وكان مكثه بمكة بعد أن بعثه الله تعالى ثلاث عشرة سنة، وقيل: عشر سنين، وقيل: خمس عشرة سنة، والأول أشهر قال صرمة: ثَوى في قُريشٍ بِضْعَ عشرة حِجَةً ... يُذَكِّرُ لَو يلْقى صَديقًا مُوافيًا قدومه المدينة وكان عند هجرته ابن ثلاث وخمسين سنة، وقدم المدينة يوم الاثنين على الصحيح قريبًا من نصف النهار في الضحى الأعلى، لاثنتي عشرة ليلة خَلَتْ من ربيع الأول، وكان عامر بن فُهيرة مولى أبي بكر الصديق يرعى عليهما مِنْحَةً مِن غنم، فيُريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء لياليهما في الغار، فيبيتان على رِسْلٍ -وهو لبنٍ- منحتهما، وكان أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، استأجر عبد الله بن الأُرَيْقط دليلًا، وهو على دين كفار قريش، ودفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صُبْحَ ثلاث، ولم يُعرف له إسلام، وانطلق معهم الدليل هذا وعامر بن فُهيرة، وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما لياليهما في الغار، ويأتيهما بما تتحدث به كفار قريش، ويُدْلِجُ من عندهما بِسَحَرٍ، ويكون كبائت بمكة، ونزلا عند قدومهما المدينة على أبي قَيْس كُلثوم بن الهِدْم بن امرئ القيس في حديث عمرو بن عوف، فأقاما عنده أربعة أيام، وقيل: بل كان نزوله في بني عمرو بن عوف على أبي خَيْثَمة، والأول أكثر، فأقام رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين، والثلاثاء، والخميس، وأسس مسجدهم، وخرج يوم الجمعة منتقلًا إلى المدينة، حتى مر ببني سالم لوقت الجمعة، فصلاها بهم في بطن الوادي، وهي أول جمعة جمعها رسول الله ﷺ بالمدينة، ثم ركب ناقته لا يحركها، ويقول: دعوها فإنها مأمورة، فمشت حتى بركت في موضع مسجده الذي أنزله الله فيه في بني النجار، فنزل عشية الجمعة سنة ثلاث وخمسين من عام الفيل، وأُرِّخَ التاريخ من مَقْدِمه

стр. 79

المدينة في زمان عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، آخى بين المهاجرين والأنصار بعد مقدمه بخمسة أشهر، ونزل عند أبي أيوب الأنصاري، ولم يزل عنده حتى بنى مسجده ومساكنه، ثم انتقل عنه، وذلك في السنة الأولى من الهجرة. قيامه بالمدينة وأقام بالمدينة عشر سنين، وبدأ مرضه الذي مات منه يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة في بيت مَيْمونة، ثم انتقل حين اشتد وجعُه إلى بيت عائشة، وقُبِضَ ﵊ يوم الاثنين ضحى، في الوقت الذي دَخَلَ فيهَ المدينة، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، ودفن يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس، وقيل: بل دُفن ليلة الأربعاء. عدد غزواته وسراياه ﷺ وكانت غزواته ﷺ مدة إقامته بالمدينة ستًّا وعشرين، وقيل: سبعًا وعشرين، قاتل في تسع منها بنفسه الشريفة. وسراياه وبعوثه سبعة وأربعون. وأول مغازيه ﷺ الأبواء، وقيل: إن ودّان مرادفة لها، وقيل: متغايرتان، وأول بعوثه بعث حمزة بن عبد المطلب بعثه إلى سيف البحر في ثلاثين راكبًا، يعترض عيرًا لقريش، فكان أول من غزا في سبيل الله، وأول من عقدت له راية في الإِسلام. ثم سرية عُبَيْدة بن الحارث كانت قبل سرية حمزة، وقيل إنهما كانتا معه. وِاعتمر ﷺ ثلاث عمر وفي قول من جعله في حجته قارنًا: أربع عمر، وافتُرِض عليه الحج وسائر الفرائض بالمدينة إلا الصلاة، فإنها افترضت عليه ليلة الإسراء، وهو بمكة، ولم يَحُجَّ ﷺ بالمدينة غير حجته الواحدة، حجة الوداع، وذلك في سنة عشر من الهجرة. وحرم عليه جميع ما حرم بالمدينة المنورة.

стр. 80

سِنه ﵊ واختلف في سِنه يوم قُبِضَ، فقيل: ثلاث وستون، وهو الصحيح، وقيل: ستون، وقيل: خمس وستون. أزواجه ﵊ وتزوج ﷺ عددًا كثيرًا من النساء، وخُص من ذلك دون أمته بجمع أكثر من أربع، وأُحِلَ له منهن ما شاء، والمُجمع عليه من نسائه إحدى عشرة امرأة، جمعها بعض العلماء في بيت مشيرًا بالحرف الأول من كل كلمة إلى الحرف الأول من اسم إحداهن، مُرَتبًا لهن على ترتيب تزويجه ﵊ بهن فقال: خَليليَّ سَبَى عَقْلي حُلى زَيْنِ هَالَةٍ ... زَهَا جَفْنها رَمْزًا صَحيحًا مُهَذّبا الخاء لخديجة بنت خويلد، والسين لسَوْدة بنت زَمْعة، والعين لعائشة بنت أبي بكر الصديق، والحاء لحَفْصة بنت عمر بن الخطاب، والزاي الأولى لزينب بنت خُزَيْمة، والهاء لهند بنت أبي أمية، والزاي الثانية لزينب بنت جحش، والجيم لجُوَيْرية بنت الحارث المُصْطَلِقيَّة، والراء لرَمْلة بنت أبي سفيان، والصاد لصَفِيّة بنت حُيَيّ بن أخطب، والميم لمَيْمونة بنت الحارث الهِلالية. ولم يمت في حياته ﷺ منهن سوى اثنتين، خديجة بنت خُويلد، وزينب بنت خُزَيْمة، وتُوفي ﵊ عن تسع نسوة جمعها القائل في قوله: تُوفي رسولُ اللهِ عن تِسْع نِسْوَةٍ .. إليْهنَّ تُعْزى المُكْرماتُ وتُنسَبُ فعائِشةٌ وحَفْصَةٌ ثُمَّ سَوْدَةٌ ... ورَمْلةٌ تتْلوهُنَّ هِنْدٌ وزَينَبُ جُوَيْريَّة مَيْمونَةٌ وصَفِيَّةٌ ... فخُذ هؤلاء نَظْمُهُّنَ مُهَذَّبُ ويأتي إن شاء الله تعالى تعريف كُلِّ واحدة منهن عند ذكرها في

стр. 81

صحيح البخاري، ست منهن من قريش، وواحدة من بني إسرائيل من وَلَدِ هارون، ﵊، وأربع من سائر العرب. هذه الإِحدى عشرة هي المُجْمَعُ عليها، وأما المختلف فيهن ممن ابْتَنَى بها وفارَقَها، أو عَقَدَ عليها ولم يَدخل بها، أو خَطَبَها ولم يَتِمَّ له العقد عليها، فقد اختلف فيهن، وفي أسباب فراقهن اختلافًا كثيرًا يوجب التوقف عن القطع بالصحة في واحدة منهن، وإذا جاء في البخاري إيماءٌ لواحدة منهن عرفناها إن شاء الله تعالى. أولاده ﵊ وأما أولاده ﵊، فأربع بنات بلا خِلاف، زينب وهي أكبرهن، ورُقَيَّة، وأم كلثوم، وفاطمة الزهراء، ويأتي تعريف كل واحدة منهن إن شاء الله تعالى، عند ذكر البخاري لها ولو بالإِيماء والإشارة. وله ﷺ من الذكور ثلاثة على الصحيح: القاسم وهو أكبرُ ولده، وبه كُنِيَ ﵊، وعبد الله ويُلقب بالطيب، والطاهر، لأنه ولد بعد المبعث، والثالث إبراهيم، وقيل: أربعة، القاسم، والطيب، وعبد الله وهو الطاهر، وإبراهيم. وجميع ولده من خديجة إلا إبراهيم، فإنه من مارية القِبْطِيَّة. ونظم بعضُهم أولاده مُرَتبًا لهم على الصحيح في الولادة فقال: فأَوَّلُ وُلْدِ المُصطفى قاسِمُ الرِّضا ... به كُنِّي المُختارُ فافْهَم وحَصِّلا وزَينَبُ تَتلوهُ رُقَيَّةُ بَعدها ... كذا أُمُّ كُلثومٍ تُعَدُّ على الولا وفاطِمَةُ الزَّهراءُ خَتْمُ بناتِهِ ... بالاسلامِ عبْد الله جاء مُكَمِّلا وكُلُّهمُ كانوا لَهُ مِنْ خَديجةٍ ... وقَدْ جاءَ إبراهيمُ في طَيْبَةٍ تَلا مِنَ المَرأةِ الحَسناءِ مارِيةٍ فقُلْ ... علَيْهِم سَلَام اللهِ مِسْكاً ومَنْدَلا

стр. 82

أسماؤه ﵊ وكان له ﷺ أسماء وصفات، جاءت عنه في أحاديث شتى، بأسانيد صحاح وحسان. ففي صحيح البخاري عن جُبَيْر بن مُطْعِم، قال رسول الله ﷺ : "لي خمسة أسماء، أنا محمَّد وأحمد، وأنا الماحِي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشِر الذي يُحشر الناس على قدمي وأنا العاقِب". وفي "فتح الباري" عن ابن دِحية، قال: أسماء النبي ﷺ عدد أسماء الله الحسنى تسعة وتسعون اسمًا، قال: ولو بحث باحث عنها لبلغت ثلاث مئة اسم. وقال ابن العربي في "شرح الترمذي" عن بعض الصوفية: إن لله ألف اسم، ولرسوله ألف اسم، والذي يظهر في اقتصاره على الخمسة المذكورة في الحديث أنه أراد أن لي خمسة أسماء اختص بها، لم يُسَم بها أحد قبلي، أو معظمة، أو مشهورة في الأمم الماضية، لا أنه أراد الحصر فيها. قال عياض: حمى الله هذه الأسماء أن يُسمى بها أحدٌ قبله، وإنما تسمَّى بعض العرب محمدًا قُربَ ميلاده لما سمعوا من الكهان والأحبار أن نبيًا سيُبعث في ذلك الزمان، يسمى محمدًا، فرجوا أن يكونوا هو، فسموا أبناءهم بذلك، قال: وهم ستة لا سابع لهم، وتعقبه في "فتح الباري" وأوصلهم إلى خمسة عشر نفسًا، فراجعه إن شئت. معنى محمَّد ومحمد اسم مفعول من باب التَّفْعيل، منقول من صفة الحمد، وهو بمعنى محمود، وفيه مبالغة. وأخرج البخاري في "التاريخ الصغير" عن علي بن زيد قال: كان أبو طالب، يقول: وشَقَّ لهُ مِن اسْمِهِ لَيُجِلَّهُ ... فَذُو العرْشِ مَحمودٌ وهذا مُحَمَّدُ

стр. 83

والمحمد: الذي حُمِدَ مرة بعد مرة كالممُدّح، قال الأَعشى: إلَيكَ -أَبَيْتَ الَّلعْنَ- كانَ وجِيفُها ... إلى الماجِدِ القوْمِ الجَوَادِ المُحَمَّدِ أي: الذي حُمِدَ مرة بعد مرة أو الذي تكاملت فيه الخِصال المحمودة. قال عِياض: كان رسول الله ﷺ أحمد قبل أن يكون محمدًا، كما وقع في الوجود، لأنّ تسميته أحمد وقعت في الكتب السالفة، وتسميته محمدًا وقعت في القرآن العظيم، وذلك أنه حَمِدَ ربه قبل أن يَحمده الناس، وكذلك في الآخرة يحمد ربه، فَيُشَفِّعُهُ، فيَحْمَدُه الناس، وقد خُصَّ بسورة الحمد، ويلائمه الحمد، وبالمقام المحمود، وشُرعَ له الحمد بعد الأكل، وبعد الشرب، وبعد الدعاء، وبعد القدوم من السفر، وسميت أمته الحمادين، فجمعت له معاني الحمد وأنواعه ﷺ . قلت: قول عِياض: إنه ﵊ كان أحمد قبل أن يكون محمدًا، غير ظاهر بالنسبة إلى ما في الكتب السالفة والقرآن، لأنّ ما في الجميع كلام الله تعالى، وهو قديم أزلي، فكان من حقه أن يجعل من ذلك بالنسبة إلى الظهور للبشر، لا بالنسبة للمعنى القديم، والله تعالى أعلم. معنى أحمد وأما أحمد، فهو من باب التفضيل، وقيل: سمي أحمد لأنه علم منقول من صفة، وهي أفعل التفضيل، ومعناه: أحمد الحامدين، وسبب ذلك ما ثَبَتَ في "الصحيح" أنه يُفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم يُفْتح بها على أحد قبله، وقيل: الأنبياءُ حمّادون، وهو أحمدهم، أي أكثرهم حمدًا، أو أعظمهم في صفة الحمد. وما مر من كَوْن "وشق له من اسمه ليجله" من قول أبي طالب خلاف ما ذكره في "المواهب اللدنية" من كونه لحسان بن ثابت، وذكر قبله بيتين:

стр. 84

أَغَرُّ عَليِه لِلنُّبُوَّةِ خاتَمٌ ... مِنَ الله مِنْ نُورٍ يَلُوحُ ويَشْهَدُ وضَمَّ الإله اسمَ النَّبِيِّ إلى اسمِهِ ... إذا قال في الخَمْسِ المؤذِّنُ أَشْهَدُ والذي يظهر أنه من شعر حسان، لا من شعرِ أبي طالب، اللهم إلا أن يكون حسان ضمنه في شعره، ولم يظهر ذلك من نَسْجه. خاتَم النُّبُوّة ومن أعلام نبوته خاتم النبوة، ففي صحيح البخاري عن السّائب بن يزيد، قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن ابن أُختي وَقَعَ، فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، وتَوَضَّأَ، فشربت من وضُوئه، ثم قمت خلفَ ظهره، فنظرت إلى خاتَم النبوة بين كتفيه. قال ابراهيم بن حمزة: مثل زِرِّ الحَجَلة، والصحيح أن المراد بالحَجَلة هنا الشكلة التي تعلق على السرير، ويزين بها للعريس كالبشخانات، والزِّر على هذا حقيقة، لأنها تكون ذات أزرار وعُرى. وقد وردت في صفة خاتَم النبوة أحاديث متقاربة، منها عند مسلم عن جابر بن سَمُرة: كأنه بَيْضَةُ حمامة، وفيه أيضًا: جمع عليه خِيلان كأنها الثآليلُ السود عند نُغْضِ كتفه، ورُوي: غُضروفِ كتفه اليسرى، وفي "صحيح" الحاكم: شعرٌ مجتمع، وفي "البيهقي": مثل السِّلعة. وفي "الشمائل": بَضعة ناشِزة. وفي "الترمذي"، و"دلائل" البيهقي: كالتفاحة. وفي "الرَّوْض" كأنها المِحْجمة القابضة على اللحم. قال في "الفتح": وما ورد من أن الخاتم كان كأثر المِحْجم، أو كالشّامَة السوداء أو الخضراء، مكتوب عليها محمَّد رسول الله، أو سر فإنك المنصور لم يثبُت منه شيء، ولا يُغْتُّر بما وقع من تصحيح ابن حبان لذلك، فإنه غفلةٌ منه. قال القُرْطُبِيُّ: الأحاديث الثابتة دالة على أن خاتم النبوة كان شيئًا بارزًا أحمر، عند كتفه الأيسر إذا قلل قدر بيضة الحمامة، وإذا كبر جمع

стр. 85

الكف، وقال القاضي عياض: وهذه الروايات متقاربة متفرقة متفقة على أنه شاخِص في جسده قدر بَيْضة الحمامة وزِرِّ الحَجَلة. وأما رواية جمع الكف فظاهرها المخالفة، فَتُتَأَوَّل على وفق الروايات الكثيرة، ويكون معناه على هيئة جمع الكف، لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة. وهذا الخاتم هو أثر ختم الملكين بين كتفيه لما شقا صدره الشريف، وخاطباه، وعلى هذا يكون وضع بعد ولادته، وهو الصحيح من القولين، ويدل عليه حديث أبي ذَرٍّ عند البَزّار وغيره، قال: قلت: يا رسول الله! كيف علمت أنك نبي .... إلخ، وفيه: "ثم قال أحدهما لصاحبه: خِطْ بطنه فخاط بطني، وجعل الخاتم بين كتفي، كما هو الآن، ووليا عني". وحديث عائشة عند أبي داود الطَّيالِسيّ، والحارث بن أبي أسامة، و"الدلائل" لأبي نُعيم: أن جبريل وميكائيل لما تراءيا له عند المَبْعث، هبط جبريل، فسلقني لحلاوة القَفا، ثم شق عن قلبي فاستخرجه، فغسله في طَسْت من ذهب بماء زَمْزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأَمَهُ، ثم ألقاني، وختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم في قلبي، وقال: اقرأ ... الحديث، وقيل وضع عليه عند الولادة؛ فعند أبي نعيم في "الدلائل" أنه ﷺ لما ولد ذكرت أمه أن الملك غمسه في الماء والذي أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج سرقَة من حرير أبيض، فإذا فيها خاتم، فضرب على كتفه كالبيضة المكنونة تضيء كالزهرة، وقيل: ولد به، نقله أبو الفتح اليَعْمُرِي، والأولى أثبت، قال العلماء: السر في كونه بين الكتفين هو أن القلب في تلك الجهة وقد ورد في خبر مقطوع أخرجه ابن عبد البر، بسند قوي، عن عمر بن عبد العزيز وصاحبه الفائق في "مصنفه" أن رجلًا يسأل ربه أن يريه موضع الشيطان، فرأى الشيطان في صورة ضفدع عند نُغْض كتفه الأيسر، حذاء قلبه، له خرطوم كالبعوضة. وعند أبي يَعْلى، وابن عَدِيّ عن أنس مرفوعًا: "إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم." الحديث، وأورده أبو بكر في كتاب "الشريعة" أن عيسى بن مَرْيم، ﵊، سأل ربه أن يريه موضع الشيطان

стр. 86

من ابن آدم، فإذا برأسه مثل الحية، واضع رأسه على ثمرة القلب، فإذا ذكر العبد ربه خَنَس، وإذا غَفَلَ وسوس. واختلف هل خاتم النبوة خاصٌ بنبينا ﷺ ؟ أو لكل نبي خاتم؟ فقد أخرج الحاكم في "المستدرك" عن وهب بن مُنَبِّه. قال: لم يبعث الله نبيًا إلا وقد كان عليه شامات النبوة في يده اليمنى إلا أن يكون نبينا ﷺ فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه. وعلى هذا يكون وضع الخاتمُ بين كتفيه بإزاء قلبه مما اختص به عن سائر الأنبياء. تنبيه: قد أكثر الناس فيمن أدخله في قبره، وفيمن صلّى عليه، والأصح أن الذي صلّى عليه عليٌّ، والعباس وبنو هاشم، ثم خرجوا، ثم دخل المهاجرون، ثم الأنصار، ثم الناس يصلون عليه أفذاذًا، لا يؤمهم أحد، ثم النساء والغلمان. والأصح أيضًا أن الذي نزل في قبره، ﵊، عمه العباس ومعه عليّ وقُثَم والفضل ابنا العباس، ويقال كان أوس بن خَوْلي، وأسامة بن زيد معهم، وكان آخرهم خروجًا من القبر قثم بن العباس، كان آخر الناس عهدًا برسول الله ﷺ . قال ابن عبد البر: وقد ذُكر عن المُغيرة بن شُعبة في ذلك خبر لا يصح. أنكره أهل العلم، ودفعوه يريد ما روي من أنه أسقط خاتمه في القبر الشريف وطلب أخذه، فدخل وأخذه قاصدًا أن يكون آخر الناس عهدًا به ﷺ ، وألحد له ﵊، وبني في قبره اللَّبِنَ، يقال: تسع لبنات، وطرح في قبره سمل قطيفه كان يلبسها، فلما فرغوا من وضع اللبن أخرجوها، وهالوا التراب على لحده. وقبره ﵊، قيل: مسطح، وقيل: مُسَنَّم، ورش الماء عليه رشًّا. واعلم أن فضائله ﵊، وأعلام نبوته قد وضع العلماء فيها، وجمع كل منهم ما انتهت روايته، ومطالعته إليه، وهي أكثر من أن تُحصى، وقد أجرينا من ذكره ها هنا ﷺ لُمَعًا يحسن الوقوف عليها،

стр. 87

والمذاكرة بها تبركًا بذكره في أوائل الكتاب، والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب. ولما أنهيت هذه النُّبذة اليسيرة من الشمائل النبوية، أردت أن آتِيَ بشيء من تعريف البخاري ، لأنّ الكتاب في تعريف رجال "صحيحه"، وأول ما يبدأ به تعريف صاحب الكتاب فأقول: تعريف البُخاري البُخَارِيُّ: هو أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغيرة ابن بَرْدِزْبَهْ -بفتح الباء وسكون الراء وكسر الدال وسكون الزاي وفتح الباء ثم هاء ساكنة- الجُعْفِيُّ ومعناه بالفارسية الزراع، كان بَرْدِزْبَه فارسيًّا على دين قومه، ثم أسلم ولده المغيرة على يد اليمان الجُعْفِي، وأتى بخارى، فنسب إليه نسبة ولاء، عملًا بمذهب من يرى أن من أسلم على يده شخص كان ولاؤه له، وإنما قالوا له: الجعفي لذلك. وأما ولده إبراهيم فلم أقف على شيء من أخباره. ولد البُخاري يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ومات أبوه وهو صغير، ونشأ في حِجْر أمه، ثم حجَّ مع أمه وأخيه أحمد، وكان أسن منه، سنة عشر ومئتين، فأقام هو بمكة مجاورًا يطلب العلم، ورجع أخوه أحمد إلى بخارى ومات بها. وروى غُنجار في "تاريخ بُخارى" واللَّالكائيُّ في "شرح السنة" في كرامات الأولياء، أن محمَّد بن إسماعيل ذهبت عيناه في صغره، فرأت والدته الخليل إبراهيم ﵇ في المنام، فقال لها: يا هذه قد رد الله على ابنك بصره بكثرة دعائك، فأصبح وقد رد الله عليه بصره. وقال محمَّد بن أبي حاتِم، وَرّاق البخاري: سمعت البخاري يقول: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب، قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟

стр. 88

قال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب فجعلت اختلف إلى الدَّاخِلِيّ، فقال يومًا فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيم، فقلت: إن أبا الزُّبير لم يرو عن إبراهيم فانْتَهَرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدَخَلَ، فنظر فيه فَرَجَعَ، فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزُّبَيْر، وهو ابن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم، وأصلح كتابه وقال لي: صدقت، فقال له إنسان: ابن كم كنت حين رَدَدْتَ عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة سنة، قال: ولما طَعنْت في ثاني عشرة صنفت كتاب "قضايا الصحابة والتابعين"، ثم صنفت "التاريخ" في المدينة عند قبر النبي ﷺ وكنت أكتبه في الليالي المقمرة، قال: وقَلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا أني لا أريد أن أُطَوِّل الكتاب. وقال محمَّد بن أبي حاتم الورّاق عن البُخاري: كنت في مجلس الفريابي، فقال: حدثنا سفيان، عن أبي عُروة، عن أبي الخَطّاب، عن أبي حَمْزة، فلم يعرف أحد في المجلس مَنْ فوق سفيان، فقلت لهم: أبو عروة هو مَعْمر بن راشد، وأبو خطاب: هو قَتادة بن دعامة، وأبو حمزة: هو أنس بن مالك، قال: وكان الثَّوْريُّ فعولًا لذلك، يعني المشهورين. وقال حاشِد بن إسماعيل: كان البُخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة، وهو غلامٌ، فلا يكتُبُ حتى أتى على ذلك أيام، فلُمناه بعد ستة عشر يومًا، فقال: قد أكثرتم عليّ فاعرضوا علي ما كَتَبْتُم، فأخرجناه، فزاد على خمسةَ عشر ألف حديث، فقرأها كلَّها عن ظهرِ قلبٍ حتى جَعَلْنَا نُحْكِمُ كتبنا من حفظه. وقال محمَّد بن الأزهر السِّجِسْتاني: كنت في مجلس سُليمان بن حرب، والبخاري معنا، يسمع ولا يكتُب، فقيل لبعضهم: ماله لا يكتب؟ فقال: يرجِع إلى بخارى ويكتب من حفظه.

стр. 89

زهده وحسن سيرته ومن زهده وحسن شمائله وفضائله ما حكاه ورّاقه أنه ورث من أبيه مالًا جليلًا، وكان أبوه يقول: لا أعلم من مالي درهمًا من حرام، ولا درهمًا من شبهة، فكان البخاري يعطيه مقارضة، فقطع غريم له خمسة وعشرين ألفًا، فقيلَ له: استعن بكتاب الوالي، فقال: إن أخذت منهم كتابًا طمِعوا، ولن أبيع ديني بدنياي، ثم صالح غريمه على أن يعطيه كل شهر عشرة دراهم، وذهب ذلك المال كله. وقال غُنجار في "تاريخه": كان حُمِلَ إلى محمَّد بن إسماعيل بضاعة أنفذها إليه أبو حَفْص، فاجتمع بعض التجار إليه بالعشية، وطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهم، فقال لهم: انصرفوا الليلة، فجاءه من الغد تجار آخرون، فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف درهم، فردهم، وقال: إنى نويت البارحة أن أدفعها إلى الأولين، فدفعها لهم، وقال: لا أُحب أن أْنقُضَ نيتي. وقال ورَّاقُهُ: سمعته يقول: خرجت إلى آدم بن أبي إياس، فتأخرت نفقتي حتى صرت آكل حشيش الأرض، فلما كان في اليوم الثالث أتاني رجل لا أعرفه، فأعطاني صرة فيها دنانير، قال: وسمعته يقول: كنت أستغل في كل شهر خمس مئة درهم، فأنفقها في طلب العلم، وما عند الله خير وأبقى. وقال عبد الله بن محمَّد الصيّار: كنت عند محمَّد بن إسماعيل في منزله، فجاءته جاريته، وأرادت دخول المنزل، فعثرت على محبرة بين يديه، فقال لها: كيف تمشين؟ فقالت له: إذا لم تكن طريق كيف أمشي؟ فبسط يديه، وقال: اذهبي، فقد أعتقتك، قيل له: يا أبا عبد الله أغضبتك؟ قال: فقد أرضيت نفسي بما فعلت. وقال ورّاقُهُ: سمعته يقول: لا يكون لي خصم يوم القيامة، فقلت: إن بعض الناس ينقِمون عليك "التاريخ" يقولون: فيه اغتياب الناس،

стр. 90

فقال: إنما روينا رواية ولم نَقُلْه من عند أنفسنا، وقد قال النبي ﷺ : "بئس أخو العشيرة" قال: وسمعته يقول: ما اغتبت أحدًا قطُّ منذ علمت أن الغيبة حرام، قال: وكان يقول: إني لأرجو أن ألقى الله، ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا. وقال أبو بكر بن المُنير: كان محمَّد بن إسماعيل يومًا يصلي، فلسعه الزُّنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء هذا الذي آذاني في صلاتي، فنظروا فإذا الزنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته، وقال: كنت في آية فأحببت أن أُتمَّها. وقال أبو الحسن يوسف بن أبي ذَرّ: كان محمَّد بن إسماعيل قد مرض فعرضوا ماءه على الأطباء، فقالوا: إن هذا الماء يشبه ماء بعض أساقفةِ النَّصارى، فإنهم لا يَأْتَدِمُون، فصدقهم، وقال: لم أئتدم منذ أربعين سنةً، فسألوا عن علاجه، فقالوا: علاجه الأدم، فامتنع حتى ألح عليه المشايخ، وأهل العلم، فأجابهم إلى أن يأكل مع الخبز سكرة. وقال الحاكم: كان محمَّد بن إسماعيل إذا كان أول ليلة من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم، ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختِم عند السحر في كل ثلاث ليال، وكان يختِم بالنهار في كل يوم ختمة، ويكون ختمه عند الإِفطار كل ليلة، ويقول: عند كل ختمة دعوة مستجابة. وقال ورّاقه: كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القَيْظ، فكنت أراه يقوم في الليلة خمس عشرة مرة إلى عشرين، في كل ذلك يأخذ القدّاحة، فيُوري نارًا بيده ويُسرج، ويخرّج أحاديث، فيعلم عليها، ثم يضع رأسه، فقلت له: إنك تحمل على نفسك كل هذا ولا توقِظُني، قال: أنت شاب فلا أحب أن آخذ عليك نومك، وكان يصلي وقت السحر ثلاث عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، قال: وكان معه

стр. 91

شيء من شَعْرِ النبي ﷺ جعله في ملبوسه. وقال محمَّد بن منصور: كنا في مجلس أبي عبد الله البخاري فرفع إنسان قذاة من لحيته، وطرحها على الأرض، فرأيت البخاري ينظر إليها وإلى الناس، فلما غَفَلَ الناس رأيته مد يده، فرفع القَذاة من الأرض فأدخلها في كمه، فلما خرج من المسجد رأيته أخرجها، ووضعها على الأرض، فكأنه صان المسجد عما تُصان عنه لحيته، وأخرج الحاكم في "تاريخه" من شعره قوله: اغْتنمْ في الفراغ فَضْلَ رُكُوعٍ ... فَعسى أنْ يكُونَ مَوتُك بَغتَهْ كَم صحيحٍ رأيْتَ من غَيْرِ سُقْمٍ ... ذَهَبَتْ نفسُهُ الصَّحيحةُ فَلْتهْ ومن العجيب أنه مات بغتة كما يأتي، ولما نعي له عبد الله بن عبد الرحمن الدّارِميُّ الحافظ أنشد: إنْ عِشْتَ تُفجع بالأحِبّةِ كلِّهم ... وفناءُ نَفْسِك لا أبالَكَ أفْجعُ ثناء أشياخه عليه ومن ثناء أشياخه عليه ما رواه ورَّاقُه، قال: سمعت البخاري يقول: كان إسماعيل بن أبي أُوَيس إذا انتخبت من كتابه نسخ تلك الأحاديث لنفسه، وقال: هذه أحاديث انتخبها محمَّد بن إسماعيل من حَديثي، قال: وقال لي ابن أبي أُوَيْس: انظر في كتبي وجميع ما أملك لك، وأنا شاكرٌ لك أبدًا ما دمت حيًا. وقال أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزُّهْرِيّ: محمَّد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر بالحديث من أحمد بن حَنْبل، فقال له رجل: جاوزت الحد، فقال له أبو مصعب: لو أدركت مالكًا، ونظرت إلى وجهه ووجه محمَّد بن إسماعيل، لقلت: كلاهما واحد في الحديث والفقه. وقال عبدانُ بن عُثمان المَرْوَزِيُّ: ما رأيت شابًّا أبصر من هذا، وأشار إلى محمَّد بن إسماعيل.

стр. 92

وقال قتيبة بن سعيد: جالست الفقهاء والزهاد والعباد، فما رأيت منذ عَقَلْتُ مثل محمَّد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة. وقال أيضًا: لو كان محمَّد بن إسماعيل في الصحابة لكان آية، وسأله أيضًا رجل عن محمَّد بن إسماعيل، فقال: يا هؤلاء نظرت في الحديث وفي الرأي، وجالست الفقهاء والزهاد والعباد، فما رأيت منذ عَقلْت مثل محمَّد بن إسماعيل. وسئل يومًا عن طلاق السكران، فدخل البُخاري، فقال: قُتيبة للسائل: هذا أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهَوَيه، وعلي بن المَديني، قد ساقهم الله إليك، وأشار إلى البُخاري. وقال أيضًا: رُحِلَ إليّ من شرق الأرض وغربها، فما رَحَلَ إلي مثل محمَّد بن إسماعيل، ولما حُكي ذلك لمهيار، قال: صدق قُتيبة، أنا رأيته مع يحيى بن مَعين، وهما جميعًا يختلفان إلى محمَّد بن إسماعيل، فرأيت يحيى منقادًا له في المعرفة. وقال أحمد بن حَنْبل: ما أخرجت خراسان مثل محمَّد بن إسماعيل. وسأله عبد الله ابنه عن الحفاظ، فقال: شُبّان من خُراسان، فعده فيهم، وبدأ به. ولما قدم البَصْرة قال مُحمد بن بَشّار: قدم اليوم سيد الفقهاء، وقال أيضًا: ما قدم علينا مثل محمَّد بن إسماعيل، وقال أيضًا: أنا أفتَخِرُ به منذ سنين. وقال عبد الله بن يوسف التِّنيسيّ للبُخاري: يا أبا عبد الله انظر في كتبي وأخبرني بما فيها من السَّقط، فقال: نعم. وقال: دخلت على الحُميدِيّ وأنا ابن ثمان عشرة سنة، أول سنة حج، فإذا بينه وبين آخر اختلاف في حديث، فلما بَصرني، قال: جاء من يفصِلُ بيننا، فعرضا عليّ الخصومة، فقضيت للحُمَيْدي، وكان الحق. وقال البخاري: قال لي مُحمد بن سلام: انظر في كُتبي فما وجدت فيها من خطأ فاضرب عليه، فقال له بعض أصحابه: من هذا الفتى؟ فقال: هذا الذي ليَس له مثله، وكان محمَّد بن سلام يقول: كلما دخل

стр. 93

عليَّ محمَّد بن إسماعيل: تحيرت ولا أزال خائفًا، يخشى أن يخطئ بحضرته، وقال سليم بن مجاهد: كنت عند محمَّد بن سلام فقال لي: لو جئت قبل لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديث. وقال حاشد بن إسماعيل: رأيت إسحاق بن راهَوَيه جالسًا على المنبر، والبخاري جالس معه، وإسحاق يُحَدِّثُ بحديث، فأنكره محمَّد، فرجع إسحاق إلى قوله، وقال: يا معشر أصحاب الحديث انظروا إلى هذا الشابِّ، واكتُبوا عنه، فإنه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن البَصْرِيّ لاحتاج إليه، لمعرفته في الحديث وفقهه، وقال البخاري: أخذ إسحاق بن راهَوَيه كتاب "التاريخ" الذي صنفته، فأدخله على عبد الله بن طاهر الأمير، فقال له: أيها الأمير لا أُريك سحرًا. وقال أبو بَكْرٍ المَديني: كُنّا يومًا عند إسحاق بن راهَوَيه، ومحمد بن إسماعيل حاضر، فمر إسحاق بحديث، ودون صحابيه الكنجاراني، فقال إسحاق: يا أبا عبد الله: أيش هي كنجاران؟ فقال قرية باليمن، كان معاوية بعث هذا الرجل الصحابي إلى اليمن، فسمع منه عطاء هذا حديثين، فقال له: يا أبا عبد الله كأنك شهدت القوم، وقال: فَتْح بن نُوح: أتيت على ابن المديني، ومحمد بن إسماعيل جالس عن يمينه، وكان إذا حدث التفت إليه مهابةً له، وقال البخاري: ما استَصْغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المَديني، وربما كنت أغرب عليه، فبلغ ذلك ابن المديني، فقال: دعوه فما رأى مثل نفسه. وقال البُخاري: ما ذاكرني أصحابي عمرو بن علي الفَلّاس بحديث فقلت: لا أعرفه، فَسرُّوا بذلك، وصاروا إلى عمرو بن علي، وقالوا له: ذاكرنا محمَّد بن إسماعيل بحديث فلم يعرفه، فقال عمرو بن علي: حديث لا يعرفه محمَّد بن إسماعيل ليس بحديث. وقال رجاء بن رجاء الحافظ: فضل محمَّد بن إسماعيل على العلماء

стр. 94

كفضل الرجال على النساء، وقال أيضًا: هو آية من آيات الله تمشي على الأرض. وقال الحُسين بن حُريث: لا أعلم أني رأيت مثل محمَّد بن إسماعيل، كأنه لم يخلق إلا للحديث. وقال أبو بكر بن أبي شَيْبة ومحمد بن نُمير: ما رأينا مثل محمَّد بن إسماعيل، وكان أبو بكر بن أبي شيبة يسميه البازل، يعني الكامل. وقال أبو عيسى التِّرمِذي: كان محمَّد بن إسماعيل عند عبد الله بن مُنير، فقال له لما قام: يا أبا عبد الله! جعلك الله زين هذه الأمة، قال أبو عيسى: فاستجاب الله تعالى فيه، وكان عبد الله بن مُنير يكتب عنده ويقول: أنا من تلامذته وهو من أشياخه الذين روى عنهم في صحيحه. وقال يحيى بن جعفر البِيْكَنْدِيّ: لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمَّد بن إسماعيل لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموت محمَّد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم، وكان يقول له: لولا أنت ما استطعت العيش بِبُخارى. وقال علي بن حَجَر: أخرجت خراسان ثلاثة، البخاري، فبدأ به قال: وهو أبصرهم وأعلمهم بالحديث وأفقههم. قال: ولا أعلم أحدًا مثله. وقال: أحمد بن إسحاق السرماري: من أحب أن ينظر إلى فقيه بحقه وصدقه، فلينظر إلى محمَّد بن إسماعيل. وقال حاشد: رأيت عمرو بن زُرارة، ومحمد بن ربيع، عند محمَّد ابن إسماعيل، وهما يسألانه عن عِلل الحديث، فلما قاما قالا لمن حضر المجلس: لا تخدعوا عن أبي عبد الله فإنه أفقه منا وأعلم وأبصر. قال: وكنا يومًا عند إسحاق بن راهَوَيه، وعمر بن زُرارة، وهو يستملي على أبي

стр. 95

عبد الله وأصحاب الحديث يكتُبون عنه، وإسحاق يقول: هو أبصر منا، وكان أبو عبد الله إذ ذاك شابًّا. ثناء أقرانه وطائفة من أتباعه عليه: قال أبو حاتم الرّازِيّ: لم تخرج خراسان قط أحفظ من محمَّد بن إسماعيل، ولا قدم إلى العراق أعلم منه، وقال محمَّد بن حُرَيْث: سألت أبا زُرعة عن ابن لَهيعة، فقال لي: تركه أبو عبد الله يعني البُخاري. وقال الحسين بن مُحمد المعروف بالعِجْلي: ما رأيت مثل محمَّد بن إسماعيل، ومسلم حافظ ولكنه لم يَبْلُغ مبلَغَ محمَّد بن إسماعيل، قال العِجْلي: ورأيت أبا زُرعة وأبا حاتم يستمعان إليه، وكان أمة من الأمم، ديِّنًا، فاضلًا، يحسن كل شيء، وكان أعلم من محمَّد بن يَحْيى الذهلي بكذا وكذا. وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدّارمي: قد رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق، فما رأيت فيهم أجمع من محمَّد بن إسماعيل، وهو أعلمنا، وأفقهنا، وأكثرنا طلبًا، وسُئل الدّارِمِيُّ عن حديث، وقيل له: إن البخاري صححه، فقال: محمَّد بن إسماعيل أبصر مني وهو أكيس خلق الله، عقل عن الله ما أمر به، ونهى عنه من كتابه، وعلى لسان نبيه، إذا قرأ محمَّد القرآن شَغَلَ قلبه وبصره وسمعه وتفكر في أمثاله وعرف حلاله من حرامه. وقال أبو الطَّيِّب حاتم بن منصور: كان محمَّد بن إسماعيل آية من آيات الله في بصره، ونفاذه في العلم، وقال أبو سَهْل محمود بن النَّضْر: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيت علماءها، فكلما جرى ذكر محمَّد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم، وقال أبو سهل أيضًا: سمعت أكثر من ثلاثين عالمًا من علماء مصر يقولون: حاجتنا في الدنيا النظر إلى محمَّد بن إسماعيل، وقال صالح بن محمَّد جَزَرَة: ما رأيت خراسانيًّا أفهم من محمَّد بن إسماعيل، وقال أيضًا: كان أحفظهم

стр. 96

للحديث، وكنت أستملي له ببغداد فبلغ من حضر المجلس عشرين ألفًا. وسُئِلَ الحافظ أبو العباس الفضل بن العباس المعروف بِفَضْلك الرّازي، أيُّما أحفظ محمَّد بن إسماعيل أو أبو زرعة؟ فقال: لم أكن التقيت مع محمَّد بن إسماعيل، فاستقبلني ما بين حلوان وبغداد، فرجعت معه مرحلة، وجهدت كل الجهد على أن آتي بحديث لا يعرفه، فما أمكنني، وها أنا ذا أُغْرِبُ على أبي زرعة عدد شعر رأسه. وقال محمَّد بن عبد الرحمن الدَّغُولي: كتب أهل بغداد إلى محمَّد بن إسماعيل كتابًا فيه: المسْلِمونَ بِخَيرٍ ما بقيتَ لَهُم ... ولَيْسَ بَعْدَكَ خَيرٌ حينَ تُفْتَقَدُ وقال إمام الأئمة أبو بكر محمَّد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما تحت أديم السماء أعلمُ بالحديث من محمَّد بن إسماعيل. وقال أبو عيسى التِّرمِذِيّ: لم أر أعلم بالعلل والأسانيد من محمَّد بن إسماعيل البخاري. وقال له مسلم: أشهد أنه ليس في الدنيا مثلك. وقال عبد الله بن الأَخْرم: سمعت أبي يقول: رأيت مسلم بن الحجاج بين يدي البخاري، وهو يسأله سؤال الصبيِّ المتعلم، وسئل أبو عبد الله ابن الأخرم عن حديث، فقال: إن البخاري لم يخرجه، فقال له السائل: قد خرجه مسلم، فقال أبو عبد الله: إن البخاري كان أعلم من مسلم ومنك ومني. وقال أحمد بن سَيّار في "تاريخ مرو": محمَّد بن إسماعيل البخاري طلب العلم، وجالس الناس، ورحل في الحديث ومهر فيه وأبصر، وكان حسن المعرفة، حسن الحفظ، وكان يتفقه، وقال أبو أحمد بن عدي: كان يحيى بن محمَّد بن صاعد إذا ذكر البخاري قال: ذلك الكبش النَّطّاح. وقال أبو عمرو الخفاف: حدثنا التقي النقي العالم الذي لم أر مثله محمَّد بن إسماعيل، قال: وهو أعلم بالحديث من أحمد وإسحاق بن

стр. 97

راهَوَيه وغيرهما بعشرين درجة، ومن قال فيه شيئًا فعليه مني ألف لعنة، وقال أيضًا: لو دخل من هذا الباب وأنا أحدث لَمُلِئْتُ منه رعبًا، وقال عبد الله بن حَمّاد الأَيلي: لودِدْت أني كنت شعرة في جسد محمَّد بن إسماعيل. وقال سليم بن مُجاهد: ما رأيت منذ ستين سنة أحدًا أفقه ولا أورع من محمَّد بن إسماعيل. وقال موسى بن هارون الحَمّال: لو أن أهل الإِسلام اجتمعوا على أن يصيبوا آخر مثل محمَّد بن إسماعيل لما قَدَروا عليه، وقال: عبد الله بن محمَّد بن سعيد بن جعفر: سمعت العلماء بمصر يقولون: ما في الدنيا مثل محمَّد بن إسماعيل في المعرفة والصلاح، قال عبد الله بن محمَّد: وأنا أقول قولهم. وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن محمَّد بن عُقدة: لو أن رجلًا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن "تاريخ" محمَّد بن إسماعيل، وقال الحاكم أبو أَحْمد في الكُنى: كان أحد الأئمة في معرفة الحديث وجمعه، ولو قلت: إني لم أر تصنيف أحد يشبه تصنيفه في الحسن والمبالغة لفعلت. عجيب حفظه ومن عجيب حفظه ما رواه أبو أحمد بن عدي الحافظ، قال: سمعت عدة من مشايخ بغداد يقولون: إن محمَّد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد: فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه، فعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإِسناد لإِسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يُلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا عليه الموعد للمجلس، فحضروا، وأحضر جماعة من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم ومن البغداديين، فلما اطمأن

стр. 98

المجلس بأهله، انتدب رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ، والبخاري يقول لا أعرفه، وكان العلماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: فهم الرجل، ومن كان لم يدر بعلمه يقضي على البخاري بالعجز والتقصير، وقلة الحفظ، ثم انتدب رجل من العشرة أيضًا، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال: لا أعرفه. ولم يزل يلقي عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب الثالث والرابع إلى إتمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه، فلما علم أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول، فقال: أما حديثك الأول فقلت: كذا، وصوابه كذا، وحديثك كذا، وصوابه كذا، والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقر الناس له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل، قال ابن حَجَر: وليس العجب من رده للخطأ، فإنه كان حافظًا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة، وقد قال أبو بكر الكلْوَاذاني: ما رأيت مثل محمَّد بن إسماعيل، كان يأخذ الكتاب من العلم، فيطلع عليه اطلاعة، فيحفظ عامة أطراف الأحاديث من مرة واحدة. وقال أبو الأَزْهَر: كان بسمرقند أربع مئة محدث، فتجمعوا وأحبوا أن يغالطوا محمَّد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن، فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلقوا عليه بسقطة. وروى غُنجار في "تاريخه" عن يوسف بن موسى المَرْوَزِي، قال: كنت بالبصرة في جامعها إذ سمعت مناديًا ينادي: يا أهل العلم، لقد قدم محمَّد بن إسماعيل البخاري، فقاموا إليه، وكنت معهم، فرأينا رجلًا شابًّا ليس في لحيته بياض، فصلى خلف الأسطوانة، فلما فَرَغَ أحدقوا

стр. 99

به، وسألوه أن يَعْقِدَ لهم مجلسًا للإملاء، فأجابهم إلى ذلك، فقام المنادي ثانيًا في جامع البصرة، فقال: يا أهل العلم، لقد قدم محمَّد بن إسماعيل، فسألناه أن يَعْقِد مجلس الإملاء، فأجاب بأن يجلس غدًا في موضع كذا، فلما كان الغد حضر المحدثون والحفاظ والفقهاء والنظارة، حتى اجتمع قريب من كذا وكذا ألف نفس، فجلس أبو عبد الله للإملاء، فقال قبل أن يأخذ في الإِملاء: يا أهل البصرة أنا شابٌّ، وقد سألتموني أن أحدثكم، وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدونها، يعني ليست عندكم، فتعجب الناس من قوله، فأخذ في الإِملاء، فقال: حدثنا عبد الله بن عُثمان بن جَبَلة بن أبي رَوّاد ببلدكم، قال حدثني أبي، عن شعبة، عن منصور وغيره، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس بن مالك أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! الرجل يحب القوم .. الحديث، ثم قال: هذا ليس عندكم عن منصور يعني الذي ساقه هو عنه، إنما هو عندكم عن غير منصور، فأملى عليهم مجلسًا من هذا النسق، يقول في كل حديث: روى فلان هذا الحديث عندكم كذا، فأما من رواية فلان يعني التي يسوقها فليست عندكم. قلت: هذه أعجب من قضية أهل بغداد السابقة لضبطه في هذه الرواية أن مِصْرًا عظيمًا مثل البَصْرة لم يرو أحد من أهله هذه الأحاديث عمن ساقها عنه. وقال سليم بن مجاهد: قال لي محمَّد بن إسماعيل: لا أجيء بحديث عن الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة والتابعين -يعني من الموقوفات- إلا وله أصل أحفظ ذلك من كتاب الله وسنة رسوله. وقال علي بن الحُسين بن عاصم: قدم علينا محمَّد بن إسماعيل، فقال له رجل من أصحابنا: سمعت إسحاق بن راهَوَيه يقول: كأني انظر إلى سبعين ألف حديث من كتابي، فقال له محمَّد بن إسماعيل: أتعجب

стр. 100

من هذا القول، لعل في هذا الزمان من ينظر إلى مئتي ألف ألف من كتابه وإنما عنى نفسه. وقال محمَّد بن حَمدويه: سمعت البخاري يقول: أحفظ مئة ألف حديث صحيح، وأحفظ مئتي ألف حديث غير صحيح، قال ورّاقه: سمعته يقول: ما نمت البارحة حتى عددت كم أدخلت في تصانيفي من الأحاديث، فإذا هو نحو مئتي ألف حديث، وقال أيضًا: لو قيل لي: تمن لما قمت حتى أروي عشرة آلاف حديث في الصلاة خاصة، وقال أيضًا: قلت له: تحفظ جميع ما أدخلت في مصنفاتك، قال: لا يخفى علي جميع ما فيها، وصنفت جميع كتبي ثلاث مرات، قال: وبلغني أنه شرب البلاذر، فقلت له مرة في خلوة: هل من دواء للحفظ، فقال: لا أعلم، ثم أقبل علي فقال: لا أعلم شيئًا أنفع للحفظ من نهمة الرجل، ومداومة النظر، وقال: أقمت بالمدينة بعد أن حججت سنة جردًا أكتب الحديث، قال: وأقمت بالبصرة خمس سنين معي كتبي، أصنف، وأحج، وأرجع من مكة إلى البصرة، قال: وأنا أرجو أن يبارك الله تعالى للمسلمين في هذه المصنفات، وقال البخاري: تذكرت يومًا أصحاب أنس فحضرني في ساعة واحدة ثلاث مئة نفس، وما قدمت على شيخ إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به. وقال ورّاقه: أعمل في الهبة كتابًا فيه نحو خمس مئة حديث، وقال: ليس في كتاب وكيع في الهبة إلا حديثان مسندان أو ثلاثة، وفي كتاب ابن المبارك خمسة أو نحوها، وقال أيضًا: ما جلست للتحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم، وحتى نظرت في كتب أهل الرأي، وما تركت بالبصرة حديثًا إلا كتبته، قال: وسمعته يقول: لا أعلم شيئًا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة، قال: فقلت له: يمكن معرفة ذلك، قال: نعم. وقال الحافظ أَحمد بن حَمدون: رأيت البخاري في جِنازة، ومحمد ابن يحيى الذهلي يسأله عن الأسماء والعلل، والبخاري يمر فيه مثل السهم كأنه يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.

стр. 101

وقال البَيْهَقِيّ في "المدخل" عن أبي حامد الأعمش: سمعت مسلم ابن الحجاج وجاء إلى محمَّد بن إسماعيل فَقَيَّلَ عينيه، وقال: دعني حتى أُقبل رجليك يا أستاذ الأُسْتاذِين، ويا سيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، حدثك محمَّد بن سلام، حدثنا مَخْلد بن يزيد، أخبرني ابن جريج، حدثني موسى بن عُقْبة، عن سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ قال: كفارة المجلس أن يقول إذا قام من مجلسه سُبحانك ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت ... الخ، فقال له البخاري: هذا حديث مليح، ولا أعلم بهذا الإِسناد في الدنيا حديثًا غير هذا، إلا أنه معلول، فإن موسى بن عُقْبة لا يذكر له مسند عن سُهيل، ولكن قل: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وُهَيْب، حدثنا سُهَيْل، عن عَوْن بن عبد الله، قال البُخاري: فهذا أولى. وفي رواية أنه لما قال له: معلول، قال مسلم: لا إله إلا الله، وارتعد، وقال: أخبرني، ثم قال له: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك. فضائِلُ الجامعِ الصحيح ومن فضائل كتابه "الجامع الصحيح" ما رواه الفِرَبْري، قال: سمعت البُخاري يقول: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين، وفي رواية البُجَيْري: صنفت كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتى استخرت الله تعالى، وصليت ركعتين، وتيقنت صحته، ومعنى كونه صنفه في المسجد الحرام: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبه وأبوابه في المسجد الحرام، ثم كان بعد ذلك يخرج الأحاديث في بلده وغيره، ويدل عليه قوله: صنفت "الجامع" من ست مئة حديث في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى؛ فإنه لم يجاور بمكة هذه المدة، وروى ابن عَدِيّ عن جماعة من المشايخ أن البخاري حول تراجم "جامعه" بين قبر النبي ﷺ ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين، ولا ينافي هذا ما تقدم، لأنه يحمل على أنه في الأول كتبه

стр. 102

في المسودة، وهنا حوله من المسودة إلى المبيضة كما يدل عليه لفظ التحويل المذكور. وقال محمَّد بن أبي حاتم ورّاقه: رأيت البخاري في المنام خلف النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يَمْشي، فكلما رفع ﷺ قدمه وضع البخاري قدمه في ذلك الموضع، وروى الخطيب عن نَجْم بن فُضَيْل، وكان من أهل الفَهْم، قال: رأيت النبي ﷺ في المنام خَرَجَ من قبرهِ، والبخاري يمشي خلفه، فكان النبي ﷺ إذا خطا خَطْوة يخطو البخاري، ويضع قدمه على خطوة النبي ﷺ . وروى الخطيب أيضًا أن الفِرَبْرِي قال: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقال لي: أين تريد؟ قلت: أريد محمَّد بن إسماعيل، فقال: أقرئه مني السلام. وقال أبو زيد المَرْوَزِيّ: كنت نائمًا بين الركن والمقام، فرأيت النبي ﷺ فقال لي: يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي، ولا تدرس كتابي، فقلت: يا رسول الله! وما كتابك؟ فقال: جامع محمَّد بن إسماعيل. وقال أبو جعفر العُقَيْلِيّ لما صنف البخاري كتاب "الصحيح" عرضه على علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وغيرهم، فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا أربعة أحاديث، قال العُقَيْلي: والقول فيها قول البخاري، فهي صحيحة. وقال الحاكم: رحم الله محمَّد بن إسماعيل، فإنه هو الذي ألف الأصول وبين للناس، فكل من عمل بعده إنما أخذه من كتابه كمسلم فرق أكثر كتابه في كتابه، وتَجَلَّدَ فيه حق الجَلادة، حيث لم ينسبه إليه. وقال أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيُّ الحافظ: لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء، وقال أيضًا: إنما أخذ مسلم كتاب البخاري، فعمل به مستخرجًا وزاد فيه أحاديث.

стр. 103

ما وقع له مع محمَّد بن يحيى الذُّهْلِيّ قال الحاكم في "تاريخه": لما قدم البخاري نيسابور سنة خمسين ومئتين، قال محمَّد بن يحيى الذُّهْلِيّ: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم، فاسمعوا منه، فذهب الناس إليه، فأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجلس محمَّد بن يحيى، فتكلم فيه بعد ذلك. وقال مسلم: ما رأيت واليًا ولا عالمًا فعل به أهل نَيْسابور ما فعلوا لمحمد بن إسماعيل، استقبلوه من مرحلتين من البلد أو ثلاث، وقال محمَّد بن يحيى الذُّهليّ في مجلسه: من أراد أن يستقبل محمَّد بن إسماعيل غدًا فَلْيستقبله، فإني أستقبله، فاستقبله الذُّهْلِيُّ وجميع علماء نيسابور، وازدحم الناس عليه حتى امتلأت الدار والسطوح، ثم بعد اليوم الثالث قام رجل في المجلس، فقال له: ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، فأعرض عنه، ولم يجبه ثلاث مرات، فألح عليه فقال له: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة، فَشَغَبَ الرجل، وقال: قد قال لفظي بالقرآن مخلوق. وقال أبو عمر، وأحمد بن نَصْر: سمعت البخاري يقول: من زَعَمَ أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة. وقال محمَّد بن نُعيم: سألت البخاري لما وقع في شأنه ما وقع عن الِإيمان، فقال: قول وعمل، ويزيد وينقص، والقرآن كلام الله، غير مخلوق، وأفضل أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، على هذا حَيِيْتُ، وعليه أموت، وعليه أبعث إن شاء الله تعالى. وقال الحاكم: ولما وقع بين البخاري وبين الذُّهْلِيّ في مسألة اللفظ انقطع الناس عن البُخاري إلا مسلم بن الحجاج، وأحمد بن سَلَمة، فقال الذُّهلي: ألا من قال باللفظ فلا يَحِلُّ له أن يحْضُر مجلسنا، فأخذ

стр. 104

مسلم رداءه فوق عمامته، وقام على رؤوس الناس، فبعث إلى الذُّهْلِيُّ جميع ما كتبه عنه على ظهر جمال. قال ابن حَجَر: أنصف مسلم، فلم يحدث في كتابه عن هذا ولا عن هذا. ولما قام مُسلم وأحمد بن سَلَمة من مجلس محمَّد بن يحيى الذُّهْلِيّ بسبب البُخاري، قال الذُّهْلِيّ: لا يساكنني هذا الرجل في البلد، فخشي البخاري، وسافر، قال أحمد بن سَلَمة: دخلت على البخاري فقلت له: يا أبا عبد الله: إن هذا رجل مقبولٌ في خُراسان لا سيما في هذه المدينة، وقد لَجَّ في هذا الأمر حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه فما ترى؟ فقبض على لحيته ثم قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤]. ثم قال: اللهم إنك تعلم أَني لم أرد المقام بنيسابور أَشرًا ولا بطرًا ولا طلبًا للرياسة، وإنما أبت نفسي الرجوع إلى الوطن لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدًا لما آتاني الله لا غير، ثم قال لي: يا أحمد إني خارج غدًا لتخلصوا من حديثه لأجلي. رجوعه إلى بخارى فخرج إلى بخارى، ولما رجع لها نصبت له القباب على فرسخٍ من البلد، واستقبله عامة أهل البلد حتى لم يبق مذكور، ونثر عليه الدنانير والدراهم، فبقي مدة ثم وقع بينه وبين أمير بخارى خالد بن أحمد الذُّهْلِيّ ما وقع، فأمر بخروجه، وذلك أن الأمير بعث إليه أن احمل إليَّ "الجامع" و"التاريخ" لأسمع منك، فقال البخاري لرسوله: قل له: إني لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضر في مسجدي، أو في داري، فإن لم يُعْجِبْك هذا فأنت سلطان، فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، فإني لا أكتم العلم، فكان هذا سبب الوَحْشة بينهما؛ فاستعان عليه الأمير بحُرَيْث بن أبي وَرْقاء وغيره من أهل بُخارى حتى تكلموا في مذهبه، فنفاه عن البلد، فدعا عليهم، فقال: اللهم أرِهِم ما قصدوني به في أنفسهم،

стр. 105

وأولادهم، وأهاليهم. أما خالد فلم يأت عليه إلا أَقَلُّ من شهر حتى ورد أمر الظاهرية بأن يُنادى عليه، فنودِيَ عليه، وهو على أتان، وأشْخصَ على إكافٍ، ثم صار عاقبة أمره إلى العَزل والحبس، وأما حُرَيَثْ فابتُلى في أهله، فرأى فيها ما يَجِلُّ عن الوصف، وأما فلان فإنه ابتُلي في أولاده، فأراه الله فيهم البلايا. قال عبد القُدوس بن عبد الجبار: فخرج البخاري إلى خَرْتَنْك -بفتح الخاء والتاء بينهما راء ساكنة، وبعد التاء نون ساكنة- قرية من قرى سَمَرْقَنْد، وكان له فيها أقرباء، فنزل عندهم، قال: فسمعته ليلة من الليالي، وقد فَرَغَ من صلاة الليل، يقول في دعائه: اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك، فما تَمَّ الشهر حتى قبضه الله تعالى، قال غالب بن جِبْريل الذي نزل عنده البخاري بخَرْتَنْك: إنه أقام أيامًا فمرض حتى وُجِّهَ إليه رسول من أهل سَمَرْقَنْد يلتمِسون فيه الخروج إليهم، فأجاب وتَهيَّأَ للركوب، ولبس خُفَّيْهِ وتَعَمَّمَ، فلما مشى قدر عشرين خطوة إلى الدابة ليركبها، قال: أرسلوني، فقد ضَعُفْت؛ فأرسلناه، فدعا بدعوات، ثم اضطجع، فقبض، فسال منه عرقٌ كثير، وكان قد قال لنا: كفنوني في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عِمامة ففعلنا، فلما أدرجناه في أكفانه وصلينا عليه، ووضعناه في قبره، فاح من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك، ودامت أيامًا، وجعل الناس يختلفون إلى القبر أيامًا، يأخذون من ترابه حتى جعلنا عليه خشبًا مُشبكًا، قال عبد الواحد بن آدم الطَّوَاوِيْسِيُّ: رأيت النبي ﷺ في النوم، ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف في موضع، فسلمت عليه، فرد علي السلام، فقلت له: ما وقوفك هنا يا رسول الله؟ قال: أنتظر محمَّد بن إسماعيل، قال: فلما كان بعد أيام بلغني موته، فنظرت فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيت فيها النبي ﷺ وكان ذلك ليلة السبت، ليلة عيد الفطر، سنة ست وخمسين ومئتين، وكانت مدة عمره اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، تغمده الله برحمته. ومن روى عنه البخاري يَجِلُّ عن العد، ويكفي

стр. 106

ما في "صحيحه" لمن نظره، وكذلك من روى عن البخاري، فقد ذكر الفِرَبْري أن "الجامع الصحيح" سمعه منه تسعون ألفًا، وقد روى عنه من أشياخه خلق، ومن أقرانه خلق، وتصانيفه عدد كثير، نحو عشرين مصنفًا، كلها مفيد جدًا، انتفع به المسلمون في أقطار الأرض، وهذا القدر كاف من ترجمته، منبه على ما لم يُذكر منها، وهو كرشفة من البحر. ولما كانت لـ"البخاري" شروح كثيرة، لا بد من الإحالة عليها، والعزو إليها، أردت أن أذكر جملة من شروحه، وها أنا أذكر منها ما ذكره القَسْطَلّاني في أوائل "شرحه". شرحه الإِمام أبو سليمان حمد بن محمَّد بن إبراهيم الخَطّابي بشرح لطيف، فيه نكت لطيفة، ولطائف شريفة، واعتنى الإِمام محمَّد التَّيْمِيّ بشرح ما لم يذكره الخطابي مع التنبيه على أوهامه. وشرحه المهلب بن أبي صُفرة، وهو ممن اختصر "الصحيح". وممن شرحه أبو الزِّناد سراج، واختصر "شرح المهلب" تلميذه أبو عبد الله محمَّد ابن خَلَف بن المُرابط، وزاد عليه فوائد، وهو ممن نقل عنه ابن رشيد. وشرحه أيضًا الإمام أبو الحسن علي بن خَلَف المالكِيّ الهِندي المشهور بابن بَطّال، وغالبه في فقه الإِمام مالك من غير تَعَرُّض لموضوع الكتاب غالبًا. وشرحه أبو جعفر أحمد بن سعيد الداوودي، وهو ممن ينقل عنه ابن التِّين -بفوقية بعدها تحتانية ثم نون- السَّفَاقُسي. وشرحه الزين بن المنير في نحو عشر مجلدات. وشرحه أبو الأَصْبَعْ عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي، وكذا الإِمام قُطب الدين عبد الكريم الحَلَبِيّ الحَنَفِيّ، وكذا الإِمام مُغْلُطاوي التركي، قال صاحب الكَواكب: وشرحه بِتَتْميم الأطراف أشبه، وبصحف تصحيح

стр. 107

التعليقات أمثل، وكأنه من إخلائه عن مقاصد الكتاب على ضمان، ومن شرح ألفاظه، وتوضيح معانيه على أمان واختصره الجلال التباني. وشرحه العلامة شمس الدين محمَّد بن يوسف بن علي بن محمَّد بن سعيد الكِرْماني، فشرحه بشرح مفيد، جامع لفرائد الفوائد، وزوائد العوائد، وسماه "الكواكب الدراري" لكن قال الحافظ ابن حَجَر في "الدرر الكامنة": وهو شرح مفيد، على أوهام فيه في النقل، لأنه لم يأخذه إلا من الصحف. وكذا شرحه ولده التّقِيّ يحيى، مستمدًا من شرح أبيه، وشرحه ابن المُلقِّن، وأضاف إليه من "شرح الزَّرْكَشيّ" وغيره من الكتب وما سنح له من حواشي الدِّمْياطي "وفتح الباري" "والبدر العِتابي" وسماه "مجمع البحرين، وجواهر الجدين" وهو في ثمانية أجزاء كبار، وكذا شرحه العلامة السراج بن المُلَقِّن، وكذا شرحه العلامة شمس الدين البرْماوِي في أربعة أجزاء، أخذه من شرح الكِرماني وغيره، كما قال في أوله. ومن أصوله أيضًا مقدمة "فتح الباري" وسماه "اللامع الصبيح"، ولم يُبيَّضْ إلا بعد موته، وكذا شرحه الشيخ برهان الدين الحلبي، وسماه "التلقيح لفهم قارئى الصحيح"، وهو بخطه في مجلدين، وبخط غيره في أربعة، وفيه فوائد حسنة، وقد التقط منه الحافظ ابن حَجَر، حيث كان جَلَبَ ما ظن أنه ليس عنده، لكونه لم يكن عنده إلا كراريس يسيرة من "الفتح"، وشرحه أيضًا شيخ الإِسلام الحافظ أبو الفضل ابن حَجَر، وسماه "فتح الباري" وهو في عشرة أجزاء، ومقدمته في جزء، وشهرته وانفراده بما اشتمل عليه من الفوائد الحديثية، والنكات الأدبية، والمهمات الفقهية تغني عن وصفه، لا سيما وقد امتاز بجمع طرق الحديث التي ربما يتبين من بعضها ترجيحُ أحد الاحتمالات شرحًا وإعرابًا، وطريقته في الأحاديث المكررة أنه يشرح في كل موضع ما يتعلق بقصد البخاري بذكره فيه، ويحيل بباقي شرحه على المكان المشروح فيه، قال الشيخ زَكَرِيا الأنصاري: وكثيرًا ما كان رحمه الله تعالى يقول: أود لو تتبعت الحوالاَت

стр. 108

التي تقع لي فيه، فإن لم يكن المحال به مذكورًا، أو ذكر في مكان آخر غير المحال عليه ليقع إصلاحه فما فعل ذلك، وكذلك ربما يقع لترجيح أحد الأوجه في الِإعراب أو غيره من الاحتمالات أو الأقوال في موضع، ثم يرجح في موضع آخر غيره إلى غير ذلك مما لا طَعْن عليه بسببه، بل هذا أمر لا ينفك عنه كثير من الأئمة المعتمدين، وكان ابتداء تأليفه في أوائل سنة سبع عشرة وثمان مئة على طريق الِإملاء، ثم صار يكتب بخطه شيئًا فشيئًا، فيكتب الكُرّاس، ثم يكتب جماعة من الأئمة المعتبرين، ويعارض بالأصل مع المباحثة في يوم من الأسبوع، وذلك بقراءة العلامة ابن خَضِر، فصار السِّفْرُ لا يكمل منه شيء إلا وقد قوبل وحرر، إلى أن انتهى. قلت: لعل هذا الصنيع الواقع في التأليف هو السبب في تغيير الِإحالات المذكورة. وكان انتهاؤه في أول يوم من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمان مئة سوى ما ألحق فيه بعد ذلك، فلم ينته إلا قبيل وفاة المؤلف بيسير، ولما تم عمل مصنفه وليمة بالمكان المسمى بالتاج والسبع وجوه، وكانت في يوم السبت ثاني شعبان سنة اثنتين وأربعين، وقرىء المجلس الأخير هناك بحضرة الأئمة كالقاياتي، والونائي، والسعد الدُّرِّي، ولم يتخلف عنها من وجوه المسلمين إلا النادر، وكان المصروف على تلك الوليمة نحو خمس مئة دينار، أكمل الله تعالى بمنه وكرمه شرحنا، وأقدرنا على وليمة مثلها أو أزيد، وكملت مقدمته وهي في مجلد فخم في سنة ثلاث عشرة وثمان مئة. وقد اختصر "فتح الباري" الشيخ أبو الفتح محمَّد بن الشيخ وفي الدين ابن الحسين المَرَاغِيّ. وشرحه العلامة بدر الدين العَيْنِيّ الحنفي في عشرة أجزاء وأزيد، وسماه "عمدة القارىء"، وشرع في تأليفه في أواخر رجب سنة إحدى وعشرين وثمان مئة، وفرغ في آخر الثلث الأول من ليلة السبت خامس

стр. 109

جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وثمان مئة واستمد فيه من "فتح الباري". كان فيما قيل يستعيره من البرهان بن خضر بإذن مؤلفه له، وتعقبه في مواضع مطولة بما تعمد الحافظ ابن حجر في "الفتح" تركه من سياق الحديث بتمامه، وإفراد كل من تراجم الرواة بالكلام، وبيان الأنساب، واللغات، والإعراب، والمعاني، والبيان، واستنباط الفوائد من الحديث، والأسئلة والأجوبة، وغير ذلك. قلت: جميع ما ذكر لم يترك منه في "الفتح" إلا ما يستغنى عنه، ومن تابع العَيْنيِّ وجده فيما يذكر من الأحاديث كالتخريج على "الفتح"، وقد حكي أن بعض الفضلاء ذكر لابن حَجَر ترجيح "شرح العيني" بما اشتمل عليه من البديع وغيره، فقال بديهة: هذا شيء نقله من شرح لركن الدين، وكنت وقفت عليه قبله، ولكن تركت النقل منه لكونه لم يتم، إنما كتب منه قطعة، وخشيت من تعبي بعد فراغها في الاسترسال في هذا النهج، ولذا لم يتكلم العيني بعد تلك القطعة بشيء من ذلك، قلت: يظهر هذا بديهة لمطالعه بعد الأجزاء الأول، وبالجملة هو شرح حافل كامل، ولكن "فتح الباري" فتح الباري. وكذا شرح مواضع من البخاري الشيخ بدر الدين الزَّرْكَشِيّ في "التنقيح"، وللحافظ ابن حجر نكت عليه لم تكمل، وكذا شرحه العلامة بدر الدين الدَّمامِيني، وسماه "مصابيح الجامع"، وشرحه الحافظ الجلال السُّيوطِيّ في تعليق لطيف قريب من "تنقيح" الزركشي، سماه "التوشيح على الجامع الصحيح"، وكذا شرح شيخ الإِسلام أبو زكرياء يحيى النَّوَوي قطعة من أوله، إلى آخر كتاب الإيمان، قلت: قد طبعت وطالعتها، وكذا شرح الحافظ ابن كثير قطعة من أوله، والزين ابن رجب الدمشقي، والعلامة السراج البُلْقِيني، والبدر الزَّرْكَشِي في غير "التنقيح" مطولًا، وشرحه المَجْد الشِّيرازِيّ اللغوي مؤلف "القاموس"، سماه "منح الباري بالسيح الفسيح المجاري في شرح البخاري"، كمل ربع العبادات منه في عشرين مجلدًا، وقدر تمامه في أربعين مجلدًا، قال التقي الفاسِيّ:

стр. 110

لكنه قد ملأه بغرائب المنقولات، لا سِيّما لما اشتهر باليمن مقالة ابن عربي، وغلب ذلك على علماء تلك البلاد، وصار يدخل من "فتوحاته" الكثير ما كان سببًا لشين شرحه عند الطاعِنين فيه، وقال الحافظ ابن حجر: إنه رأى القطعة التي كملت في حياة مؤلفه قد أكلتها الأرضة بكمالها، بحيث لا يقدر على قراءة شيء منها. ويقال: إن الِإمام أبا الفضل النُّوَيْرِيّ، خطيب مكة، شرح مواضع منه، وكذا العلامة محمَّد بن أحمد ابن مرزوق شارح بردة البُوصِيْرِيّ، وسماه "المتجر الربيح والمسعى الرجيح في شرح الجامع الصحيح"، وشرح العارف القدوة، عبد الله بن أبي جمْرة، ما اختصر منه وسماه "بهجة النفوس"، وشرحه البُرهان النُّعْماني إلى أثناء الصلاة، ولم يف بما التزمه، وشرحه شيخ الإِسلام، أبو يحيى زكريا الأنصاري السنيكي، وشرحه الشمس الكُوراني مؤدب السلطان المظفر أبي الفتح محمَّد بن عثمان، فاتح القُسْطَنْطِينِيّة، سماه "الكوثر الجاري إلى رياض صحيح البخاري"، وهو في مجلدين، وللعلامة شيخ الإِسلام جلال الدين البُلْقيني "بيان ما فيه من الايهام"، وهو في مجلد، وشرحه أبو البقاء الأحمدي، وأظنه لم يكمل، وشرحه فقيه مذهب الشافعية الجلال البَكْرِي، ولم يكمل، وكتب الشيخ شمس الدين الدَّلْجي قطعة لطيفة من شرحه، ولابن عبد البَرّ "الأجوبة على المسائل المُستغربة من البخاري"؛ سأله عنها المهلب بن أبي صفرة، وكذا لأبي محمَّد بن حَزْم عدة أجوبة عليه، ولابن المنير حواش على ابن بَطّال، وله أيضًا كلام على التراجم، سماه "المتواري"، وكذلك لأبي عبد الله بن رشيد "ترجمان التراجم"، وللفقيه أبي عبد الله محمَّد بن منصور بن حَمامة المَغراوي السلجماسي "حل أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة"، وهي مئة ترجمة. ولشيخ الإِسلام الحافظ ابن حَجَر "انتقاض الاعتراض" يجيب فيه عما اعترضه العيني عليه في شرحه، لكنه لم يُجِبْ عن أكثرها، ولعله كان يكتب الاعتراضات ويُبَيِّضُ لها، يجيب عنها، فاخترمته المنية، وله أيضًا
следующие страницы →