← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة أي: ماذا يصنع صاحبها، ثم قال: وقال قتادة: إن أخذ ثوبه يتبع السارق، ويدع الصلاة، قوله: "يدع الصلاة" أي: يتركها، والعين مضمومة أو مكسورة، وهذا وصله عبد الرزاق عن معمر عنه. وزاد عبد الرزاق "فيرى صبيًا على بئر فيتخوف أن يسقط فيها" قال: ينصرف له، أي وجوبًا، ومذهب كالشافعية أن من أخذ ماله ظلمًا وهو في الصلاة، يصلي صلاة شدة الخوف، وكذا في كل مباح، كهربٍ من حريق أو سيل أو سبع لا مَعْدِل عنه، وغريم له عند إعساره، وخوف حبسه بأن لم يصدقه غريمه، وهو الدائن في إعساره، وهو عاجز عن بينة الإعسار. وعند المالكية إذا خاف ضياع المال، فإن كان قليلًا استخلف إذا كان إمامًا، ولا يقطع الصلاة، ضاق الوقت أو اتسع. وأما إن كان كثيرًا، واتسع الوقت، فإنه يستخلف، وهذا كله ما لم يخشَ هلاكًا أو شديدَ أذى، وإلا تعين القطع، ضاقَ الوقتُ أو لا، كثر أو قل. ومثل الإِمام في القطع وعدمه المأمومُ والفذُ، وقلة المال وكثرته تتفاوت بحسب الأشخاص. ومرَّ قتادة في السادس من الإيمان. الحديث الرابع عشر حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: كُنَّا بِالأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الْحَرُورِيَّةَ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا. قَالَ شُعْبَةُ هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ يَقُولُ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ قَالَ إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ، وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّ غَزَوَاتٍ أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَوَ ثَمَان، وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ، وَإِنِّي أَنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبُّ إِلِيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا فَيَشُقَّ عَلَيَّ. قوله: "كنا بالأهواز" بفتح الهمزة وسكون الهاء، بلدة معروفة بين البصرة وفارس، فتحت في خلافة عمر، ليس له واحد من لفظه. قال أبو عبيدة هي بلد يجمعها سبع كُوَر، فذكرها، وقال ابن خُردَاذَبّه: هي بلاد واسعة متصلة بالجبل وأصبهان. وقوله: "الحَرْورِية" بمهملات أي: الخوارج، وكان الذي يقاتلهم إذ ذاك المُهَلَّبُ بن أبي صُفرة، كما عند الإسماعيلي عن شعبة، وذكر محمد بن قدامة في كتاب الخوارج أن ذلك كان في سنة خمس وستين من الهجرة. وكان الخوارج قد حاصروا

стр. 5217

أهل البصرة مع نافع بن الأزرق حتى قُتل وقتل من أمراء البصرة جماعة، إلى أن ولي عبد الله بن الزبير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي على البصرة، وولى المهلب بن أبي صفرة على قتال الخوارج. وكذا ذكره المبرد في الكامل. وهو يعكر على من أرخ وفاة أبي بَرْزَة سنة أربع وستين أو قبلها. وقوله: "على جُرُف نهر" بضم الجيم والراء بعدها فاء وقد تسكن الراء، وهو المكان الذي أكله السيل. وللكشميهنّيّ بفتح الحاء المهملة وسكون الراء، أي: جانبه، وفي رواية حمّاد بن زيد عن الأزرق في الأدب: كنا على شاطىء نهر قد نضب عنه الماء، أي: زال. وهو يقوي رواية الكشمهينيّ، وفي رواية مهديّ بن ميمون عن الأزرق عن محمد بن قدامة: كنت في ظل قصر مِهْران بالأهواز على شاطئ دُجَيل، وعرف بهذا تسمية النهر المذكور، وهو بالجيم مصغر. وقوله: "إذا رجل" في رواية الحمويّ والكشميهنيّ: إذ جاء رجل. وقوله: قال شعبة، هو أبو برزة الأسلميّ، أي الرجل المصلي. وظاهره أن الأزرق لم يسمعه لشعبة، ولكن رواه أبو داود الطيالسي، في مسنده عن شعبة، فقال في آخره: فإذا هو أبو برزة الأسلمى. وفي رواية عمرو بن مرزوق عند الإسماعيليّ: فجاء أبو بَرْزَة، وفي رواية حماد في الأدب: فجاء أبو برزة الأسلميّ على فرس فصلى، وخلّاها فانطلقت، فاتبعها. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الأزرق بن قيس أن أبا برزة الأسلمي مشى إلى دابته وهو في الصلاة الحديث. وبين مهديّ بن ميمون في روايته أن تلك الصلاة كانت صلاة العصر، وفي رواية عمرو بن مرزوق عند الإسماعيليّ: فمضت الدابة في قبلته فانطلق، فأخذها ثم رجع القهقرى. وقوله: فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ، وفي رواية الطيالسيّ: فهذا بشيخ يصلي قد عمد إلى عنان دابته، فجعله في يده، فنكصت الدابة، فنكص معها، ومعنا رجل من الخوارج، فجعل يسبه. وفي رواية مهديّ أنه قال: ألا ترى إلى هذا الحمار؟ وفي رواية حماد: انظر إلى هذا الشيخ، ترك صلاته من أجل فرس. وزاد عمرو بن مرزوق في آخره قال: قلت للرجل: ما أرى الله إلا مخزيك، شتمت رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ . وفي رواية مهديّ بن ميمون، فقلت: اسكت، فعل الله بك، هل تدري من هذا؟ هو أبو برزة صاحب رسول الله ﷺ . قال في "الفتح": لم أقف في شيء من الطرق على تسمية الرجل الخارجيّ المذكور. قلت: انظر إلى غُلُوّ الخوارج وتَنَطُّعُهم، فرجل واحد، في الجيش منهم، قام يعترض على أصحاب النبي ﷺ ، ويسبهم، وبهذا تعلم أن هؤلاء الموجودين بين أظهرنا معذورون في غلوهم وسبهم للمسلمين. وقوله: "أو ثمانيًا" كذا للكشميهنيّ، وفي رواية غيره "أو ثماني" بغير ألف ولا تنوين. قال ابن مالك: الأصل أو ثماني غزوات، فحذف المضاف، وأبقى المضاف إليه على حاله، وحَسَّن

стр. 5218

الحذفَ دلالةُ المتقدم. قلت: هكذا قال صاحب "الفتح" والعينى والقسطلانيّ. والظاهر أن الصواب أن يقال: فحذف المضاف إليه وأبقى المضاف على حاله، ويحتمل أن الإضافة غير مقصودة، وترك تنوينه لمشابهته "جواري" لفظًا، وهو ظاهر معنى لدلالته على جمع. وفي رواية عمرو بن مرزوق الجزمُ بسبع غزوات من غير شك. وقوله: "وشهدت تسيره" أي: تسهيله على الناس، كذا في جميع الطرق من التسير، وحكى ابن التين عن الداوديّ أنه عنده "وشهدتُ تُسْتَر" بضم المثناة الفوقية وسكون المهملة وفتح المثناة. وقال: معنى شهدت تُسْتَر، أي: شهدتُ فتحها. وكان في زمن عمر رضي الله تعالى عنه سنة سبع عشرة من الهجرة. قال في الفتح: لم أر ذلك في شيء من الأصول، ومقتضاه أن لا يبقى في القصة شائبة رفع، بخلاف الرواية المحفوظة، فإن فيها إشارة إلى أن ذلك كان من شأن النبي ﷺ تجويز مثله، وأشار بقوله: "وشهدت تسيره" إلى الرد على من شدد عليه في أن يترك دابته تذهب ولا يقطع صلاته. وفيه حجة للفقهاء في قولهم: إن كل شيء يخشى إتلافه من متاع أو غيره، يجوز قطع الصلاة لأجله. وقوله: "وإني إن كنت أن أرجع مع دابتي أحب الي من أن أدعها ترجع إلى مألفها. والظاهر في إعراب هذه الكلمات أن يقال إن الياء في إني اسم إن، وكلمة إن في لفظ "إن كنت" شرطية، واسم كان هو الضمير المرفوع فيه، وكلمة أن بالفتح مصدرية، يقدر لام العلة قبلها، أي وإن كنت لأن أرجع. وقوله: أحب، خبر كان، وهذه الجملة الشرطية سدت مسد خبر إن في "إني" والمعنى أن رجوعه إلى دابته وانطلاقه معها، وهو في الصلاة، أحب إليه من أن يتركها، ترجع إلى مألَفها، بفتح اللام، أي معلفها، فيشق عليه، وكان منزله بعيدًا، إذا صلاها وتركها لم يكن يأتي إلى أهله إلا الليل لبعد المسافة، وقد صرح بذلك في رواية حماد، فقال: إن منزلي متراخٍ، أي: متباعد، فلو صليت وتركتها لم آتِ أهلي إلى الليل، لبعد المكان. وقد مرَّ أن في بعض طرقه أن الصلاة المذكورة كانت العصر. وقوله: "إلى مأْلَفِها" بناه على غالب أمرها، ومن الجائز أن لا ترجع إلى مألفها، بل تتوجه إلى حيث لا يدري بمكانها، فيكون فيه التضييع للمال المنهي عنه. وظاهر سياق القصة أن أبا برزة لم يقطع صلاته، ويؤيده ما في رواية عمرو بن مرزوق: فأخذها ثم رجع القهقرى، فإنه لو كان قطعها، ما بالي أن يرجع مستدبر القبلة. وفي رجوعه القهقرى ما يشعر بأن مشيه إلى قصدها ما كان كثيرًا، وهو مطابق لثاني حديثي الباب، لأنه يدل على أنه ﷺ تأخر في صلاته، وتقدم، ولم يقطعها، فهو عمل يسير، ومشي قليل، وليس فيه استدبار القبلة، فلا يضر. وفي مصنف ابن أبي شيبة: سُئل الحسن عن رجل صلّى فأشفق أن تذهب دابته، قال: ينصرف، قيل له: أفَيُتِمّ؟ قال: إذا ولَّى ظهره القبلةَ استأنفَ. وقد أجمع الفقهاء على أن المشي الكثير في الصلاة المفروضة يبطلها، فيحمل حديث أبي بَرْزة على القليل، كما قررناه. وتقدم في

стр. 5219

الترجمة الحكم في خوف ضياع المال عند الشافعية والمالكية، وعندهم أي المالكية، إذا انفلتت الدابة يجوز له المشي إليها قدر ثلاثة صفوف، وإن على جنبه أو قهقرى، فإن تباعدت عن ذلك، قطع الصلاة وطلبها، إذا كان في سعة من الوقت، وإلاّ تمادى وإن ذهبت، ما لم يكن في مفازة يخاف على نفسه إن تركها هلاكًا أو شديد أذى. والظاهر أنَّ المراد بالوقتِ الضروريُّ. وقال محمد بن الحسن: فأخذ بما فعل أبو برزة من ذهابه إلى دابته، ورجوعه على عقبيه، حتى صلى الركعتين الباقيتين. قال: فالصلاة تجزىء مع ما صنع، لا يفسدها الذي صنع؛ لأنه رجع على عقبيه، ولم يستدبر القبلة حتى لو جعلها خلف ظهره فسدت صلاته. قال العينيّ: ثم ليس في هذا الحديث الفصل بين المشي القليل والكثير، فهذا يبين لك أن المشي في الصلاة مستقبلَ القبلة لا يبطلُ الصلاة، وإن كَثُر. قلت: قد مرَّ لك ما يدل على أن الواقع في الحديث هو المشي القليل، وقد مرَّ أن إجماع الفقهاء على أن المشي الكثير يبطل الصلاة، ثم وبعض مشائخنا، أولوا هذا الحديث، واختلفوا فيما بينهم في التأويل، فمنهم من قال: تأويله أنه لم يجاوز موضع سجوده، فأما إذا جاوز ذلك، فإن صلاته تفسد؛ لأنّ موضع سجوده في الفضاء مصلاه، وكذلك موضع الصفوف في المسجد، وخطأه في مصلاه عفو، ومنهم من قال: تأويله أن مشيه لم يكن متلاصقًا، ثم مشى خطوة فسكن، ثم مشى خطوة، وذلك قليل. وإنه لا يفسد الصلاة. أما إذا كان المشي متلاصقًا تفسد، وإن لم يستدبر القبلة؛ لأنه عمل كثير. ومن المشائخ من أخذ بظاهر الحديث، ولم يقل بالفساد، قلَّ المشي أو أكثر، استحسانًا، والقياس أن تفسد صلاته إذا أكثر المشي، إلا أنا تركنا القياس بحديث أبي برزة، رضي الله تعالى عنه، وأنه خُصَّ بحالة العذر. ففي غير حالة العذر يعمل بقضية القياس. وفي الحديث جواز حكاية الرجل إذا احتاج إلى ذلك، ولم يكن في سياق الفجر. رجاله أربعة: وفيه لفظ رجل مبهم، مرَّ منهم شُعبة وآدم في الثالث من الإيمان، ومرَّ أبو برزة في الثاني عشر من مواقيت الصلاة، والرجل المبهم لم يُسَمَّ، والرابع الأزرق ابن قيس الحارثيّ البصريّ. قال النسائي: ثقة، قال ابن سعد: ثقة إن شاء الله تعالى، وقال ابن مُعين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الدارقطني: ثقة مأمون، وذكره ابن حِبّان في الثقات، روى عن ابن عمر وأنس وأبي برزة الأسلميّ وغيرهم. وروى عنه سليمان التّيمي، والحمّادان وشُعبة وغيرهم. مات في ولاية خالد على العراق. الحديث الخامس عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ

стр. 5220

رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا وَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِى أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ. قوله: حتى قضاها، أي فرغ منها، ولم يُردِ القضاء الذي هو ضد الأداء، وقوله: كل شيء وعدته، في رواية يونس عند مسلم "وعدتم" وله في حديث جابر "عرض علي كل شيء تولجونه" وقوله: لقد رأيت، كذا للأكثر، وللحمويّ والمستمليّ لقد رأيته. ولمسلم حتى لقد رأيتني، وهو أَوْجَه. وقوله: أريد أن آخذ قِطفًا أي عُنْقودَ عنب، وهو بكسر أوله، وذكر ابن الأثير أن كثيرًا يروونه بالفتح، والصواب الكسر. وفي رواية جابر: حتى تناولت منها قِطفًا، فقصرت يدي عنه. وقوله: حين رأيتموني جعلت أتقدم؛ قال الكرمانيّ: قال في جهنم حين رأيتموني تأخرت؛ لأنّ المتقدم كاد أن يقع، بخلاف التأخر، فإنه قد وقع. كذا قال. وقد وقع التصريح بوقوع المتقدم والتأخر جميعًا في حديث جابر عند مسلم، ولفظه "لقد جيء بالنار، وذلكم حين تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها" وفيه "ثم جيء بالجنة، وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي" وما في هذا الحديث من أمر الكسوف مرَّ الكلام عليه في أبواب الكسوف، ومرَّ استيفاء الكلام على ما فيه من أمر الجنة والنار في باب كُفران العشير، من كتاب الإِيمان، وقوله: يحطم بكسر الطاء. وقوله: وفيها عمرو بن لُحَيّ، قد مرَّ في الثاني والأربعين من كتاب الإيمان بعض الكلام عليه، ويأتي إتمامه في أيام الجاهلية. وقوله: وهو الذي سَيَّب السوائب، جمع سائبة، ويأتي تفسيرها قريبًا إن شاء الله. ومعنى سيّب السوائب: سَيَّب النُّوق التي تسمى السوائب. والسائبة كانوا يُسَيِّبُونها لآلهتهم، فلا يحمل عليها شيء. قال أبو عبيدة: كانت السائبة من جميع الأنعام، وتكون من النذور للأصنام، فتسيب، فلا تحبس عن مرعى ولا عن ماء، ولا يركبها أحد. وقيل: السائبة لا تكون إلا من الإبل، كان الرجل ينذر إن برِىء من مرضه، أو قدم من سفره، لَيُسَيبنَّ بعيرًا. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: السائبة، كانوا يسيبون بعض إبلهم، فلا تمنع حوضًا، أن تشرب منه، وقال الفراء: اختلف في السائبة، فقيل: كان الرجل يسيب من ماله ما شاء، يذهب إلى السَّدَنَة، وهم الذين يقومون على الأصنام. وقيل: السائبة الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناثٌ، سُيِّبَتِ فلم تُركب، ولم يُجَزَّ لها وبر، ولم يشرب لها لبن. وإذا ولدت بنتها بُحِرَت، أي: شُقَّت أذنها، فالبَحِيرة بنت السائبة. وهي بمنزلة أمها. وقال البخاريّ: البحيرة هي التي يمنع دَرُّها للطواغيت أي الأصنام، فلا يحلبها أحدٌ من

стр. 5221

الناس. والبَحْر شق الأذن، جُعِل ذلك علامة لها، فهي فَعِيلة بمعنى مَفعولة، وهي التي بُحِرت أُذُنها، أي خُرِمت. وجعل أبو عبيدة المنفي الشرب خاصة لا الحلب، قال: كانوا يُحَرِّمُون وَبَرها ولحمها وظهرها ولبنها على النساء، ويحلون ذلك للرجال، وما ولدت فهو بمنزلتها، وإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: البَحِيرةُ من الإبل، كانت الناقة إذا نَتَجَت خمسة أبطن، فإن كان الخامس ذكرًا كان للرجال دون النساء، وان كانت أنثى بُتِّكَتْ أُذُنها، ثم أرسلت، فلم يَجُزُّوا لها وبرًا، ولم يشربوا لها لبنًا، ولم يركبوا لها ظهرًا، وإن يكن مَيْتَة فهم فيه شركاء؛ الرجالُ والنساء. وقال أبو عبيدة: جعلها قوم من الشاة خاصة، إذا ولدت خمسة أبطن بَحَروا أذنها، أي شقوها، وتركت فلا يمسها أحد، وقال آخرون: بل البَحِيرة الناقةُ كذلك، وخَلّوا عنها، فلم تركب، ولم يَضْرِبْها فحلٌ. والوَصيلة الناقةُ البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى، ثم تثني بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وَصَلت أحداهما بالأخرى، ليس بينهما ذكر. وقال أبو عبيدة: مهما ولدته فهو بمنزلة أمها، إلى ستة أولاد، فإن ولدت السابع انثيين تركتا، فلم تذبحا، وإن ولدت ذكرًا ذبح، وأكله الرجال دون النساء، وكذا إذا ولدت ذكرين، وإن أتت بتوأم؛ ذكر وأنثى، سموا الذكر وَصِيلة، فلا يذبح، لأجل أخته. وهذا كله إن لم تلد ميتًا، فإن ولدت بعد البطن السابع ميتًا أكله النساء دون الرجال. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: الوصيلة الشاة؛ كانت إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكرًا ذُبِح وأكل، وإن كان أنثى تركت، وإن كان ذكرًا وأنثى قالوا: وَصَلت أخاها، فترك ولم يذبح، ولا تشرب النساء لبن الأم، وتشربه الرجال، وجرت مجرى السائبة والحامي فعل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه، ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل، فلم يحمل عليه شيء، وسموه الحامي. قاله سعيد بن المسيب، وكلام أبي عبيدة يدل على أن الحامي إنما يكون من ولد السائبة. وقال أيضًا: كانوا إذا ضَرَب فحلٌ من ولد البحيرة فهو عندهم حامٍ، وقال أيضًا: الحامي من فحول الإبل خاصة إذا نتجوا منه عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره، فاحموا ظهره ووبره، وكل شيء منه، فلم يركب ولم يطرق. وعرف بهذا بيان العدد المبهم في رواية سعيد. وقيل: الحامي فعل الإبل إذا ركب ولد ولده قال الشاعر: حماها أبو قابوس في غير مُلْكِه ... كما قد حمى أولادَ أولادِه الفحلُ وفي هذا الحديث أن المشي القليل لا يبطل الصلاة، وأن الجنة والنار موجودتان مخلوقتان. ووجه تعلق الحديث بالترجمة ظاهر من جهة جواز المتقدم والتأخر اليسير؛ لأن الذي تنفلت دابته يحتاج في حال إمساكها إلى التقدم والتأخر، كما وقع لأبي برزة. وأغرب الكَرَمانيّ فقال: وجه تعلقه بها أن فيه مَذَمة تسييب الدواب مطلقًا، سواء كان في الصلاة أم لا.

стр. 5222

رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ محمد بن مُقاتِل في السابع من العلم، ومرَّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع منه، والزهريّ في الثالث منه، وعروة وعائشة، في الثاني منه، وفيه ذكر عمرو بن لُحَيّ الخُزَاعيّ الذي هو أول من عَبدَ الأصنام بجزيرة العرب، وأول من سيب السوائب، وفيه قال ﷺ ، كما في الصحيح: "رأيت عمرو بن لُحَيّ يجر قَصَبَتَه في النار". ثم قال المصنف:

стр. 5223

باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة وجه التسوية بينهما أنه ربما ظهر من كل منهما حرفان، وهما أقل ما يتألف منه الكلام، وأشار المصنف إلى أن بعض ذلك يجوز، وبعضه لا يجوز، فيحتمل أنه يرى التفرقة بين ما إذا حصل من كل منهما كلام مفهوم أو لا، أو الفرق ما إذا كان حصول ذلك محققًا وإلّا فلا، وقال العينيّ: لا دلالة في الترجمة على ذلك، وإنما تدل على أن كل واحد منهما جائز، والظاهر عندي ما قاله صاحب "الفتح" فإن "من" في قوله: "ما يجوز من البصاق" دالةٌ على التبعيض. ثم قال: ويذكر عن عبد الله بن عمر "ونفخ النبيُّ ﷺ في سجوده في كسوف" هذا طرف من حديث أخرجه أحمد، وصححه ابن خُزَيمة والطّبريّ، وابن حِبّان عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله ابن عمرو، قال: كَسَفِت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فقام وقمنا معه، الحديث بطوله. وفيه: "وجعل ينفخ في الأرض ويبكي وهو ساجد" وذلك في الركعة الثانية، وإنما ذكره البخاريّ بصيغة التمريض؛ لأن ابن السائب مختلف في الاحتجاج به، وقد اختلط في آخر عمره، لكنه أخرجه ابن خزيمة عن سفيان الثوري عنه، وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه، وأبوه وَثَّقه العجليّ وابن حبان، وليس هو من شرط البخاريّ. قال ابن بطال: رُوي عن مالك كراهة النفخ في الصلاة، ولا يقطعها كما يقطعها الكلام، وهو قول أبي يوسف وأشْهَب وأحمد وإسحاق. وفي المدونة "النفخ بمنزلة الكلام، ويقطع الصلاة". قلت: مشهور مذهبه أن النفخ اليسير إذا لم يفعله عبثًا لا يُفسد، سواء كان بحرف أو لا. ولابن قَدّاح: إنْ نطق فيه بألف وفاء أبطل الصلاة، لا من الأنف مطلقًا، والنَّفْث، وهو ريح كالنفخ بغير بصاق، أو هو بصاق بلا صوت، فإن كان فعله للحاجة فلا ضرر فيه، كان بصوت أو بغيره، وإن كان لغير حاجة أفسدَ الصلاةَ عَمْدُه، وسجد لسهوه، هذا إذا كان بصوت، وإن كان بغير صوت فهو مكروه، وكذلك التنحنح، إذا كان لحاجة لا ضرر فيه، وإن كان لغير حاجة، فقيل: كالكلام يُفَرّق بين عَمْده يُبطل، وسهوه يسجد له. وقيل: لا يبطل الصلاة مطلقًا، وهو المختار. والحاجة المنفية، قيل: المراد بها حاجة تتعلق بالصلاة، فلابد أن يكون على غير وجه العبث، وقيل: عدم الحاجة مطلقًا، تعلقت بالصلاة أم لا، وعن أبي حنيفة ومحمد: إن كان يُسمع فهو بمنزلة الكلام، وإلا فلا. قال ابن بَطّال: والقول الأول أولى، وليس في النفخ من النطق بالهمزة والفاء، أكثر مما في البصاق من النطق بالتاء والفاء. قال: وقد اتفقوا على جواز البصاق في الصلاة،

стр. 5224

فدل على جواز النفخ فيها، إذا لا فرق بينهما، ولذلك ذكره البخاري معه في الترجمة. والمصحح عند الشافعية أنه إن ظهر من النفخ أو التنخم أو البكاء أو الأنين أو التأوه أو التنفس أو الضحك أو التنحنح حرفان، بطلت صلاته، وإلا فلا. قال ابن دقيق العيد: ولقائلٍ أن يقول: لا يلزم من كون الحرفين يتألف منهما الكلام أن يُكَوّن كل حرفين كلامًا، وإن لم يكن كذلك فالإبطال به لا يكون بالنص، بل بالقياس، فيراعى شرطه في مساواة الفرع للأصل. قال: والأقرب أن ينظم إلى مواقع الإجماع والخلاف، حيث لا يسمى الملفوظ به كلاما، فما أُجمع على إلحاقه بالكلام أُلحق به، وما لا فلا. قال: ومن ضعيف التعليل قولهم في إبطال الصلاة بالنفخ: إنه ليشبه الكلام، فإنه مردود لثبوت السنة الصحيحة، أنه ﷺ نفخ في الكسوف، وأجيب بأن نفخه ﵊، محمولٌ على أنه لم يظهر منه شيء من الحروف، ورُبَّما ثبت في أبي داود عن عبد الله بن عمرو، فإن فيه "ثم نفخ في آخر سجوده، فقال أفٍ". فصرح بظهور الحرفين، وفي الحديث أيضًا أنه ﵊ قال: "وعُرِضت عليَّ النار، فجعلت أنفخ خشية أن يغشاكم حرُّها". والنفخ لهذا الغرض لا يقع إلا بالقصد إليه، فانتفى قول من حمله على الغلبة والزيادة المذكورة من رواية حماد بن سلمة عن عطاء، وقد سمع منه قبل الاختلاط في قول يحيى بن مُعين وأبي داود والطَّحاويّ وغيرهم. وأجاب الخطَّابيُّ بأن "أفٍ" لا تكون كلامًا حتى يشدد الفاء، قال: والنافخ في نفخه لا يخرج ألفًا صادقة من مخرجها. وتعقبه ابن الصّلاح بأنه لا يستقيم على قول الشافعية أن الحرفين كلام مبطل، أفهما أو لم يفهما، وأشار البيهقيّ، إلى أن ذلك من خصائص النبي ﷺ ، وَرد بأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل. وحكى ابن المنذر الإجماع على أن الضحك يبطل الصلاة، ولم يقيده بحرف أو حرفين، وكان الفرق بين الضحك والبكاء، أن الضحك يَهْتك حرمة الصلاة بخلاف البكاء ونحوه، ومِن ثَمّ قال الحنفية وغيرهم: إنْ كان البكاء من أجل الخوف من الله تعالى لا تبطل به الصلاة مطلقًا، قلت: الضحك المبطل للصلاة عند المالكية هو ما كان منه بصوت، وهو المسمى بالقَهْقَهة، وأما ما كان بغير صوت، فهو التبسم، ولا بطلان فيه، وعمده مكروه، ومرت مذاهب الأئمة في البكاء في باب "حد المريض أن يشهد الجماعة". وقد ورد في كراهة النفخ في الصلاة حديث مرفوعٌ أخرجه التِّرمذيّ عن أم سَلَمة قالت: "رأى النبي ﷺ غلامًا لنا يقال له أفْلَح، إذا سجد نفخْ، فقال: يا أفلح، تَرِّب وَجْهَك" رواه التِّرمذيّ وقال: ضعيف الإِسناد، ولو صلح لم تكن فيه حجة على إبطال الصلاة بالنفخ؛ لأنه لم يأمره بإعادة الصلاة، وإنما استفاد من قوله "ترب وجهك" استحباب السجود على الأرض، فهو نحو النهي عن مسح الحصى.

стр. 5225

قلت: بيان ذلك هو أن الغلام كأنه كان ينفخ الأرض من غير أن يسجد عليها، فأمره بالسجود وترك النفخ، وفي الباب عن أبي هريرة في الأوسط للطبرانيّ، وعن زيد بن ثابت عند البيهقيّ، وعن أنس وبُرَيدة عند البَزَّار، وأسانيد الجميع ضعيفة جدًا، وثبت كراهة النفخ عن ابن عباس، كما رواه ابن أبي شَيْبة، والرُّخصة فيه عن قدامة بن عبد الله، أخرجه البيهقيّ. وعبد الله بن عمرو بن العاص قد مرَّ في الثالث من كتاب الإِيمان. الحديث السادس عشر حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ، فَإِذَا كَانَ فِي صَلاَتِهِ، فَلاَ يَبْزُقَنَّ أَوْ قَالَ لاَ يَتَنَخَّمَنَّ. ثُمَّ نَزَلَ فَحَتَّهَا بِيَدِهِ. وقوله: فلا يبزُقَنّ، أو قال لا يتَنَخَّمَنَّ، في رواية الإسماعيلي "لا يبزقن أحدكم بين يديه" وفي رواية "لا يتنخمن" بالميم بعد الخاء، والنُّخامة بضم النون، لما يخرج من الصدر، وبالعين، قيل بمعنى الميم. وقيل: بالعين من الصدر، وبالميم من الرأس، وهذا الحديث قد مرَّ في باب "حك البزاق باليد من المسجد" ومرَّ الكلام عليه مستوفى هناك. رجاله خمسة: قد مرّوا؛ مرَّ سليمان بن حَرْب في الرابع عشر من الإيمان، ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، وأيوب في التاسع منه، وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومر نافع في الأخير من العلم. ثم قال: وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: إذا بَزَق أحدكم فَلْيبزقْ على يَسَاره، في رواية الكَشْميهنيّ "عن يساره" هكذا ذكره موقوفًا، ولم تتقدم هذه الزيادة من حديث ابن عمر، لكنْ ليبزقْ خلفه أو عن شِماله أو تحت قدمه" فساقه كله معطوفًا بعضه على بعض. وقد بينتْ روايةُ البخاريّ أن المرفوع منه انتهى إلى قوله: "فلا يبزقنَّ بين يديه" والباقي موقوف. وقد اقتصر مسلم وأبو داود وغيرهما على المرفوع منه، مع أن هذا الموقوف عن ابن عمر قد ثبت مثله في حديث أنس الذي بعده مرفوعًا. الحديث السابع عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلاَ يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى.

стр. 5226

وهذا الحديث قد مرت مباحثه في الباب المذكور آنفًا وفيما بعده، وقد نظم شيخنا عبد الله بن محمد بن محمد سالم حكم البصاق في المسجد فقال: البصقُ في المسجد مهما حَصِبَا .... جاز بالأيسر، وَدَفنًا أُوْجبا أو تحت الاقدام إذا ما أمكنا ... بصقٌ بذَيْنِ ثم إن لم يمكنا فابصق عن اليمين ثُمَّتْ أَمامُ ... وكلما ذكرتُه فهو عامٌ فيمن يصلي، وسواه، قيلْ ... يختص بالمصلي، لا تميل رجاله خمسة: قد مرّوا، محمد المراد به محمد بن بَشّار، وقد مرَّ في الحادي عشر من العلم، ومرَّ غُنْدر في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ قتادة وأنس في السادس منه. ثم قال المصنف:

стр. 5227

باب من صفق جاهلًا من الرجال في صلاته لم تفسد صلاته ثم قال فيه سهل بن سعد عن النبي ﷺ يشير بذلك إلى حديثه الماضي في أبواب الجماعة في باب "من دخل ليؤم الناس"، وقد مرَّ الكلام على حكم التصفيق مستوفى هناك، وذكره بعد بابين بلفظ "ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم بالتصفيح" وسيأتي في آخر باب من أبواب السهو بلفظ "التصفيق" ومناسبته للترجمة من جهة أنه لم يأمرهم بالإعادة، ومرَّ سهل بن سعد في الثامن والمئة من الوضوء. ثم قال المصنف:

стр. 5228

باب إذا قيل للمصلي تقدم أو انتظر فانتظر فلا بأس قوله: تقدم، أي: قِبَلَ رفيقك. وقوله: انتظر، أي: تأخر عنه، واستنبط ذلك من قوله للنساء: "لا ترفعنَ رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا" فيقتضي امتثالُ ذلك تقدمَ الرجال عليهنَّ وتأخرهنَّ عنهم. وقال الإسماعيلي: كأنه ظن المخاطبة للنساء وقعت بذلك وهن في الصلاة، وليس كما ظن، بل هو شيء قيل لهن قبل أن يدخلن في الصلاة. والجواب عن البخاريّ أنه لم يصرح بكون ذلك قيل لهن وهن داخل الصلاة، بل مقصوده يحصل بقول ذلك لهن داخل الصلاة أو خارجها، والذي يظهر أن النبي ﷺ وصّاهن، بنفسه أو بغيره، بالانتظار المذكور، قبل أنْ يدخلنَ في الصلاة، ليدخلنَ فيها على علم، ويحصل المقصود من حيث انتظارهن الذي أُمِرْن به، فإنّ فيه انتظارَهُنّ للرجال، ومِنْ لازِمِه تقدُّمُ الرجال عليهن، ومحصلُ مراد البخاريّ أن الانتظار إن كان شرعيًا جاز، وإلا فلا. الحديث الثامن عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ لاَ تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا. قوله: محمد بن كثير، هو العَبْديّ البصريّ، ولم يخرج البخاريّ للكوفي ولا للشاميّ ولا للصَّغَانيّ شيئًا، وهذا الحديث قد مرَّ في أوائل الصلاة في باب "إذا كان الثوب ضيقًا" واستوفي الكلام عليه هناك. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرَّ محمد بن كثير في الثاني والثلاثين من العلم، ومرَّ سفيان الثوري في السابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ محل سهل بن سعد في الذي قبله، ومعه أبو حازم. ثم قال المصنف:

стр. 5229

باب لا يرد السلام في الصلاة أي باللفظ المتعارف؛ لأنه خطاب آدمي، واختلف فيما إذا رده بلفظ الدعاء، كأن يقول: اللهم اجعل على من سلم عليَّ السلام، وقد اختلف الأئمة في هذا الباب، فقال قوم منهم: يرد السلام نطقًا، وهو المرويُّ عن أبي هريرة وجابر والحسن وابن المسيب وقتادة. ومنهم من قال: يستحب رده بالإشارة، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وأبو ثَوْر. وقيل: يرد في نَفسه، رُوِيَ ذلك عن أبي حَنِيفة. وقال قوم: يرد بعد السلام، وهو قول عطاء والثوري والنخعى، وهو المرويّ عن أبي ذَرٍّ وأبي العالية، وبه قال محمد بن الحسن. وقال أبو يوسف: لا يرد لا في الحال ولا بعد الفراغ، وقالت طائفة من الظاهرية: إذا كانت الإشارة مفهمة قطعت عليه صلاته، لما رواه الطحاويّ وأبو داود عن أبي هُريرة أنه ﵊ قال: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، ومن أشار في صلاته تفهم مِنه، فلْيُعدها" وهذا الحديث قال أبو داود وَهْم، وقال أحمد: لا يثبت إسناده، وليس بشيء وأَعَلَّه ابن الجَوْزيّ. الحديث التاسع عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَيَرُدُّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَجَعْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ وَقَالَ إِنَّ فِي الصَّلاَةِ شُغْلاً. هذا الحديث مرَّ قريبًا في باب "ما يُنهى عنه من الكلام في الصلاة"، ومرَّ الكلام عليه هناك. رجاله ستة: قد مرّوا إلا شيخ البخاريّ، مَرَّ محمد بن فضيل في الحادي والثلاثين من الإيمان، ومرَّ الأعمش وإبراهيم وعلقمة بهذا النسق في الخامس والعشرين منه، ومرَّ ابن مسعود في أول أثر منه. وشيخ البخاريّ عبد الله بن محمد بن أبي شَيبة إبراهيم بن عثمان بن خُواستي بضم الخاء وفتح الواو ممدودة وسكون السين المهملة فمثناة فوقية فتحتانية، العبسيّ مولاهم أبو بكر الحافظ، قال ابن حبان في "الثقات": كان متقنًا حافظًا، دينًا ممن كتب وجمع وصنف وذاكر، وكان أحفظ أهل زمانه للمقاطيع. وقال أبو زرعة الرازيّ: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة، فقال ابن خرائش: يا أبا زرعة وأصحابنا البغداديين؟ فقال: دع عنك، أصحابُكَ أصحابُ مخاريق.

стр. 5230

وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركتُ بالحديث، وعلله علي بن المدِيني، وأعلمهم بتصحيف المشائخ يحيى بن مُعين، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة. وقال عمرو بن عليّ: ما رأيت أحفظ من أبي بكر، قدم علينا مع عليّ بن المدينى فسرد للشيباني أربعة ومئة حديث وقام. وقال أبو عُبَيد القاسم: انتهى العلم إلى أربعة: أبو بكر أسردهم، وأحمد أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعلي أعلمهم به. وقال عبدان الأهوازيّ: كان يقعد عند الأُسطوانة أبو بكر وأخوه وشُكْدَانة وعبد الله بن البَرّاد وغيرهم، كلهم سكوت إلا أبا بكر، فإنه يهدر. وقال يحيى الحَمّانيّ: أولاد ابن أبي شيبة من أهل العلم، كانوا يزاحمونا عند كل محدث. وقال أحمد: أبو بكر صدوق، وهو أحب إليّ من عثمان. قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: إن يحيى بن مُعين يقول: عثمان أحبُّ إليَّ، فقال أبو بكر أعجب إلينا. وقال العجليّ: ثقة، وكان حافظًا للحديث، وقال أبو حاتم وابن خِراش وقال ابن قانع؛ ثقة ثبت. وقال محمد بن عمرو بن العلاء: سألت ابن مُعين عن سماع أبي بكر من شريك فقال: أبو بكر عندنا صدوق، ولو ادعى السماع من أجلّ من شريك لكان مصدقًا فيه. وما يحمله على أن يقول: وجدت في كتاب إليَّ بخطه؟ قال: وسألت أبا بكر، متى سمعت من شريك؟ قال: وأنا ابن أربع عشرة سنة، وأنا يومئذٍ أحفظ مني اليوم. روى عن ابن المبارك وشريك وهُشَيم وابن علية وغيرهم، وروى عنه البخاريّ ومسلم وأبو داود وابن ماجه، وفي الزهرة روى عنه البخاري ثلاثين حديثًا، ومسلم ألفًا وخمس مئة وأربعين حديثًا، وروى عنه أحمد بن حنبل وأبو حاتم وخلق. مات في المحرم سنة خمس وثلاثين ومئتين. الحديث العشرون حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ لَهُ فَانْطَلَقْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَقَدْ قَضَيْتُهَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ عَلَيَّ أَنِّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَشَدُّ مِنَ الْمَرَّةِ الأُولَى، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ فَقَالَ إِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. وَكَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ. وهذا الحديث دال على أن الممتنع الرد باللفظ، وقوله "في حاجة" بَيَّنَ مسلمٌ عن أبي الزبير عن جابر أن ذلك كان في غزوة بني المُصْطَلق. وقوله: "فلم يرد عليّ" في رواية مسلم المذكورة "فقال لي بيده هكذا" وفي رواية له أخرى "فأشار إليّ" فيحمل قوله في حديث الباب "فلم يرد عليّ"

стр. 5231

أي باللفظ، وكأن جابرًا لم يعرف أولًا أن المرادَ بالإشارةِ الردُّ عليه، فلذلك قال: "فوقع في قلبي ما الله أعلم به" أي من الحُزن، وكأنه أبهم ذلك إشعارًا بأنه لا يدخل في شدته تحت العبارة. وقوله: "وَجَد عليّ" أي: بفتح أوله والجيم، أي: غضب. وقوله: "إني أبطأت" في رواية الكشميهنيّ، "أنْ أبطأت" بنون خفيفة. وقوله: "ثم سلمت عليه، فرد عليّ" أي: بعد أن فرغ من صلاته. وقوله: "إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي" ولمسلم "فرجعت وهو يصلي على راحلته، ووجهه على غير القبلة". وفي هذا الحديث من الفوائد كراهة ابتداء السلام على المصلي، لكونه ربما شغل ذهنه بذلك، واستدعى منه الرد وهو ممنوع منه، وبذلك قال جابر راوي الحديث، وكره عطاء والشعبي، ومالك في رواية ابن وهب. وقال في "المُدَوّنة": لا يكره، وهو المشهور، وبه قال أحمد والجمهور. وقالوا: يرد إذا فرغ من الصلاة، أو هو فيها بالإشارة، وقد مرَّ قريبًا في الترجمة تحرير القول في ذلك. ومرَّ في كتاب الجمعة في باب الاستماع إلى الخطبة تحرير من يسلم عليه ومن لا، ومن لا يرد عليه، ومن لا يرد عليه في مذهب مالك. وبعض من غير مذهبه. رجاله خمسة: قد مرّوا إلا كثير، مرَّ أبو معمر عبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين منه، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي. الخامس: كثير بن شِنْظِير، بكسر الشين، المازنيّ، ويقال الأزدي، أبو قُرّة البصريّ قال النسائى: ليس بالقويّ، ووثَّقه ابن سعد. وقال الساجيّ: صدوق، وفيه بعض الضعف. وقال أبو زرعة: ليّن، وقال في المقدمة: احتج به الجماعة سوى النَّسائيّ. وجميع ما له عندهم ثلاثة أحاديث، أحدها عن عطاء عن جابر في السلام على المصلي، رواه الشيخان من حديث عبد الوارث عنه، وتابعه الليث عن أبي الزبير عن جابر. ثانيها حديثه بهذا الإِسناد في الأمر بتخمير الآنية، وكف الصبيان عند المساء، أخرجه البخاريّ وأبو داود والتِّرمذيّ من حديث حماد بن زيد عنه، وتابعه ابن جُريج. ثالثها انفراد ابن ماجه بإخراجه، والراوي عنه ضعيف. روى عن عطاء ومجاهد والحسن وغيرهم، وروى عنه سعيد ابن عَرُوبة وعبد الوارث وحمَّاد بن زيد وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم بصريون، أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا. ثم قال المصنف:

стр. 5232

باب رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به الحديث الحادي والعشرون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، فَخَرَجَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتِ الصَّلاَةُ، فَجَاءَ بِلاَلٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حُبِسَ وَقَدْ حَانَتِ الصَّلاَةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ قَالَ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ. فَأَقَامَ بِلاَلٌ الصَّلاَةَ، وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيحِ. قَالَ سَهْلٌ التَّصْفِيحُ هُوَ التَّصْفِيقُ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ الْتَفَتَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاَةِ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا كَانَ يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قوله: وحانت الصلاة، الواو فيه حاليّة، وفي رواية الكَشميهنيّ "وقد حانت الصلاة". وقوله: "إن شئت" في رواية الكشميهنيّ "إن شئتم"، وقوله: "من الصف" في رواية الكَشميهنيّ "في الصف" وقوله: "فرفع أبو بكر يده" في رواية الكشميهنيّ "يديه" بالتثنية، وهذا موضع الترجمة، ويؤخذ منه أنَّ رفع اليدين للدعاء ونحوه، في الصلاة، لا يبطلها، ولو كان في غير موضع الرفع، لأنها هيأة استسلام وخضوع. وقد أقر النبي ﷺ أبا بكر على ذلك. وقوله: "حيث أشرت عليك" وفي رواية الكشميهني حين أشرت إليك. وهذا الحديث قد مرَّ في باب "من دخل ليؤم الناس" ومرَّ الكلام عليه هناك مستوفى.

стр. 5233

رجاله أربعة: وفيه ذكر أبي بكر وبلال، وقد مرَّ الجميع، مرَّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرَّ عبد العزيز بن أبي حازم في الخامس والأربعين من استقبال القبلة، ومرَّ أبو حازم وسهل في الثامن والمئة من الوضوء، ومرَّ أبو بكر بعد الحادي والسبعين منه، ومرَّ بلال في التاسع والثلاثين من العلم. ثم قال المصنف:

стр. 5234

باب الخصر في الصلاة بفتح المعجمة وسكون المهملة أي حكم الخصر، والمراد: اليدين على الخاصرة في الصلاة الحديث الثاني والعشرون حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نُهِيَ عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلاَةِ. وَقَالَ هِشَامٌ وَأَبُو هِلاَلٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قوله: نُهي عن الخصْر، بالضم على البناء للمجهول، وفاعل ذلك النبي ﷺ ، كما في رواية هشام الآتية. وقوله: وقال هشام وأبو هلال، الخ رواية هشام وهو ابن حسان، وصلها المؤلف في الذي بعده، لكن في رواية أبي ذَرٍّ عن الحمويّ والمستمليّ نَهى، على البناء للفاعل ولم يسمه، وسماه الكَشميهنيّ في روايته، وقد رواه مسلم والترمذيّ عن أبي أسامة عن هشام بلفظ "نهى النبي ﷺ أن يصلي الرجل مختصرًا" وكذا رواه أبو داود كذلك، وبلفظ "عن الخصر في الصلاة". ورواية أبي هلال وصلها الدارقطنيّ في الأفراد عن عمرو بن مرزوق عنه، بلفظ "نهى عن الاختصار في الصلاة". رجاله سبعة: قد مرّوا إلا أبا هلال، مرَّ أبو النعمان في الحادي والخمسين من الإيمان، ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ أيوب في التاسع منه، ومرَّ محمد بن سيرين في الأربعين منه، وأبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ هشام بن حسان في تعليق بعد الثامن عشر من الحيض. والباقي محمد بن سليم أبو هلال الراسِبيّ البصريّ، مولى أسامة بن لُؤَيّ، نزل في بني راسب فنسب إليهم، قيل: كان مكفوفًا، قال أبو داود: أبو هلال ثقة، ولم يكن له كتاب، وهو فوق عمران القَطّان، وقال النَّسائيّ: ليس بالقويّ. وقال البَزَّار. احتمل الناس حديثه وهو غير حافظ. وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاريّ في الضعفاء، وسمعت أبي يقول: يحول منه، قلت: استشهد به في الصحيح وروى له في كتاب "القراءة خلف الإمام"، وقال عمرو بن علي: كان يحيى لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه. روى عن الحسن وابن سيرين وقتادة وابن أبي سُلَيكة وغيرهم، وروى عنه ابن مَهْدِيّ وأبو

стр. 5235

النعمان وموسى بن إسماعيل وغيرهم. مات في خلافة المهديّ سنة سبع وستين ومئة وقيل سنة تسع. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم بصريون. أخرجه مسلم وأبو داود والترمذيّ والنسائي. الحديث الثالث والعشرون حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ نُهِيَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا. قوله: نهى، بالبناء للمفعول، وفي رواية الكشميهنيّ: نهى النبي ﷺ ، وقوله: "متخصرًا". في رواية الكشميهنيّ "مخصِّرا" بتشديد الصاد، وللنسائيّ "مختصرًا" بزيادة المثناة، وللإسماعيلي عن حماد بن زيد قال: قيل لأيوب: إن هشامًا روى عن محمد عن أبي هريرة، قال: نهى عن الاختصار في الصلاة، فقال: إنما قال التّخَصُّر، وكان سبب إنكار أيوب لفظ الاختصار، لكونه يفهم معنى آخر غير التخصر، كما يأتي. وفسره ابن أبي شَيبة عن أبي أسامة بالسند المذكور، فقال فيه: قال ابن سيرين: هو أن يضع يده على خاصرته وهو يصلي، وبذلك جزم أبو داود، ونقله التِّرمذيّ عن بعض أهل العلم، وهذا هو المشهور من تفسيره. وحكى الهرويّ، أن المرادَ بالاختصار قراءةُ آية أو آيتين من آخر السورة، وقيل: أن يحذف الطمأنينة، وهذان القولان، وإن كان أخذهما من الاختصار ممكنًا، لكنَّ رواية التخصّر والخُصر تأباهما. وقيل: الاختصار أن يحذف الآية التي فيها السجدة إذا مرَّ بها في قراءته، حتى لا يسجد في الصلاة لتلاوتها، حكاه الغزاليّ. وحكى الخطابيّ أن معناه أن يمسك بيده، مِخْصَرَة، أي: عصا يتوكأ عليها في الصلاة، وأنكر هذا ابن العربي في شرح الترمذيّ فأبلغ. ويؤيد الأول ما رواه أبو داود والنَّسائيّ عن سعيد بن زياد، قال: صليت الى جنب ابن عمر، فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى قال: هذا الصَّلب في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ ينهى عنه. وقد قال بكراهته ابن عمر وابن عباس وعائشة، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعيّ والأوزاعيّ، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الاختصار في الصلاة عملًا بظاهر الحديث. واختلف فى حكمة النهي عنه، فقيل: لأنّ إبليس أُهبط متخصرًا، أخرجه ابن أبي شَيبة عن حميد بن هلال موقوفًا. وقيل: لأنّ اليهود تكثر من فعله، فنهى عنه كراهةً للتشبه بهم. أخرجه المصنف في ذكر بني إسرائيل عن عائشة. زاد ابن أبي شيبة فيه "في الصلاة"، وفي رواية له "لا تشبهوا باليهود". وقيل: لأنه راحة أهل النار. أخرجه ابن أبي شيبة عن مجاهد، قال: وضع اليد على الحَقْو استراحة أهل

стр. 5236

النار. وروي أيضًا عن عائشة أنها رأت رجلًا واضعًا يده على خاصرته، فقالت: هكذا أهل النار في النار. وأجيب عما قيل من أن أهل النار المخلدين فيها لا راحة لهم، فكيف يقال هنا راحة أهل النار؟ بأنّ المراد أنهم يختصرون في النار لقصد الراحة، ولا راحة لهم بذلك. وقيل: لأنها صفة الرَّاجز حين ينشد. رواه سعيد بن منصور عن قيس بن عَبّاد بإسناد حسن. وقيل: لأنه فعل المتكبر، حكاه المهلَّب. وقيل: لأنه فعل أهل المصائب، حكاه الخطابيّ. وقول عائشة: إنه من اليهود، وأعلى ما ورد في ذلك، ولا منافاة بين الجمع. وقد ذكر صاحب "الاكمال" في حديث آخر "المختصرون يوم القيامة على وجوههم النور" ثم قال: "هم الذين يصلون بالليل، ويضعون أيديهم على خواصرهم من التعب". وقيل: يأتون يوم القيامة معهم أعمال يتوكؤون عليها، مأخوذ من المخصرة، وهي العصا. قال زين الدين العراقيّ: هذا الحديث لا أصل له، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك، وعلى تقدير وروده يكون المراد أنْ يكون بأيديهم مخاصر يختصرون عليها، ويجوز أن تكون أعمالهم تجسد لهم، كما ورد في بعض الأعمال، وفي حديث عبد الله بن أنيس أن أقل الناس يومئذ المتخصرون، أي يوم القيامة. رواه أحمد في مسنده والطبرانيّ في "الكبير" في قصة قتله لخالد بن سفيان أو ابن نبيح الهذلي، أنه ﵊ أعطاه عصا فقال: أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس، وفيه أنه سأله: لم أعطيتني العصا؟ قال: آية بيني وبينك يوم القيامة، وإن أقل الناس المتخصرون يومئذ. وإنها دفنت معه. وقد أخرج أبو داود عن أم قيس بنت محصن أن النبيّ ﷺ لما أسَنَّ وحمل اللحم، اتخذ عمودًا في مُصَلّاه، يعتمد عليه. وهذا الحديث لم يصح، وعلى تقدير وروده يكون النهي في حق من فعله بغير عذر، بل للاستراحة. وحديث أم قيس محمول على من فعل ذلك لعذر من كبر السن أو المرض ونحو ذلك، قال العَيْنيّ هكذا قال أصحابنا، واستدلوا به على أن الضعيف والشيخ الكبير، إذا كان قادرًا على القيام متكئًا على شيء، يصلي قائمًا متكئًا، ولا يقعد. قلت: وكذا المالكية إذا لم يقدر أحد على القيام مستقلًا استند، وكذلك الجلوس إذا لم يقدر عليه استند. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ عمرو بن علي الفَلّاس في السابع والأربعين من الوضوء، ومرَّ يحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرَّ هشام ومحمد بن سيرين وأبي هريرة في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 5237

باب تفكر الرجل الشيء في الصلاة قوله: "الشيء" بالنصب على المفعولية، والتقيد بالرجل لا مفهوم له، لأن بقية المكلفين في حكم ذلك سواء. قال المهلب: التفكر أمر غالب، ولا يمكن الاحتراز منه في الصلاة، ولا في غيرها، لما جعل الله للشيطان من السبيل على الإنسان، ولكن يفترق الحال في ذلك، فإنْ كان في أمر الآخرة والدين كان أخف مما يكون في أمر الدنيا. ثم قال: وقال عمر: إني لأجَهِّز جيشي وأنا في الصلاة. وصله ابن أبي شيبة عن أبي عثمان النَّهديّ عنه بهذا سواء. قال ابن التين: إنما هذا فيما يقل فيه التفكر، كان يقول: أجهز فلانًا، أقدم فلانًا، أخرج من العدد كذا وكذا، فيأتي على ما يريد في أقل شيء من الفكرة. فأما من يتابع التفكر، ويكثر حتى لا يدري كم صلى، فهذا اللاهي في صلاته، فتجب عليه الإعادة. وليس ما قاله من الإطلاق على وجهه، فقد جاء عن عمر ما يأباه، فروى ابن أبي شيبة عن عُروة بن الزُّبير قال: قال عمر: إني لأَحْسِب جزْية البحرين وأنا في الصلاة. وروى صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن همام بن الحارث أنَّ عمر صلى المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف قالوا: يا أمير المؤمنين إنك لم تقرأ فقال: إني حدثت نفسي، وأنا في الصلاة، بعِير جَهَّزْتُها من المدينة حتى دخلت الشام، ثم أعاد وأعاد القراءة. وعن عياض: الأشعريُّ قال: صلى عمر المغرب، فلم يقرأ، فقال له أبو موسى الأشعري: إنك لم تقرأ، فأقبل على عبد الرحمن بن عوف فقال: صدق، فأعاد، فلما فرغ قال: لا صلاة ليست فيها قراءة، إنما شغلني عِيْرٌ جهزتها إلى الشام، فجعلت أتفكر فيها، وهذا يدل على أنه إنما أعاد لترك القراءة، لا لكونه كان مستغرقًا في الفكرة. ويؤيده ما روى الطحاويّ عن عبد الرحمن بن حنظلة ابن الراهب أن عمر صلى المغرب، فلم يقرأ في الركعة الأولى، فلما كان في الثانية قرأ بفاتحة الكتاب مرتين، فلما فرغ وسلم سجد سجدتي السهو. ورجال هذه الأثار ثقات، وهي محمولة على أحوال مختلفة، والأخير كأنه مذهب لعمر، ولهذه المسألة التفات إلى مسألة الخشوع في الصلاة، وقد تقدم البحث فيه في باب الخشوع في الصلاة من أبواب صفة الصلاة، ومرَّ البحث في هذا المعنى في الوضوء عند حديث عثمان بن عفان "لا يحدث فيهما نفسه"، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي.

стр. 5238

الحديث الرابع والعشرون حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا عُمَرُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ سَرِيعًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَى مَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ فَقَالَ: ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلاَةِ تِبْرًا عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ أَوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ. الحديث ظاهر فيما ترجم له، لأنه ﷺ تفكر في أمر التبر المذكور، ثم لم يعد الصلاة. وقد مرَّ هذا الحديث في باب "من صلى بالناس، فذكر حاجة" من أواخر أبواب صفة الصلاة. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ إسحاق بن منصور في الخامس والثلاثين من الإيمان، ومرَّ رُوح بن عبادة في الأربعين منه، وابن أبي مُليكة في تعليق بعد الأربعين. هذا ومرَّ عمر بن سعيد وعُقبة بن الحارث في الثلاثين من العلم. وقد مرَّ هذا الحديث في الثامن عشر والمئة من صفة الصلاة ومرَّ الكلام عليه هناك. الحديث الخامس والعشرون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أُذِّنَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ فَإِذَا سَكَتَ أَقْبَلَ، فَلاَ يَزَالُ بِالْمَرْءِ يَقُولُ لَهُ اذْكُرْ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى لاَ يَدْرِي كَمْ صَلَّى. شاهد الترجمة قوله: "حتى لا يدري كم صلى" فإنه يدل على أن التفكر لا يقدح في صحة الصلاة ما لم يترك شيئًا من أركانها، وهذا الحديث قد مرَّ في باب فضل التأذين، ومرَّ الكلام عليه هناك مستوفى. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ يحى بن بكير، والليث في الثالث من بدء الوحي، مرَّ جعفر بن ربيعة في الرابع من التيمم، ومرَّ الأعرج في السابع من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني عنه. هذا التعليق طرف من الحديث الذي قبله في رواية أبي سلمة كما يأتي في سادس ترجمة من أبواب السهو، ولكنه من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وسيأتي في سابع ترجمة أيضًا من طريق الزهري عن أبى سلمة، لكن باختصار ذكر الأذان، وهو بهذين الطريقين عن أبى سلمة عن

стр. 5239

أبي هريرة، مرفوعًا، بخلاف ما يوهمه سياقه هنا. وقد مرَّ استيفاء الكلام على مضمنه عند حديث عبد الله بن مسعود في باب "التوجه نحو القبلة حيث كان"، وأبو سلمة مرَّ في الرابع من بدء الوحي. الحديث السادس والعشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: يَقُولُ النَّاسُ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَلَقِيتُ رَجُلاً فَقُلْتُ بِمَ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَارِحَةَ فِي الْعَتَمَةِ فَقَالَ لاَ أَدْرِي. فَقُلْتُ لَمْ تَشْهَدْهَا قَالَ بَلَى. قُلْتُ لَكِنْ أَنَا أَدْرِي، قَرَأَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا. قوله: قال: قال أبو هريرة، في رواية الإسماعيلي: عن أبي هريرة، وقوله: يقول الناس أكثر أبو هريرة، أخرجه البيهقيّ في "المدخل" عن ابن أبي ذيب بلفظ "إن الناس قالوا قد أكثر أبو هريرة من الحديث عن رسول الله ﷺ ، وإني كنت ألزمه لشبع بطني، فلقيت رجلًا، فقلت له: بأي سورة؟ فذكر الحديث. وفي مناقب جعفر صَدْرُ هذا الحديث، وقال فيه، بعد قوله لشبع بطني: حين لا آكل الخَمِير، ولا ألبس الحرير، فذكر قصة جعفر بن أبي طالب، وقد مرَّ الحديث في باب "حفظ العلم"، ومرَّ الكلام عليه هناك، وفيه الإِشارة إلى سبب إكثاره، وأن المهاجرين والأنصار كانوا يشغلهم المعاش، وهذا يدل على أنه كان يقول هذه المقالة، أمامَ ما يريد أن يحدث به من كل أمر يدل على صحة إكثاره، وعلى السبب في ذلك، وعلى سبب استمراره على التحديث. وقوله: فلقيت رجلًا، لم يقف صاحب "الفتح" على تسميته، ولا على تسمية السورة. وقوله: بِمَ، بغير ألف، لأبي ذَرٍ، وهو المعروف، وللأكثر بإثبات الألف، وهو قليل، أي: بأي شيء، وقوله: البارحة أي أقرب ليلة مضت، وفي هذه القصة إشارة إلى سبب إكثار أبي هريرة، وشدة إتقانه وضبطه، بخلاف غيره. وشاهدُ الترجمة دلالةُ الحديث على عدم ضبط ذلك الرجل، كأنه اشتغل بغير أمر الصلاة حتى نسي السورة التي قرئت، أو دلالته على ضبط أبي هريرة، كأنه شغل فكره بأفعال الصلاة حتى ضبطها وأتقنها. وبالأول جزم غير الكَرَمانيُّ. رجاله خمسة: قد مرّوا؛ وفيه لفظ رجل مبهم، مرَّ محمد بن المثنى في التاسع من الإيمان، وسعيد المَقْبَرِيّ في الثاني والثلاثين منه، وأبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ عثمان بن عمر في السابع والعشرين من الغسل، ومرَّ ابن أبي ذيب في الستين من العلم، والرجل المبهم، قال في "الفتح" لم أقف على تسميته.

стр. 5240

خاتمة اشتملت أبواب العمل في الصلاة من الأحاديث المرفوعة على اثنين وثلاثين حديثًا، المعلق من ذلك ستة، والبقية موصولة، المكرر منها فيها وفيما مضى ثلاثة وعشرون، والبقية خالصة. وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي برزة في قصة انفلات دابته، وحديث عبد الله بن عمر والمعلق في النفخه في السجود، وحديث أبي هريرة في التخصر، وحديثه في القراءة في العتمة. وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم ستة آثار، والله تعالى أعلم. ثم قال المصنف: بسم الله الرحمن الرحيم باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة وللكشميهني والأصيلي وأبي الوقت: ركعتي الفرض، وسقط لفظ "باب" من رواية أبي ذَرٍّ، والسهوُ الغفلةُ عن الشيء وذهاب القلب إلى غيره، وفرق بعضهم بين السهو والنسيان، وليس بشيء، وقد مرَّ في باب التوجه نحو القبلة، عند حديث عبد الله بن مسعود، في أبواب استقبال القبلة، ما قيل في حكمه.

стр. 5241

الحديث الأول حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قال: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ سَلَّمَ. قد مرَّ أن بحينة اسم أمه أو أم أبيه، فينبغي أن يكتب بحينة بألف، وقوله صلى لنا، أي بنا أو لأجلنا، وقد مرَّ في أبواب التشهد من رواية شُعيب بلفظ "صلى بهم" ويأتي في الإيمان والنذور بلفظ "صلى بنا" وقوله: من بعض الصلوات، بيّن في الرواية التي تليها أنها الظّهر، وقوله: ثم قام، زاد الضَّحّاك بن عثمان عن الأعرج "فسبحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته"، أخرجه ابن خُزيمة. وقوله: فلما قضى صلاته، أي: فرغ منها. واستدل به من زعم أن السلام ليس من الصلاة، حتى لو أحدث بعد أن جلس، وقبل أن يسلم، تمت صلاته. وهو قول بعض الصحابة والتابعين، وبه قال أبو حنيفة، وتُعُقِّبَ بأن السلام لما كان للتحليل من الصلاة، كان المصلي إذا انتهى إليه كمن فرغ من صلاته، ويدل على ذلك قوله في رواية ابن ماجة عن الأعرج "حتى إذا فرغ من الصلاة، إلَّا أنْ يُسَلِّم" فدل على أن بعض الرواة حذف الاستثناء لوضوحه، والزيادة من الحافظ مقبولة. وقد مرَّ استيفاء الكلام على هذا البحث في باب التسليم، من أبواب صفة الصلاة. وقوله: فسجد سجدتين، فيه مشروعية سجود السهو، وأنه سجدتان، فلو اقتصر على سجدة واحدة ساهيًا لم يلزمه شيء، أو عامدًا بطلت، لأنه تعمد الإتيان بسجدة زائدة ليست بمشروعة، وعند المالكية لو سجد واحدة، وتذكر قبل السلام، أضاف إليها، فإن كان سلم، سجد الأخرى، وتشهد وسلم، ولا سجود عليه. وتمنع الزيادة على اثنتين، ولو سجد ثلاثًا فلا سجود عليه قَبْليًا أو بعديًا، وخالف اللخميّ في القَبْلي فقال: إن سجد ثلاثًا سجد بعد السلام. وظاهر هذا الكلام أن هذا في السهو، ولم أر الكلام في العمد، والظاهر عندي أنَّ تعمدها مبطل كما ذكر صاحب الفتح، وفيه أنه يكبر لهما كما يكبر في غيرهما من السجود. وفي رواية الليث عن ابن شهاب، كما سيأتي بعد أربعة أبواب، يكبر في كل سجدة. وفي رواية الأوزاعيّ "فكبر ثم سجد، ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فسجد، ثم كبر فرفع رأسه، ثم سلم" أخرجه ابن ماجة، ونحوه

стр. 5242

في رواية ابن جُريج، كما يأتي بيانه عقب حديث الليث في المتابعة. واستدل به على مشروعية التكبير فيهما، والجهر به كما في الصلاة، وأن بينهما جلسة فاصلة، واستدل به المالكية ويعض الشافعية على الاكتفاء بالسجدتين للسهو في الصلاة ولو تكرر، من جهة أن الذي فات في هذه القصة الجلوسُ والتشهد فيه، وكل منهما، لوسها المصلي عنه على انفراده، سجد لأجله، ولم ينقل أنه ﷺ ، سجد في هذه الحالة غير سجدتين. وتُعُقب بأنه ينبني على مشروعية السجود، لترك ما ذكر، ولم يستدلوا على مشروعية ذلك بغير هذا الحديث، فيستلزم إثبات الشيء بنفسه، وفيه ما فيه. وقد صرح في بقية الحديث بأن السجود مكان ما نسي من الجلوس، كما يأتي في رواية الليث "نعم حديث ذي اليدين" دال لذلك، وقد مرَّ ما فيه من الخلاف في باب "التوجه نحو القبلة حيث كان" عند حديث ابن مسعود. وقوله: وهو جالس، جملة حالية متعلقة بقوله "سجد" أي: أنشأ السجود جالسًا، وقوله: ثم سلم، زاد في رواية يحيى بن سعيد "ثم سلم بعد ذلك" وفي رواية الليث الآتية "وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس". وقد مرَّ في الباب المذكور تحرير مذاهب الأئمة في محل السجود، واستدل بزيادة الليث المذكورة على أن السجود خاص بالسهو، فلو تعمد ترك شيء، مما يجبر بسجود السهو لا يسجد، وهو مذهب الجمهور ورجحه الغزالي، وناس من الشافعية. قلت: وهو المعتمد عند المالكية، ومقابله مشهور أيضًا، وهو أن تارك السنة عمدًا تبطل صلاته، واختلف هل الخلاف جار ولو ترك سننًا عديدة؟ وهذا هو المشهور، أو محله في السنة الواحدة المؤكدة، وأما سنن عديدة فتبطل الصلاة بتعمد تركها. واستدل به أيضًا على أن المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام، وإن لم يسه المأموم، ونقل ابن حزم فيه الإجماع، لكنْ استثنى غيره ما إذا ظن الإمام أنه سها فسجد، وتحققَّ المأمومُ أنَّ الإمام لم يسه فيما سجدَ له، وفي تصويرها عسر، وما إذا تبين أن الإمام محدث. ونقل أبو الطيب الطبريّ أن ابن سيرين استثنى المسبوق أيضًا. قلت: مذهب مالك أن المسبوق إذا أدرك مع الإمام ركعة فأكثر، يسجد معه القبليّ، ويؤخر البعديّ إلى إتمام صلاته، ولو سجد معه البعديّ عمدًا بطلت صلاته، لا سهوًا، وفي الجهل قولان؛ وإن لم يدرك معه ركعة بطلت صلاته بسجوده، قبليًا أو بعديًا، لأنه غير مأموم حقيقة. وفيه أن التشهد الأول غير واجب، وقد مرَّ في أبواب صفة الصلاة باب "من لم ير التشهد الأول واجبًا". وفيه أن سجود السهو لا تَشهُّد بعده إذا كان قبل السلام، وقد مرَّ استيفاء الكلام على ذلك مفصلًا في باب "تشبيك الأصابع" عند حديث ذي اليدين، وفيه أن من سها عن التشهد الأول حتى قام الى الركعة ثم ذكر لا يرجع، فقد سبح به ﷺ ، فلم يرجع، فلو تعمد المصلي الرجوع بعد

стр. 5243

تَلَبُّسه بالركن بَطَلَت صلاته عند الشافعية، خلافًا للجمهور. قلت: مشهور مذهب مالك أنها لا تبطل برجوعه إلّا إذا أتم القراءة. وفيه أن السهو والنسيان جائزان على الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، فيما طريقه التشريع، وفيه أن محل سجود السهو آخر الصلاة، فلو سجد للسهو قبل أن يتشهد ساهيًا، أعاد عند من يوجب التشهد الأخير، وقد مرَّ الكلام عليه في باب التشهد في الآخرة. رجاله خمسة: مرَّ منهم عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، والأعرج في السابع من الإيمان، ومرَّ عبد الله بن بَحينة في الثاني والأربعين من كتاب الصلاة، ومرَّ عند هذا الثاني والأربعين الكلام على من أخرجه. الحديث الثاني حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قال أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ. هذا الحديث رواية من الذي قبله، والكلام على الأول هو الكلام عليه. رجاله خمسة: مرَّ محلهم في الذي قبله، إلا يحى بن سعيد، وقد مرَّ في الأول من بدء الوحي ثم قال المصنف.

стр. 5244

باب إذا صلى خمسًا قيل: أراد البخاريّ التفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو الزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام، وفي الزيادة يسجد بعده، وبالتفرقة هكذا قال مالك، والمُزَنيّ وأبو ثور من الشافعية، وقال ابن عبد البر: إنه أولى من غيره للجمع بين الخبرين. قال: وهو موافق للنظر، لأنه في النقص جَبْرٌ، فينبغي أن يكون من أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم للشيطان، فيكون خارجها. وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ، ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرة، وكان الحكم على وفقها، كانت علة، فيعم الحكم جميع محالها، فلا تخصص إلا بنص. وتعقب بأن كون السجود في الزيادة ترغيمًا للشيطان فقط ممنوعٌ، بل هو جَبْرًا أيضًا، لما وقع من الخلل، فإنه، وإن كان زيادة، فهو نقص في المعنى، وإنما سمى النبي ﷺ ، سجود السهو ترغيمًا للشيطان في حالة الشك، كما في حديث أبي سعيد عند مسلم. قلت: هذا الاعتراض ساقط، لأنهم لم يقولوا: إن السجود في الزيادة ترغيم فقط، وكونه جبرًا مع الترغيم غير قادح في المناسبة المذكورة. وقال الخطابيّ: لم يرجع من فرق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح، وقد مرت مذاهب الأئمة، في كون السجود قبل السلام أو بعده، مستوفاةً في باب التوجه نحو القبلة، حيث كان عند حديث ابن مسعود من أبواب استقبال القبلة. الحديث الثالث حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا فَقِيلَ لَهُ أَزِيدَ فِي الصَّلاَةِ فَقَالَ وَمَا ذَاكَ. قَالَ صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ. قوله: صلى الظهر خمسًا، كذا جزم به الحكم، وقد تقدم في أبواب القبلة من رواية منصور عن إبراهيم أتم من هذا السياق، وفيه قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص. وقوله: فقيل له أزيد في الصلاة، فقال: وما ذاك؟، أخرجه مسلم وأبو داود عن إبراهيم بن سُوَيد النخعيّ عن ابن مسعود بلفظ "فلما انْفتل تَشَوَّشَ القومُ بينهم، فقال: "مالكم"؟ فقالوا: يا رسول الله: هل زِيد في الصلاة؟ قال: لا فتبين، أن سؤالهم عن ذلك كان بعد استفساره لهم عن مسارَرتهِم، وهو دال على عظيم أدبهم معه، ﵊.

стр. 5245

وقولهم: هل زيد في الصلاة، يفسر الرواية الماضية في أبواب القبلة بلفظ "هل حدث في الصلاة شيء؟ " وقد روى الأعمش عن إبراهيم هذا الحديث مختصرًا، ولفظه "أن النبيَّ ﷺ سجد سجدتي السهو بعد السلام، والكلام أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن خُزيمة وغيرُهم قال ابن خزيمة: إن كان المراد بالكلام قوله: "وما ذلك" في جواب سؤالهم: "أزِيد في الصلاة؟ فهذا نظير ما وقع في قصة ذي اليدين. وإن كان المراد به قوله: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون" فقد اختلف الرواة في الموضع الذي قالها فيه، ففي رواية منصور أن ذلك كان بعد سلامه من سجدتي السهو. وفي رواية غيره أن ذلك كان قبل، ورواية منصور أرجح، وقد مرت مباحث هذا الحديث مستوفاة عند ذكره في باب "التوجه نحو القبلة" من أبواب استقبال القبلة. رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرّ إبراهيم وعلقمة في الخامس والعشرن منه، ومرَّ ابن مسعود في أول أثر منه، ومرَّ الحكم بن عتيبة في الثامن والخمسين من العلم. ثم قال المصنف:

стр. 5246

باب إذا سلم في ركعتين أو في ثلاث سجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو أطول في رواية لغير أبي ذر "فسجد" والأول أوجه، وعلى الثاني يكون الجواب محذوفًا تقديره "ما يكون الحكم في نظائره"، وأورد فيه حديث أبي هُريرة في قصة ذي اليدين، وليس في شيء من طرقه إلا التسليم من اثنتين، نَعَمْ، ورد التسليم في ثلاث فيه حديث عمران بن حصين عند مسلم، وقوله مثل سجود الصلاة أو أطول، هو في بعض طرق أبي هريرة كما في الباب الذي بعده. الحديث الرابع حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ الصَّلاَةُ يَا رَسُولَ اللَّهَ أَنَقَصَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ. قَالُوا نَعَمْ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. قَالَ سَعْدٌ وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَ وَتَكَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَقَالَ هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ . قوله: فسلّم، زاد أبو داود عن مُعاذ عن شُعبة "في الركعتين"، وقوله: قال سعد، يعني ابن إبراهيم راوي الحديث، وهو بالإسناد المصدر به الحديث، وقد أخرجه ابن أبي شيبة عن شُعبة مفردًا، وهذا الأثر يقوي قول من قال: إن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها، لكنْ يحتملُ أنْ يكون عروة تكلم ساهيًا، أو ظانًا أن الصلاة تمت. ومرسل عروة هذا مما يقوي طريق أبي سَلَمة الموصولة، ويحتمل أن يكون عروة حمله عن أبي هريرة، فقد رواه عن أبي هريرة جماعة من رفقة عروة من أهل المدينة كابن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وغيرهم من الفقهاء. وهذا الحديث مرت مباحثه مستوفاةً غاية عند ذكره في باب "تشبيك الأصابع في المسجد" وفي باب "التوجه نحو القبلة عند حديث ابن مسعود". رجاله ستة: قد مرّوا؛ مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني منه ومرَّ سعد في السابع والأربعين من الوضوء، وأبو سلمة في الرابع من بدء الوحي، وعروة في الثاني منه، وقد مرَّ هذا الحديث في الثالث والثمانين من استقبال القبلة، ومرَّ ذو اليَدَيْن هناك، ومرَّ الكلام عليه هناك. ثم قال المصنف:

стр. 5247

باب من لم يتشهد في سجدتي السهود أي؛ إذا سَجَدهما بعد السلام من الصلاة، وقد مرَّ ما قيل في التشهد مستوفى عند حديث أبي هريرة في باب "تشبيك الأصابع في المسجد" وغيره، ثم قال: وسلم أنس والحسن، ولم يتشهدا، وهذان الأثران وصلهما ابن أبي شيبة من طريق قتادة عنهما، وأنس قد مرَّ في السادس من الإيمان، ومرَّ الحسن في الرابع والعشرين منه. ثم قال: وقال قتادة: لا يتشهد، قال في "الفتح" فيه نظر، فقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: يتشهد في سجدتي السهو ويسلم، فلعل لا في الترجمة زائدة ويكون قتادة اختلف عليه في ذلك. الحديث الخامس حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قال أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنِ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أَقُصِرَتِ الصَّلاَةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ. فَقَالَ النَّاسُ نَعَمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ. قوله: فقام رسول الله ﷺ فصلى اثنتين، لم يقع في غير هذه الرواية لفظ القيام، وقد استشكل؛ لأنه ﷺ كان قائمًا، وأجيب بأن المراد بقوله: "فقام" أي: اعتدل، لأنه كان مستندًا إلي الخشبة كما مرَّ في باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، وكما يأتي قريبًا. أو هو كناية عن الدخول في الصلاة. وقال ابن المنير: فيه إيماء إلى أنه أحرم ثم جلس، ثم قام، كذا قال، وهو بعيد جدًا. وقوله في آخره: ثم رفع، زاد في باب خبر الواحد من هذا الوجه "ثم كبر ثم رفع ثم كبر فسجد مثل سجوده ثم رفع" وقد مرَّ عند هذا الحديث، في الباب المذكور آنفًا، تحريرُ ما قيل في تكبيرة الإحرام في سجود السهو. رجاله خمسة: وفيه ذكر ذي اليدين، وقد مرَّ الجميع، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أيوب في التاسع من الإيمان، وابن سيرين في الأربعين منه، وأبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ

стр. 5248

محل ذي اليدين في الذي قبله. الحديث السادس حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ فِي سَجْدَتَىِ السَّهْوِ تَشَهُّدٌ قَالَ لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. قوله: قال ليس في حديث أبي هريرة، في رواية أبي نعيم: فقال لم أحفظ فيه عن أبي هريرة شيئًا، وأحب إلى أن يتشهد، وقد يفهم من قوله: "ليس في حديث أبي هريرة" أنه ورد في حديث غيره، وهو كذلك إلى آخر ما مرَّ مستوفى في باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره. رجاله خمسة: مرَّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإيمان، وحماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ محل ابن سيرين وأبي هريرة في الذي قبله. الرابع: سَلَمة بن عَلْقَمة التميميّ، أبو بشر البَصريّ، قال أحمد: بَخٍ ثقة، وقال ابن سعد وابن مُعين: ثقة، وقال ابن المَدِينيّ ثبت، وقال أبو حاتم: صالح الحديث ثقة، وقال ابن عطية: كان سلمة أحفظ لحديث محمد بن سيرين من خالد الحذاء. وذكره ابن حِبّان في الثقات وقال: كان حافظًا متقنًا. وقال العجليّ: ثقة فقيه. روى عن محمد بن سيرين ونافع مولى ابن عمر والوليد أبي بشر العنبريّ، وروى عنه حماد بن زيد ويزيد بن زُرَيع وابن علية وغيرهم. مات سنة تسع وثلاثين ومئة. ثم قال المصنف:

стр. 5249

باب يكبر في سجدتي السهو وقد اختلف في سجود السهو بعد السلام، هل تشترط له تكبيرة إحرام، أو يكتفى بتكبير السجود، إلى آخر ما مرَّ مستوفى في باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره. الحديث السابع حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قال حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ : إِحْدَى صَلاَتَىِ الْعَشِيِّ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَكْثَرُ ظَنِّى الْعَصْرَ، رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَقَالُوا أَقَصُرَتِ الصَّلاَةُ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ﷺ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ فَقَالَ لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ. قَالَ بَلَى قَدْ نَسِيتَ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. قوله: وأكثر ظني أنها العصر، هو قول ابن سيرين بالإسناد المذكور، وإنما رَجَح ذلك عنده لأنّ في حديث عمران الجزمَ بأنها العصر، كما مرَّ في الباب المذكور آنفًا. وقوله: ذا اليدين، قد مرَّ في الباب المذكور ما قيل من التفرقة بين ذي اليدين وذي الشمالين، ومرت هناك مباحث هذا الحديث مستوفاة غاية، ومرَّ في باب "التوجه نحو القبلة" عند حديث ابن مسعود كثير من مباحثه. وقوله: فقال لم أنس ولم تقصر، كذا في أكثر الطرق، وهو صريح في نفي النسيان والقصر. وفيه تفسيرٌ للمراد بقوله، في رواية سفيان عن أبي هريرة عند مسلم: "كل ذلك لم يكن" وتأييدٌ لما قاله أصحاب المعاني: إن لفظ "كل" إذا تقدم، وعقبها النفي كان نفيًا لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت، كأن يقول: لم يكن كل ذلك. ولهذا أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله: قد كان بعض ذلك، وأجابه في هذه الرواية بقوله: بلى، قد نسيت؛ لأنه لمّا نفى الأمرين، وكان مقررًا عند الصحابي أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية، جزم بوقوع النسيان لا بالقصر، وقد قالوا: إن هذا القول منه ﵊ ردٌ على ذي اليدين في موضع استعماله الهمزة وأم، وليس بجواب؛ لأنّ السؤال بالهمزة وأم عن تعيين أحد المستويين، وجوابه تعيين

стр. 5250

أحدهما، يعني كل ذلك لم يكن، فكيف تسأل بالهمزة وأم؟ ولذلك بين السائل بقوله: قد كان بعض ذلك، أو بقوله: بلى قد نسيت، وهو حجة لمن قال إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع، إلى آخر ما مرَّ مستوفى عند حديث ابن مسعود في الباب المذكور آنفًا. وقد استدل من قال من أصحاب مالك والشافعي إن الأفعال الكثيرة في الصلاة، التي ليست من جنسها، إذا وقعت على وجه السهو لا تبطلها؛ لأنه خرج سرعان الناس، وفي بعض طرق الصحيح أنه ﵊ خرج إلى منزله، ثم رجع. وفي بعضها "أتى جِذْعًا في قِبْلة المسجد، واستند إليه، وشبك بين أصابعه، ثم رجع ورجع الناس، وبنى بهم" وهذه أفعال كثيرة، لكن للقائل إن الكثير يبطل، أن يقول هذه غير كثيرة، كما قال ابن الصلاح، وحكاه القرطبيّ عن أصحاب مالك. والرجوع في الكثرة والقلة إلى العرف، على الصحيح عند المالكية وعند الشافعية، كما قال القسطلانيّ هنا. وقد مرَّ الكلام على ذلك مستوفى في باب "إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة" والمذهب الذي قطع به جمهور أصحاب الشافعيّ، كما قال القسطلانيّ، وهو المعروف عند المالكية، أن الناسي في ذلك كالعامد، فيبطلها الفعل الكثير ساهيًا. رجاله أربعة: وفيه ذكر أبي بكر وعمر وذي اليدين، وقد مرَّ الجميع، مرَّ حفص بن عمر في الثالث والثلاثين من الوضوء ومرَّ يزيد بن إبراهيم في الثالث من كتاب الصلاة، ومرَّ محل ابن سيرين وأبي هريرة في الذي قبله بحديث، ومرَّ محل ذي اليدين في الذي قبل ذلك، ومرَّ أبو بكر بعد الحادي والسبعين من الوضوء، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي. الحديث الثامن حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الأَسْدِيِّ حَلِيفِ بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي صَلاَةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلاَتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فَكَبَّرَ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ. وقوله: الأسْدي، بسكون السين، وأصله الأزدي، نسبة إلى أَزْد، فأُبدلت الزاي سينًا. وقوله: حليف بني عبد المطلب، هذا وهم، والصواب حليف بني المطلب بإسقاط عبد، وفي الحديث أنه يشرع التكبير لسجود السهود كتكبير الصلاة، وهو مطابق لهذه الترجمة، وقد مرَّ هذا الحديث في أول أبواب السهو.

стр. 5251

رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرَّ الليث وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ الأعرج في السابع من الإيمان، ومرَّ عبد الله بن بحينة في الثاني والأربعين من كتاب الصلاة. ثم قال: تابعه ابن جُرَيج عن ابن شهاب في التكبير، وَصَلَه عبد الرزاق عنه، ومن طريقه الطبراني ولفظه "يكبر في كل سجدة". وأخرجه أحمد عن عبد الرزاق ومحمد بن بكير، كلاهما عن ابن جريج، بلفظ "فكبر فسجد ثم كبر فسجد ثم سلم". وابن جريج مرَّ في الثالث من الحيض، ومرَّ ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي. ثم قال المصنف:

стр. 5252

باب إذا لم يدر كم صلى ثلاثًا أو أربعًا سجد سجدتين وهو جالس الحديث التاسع حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ الأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى ثَلاَثًا أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ. هذا الحديث قد تقدم في باب فضل التأذين، ومرَّ الكلام على ما يتعلق بالأذان منه مستوفى غاية الاستيفاء. وقوله: إن يدري، بكسر الهمزة، وهي نافية. وقوله: فإذا لم يدر أحدكم كم صلى الخ، مساو للترجمة من غير مزيد، وظاهره أنه لا ينبي على اليقين؛ لأنه أعم من أن يكون داخل الصلاة أو خارجها، وهو معارض بحديث أبي سعيد عند مسلم، المار ذكره عند حديث ابن مسعود في الباب المذكور، فإنه صريح في الأمر بطرح الشك، والبناء على اليقين، فقيل: يجمع بينهما يحمل حديث أبي هريرة على من طرأ عليه الشك وقد فرغ قبل أن يسلم، فإنه لا يلتفت إلى ذلك الشك، ويسجد للسهو كمن طرأ عليه بعد أن سلم، فلو طرأ عليه قبل ذلك بني على اليقين. كما في حديث أبي سعيد. فقوله فيه: وهو جالس بقوله إذا شك لا بقوله سجد. وهذا أولى من قول من سلك طريق الترجيح فقال. حديث أبي سعيد اختلف في وصله وإرساله، بخلاف حديث أبي هريرة، وقد وافقه حديث ابن مسعود، فهو أرجح؛ لأن لمخالفه أن يقول: بل حديث أبي سعيد صححه مسلم، والذي وصله حافظ فزيادة مقبولة، وقد وافقه حديث أبي هريرة الآتي قريبًا، فيتعارض الترجيح. وقيل: يجمع بينهما يحمل حديث أبي هريرة على حكم ما يجبر به الساهي صلاته، وحديث أبي سعيد على ما يصنعه من الإتمام وعدمه. ولم يقع في هذه الرواية تعيين محل السجود، ولا في رواية الزهريّ التي في الباب الذي يليه، وقد روى الدارقطنيّ عن يحيى بن أبي كثير، بهذا الإسناد مرفوعًا "إذا سها أحدكم، فلم يدر أزاد أو نقص، فليسجد سجدتين وهو جالس، ثم يسلم" إسناده قوي. ولأبي داود عن ابن أخي الزهريّ

стр. 5253

عن عمه نحوه "وهو جالس قبل التسليم" وله عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهريّ بإسناده، وقال فيه "فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم يسلم" قال العَلائيَّ: هذه الزيادة في هذا الحديث بمجموع هذه الطرق لا تنزل عن درجة الحسن المحتج به. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ معاذ بن فَضَالة في التاسع عشر من الوضوء، ومرَّ هشام الدُّسْتوائي في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرَّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرَّ أبو سلمة في الرابع من بدء الوحي، وأبو هريرة في الثاني من الإيمان. ثم قال المصنف:

стр. 5254

باب السهو في الفرض والتطوع قوله: بابٌ، أي: بالتنوين، أي: هل يفترق حكمه أو يتَّحد؟ وإلى الثاني ذهب الجمهور، وخالف في ذلك ابن سيرين وقتادة، ونُقل عن عطاء. ونظم بعض المالكية المسائل التي يختلف فيها سهو الفرض والنفل فقال: السهو في النفل كفرض ما عدا ... سرًا وجهرًا سورة نلتَ الهدى وعقْدُهُ ثالثة، وتركُهُ ... ركنًا، وطال هكذا عليكه فإن الثلاثة الأول يسجد لسهوها في الفرض بخلاف النفل، ومن عقد الركعة الثالثة في الصبح مثلًا، رجع بخلاف النفل، فإنه يتمادى، ويأتي برابعة، ومن نسي ركنًا من فرض وحصل الطول، يعيد، بخلاف النفل، فلا إعادة عليه. ثم قال: وسجد ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، سجدتين بعد وتره، وتعلق هذا الأثر بالترجمة، من جهة ان ابن عباس كان يرى أن الوتر غير واجب، ويسجد مع ذلك فيه للسهو، ووصله ابن أبي شيبة، بإسناد صحيح، عن أبي العالية قال: رأيت ابن عباس يسجد بعد وتره سجدتين، وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي. الحديث العاشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لاَ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ. وجه مطابقة الحديث للترجمة من جهة قوله: وإذا صلى، أي: الصلاة الشرعية، وهو أعم من أن تكون فريضة أو نافلة. وقد اختلف في إطلاق الصلاة عليهما، هل هو من الاشتراك اللفظيّ أو المعنويّ؟ وإلى الثاني ذهب جمهور أهل الأصول، لجامع ما بينهما من الشروط التي لا تنفك. ومال الفخر الرازيّ إلى أنه من الاشتراك اللفظيّ، لما بينهما من التباين في بعض الشروط. ولكن طريقة الشافعي ومن تبعه في أعمال المشترك في معانيه عند التجرد، تقتضي دخول النافلة أيضًا في هذه العبارة، فإن قيل: إن قوله في الرواية التي قبل هذه "إذا نودي للصلاة" قرينة في أن المراد

стр. 5255

الفريضة، وكذا قوله "إذا ثَوَّب" أجيب بأن ذلك لا يمنع تناول النافلة. لأنّ الإتيان حينئذ بها مطلوب، لقوله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة". وهذا الحديث رواية من الذين قبله، فالكلام عليه كلام على هذا. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، وأبو سلمة في الرابع منه، وأبو هريرة في الثاني من الإيمان. ثم قال المصنف:
следующие страницы →