Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
رجاله ستة:
مرّ محل مسدد ويحيى وعبيد الله في الذي قبله بحديث، ومرَّ خُبيب بن عبد الرحمن في الثاني والستين من مواقيت الصلاة، ومعه حفص بن عاصم، ومرَّ أبو هُريرة في الثاني من الإيمان.
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، والاثنان الأوّلان بصريَّان، والبقبة مدنيون، أخرجه البخاريّ أيضًا في الحج والاعتصام، ومسلم في الحج ثم قال المصنف:
стр. 5182
باب مسجد بيت المقدس
أي فضله، وقد مرّ ما فيه من اللغات عند حديث "لا تشد الرحال".
الحديث الثاني العشرون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ سَمِعْتُ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يُحَدِّثُ بِأَرْبَعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْجَبْتنَي وَآنَقْتنَي قَالَ: لاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إِلاَّ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ. وَلاَ صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَلاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى وَمَسْجِدِي.
وقوله "فاعجبتني" أي: الأربع، وهو بسكون الموحدة بصيغة الجمع للمؤنث، وقوله: وآنقتني، بالمد ثم نون مفتوحة ثم قاف ساكنة بعدها نونان، يقال: آنقه كذا، إذا أعجبه، وشيء مونق، أي مُعْجب. وحكى ابن الأثير أنه روى "أينقنني" بتحتانية بدل الألف، قال: وليس بشيء، وضبطه الأصيلي "أتقنني" بمثناة فوقية من التوق، وإنما يقال منها "توقني" كشوقني. وقوله: "لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم" وهذا قد مرّ استيفاء الكلام عليه في أبواب السفر في باب "كم تقصر الصلاة". وقوله: "ولا صوم في يومين الفطر" ليحصل الفصل بين الصوم والفطر، ليعلم انهاء الصوم، ودخول الفطر، وقوله: "والأضحى" لأن فيه دعوة الله التي دعا عباده إليها من تضييفه وإكرامه لأهل مِنىً وغيرهم، لما شرع لهم من ذبح النسك والأكل منها، والإجماع على تحريم صومهما، لكنَّ مذهب أبي حنيفة لو نذر صوم يوم النحر أفطر، وقضى يومًا مكانه.
وقوله: "ولا صلاة بعد صلاتين" الخ تقدم الكلام عليه في أواخر المواقيت، وقوله: "ولا تشد الرحال" الخ مرّ استيفاء الكلام عليه في باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة.
стр. 5183
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان، وشُعبة في الثالث منه، وأبو سعيد الخُدْرِيّ في الثاني عشر منه، وعبد الملك بن عمير في الحادي والثلاثين من الجماعة والإمامة، وقُزعة بن يحيى في الرابع عشر من هذه الأبواب. وقد مرّ في الرابع عشر الكلام عليه لأنه هو بعينه، إلاَّ أنه هنا مطوّل وهناك مختصر.
стр. 5184
خاتمة
اشتملت أبواب التطوع وما معها على أربعة وثلاثين حديثًا من الأحاديث المرفوعة، المعلق منها عشرة أحاديث، والباقي موصول، المكرر منها فيها وفيما مضى اثنان وعشرون حديثًا، والخالص اثنا عشر، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن عمر في صلاة الضحى، وحديث عبد الله بن مغفل في الركعتين قبل المغرب، وحديث عقبة بن عامر فيه، وفيها من الآثار الموقوفة على الصحابة ومن بعدهم أحد عشر أثرًا، وهي الستة المذكورة في الباب الأول، وأثر ابن عمر عن أبيه وأبي بكر، ونفسه في ترك صلاة الضحى، وأثر أبي تميم في الركعتين قبل المغرب، وأثر محمود بن الربيع عن أبي أيوب، وكلها موصولة والله تعالى أعلم ثم قال المصنف:
أبواب العمل في الصلاة ثبتت في نسخة الصغاني هنا بسملة ثم قال:
стр. 5185
باب استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة
في نسخة الصغاني "أبواب" وقوله: "من أمر الصلاة" احترز به عما يصدر عن قصد العبث، فإنه مكروه، ثم قال: وقال ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: يستعين الرجل في صلاته من جسده بما شاء، كَيدِهِ إذا كان من أمر الصلاة، مثل تحويله ﵊ ابنَ عباس إلى جهة يمينه في الصلاة في الحديث التالي، وإذا جازت الاستعانة بها للصلاة، فكذا بما شاء من جسده قياسًا عليها، وهذا الأثر لم أقف عليه موصولًا. وابن عباس مرّ في الخامس من بدء الوحي.
ثم قال: ووضع أبو إسحاق قَلَنْسُوَتَه في الصلاة ورفعها، وهذا الأثر أيضًا لم أره موصولًا، وأبو إسحاق السّبيعي قد مرّ في الثالث والثلاثين من الإيمان.
ثم قال: "ووضع عليٌّ رضي الله تعالى عنه، كفه على رُصْغِه الأيسر إلا أن يحك جلدًا أو يصلح ثوبًا والرُّصْغ، بسكون المهملة بعدها معجمة، قال صاحب العين: هو لغةٌ في الرُّسْغ، وهو مَفْصِل ما بين الكف والساعد. وقوله: "إلا أن يحك جلدًا" الخ هذا الاستثناء جعله ابن رشيد والإسماعيلي في مستخرجه، وعلاء الدين مُغَلْطَاي في شرحه، مستثنىً من الترجمة، وقالوا: الصواب أن يكون مقدمًا قبل قوله: وقال ابن عباس وهذا غلط، فإن الاستثناء بقية أثر عليّ، كما رواه مسلم بن إبراهيم شيخ البخاريّ عن غَزوان بن جرير الضَّبَيّ عنِ أبيه. وكان شديد الملازمة لعليّ رضي الله تعالى عنه، قال: كان إذا قام إلى الصلاة فكبّر ضَرَب بيده اليمنى على رُسُغِه الأيسر، فلا يزال كذلك حتى يركع، إلاَّ أنْ يحك جلدًا أو يُصلح ثوبًا، كذا رواه في السفينة الجرائدية عن السلفي بسنده إلى مسلم بن إبراهيم، وكذلك أخرجه ابن أبي شَيبة من هذا الوجه بلفظ "إلاَّ أنْ يصلح ثوبه أو يحك جسده"، وهذا هو الموافق للترجمة.
ولو كان أثر عليّ انتهى عند قوله: "الأيسر" لما كان فيه تعلق بالترجمة إلا ببعد، وهذا من فوائد تخريج التعليقات، ثم إن ظاهر هذه الآثار يخالف الترجمة؛ لأنها مفيدة بما إذا كان العمل من أمر الصلاة، وهي مطلقة، وكان المصنف أشار إلى أن إطلاقها مقيد بما ذكر ليخرج العبث، ويمكن أن يقال لها تعلق بالصلاة؛ لأن رفع ما يؤدي المصلي، يعين على دوام خشوعه المطلوب في الصلاة، ويدخل في الاستعانة التعلق بالحبل عند التعب، والاعتماد على العصا ونحوهما. وقد رخَّصَ فيه بعضُ السلف، وقد مرّ الأمر بحل الحبل في أبواب قيام الليل، وسيأتي ذكر الاختصار بعد أبواب، وقد مرّ عليّ في السابع والأربعين من العلم.
стр. 5186
الحديث الأول
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ وَهْىَ خَالَتُهُ قَالَ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ، فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ آيَاتٍ خَوَاتِيمَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا بِيَدِهِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
هذا الحديث قد تقدم للبخاري في مواضع في العلم والطهارة والمساجد والإمامة، وفي أبواب الوتر، وقد مرّ شرحه مستوفىً في باب السر في العلم من كتاب العلم، وفي باب تخفيف الوضوء، وباب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره، من كتاب الوضوء وذُكر كثير من مباحثه في أوائل أبواب الوتر، وموضع الترجمة منه قوله: "وأخذ بأُذني اليُمنى يفتلها؛ لأنه أخذ بأذنه أو لا لإدارته من الجانب الأيسر إلى الجانب الأيمن، وذلك من مصلحة الصلاة، ثم أخذ بها أيضًا لتأنيسه، لكون ذلك ليلًا، كما مرّ تقريره في المحال المذكورة. وقال ابن بطال: استنبط البخاري منه أنه لما جاز للمصلي أن يستعين بيده في صلاته فيما يختص بغيره، كانت استعانته في أمر نفسه ليقوى بذلك على صلاته، وينشط لها إذا احتاج إليه أولى.
رجاله خمسة:
قد مرّوا؛ مرّ عبد الله بن يوسف والإمام مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن عباس في الخامس منه، ومرَّ مَخْرَمَةُ بن سُليمان في الثامن والأربعين من كتاب الوضوء ومرَّ كريب في الرابع منه.
لطائف إسناده:
رواته الخمسة مدنيون، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلف في اثني عشر موضعًا ثم قال المصنف:
стр. 5187
باب ما ينهى من الكلام في الصلاة
في رواية الكَشْميهنِيّ والأصيليّ "ما يُنهى عنه" وفي الترجمة إشارة أن بعض الكلام لا ينهى عنه، كما سيأتي في الحديث الثاني .
الحديث الثاني
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَالَ: إِنَّ فِي الصَّلاَةِ شُغْلاً.
قوله: "كنا نسلمُ على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو في الصلاة" في رواية أبي وائل "كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا" وفي رواية أبي الأحوص "خرجت في حاجة ونحن يسلِّم بعضُنا على بعض في الصلاة". وسيأتي للمصنف بعد باب نحوه في حديث التشهد. وقوله: "من عند النَّجاشي" بفتح النون وكسرها، وسيأتي الكلام عليه في الثامن من كتاب الجنائز، وقد روى ابن أبي شيبة من مرسل ابن سيرين أن النبي ﷺ رد على ابن مسعود، في هذه القصة، السلامَ بالإشارة، وقد بوب المصنف لمسألة الإشارة في الصلاة بترجمة مفردة في أواخر السهو.
وقوله: "فلم يردّ علينا" زاد مسلم في رواية ابن فضيل: "قلنا يا رسول الله، كنّ نُسَلِّم عليك في الصلاة فترد علينا" وكذا في رواية أبي عُوانة التي في الهجرة. وقوله: "إن في الصلاة شغلًا" في رواية أحمد عن ابن فضيل "لَشُغلاً" بزيادة اللام للتأكيد، والتنكير فيه للتنويع، أي بقراءة القرآن والذكر والدعاء، أو للتعظيم أي شغلاً وأيَّ شغل؛ لأنها مناجاة مع الله تعالى تستدعي الاستغراق في خدمته، فلا يصلح فيها الاشتغال بغيره.
وقال النوويّ: معناه أن وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته، وتدبر ما يقوله، فلا ينبغي أن يعرج على غيرها من رد السلام ونحوه. زاد في رواية أبى وائل "أن الله يحدث من أمره ما يشاء وأن الله قد أحدث أن لا تَكَلَّموا في الصلاة"، وزاد في رواية كُلْثوم الخُزَاعيّ إلاَّ بذكر الله وما ينبغي لكم، فقوموا لله قانتين، فأمرنا بالسكوت".
رجاله ستة:
مرّ منهم محمد بن فضيل في الحادي والثلاثين من الإيمان، ومرَّ الأعمش وإبراهيم وعَلْقَمة
стр. 5188
بهذا النسق في الخامس والعشرين منه، ومرَّ عبد الله بن مسعود في أوله قبل ذكر حديث منه.
والسادس محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني الخارفي أبو عبد الرحمن الكوفي الحافظ، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين. وقال الحسن بن سفيان: ابن نمير ريحانة العراق، وأحد الأعلام، وقال أبو يعلى: حديث محمد بن نمير يملأ الصدر والنحر، وكان أحمد بن حنبل يعظم محمد بن نمير تعظيمًا عَجَبًا، ويقول: أي فتى هو، وقال: هو دُرَّةُ العراق، وقال عليّ بن الجُنَيد: كان أحمد وابن مُعين يقولان في شيوخ الكوفيين ما يقول ابن نمير فيهم. وقال ابن الجنيد: ما رأيت بالكوفة مثل ابن نمير، وكان رجلًا نبيلاً، قد جمع العلم والفهم والسنة والزهد، وكان فقيرًا.
وقال أحمد بن سنان: ما رأيت من الكوفيين من أحداثهم أفضل منه، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة يعد من أصحاب الحديث، وقال أبو حاتم: ثقة يُحتج بحديثه، وقال أبو داود: ابن نمير أثبت من أبيه. وقال النَّسَائيّ: ثقة مأمون، وكان محمد بن عمر الصوفيّ إذا حدث عنه يقول: حدثنا أبو عبد الرحمن محمد بن نمير العبد الصالح. وقال ابن وضّاح: ثقة كثير الحديث، عالم به، حافظ له. وقال ابن قانع: ثقة ثَبْت. وقال ابن رشدين: سألت أحمد بن صالح عنه، فقال: تسألني عن رجل لم أر بالعراق مثله ومثل أحمد، ما رأيت بالعراق مثلهما، ولا أجمع منهما للعقل والدين، ولكل شيء.
وفي الزهرة روى عنه البخاري اثنين وعشرين حديثًا، ومسلم ثلاثة وسبعين وخمس مئة حديث. روى عن أبيه وسفيان بن عُيينة وإسماعيل بن علية ووكيع بن الجَرّاح وغيرهم. وروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه، وروى التِّرْمِذِي والنَّسَائيّ عنه بواسطة البخاريّ، وروى عنه خلق. مات في شعبان أو رمضان سنة أربع وثلاثين ومئتين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورجاله كلهم كوفيون، أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة وفي هجرة الحبشة، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والنَّسَائيّ.
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
قوله: ظاهر في أن لفظ هُرَيمٌ غير متحد مع لفظ ابن فضيل، وأن معناهما واحدٌ، وكذا أخرج مسلم الحديث من الطريقين، وقال في رواية هريم أيضًا "نحوه"، ولم يسق لفظ هُرَيم إلاّ الجوزقيّ، وليس فيه مغايرة إلاَّ أنه قال: "قدمنا" بدل "رجعنا"، وزاد"فقيل له يا رسول الله" والباقي سواء. وللحديث طرق أخرى، منها عند أبي داود والنَّسَائيّ عن أبي ليلى عن ابن مسعود، وعند
стр. 5189
النَّسَائي عن كلثوم الخُزاعيّ عنه، وعند ابن ماجه والطَّحاوِيّ عن أبي الأحوص عنه.
رجاله سبعة:
مرّ منهم في الذي قبله محمد بن نمير، ومرَّ فيه محل الأعمش، وإبراهيم وعلقمة وابن مسعود، والباقي اثنان الأول منهما إسحاق بن منصور السَّلولي مولاهم، أبو عبد الرحمن، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن مُعين: ليس به بأس، وقال العجليّ: كوفي ثقة، وقد كتبت عنه روى عن إسرائيل وزهير بن معاوية وهريم بن سفيان وغيرهم. وروى عنه أبو نعيم، وهو من أقرانه، وابنا أبي شيبة وعباس العنبريّ وغيرهم. مات سنة أربع أو خمس ومئتين.
الثاني هريم بن سفيان البَجْلِيّ، أبو محمد الكوفي، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن مُعين وأبو حاتم: ثقة، وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق ثقة، وقال الدارقطني: صدوق، وقال البَزّار: صالح الحديث، ليس بالقوي. روى عن إسماعيل بن أبي خالد وبَيَان بن بِشر والأعمش وغيرهم. وروى عنه إسحاق بن منصور السَّلوِليّ وأبو غسان النَّهديّ وأبو نعيم وغيرهم.
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الآيَةَ، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ.
قوله: "إن كنا لنتكلم" بتخفيف نون إنّ، وهذا حكمه الرفع، وكذا قوله: "أمرنا" لقوله فيه على عهد النبي ﷺ ، حتى ولو لم يقيد بذلك، لكان ذكر نزول الآية كافيًا في كونه مرفوعًا، وقوله: "يكلم أحدُنا صاحبه بحاجته" تفسير لقوله: "نتكلم"، والذي يظهر أنهم كانوا لا يتكلمون فيها بكل شيء، وإنما يقتصرون على الحاجة من رد السلام ونحوه. وقوله: "حتى نزلت" ظاهر في أن نسخ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أن النسخ وقع بالمدينة؛ لأن الآية مدنية باتفاق، فيشكل ذلك على قول ابن مسعود: إن ذلك وقع لما رجعوا من عند النجاشيّ، وكان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن بعض المسلمين هاجرو إلى الحبشة، ثم بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتد الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضًا، فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأُولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين.
واختلف في مراده، بقوله: "فلما رجعنا" هل أراد الرجوع الأول أو الثاني، فجنح القاضي أبو الطيب الطَّبري وآخرون، إلى الأول، وقالوا: كان تحريم الكلام بمكة، وحملوا حديث زيد على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوقفه. وجنح آخرون إلى
стр. 5190
الترجيح، فقالوا: يترجح حديث ابن مسعود بأنه حكى لفظ النبي ﷺ ، بخلاف زيد بن أرقم، فلم يحكه.
وقال آخرون: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني وقد ورد أنه قدم المدينة والنبي ﷺ يتجهز إلى بدر، وفي مستدرك الحاكم عن عبد الله بن عُتبة بن مسعود عن ابن مسعود قال: بعثنا النبي ﷺ إلى النجاشيّ ثمانين رجلًا، فذكر الحديث بطوله، وفي آخره "فتعجل عبد الله بن مسعود فشهد بدرًا"، وفي السير لابن إسحاق أن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن النبي ﷺ هاجر إلى المدينة رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلًا، فمات منهم رجلان، بمكة وحبس منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلًا فشهدوا بدرًا، فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، فنظر أن اجتماعه بالنبي ﷺ ، بعد رجوعه كان بالمدينة، وإلى هذا الجمع نحا الخطابيّ، ولم يقف من تعقب كلامه على مستنده.
ويقوي هذا الجمع رواية كلثوم المتقدمة، فإنها ظاهرة في أن كلًا من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قولُه تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وأما قول ابن حِبّان: كان نسخ الكلام بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، قال: ومعنى قول زيد بن أرقم: كنا نتكلم، أي كان قومي يتكلمون؛ لأن قومه يصلون قبل الهجرة مع مصعب بن عمير، الذي كان يعلمهم القرآن، فلما نسخ إباحة الكلام بمكة، بلغ ذلك أهلَ المدينة فتركوه، فهو متعقب بأن الآية مدنية باتفاق، وبأن إسلام الأنصار وتوجُّه مصعب بن عمير إليهم إنما كان قبل الهجرة بسنة واحدة، وبأن في حديث زيد بن أرقم "كنا نتكلم خلف رسول الله ﷺ ": كما أخرجه التِّرْمِذِي فانتفى أن يكون المراد الأنصار الذين كانوا يصلون بالمدينة قبل هجرة النبي ﷺ إليهم.
وأجاب ابن حِبان في موضع آخر بأن زيد بن أرقم أراد بقوله: "كنا نتكلم" مَن كان يصلي خلف النبي ﷺ ، بمكة من المسلمين، وهو مُتَعَقَّبٌ أيضًا بأنهم ما كانوا بمكة يجتمعون إلا نادرًا، وبما روى الطبرانيّ من حديث أبي أمامة قال: كان إذا دخل المسجد فوجدهم يصلون سأل الذي إلى جنبه فيخبره بما فاته، فيقضي، ثم يدخل معهم، حتى جاء معاذ يومًا، فدخل في الصلاة فذكر الحديث. وهذا كان بالمدينة قطعًا؛ لأن أبا أمامة ومعاذ بن جبل، انما أسلما بها.
وقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الآية، كذا في رواية كريمة، وساق في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت الآية إلى آخرها، وانتهت رواية الأصيلي إلى قوله: ﴿الْوُسْطَى﴾ واختلف في المراد بصلاة الوسطى على عشرين قولًا. قيل إنها صلاة العصر، وهو قول علي بن أبي طالب، فقد روى التِّرمذيّ والنَّسائيّ عن زِرّ بن حُبيش قال: قلنا لعُبيدة: سل عليًا عن الصلاة الوسطى، فسأله فقال: كنا نرى أنها الصبح حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول، يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" وهذه الرواية تدفع دعوى من زعم أن قوله: "صلاة العصر" في حديث مسلم عن علي "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" مُدْرَجٌ من تفسير بعض الرواة، وهي نص في أن كونها
стр. 5191
العصر من كلام النبي ﷺ ، وكونها العصر هو المعتمد، وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة.
وقول أحمد، والذي صار إليه معظم الشافعية لصحة الحديث فيه. قال الترمذيّ: هو قول أكثر علماء الصحابة، وقال الماورديّ: هو قول جمهور التابعين. وقال ابن عبد البرّ: هو قول أكثر أهل الأثر، وبه قال من المالكية ابن حبيب وابن العَربي وابن عطية.
ويؤيده أيضًا ما رواه مسلم عن البراء بن عازب قال: نزل ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ فقال رجل فهي إذن صلاة العصر، فقال: أخبرتك كيف نزلت. وأخرج البخاريّ عن عليّ رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال يوم الخندق: "حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس"، ولمسلم عن عُبيدة السلمانيّ عن عليّ بلفظ "كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس" يعني العصر. وروى أحمد والترمذيّ عن سمرة، رفعه قال: "صلاة الوسطى صلاة العصر".
وروى ابن جرير عن أبي هُريرة، رفعه "الصلاة الوسطى صلاة العصر". وعن كُهَيل بن حَرْملة سئل أبو هُريرة عن الصلاة الوسطى فقال: اختلفنا فيها ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ ، ثم خرج إلينا فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر. وعن عبد العزيز بن مروان أنه أرسل إلى رجل فقال: أي شيء سمعت من رسول الله ﷺ في الصلاة الوسطى؟ فقال: أرسلنى أبو بكر وعمر أسأله، وأنا غلام صغير فقال: هي العصر، وعن أبي مالك الأشعري، رفعه "الصلاة الوسطى صلاة العصر".
وروى التِّرمذيّ وابن حِبّان عن ابن مسعود مثله، وروى ابن جرير عن هشام بن عُروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وهي صلاة العصر، وروى ابن المُنْذر عن ابن عباس قال: شغل النبيَّ ﷺ الأحزابُ يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فقال: "شغلونا عن الصلاة الوسطى"، وأخرج أحمد عن أم سلمة وأبي أيوب وأبي سعيد وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عباس من قولهم إنها صلاة العصر.
القول الثاني: إنها الصبح، وهو قول أبي أمامة وأنس وجابر وأبي العالية وعبيد بن عمير وعطاء ومكرمة ومجاهد، نقله ابن أبي حاتم عنهم، وهو أحد قولي ابن عمر وابن عباس، ونقله مالك والتِّرمذيّ عنهما، ونقله مالك بلاغًا عن علي، المعروف عنه خلافه، ونقل ابن جرير عن أبي رجاء العطارديّ قال: صليت خلف ابن عباس الصبح، فَقَنَتَ فيها ورفع يديه ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين، وأخرجه أيضًا من وجه آخر عنه وعن ابن عمر، ومن طريق أبي العالية: صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة في زمن عمر صلاة الغَداة، فقلت لهم: ما الصلاة الوسطى؟ قالوا: هي: هذه الصلاة، وهو قول مالك والشافعيّ فيما نص عليه في الأُم. واحتجوا له بأن فيها القنوت. وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وبأنها لا تقصر في السفر، وأنها بين صلاتي جهر وصلاتي سر.
стр. 5192
الثالث: قول زيد بن ثابت، أخرجه أبو داود من حديثه قال: كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشد على أصحاب رسول الله ﷺ منها، فنزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الآية وجاء عن أبي سعيد وعائشة القول بأنها الظهر، أخرجه ابن المنذر وغيره، وروى مالك في الموطأ عن زيد بن ثابت الجزم بأنها الظهر، وبه قال أبو حنيفة في روايةٍ عنه. وروى الطيالسيّ عن زُهرة بن مَعْبدِ قال: كنا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر. ورواه أحمد من وجه آخر، وزاد "كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فنزلت".
الرابع: نقله ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس، قال: صلاة الوسطى هي المغرب، وبه قال قُبَيصة بن ذؤيب. أخرجه ابن جَرير، وحجتهم أنها معتدلة في عدد الركعات، أنها لا تقصر في الأسفار، وأن العمل مضى على المبادرة إليها والتعجيل لها في أول ما تغرب الشمس، وأن قبلها صلاتا سر وبعدها صلاتا جهر.
الخامس: العشاء نقله ابن التين والقرطبيّ، واحتج له بأنه بين صلاتين لا تقصران، ولأنها تقع عند النوم، فذلك أمر بالمحافظة عليها، واختاره الواحديّ.
السادس: وهو ما صححه ابن أبي حاتم أخرجه بإسناد حسن عن نافع قال: سئل ابن عمر فقال: هي كلهن، فحافظوا عليهن، وبه قال معاذ بن جبل، واحتج له بأن قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ يتناول الفرائض والنوافل، فعطف عليه الوسطى، وأريد بها كل الفرائض تأكيدًا لها، واختار هذا القول ابن عبد البَرّ.
السابع: أنها الجمعة، ذكره ابن حبيب من المالكية، واحتج بما اختصت به من الاجتماع والخطبة، وصححه القاضي حسين، ورجحه أبو أسامة.
الثامن: الظهر في الأيام، والجمعة يوم الجمعة.
التاسع: الصبح والعشاء للحديث الصحيح في أنهما أثقل الصلاة على المنافقين، وبه قال الأبهريّ من المالكية.
العاشر: الصبح والعصر لقوة الأدلة في أن كلًا منهما قيل إنها الوسطى، فظاهر القرآن الصبح، ونص السنة العصر.
الحادي عشر: صلاة الجماعة.
الثاني عشر: الوِتر، وصنف فيه علاء الدين السخاويّ جزءًا، ورجحه القاضي تقي الدين الأخنائيّ، واحتج له في جزء.
الثالث عشر: صلاة الخوف.
стр. 5193
الرابع عشر: صلاة عيد الأضحى.
الخامس عشر: صلاة عيد الفطر.
السادس عشر: صلاة الضحى.
السابع عشر: واحدة من الخمس غير معينة، قاله الربيع بن خُثيم وسعيد بن جبير وشُريح القاضي، وهو اختيار إمام الحرمين من الشافعية. قال: كما أخفيت ليلة القدر قال القرطبيّ: وصار إلى أنها أبهمت جماعة من العلماء المتأخرين، وهو الصحيح لتعارض الأدلة، وعسر الترجيح، وحديث البراء المتقدم عند مسلم يشعر بأنها أبهمت بعدما عينتْ، قال في "الفتح": وفي دعوى أنها أبهمت بعدما عينت، من حديث البراء. نعم، جواب البراء يشعر بالتوقف لمانظر فيه من الاحتمال، وهذا لا يدفع التصريح فيها في حديث علي.
الثامن عشر أنها الصبح أو العصر على الترديد، وهو غير القول المتقدم، الجازم بأن كلًا منهما يقال لها الوسطى.
التاسع عشر: التوقف، فقد روى ابن جرير عن سعيد بن المسيب بإسناد صحيح، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ مختلفين في الصلاة الوسطى، هكذا، وشبك بين أصابعه.
العشرون: صلاة الليل، وأقوى شبهة لمن زعم أنها غير العصر مع صحة الحديث، حديث البراء بن عازب، وهو لا يدفع التصريح فيها في حديث عليّ كما مرّ، ومن حجتهم على أنها غير العصر، ما رواه مسلم وأحمد عن أبي يونس عن عائشة أنها أمرته أن يكتب لها مصْحفًا، فلما بلغت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ قال: فأملت عليّ "وصلاة العصر" قالت: سمعتها من رسول الله ﷺ .
وروى مالك عن عمرو بن نافع قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة، فقالت: إذا بلغت هذه الآية قآذني، فأملت علي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وصلاة العصر، وأخرجه ابن جرير من وجه آخر حسن، عن عمرو بن نافع. وروى ابن المنذر عن عُبيد الله بن رافع "أمرتني أم سلمة أن أكتب لها مصحفًا، فذكر مثل حديث عمرو بن نافع سواء، وعن سالم بن عبد الله بن عمر أن حفصة أمرت إنسانًا أن يكتب لها مصحفًا نحوه، وعن نافع أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفًا فذكر مثله، وزاد: كما سمعت رسول الله ﷺ يقولها، قال نافع: فقرأت ذلك المصحف، فوجدت فيه الواو، فتمسك قوم بأن العطف يقتضي المغايرة، فتكون صلاة العصر غير الوسطى.
وأجيب بأن حديث علي ومن وافقه أصح إسنادًا، وأصرح، وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عُروة "أنه كان في مصحفها: وهي العصر" فيحتمل أن تكون الواو زائدة، ويؤيده ما رواه أبو عبيد، بإسناد صحيح، عن أُبي بن كعب أنه كان يقرؤها ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى
стр. 5194
صلاة العصر﴾ بغير واو، أو هي عاطفة لكن عطف صفة لا عطف ذات، وبأن قوله ﴿والصلاة الوسطى والعصر﴾، لم يقرأ بها أحد، ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولًا ﴿والعصر﴾ ثم نزلت ثانيًا بدلها ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فجمع الراوي بينهما، ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال، فكيف يكون مقدمًا على النص الصريح بأنها العصر؟
قال الحافظ صلاح الدين العلانيّ: حاصل أدلة من قال إنها غير العصر، يرجع إلى ثلاثة أنواع:
أحدها تنصيص بعض الصحابة، وهو معارض بمثله ممن قال منهم إنها العصر، ويترجح قول العصر بالنص الصريح المرفوع، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة على غيره، فتبقى حجة المرفوع قائمة.
ثانيها معارضة المرفوع بورود التأكيد على فعل غيرها، كالحث على المواظبة على الصبح والعشاء، وقد تقدم في مواقيت الصلاة، وهو معارض بما هو أقوى منه، وهو الوعيد الشديد الوارد في ترك صلاة العصر، كما تقدم أيضًا.
ثالثها ما جاء عن حفصة وعائشة من قراءه ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر﴾ فإن العطف يقتضي المغايرة، وهذا يرد عليه إثبات القرآن بخبر الآحاد، وهو ممتنع، وكونه ينزَّل منزلة خبر الواحد مختلف فيه، سلمنا، لكن لا يصح معارضًا للمنصوص صريحًا، وأيضًا فليس العطف صريحًا في اقتضاء المغايرة، لوروده في نسق الصفات، كقوله تعالى: ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾.
وكما ورد الخلاف في صلاة الوسطى، ورد في المراد بالقنوت في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وحديث الباب، حديث زيد بن أرقم، ظاهر في أن المراد بالقنوت السكون، لقوله فيه "فأمرنا بالسكوت" أي، عن الكلام المتقدم ذكره، لا مطلقًا، فإن الصلاة ليس فيها حال سكوت حقيقة. قال ابن دقيق العيد: ويترجح بما دل عليه لفظ "حتى" التي للغاية، وإلغاء التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها. وقيل: "قانتين": مطيعين، أخرجه ابن أبي حاتم، بإسناد صحيح، عن ابن مسعود، ونقله عن ابن عباس أيضًا، وجماعة من التابعين، وذكر من وجه آخر عن ابن عباس قال: قانتين أيْ: مصلين. وعن مجاهد قال: من القنوت الركوعُ والخشوعُ وطولُ القيام وغضُّ البصر وخفض الجناح والرهبة لله.
وقوله "فأمرنا بالسكوت"، زاد مسلم في روايته "ونهينا عن الكلام" ولم تقع في البخاريّ. وذكرها صاحب العمدة، ولم ينبه أحد من شراحها عليها، واستدل بهذه الزيادة على أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، إذ لو كان كذلك لم يحتج إلى قوله: "ونهينا عن الكلام"، وأجيب بأن دلالته على ضده دلالة التزام، ومن ثم وقع الخلاف، فلعله ذكر لكونه أصرح.
стр. 5195
قال ابن دقيق العيد: هذا اللفظ أحد ما يستدل به على النَّسْخ، وهو تقدم أحد الحكمين على الآخر، وليس كقول الراوي، وهذا منسوخ؛ لأنه يطرقه احتمال أن يكون قاله عن اجتهاد، وقيل: ليس في هذه القصة نسخ؛ لأن إباحة الكلام في الصلاة كان بالبراءة الأصلية، والحكم المزيل لها ليس نسخًا، وأجيب بأن الذي يقع في الصلاة ونحوها، مما يمنع أو يباح، إذا قرره الشارع، كان حُكْمًا شرعيًا، فإذا ورد ما يخالفه كان ناسخًا. وهو كذلك هنا.
قال ابن دقيق العيد، قوله: "ونهينا عن الكلام" يقتضي أن كل شيء يُسمى كلامًا فهو منهي عنه، حملًا للفظ على عمومه، ويحتمل أن تكون اللام للعهد الراجح إلى قوله "يكلم الرجل منا صاحبه بحاجته". وقوله: "فأَمرَنا بالسكوت" أي: عما كانوا يفعلونه من ذلك، وقد مرت مذاهب الأئمة في الكلام في أثناء الصلاة، عند حديث ابن مسعود في باب "التوجه نحو القبلة"، حيث كان. وقد قال في "الفتح": اختلفوا في أشياء كمن جرى على لسانه بغير قصد، أو تعمد إصلاح الصلاة لسهو دخل على إمامه، أو لإنقاذ مسلم لئلا يقع في مهلكة، أو فتح على إمامه أو سبَّح لمن مرّ به، أو رد السلام، أو إجاب دعوة أحد والديه، أو أكره على الكلام، أو تقرب بقربة، كأعتقت عبدي لله، ففي جميع ذلك خلاف، تأتي الإشارة إلى بعضه، حيث يحتاج إليه.
قال ابن المنير: الفرق بين قليل الفعل للعامد، فلا يبطل وبين قليل الكلام أن الفعل لا تخلو منه الصلاة غالبًا لمصلحتها، وتخلو من الكلام الأجنبي غالبًا مطردًا. قال القَسْطَلانيّ: ويعذر في التنحنح وإن ظهر به حرفان للغلبة، وتعذر قراءة الفاتحة لا الجهر؛ لأنه سنة لا ضرورة إلى التنحنح له، ولو أكره بطلت، لندرة الإكراه، ولا تبطل بالذكر والدعاء العادي عن المخاطبة، فلو خاطب كقوله لعاطس "رحمك الله" بطلت بخلاف ﵀، بالهاء. ولو تكلم بنظم القرآن قاصدًا التفهم: كيا يحيى خذ الكتاب، مفهمًا به من يستأذن في أخذ شيء أن يأخذه إن قصد معه القراءة، لم تبطل، فإن قصد التفهيم فقط، بطلت وإن لم يقصد شيئًا، ففي التحقيق الجزم بالبُطلان، وعند المالكية إذا قصد التفهيم به في محله، كان وجده الحال يقرأ: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ صحت صلاته وإلاّ بطلت.
رجاله ستة: قد مرّوا إلا الحارث، مرّ إبراهيم بن موسى في الثالث من الحيض، ومرَّ عيسى بن يونس في الثامن عشر والمئة من صفة الصلاة، ومرَّ أبو عمرو الشيبانيّ في السادس من مواقيت الصلاة، ومرَّ إسماعيل بن أبي خالد في الثالث من الإيمان، ومرَّ زيد بن أرقم في السابع عشر من الاستسقاء.
السادس: الحارث ابن شُبَيل، بالتصغير، بن عوف البَجْليّ، أبو الطفيل. ويقال ابن شبل. قال إسحاق بن منصور: لا يسأل عن مثله لجلالته، وقال النَّسائيّ: ثقة، وفرق بعضهم بين الحارث بن شُبيل والحارث بن شِبل، فقال: الحارث بن شِبل بصريّ ضعيف، والحارث بن شبيل
стр. 5196
كوفيّ ثقة. روى عن أبي عمرو الشَّيبانيّ وعبد الله بن شدّاد بن الهاد وطارق بن شهاب، وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد وسعيد بن مسروق والأعمش.
ليس له في البخاري إلاَّ هذا الحديث. فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاريّ رازيّ، والبقية كوفيون. أخرجه البخاريّ أيضًا في التفسير، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود، والتِّرْمِذِيّ والنَّسائي في الصلاة. وفي التفسير. ثم قال المصنف:
стр. 5197
باب ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة للرجال
قال ابن رشيد: أراد إلحاق التسبيح بالحمد بجامع الذكر؛ لأن الذي في الحديث الذي ساقه ذكر التحميد دون التسبيح، بل الحديث مشتمل عليهما، لكنه ساقه هنا مختصرًا، وقد تقدم في باب "من دخل ليؤم الناس" من أبواب الإمامة، وفيه: فرفع أبو بكر يديه فحمد الله تعالى، وفي آخره من نابه شيء في صلاته فليسبح وقوله: للرجال قال ابن رشيد: قيده بالرجال لأن ذلك لا يشرع عنده للنساء، وقد أشعر بذلك تبويبه بعد حيث قال: "باب التصفيق للنساء" إلى آخر ما مرَّ مستوفى في الباب المذكور.
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَحَانَتِ الصَّلاَةُ، فَجَاءَ بِلاَلٌ أَبَا بَكْرٍ ﵄ فَقَالَ حُبِسَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَؤُمُّ النَّاسَ قَالَ نَعَمْ إِنْ شِئْتُمْ. فَأَقَامَ بِلاَلٌ الصَّلاَةَ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَصَلَّى، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِالتَّصْفِيحِ. قَالَ سَهْلٌ هَلْ تَدْرُونَ مَا التَّصْفِيحُ هُوَ التَّصْفِيقُ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا الْتَفَتَ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّفِّ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ. فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى.
هذا الحديث قد مرَّ في باب "من دخل ليؤم الناس" ومرَّ الكلام عليه مستوفى هناك.
رجاله أربعة:
وفيه ذكر أبي بكر وبلال، وقد مرَّ الجميع، مرَّ عبد الله بن مَسلمة في الثاني عشر من الإيمان، ومرَّ عبد العزيز في الخامس والأربعين من استقبال القبلة، ومرَّ أبو حازم وسهل بن سعد في الثامن والمئة من الوضوء ومرَّ أبو بكر في باب "من لم يتوضأ من لحم الشاة" بعد الحادي والسبعين منه، ومرَّ بلال في التاسع والثلاثين من العلم ثم قال المصنف:
стр. 5198
باب من سمى قومًا أو سلم في الصلاة على غيره وهو لا يعلم
كذا للأكثر وزاد في رواية كريمة بعد "على غيره" "مواجهة"، وحكى ابن رشيد أن في رواية أبي ذَرٍّ عن الحمويّ إسقاط الهاء من غيره، وإضافة مواجهة. قال: ويحتمل أن يكون بتنوين "غير"، وفتح الجيم من مواجهة، وبالنصب، فيوافق المعنى الأول، ويحتمل أن يكون بتاء التأنيث، فيكون المعنى لا تبطل الصلاة إذا سلم على غيره مواجهة، ومفهومه أنه إذا كان مواجهة تبطل، قال: وكأنَّ مقصودَ البخاريّ بهذه الترجمة أن شيئًا من ذلك لا يبطل الصلاة؛ لأن النبيّ ﷺ لم يأمرهم بالإعادة، وإنما علمهم ما يستقبلون، لكن يرد عليه أنه لا يستوي حال الجاهل، قبل وجود الحكم، مع حاله بعد ثبوته. ويمكن أن يكون الذين صدر منهم الفعل كان على غير علم، بل الظاهر أن ذلك كان عندهم شرعًا مقررًا، فورد النسخ عليه، فيقع الفرق، وليس في الترجمة تصريح بجواز ولا بطلان، وكأنه ترك ذلك لاشتباه الأمر عليه.
الحديث السادس
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ التَّحِيَّةُ فِي الصَّلاَةِ وَنُسَمِّي، وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.
هذا الحديث قد مرّ مطولًا في باب التشهد في الآخرة من أبواب صفة الصلاة، ومرَّ استيفاء الكلام عليه هناك، وقوله في هذا السياق "وسمى ناسًا بأعيانهم" يفسره في السياق المتقدم السلام على جبريل السلام على ميكائيل. وقوله: "ويسلم بعضنا على بعض" ظاهر فيما ترجم له المصنف.
رجاله خمسة:
مر منهم حَصِين بن عبد الرحمن في الثالث والسبعين من مواقيت الصلاة، ومرَّ أبو وائل في الحادي والأربعين من الإيمان، ومرَّ ابن مسعود في أول أثر منه، والباقي اثنان الأول عمرو بن عيسى
стр. 5199
الضَّبّيّ، أبو عثمان البصريّ الآدميّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث، وفي الزهرة روى عنه البخاريّ ثلاثة أحاديث، روى عن محمد بن سواء وعبد الأعلي بن عبد الأعلى وعبد العزيز العَمِّيّ وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، وروى النَّسائي عنه بواسطة، وروى عنه يحيى الساجي وغيرهم.
الثاني: عبد العزيز بن عبد الصمد العمى، أبو عبد الصمد البصريّ، الحافظ. قال أحمد: كان ثقة، وقال ابن معين لم يكن به بأس. وقال القواريريّ: كان حافظًا، وقال أبو زرعة وأبو داود والنَّسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال ابن مهديّ: مات ما مات لكم منذ ثلاثين سنة شبهه أو مثله أو أوثق منه. وقال العجليّ: ثقة، روى عن أبي عمران الجَونيّ، وداود بن أبي هند، وحَصِين بن عبد الرحمن وغيرهم. وروى عنه أحمد وإسحاق وعليّ ويحيى وبُنْدار وغيرهم. مات سنة ثمان أو تسع وثمانين. والعمي في نسبه، قيل نسبة إلى العم، أخي الأب، لقب به لأنه كان كلما سئل عن شيء قال: حتى أسأل عمي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخه من أفراده، واثنان من السند بصريان، والأخيران كوفيان. أخرجه ابن ماجه في الصلاة ثم قال المصنف:
стр. 5200
باب التصفيق للنساء
الحديث السابع
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ".
هذا الحديث مرَّ الكلام عليه عند حديث سهل بن سعد في باب "من دخل ليؤم الناس" من أبواب الإمامة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ عليّ بن المَدِينيّ في الرابع من العلم، ومرَّ ابن عيينة في الأول من بدء الوحي، والزهريّ في الثالث منه، وأبو سلمة في الرابع منه، وأبو هريرة في الثاني من الإيمان، والحديث أخرجه مسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه.
الحديث الثامن
حَدَّثَنَا يَحْيَى أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ".
وهذا أيضًا من الكلام عليه في الباب المذكور؛ لأن الكلام عليهما واحد.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: ويحيى، أما يحيى بن موسى البلخيّ وإما يحيى بن جعفر؛ لأن كلًا منهما يروي عن وكيع، وقد مرا في التاسع عشر من الحيض، ومرَّ وكيع في الحادي والخمسين من العلم، ومرَّ سفيان الثوريّ في السابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ أبو حازم وسهل في الثاني والمئة من الوضوء. ثم قال المصنف:
стр. 5201
باب من رجع القهقرى في الصلاة أو تقدم بأمر نزل به
رواه سهل بن سعد عن النبي ﷺ ، يشير بذلك إلى حديثه السابق قريبًا، ففيه: "فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ثم رجع القهقري" وأما قوله: "أو تقدم" فهو مأخوذ من الحديث أيضًا، وذلك أن النبي ﷺ وقف في الصف الأول خلف أبي بكر على إرادة الائتمام به، فامتنع أبو بكر، فتقدم النبيّ ﷺ ، ورجع أبو بكر من موقف الإِمام إلى موقف المأموم، ويحتمل أن يكون المراد بحديث سهل ما تقدم في الجمعة، في باب الخطبة على المنبر من صلاته ﷺ على المنبر، ونزوله القهقرى، حتى سجد في أصل المنبر، ثم تقدم حتى عاد إلى مقامه.
قلت: وهذا الأخير أولى، لقوله عن النبي ﷺ ، والأول عن أبي بكر الصديق، وإن كان داخلًا في تقريره ﵊. واستدل به على جواز العمل في الصلاة إذا كان يسيرًا ولم يحصل فيه التوالي، وقد مرَّ استيفاء الكلام عليه عند أهل المذاهب في باب "إذا حمل جارية صغيرة" في أبواب سترة المصلي.
الحديث التاسع
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ يُونُسُ قَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ يُصَلِّي بِهِمْ فَفَجَأَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلاَةِ، وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلاَتِهِمْ فَرَحًا بِالنَّبِىِّ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ أَتِمُّوا، ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَتُوُفِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
وقوله: قال يونس: قال الزهريّ، أي قال: قال يونس، وهي تحذف خطا في الاصطلاح لا نطقًا، وقوله "ففَجِأهم" قال ابن التين: كذا وقع في الأصل بالألف، وحقه أن يكتب بالياء؛ لأن عينه مكسورة، كوَطئِهم، وقد مرت فوائد هذا المتن في باب "أهل العلم والفضل أحق بالإمامة" من أبواب الإمامة.
стр. 5202
رجاله خمسة:
قد مرّوا، وفيه ذكر أبي بكر وعائشة، مرّ بشر بن محمد وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع منه، والزهريّ في الثالث منه، وعائشة في الثاني منه، وأنس في السادس من الإيمان، وأبو بكر في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة بعد الحادي والسبعين من الوضوء. وقد مر هذا الحديث في باب "أهل العلم والفضل أحق بالإمامة"، ومرَّ الكلام عليه هناك. ثم قال المصنف:
стр. 5203
باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة
أي هل تجب إجابتها أَمْ لا؟ وإذا وجبت هل تبطل أم لا؟ في المسألتين خلاف، ولذلك حذف المصنف جواب الشرط، فالأصح عند الشافعية أن الصلاة إن كانت نفلًا، وعُلِم تأذّي الوالد بالترك، وجبت الإجابة، وإلا فلا. وإن كانت فرضًا وضاق الوقت لم تجب الإعادة، وإن لم يضق وجب عند إمام الحرمين، وخالفه غيره، لأنها تلزم بالشروع، وإذا أجابها بطلت. وحكى الرَّويانيّ عدم البطلان بالإجابة، وحكى الرويانيّ وجهًا في مذهب الشافعيّ بجواز قطع الصلاة لنداء الأم، فرضًا كانت أو نفلًا، وعند المالكية أن إجابة الوالد في النافلة أفضل من التمادي فيها إذا يمكنه التخفيف. وحكى القاضي أبو الوليد أن ذلك يختص بالأم دون الأب.
وعند ابن أبي شيبة من مرسل محمد بن المنكدر عنه ﷺ أنه قال: "إذا دعتك أمك في الصلاة فأجبها، وإن دعاك أبوك فلا تجبه" وبه قال مكحول، وقيل إنه لم يقل به من السلف غيره، وقال العينيّ: لا يجوز للمصلي إذا دعت أمه أو غيرها أن يقطع صلاته، لقوله ﵊: "لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق"، وحق الله تعالى الذي شرع فيه آكد من حق الأبوين حتى يفرغ منه، وأما النبي ﷺ ، فلو دعا أحدًا وجبت عليه إجابته. وقال صاحب التوضيح: صرح أصحابنا بأن ذلك من خصائصه ولا تبطل الصلاة بإجابته. وعند المالكية قولان في بطلان الصلاة بإجابته عليه الصلاة السلام، ورجح عليّ الأجهوريّ عدم البطلان، وإنما كانت إجابته واجبة، لما أخرجه البخاريّ أنه ﵊ "دعا أبا سعيد فأبطأ وقال: كنت أصلي، قال: ألم تسمع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. وفي الترمذيّ عن أبي هُريرة أنه ﵊ "دعا أبيّ بن كعب وهو في الصلاة، فخفف فجاء، فقال له ﵊: ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك؟ قال: يا رسول الله، كنت أصلّي، قال: أفلم تجد فيما أوحي إليّ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ قال: بلى؟ ولأجيبُ إن شاء الله تعالى.
وقال الليث حدثني جعفر عن عبد الرحمن بن هرمز قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: رسول الله ﷺ ، نادت امرأة ابنها وهو في صومعة قالت يا جريج قال اللهم أمي وصلاتي قالت اللهم لا يموت جريج حتى ينظر في وجه المياميس. وكانت تأوي إلى صومعته راعيةً ترعى الغنم فولدت فقيل لها ممن هذا الولد قالت من جريج نزل من صومعته قال جريج أين هذه التي تزعم أن ولدها
стр. 5204
إلي قال: يا بابوس من أبوك؟ قال راعي الغنم.
وصله الإسماعيلي عن عاصم بن علي أحد شيوخ البخاريّ عن الليث مطولًا، ووصله المؤلف في أحاديث الأنبياء في باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، وأخرجه أيضًا بهذا الإسناد في المظالم، ورواه الأعرج عنه كما هنا، ورواه أبو رافع عنه كما عند مسلم وأحمد، ورواه أبو سلمة عنه كما عند أحمد، ورواه عن النبي ﷺ عن أبي هريرة عمران بن حصين.
وقوله: "نادت امرأة ابنها وهو في صومعته، قالت: يا جُريج" أي بجيمين مصغرًا، وأول حديث أبي سلمة "كان رجل في بني إسرائيل تاجرًا، وكان ينقص مرة ويزيد أخرى، فقال: ما في هذه التجارة خير، لألتمسنَّ تجارة هي خير من هذه، فبنى صومعة وترهب فيها، وكان يقال له جريج" فذكر الحديث، ودل ذلك على أنه كان بعد عيسى بن مريم، وأنه كان من أتباعه؛ لأنهم هم الذين ابتدعوا الترهّب، وحبس النفس في الصوامع. والصَّوْمَعَةُ، بفتح المهملة وسكون الواو، البناء المرتفع المحدد أعلاه، ووزنها فَوْعَلَةٌ من صمعت إذا وقفت؛ لأنها دقيقة الرأس.
وفي رواية أحاديث الأنبياء "كان يصلي فجاءته أمه"، وفي رواية أبي رافع "كان جُرَيج يتعبد في صَوْمعته، فأتته أمه"، وليس في شيء من الطرق تسميتها، وفي حديث عمران بن حصين "وكانت أمه تأتيه فتناديه، فيشرف عليها فيكلمها، فأتته يومًا وهو في صلاته" وفي رواية أبي رافع عند أحمد "فأتته أمه ذات يوم فنادته، قالت: أيّ جُريج، أَشْرِف عليَّ أكلمك، أنا أمك".
وقوله "اللهم أمي وصلاتي" وفي رواية أحاديث الأنبياء "فدعته، فقال: أجيبها أو أصلي" وفي رواية المظالم "فأبى أن يجيبها" ومعنى قوله: "أمي وصلاتي" أي: اجتمع علي إجابة أمي وإتمام صلاتي، فوفقني لأفضلهما، وفي رواية أبي رافع "فصادفته يصلي، فوضعت يدها على حاجبها، فقالت: يا جُريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فرجعت ثم أتته، فصادفته يصلي فقالت: يا جُريج أنا أمك فكلمني، فقال مثله"، فذكره وفي حديث عمران بن حُصين أنها "جاءته ثلاث مرات تناديه في كل مرة ثلاث مرات"، وفي رواية الأعرج عند الإسماعلي "فقال أمي وصلاتي لربي، أوثر صلاتي على أمي، ذكره ثلاثًا" وكل ذلك محمول على أنه قاله في نفسه لا أنه نطق به، ويحتمل أن يكون نطق به على ظاهره؛ لأن الكلام كان مباحًا عندهم. وكذلك كان في صدر الإِسلام كما مر.
قال ابن بطّال: سبب دعاء أم جريج عليه أن الكلام كان في شرعهم مباحًا في الصلاة، فلما آثر استمراره في صلاته ومناجاته على إجابتها، دعت عليه لتأخيره حقها والذي يظهر من ترديده في قوله "أمي وصلاتي" أن الكلام عنده يقطع، فلذلك لم يجبها.
وقد روى الحسن بن سفيان وغيره، عن الليث عن يزيد بن حَوْشب عن أبيه، قال: سمعت
стр. 5205
رسول الله ﷺ يقول: "لو كان جريج عالمًا لعلم أن إجابته أمه أولى من عبادة ربه". قال في "الفتح" يزيد مجهول، وحوشب بمهملة ثم معجمة، وزن جَعْفر. ووهم الدّمياطيّ فزعم أنه ذو ظليم، والصواب خلافه؛ لأن ذا ظليم لم يسمع من النبي ﷺ ، وهذا وقع التصريح بسماعه.
وقوله: قالت: "اللهمَّ لا يموت جريج حتى ينظر في وجه الميَامِيس". وفي رواية أبي ذَرٍّ "وجوه" بصيغة الجمع، وفي أحاديث الأنبياء "اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات"، وفي رواية أبي رافع "حتى تريه المومسة" بالإفراد. وفي حديث عمران بن حصين "فغضبت، فقالت: اللهم لا يموتن جريج حتى ينظر في وجوه المومسات".
والمومسات جمع مُوْمِسة، بضم الميم وسكون الواو وكسر الميم بعدها مهملة، وهي الزانية، تجمع على مواميس بالواو ومد الميم، وجمعت في الطريق المذكور مياميس. وقال ابن الجوزي: إثبات الياء فيه غلط، والصواب حذفها، وخُرِّج على إشباع الكسرة، وحكى غيره جوازه. وفي رواية الأعرج "أبيت أن تطلع إلى وجهك، لا أماتك الله حتى تنظر في وجهك زواني المدينة".
وقوله: "وكانت تأوي إلى صومعته راعيةٌ ترعى الغنم، فولدت، فقيل لها: ممن هذا الولد؟ قالت: من جريج، نزل من صومعته" وفي رواية أحاديث الأنبياء "فتعرضت له امرأة، فظلمته، فأبى، فأتت راعيًا، فأمكنته من نفسها. وفي رواية وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عند أحمد "فذكر بنو إسرائيل عبادة جريج، فقالت بَغِيّ منهم، وكانت يُتَمثل بحسنها: إن شئتم لأفتنَنَّه. قالوا شئنا، فأتته فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأمكنت ففسها من راعٍ كان يؤوي غنمه إلى أصل صومعة جريج".
ولم تُسمَّ هذه المرأة، لكن في حديث عمران بن حصين أنها كانت بنت ملك القرية. وفي رواية أبي سلمة "وكان عند صومعته راعي ضأن وراعية معزى" ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأنها خرجت من دار أبيها بغير علم أهلها متنكرة، وكانت تعمل الفساد إلى أن ادعت أنها تستطيع أن تفتن جُريجًا. فاحتالت بأن خرجت في صورة راعية، ليمكنها أن تأوي إلى ظل صومعته، لتتوصل بذلك إلى فتنته.
وقوله: "قالت مِنْ جُريج" في رواية أبي رافع فقالت: "هو من صاحب الدير" وفي رواية أحمد "فأخذت، وكان من زنى منهم قتل، فقيل لها: "ممن هذا؟ قالت: هو من صاحب الصومعة" وفي رواية الأعرج "قيل لها: من صاحبك؟ قالت: جريج الراهب، نزل إليّ فأصابني" زاد أبو سلمة في روايته "فذهبوا إلى الملك فأخبروه، قال أدركوه، فائتوني به" وفي رواية أحاديث الأنبياء "فأتوه فكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه" وفي رواية أبي رافع "فأقبلوا بفؤوسهم ومساحيهم إلى الدير، فنادوه فلم يكلمهم، فأقبلوا يهدمون ديره" وفي حديث عمران "فما شعر حتى سمع بالفؤوس في أصل صومعته، فجعل يسألهم ويلكم مالكم؟ فلم يجيبوه، فلما رأى ذلك أخذ الحبل فتدلى".
стр. 5206
وقوله: "وسبوه" زاد أحمد عن وهب بن جرير "وضربوه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: إنك زنيت بهذه" وفي رواية أبي رافع عنده "فقالوا: أيْ جُريج، أنزل، فأبى يقبلُ على صلاته، فأخذوا في هدم صومعته، فلما رأى ذلك نزل، فجعلوا في عنقه وعنقها حبلًا، وجعلوا يطوفون بهما في الناس" وفي رواية أبي سلمة، فقال له الملك: ويحك يا جريج، كنا نراك خير الناس، فأحبلت هذه، اذهبوا به فاصلبوه". وفي حديث عمران "فجعلوا يضربونه ويقولون: مراءٍ تخادع الناس بعملك" وفي رواية الأعرج "فلما مرّوا به نحو بيت الزواني خرجن ينظرن، فتبسم، فقالوا: لم يضحك حتى مرَّ بالزواني" وفي الرواية المذكورة زيادة "فتوضأ وصلى" وفي رواية وهب بن جرير "فقام وصلى ودعا" وفي حديث عمران "قال: فتولَّوا عنه، فتولَّوا عنه، فصلى ركعتين".
وقوله: "يا بابوس من أبوك؟ قال: راعي الغنم" وبابوس، موحدتين بينهما ألف والثانية مضمومة وآخره سين مهملة، قال القزاز: هو الصغير. وقال ابن بطال: الرضيع، وهو بوزن جاسوس، واختلف هل هو عربي أو معرب، وأغرب الداوديّ الشارح فقال: هو اسم ذلك الولد بعينه، وفيه نظر، وقد قال الشاعر:
حَنَّتْ قَلُوصي إلى بابوسها جَزَعًا
قال الكرمّانيّ: إن صحت الرواية بتنوين السين، تكون كنية له، ويكون معناه يا أبا الشدة، وفي رواية أحاديث الأنبياء، ثم أتى الغلام، فقال: "من أبوك يا غلام؟ فقال: الراعي" زاد في رواية وهب بن جرير "فطعنه بإصبعه، فقال: بالله يا غلام، من أبوك؟ قال: أنا ابن الراعي" وفي مرسل الحسن عند ابن المبارك في البر والصلة "أنه سألهم أن يُنْظِروه فأنظروه، فرأى في المنام من أمره أن يطعن في بطن المرأة، فيقول: أيته السنحلة من أبوك؟ ففعل، فقال: راعي الغنم. وفي رواية أبي رافع "ثم مسح رأس الصبيِّ فقال: من أبوك؟ فقال: راعي الضأن" وفي روايته عند أحمد "فوضع أصبعه على بطنها" وفي رواية أبي سلمة "فأتي بالمرأة والصبيّ، وفمه في ثديها، فقال له جُريج: يا غلام، من أبوك؟ فنزع الغلام فاه من الثّدي وقال: أبي راعي الضأن" وفي رواية الأعرج فلما أدخل على ملكهم قال: اين الصبي الذي ولدته؟ فأُتي به، فقال: من أبوك؟ فقال: فلان، سمَّى أباه. قال في "الفتح": لم أقف على اسم الراعي، ويقال إن اسمَه صهيب، وقد مرَّ قريبًا أن الابن لم يُسَمَّ، إلا ما قال الداوديّ، ومرَّ أنه مردود، وفي حديث عران "ثم انتهى إلى شجرة، فأخذ منها غصنًا، ثم أتى الغلام وهو في مهده، فضربه بذلك الغصن، فقال من أبوك؟ " وفي التنبيه لأبي الليث السَّمَرْقَنْدِيّ بغير إسناد، أنه قال للمرأة: أين أصبتك؟ قالت: تحت شجرة، فأتى تلك الشجرة، فقال: يا شجرة، أسألك بالذي خلقك من زنى بهذه المرأة؟ فقال كل غصن منها: راعي الغنم. ويجمع بين هذا الاختلاف بوقوع جميع ما ذكر، بأنه مسح رأس الصبي ووضع أصبعه على بطن أمه، وطعنه بأصبعه، وضربه بطرف العصا التي كانت معه. وأبعد من جمع بينها بتعدد القصة، وأنه استنطقه وهو في بطنها قبل أن تلد، ثم استنطقه بعد أن ولد.
стр. 5207
زاد في رواية وهب بن جرير "فوثبوا إلى جريج، فجعلوا يقبّلونه" وزاد الأعرج في روايته "فَأبَرّ الله جريجًا، وأعظم الناس أمر جُريج" وفي رواية أبي سلمة "فسبح الناس، وعجبوا" وفي رواية أحاديث الأنبياء "قالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا إلا من طين" وفي رواية وهب بن جرير "ابنوها من طين كما كانت" وفي رواية أبي رافع "فقالوا: نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة، قال: لا، ولكن أعيدوه كما كان، ففعلوا" وفي نقل أبي الليث، فقال له الملك: نبنيها من ذهب، قال: لا، قال: من فضة؟ قال: لا، إلا من طين" وفي رواية أبي سلمة "فردوها فرجع في صومعته، فقالوا: بالله ممن ضحكت؟ فقال: ما ضحكت إلا من دعوة دعتها عليّ أمي".
وفي رواية أحاديث الأنبياء "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى وجريج هذا، ثم قال: وكانت امرأة ترضع ابنًا لها من بني إسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة"، بالشين المعجمة، أي: صاحب حسن، وقيل: صاحب هيأة ومنظر وملبس حسن يتعجب منه، ويشار إليه. وفي رواية خلاس "ذو شارة حسنة" وهي عند أحمد وفيها "فارس متكبر، فقالت اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها، فأقبل على الراكب، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه". قال أبو هريرة: كأني انظر إلى النبي ﷺ يمص إصبعه، ثم مرت بأمَةٍ فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها. وقال: اللهم اجعلني مثلها.
وفي رواية وهب بن جرير عند أحمد "تضرب"، وفي رواية الأعرج: "تجرر ويلعب بها" فقالت له ذلك، أي: سألت ابنها عن سبب كلامه، فقال: الراكبُ جَبّار. وفي رواية الأعرج "فإنه كافر، وهذه الأمة يقولون: سرقتِ زنيتِ، ولم تفعل. وفي رواية أحمد يقولون: سرقتِ ولم تسرق، زنيتِ ولم تزنِ، وهي تقول: حسبي الله.
وفي رواية خلاس المذكورة أنها كانت حبشية أو زنجية، وأنها ماتت فجروها حتى ألقَوها، وهذا معنى قوله في رواية الأعرج "تجرر". وفي رواية الأعرج يقولون لها: تزني وتقول: حسبي الله، ويقولون لها تسرق، وتقول: حسبي الله. قال في "الفتح": لم أقف على اسم المرأة، وعلى اسم ابنها، ولا على اسم أحد ممن ذكر في القصة.
قال القرطبيّ: في هذا الحصر في الثلاثة نظر، إلا أن يحمل على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال ذلك، قبل أن يعلم الزيادة على ذلك، وفيه بُعد. ويحتمل ان يكون كلام الثلاثة المذكورين مقيدًا بالمهد، وكلام غيرهم من الأطفال في غير مهد، لكنه يعكر عليه، أنّ في رواية ابن قتيبة، أنَّ الصبي الذي طرحته أمه في الأخدود كان ابن سبعة أشهر، وصرح بالمهد في حديث أبي هريرة، وفيه تعقّب على النووي في قوله: إن صاحب الأخدود لم يكن في المهد، والسبب في قوله هذا ما في حديث ابن عباس عند أحمد والبزار وابن حبان والحاكم "لم يتكلم في المهد إلا أربعة" فلم يذكر الثالث الذي هنا. وذكر شاهد يوسف والصبي الرضيع الذي قال لأمه، وهي ماشطة بنت فرعون، لما أراد فرعون إلقاء أمه في النار: اصبري يا أمَّه فإنّا على الحق. وأخرج الحاكم
стр. 5208
نحوه عن أبي هريرة، فيجتمع من هذا خمسة. ووقع ذكر شاهد يوسف أيضًا في حديث عمران بن حصن، لكنه موقوف، وروى ابن أبي شيبة من مرسل هلال بن يساف مثل حديث ابن عباس، إلا أنه لم يذكر ابن الماشطة.
وفي مسلم عن صهيب في قصة أصحاب الأخدود أن امرأة جيء بها لتلقى في النار أو لتكفر، ومعها صبي يرضع، فتقاعست، فقال لها: يا أمَّه اصبري، فإنك على الحق. وزعم الضحاك في تفسيره، أن يحيى تكلم في المهد، أخرجه الثعلبىّ، فإنْ ثبت صاروا سبعة. وذكر البغويّ في تفسيره أن إبراهيم الخليل تكلم في المهد، وفي سير الواقديّ أن النبي ﷺ تكلم أوائل ما ولد، وقد تكلم في زمن النبي ﷺ مبارك اليمامة، وقصته في "دلائل النبوءة" للبيهقيّ من حديث معرض، بالضاد المعجمة.
وقد اختلف في شاهد يوسف، فقيل: "كان صغيرًا، وهذا أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس" وسنده ضعيف، ومرَّ قريبًا من ذكره في أصحاب المهد، وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وأخرج عن ابن عباس أيضًا ومجاهد: أنه كان ذا لحية، وعن قتادة والحسن أيضًا أنه كان حكيمًا من أهلها.
وفي هذا الحديث باعتبار طرقه من الفوائد إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع؛ لأن الاستمرار فيها نافلة، وإجابة الأم وبِرُّها واجب، ولذا أجيبت فيه الدعوة اعتبارًا بكونه ترك الصلة، وحسنت عاقبته، وظهرت كرامته اعتبارًا بحق الصلاة، ولم يكن هذا تناقضًا بل هو من جنس قوله ﵊ "واحتجبي منه يا سَوْدة" اعتبارًا للشبه المرجوح، وقول ابن بطال: إن سبب دعائها عليه لإباحة الكلام إذ ذاك مُعارضٌ بقول جريج المشهود له بالكرامة "أمي وصلاتي" إذ ظاهره عدم إجابته كما مرَّ، ولا يقال إنْ كان جريج مصيبًا في نظره وأخذ بإجابة الدعوة فيه لزم التكليف بما لا يطاق، لأن الحق أن المؤاخذة هنا ليست عقوبة، وإنما هي تنبيه على عظم حق الأم، وإن كان مرجوعًا في اعتقاده.
وقال النوويّ: إنما دعت عليه فأجيبت لأنه كان يمكنه أن يخفف ويجيبها لكن لعله خشي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته والعود إلى الدنيا وتعلقاتها. وفيه نظر، لما من من أنها كانت تأتيه فيكلمها، والظاهر أنها كانت تشتاق إليه فتزوره، وتقنع برؤيته وتكليمه، وكأنه لم يخفف ثم يجيبها؛ لأنه خشي أن ينقطع خشوعه. وفيه أيضًا عظم بِرِّ الوالدين، وإجابة دعائهما ولو كان الولد معذورًا، لكن أم جريج مع غضبها منه لم تدع عليه إلا بما دعت به خاصة، ولولا طلبها الرفق به لدعت عليه بوقوع الفاحشة، أو القتل. وفيه أن صاحب الصدق مع الله، لا تضره الفتن. وفيه قوة يقين جريج المذكور، وصحة رجائه؛ لأنه استنطق المولود مع كون العادة أنه لا ينطق، ولولا صحة رجائه بنطقه ما استنطقه.
وفيه أن الأمرين إذا تعارضا بُدىء بأهمهما وأن الله يجعل لأوليائه عند ابتلائهم مخارج، وإنما
стр. 5209
يتأخر ذلك عن بعضهم في بعض الأوقات تهذيبًا، وزيادة لهم في الثواب. وفيه إثبات كرامات الأولياء، ووقوع الكرامة لهم باختيارهم وطلبهم، وقال ابن بطّال: يحتمل أن يكون جريج كان نبيًا، فتكون معجزة، كذا قال. وهذا الاحتمال لا يتأتى في حق المرأة التي كلمها ولدها المرضَع، كما مرَّ.
وفيه جواز الأخذ بالأشد في العبادة لمن علم من نفسه قوة على ذلك، واستدل به بعضهم على أن بني إسرائيل كان من شرعهم أن المرأة تصدّق فيما تَدَّعيه على الرجال من الوطء، ويلحق به الولد، وأنه لا ينفعه جحد ذلك إلا بِبَيِّنَةٍ تدفع قولها. وفيه أن مرتكب الفاحشة لا تبقى له حرمة، وأن المفزع في الأمور المهمة إلى الله تعالى يكون بالتوجه إليه في الصلاة، واستدل بعض المالكية بقول جريج: من أبوك يا غلام؟ بأن من زنى بامرأة فولدت بنتًا لا يحل له التزوج بتلك البنت، خلافًا للشافعية، ولابن الماجشون من المالكية.
ووجه الدلالة أن جريجًا نسب ابن الزنى للزاني، وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق المولود بشهادته له بذلك، وقوله: "أبي فلان الراعي"، فكانت تلك النسبة صحيحة، فيلزم أن تجرى بينهما أحكام الأبوة والبنوة، خرَجَ التوارث والولاء بدليل فبقي ما عدا ذلك على حكمه. وأما أم المزني بها أو بنتها ففي حرمتهما على الزاني وعدم حرمتهما خلاف عند مالك.
وفيه أن الوضوء لا يختص بهذه الأمة خلافًا لمن زعم ذلك، وإنما الذي يختص بها الغُرَّة والتَّحْجيل في الآخرة، وقد تقدم البحث في هذا في كتاب الوضوء، وفي حديث المرضع التي من عليها الراكب "أن نفوس أهل الدنيا تقف مع الخيال" الظاهر فتخاف سوء الحال بخلاف أهل التحقيق، فوقوفهم مع الحقيقة الباطنة، فلا يبالون بذلك مع حسن السريرة، كما قال الله تعالى، إخبارًا عن أصحاب قارون حيث خرج عليهم: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ .... ، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ وفيه أن البشر طبعوا على إيثار الأولاد على الأنفس بالخير، لطلب المرأة الخير لابنها، ودفع الشر عنه ولم تذكر نفسها.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرَّ الليث في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ جعفر بن ربيعة في الرابع من التيمم، ومرَّ ابن هُرمز في السابع من الإيمان، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه. وفي الحديث ذكر جُريج وهو عابد من عباد بني إسرائيل، وأمه ثم يعرف اسمها. والحديث أخرجه مسلم أيضًا، مطولًا، في باب بِرّ الوالدين، ودعاء الوالدة على الولد. ثم قال المصنف:
стр. 5210
باب مسح الحصى في الصلاة
قال ابن رشيد: ترجم بالحصى، والمتن الذي أورده في التراب، لينبه على إلحاق الحصى بالتراب في الاقتصار على التسوية مرة، وأشار بذلك أيضًا لي ما ورد في بعض طرقه بلفظ "الحصى"، كما أخرجه مسلم عن يحيى بن أبي كثير بلفظ "المسح في المسجد" يعني الحصى، قال ابن رشيد: لما كان في الحديث "يعني" ولا يدري أهي قول الصحابي أو غيره، عدل عنها البخاريّ إلى ذكر الرواية التي فيها التراب.
وقال الكرمانيّ: ترجم بالحصى لأن الغالب أنه يوجد في التراب، فيلزم من تسويته مسح الحصى، وأخرجه أبو داود بلفظ "فإن كنت لابد فاعلًا فواحدة؛ تسوية الحصى" وأخرجه التِّرْمِذيّ بلفظ "سألت النبيّ ﷺ عن مسح الحصى في الصلاة" فلعل البخاري أشار إلى هذه الرواية، أو إلى ما رواه أحمد عن حذيفة، قال: سألت النبي ﷺ عن كل شيء حتى عن مسح الحصى، فقال: "واحدةً أوْ دَعْ".
ورواه أصحاب السنن عن أبي ذَرٍّ بلفظ "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه، فلا يمسح الحصى" وقوله: إذا قام، المراد به الدخول في الصلاة، ليوافق حديث الباب، فلا يكون منهيًا عن المسح قبل الدخول فيها، بل الأولى أن يفعل ذلك حتى لا يُشْغَلُ باله، وهو في الصلاة، به.
الحديث العاشر
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَوَاحِدَةً.
قوله: عن أبي سلمة، في رواية الترمذيّ: عن يحيى حدثني أبو سلمة، وقوله: في الرجل، أي في حكم الرجل، وذكر الغالب، وإلا فالحكم جار في جميع المكلفين. وقوله: يسوى التراب حيث يسجد، التقييد بالحصى والتراب خَرَج للغالب، لكونه كان الموجود في فرش المساجد إذ ذاك، فلا يدل تعليق الحكم به على نفيه عن غيره، مما يصلى عليه من الرمل والقذى وغير ذلك.
وقوله: حيث يسجد، أي: مكان السجود، وهل يتناول العضو الساجد، لا يبعد. وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال: ما أحب أنَّ لي حمر النعم، وأني مسحت مكان جبيني من
стр. 5211
الحصى. وقال عياض: كره السلف مسح الجبهة في الصلاة قبل الانصراف. وحكى ابن عبد البر عن سعيد بن جُبير والحسن والشَّعبيّ أنهم كان يكرهون أن يمسح الرجل جبهته قبل أن ينصرف، ويقولون: هو من الجفاء.
وقال ابن مسعود: أربع من الجفاء: أن تصلي إلى غير سترة، أو تمسح جبهتك قبل أن تنصرف، أو تبول قائمًا، أو تسمع المنادي ولا تجيبه. وقد تقدم في أواخر صفة الصلاة، حكايةُ استدلال الحميدي لذلك، بحديث أبي سعيد في رؤية الماء والطين في جبهة النبي ﷺ بعد أن انصرف من صلاة الصبح.
وحكى النّوويّ اتفاق العلماء على كراهة مسح الحصى وغيره في الصلاة، وفيه نظر. فقد حكى الخطابيّ في "المعالم" عن مالك أنه لم ير به بأسًا، وكان يفعله، فلعله لم يبلغه الخبر، وأفرط بعض أهل الظاهر، فقال: إنه حرام إذا زاد على واحدة، لظاهر النهي، ولم يفرق بين ما إذا توالى أم لا، مع أنه لم يقل بوجوب الخشوع. والذي يظهر أنَ علة كراهيته المحافظةُ على الخشوع أو لئلا يكثر العمل في الصلاة. لكن حديث أبي ذَرٍّ المتقدم يدل على أن العلة فيه أن لا يجعل بينه وبين الرحمة التي تواجهه حائلًا.
وروى ابن أبي شَيبة عن أبي صالح السَّمَّان قال: إذا سجدت فلا تمسح الحصى، فإن كل حصاة تحب أن يسجد عليها، وهذا تعليل آخر. وقوله: "فواحدة" بالنصب على إضمار فعل، أي: فامسح واحدة، أو على النعت لمصدر محذوف، أي: فعلَةً واحدة. ويجوز الرفع على إضمار الخبر، أي: فواحدةٌ تكفي، وإضمار المبتدأ أي: فالمشروعُ واحدة. وفي رواية الترمذيّ إنْ كنت فاعلًا فمرة واحدة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا إلا الصحابيّ، مرَّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ شيبان ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرَّ أبو سلمة في الرابع من بدء الوحي.
والصحابى مُعَيْقيب، بضم الميم وفتح العين بعدها ياء ساكنة وقاف مكسورة ممدودة، ويقال مُعَيْقِب، بغير الياء الثانية، ابن أبي فاطمة الدَّوْسيّ، حليف بني أمية، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر الهجرة الثانية للحبشة، وأقام بها حتى قدم على النبي ﷺ في المدينة، وشهد بيعة الرضوان، وما بعدها من المشاهد، وكان على خاتم رسول الله ﷺ ، واستعمله أبو بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، على بيت المال، وكان على خاتم عثمان بن عفان، وهو الذي سقط من يده خاتم النبي ﷺ أيام عثمان، رضي الله تعالى عنه، في بئر أريس، فلم يوجد، فمنذ سقط الخاتم اختلفت الكلمة.
أصابه الجُذام، فجمع له عمر الأطباء فعالجوه بالحنظل، فوقف المرض. له أحاديث اتفقا على حديث، وانفرد مسلم بحديث. روى عنه أبو سَلَمة بن عبد الرحمن حديث "ويلٌ للأعقاب من
стр. 5212
النار" وحديث "مسح الحصى" هذا، وروى عنه ابن ابنه إياس بن الحارث بن مُعَيْقِيب، توفي في آخر خلافة عثمان، وقيل سنة أربعين في آخر خلافة علي، وهو قليل الحديث، ويقال: إن الصحابة لم يجذم منهم أحد سواه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، ورواته كوفي وبصريُّ ويمانيُّ ومدنيُّ. أخرجه مسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والترمِذي والنَّسائي وابن ماجه ثم قال المصنف:
стр. 5213
باب بسط الثوب في الصلاة للسجود
هذه الترجمة من جملة العمل اليسير في الصلاة أيضًا، وهو أن يتعمد القاء الثوب على الأرض ليسجد عليه.
الحديث الحادي عشر
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرٌ حَدَّثَنَا غَالِبٌ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ.
وقد مرَّ هذا الحديث في باب السجود على الثوب في شدة الحر، واستوفي الكلام عليه هناك.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ مسدد وأنس في السادس من الإيمان، ومرَّ بشر بن المفضل في التاسع من العلم، ومرَّ غالب القطان في السابع والثلاثين من كتاب الصلاة، ومرَّ بكر بن عبد الله في الثالث والثلاثين من الغسل ثم قال المصنف:
стр. 5214
باب ما يجوز من العمل في الصلاة أي غير ما تقدم
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلِي فِي قِبْلَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَرَفَعْتُهَا، فَإِذَا قَامَ مَدَدْتُهَا.
وهذا الحديث قد مرَّ استيفاء الكلام عليه في باب الصلاة على الفراش في أوائل الصلاة، وفي باب "إن الصلاة لا يقطعها شيء".
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن مَسْلَمة في الثاني عشر من الإيمان، ومرَّ مالك وعائشة في الثاني من بدء الوحي، وأبو سلمة في الرابِع منه، ومرَّ أبو النضر في السابع والستين من الوضوء.
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى صَلاَةً قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي، فَشَدَّ عَلَيَّ لِيَقْطَعَ الصَّلاَةَ عَلَيَّ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَذَعَتُّهُ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ ﵇ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي. فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِيًا. ثُمَّ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ فَذَعَتُّهُ بِالذَّالِ أَيْ خَنَقْتُهُ وَفَدَعَّتُّهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ أَىْ يُدْفَعُونَ وَالصَّوَابُ، فَدَعَتُّهُ. إِلاَّ أَنَّهُ كَذَا قَالَ بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ وَالتَّاءِ.
وقوله: فشد عليّ، أي: حمل، وقوله: فَذَعَتُّه، بالذال المعجمة والعين المهملة المفتوحتين والمثناة الفوقية المشددة، فعل ماضٍ للمتكلم وحده، والفاء عاطفة، يأتي تفسيره قريبًا. وقوله: قال النضر بن شميل: فَذَعَتُّهُ، بالدال والعين المشددة المهملتين والمثناة الفوقية المشددة، وأصله "وعَّصْتُ" بتشديد العين الأولى وأدغمت الثانية في التاء. وقوله: والصواب فَدَعتُّه، أي: بالمهملة،
стр. 5215
وتخفيف العين.
وقوله: إلا أنه، يعني شعبة، كذا قال بتشديد العين والتاء. وهذه الزيادة في رواية كريمة عن الكشميهنيّ، وأخرجه مسلم عن النضر بدون هذه الزيادة، ومطابقة الحديث للترجمة من قوله: "فدعته" على معنى دفعته من حيث كونه عملًا يسيرًا، وقد استوفيت مباحث هذا الحديث غاية الاستيفاء في باب "ربط الغريم في المسجد" من أبواب المساجد.
وفي هذا الحديث سؤالٌ وهو أنه ثبت أن الشيطان يفر من ظل عمر رضي الله تعالى عنه، وأنه يسلك فجًا غير فجه، ففراره عنه ﵊ من باب أولى، وأجيب بأن المراد من فراره من ظل عمر ليس حقيقة الفرار، بل بيان قوة عمر، وصلابته على قهر الشيطان، وهنا صريحٌ أنه ﷺ قهره وطرده غاية الإمكان.
واستفيد من الحديث أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة، وأخذوا من ذلك جواز أخذ البرغوث والقملة، ودفع المارّ بين يديه، والإشارة، والالتفات الخفيف، وقتل الحية والعقرب، وقد أجاز الكوفيون أخذ القملة وقتلها في الصلاة. وقال أبو يوسف: أساء، وصلاته تامة. وكره اللَّيْثُ قتلها في المسجد، ولو قتلها لم يكن عليه شيء. وقال مالك: لا يقتلها في المسجد ولا يطرحها فيه، ولا يدفنها في الصلاة، بل يصرها في توبة. ورخص مالك في قتل العقرب والحية إذا خاف منهما، وإلا كره قتلهما. وأجاز الكوفيون والشافعيّ وأحمد وإسحاق قتلهما.
وسئل مالك عمن يمسك عنان فرسه في الصلاة، ولا يتمكن من وضع يديه بالأرض، فقال أرجو أن يكون خفيفًا، وأجاز مالك وأحمد إصلاح السترة لمن سقطت سترته، وأجاز مالك والشافعيّ حمل الصبي في الصلاة المكتوية، وعند الحنفية يكره حمله، لغير عذر ولا يكره لعذر.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ محمود بن غيلان في السابع والأربعين من مواقيت الصلاة، ومرَّ شبابة بن سوار في الخامس والثلاثين من الحيض، ومرَّ شعبة في الثالث من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني منه ومرَّ محمد بن زياد في السابع والعشرين من الغسل، وقد مرَّ الكلام على هذا الحديث في محل محمد بن زياد ثم قال المصنف:
стр. 5216
باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة
أي: ماذا يصنع صاحبها، ثم قال: وقال قتادة: إن أخذ ثوبه يتبع السارق، ويدع الصلاة، قوله: "يدع الصلاة" أي: يتركها، والعين مضمومة أو مكسورة، وهذا وصله عبد الرزاق عن معمر عنه. وزاد عبد الرزاق "فيرى صبيًا على بئر فيتخوف أن يسقط فيها" قال: ينصرف له، أي وجوبًا، ومذهب كالشافعية أن من أخذ ماله ظلمًا وهو في الصلاة، يصلي صلاة شدة الخوف، وكذا في كل مباح، كهربٍ من حريق أو سيل أو سبع لا مَعْدِل عنه، وغريم له عند إعساره، وخوف حبسه بأن لم يصدقه غريمه، وهو الدائن في إعساره، وهو عاجز عن بينة الإعسار.
وعند المالكية إذا خاف ضياع المال، فإن كان قليلًا استخلف إذا كان إمامًا، ولا يقطع الصلاة، ضاق الوقت أو اتسع. وأما إن كان كثيرًا، واتسع الوقت، فإنه يستخلف، وهذا كله ما لم يخشَ هلاكًا أو شديدَ أذى، وإلا تعين القطع، ضاقَ الوقتُ أو لا، كثر أو قل. ومثل الإِمام في القطع وعدمه المأمومُ والفذُ، وقلة المال وكثرته تتفاوت بحسب الأشخاص. ومرَّ قتادة في السادس من الإيمان.
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: كُنَّا بِالأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الْحَرُورِيَّةَ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا. قَالَ شُعْبَةُ هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ يَقُولُ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ قَالَ إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ، وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّ غَزَوَاتٍ أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَوَ ثَمَان، وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ، وَإِنِّي أَنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبُّ إِلِيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا فَيَشُقَّ عَلَيَّ.
قوله: "كنا بالأهواز" بفتح الهمزة وسكون الهاء، بلدة معروفة بين البصرة وفارس، فتحت في خلافة عمر، ليس له واحد من لفظه. قال أبو عبيدة هي بلد يجمعها سبع كُوَر، فذكرها، وقال ابن خُردَاذَبّه: هي بلاد واسعة متصلة بالجبل وأصبهان. وقوله: "الحَرْورِية" بمهملات أي: الخوارج، وكان الذي يقاتلهم إذ ذاك المُهَلَّبُ بن أبي صُفرة، كما عند الإسماعيلي عن شعبة، وذكر محمد بن قدامة في كتاب الخوارج أن ذلك كان في سنة خمس وستين من الهجرة. وكان الخوارج قد حاصروا
стр. 5217
أهل البصرة مع نافع بن الأزرق حتى قُتل وقتل من أمراء البصرة جماعة، إلى أن ولي عبد الله بن الزبير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي على البصرة، وولى المهلب بن أبي صفرة على قتال الخوارج. وكذا ذكره المبرد في الكامل. وهو يعكر على من أرخ وفاة أبي بَرْزَة سنة أربع وستين أو قبلها.
وقوله: "على جُرُف نهر" بضم الجيم والراء بعدها فاء وقد تسكن الراء، وهو المكان الذي أكله السيل. وللكشميهنّيّ بفتح الحاء المهملة وسكون الراء، أي: جانبه، وفي رواية حمّاد بن زيد عن الأزرق في الأدب: كنا على شاطىء نهر قد نضب عنه الماء، أي: زال. وهو يقوي رواية الكشمهينيّ، وفي رواية مهديّ بن ميمون عن الأزرق عن محمد بن قدامة: كنت في ظل قصر مِهْران بالأهواز على شاطئ دُجَيل، وعرف بهذا تسمية النهر المذكور، وهو بالجيم مصغر.
وقوله: "إذا رجل" في رواية الحمويّ والكشميهنيّ: إذ جاء رجل. وقوله: قال شعبة، هو أبو برزة الأسلميّ، أي الرجل المصلي. وظاهره أن الأزرق لم يسمعه لشعبة، ولكن رواه أبو داود الطيالسي، في مسنده عن شعبة، فقال في آخره: فإذا هو أبو برزة الأسلمى. وفي رواية عمرو بن مرزوق عند الإسماعيليّ: فجاء أبو بَرْزَة، وفي رواية حماد في الأدب: فجاء أبو برزة الأسلميّ على فرس فصلى، وخلّاها فانطلقت، فاتبعها. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الأزرق بن قيس أن أبا برزة الأسلمي مشى إلى دابته وهو في الصلاة الحديث. وبين مهديّ بن ميمون في روايته أن تلك الصلاة كانت صلاة العصر، وفي رواية عمرو بن مرزوق عند الإسماعيليّ: فمضت الدابة في قبلته فانطلق، فأخذها ثم رجع القهقرى.
وقوله: فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ، وفي رواية الطيالسيّ: فهذا بشيخ يصلي قد عمد إلى عنان دابته، فجعله في يده، فنكصت الدابة، فنكص معها، ومعنا رجل من الخوارج، فجعل يسبه. وفي رواية مهديّ أنه قال: ألا ترى إلى هذا الحمار؟ وفي رواية حماد: انظر إلى هذا الشيخ، ترك صلاته من أجل فرس. وزاد عمرو بن مرزوق في آخره قال: قلت للرجل: ما أرى الله إلا مخزيك، شتمت رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ . وفي رواية مهديّ بن ميمون، فقلت: اسكت، فعل الله بك، هل تدري من هذا؟ هو أبو برزة صاحب رسول الله ﷺ .
قال في "الفتح": لم أقف في شيء من الطرق على تسمية الرجل الخارجيّ المذكور. قلت: انظر إلى غُلُوّ الخوارج وتَنَطُّعُهم، فرجل واحد، في الجيش منهم، قام يعترض على أصحاب النبي ﷺ ، ويسبهم، وبهذا تعلم أن هؤلاء الموجودين بين أظهرنا معذورون في غلوهم وسبهم للمسلمين.
وقوله: "أو ثمانيًا" كذا للكشميهنيّ، وفي رواية غيره "أو ثماني" بغير ألف ولا تنوين. قال ابن مالك: الأصل أو ثماني غزوات، فحذف المضاف، وأبقى المضاف إليه على حاله، وحَسَّن
стр. 5218
الحذفَ دلالةُ المتقدم. قلت: هكذا قال صاحب "الفتح" والعينى والقسطلانيّ. والظاهر أن الصواب أن يقال: فحذف المضاف إليه وأبقى المضاف على حاله، ويحتمل أن الإضافة غير مقصودة، وترك تنوينه لمشابهته "جواري" لفظًا، وهو ظاهر معنى لدلالته على جمع. وفي رواية عمرو بن مرزوق الجزمُ بسبع غزوات من غير شك.
وقوله: "وشهدت تسيره" أي: تسهيله على الناس، كذا في جميع الطرق من التسير، وحكى ابن التين عن الداوديّ أنه عنده "وشهدتُ تُسْتَر" بضم المثناة الفوقية وسكون المهملة وفتح المثناة. وقال: معنى شهدت تُسْتَر، أي: شهدتُ فتحها. وكان في زمن عمر رضي الله تعالى عنه سنة سبع عشرة من الهجرة. قال في الفتح: لم أر ذلك في شيء من الأصول، ومقتضاه أن لا يبقى في القصة شائبة رفع، بخلاف الرواية المحفوظة، فإن فيها إشارة إلى أن ذلك كان من شأن النبي ﷺ تجويز مثله، وأشار بقوله: "وشهدت تسيره" إلى الرد على من شدد عليه في أن يترك دابته تذهب ولا يقطع صلاته.
وفيه حجة للفقهاء في قولهم: إن كل شيء يخشى إتلافه من متاع أو غيره، يجوز قطع الصلاة لأجله. وقوله: "وإني إن كنت أن أرجع مع دابتي أحب الي من أن أدعها ترجع إلى مألفها. والظاهر في إعراب هذه الكلمات أن يقال إن الياء في إني اسم إن، وكلمة إن في لفظ "إن كنت" شرطية، واسم كان هو الضمير المرفوع فيه، وكلمة أن بالفتح مصدرية، يقدر لام العلة قبلها، أي وإن كنت لأن أرجع. وقوله: أحب، خبر كان، وهذه الجملة الشرطية سدت مسد خبر إن في "إني" والمعنى أن رجوعه إلى دابته وانطلاقه معها، وهو في الصلاة، أحب إليه من أن يتركها، ترجع إلى مألَفها، بفتح اللام، أي معلفها، فيشق عليه، وكان منزله بعيدًا، إذا صلاها وتركها لم يكن يأتي إلى أهله إلا الليل لبعد المسافة، وقد صرح بذلك في رواية حماد، فقال: إن منزلي متراخٍ، أي: متباعد، فلو صليت وتركتها لم آتِ أهلي إلى الليل، لبعد المكان.
وقد مرَّ أن في بعض طرقه أن الصلاة المذكورة كانت العصر. وقوله: "إلى مأْلَفِها" بناه على غالب أمرها، ومن الجائز أن لا ترجع إلى مألفها، بل تتوجه إلى حيث لا يدري بمكانها، فيكون فيه التضييع للمال المنهي عنه. وظاهر سياق القصة أن أبا برزة لم يقطع صلاته، ويؤيده ما في رواية عمرو بن مرزوق: فأخذها ثم رجع القهقرى، فإنه لو كان قطعها، ما بالي أن يرجع مستدبر القبلة. وفي رجوعه القهقرى ما يشعر بأن مشيه إلى قصدها ما كان كثيرًا، وهو مطابق لثاني حديثي الباب، لأنه يدل على أنه ﷺ تأخر في صلاته، وتقدم، ولم يقطعها، فهو عمل يسير، ومشي قليل، وليس فيه استدبار القبلة، فلا يضر.
وفي مصنف ابن أبي شيبة: سُئل الحسن عن رجل صلّى فأشفق أن تذهب دابته، قال: ينصرف، قيل له: أفَيُتِمّ؟ قال: إذا ولَّى ظهره القبلةَ استأنفَ. وقد أجمع الفقهاء على أن المشي الكثير في الصلاة المفروضة يبطلها، فيحمل حديث أبي بَرْزة على القليل، كما قررناه. وتقدم في
стр. 5219
الترجمة الحكم في خوف ضياع المال عند الشافعية والمالكية، وعندهم أي المالكية، إذا انفلتت الدابة يجوز له المشي إليها قدر ثلاثة صفوف، وإن على جنبه أو قهقرى، فإن تباعدت عن ذلك، قطع الصلاة وطلبها، إذا كان في سعة من الوقت، وإلاّ تمادى وإن ذهبت، ما لم يكن في مفازة يخاف على نفسه إن تركها هلاكًا أو شديد أذى.
والظاهر أنَّ المراد بالوقتِ الضروريُّ. وقال محمد بن الحسن: فأخذ بما فعل أبو برزة من ذهابه إلى دابته، ورجوعه على عقبيه، حتى صلى الركعتين الباقيتين. قال: فالصلاة تجزىء مع ما صنع، لا يفسدها الذي صنع؛ لأنه رجع على عقبيه، ولم يستدبر القبلة حتى لو جعلها خلف ظهره فسدت صلاته. قال العينيّ: ثم ليس في هذا الحديث الفصل بين المشي القليل والكثير، فهذا يبين لك أن المشي في الصلاة مستقبلَ القبلة لا يبطلُ الصلاة، وإن كَثُر. قلت: قد مرَّ لك ما يدل على أن الواقع في الحديث هو المشي القليل، وقد مرَّ أن إجماع الفقهاء على أن المشي الكثير يبطل الصلاة، ثم وبعض مشائخنا، أولوا هذا الحديث، واختلفوا فيما بينهم في التأويل، فمنهم من قال: تأويله أنه لم يجاوز موضع سجوده، فأما إذا جاوز ذلك، فإن صلاته تفسد؛ لأنّ موضع سجوده في الفضاء مصلاه، وكذلك موضع الصفوف في المسجد، وخطأه في مصلاه عفو، ومنهم من قال: تأويله أن مشيه لم يكن متلاصقًا، ثم مشى خطوة فسكن، ثم مشى خطوة، وذلك قليل. وإنه لا يفسد الصلاة. أما إذا كان المشي متلاصقًا تفسد، وإن لم يستدبر القبلة؛ لأنه عمل كثير.
ومن المشائخ من أخذ بظاهر الحديث، ولم يقل بالفساد، قلَّ المشي أو أكثر، استحسانًا، والقياس أن تفسد صلاته إذا أكثر المشي، إلا أنا تركنا القياس بحديث أبي برزة، رضي الله تعالى عنه، وأنه خُصَّ بحالة العذر. ففي غير حالة العذر يعمل بقضية القياس. وفي الحديث جواز حكاية الرجل إذا احتاج إلى ذلك، ولم يكن في سياق الفجر.
رجاله أربعة:
وفيه لفظ رجل مبهم، مرَّ منهم شُعبة وآدم في الثالث من الإيمان، ومرَّ أبو برزة في الثاني عشر من مواقيت الصلاة، والرجل المبهم لم يُسَمَّ، والرابع الأزرق ابن قيس الحارثيّ البصريّ. قال النسائي: ثقة، قال ابن سعد: ثقة إن شاء الله تعالى، وقال ابن مُعين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الدارقطني: ثقة مأمون، وذكره ابن حِبّان في الثقات، روى عن ابن عمر وأنس وأبي برزة الأسلميّ وغيرهم. وروى عنه سليمان التّيمي، والحمّادان وشُعبة وغيرهم. مات في ولاية خالد على العراق.
الحديث الخامس عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ
стр. 5220
رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا وَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِى أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ.
قوله: حتى قضاها، أي فرغ منها، ولم يُردِ القضاء الذي هو ضد الأداء، وقوله: كل شيء وعدته، في رواية يونس عند مسلم "وعدتم" وله في حديث جابر "عرض علي كل شيء تولجونه" وقوله: لقد رأيت، كذا للأكثر، وللحمويّ والمستمليّ لقد رأيته. ولمسلم حتى لقد رأيتني، وهو أَوْجَه. وقوله: أريد أن آخذ قِطفًا أي عُنْقودَ عنب، وهو بكسر أوله، وذكر ابن الأثير أن كثيرًا يروونه بالفتح، والصواب الكسر.
وفي رواية جابر: حتى تناولت منها قِطفًا، فقصرت يدي عنه. وقوله: حين رأيتموني جعلت أتقدم؛ قال الكرمانيّ: قال في جهنم حين رأيتموني تأخرت؛ لأنّ المتقدم كاد أن يقع، بخلاف التأخر، فإنه قد وقع. كذا قال. وقد وقع التصريح بوقوع المتقدم والتأخر جميعًا في حديث جابر عند مسلم، ولفظه "لقد جيء بالنار، وذلكم حين تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها" وفيه "ثم جيء بالجنة، وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي" وما في هذا الحديث من أمر الكسوف مرَّ الكلام عليه في أبواب الكسوف، ومرَّ استيفاء الكلام على ما فيه من أمر الجنة والنار في باب كُفران العشير، من كتاب الإِيمان، وقوله: يحطم بكسر الطاء.
وقوله: وفيها عمرو بن لُحَيّ، قد مرَّ في الثاني والأربعين من كتاب الإيمان بعض الكلام عليه، ويأتي إتمامه في أيام الجاهلية. وقوله: وهو الذي سَيَّب السوائب، جمع سائبة، ويأتي تفسيرها قريبًا إن شاء الله. ومعنى سيّب السوائب: سَيَّب النُّوق التي تسمى السوائب. والسائبة كانوا يُسَيِّبُونها لآلهتهم، فلا يحمل عليها شيء. قال أبو عبيدة: كانت السائبة من جميع الأنعام، وتكون من النذور للأصنام، فتسيب، فلا تحبس عن مرعى ولا عن ماء، ولا يركبها أحد. وقيل: السائبة لا تكون إلا من الإبل، كان الرجل ينذر إن برِىء من مرضه، أو قدم من سفره، لَيُسَيبنَّ بعيرًا.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: السائبة، كانوا يسيبون بعض إبلهم، فلا تمنع حوضًا، أن تشرب منه، وقال الفراء: اختلف في السائبة، فقيل: كان الرجل يسيب من ماله ما شاء، يذهب إلى السَّدَنَة، وهم الذين يقومون على الأصنام. وقيل: السائبة الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناثٌ، سُيِّبَتِ فلم تُركب، ولم يُجَزَّ لها وبر، ولم يشرب لها لبن. وإذا ولدت بنتها بُحِرَت، أي: شُقَّت أذنها، فالبَحِيرة بنت السائبة. وهي بمنزلة أمها.
وقال البخاريّ: البحيرة هي التي يمنع دَرُّها للطواغيت أي الأصنام، فلا يحلبها أحدٌ من
следующие страницы →