← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

الخلق إليه لا إلى الطبائع. ومن آداب العاطس أن يخفض بالعطاس صوته، فلا يبالغ في إخراج العطسة، فقد أخرج عبد الرزاق عن قتادة قال: "سبع من الشيطان" فذكر منها شدة العطاس، ويرفعه بالحمد، وأن يغطي وجهه لئلا يبدو من فيه أو أنفه ما يؤذي جليسَه، ولا يلوي عنقه يمينًا ولا شمالًا لئلا يتضرر بذلك. قال ابن العربيّ: الحكمة في خفض الصوت بالعطاس أن في رفعه إزعاجًا للأعضاء، وفي تغطية الوجه أنه لو بدر منه شيء آذى جليسه، ولوى عنقه صيانة لميسه لم يأمن من الالتواء، وقد شوهد من وقع له ذلك. وقد أخرج أبو داود والترمذيّ بسند جيد عن أبي هُريرة قال: كان النبي ﷺ إذا عطس وضع يده على فيه، وخفض صوته، وله شاهد بنحوه عند الطبرانيّ عن ابن عمر. قال ابن دقيق العِيد: ومن فوائد التشميت تحصيل المودة والتآلف بين المسلمين، وتأديب العاطس بكسر النَّفْس عن الكِبْر، والحمل على التواضع، لما في ذكر الرحمة من الإِشعار بالذنب الذي لا يَعْرى عنه أكثر المكلفين. والعطاس يكون من خفة البدن، وانفتاح المسام، وعدم الغاية في الشبع، فلذا ناسبه الحمد. واستدل بأمر العاطس بحمد الله، أنه يشرع حتى للمصلي، وقد تقدمت الإِشارة إلى حديث رفاعة بن رافع، وبذلك قال الجمهور من الصحابة، والأئمة من بعدهم، وبه قال مالك والشافعيّ وأحمد. قلت: مشهور مذهب مالك أن حَمْد العاطس في الفرض مكروه، أو خلاف الأوْلى، ونقل الترمذيّ عن بعض التابعين أن ذلك شرع في النافلة لا في الفريضة، ويحمد مع ذلك في نفسه، قال في الفتح: وجوز شيخنا في شرح الترمذيّ، أن يكون مراده أنه يُسِر به، ولا يجهر به، وهو متعقب بحديث رفاعة بن رافع "فإنه جهر به"، ولم ينكر عليه النبي ﷺ . نعم، يَفْرُق بين أن يكون في قراءة الفاتحة أو غيرها، من أجل اشتراط الموالاة في قراءتها، وجزم ابن العربيّ من المالكية بأن العاطس في الصلاة يحمد في نفسه، ونُقِل عن سَحْنون أنه لا يحمد حتى يفرغ، وتعقبه بأنه غُلُو. قلت: قد مرَّ لك قريبًا أن المعتمد عدم حمده مطلقًا، واستدل بقوله في حديث أبي هُريرة السابق "حق على كل مسلم سمعه أن يشمته" على استحباب مبادرة العاطس بالتحميد. ونقل ابن دقيق العيد عن بعض العلماء، أنه ينبغي أن يتأنى في حقه حتى يسكن، ولا يعاجله بالتشميت. قال: وهذا فيه غفلة عن شرط التشميت، وهو توقفه على حمد العاطس. وأخرج البخاريّ في الأدب المفرد عن مكحول الأزْدِيّ، كنت إلى جنب ابن عمر، فعطس

стр. 5287

رجل من ناحيته، فقال ابن عمر: يرحمك الله إن كنت حمدت الله. وقد مرَّ في حديث أبي هُريرة أن العاطس إذا حمد الله يقول له أخوه "يرحمك الله" وهذا هو التشميت المطلوب شرعًا. قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون دعاء بالرحمة، ويحتمل أن يكون إخبارًا على طريق البشارة، كما قال في الحديث الآخر "طهور إن شاء الله" أي: هي طهر لك، فكأن المشمت بَشَّرَ العاطس بحصول الرحمة له في المستقبل، بسبب حصولها في الحال، لكونها دفعت ما يضره. وهذا ينبني على قاعدة، وهي أن اللفظ إذا أريد به معناه، لم ينصرف لغيره، وإن أريد به معنى يحتمله انصرف إليه، وإن أُطلق انصرف إلى الغالب، وإن لم يستحضر القائل المعنى الغالب. قال ابن بطال: ذهب إلى هذا قوم فقالوا: يقول له يرحمك الله، يخصه بالدعاء وحده. وقد أخرج البيهقيّ في الشعب، وصححه ابن حبان، عن حفْص بن عاصم عن أبي هُريرة، رفعه "لما خلق الله آدم، عطس، فألهمه ربه أن قال الحمد لله فقال له ربه: يرحمك الله". وأخرج الطبريّ عن ابن مسعود قال يقول يرحمنا الله وإياكم. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر نحوه، وأخرج المصنف في "الأدب المفرد"، بسند صحيح، عن أبي مرة سمعت ابن عباس إذا شَمَّتَ يقول: عافانا الله وإياكم من النار، يرحمكم الله، وفي "الموطَّأ" عن ابن عمر أنه كان إذا عطس، فقيل له يرحمك الله، قال: يرحمنا الله وإياكم، ويغفر الله لنا ولكم. قال ابن دقيق العيد: ظاهر الحديث أن السنة لا تتأدى إلا بالمخاطبة، وأما ما اعتاده كثير من الناس من قولهم للرئيس "يرحم الله سيدنا"، فخلاف السنة، وشمت بعض الفضلاء رئيسًا فقال: يرحمك الله يا سيدنا. وهو حسن. وقوله في الحديث، السابق: فإذا قال له يرحمك الله، فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم، مقتضاه أنه لا يشرع ذلك إلا لمن شُمِّت، وهو واضح. وأن هذا اللفظ هو جواب التشميت، وهذا مختَلَف فيه، قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى هذا، وذهب الكوفيون إلى أنه يقول: يغفر الله لنا ولكم. أخرجه الطبريّ عن ابن مسعود وابن عمر، وغيرهما، وأخرجه في "الأدب المفرد" الطبرانيّ عن ابن مسعود، ووافق حديثُ أبي هُريرة المذكور سابقًا، حديث عائشة عند أحمد وأبي يَعلى، وحديثَ عليّ وأبي مالك الأشعريّ عند الطبرانيّ، وحديثَ ابن عمر عند البزار، وحديثَ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عند البيهقي في "الشعب". قال ابن بطال: ذهب مالك والشافعيّ إلى أنه يتخير بين اللفظين، إلا للذميّ. وذكر الطبريّ أن الذين منعوا من جواب التشميت بقول "يهديكم الله ويصلح بالكم" احتجوا بأنه تشميت اليهود، كما يأتي في حديث أبي داود عن أبي موسى، ولا حجة فيه، إذ لا تَضَادَّ بين خبر أبي موسى وخبر أبي هُريرة المذكور فيه "يهديكم الله ويصلح بالكم"؛ لأنّ حديث أبي هُريرة في جواب التشميت، وحديث أبي موسى في التشميت نفسه.

стр. 5288

وأما ما أخرجه البيهقيّ في "الشّعب" عن ابن عمر قال: اجتمع اليهود والمسلمون، فعطس النبيّ ﷺ ، فشمته الفريقان جميعًا، فقال للمسلمين: "يغفر الله لكم، ويرحمنا وإياكم" وقال لليهود: يهديكم الله ويصلح بالكم". فقال: تفرد به عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد عن أبيه عن نافع، وعبد الله ضعيف، واحتج بعضهم بأن الجواب المذكور مذهب الخوارج، لأنهم لا يرون الاستغفار للمسلمين. وهذا منقول عن إبراهيم النخعيّ، وكل هذا لا حجة فيه بعد ثبوت الخبر بالأمر. قال البخاريَّ: بعد تخريجه في "الأدب المفرد": وهذا أثبت ما يروى في هذا الباب. وقال الطبريّ: هو من أثبت الأخبار، وقال البيهقيّ: هو أصح شيء ورد في هذا الباب. وقد أخذ به الطحاويّ من الحنفية، واحتج له بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ قال: والذي يجيب بقوله: "غفر الله لنا ولكم" لا يزيد المشمت على معنى قوله: "يرحمك الله" لأنّ المغفرة ستر الذنب، والرحمة ترك المعاقبة عليه، بخلاف دعائه له بالهداية والإصلاح، فإن معناه أن يكون سالمًا من مواقعة الذنب، صالح الحال، فهو فوق الأول فيكون أولى. واختار ابن أبي جمرة أن يجمع المجيب بين اللفظين، فيكون أجمع للخير، ويخرج من الخلاف، ورجحه ابن دقيق العيد، وقد أخرج مالك في الموطأ، عن ابن عمر، أنه كان إذا عطس فقيل له يرحمك الله. قال: "يرحمنا الله وإياكم، يغفر الله لنا ولكم". وقال ابن أبي جمرة: في الحديث دليل على عظيم نعمة الله على العاطس، يؤخذ ذلك مما رتب عليه من الخير، وفيه إشارة إلى عظيم فضل الله على عبده، فإنه أذهب عنه الضرر بنعمة العطاس، ثم شرع له الحمد الذي يثاب عليه، ثم الدعاء بالخير بعد الدعاء بالخير، وشرع النعم المتواليات في زمن يسير فضلًا وإحسانًا. وفي هذا لمن رآه بقلب، له بصيرة، زيادة قوة في إيمانه، حتى يحصل له من ذلك ما لا يحصل بعبادة أيام عديدة، ويداخله من حب الله الذي أنعم عليه بذلك، ما لم يكن في باله، ومن حب الرسول، الذي جاءت معرفة هذا الخير على يده، والعلم الذي جاءت به سنته، ما لا يقدر قدره. قال: وفي زيادة "ذرة من هذا ما يفوق الكثير مما عداه من الأعمال، ولله الحمد كثيرًا"، وقال الحليميّ: أنواع البلاء والآفات كلها مؤاخذات، وإنما المؤاخذة عن ذنب، فإذا حصل الذنب مغفورًا، وأدركت العبد الرحمة لم تقع المؤاخذة، فإذا قيل للعاطس: يرحمك الله، فمعناه جعل الله لك ذلك، لتدوم السلامة. وفيه إشارة إلى تنبيه العاطس على طلب الرحمة، والتوبة من الذنب، ومن ثم شرع له الجواب بقوله: غفر الله لنا ولكم. وقد خص من عموم الأمر بتشميت العاطس جماعةٌ:

стр. 5289

الأول من لم يحمد كما مرَّ. الثاني الكافر، فقد أخرج أبو داود، وصححه الحاكم عن أبي موسى، قال: كانت اليهود يتعاطسون عند النبي ﷺ ، رجاء أن يقول: يرحمك الله، فكان يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. قال ابن دقيق العيد: إذا نظرنا إلى قول من قال من أهل اللغة: إن التشميت الدعاء بالخير، دخل الكفار في عموم الأمر بالتشميت، وإذا نظرنا إلى من خص التشميت بالرحمة، لم يدخلوا. قال: ولعل في خص التشميت بالدعاء بالرحمة، بناه على الغالب؛ لأنه تقييد لوضع اللفظ في اللغة، وهذا البحث أنشأه من حيث اللغة، وأما من حيث الشرع، فحديث أبي موسى دالٌّ على أنهم يدخلون في مطلق الأمر بالتشميت، لكن لهم تشميت خاص، وهو الدعاء لهم بالهداية، وإصلاح البال، وهو الشأن. ولا مانع من ذلك، بخلاف تشميت المسلمين، فإنهم أهل للدعاء بالرحمة بخلاف الكفار. الثالث المزكوم إذا تكرر منه العطاس فزاد على الثلاث، فإن ظاهر الأمر بالتشميت يشمل من عطس واحدة أو أكثر، لكن وردت فيه أحاديث، منها ما هو مرفوع، وما هو موقوف، على أنه إذا عطس ثلاثًا يكون مزكومًا، ولا يشمته بعد ثلاث، ويشمته إلى ثلاث إذا حمد الله، سواءً تتابع عطاسه أم لا، فلو تتابع ولم يحمد لغلبة العطاس عليه، ثم كرر الحمد بعدد العطاس، فهل يشمت بعدد الحمد فيه؟ وظاهر الخبر نَعَم. وأخرج أبو يَعلى وابن السنيّ عن أبي هريرة النهي عن التشميت بعد ثلاث، ولفظه "إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، فإن زاد على ثلاث، فهو مزكوم ولا يشمته". فيه سليمان بن أبي داود الحرانى ضعيف، وله شواهد، منها حديث عبيد بن رفاعة الصلخابيّ عند أبي داود والترمذيّ قال: قال رسول الله ﷺ : "يشمت العاطس ثلاثًا، فإن زاد، فإن شئت فشمته، وإن شت فلا". قال ابن العربيّ: هذا الحديث، وإن كان فيه مجهول، لكن يستحب العمل به؛ لأنه دعاءٌ بخير، وصلةٌ وتوددٌ للجليس، فالأولى العمل به. وقال ابن عبد البَرّ: دل حديث عبيد بن رفاعة على أنه يشمت ثلاثًا، ويقال: أنت مزكوم، بعد ذلك، وهي زيادة يجب قبولها، فالعمل بها أولى، ثم حكى النوويّ عن ابن العربيّ أن العلماء اختلفوا، هل يقول لمن تتابع عطاسه: أنت مزكوم، في الثانية أو الثالثة أو الرابعة؟ على أقوال، والصحيح في الثالثة، قال: ومعناه أنك لست ممن يشمت بها، لأنّ الذي به مرضٌ، وليس من العطاس المحمود الناشىء عن خفة البدن كما مرَّ. قال: فإن قيل: إذا كان مرضًا فينبغي أن يشمت بطريق الأولى؛ لأنه أحوج إلى الدعاء من غيره. قلنا نعم، لكن يدعى له بدعاء يلائمه، لا بالدعاء المشروع للعطاس من جنس دعاء المسلم بالعافية. وذكر ابن دقيق العيد عن بعض الشافعية أنه قال: يكرر التشميت إذا تكرر العطاس، إلا أن

стр. 5290

يعرف أنه مزكوم، فيُدعى له بالشفاء، قال: وتقديره أن العموم يقتضي التكرار إلا في موضع العلة، وهو الزكام، وعند هذا يسقط الأمر بالتشميت عند العلم بالزكام، لأنّ التعليل به يقتضي أن لا يشمت من علم أن به زكامًا أصلًا. وتعقبه بأن المذكور هو العلةُ دون التعليل، وليس المعلل هو مطلق الترك، ليعم الحكم عليه بعموم علته، بل المعلل هو الترك بعد التكرير، فكأنه قيل: لا يلزم تكرر التشميت؛ لأنه مزكوم. قال: ويتأيد بمناسبة المشقة الناشئة عن التكرار. الرابع ممن يخص من عموم العاطسين: مَن يكره التشميت. قال ابن دقيق العيد: ذهب بعض أهل العلم إلى أن من عرف من حاله أنه يكره التشميت أنه لا يشمت إجلالًا للتشميت أن يؤهَّلَ له من يكرهه. فإن قيل: كيف تترك السنة لذلك؟ قلنا: هي سنة لمن أحبها، فأما من كرهها ورغب عنها فلا. قال: ويَطَّرد ذلك في السلام والعبادة. قال ابن دقيق العيد: والذي عندي أنه لا يمتنع من ذلك إلا من خاف منه ضررًا، فأما غيره فيشمت امتثالًا للأمر، ومناقضة للمتكبر في مراده، وكسرًا لسَوْرته في ذلك، وهو أولى من إجلال التشميت، ويؤيده أنَّ لفظ التشميت دعاء بالرحمة، فهو يناسب المسلم كائنًا من كان. الخامس: قال ابن دقيق: يستثنى أيضًا من عطس والإمام يخطب، فإنه يتعارض الأمر بتشميت من سمع العاطس والأمر بالإنصات لمن سمع الخطيب، والراجح الإنصاف لإمكان تدارُك التشميت بعد فراغ الخطيب، ولاسيما إن قيل بتحريم الكلام والإمام يخطب. وعلى هذا، فهل يتعين تأخير التشميت حتى يفرغ الخطيب، أو يشرع له التشميت بالإشارة؟ فلو كان العاطس الخطيب فحمد، واستمر في خطبته، فالحكم كذلك. وإن حمد فوقف قليلًا ليشمت، فلا يمتنع أن يشرع تشميته. قلت: مذهب المالكية إنه يشمته بالإشارة، لا بالنطق لا سرًا ولا جهرًا. وظاهر كلام بعضهم تحريمه. السادس: ممن يمكن أن يستثنى: مَن كان عند عطاسه في حالة يمتنع عليه فيها ذكر الله، كما إذا كان على الخلاء أو في الجماع، فيؤخر، ثم يحمد الله، فيشمت، فلو خالف فحمد في تلك الحالة، هل يستحقط التشميت؟ فيه نظر. وقوله في الحديث: نهانا عن سبع، سقط في هذا الباب واحدة من السبع المنهي عنها، ولعلها سقطت من الناسخ، وقد ذكرها في باب خواتيم الذهب من كتاب اللباس، وهي المِبْثَرَةُ الحمراء. وقوله: ونهانا عن آنية الفضة، متناول للنهي عن الأكل فيها والشرب. وقد جاء التصريح بهما فيما أخرجه أحمد عن ابن أبي ليلى بلفظ "نهى إنْ يُشرب في آنية الذهب والفضة وأن يوكل فيهما". أخرج مسلم أيضًا عن نافع "الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجَرْجِر في بطنه نار

стр. 5291

جهنم" والجرجرة صوت يردده البعير في حنجرته إذا هاج، نحو صوت اللجام في فك الفرس. وفي حديث حذيفة في كتاب الأشربة: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تلبسوا الحرير والديباج، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" زاد مسلم في حديث البراء "فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة" ومثله في حديث أبي هُريرة، رفعه "من شرب في آنية الذهب والفضة في الدنيا، لم يشرب فيهما في الآخرة، وآنية أهل الجنة الذهب والفضة" أخرجه النسائي بسند قويّ، ففي هذه الأحاديث تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب الفضة على كل مكلف، رجلًا كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء؛ لأنه ليس من التزين الذي أبيح لهنّ في شيء. قال القرطبيّ وغيره: في الحديث استعمال أوانيّ الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما، مثل التطيب والتكحل، وسائر وجوه الاستعمالات. وبهذا قال الجمهور، ونقل ابن المنذر الإِجماع على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة، إلا عن معاوية بن قُرَّة، أحد التابعين، فكأنه لم يبلغه النهي. وعن الشافعي في القديم، ونقل عن نصه في حرملة، أن النهي فيه للتنزيه؛ لأنّ علته ما فيه من التشبه بالأعاجم. ونصَّ في الجديد على التحريم، ومن أصحاب من قطع به عنه، وهذا اللائق به، لثبوت الوعيد عليه بالنار كما مرَّ. وإذا ثبت ما نقل عنه، فلعله كان قبل أن يبلغه الحديث المذكور. ويؤيد وهم النقل عن نصه أيضًا في حرملة أن صاحب التقريب، نقل في كتاب الزكاة عن نصه في حرملة، تحريم اتخاذ الإناء من الذهب والفضة، وإذا حرم الاتخاذ فتحريم الاستعمال أولى، والعلة المشار إليها ليس متفقًا عليها، كما يأتي قريبًا. وأغربت طائفة شذت فأباحت ذلك مطلقًا، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره عل الشرب؛ لأنه لم يقف على الزيادة المذكورة في الأكل. واختلف في علة المنع، فقيل: إن ذلك يرجع إلى عينهما، ويؤيده قوله "هي لهم" "وإنها لهم"، وقيل: لكونهما الأثمان وقيم المتلفات، فلو أبيح استعمالهما لجاز اتخاذ الآلات منهما، فيفضي إلى قلتهما بأيدي الناس فيجحف بهم، ومثله الغزاليّ بالحكام الذين وظيفتهم التصرف لإظهار العدل بين الناس، فلو منعوا التصرف لأخل ذلك بالعدل، فكذا في اتخاذ الأواني من النقدين، حبسٌ لهما عن التصرف الذي ينتفع به الناس، يرد على هذا جواز الحلي للنساء من النقدين، ويمكن الانفصال عنه، وهذه العلة هي الراجحة عند الشافعية، وبه صرح أبو عليّ السبخيّ وأبو محمد الجويني. وقيل: علة التحريم السَّرَف والخُيَلَاء، أو كسر قلوب الفقراء، ويرد عليه جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة، وغالبها أنفس، وأكثر قيمة من الذهب والفضة، ولم يمنعها إلا من شذ.

стр. 5292

وقد نقل ابن الصباغ في "الشامل" الإِجماع على الجواز، وتبعه الرافعيّ ومن بعده، لكن في زوائد العمرانيّ عن صاحب "الفروع" نقل وجهين، قلت: مذهب مالك فيها المنع، والكراهة، والجواز. وقيل: العلة في المنع التشبه بالأعاجم، وفي ذلك نظر، لثبوت الوعيد لفاعله، ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك. واختلف في اتخاذ الأواني دون استعمالها، والأشهر المنع، وهو قول الجمهور. ورخصت فيه طائفة، وهو مبني على العلة في منع الاستعمال، ويتفرع على ذلك غرامة أرش ما أفسد منها، وجواز الاستيجار عليها. وقوله في الحديث السابق: إنها لهم في الدنيا، أو هي لهم، ليس المراد به إباحة استعمالهم إياه، وإنما المعنيّ بقوله "لهم" أي: هُمُ الذين يستعملونه مخالفة لزي المسلمين، وكذا قوله: "ولكم في الآخرة" أي: تستعملونه مكافأة لكم على تركه في الدنيا، ويَمنعه أولئك جزاءًا لهم على معصيتهم باستعماله. ويحتمل أن تكون فيه إشارة إلى أن الذي يتعاطاه في الآخرة، كما جاء ذلك في شرب الخمر ولباس الحرير. وهذا كله في الذي جميعه من ذهب أو فضة، أما المخلوط أو المُضَبَّبُ أو المُمَوَّه، وهو المطلِيّ، ففيه الخلاف، وورد فيه حديث أخرجه الدارقطنيّ والبيهقيّ عن ابن عمر برفعه. "مَن شرب في آنية الذهب والفضة، أو إناء فيه شيءٌ من ذلك، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم". قال البيهقيّ: المشهور عن ابن عمر موقوف عليه. قلت: هذا لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع، وهو عند ابن أبي شيبة من طريق أخرى عنه، أنه كان لا يشرب من قدح فيه حلقَة فضة، ولا ضَبَّة فضة. ومن طريق أخرى عنه، أنه كان يكره ذلك. وفي الأوسط للطبرانى عن أم عطية: "نهى رسول الله ﷺ عن تفضيض الأقداح، ثم رخص فيه للنساء" وأخرج البخاريّ في كتاب "الأشربة" عن عاصم الأحول قال: "رأيت قدح النبيّ ﷺ عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع، فَسَلْسَلَهُ بفضة"، ففي هذا الحديث جواز اتخاذ ضَبَّة الفضة، كذلك السلسلة، والحَلْقة، وهذا مما اختلف فيه، كما مرَّ. قال الخطابيّ: منعه مطلقًا جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول مالك والليث، وعن مالك يجوز من الفضة إن كان يسيرًا، وكرهه الشافعيّ، قال: لئلا يكون شاربًا على فضة، فأخذ بعضهم منه أن الكراهة تختص بما إذا كانت الفضة في موضع الشرب، وبذلك صرّح الحنفية. وقال به أحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وقال ابن المنذر، تبعًا لأبي عُبيد: المعضض ليس هو إناء فضة، والذي تقرر عند الشافعية أنَّ الضبة إنْ كانت من الفضة، وهي كبيرة للزينة، تحرم، وللحاجة فتجوز مطلقًا، وتحرم شبة الذهب مطلقًا، ومنهم من سوّى بين ضبتي الذهب والفضة، وحديث الدارقطنيّ والبيهقي المتقدم عن ابن عمر معلولٌ بجهالة إبراهيم بن عبد الله بن مطيع الراوي عن ابن عمر، واستدل بقوله: "أو إناء فيه شيء من ذلك، الوارد في حديث ابن عمر، على تحريم الإناء من

стр. 5293

النحاس أو الحديد المطلي بالذهب أو الفضة. والصحيح عند الشافعية إن كان يحص منه بالعرض على النار حَرُم، وإلا فوجهان أصحهما لا، وفي العكس وجهان كذلك، ولو غُلِّف إناء الذهب أو الفضة بالنحاس مثلًا، ظاهرًا وباطنًا، فكذلك، وجزم إمام الحرمين أنه لا يحرم، كحشو الجبة التي من القطن، مثلًا، بالحرير. واستدل بجواز اتخاذ السلسلة والحلقة أنه يجوز أن يُتَّخَذَ للإناء رأسٌ منفصل عنه، وهذا ما نقله المتولي والبَغوِيّ والخوارزميّ. وقال الرافعيّ: فيه نظر. وقال النوويّ: في "شرح المهذب": ينبغي أن يُجْعَل كالتضبيب، ويجري فيه الخلاف والتفصيل، واختلفوا في ضابط الصِّغَر في ذلك، فقيل: العُرْف، وهو الأصح، وقيل: ما يَلْمَع على بُعْد كبير، وما لا فصغير وقيل: ما استوعب جزءًا من الإناء، كأسفله أو عروته أو شفته، كبيرٌ. وما لا فلا، ومتى شك فالأصل الإباحة. وقوله: "وخاتم الذهب" قد استوفى الكلام عليه غاية الاستيفاء، عند حديث أنس في باب "ما يذكر في المناولة" من كتاب العلم، وقوله: والحرير والدِّيباج والقَسِّي والاسْتَبرق، الحرير يتناول الثلاثة التي بعده، فيكون وجه عطفها عليه لبيان الاهتمام بحكم ذكر الخاص بعد العام، أو لدفع وهم أن تخصيصه باسمٍ مستقل لا ينافي دخوله تحت حكم العام، أو الإشعار بأن هذه الثلاثة غير الحرير نظرًا إلى العرف، وكونها ذوات أسماء مختلفة يكون مقتضيًا لاختلاف مسمياتها. وقد مرَّ الكلام مستوفى على الحرير جملة في باب "من صلى في فروج حرير" في أوائل كتاب الصلاة، ومرَّ الكلام على الثوب الأحمر وعلى المِبْثرة في باب "استعمال فضل وضوء الناس" من كتاب الوضوء، والقَسِّي، بفتح القاف وتشديد المهملة المكسورة. وقال أبو عُبيد: أهل الحديث يقولون بكسر القاف، أهل مصر يفتحونها، وهو نسبة للقَسّ، قرية بمصر، منها الطبريّ وابن سَيْده، وهي على ساحل مصر، حصنٌ بالقرب من الفَرَما، بالتحريك، من جهة الشام. وقال النوويّ: هي بقرب تَنِيس، وهو متقارب. وحكى أبو عبيد: أنها بالزاي لا بالسين، نسبة إلى القز، وهو الحرير، أبدلت الزاي سينًا. وأخرج البخاريّ تعليقًا عن أبي بُرْدة قلتُ لعلي: ما القسية؟ قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر، مضلعةٌ فيها حرير. وأخرجه مسلم موصولًا، ولفظه "نهاني رسول الله ﷺ عن لبس القَسِّي، وعن المباثر". وقوله في رواية البخاريّ "مضلعة" أي فيها خطوط عريضة كالأضلاع، وحكى المنذريّ أن المراد بالمُضَلّع، ما نسج بعضه وترك بعضه. وقوله: "فيها حرير"، يشعر بأنها ليست حريرًا صرفًا. وحكى النوويّ عن العلماء أنها ثياب مخلوطة بالحرير، وقيل: من الخز، وهو رديء الحرير. واستدل بالنهي عن لبس القَسِّيّ على منع لبس ما خالطه الحرير من الثياب، لتفسير القَسِّيّ بأنه ما

стр. 5294

خالط غيرُ الحرير فيه الحريرَ. ويؤيده عطف القَسِّيّ على الحرير، والحرير على القَسِّيّ في حديث البراء، ووقع ذلك في حديث علي عند أبي داود والنسائي وأحمد، بسند صحيح، على شرط الشيخين عن عليّ قال: نهاني النبي ﷺ عن القَسِّيّ والحرير، ويحتمل أن تكون المغايرة باعتبار النوع، فيكون الكل من الحرير، كما وقع عطف الديباج على الحرير في حديث حذيفة، الآتي في كتاب اللباس، بلفظ "وعن لبس الحرير والديباج" ولكن الذي يظهر، من سياق طرق الحديث في تفسير القَسِّيّ، أنه الذي يخالط الحرير، لا أنه الحرير الصرف، فعلى هذا يحرم لبس الثوب الذي خالطه الحرير، وهو قول بعض الصحابة، كابن عمر، والتابعين كابن سيرين. وذهب الجمهور إلى جواز لبس ما خالطه الحرير، إذا كان غيرُ الحرير الأغلبَ، وعُمدتهم في ذلك ما تقدم في "كتاب الجمعة" في تفسير الحلة السبراء، وما انضاف إلى ذلك من الرخصة في العَلم في الثوب، إذا كان من حرير. قال ابن دقيق العيد: وهو قياس في معنى الأصل، لكن لا يلزم من جواز ذلك جواز كل مختلط، وإنما يجوز منه ما كان مجموع الحرير فيه قدر أربع أصابع، لو كانت منفردة، بالنسبة لجميع الثوب، فيكون المنع من لبس الحرير شاملًا للخالص والمختلط، وبُعد الاستثناء يقتصر على القدر المستثنى، وهو أربع أصابع إذا كانت منفردة، ويلتحق بها في المعنى ما إذا كانت مختلطة. قال: وقد توسع الشافعية في ذلك، ولهم طريقان: أحدهما، وهو الراجح، اعتبارُ الوزن، فإن كان الحرير أقل وزنًا لم يحرم، أو أكثر حرم، وإن استويا فوجهان، اختلف الترجيح فيهما عندهم. والطريق الثاني أن الاعتبار بالقلة والكثرة بالظهور، وهذا اختيار القَفَّال ومن تبعه. وعند المالكية في المختلط أقوالٌ ثالثها الكراهةُ، ومنهم من فرق بين الخَزّ وبين المختلط بقطن ونحوه، فأجاز الخز ومنع الآخر، وهذا مبني على تفيسر الخز، وقد تقدم في بعض تفاسير القَسِّيّ أنه الخز، فمن قال إنه رديء الحرير فهو الذي يتنزل عليه القول المذكور، ومن قال إنه ما كان من وَبَر فخُلِط بحرير، لم يتجه التفصيل المذكور. واحتج أيضًا من أجاز لبس المختلط بحديث ابن عباس "إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المُصْمَت من الحرير، وأمّا العَلَم من الحرير وسَدَى الثوب، فلا بأس به" أخرجه الطَّبرانيّ بسند حسن هكذا. وأصله عند أبي داود، وأخرجه الحاكم بسند صحيح بلفظ "إنما نهى عن المُصْمَت إذا كان حريرًا". وللطبرانيّ من طريق ثالث "نهى عن مُصْمَت الحرير، فأما ما كان سَدَاه من قُطْن أو كَتَّان فلا بأس به" واستدل ابن العربيّ للجواز أيضًا، بأنَّ النهي عن الحرير حقيقة في الخالص، والإذن في

стр. 5295

القطن ونحوه صريح، فإذا خُلِطا بحيث لا يسمى حريرًا، بحيث لا يتناوله الاسم، ولا تشمله علة التحريم، خرج عن الممنوع فجاز. وقد ثبت لبس الخز عن جماعة من الصحابة وغيرهم. قال أبو داود: لبسه عشرون نفسًا من الصحابة وأكثر، وأورده ابن أبي شَيبة عن جمع منهم، وعن طائفة من التابعين، بأسانيد جياد، وأعلى ما ورد في ذلك ما أخرجه أبو داود والنَّسَائيّ عن عبد الله بن سعد الدَّشْتَكِيّ عن أبيه، قال: رأيت رجلًا على بغلة، وعليه عمامة خَزّ سوداء، وهو يقول: كَسَانيها رسول الله ﷺ ". وأخرج ابن أبي شَيبة عن عَمّار ابن أبي عمّار قال: أتَتْ مروان بن الحَكم مطارفُ خَزٍّ فكساها أصحابَ رسول الله ﷺ . والأصح في تفيسر الخز أنه ثياث سَدَاها من حرير ولُحْمَتها من غيره. وقيل: تنسج مخلوطة من حرير وصوف أو نحوه. وقيل: أصله اسم دابة يقال لها الخَزّ، سُمِّي الثوب المتخذ من وبره خزًا لنعومته، ثم أطلق على ما يخلط بالحرير لنعومة الحرير، وعلى هذا، فلا يصح الاستدلال بلبسه على جواز لُبس ما يخالطه الحرير، ما لم يتحقق أن الخز الذي لبسه السلف كان من المخلوط بالحرير. وأجاز الحنفية والحنابلة لُبْس الخز ما لم يكن فيه شُهْرة، ويحرم عندهم، أي: الحنابلة، لُبْس ما أكثره حرير، لا إنْ استويا، فلا يحرم، ولا يحرم حشوُ جِباب به وفرش، وعن مالك كراهة الخز، وهذا كله في الخز. وأما القز، بالقاف بدل الخاء المعجمة، فقال الرافعيّ: عد الأئمة القز من الحرير، وحرموه على الرجال، ولو كان كَمِدَ اللَّون. ونقل الإِمام الاتفاقَ عليه، لكن حكى المُتَوَلِّي في "التتمة" وجهًا، أنه لا يحرم، لأنه لبس من ثياب الزينة. قال ابن دقيق العيد. إن كان مراده بالقز ما نطلقه نحن الآن عليه، فليس يخرج من اسم الحرير، فيحرم، ولا اعتبار بُكُمودة اللون، ولا بكونه ليس من ثياب الزينة، فإنَّ كلًا منهما تعليلٌ ضعيف، لا أثر له بعد انطلاق الاسم عليه. ولم يتعرض لمقابل التقسيم، وهو وإن كان المراد به شيئًا آخر، فيتجه كلامه، والذي يظهر أن مراده به رديء الحرير، وهو ما تقدم في الخز، ولأجل ذلك وصفه بكمودة اللون. وقوله في الحديث "والدِّيباج" هو بكسر الدال، فارسي معرب، وقال ابن الأثير: الديباجُ الثيابُ المتخذة من الإِبْرَيْسِم، وقد تُفتح داله، ويجمع على ديابيج، بياءين، ودبابيج بياءين، لأنه أصله دِبّاج. وقوله: "والإسْتَبْرَق" بكسر الهمزة وفتح الراء، ثخينُ الديباج على الأشهر، وقيل: رقيقه، وقال النَّسَقِيّ في قوله تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾: السندس ما رَقَّ من الحرير،

стр. 5296

والديباج والاستبرق ما غلظ منه، وهو تعريب إستبرك. رجاله خمسة: مرَّ منهم أبو الوليد في العاشر من الإيمان، وشعبة في الثالث منه، والبراء في الثالث والثلاثين منه، ومرَّ الأشعث في الثالث والثلاثين من الوضوء. والخامس معاوية بن سَوَيد بن مُقْرِن المُزَنيّ، أبو سعيد الكوفيّ. ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال العجليَّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وذكَره أبو أحمد العَسْكريّ في الصحابة، وليس يصححون سماعه. روى عن أبيه والبراء بن عازب، وروى عنه أشعث بن أبي الشَّعْثاء والشَّعبيّ وعمرو بن مُرَّة. له في الكتب حديثان. فيه التحديث السمَاع والقول، ورواته ما بين بصريّ وواسطيّ وكوفيّ، أخرجه أيضًا في المظالم واللباس والطب والنذور والنكاح والاستئذان والأشربة، ومسلم في الأطعمة، والتّرْمِذيّ في الاستئذان واللباس، والنَّسَائِيّ في الجنائز والإيمان والنذور والزينة، وابن ماجه في الكَفَّارات واللباس. الحديث الرابع حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلاَمِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ. وقوله: حدثنا عمرو بن أبي سَلَمة، ضعَّفه ابن مُعِين بسبب أن في حديثه عن الأوزاعيّ مناوَلَةً وإجازة، لكن بيَّن أحمد بن صالح المصريّ أنه كان يقول فيما سمعه: حدثنا، ولا يقول ذلك فيما لم يسمعه، وعلى هذا، فقد عنعن هذا الحديث، فدل على أنه لم يسمعه، والجواب عن البخاري أنه يعتمد على المناولة، ويحتج بها، وقصارى هذا الحديث أن يكون منها، وقد قواه بالمتابعة التي ذكرها عقبه، ولم ينفرد به عمرو مع ذلك، فقد أخرجه الإِسماعيليّ عن الوليد بن مسلم وغيره عن الأوزاعيّ، وكأن البخاريّ اختار طريق عمرو لوقوع التصريح فيها بالإخبار بين الأوزاعيّ والزهريّ. وقوله: حق المسلم على المسلم خمس، في مسلم عند عبد الرزاق "خمس تجب للمسلم على المسلم" وله عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هُريرة "حق المسلم على المسلم

стр. 5297

ست" وزاد "وإذا استنصحك فانصح له"، وقد تبين أن معنى الحق هنا الوجوبُ، خلافًا لقول ابن بطّال: المراد حقُّ الحُرمة والصحبة. والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية، وقد استوفيت مباحثه في الذي قبله. رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ محمد بن يحيى الذهليّ، فإنه هو المراد بمحمد، الذي لم ينسب هنا، في العشرين من كتاب العيدين، ومرَّ عمرو بن أبي سلَمة في متابعة بعد الثالث والثلاثين من التَّهَجُّد، ومرَّ الأوزاعيّ في العشرين من العِلم، وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، وسعيد بن المسيب في التاسع عشر من الإيمان، وأبو هُريرة في الثاني منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالأفراد، والعنعنة والسماع والقول، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، أخرجه النَّسائي، في "اليوم والليلة". ثم قال: تابعه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، وهذه المتابعة وصَلها مسلم، وقال في آخره: وكان معمر يرسل هذا الحديث، وأسنده مُرَّة عن ابن المُسَيّب عن أبي هُريرة، وعبد الرزاق مرَّ في الخامس والثلاثين من الإيمان، ومرَّ معمر في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي. ثم قال: ورواه سلامة بن رَوح عن عَقيل، ورواية سلامة هذه في الزهريات للذُّهليّ ولسلامة نسخة من عمه عقيل عن الزهريّ، وعقيل بن خالد مرَّ في الثالث من بدء الوحي. وسلامة هو، بتخفيف اللام، ابن رُوح بن خالد بن عقيل بن خالد الأمويُّ، مولاهم، أبو خَرْبَق، بفتح الخاء وسكون الراء وفتح الباء، وقيل: أبو روح الأيليّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، محله عندي محلُّ الغَفْلة، وقال أبو زرعة: ضعيف مُنْكَر الحديث، يكتب حديثه على الاعتبار. روى عن عمه عقيل بن خالد كتاب الزهريّ، وقيل: إنه لم يسمع من عمه لصغر سنه، وروى عنه قرينه محمد بن عزير، وأحمد بن صالح المصريّ، ويونس بن عبد الأعلى وغيرهم. مات في شعبان سنة سبع وتسعين ومئة. ثم قال المصنف.

стр. 5298

باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أُدرج في أكفانه أي: لُفَّ فيها، قال ابن رشيد: موقع هذه الترجمة من الفقه أن الموتَ، لمّا كان سبب تغير محاسن الحي التي عُهد عليها، ولذلك أمر بتغميضه وتغطيته، كان ذلك مظنة للمنع من كشفه، حتى قال النخعيَّ: ينبغي أن لا يطَّلع عليه إلَّا، الغاسلُ له ومن يليه، فترجم البخاري على جواز ذلك. الحديث الخامس حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ وَيُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِى كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ خَرَجَ وَعُمَرُ ﵁ يُكَلِّمُ النَّاسَ. فَقَالَ: اجْلِسْ. فَأَبَى. فَقَالَ اجْلِسْ. فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الآيَةَ حَتَّى تَلاَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلاَّ يَتْلُوهَا. استشكلت دلالة هذا الحديث على الترجمة، بأن أبا بكر إنما دخل قبل الغَسل فضلًا عن التكفين، وعمر ينكر حينئذٍ أن يكون مات، ويجاب عنه بأن الذي وقع دخولُ أبي بكر على النبيّ ﷺ ، وهو مسجى، أي: مغطى، فيؤخذ منه أن الدخول على الميت يمتنع إلا إن كان مُدْرَجًا في أكفانه، أو في حكم المدرج لئلا يطلعَ منه على ما يكره الاطلاع عليه. وقال الزَّين بن المُنير ما

стр. 5299

محصله: كان أبو بكر عالمًا بأنه، ﷺ ، لا يزال مَصُونًا عن كل أذى، فساغ الدخول من غير تنقيب عن الحال، وليس ذلك لغيره. وقوله: "بالسُّنْحُ"، بضم السين وسكون النون وبضمها والحاء المهملة، وهو منازل بني الحارث بن الخزرج، بينها وبين منزل النبيّ ﷺ ميل. وقد كان أبو بكر متزوجًا فيهم. وقوله: "فتيمم" أي: قصد. وقوله: وهو مُسجّى، جملة إسمية وقعت حالًا، ومعنى مسجى، هنا، مغطى. وقوله: بِبُرْدِ حِبَرة، أيْ: بضم الموحدة وسكون الراء، وحِبَرَة على وزن عنبة، ثوب يمانيٌّ يكون من قطن أوَ كَتّان مخطط. وقال الداوديّ: هو ثوب أخضر. وحبرة تحتمل الإِضافة والوصف، أي: إضافة ثوب، والوصف بحبرة بالتنوين. وقوله: ثم أكبَّ عليه، هذا اللفظ ثلاثيُّه كَبَّ متعدٍ، ورباعيه أَكَبَّ، لازم عكس ما هو المشهور في القواعد التصريفية. وقوله: فقبّله، أي: بين عينيه، وترجم عليه النَّسائيّ، وأخرج عن عائشة أن أبا بكر قبَّلَ بين عينيّ النبيّ ﷺ وهو ميت. وقوله: "بأبي أنت" أي: أنت مُفَدَّى بأبي، فالباء متعلقة بمحذوف، فيكون مرفوعًا خبرًا ومبتدءًا، وقوله: لا يجمع الله عليك موتَتين: في هذا اللفظ إشكال، وأجيب عنه بأجوبة، فقيل: هو على حقيقته، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم أنه سيحيى، فيقطع أيدي رجال؛ لأنه لو صح ذلك، للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على الله تعالى من أن يجمع عليه موتتين، كما جمعهما على غيره، كالذين خرجوا من ديارهم وهو ألوف، وكالذي مرَّ على قرية، وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها، وقيل: أراد لا يموت موتة أخرى في القبر، كغيره إذ يُحيا ليسئل ثم يموت، وهذا جواب الداوديّ. وقيل: لا يجمع الله موتَ نفسك وموتَ شريعتك، وقيل: كنى بالموت الثاني عن الكرب، أي: لا تلقى بعد كرب هذا الموت كربًا آخر. وقوله: كتبت عليك، وفي رواية "التي كتب الله" أي: قدرها الله، وقوله: مُتَّها، بضم الميم وكسرها، من مات يموت، ومات يَمَات، والضمير راجع إلى الموتة، وقوله: وعمر يكلم الناس، أي: يقول لهم: ما مات محمد ﷺ ، وعند أحمد عن عائشة "فسجيته بثوب، فجاء عمر والمغيرة بن شعبة، فاستأذنا فأذنت لهما، وجذبت الحجاب، فنظر عمر إليه، فقال: واغشيتاه، ثم قاما، فلما دَنَوا من الباب، قال المغيرة لعمر: مات يا عمر، قال: كذبت، بل أنت رجل تَحُوشك فِتنة، إنّ رسول الله ﷺ لا يموت حتى يُفني الله المنافقين، ثم جاء أبو بكر، فرفعت الحجاب، فنظر إليه، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، مات رسول الله ﷺ ". وروى ابن إسحاق وعبد الرزاق والطبرانيّ عن عكرمة "أن العباس قال لعمر: هل عند أحد منكم عهدٌ من رسول الله ﷺ -في ذلك؟ قال: لا، قال: فإن رسول الله ﷺ قد مات، ولم يمت حتى

стр. 5300

حارب وسالم، ونكح وطلّق، وترككم على محجة واضحة" وهذه من موافقات العباس للصديق، في حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة: أن أبا بكر مرَّ بعمر وهو يقول: "ما مات رسول الله ﷺ ، لا يموت حتى يقتل المنافقين" وكانوا أظهروا الاستبشار، ورفعوا رؤوسهم، فقال: أيها الرجل، إن رسول الله ﷺ قد مات، ألم تسمع الله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾. وقوله سابقًا: ثم أكَبَّ عليه، فقبله، في رواية أحمد عن عائشة "أتاه من قِبَل رأسه، فحدر فاه، فقبل جبهته، ثم قال: وانبياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه، وقبل جبهته، ثم قال: واصَفِيَّاه، ثم رفع رأسه، وحدر فاه، وقيل: جبهته، ثم قال: واخليلاه". ولابن أبي شيبة عن ابن عمر "فوضع فاه على جبين رسول الله ﷺ ، فجعل يقبّله ويبكي، ويقول: بأبي وأُمي، طِبْتَ حيًا وميتًا" وللطبرانيّ عن جابر أن أبا بكر "قبّل جبهته"، وله عن سالم بن عَتِبك "أن أبا بكر دخل على النبيّ ﷺ -فمسَّه، فقالوا: يا صاحب رسول الله، مات رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم". وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾. في رواية عائشة عند أحمد أن أبا بكر حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ حتى فرغ من الآية، ثم تلا ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية، وقال فيه: قال عمر: أَوَ إنها في كتاب الله؟، ما شعرت أنها في كتاب الله، وفي حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة نحوه، وزاد "ثم نزل واستبشر المسلمون، وأخذ المنافقين الكآبةُ، قال ابن عمر: فكأنما على وجوهنا أغطية فكشفت" وفي الرواية الآتية في الوفاة قال عمر: فما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فَعُقِرْتُ حتى ما تقِلُّنِي رِجلاي، وحتى أهْوَيت إلى الأرض. وقوله: "فعقرتُ" بضم العين وكسر القاف، أي: هلكت، وفي رواية بفتح العين، أي دُهِسْت وتحيّرتُ، ويقال: سقطت. وروى بالفاء من العَفَر، وهو التراب. وفي رواية الكَشْميهنيّ "فقعرتُ" بتقديم القاف على العين، وهو خطأ. وقوله: ما تُقِلُّني، أي بضم أوله وكسر القاف وتشديد اللام، أي ما تحملني، وقوله: وحتى أهويت، في رواية الكشميهنيّ "حتى هَوَيت" بفتح أوله وثانيه، وعند عبد الرزاق عن الزهريّ "فعقرت وأنا قائم، حتى خررتُ إلى الأرض، فأيقنتُ أن رسول الله ﷺ قد مات". وفي الحديث قوة جأش أبي بكر، وكثرة علمه، وقد وافقه على ذلك العباس والمغيرة كما ذكرنا، ووافقه ابن أمِّ مَكْتوم، لما في المغازي لأبي الأسود عن عُروة قال: إنه كان يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ والناس لا يلتفتون إليه، وكأن أكثر الصحابة على خلاف ذلك، فيؤخذ منه أن الأقل عددًا في الاجتهاد قد يصيب، ويُخطىء الأكثر، فلا يتعين الترجيح بالأكثرية، ولاسيما

стр. 5301

إن ظهر أن بعضهم قلَّد بعضًا. وفي الحديث أيضًا جواز تقبيل الميت تعظيمًا وتبركًا، وجواز التفدية بالآباء والأمهات؛ وقد يقال: هي لفظة اعتادت العرب أن تقولها، ولا تقصد معناها الحقيقي، إذ حقيقةُ التفديةِ بعد الموتِ لا تُتَصوَّر، وإنما كان تقبيل أبي بكر له، ﵊، اقتداءًا به في تقبيله ﷺ عثمانَ بن مظعون، لما في التِّرمذيّ أنه دخل عليه وهو ميت، فأكبَّ عليه وقبله، ثم بكى حتى رُئيت الدموع تسيل على وجنته" وفي التمهيد "لما توفي عثمان بن مظعون كشف النبيّ ﷺ الثوب عن وجهه، وبكى بكاء طويلًا، وقبّل بين عينيه، فلما رُفِع على السرير، قال: طُوبى لك يا عثمان، لم تَلْبَسك الدنيا، ولم تُلْبَسها". وفيه البكاء على الميت من غير نَوْح، وسيأتي. وفيه أن الصِّدِّيق أعلمُ من عمر، وهذه إحدى المسائل التي ظهر فيها ثاقب علمه، وفضل معرفته، ورجاحة رأيه، وبارع فهمه، وحسن إسراعه بالقرآن، وثبات نفسه، كذلك مكانته عند الناس لا يساويه فيها أحد، ألا ترى أنه حين تشهد، وبدأ بالكلام، مال الناس إليه، وتركوا عمر، ولم يكن ذلك إلا لعظيم منزلته في النفوس على عمر، وسمو محله عندهم. وقد أقر عمر بذلك حين مات الصدّيق، فقال: والله ما أحب أن ألقى الله بمثل عمل أحد إلا بمثل عمل أبي بكر، ولَوددتُ أني شَعْرة في صدره. وفي الطبراني عن ابن عباس "قال: إني لا شيء مع عمر في خلافته، وييده الدرة، وهو يحدث نفسه، ويضرب قدمه بدرته، ما معه غيري أن قال: يا بن عباس، هل تدري ما حملني على مقالتي التي قلت حين مات النبيّ ﷺ ؟ قلت: لا أدري، والله يا أمير المؤمنين. قال: فإنه ما حملني على ذلك إلا قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ إلى قوله: ﴿شَهِيدًا﴾ فوالله إن كنت لأظن أن رسول الله ﷺ سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بأجزاء أعمالها. وفيه اهتمام عائشة، رضي الله تعالى عنها، بأمر الشريعة، وأنها لم يشغلها عن حفظها ما كان من أمر الناس في ذلك اليوم. وفيه غيبة الصديق عن وفاته ﷺ ، لأنه كان في ذلك اليوم بالسُّنْح، وكان متزوجًا هناك. وفيه الدخول على الميت بغير استئذان، ويحتمل أن يكون عند عائشة غيرها، فصار كالمحفل لا يحتاج الداخل إلى إذن، وروي أنه استأذن، فلما دخل أذن للناس. وفيه قول أبي بكر لعمر: اجلس، فأبى، وإنما ذلك لِمَا دَخل عمرَ من الدهشة والحزن. وقد قالت أم سلمة: ما صدقتُ بموت رسول الله ﷺ ، حتى سمعت وقع الكِرَاز، أي: الفؤوس، وقيل: تريد وقع المَسَاعي تحثو التراب عليه ﷺ . ويحتمل أن عمر رضي الله تعالى عنه ظن أن أجله، ﷺ ، لم يأت، وإنه تعالى مَنَّ على العباد بطول حياته. ويحتمل أن يكون أُنسيَ قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ الخ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الخ وكان يقول مع ذلك: ذهب محمد لميعاد ربه، كما

стр. 5302

ذهب موسى لمناجاة ربه. وكان في ذلك ردعًا للمنافقين واليهود حين اجتمع الناس. وأما أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، فرأى إظهار الأمر تجلدًا، ولما تلا الآية كانت تعزيًا وتصبرًا. وفيه ترك تقليد المفضول مع وجود الفاضل. رجاله ثمانية: وفيه ذكر عمر، وقد مرَّ الجميع، مرَّ بشر بن محمد وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ معمر ويونس في متابعة بعد الرابع منه، والزهريّ في الثالث منه، وأبو سلمة في الرابع منه، وعائشة في الثاني منه، وعمر في الأول منه، وابن عباس في الخامس منه، ومرَّ أبو بكر بعد الحادي والسبعين من الوضوء. فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإِفراد والقول، وشيخ البخاري من أفراده، ورواته مَرْوَزِيّان وبصريّ وأيليّ ومدنيان. وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ. أخرجه البخاري أيضًا في المغازي وفي فضل أبي بكر، والنسائي وابن ماجه في الجنائز. الحديث السادس حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أُمَّ الْعَلاَءِ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟. فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي. قَالَتْ فَوَاللَّهِ لاَ أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا. قوله: أنه اقْتُسم، الهاء ضمير الشأن، واقتسم بضم المثناة، والمعنى أن الأنصار اقترعوا على سُكنى المهاجرين، لما دخلوا عليهم المدينة، وقولها: فطار لنا، أي وقع في سهمنا، وذكره بعض المغاربة بالصاد، فصار لنا، وهو صحيح من حيث المعنى إن ثبتت الرواية،. وقولها: أبا السائب؛ تعني عثمان بن مظعون المذكور، وقوله: ما يفعل بي، في رواية الكَشْميهنيّ "به" وهو غلط، فإن المحفوظ في رواية الليث هذا، ولذلك عقَّبه المصنف برواية نافع بن يزيد عن عقيل التي لفظها "ما يفعل به" وعلق منها هذا القدرَ فقط، إشارةً إلى أن باقي الحديث لم يُختلف فيه، وإنما قال رسول

стр. 5303

الله ﷺ ، ذلك موافقة لقوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ لأن الأحقاف مكية، وسورة الفتح مدنية بلا خلاف فيهما. وقد ثبت أنه ﷺ قال: "أنا أول من يدخل الجنة". وغير ذلك من الأخبار الصريحة في معناه، فيحتمل أن يحمل الإثبات في ذلك على العلم المجمل، والنفي على الإِحاطة من حيث التفصيل، وفي آخر هذا الحديث، في رواية الشهادات، في باب القرعة، وفي رواية التعبير قالت أم العلاء: ورأيت لعثمان في النوم عينًا تجري، فجئت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: "ذلك عمله يجري له" فقيل: يحتمل أنه كان لعثمان شيءٌ من عَمِلَه، بقي له ثوابه جاريًا كالصدقة. وأنكره مُفَلطاي وقال: لم يكن لعثمان بن مظعون شيء من الأمور الثلاثة التي ذكرها مسلم من حديث أبي هُريرة، رفعه، "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" وهذا النفي مردود، فإنه كان له ولد صالح شهد بدرًا وما بعدها، وهو السائب، مات في خلافة أبي بكر، وهو أحد الثلاثة. وقد كان عثمان من الأغنياء، فلا يبعد أن تكون له صدقة استمرت بعد موته، فقد أخرج ابن سعد من مرسل أبي بُردة بن أبي موسى قال: دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبيّ ﷺ ، فرأين هيأتها، فقلن: مالك ما في قريش أغنى من بعلك، فقالت: أما ليلُهُ فقائم .. الحديث. ويحتمل أن يراد بعمل عثمان بن مظعون مرابطته في جهاد أعداء الله، فإنه ممن يجري له عمله، كما ثبت في السنن، وصححه الترمذيّ وابن حبان والحاكم عن فَضالة بن عبيد، رفعه "كل ميت يختمُ على عمله إلا المرابط في سبيل الله، فإنه يُنْمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر"، وله شاهد عند مسلم والنسائي والبزار عن سلمان رفعه "رباطٌ يوم وليلة في سبيل الله خيرٌ من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأَمِن الفتّان". وله شواهد أخرى، فليحمل حال عثمان بن مظعون على ذلك، ويزول الإشكال من أصله، والعين الجارية في النوم، قال المُهَلَّب: تحتمل وجوهًا، فإن كان ماؤها صافيًا عبرت بالعمل الصالح، وإلا فلا. وقال غيره: العين الجارية عمل جارٍ من صدقة أو معروف لحي أو ميت أحدثه أو أجراه. وقال آخرون: عين الماء نعمة وبركة، وخير وبلوغ أمنية إن كان صاحبها مستورًا، فإن كان غير عفيف أصابته مصيبة يبكي لها أهل داره. رجاله ستة: مرت الأربعة الأول منهم بهذا النسق في الثالث من بدء الوحي، والباقي اثنان من السند،

стр. 5304

وعثمان بن مظعون المذكور في الحديث. الأول منهم خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاريّ البخاريّ، أبو زيد المدنيّ. قال أبو الزناد: كان أحد الفقهاء السبعة، وقد مرَّ ذكرهم عند أولهم ذِكرًا في البخاري عروة بن الزبير في الثاني من بدء الوحي. وقال مصعب الزبيريّ: كان خارجة وطلحة بن عبد الله بن عوف يقسمان المواريث، ويكتبان المواثيق، وينتهي الناس إلى قولهما. وقال العجلى: مدنى تابعي ثقة. وذكره ابن حِبّان في الثقات وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن خراشٍ: خارجةُ بن زيد أجلُّ من كل من اسمه خارجة، أدرك عثمان، وروى عن أبيه وعمه يزيد، وأسامة بن زيد وسهل بن سعد وأم العلاء وغيرهم. وروى عنه ابنه سليمان، وابنا أخويه سعيد بن سليمان بن زيد، وقيس بن سعد بن زيد، وأبو الزناد والزهري، وغيرهم. وقال ابن سعد: إن خارجة قال: رأيت في المنام أني بنيت سبعين درجة، فلما فرغت منها تدهورت، وهذه السنة لي سبعون سنة قد أكملتها. فمات فيها. مات بالمدينة سنة تسع وتسعين، وقيل سنة مئة. الثانية: أم العلاء بنت الحارث بن ثابت بن حارثة بن ثعلبة بن الحِلاس بن أمية بن خُدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج، يقال إنها والدة خارجة بن زيد بن ثابت الراوي عنها، كانت من المبايعات، وحديثها في الصحيحين، وفيه أنها "رأت لعثمان عينًا جارية، فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: "ذلك عمله" وكان النبي ﷺ يعودها في مرضها. الثالث: عثمان بن مظعون، بالظاء المعجمة، بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمَح الجُمَحِيّ. قال ابن إسحاق: أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية هو وابنه السائب الذي يُكنى به في جماعة، فلما بلغهم أن قريشًا أسلمت، رجعوا فدخل عثمان في جوار الوليد بن المغيرة. ثم ذكر رده جواره، ورضاه بما عليه النبي ﷺ . وذكر قصته مع لبيد بن ربيعة حين أنشد قوله: ألا كل شيءٍ ما خَلا الله باطلٌ فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد: وكُل نعيم لا محالةَ زائلُ فقال عثمان: كذبت. نعيم أهل الجنة لا يزول. فقام سفيه منهم إلى عثمان فلطم عينه فأخضرَّت. وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص "رد النبي ﷺ ، على عثمان بن مظعون التبتُّلَ، ولو

стр. 5305

أذن له لاختصينا" وروى ابن شاهين والبيهقيّ في "الشعب" عن عثمان قال: "قلت يا رسول الله، إني رجل تشق علي الغُربة، فتأذن لي في الخصي فأختصي؟ فقال: لا، ولكن عليك يا ابن مظعون بالصوم". قال أبو عمر: كان عابدًا مجتهدًا من فضلاء الصحابة، وقد كان هو وأبو ذر وعلي بن أبي طالب هَمَّوا أن يختصوا ويتبتلوا، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت فيهم ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. لم يختلف في كونه شهد بدرًا وكان ممن حرَّم الخمر في الجاهلية. وقال لا أشرب شربًا يُذْهِبُ عقلي ويُضْحِك بي من هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي. وروى الترمذيّ عن عائشة قالت: "قبَّل النبي ﷺ عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي وعيناه تذرفان". وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة، وأول من دفن بالبقيع، ولما توفي قال النبي ﵊: "نعم السَّلَفُ هو لنا عثمان بن مظعون". كان موته سنة اثنتين من الهجرة، وقيل بعد اثنين وعشرين شهرًا من مقدمه ﷺ إلى المدينة. وقيل: مات على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة، بعد شهوده بدرًا. وأول من تبعه إبراهيم ابن النبيّ ﷺ ، ولما مات قال ﵊: "إلحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون" وقيل إنه قال ذلك حين توفيت ابنته زينب، وأعْلَمَ ﷺ قَبره بحجر، وقال: هذا قَبْرُ فَرَطِنا ندفن إليه من مات منّا، وكان يزوره. وروى ابن عبد البر، بسنده عن ابن عباس، أن النبي ﷺ ، دخل على عثمان بن مظعون حين مات، فانكبَّ عليه، فكأنهم رأوا أثر البكاء في عينيه، ثم جثا الثانية، ثم رفع رأسه، فرأوه يبكي، ثم جثا الثالثة ثم رفع رأسه وله شهيق، فعرفوا أنه يبكي، فبكى القوم، فقال النبيّ ﷺ : "إنما هذا من الشيطان" ثم قال: "استغفر الله، أشهد عليك أبا السائب، لقد خرجت منها ولم تلتبس منها بشيء". ولما بكت النساء جعل عمر يُسَكِّتُهنّ، فقال ﵊: "مهلًا يا عمر" ثم قال: "إياكن ونعيق الشيطان، فمهما كان من العين فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد فمن الشيطان". ورثته إمرأته فقالت: يا عينُ جُودي بدمعٍ غير ممنونَ ... على رَزِيّةِ عثمانَ بن مَظعونِ على امرىء بأن في رضوانِ خَالقِهِ ... طُوبى لهُ من فقيدِ الشخصِ مَدفونِ طابَ البقيعُ له سُكنى ومَرقَدُهُ ... قد أشرقت إضَمٌ من بعد تفنين وأورث القلبَ حزنًا لا انقطاعَ لَهُ ... حتى المماتِ فما تَرقى لَه شونِ قال في الإصابة: له حديثٌ واحد.

стр. 5306

لطائف إسناده: فيه بالجمع والإخبار بالأفراد، والعنعنة القول، ورواته مصريان وأيليّ ومدنيان، وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ، أخرجه البخاريّ أيضًا في الشهادات والتفسير والتعبير والجنائز، والنَّسائيّ في الرؤيا. ثم قال: حدثنا سعيد بن عُفير قال: حدثنا الليث مثله، وهذا طريق من الحديث الأول، وقد مرَّ الغرض في إتيان البخاريّ به، ورجالها اثنان: الليث مرَّ في الرواية الأولى محله، ومرَّ سعيد بن عفير في الثالث عشر من العلم. ثم قال: وقال نافع بن يزيد عن عقيل: ما يفعل به، وهذا التعليق وصله الإسماعيلي عن القاسم بن زكريا، ونافع مرَّ في السابع عشر والمئة من صفة الصلاة، وعقيل مرَّ محله في الحديث المذكور. ثم قال: تابعه شعيب وعمرو بن دينار ومعمر، ومتابعة شعيب أخرجها البخاريّ في كتاب الشهادات، ومتابعة عمرو وصلها ابن أبي عمر في مسنده عن ابن عيينة، ومتابعة معمر أخرجها البخاري في التعبير في باب العين الجارية، وهي في مسند عبد بن حميد عن عبد الرزاق بلفظ "فوالله لا أدري، وأنا رسول الله، ما يفعل بي ولا بكم". ورجال المتابعات الثلاثة مرّوا، مرَّ شعيب في السابع من بدء الوحي، ومرَّ معمر بن راشد في متابعة بعد الرابع منه، ومرَّ عمرو بن دينار في الثالث والخمسين من العلم. الحديث السابع حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي، وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ وَالنَّبِىُّ ﷺ لاَ يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَبْكِينَ أَوْ لاَ تَبْكِينَ، مَا زَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعُوهُ. هذا الحديث استشكلت دلالته على الترجمة أيضًا، لأن جابرًا كشف الثوب عن وجه أبيه قبل تكفينه، وقد أجاب عنه ابن المنير بأن ثياب الشهيد التي قتل فيها هي أكفانه، فهو كالمُدْرَج، ويمكن أن يقال: نهيُهم له عن كشف وجهه يدل على المنع من الاقتراب من الميت، ولكن يُتَعَقَّبُ بأنه ﷺ لم ينهه. وأجيب بأن عدم نهيهم عن نهيه على تقرير نهيهم، فتبين أن الدخول الثابت في الأحاديث الثلاثة كان في حالة الإدراج، وفي حالة تقوم مقامها، قال ابن رشيد: المعنى الذي في

стр. 5307

الحديثين من كشف الميت بعد تسجيته، مُساوٍ لحاله بعد تكفينه. وقوله وينهوني في رواية الكشميهني "ينهونني" وهي أوجه وأوفى، قوله: تبكين أو لا تبكين، للتخيير، ومعناه أنه مكرم بصنيع الملائكة، وتزاحمهم عليه لصعودهم بروحه. وفي "التلويح" لم تبكي؟ قال القرطبيّ: صحت الرواية بلم التي للاستفهام، وفي مسلم تبكي بغير نون؛ لأنه استفهام لمخاطب عن فعل غائبة. قال القرطبيّ: ولو خاطبها خطاب الحاضرة بالاستفهام لقال: لم تبكين؟ بالنون. وفي رواية "تبكيه أو لا تبكيه" وهو إخبار عن غائبة. وقوله: حتى رفعوه، أي إلى مدفنه، وقول العينيّ "من مغسله" لا يصح؛ لأنّ الشهيد لا يغسل، وإظلاله بأجنحتها لاجتماعهم عليه، وتزاحمهم على المبادرة بصعود روحه رضي الله تعالى عنه، وتبشيره بما أعد الله له من الكرامة، أو أنهم أظلوه من الحر ليلًا يتغير، أو لأنه من السبعة الذين يظلهم الله بظله، يوم لا ظل إلا ظله. وروى بَقِيَّ بن مَخْلَد عن جابر قال: لقيني رسول الله ﷺ فقال: "ألا أبشرك أن الله قد أحب أباك، وكلَّمه كِفاحًا، وما كلم أحدًا قط إلا من وراء حجاب؟ ". وقوله: فما زالت الملائكة تظله، إنما قاله بطريق الوحي، فلا يعارضه ما في حديث أم العلاء السابق، حيث أنكر عليها قطعها، إذ لم تعلم من أمره شيئًا. رجاله خمسة: قد مرّوا؛ وفيه ذكر أبي جابر، وذكر عمته فاطمة. مرَّ محمد بن بشّار في الحادي عشر من العلم، ومرَّ غندر في الخامس والعشرين من الإِيمان، وشعبة في الثالث منه، ومحمد بن المنكدر في التاسع والخمسين من الوضوء. وأبو جابر هو عبد الله بن عمرو بن حَرَام، الأنصاريّ، الخزرجيّ السلميّ، والد جابر بن عبد الله الصحابيّ المشهور، يكنى أبا جابر، معدودٌ في أهل العَقَبة وبدر وكان من النقباء، واستشهد بأُحد. ثبت ذكره في الصحيحين من حديث ولده قال: أتيت النبيّ ﷺ ، في دَيْن كان على أبي، فدفعت عليه الباب ... الحديث بطوله. ومن حديثه أيضًا "لما قُتِل أبي بأحد ... الخ" وفيه "ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها". وروى الترمذيّ من حديث جابر: "لقيني النبيّ ﷺ فقال: يا جابر، مالي أراك منكسرًا مُهْتمًا؟ فقلت: يا رسول الله، قتل أبي وتَرَك دَينًا وعيالًا، فقال: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، فإنه كلم أباك كِفاحًا. فقال: يا عبدي تمنَّ أعطِك قال: يا رب تردني إلى الدنيا، فأقتل فيك ثانية. قال الرب تعالى: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب،

стр. 5308

فأَبلغْ من ورائي، فأنزل الله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .. الآية". وقال جابر: حَوّلت أبي بعد ستة أشهر، فما أنكرت منه شيئًا إلا شعرات من لحيته كأنها مستها الأرض. وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن حرام كانا قد حَفَرَ السيْل عن قبريهما، وكانا في قبرٍ واحدٍ مما يلي السيل، فَوُجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما وضع يده على جرحه فدن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أُرسلت، فرجعت كما كانت. وكان بين الوقعتين ست وأربعون سنة. وروى أبو يعلى وابن السّكْن عن جابر قال: قال ﷺ : "جزى الله الأنصار عنا خيرًا لاسيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة". روى عنه ابنه جابر قال: رأيت رسول الله ﷺ يتختم في يمينه. وعمة جابر هي فاطمة بنت عمرو بن حرام الخ، نسب أخيها، ليس لها من الذكر إلا ما في هذا الحديث الصحيح. والحديث أخرجه البخاريّ أيضًا في المغازي، ومسلم، في الفضائل، والنَّسائي في الجنائز. ثم قال: تابعه ابن جُريج. أخبرني محمد بن المُنْكَدر سمع جابرًا رضي الله تعالى عنه، وهذه المتابعة وصلها مسلم، وأول حديثه "جاء قومي بأبي قتيلًا يوم أحد". ورجاله ثلاثة، مرَّ محل ابن المنكدر وجابر في الذي قبلها، ومرَّ عبد الملك بن جريج في الثالث من الحيض. ثم قال المصنف:

стр. 5309

باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه باب، بالتنوين. الرجل ينعى، مبتدأ وخبر، ومفعوله الميت، أي ينعى الميت إلى أهل الميت بنفسه، ولا يستنيب فيه أحدًا، ولو كان رفيعًا. والنعي إظهار خبر الميت إلى أهله، وفعله من باب فَعَل يَفْعَل، بالفتح فيهما، والتأكيد في قوله: "بنفسه" للضمير المستكنّ في ينعى، فهو راجع إلى الناعي لا المنعي، أو يرجع الضمير إلى المنعي وهو الميت، أي ينعى إلى أهل الميت بنفس الميت، أو بسبب ذهاب نفسه. وفي رواية الكَشْميهنيّ بحذف الموحدة. وفي رواية الأصيلي بحذف أهل، وأشار المهلَّب إلى أن في الترجمة خَلَلًا قال: والصواب "الرجل ينعى إلى الناس الميت بنفسه"، كذا قال، ولم يضع شيئًا، إلا أنه أبدل لفظ الأهل بالناس، وأثبت المفعول المحذوف، ولعله كان ثابتًا في الأصل فسقط، أو حُذِف عمدًا لدلالة الكلام عليه، أو لَفَظَ "يُنعى" بضم أوله، والمراد بالرجل الميت، والضمير حينئذٍ له. كما قال ابن المنير: ويستقيم عليه روايةُ الكشميهني، وأما التعبير بالأهل فلا خلل فيه، لأنّ مراده به ما هو أعم من القرابة وأُخُوَّة الدين، وهو أولى من التعبير بالناس؛ لأنه يخرج من ليس به أهلية، كالكفار. وأما رواية الأصيليّ فقد قال ابن رشيد: إنها فاسدة، وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق. وقال ابن المرابط: مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب، والمصائب، على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمة، لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدعاء له والاستغفار، وتنفيذ وصاياه، وما يترتب على ذلك من الأحكام. وأما نعي الجاهلية، فقد أخرج سعيد بن منصور عن ابن عَوْف قال: قلت لإبراهيم: أكانوا يكرهون النعي؟ قال: نعم. قال ابن عوف: كانوا إذا مات الرجل، ركب رجل دابته ثم صاح في الناس: أنعى فلانًا. قال ابن عوف: قال ابن سيرين: لا أعلم بأسًا أن يؤذِن الرجلُ صديقه، وحميمه، وحاصله أن محض الإعلام بذلك لا يكره فإن زاد على ذلك فلا. وقد كان بعض السلف يشدد في ذلك، حتى كان حذيفة إذا مات له الميت يقول: لا تؤذوا به أحدًا إني أخاف أن يكون نعيًا، إني سمعت النبي ﷺ بأذنيّ هاتين ينهى عن النعي. أخرجه التِّرمِذِيّ وابن ماجه بإسناد

стр. 5310

حسن. وقال ابن العربي؛ يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى: إعلام الأهل وأهل الصلاح والأصحاب، فهذا سنة. الثانية: دعوة الحفل للمفاخرة، فهذه تكره. الثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك، فهذا يحرم. قلت: مشهور مذهب مالك أن النداء به بالمسجد، أو على بابه، مكروه. وأن الإِعلام به من غير نداء في خَلْقٍ بصوت خفي، جائز. وصرح النّووِي في "المجموع" بأن نعي الميت إلى أهله مستحب، لحديث الباب، ولنعيه جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، ولما يترتب عليه من المصالح فيما مرَّ. الحديث الثامن حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. وجه دخول قصة النجاشى في الترجمة، هو كونه كان غريبًا في ديار قومه، فكان للمسلمين من حيث الإِسلام أخًا، فكانوا أخصَّ به من قرابته، ويحتمل أن يكن بعض أقرباء النجاشيّ كان بالمدينة حينئذ، ممن قدم مع جعفر بن أبي طالب من الحبشةَ، كذي مخمر ابن أخي النجاشيّ، فيكون إعلام الأهل فيه حقيقة ومجازًا. قوله: نعى النجاشيّ، هو لقب ملك الحبشة، واسمه أصْحَمة، ويأتي في سند الحديث ما قيل في ضبط الاسمين مستوفى. وقوله: خرج إلى المصلى، فصف بهم، وفي رواية ابن ماجه "فخرج وأصحابه إلى البقيع فصفنا خلفه". والمراد بالبقيع هنا "بقيع بَطْحان" أو يكون المراد بالمصلى موضعًا معدًا للجنائز "ببقيع الغَرْقد" غير مصلى العيدين، والأول أظهر، وقد تقدم في العيدين أن المصلى كان ببطحان. وقوله: فصف بهم، ليس فيه تعرض لكثرة الصفوف ولا لقلتها، لكن الغالب أن الملازمين له ﵊ كانوا كثيرًا، ولاسيما مع أمره لهم بالخروج إلى المصلى، كما في رواية جابر الآتية "فهلُمَّ فصلّوا". وفي رواية جابر "كنت في الصف الثاني". وفي الحديث دلالة على أن للصفوف على الجنازة تاثيرًا، ولو كان الجمع كثيرًا؛ لأن الظاهر أن

стр. 5311

الذين خرجوا معه ﷺ ، كانوا عددًا كثيرًا، وكان المصلى فضاء، ولا يضيق بهم لو صفوا فيه صفًا واحدًا، ومع ذلك فقد صفهم، وقد قال المصنف فيما يأتي "باب الصفوف على الجنازة" بصيغة الجمع، إشارة إلى ما ورد في استحباب ثلاثة صفوف، وهو ما رواه أبو داود وغيره عن مالك بن هبيرة مرفوعًا "منْ صلّى عليه ثلاثة صفوف فقد أَوْجَبَ"، حَسَّنَه التِّرمذيُّ، وصححه الحاكم. وفي رواية له "إلَّا غُفِر له" ولهذا كان مالك المذكور يصفُّ من يحضر الصلاة على الجنازة ثلاثة صفوف، سواء قلوا أو كثروا. وقال الطبريّ: ينبغي لأهل الميت، إذا لم يخشوا عليه التغير، أن ينتظروا به اجتماع قوم يقوم منهم ثلاثة صفوف، لهذا الحديث. ويبقى النظر فيما إذا تعددت الصفوف والعدد قليل، أو كان الصف واحدًا والعدد كثير أيهما أفضل. وقوله: وكبر أربعًا، قد اختلف السلف في كونه أربعًا، فروى مسلم عن زيد بن أرقم أنه يكبر خمسًا، ورفع ذلك. وروى ابن المنذر عن ابن مسعود أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد، فكبر خمسًا، وروى ابن المنذر وغيره عن عليّ، أنه كان يكبر على أهل بدر ستًا، وعلى الصحابة خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا. ورُوي أيضًا بإسناد صحيح عن أبي معبد قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة فكبر ثلاثًا. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة عن أنس، أنه كبر على جنازة ثلاثًا، ثم انصرف ناسيًا، فقالوا يا أبا حمزة: إنك كبرت ثلاثًا، فقال: صفوا فكبر الرابعة. وروى عن أنس الاقتصار على ثلاث، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن عِمران بن حُدَير قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة، فكبّر عليها ثلاثًا لم يزد عليها. وروى ابن المنذر عن يحيى بن أبي إسحاق قال: قيل لأنس: إن فلانًا كبر ثلاثًا، فقال: وهل التكبير إلا ثلاثًا؟ قال مُغلطاي: إحدى الروايتين وَهْم وقال في "الفتح" بل يمكن الجمع بين ما اختلف به على أنس، إما بإنه كان يرى الثلاث مُجزئة والأربع أكمل منها، وإما بأن من أطلق عنه الثلاث لم يذكر الأُولى؛ لأنها افتتاح الصلاة، فقد روى يحيى بن أبي إسحاق أن أنسًا قال: التكبير ثلاثًا، فقيل له: يا أبا حمزة التكبير أربعًا قال: نعم، غير أن واحدة هي افتتاح الصلاة، ويأتي ذلك عنه في باب "سنة الصلاة". قال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع، وفيه أقوال أخر، قال: وذهب بكر بن عبد الله المزنيّ إلى أنه لا ينقص عن ثلاث، ولا يزاد على سبع. وقال أحمد مثله، لكن قال: لا ينقص من أربع. وقال ابن مسعود: كبَّر ما كبَّر الإِمام. قال: والذي نختاره ما ثبت عن عمر، ثم ساق بإسنادٍ صحيح عن سعيد بن المسيب قال: كان التكبير أربعًا وخمسًا، فجمع عمر الناس على أربع. وروى البيهقيُّ بإسنادٍ حسن إلى أبي وائل قال: كانوا يكبِّرون على عهد رسول الله ﷺ سبعًا

стр. 5312

وستًا وخمسًا وأربعًا، فجمع عمر الناس على أربع كأطول الصلاة. وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال: يزيد في التكبير على أربع، إلا ابن أبي ليلى. وفي المبسوط للحنفية أن أبا يوسف قال: يكبر خمسًا، وقد روى ابن أبي داود عن أبي سلمة عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ صلى على جنازة فكبر أربعًا" قال: ولم أر في شيء من الأحاديث الصحيحة أنه كبر على جنازة أربعًا إلا هذا، ولم يذكر حديث النجاشيّ؛ لأنّ الصلاة فيه صلاة على غائب لا على جنازة. وأجيب عن هذا بأن حكم الحاضرة يُعْلم بالأولى. ولم يذكر التسليم هنا في حديث النجاشيّ، وذكر في حديث سعيد بن المُسَيّب رواية ابن حبيب عن مُطْرف عن مالك، واستغربه ابن عبد البر وقال: إلا أنه لا خلاف بين العلماء من الصحابة والتابعين. فمن بعدهم من الفقهاء، في السلام، وإنما اختلفوا هل هي واحدة أو اثنتان، فالجمهور على تسليمة واحدة، وهو أحد قوليّ الشافعيّ وقالت طائفة تسليمتان، وهو قول أبي حنيفة والشافعيّ. وهو قول عمر وابنه عبد الله وعليّ وابن عباس وغيرهم. وقال الحاكم: صحت الرواية بالواحدة عن ابن عمر وعليّ وابن عباس وغيرهم، وسأل أشهبُ مالكًا: أتكره السلام في صلاة الجنازة؟ قال: لا، وقد كان ابن عمر يسلم، قال: فاستناد مالك إلى فعل ابن عمر دليل على أنه، ﷺ ، لم يسلِّم في صلاته على النجاشى، ولا على غيره. وفي قوله: خرج إلى المصلّى، دليلٌ على أنه لا يصلّى على الجنازة في المسجد؛ لأنه ﵊ أخبر بموته في المسجد، ثم خرج بالمسلمين. وهذا هو قول مالك وأبي حنيف وابن أبي ذيب، وعند أبي يوسف أن أُعِد مَسْجدٌ للصلاة على الموتى لم يكن في الصلاة فيه عليهم بأس. قال النوويّ: لا حجة فيه للحنفية، لأن الممتنع عندهم إدخال الميت المسجد، لا مجرد الصلاة عليه، حتى لو كان خارج المسجد جازت الصلاة عليه هو، لمن داخله. وعند المالكية لا فرق بين أن يكون الميت داخل المسجد أو خارجه، إلا أن يضيق خارجه بأهله، فلا بأس أن يصلي عليها من بالمسجد بصلاة الإِمام. وعند الشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبي ثور: لا بأس بها إذا لم يخف تلويثه. واحتجوا بما أخرجه مسلم أن سعد بن أبي وقّاص، لما توفي، أمرت عائشة رضي الله تعالى عنه بإدخال جنازته المسجد حتى صلّى عليه أزواج النبي ﷺ ، ثم قالت: هل عاب الناس علينا ما فعلنا؟ فقيل لها: نعم. فقالت: ما أسرع ما نسوا ما صلى رسول الله ﷺ على جنازة سهيل بن بيضاء إلا في مسجد. قلت: هذا الحديث فيه دلالة قوية لمن كره الصلاة عليها في المسجد، لأنه اجتهاد من عائشة، وما استدلت به دليل عليها لا لها، لأنّ كونه ﵊ لم يصل على ميت في

стр. 5313

المسجد إلا على سُهيل مع كثرة الموتى، يدل على أن الصلاة عليها في المسجد ليست من فعله الدائم، ويكون اختصاص سهيل بذلك وقع لعذر، كمطر أو اعتكاف أو غير ذلك ولذا أنكر الصحابة عليها، ولم ينظروا إلى الصلاة على سهيل لندورها، واحتج الآخرون بما رواه أبو داود عن صالح مولى التوأمة عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى على ميت في المسجد فلا شيء له" ورواه ابن ماجه بلفظ "فليس له شيء" وقال الخطيب: المحفوظ فلا شيء له. وروى فلا أجر له. وقال ابن عبد البر: رواية "فلا أجر له" خطأ، والصحيح "فلا شيء له" قلت: فلا أجر له هي معنى فلا شيء له، فأي خطأ فيها؟ ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ "فلا صلاة له"، ورُوي "فلا شيء عليه"، وهذه يروُّها ما مرَّ عن الخطيب وابن عبد البر، وردوا الاستدلال بهذا الحديث بأنه من رواية صالح مولى التُّوَأمة، وهو ضعيف، وتعقب هذا بأن أبا داود روى هذا الحديث وسكت عنه، فيدل على صحته عنده، أو حسنه، وبأن يحيى بن مُعين الذي هو الفيصل في هذا الباب قال: صالح ثقة، إلا أنه اختلط، فمن سمع منه قبل ذلك فهو ثبت حجة، وممن سمع منه قبل الاختلاط ابن أبي ذيب الذي هو راوي هذا الحديث عنه. وقال الطحاويّ: لما اختلفت الروايات عن النبيّ ﷺ في هذا الباب، احتيج إلى الكشف ليعلم المتأخر منها، فيصير ناسخًا لما تقدم، فحديث عائشة إخبار عن فعله، ﵊، في حال الإباحة التي يتقدمها شيء. وحديث أبي هُريرة إخبار عن نهيه، ﵊، الذي تقدمه الإِباحة. فصار ناسخًا لحديث عائشة، وإنكار الصحابة عليها مما يؤيد ذلك. وقال ابن بُزَيزة: استدل المالكية بحديث النجاشيّ، وهو باطل؛ لأنه ليس فيه صيغة نهي، ولاحتمال أن يكون خرج بهم إلى المصلى لأمرٍ غير المعنى المذكور، وقد ثبت أنه صلى ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد، فكيف يترك هذا الصريح لأمر محتمل؟ قلت: قد قدمنا قريبًا أن حديث سهيل محتمل أيضًا لما مرَّ، ثم قال: بل الظاهر أنه إنما خرج بالمسلمين إلى المصلى لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه، ولإِشاعة كونه مات على الإِسلام، فقد كان بعض الناس لم يدركونه أسلم، فقد روى ابن أبي حاتم في التفسير عن ثابت والدارقطنيّ في الأفراد، والبزَّار عن حُمَيد، كلاهما عن أنس: أن النبي ﷺ ، لما صلى على النجاشي، قال بعض أصحابه: صلى على عِلْجٍ من الحبشة، فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية. وله شاهد في معجم الطبرانيّ الكبير عن وَحْشيّ بن حرب، وآخر عنده في الأوسط عن أبي سعيد، وزاد فيه "أن الذي طعن بذلك كان منافقًا" قلت: الاحتمال الذي أبداه، أرجحُ منه كونه خرج من المسجد، لكونه ليس محلًا للصلاة على الجنازة. واستدل به على مشروعية الصلاة على

стр. 5314

الميت الغائب عن البلد، وبذلك قال الشافعي، وأحمد وجمهور السلف، حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه. قال الشافعيّ: الصلاة على الميت دعاء له، وهو إذا كان ملففًا يصلي عليه، فكيف لا يدعى له وهو غائب، أو في القبر بذلك الوجه الذي يدعى به وهو ملفف؟ وعن المالكية والحنفية: لا يشرع ذلك، وعن بعض أهل العلم إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه الميت، أو ما قرب منه، لا ما إذا طالت المدة، حكاه ابن عبد البر. وقال ابن حِبّان: إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة، فلو كان بلد الميت مستدبر القبلة مثلًا لم يجز. قال المحب الطبريّ: لم أر ذلك لغيره، وحجته حجة الذي قبله من قصة النجاشيّ. واعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن قصة النجاشيّ، بأمور، منها أنه كان بأرض لم يصلِّ عليه بها أحد، فتعينت الصلاة عليه لذلك، ومن ثم قال الخطابيّ: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرضٍ ليس بها من يصلي عليه، واستحسنه الرويانيّ من الشافعية، وبه ترجم أبو داود في السنن الصلاةَ على المسلم يليه أهل الشرك ببلد آخر. وهذا محتمل. قال في الفتح: إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار على أنه لم يصلِّ عليه في بلده أحد، قلت: كذلك لم يقف على أنه صلى عليه أحد، وبلاده بلاد كفر، ولا يعلمون حكم الصلاة على الجنازة، ولا كيفيتها، فكيف نظن بهم الصلاة على النجاشيّ؟ فلا حاجة للإِخبار بذلك، ولا احتمال فيه. ومن ذلك قول بعضهم: كُشِف له عنه ﷺ حتى رآه، فتكون صلاته عليه، كصلاة الإِمام علي ميت رآه ولم يره المأمومون، ولا خلاف في جوازها. قال ابن دقيق العيد: هذا يحتاج إلى نقل، ولا يثبت بالاحتمال، وتعقبه بعض الحنفية بأن الاحتمال كاف في مثل هذا من جهة المانع، وكان مستند هذا القائل ما ذكره الواقديّ في أسبابه، بغير إسناد عن ابن عباس، قال: كُشِف للنبي ﷺ عن سرير النجاشيّ حتى رآه، وصلى عليه. ولابن حِبّان عن عِمران بن حصين "فقام، وصفوا خلفه، وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه". ولأبي عوانة عن يحيى "فصلينا خلفه، ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا". ومن الاعتذارات أن ذلك خاص بالنجاشيّ، لأنه لم يثبت أنه ﷺ صلى على ميت غائب غيره، ولم يفعل ذلك بعده أحد من أصحابه، ولا صلى أحد على النبي ﵊ بعد أن ووري. وفي الصلاة عليه أعظمُ رغبة، فدل هذا كله على الخصوص، وقد صلى على غائب واحد، ثبت أنه طويت له الأرض حتى حضره، وهو مُعاوية بن مُعاوية المُزَنيّ. ففي "الأوسط" للطبرانيّ وكتاب "مسند الشاميين" عن أبي أُمامة قال: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك، فنزل عليه جبريل، ﵊، فقال: يا رسول الله، إن معاوية بن معاوية المزنيّ مات بالمدينة،

стр. 5315

أتحب أن تطوى لك الأرض فتصلي عليه؟. قال: نعم، فضرب بجناحه على الأرض، ورفع له سريره، وخلفه صفّان من الملائكة، في كل صف سبعون ألف ملك، ثم رجع، وقال النبيّ ﷺ لجبريل: بم أدْرَكَ هذا؟ قال: بحبه سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقراءته إياها جاثيًا، وذاهبًا، وقائمًا، وقاعدًا، وعلى كل حال. واستدل من قال بتخصيص النجاشيّ بذلك إلى ما تقدم من إرادة إشاعة أنه مات مسلمًا، أو استئلاف فلوب الملوك الذين أسلموا في حياته، قلت: أَوَّلَ المخالفون في الصلاة في المسجد خروجه بهذا المعنى، ونحن نستدل عليهم به في الصلاة على النجاشي، وقال النووي: لو فتح باب هذا الخصوص لانسد كثير من ظواهر الشرع، مع أنه لو كان شيء مما ذكروه لتوفرت الدواعي على نقله. قلت: هذه المسألة إذا اعتبرت خصوصية للنجاشيّ، لا تسد شيئًا من ظواهر الشرع، واحتفَّ بها من القرائن مما يدل على الخصوص ما تقدم، وما وقع من صلاته ﵊ على معاوية المزنيّ، بعد رفع سريره له، على أنه ما صلى على النجاشيّ إلا كذلك. والحاصل أن مسألة النجاشيّ فيها من الاحتمالات القوية ما يوجب سقوط الاستدلال بها، والذين قالوا بجواز الصلاة على الغائب ليس لهم دليل سواه، وأجمع كل من أجاز الصلاة على الغائب، أن ذلك يُسقِط فرض الكفاية، إلا ما حُكي عن ابن القَطّان، أحد أصحاب الوجوه من الشافعية، أنه قال: يجوز ذلك، ولا يسقط الفرض. وقال الأَذْرُعيّ ينبغي أنها لا تجوز على الغائب، حتى يعلم أو يظن أنه قد غسل، إلا أن يقال: تقديم الغسل شرط عند الإِمكان فقط، ولا تجوز على الغائب في البلد، وإن كبرت، لتيسر الحضور. وفي الرافعي: ينبغي أن لا يكون بين الإِمام والميت أكثر من مثتي ذراع، أو ثلاث مئة تقريبًا، ولو صلوا على الأموات الذين ماتوا في قرية، وغسلوا في البلد الفلاني، ولا يعرف عددهم جاز، قاله في "البحر"، وتأتي زيادة على هذا في باب الصلاة على الجنائز بالمصلى. رجاله خمسة: قد مرّوا، وفيه ذكر النجاشيّ. وإسماعيل بن أبي أُوَيس في الخامس عشر من الإِيمان، وابن المُسَيَّب في التاسع عشر منه. وأبو هُريرة في الثاني منه ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي وابن شهاب في الثالث منه. والنجاشي، بفتح النون وكسرها وتشديد الياء وتخفيفها، كلمة للحبشة، تسمى بها ملوكها، والمتأخرون منهم يلقبونه الأَبْحَري. واسمه أصْحَمَة، بفتح الهمزة وسكون الصاد وفتح الحاء المهملتين، ومعناه عطية ابن أبجر، بهمزة، وفي طبقات ابن سعد: لما رجع رسول الله ﷺ من

стр. 5316

الحُدَيْبية سنة ست، أرسل إلى النجاشيّ سنة سبع في المحرّم عمرو بن أمية الضَمريّ، فأخذ كتاب النبيّ ﷺ ، فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره، وجلس على الأرض تواضعًا، ثم أسلم، وكتب إلى النبيّ ﷺ بذلك، وأنه أسلم على يد جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. ولم يهاجر إلى النبيّ ﷺ ، وكان ردءًا للمسلمين نافعًا. وقصته مشهورة في المغازي في إحسانه إلى المسلمين الذين هاجروا إليه في صدر الإِسلام. وأخرج أصحاب الصحيح قصة صلاته ﷺ ، صلاةَ الغائب عليه من طرف منها: رواية عطاء عن جابر، لما مات النجاشيّ، قال النبيّ ﷺ : "قد مات اليوم عبد صالح يقال له أصحمه فقوموا فصلوا عليه .. " الخ قال الطبريّ: كان ذلك في رجب سنة تسع، وقال غيره: كان قبل الفتح، وروى ابن إسحاق عن عائشة: لما مات النجاشيّ كنا نتحدث أنه لا يزال على قبره نور. وفي اسمه ستة ألفاظ: أَصْحَمَة بوزن أربعة، وحاؤه مهملة، وقيل معجمة، وقيل: إنه بموحدة بدل الميم، وقيل: صَحْمَة بغير ألف، وقيل كذلك لكن بتقديم الميم على الحاء، وقيل بزيادة ميم في أوله بدل الألف، والصحيح الأول. والحديث أخرجه البخاري أيضًا في الجنائز، وأخرجه باقي الستة فيها أيضًا. الحديث التاسع حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ. وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَتَذْرِفَانِ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ. وورد في علامات النبوءة بلفظ "أن النبيّ ﷺ نعى زيدًا، وجعفرًا ... " الحديث قال: الزين بن المنير: وجه دخول قصة الأمراء في الترجمة، أن نعيهم كان لأقاربهم، وللمسلمين الذين هم أهلهم من جهة الدين. قوله: وإن عينيّ رسول الله ﷺ لتذرِفان، أي بذال معجمة وراء مكسورة، أي تدفعان الدموع. وقوله: ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له، وفي رواية المغازي "حتى أخذها سيفٌ من سيوف الله حتى فتح الله عليه"، وفي حديث أبي قتادة "ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء، وهو أمير نفسه، ثم قال رسول الله ﷺ : "إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره، فمن يومئذ سمي سيف الله". وفي حديث عبد الله بن جعفر "ثم أخذها سيف من سيوف الله، خالد بن الوليد، ففتح الله عليهم". والمراد بقوله: "من غير إمرة" نفي كونه كان منصوصًا عليه، وإلا فقد ثبت أنهم اتفقوا عليه،

стр. 5317

وزاد فيه "وما يسرهم أنهم عندنا لما رأوا من فضل الشهادة". وزاد في حديث عبد الله بن جعفر "ثم أمهل آل جعفر ثلاثًا، ثم أتاهم، فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ثم قال: ائتوني ببني أخي، فجيء بنا كأننا أفراخ، فدعا الحلّاق فحلق رؤوسنا، ثم قال: أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خَلقي وخُلقي، ثم دعا لهم. وذكر موسى بن عقبة في المغازي أن يعلي بن أميمة قدم بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله ﷺ : "إن شئت أخبرني، وإن شئت أخبرك". قال: فأخبرني، فأخبره خبرهم، فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفًا لم تذكره. وعند الطبرانيّ عن أبي اليُسر الأنصاريّ أن أبا عامر الأشعري هو الذي أخبر النبيّ ﷺ بمصابهم. ويقال: إن السبب في غزوة الأمراء أن شرحبيل بن عمرو الغسانيّ، وهو من أمراء قيصر على الشام، قتل رسولًا أرسله النبيّ ﷺ إلى صاحب بُصرى، والرسول هو الحارث بن عمير، فجهز إليهم النبي ﷺ ، عسكرًا في ثلاثة آلاف. وفي مغازي أبي الأسود عن عُروة: بعث رسول الله ﷺ الجيش إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان، لا يختلف أهل المغازي في ذلك، إلا ما ذكره خليفة في تاريخه أنها كانت سنة سبع، وفي السنن لسعيد بن منصور "فلما التقوا أخذ الراية زيد بن حارثة، فقاتل حتى قتل، ثم أخذها جعفر، فقاتل حتى قتل، ثم أخذها ابن رواحة فحاد حَيْدَةً فقال: أقسمت بالله لتنزِلنَّه ... كارهةً أو لتطاوِ عِنَّه مالي أراك تكرهين الجنة ثم نزل فقاتل حتى قتل، فأخذ خالد بن الوليد الراية، ورجع بالمسلمين على حمية، ورمى واقد بن عبد الله التيميّ المشركين حتى ردهم الله. وفي آخره قال سعيد بن أبي هلال: وبلغني أنهم دفنوا يومئذٍ زيدًا وجعفرًا وابن رواحة في حفرة واحدة، وذكر ابن إسحاق بإسنادٍ حسن، وأخرجه أبو داود من طريقه عن رجل من بني مُرة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم تقدم فقاتل حتى قتل. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر عن عُروة قال: ثم أخذ الراية عبد الله بن رُواحة، فالتوى بها بعض التواء، ثم تقدم على فرسه، ثم نزل فقاتل: حتى قتل، ثم أخذ الراية ثابت بن أقْرَم الأنصاريّ، فقال: أصطلحوا على رجُل، فقالوا: أنت لها، فقال. لا فاصطلحوا على خالد بن الوليد. وروى الطبرانيّ في حديث أبي اليسر الأنصاري قال: أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم لما أصيب ابن رواحة، فدفعها إلى خالد بن الولد، وقال له: أنت أعلم بالقتال مني. وأخرج البخاريّ

стр. 5318

في المغازي عن ابن عمر أنه قال: وقفت على جعفر يومئذ، وهو قتيل، فعددت به خمسين بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دُبُره، يعني في ظهره، وهذا بيان لفرط شجاعته وإقدامه. وفي رواية عنه "ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة وضربة" وعند أبي نعيم عن أبي معشر "تسعين" وظاهرها التخالف، ويجمع بأن العدد لا يكون له مفهوم، أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام، فإن ذلك لم يذكر في الرواية الأولى، أو الخمسين مقيدة بأنها ليس فيها شيء في دبره، أي في ظهره، فقد يكون الباقي في بقية جسده، ولا يلزم من ذلك أنه ولَّى دبره، فهو محمول على أن الرمي إنما جاء من جهة قفاه، أو جانبيه، فيدل ذلك على إحاطة العدو به، لكن يؤيد الأول أن في رواية العمريّ عن نافع "فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده" بعد أن ذكر أن العدد بضع وتسعون. وللبيهقيّ في "الدلائل" بضعًا وتسعين، أو بضعًا وسبعين. وأشار إلى أن بضعًا وتسعين أثبت. وأخرجه الإِسماعيليّ عن البخاري بلفظ "بضعًا وتسعين أو بضعًا وسبعين بالشك" قال في "الفتح": لم أر ذلك في شيء من نسخ البخاريّ، وأخرج البخاري عن خالد بن الوليد أنه قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صحيفة يمانية. وفي الحديث جاز تعليق الإِمارة بشرط، وتولية عدة أمراء بالترتيب، وقد اختلف هل تنعقد الولاية الثانية في الحال أو لا، والذي يظهر أنها تنعقد في الحال، بشرط الترتيب، وقيل: تنعقد لواحد لا بعينه، وتتعين لمن عيّنها الإِمام على الترتيب. وقيل: تنعقد للأول فقط، وأما الثاني فبطريق الاختيار، واختيار الإِمام مقدم على غيره؛ لأنه أعرف بالمصلحة العامة. وفيه جاز التأمر في الحرب بغير تأمير، وقال الطحاويّ: هذا أصل يؤخذ منه أن على المسلمين أن يقدموا رجلًا إذا غاب الإِمام يقوم مقامه، إلى أن يحضر. وفيه جواز الاجتهاد في حياة النبي ﷺ ، وفيه علم ظاهر من أعلام النبوءة، وفضيلة ظاهرة لخالد بن الوليد ومن معه من الصحابة، واختلف أهل النقل في المراد بقوله: "حتى فتح الله عليه" هل كان هناك قتال فيه هزيمة للمشركين، أو المراد بالفتح انحيازه بالمسلمين حتى رجعوا سالمين؟. وفي رواية ابن إسحاق عن عُروة: فحاشر خالدٌ الناس، ودافع، وانحاز وانحِيز عنه، ثم انصرف بالناس، وهذا يدل على الثاني، ويؤيده ما مرَّ في سنن سعيد بن منصور. وذكر ابن سعد عن أبي عارم أن المسلمين انهزموا لما قتل ابن رواحة، حتى لا أرى اثنين جميعًا، ثم اجتمعوا على خالد بن الوليد. وعند الواقديّ عن الحارث بن فضيل قال: لما أصبح خالد بن الوليد جعل مقدمته ساقة،

стр. 5319

وميمنته ميسرة، فأنكر العدو حالهم وقالوا: جاءهم مدد فرعبوا، وانكشفوا منهزمين. وعنده عن جابر قال: أصيب بمؤتة ناس من المشركين، وغنم المسلمون بعض أمتعة المشركين. وفي مغازي أبي الأسود عن عُروة: فحمل خالد على الروم فهزمهم، وهذا يدل على الأول، ويمكن الجمع بأن يكونوا هزموا جانبًا من المشركين، وخشي خالد أن يتكاثر العدو عليهم، فقد قيل: إنهم كانوا أكثر من مئة ألف، فانحاز بهم حتى رجع بهم إلى المدينة. وهذا السند وإن كان ضعيفًا من جهة الانقطاع، والآخر من جهة ابن لهيعة الراوي عن أبي الأسود، وكذلك الواقديّ، فقد وقع في مغازي موسى بن عتبة، التي هي أصح المغازي، ما نصه: ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقتل، ثم اصطلح المسلمون على خالد بن الوليد، فهزم الله العدو وأظهر المسلمين. قال العماد بن كثير: يمكن الجمع بأن خالدًا لما حاز المسلمين، وبات ثم أصبح وقد غير هيئة العسكر كما مرَّ، وتوهم العدو أنهم قد جاءهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ، فولوا فلم يتّبعهم، ورأى الرجوع بالمسلمين هو الغنيمة. وفي مغازي ابن عائذ، بسند منقطع، أن خالدًا لما أخذ الراية قاتلهم قتالًا شديدًا، حتى انحاز الفريقان من غير هزيمة، وقفل المسلمون، فمروا في طريقهم على قرية بها حصن كانوا في ذهابهم قتلوا رجلًا من المسلمين، فحاصروهم حتى فتح الله عليهم عُنوة، وقتل خالد بن الوليد مقاتِلَهم، فسمي ذلك المكان نقيع الدم إلى الآن، قاله في "الفتح". قلت: قد سألت رجلًا من أهل تلك الناحية عنه، فأخبرني أن بقرب بُصَيْرى موضع يقال له "نقع الدم"، وهذا تغيير قليل فلعله هو. رجاله خمسة: وفيه ذكر زيد وجعفر وعبد الله بن رواحة وخالد بن الوليد. مرَّ من رجاله أبو معمر وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرَّ أيوب في التاسع من الإيمان، وأنس في السادس منه، ومرَّ عبد الله بن رواحة في السادس والثلاثين من التهجد. والباقي من السند حميد بن هلال ابن هُبيرة، ويقال بن سُويد بن هُبيرة العدوي، أبو نصر البصري. قال القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه. قال أبو حاتم: لأنه دخل في عمل السلطان، وكان في الحديث ثقة، وقال ابن معين والنَّسائي: ثقة. وقال أبو هلال الراسبيّ: ما كان بالبصرة أعلم منه. وقال ابن عدي: له أحاديث كثيرة مستقيمة، وقد حدث عنه الأئمة، وأحاديثه مستقيمة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات.

стр. 5320

وقال ابن سيرين: كان أربعة يصدقون من حدثهم، ولا يبالون ممن يسمعون: الحَسَن وأبو العالية وحميد بن هلال، ولم يذكر الرابع. وفي بعض النسخ: وداود بن أبي هند. قاله الدارقطنيّ في أحاديث القهقهة من السنن. قلت: وهو وارد على تفسير أبي حاتم لقدح ابن سيرين فيه. روى عن أنس وعبد الله بن مغفل، وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم. وروى عنه أيوب السَّخْتِيانيّ وعاصم الأحول وقَتَادة وشُعْبَة وغيرهم. مات في ولاية خالد على العراق. والباقي من المذكورين في الحديث ثلاثة: الأول زيد بن حارثة بن شَرَاحيل بن كعب بن عبد العُزّى إلى تم النسب الذي تقدم في نسب ولده أسامة، في أول الوضوء الكلبي، وأمه سُعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر من بني مَعْن بن طيىء. وأخرج ابن الكلبي قال: زارت سعدى أم زيد بن حارثة قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جَسْر في الجاهلية على أبيات بني مَعْن، فاحتملوا زيدًا وهو غلام يفقه، فأتوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم ابن حِزام لعمته خديجة، بأربع مئة درهم، فلما تزوجها النبيّ ﷺ ، وهبته له، وقال أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده: بَكيتُ على زيدٍ ولم أدرِ ما فَعلْ ... أحيّ فَيُرجى أم أتى دونَه الأجلْ فواللهِ لا أدري وإن كنتُ سائِلًا ... أغالك سهلُ الأرضِ أم غَالك الجبلْ فَياليتَ شِعري هل لكَ الدَّهر رَجعةً ... فحَسبي من الدُّنيا رُجُوعك لي نَجلْ تُذَكِّرْنيه الشَّمسُ عندَ طلُوعِها ... ويعرضُ ذِكراه إذا قارب الصفل وإن هبَّت الأرواحُ هَيجَّن ذِكْرهُ ... فَيا طولَ حُزني عليه وَيا وَجَل سأعمل نص العيس في الأرض جاهدًا ... ولا أسأم التَطوافُ أو تسأَمُ الإِبلْ حياتي أو تأتي علي مُنيتي ... وكُل امرىء فانٍ وإن غَرَّهُ الأَمَلْ سأوصي به عُمرًا وقَيْسًا كِلَيْهِما .... وأوصي يَزيدًا ثم من بعْدِه جَبَلْ يعني بعمرو وقيس أخويه، وبيزيد أخا زيد لأمه، وهو يزيد بن كعب بن شراحيل، وبجبل أخا زيد أكبر منه، قال: فحج ناسٌ من كلب فرأوا زيدًا، فعرفهم وعرفوه، فقال لهم أبلغوا أهلي هذه الأبيات، فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي: أحِنُّ إلى قومي وإن كنتُ نائِبًا ... فإني فطينُ البيتِ عند المشاعِرِ فَكفوا عن الوجدِ الذي قد شجاكم ... ولا تُعْملوا في الأرض نَصَّ الأباعرِ فإني بحمد الله في خيرِ أسرةٍ ... كرامُ مَعَدٍّ كابرًا بعد كابرِ

стр. 5321

فانطلقوا فأعلموا أباه، ووصفوا له موضعه، فخرج حارثة وكعب أخوه بفدائه، فقدما مكة، فسألا عن النبيّ ﷺ ، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن سيد قومه، إنكم أهل حرم الله، تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئنا في ولدنا عندك، فامنن وأحسن في فدائه. قال: من هو؟ قالوا: زيد بن حارثة، قال: أو غير ذلك؟ قالوا: ما هو؟ قال: ادعوه فأخيره، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني، فوالله، ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء. قالا: قد زدتنا على النصف، وأحسنت. فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم هذا أبي، وهذا عمي، قال: فأنا مَنْ قد علمت، ورأيت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما، فقال: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية وعلى أهلك؟ قال: قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار أحدًا. فلما رأى رسول الله ﷺ -ذلك، أخرجه إلى الحِجر، فقال: اشهدوا أن زيدًا ابني، يرثني وأرثه، فلما رأى ذلك أبوه وعمه، طابت أنفسهما، وانصرفا، فدعي زيد بن محمد، حتى جاء الله بالإِسلام، قال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾. ولم يقع في القرآن تسمية أحد من الصحابة باسمه إلا هو باتفاق. قال العلماء: تعويضًا له من قطعه عن هذا النسب الشريف. قال الزهريّ: ما نعلم أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة، وكذا قال سليمان بن يَسار جازمًا بذلك. وأخرج ابن الكلبيّ عن ابن عباس قال: لما تبناه النبيّ ﷺ زَوَّجَه مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، ثم زوجه زينب بنت جحش، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب. ولما طلق زينب زوَّجه أم كلثوم بنث عقبة، وأمها أروى بنت كريز، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب، فولد له زيد بن زيد، ورقية. ثم طلق أم كلثوم، وتزوج دُرَّة بنت أبي لهب بن عبد المطلب، ثم طلقها وتزوج هند بنت العوام، أخت الزبير. ويقال: إن النبيّ ﷺ سماه زيدًا لمحبة قريش في هذا الاسم. شهد زيد بدرًا وما بعدها، وقتل في غزوة مؤتة وهو أمير، واستخلفه النبي ﷺ في بعض أسفاره على المدينة. وأخرج أبو يَعلى عن البَراء بن عازب أن زيد بن حارثة قال: يا رسول الله، آخيت بيني وبين حمزة. وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة، بإسناد قويَّ عن عائشة قالت: ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في سَريّة إلَّا أمّره عليهم، ولو بقي لاستخلفه. وأخرج البخاريّ عن سَلَمة بن الأكوع قال: غزوت مع النبيّ ﷺ سبع غزوات، ومع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمِّره علينا رسول الله ﷺ . قال الواقديُّ: أول سرايا زيد إلى القِرَدة، ثم إلى الحَموم ثم إلى العِيص، ثم إلى المطرف، ثم إلى حُسْمى، ثم إلى قرفة، ثم تأمره على غزوة مؤتة، واستشهد فيها وهو ابن خمس وخمسين سنة. وأخرج البخاريّ عن ابن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: وإيم الله إنْ كان لخليقًا للإمارة، وإنْ كان لمن أحب الناس إلي. كان يسمى حِبّ النبيَّ ﷺ .

стр. 5322

وأخرج ابن سعد بإسناد حسن عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: "يا زيد أنت مولاي ومني وإليّ وأحب الناس إليّ" وأخرج التِّرمذيّ وغيره من حديث عائشة قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي، فقرع الباب فأتاه، وقام إليه حتى اعتنقه وقبّله. وروى من طريق صحيح، عن ابن عمر: فرض عمر لأسامة أكثر مما فرض لي، فسألته فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله ﷺ منك، وإن أباه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك. وروى عنه ﷺ أنه قال: أحب الناس إلي من أنعم الله عليه، وأنعمت عليه، يعني زيد بن حارثة، أنعم الله عليه بالإسلام، أنعم النبيّ ﷺ عليه بالعتق، ولما أتاه ﵊ نعيُ زيد وجعفر بكى وقال: "أخواي، ومؤنساي، ومحدثاي". وأخرج ابن عبد البر بسنده عن الليث بن سعد قال: بلغني أن زيد بن حارثة اكترى من رجل بغلًا من الطائف، واشترط عليه الكرّاء أن ينزله حيث شاء، فمال به إلى خربة فقال: إنزل فنزل، فإذا في الخربة قتلى كثيرة، قال فلما أراد أن يقتله، قال له: دعني أصلي ركعتين قال: صل، فقد صلى هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئًا، قال: فلما صليت أتاني ليقتلني فقلت يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتًا: لا تقتله، فهاب ذلك، فخرج يطلبه، فلم ير شيئًا فرجع إليّ، فناديت: يا أرحم الراحمين، فعل ذلك ثلاثًا، فإذا أنا بفارس على فرس في يده حربة حديد، في رأسها شعلة من نار، فطعنه بها فأنفذها من ظهره فوقع ميتًا، قال: لما دعوت في المرة الأولى كنت في السماء السابعة، ولما دعوت في الثانية كنت في السماء الدنيا، ولما دعوت في الثالثة أتيتك. له أربعة أحاديث، روى عنه أنس وابن عباس وابنه أسامة. له رواية في البخاري في قصة زينب بنت جحش. الثاني جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي أبو عبد الله، ابن عم النبيّ ﷺ ، وأحد السابقين إلى الإِسلام، وشقيق علي. قال ابن إسحاق: أسلم بعد خمسة وعشرين رجلًا، وقيل بعد واحدٍ وثلاثين. وآخى النبي ﷺ . وفي البخاريّ عنه قال: كان جعفر خير الناس للمساكين. وروى الترمذيّ، والنَّسائي، بإسناد صحيح عن أبي هُريرة قال: ما احتذى النِّعال، ولا ركب المطايا، ولا وطىء التراب بعد رسول الله ﷺ ، أفضل من جعفر بن أبي طالب. وروى البغويّ عن أبي هُريرة قال: كان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم، ويخدمهم ويخدمونه، ويحدثهم ويحدثونه، فكان رسول الله ﷺ يكنِّيه أبا المساكين. وفي البخاريّ ومسلم من حديث البراء "أن النبيّ ﷺ قال له: أشبهت خَلقي وخُلْقي" وفي المسند من حديث عليّ، رفعه

стр. 5323

"أعطيت رفقاء نجباء، فذكره فيهم، هاجر إلى الحبشة، فأسلم النجاشيّ ومن تبعه على يديه، وأقام جعفر عنده ثم هاجر منها إلى المدينة، فقدم والنبيّ ﷺ بخيبر. وروى البغويّ وابن السّكْن عن عائشة قالت: لما قدم جعفر وأصحابه، استقبله النبيّ ﷺ فقبل ما بين عينيه، وقال ما أدري بأيهما أشد فرحًا، بقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟ وروى ابن السَّكْن عن عبد الله بن جعفر قال: ما سألت عليًا، فامتنع فقلت له: بحق جعفر إلا أعطاني. استشهد بمؤتة من أرض الشام مقبلًا غير مدبر، مجاهدًا للروم في حياة النبي ﷺ ، سنة ثمان في جمادى الأولى. وكان أسن من علي بعشر سنين، وعقيل أكبر منه هو بذلك، وطالب أكبر من عقيل بذلك، فاستوفى أربعين سنة أو زاد. وأخرج أبو داود أنه يوم مؤتة اقتحم عن فرس له شقراء، فعقرها ثم تقدم فقاتل حتى قتل. وهو أول من عقر في الإِسلام، فقطعت يداه جميعًا، فقال ﵊: "أبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء" فمنه قيل له ذو الجناحين. وروى الطبرانيّ عن ابن عمر "كنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفرًا، فوجدنا فيما أقبل من جسمه بضعًا وتسعين، من بين طعنة ورمية. ولما أتى النبيّ ﷺ نعي جعفر، أتى امرأته أسماء بنت عُمَيس، فعزاها في زوجها، فدخلت فاطمة تبكي وتقول: واعماه. قال ﵊: "على مثل جعفر فلتبك البواكي" وروى الطبرانيّ عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ قال: "رأيت جعفرًا يطير في الجنة مع الملائكة". وروى أيضًا عن سالم بن أبي الجعد قال: "أري النبيّ ﷺ جعفرًا ذا جناحين مضرجين بالدماء". وذلك لأنه قاتل حتى قطعت يداه. وفي الصحيح أن ابن عمر كان إذا سلم على عبد الله بن جعفر قال له: (السلام عليك يا ابن ذي الجناحين) وروى الدارقطنيّ في "الغرائب" لمالك، بإسناد ضعيف عن ابن عمر، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فرفع رأسه إلى السماء فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقال الناس: يا رسول الله، ما كنت تصنع هذا، قال: مرَّ بي جعفر بن أبي طالب في ملأ من الملائكة فسلّم علي. وفي فوائد أبي سهل عن ابن عباس: بينما رسول الله ﷺ جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه إذ قال: (يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب قد مرَّ مع جبريل وميكائيل، فردي ﵇. الحديث. وفيه (فعوضه الله من يديه جناحين يطير بهما حيث شاء). وروى عبد الرزاق عن ابن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : مثل لي جعفر وزيد وابن رواحة في خيمة من، ورأى واحد منهم على سرير، فرأيت زيدًا وابن رواحة، وفي أعناقهما صدود ورأيت جعفرًا مستقيمًا، ليس فيه صدود قال:

стр. 5324

فسألت أو قيل لي أنهما حين الموت أعرضا أو كأنهما صدّا بوجوههما وأما جعفر فإنه لم يفعل. له أحاديث روى عنه ابنه عبد الله وابن مسعود وأم سلمة ورثى حسان بن ثابت أهل مؤتة بقصيدة منها: رأيتُ خيارَ المؤمنين تواردوا ... شَعوب وقد خلفت ممن يؤخرُ فلا يُبْعدنّ الله قَتلى تتَابعوا ... بمؤتةَ منهم ذو الجناحين جَعفرُ وزيدٌ وعبد الله حينَ تَتابعوا ... جميعًا وأسبابُ المنيةِ تَخْطُرُ وكنا نرى في جعفر من محمد ... وفاء وامرًا صارمًا حيث يؤمرُ فلا زال في الإِسلام من آل هاشمٍ ... دعائمُ عزٍ لا يزولُ ومَفْخرُ الثالث: خالد بن الوليد بن المُغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، القرشيّ المخزوميّ، سيف الله أبو سليمان، أمُّه لُبابة الصغرى، بنت الحارث بن حرب، الهلالية. وهي أخت لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب. وهما أختا ميمونة بنت الحارث، زوج النبيّ ﷺ ، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وكانت إليه أعنة الخيل في الجاهلية، والقبةَ القبةَ، فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش. شهد مع كفار قريش الحروب إلى عُمرة الحديبية، كما ثبت في الصحيح أنه كان على خيل قريش طليعة، ثم أسلم سنة سبع بعد خيبر، وقيل قبلها، ووهم من زعم أنه أسلم سنة خمس، فقد روى ابن إسحاق عن عمرو بن العاص قال: خرجت عامدًا لرسول الله ﷺ ، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبل الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: أين تريد يا أبا سليمان؟ قال: أذهبُ، والله، أُسلمُ، فحتى متى؟ قلت: وما جئت إلا لأسلم، فقدمنا جميعًا، فتقدم خالد فأسلم فبايع، ثم دنوت فبايعته ثم انصرفت. وفي رواية أنه كان معهما عثمان بن طلحة، فلما رآهم النبيّ ﷺ قال: رمتكم مكة بأفلاذ كبدها، ولم يزل، منذ أسلم، يوليه رسول الله ﷺ أعنة الخيل، فيكون في مقدمتها في محاربة الكفار. شهد غزوة مؤتة مع زيد بن حارثة، فلما مات الأمير الثالث: أخذ الراية، فانحاز بالناس. وخطب النبيّ ﷺ فأعلم الناس بذلك، كما في الصحيحين، وشهد مع النبي ﷺ فتح مكة، فأبلى فيه، وشهد حنينًا، وكان على مقدمة رسول الله ﷺ في بني سُلَيم، وجرح يومئذٍ، فأتاه رسول الله ﷺ في رحله، بعدما هزمت هوازن، يعوده، فنفث في جرحه فانطلق. وبعثه ﷺ إلى جذيمة من بني عامر، فقتل منهم ناسًا لم يكن قتله لهم صوابًا، فودَّاهم رسول الله ﷺ وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، وبعثه ﵊ إلى العُزّى، وكان بيتًا كبيرًا لقريش وكنانة ومضر، صنمًا عظيمًا بنخلة، فهدمها وجعل يقول:

стр. 5325

(كفرانَكَ اليوم ولا سبحانَك ... إني رأيت الله قد أهانك) وأخرج الترمذيّ عن أبي هُريرة قال: نزلنا مع رسول الله ﷺ منزلًا، فجعل الناس يمرون، فيقول رسول الله ﷺ : من هذا؟ فأقول: فلان، حتى مرَّ خالد فقال: من هذا؟ قلت: خالد بن الوليد، فقال: نعم عبد الله هذا سيف من سيوف الله. وأخرج أبو يعلى عن ابن أبي أوفى، رفعه "لا تؤذوا خالدًا، فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار والمنافقين". وروى ابن عبد البر، بسنده، أن عبد الرحمن بن عوف اشتكى خالدَ بن الوليد للنبيّ ﷺ فقال: "يا خالد لم تُوذي رجلًا من أهل بدر، لو أنفقت مثل أُحُدٍ ذهبًا لم تدرك عمله؟. قال: يا رسول الله: إنهم يقعون بي فأرد عليهم، فقال: "لا تؤذوا خالدًا فإنه سيف .. " الخ وروي أيضًا عن ابن عباس قال: وقع بين خالد بن الوليد وعمّار بن ياسر كلام، فقال عمار: لقد هممت أن لا أكلمك أبدًا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "يا خالد مالك ولعمار؟ رجل من أهل الجنة قد شهد بدرًا"، وقال لعمار: "يا عمار إن خالدًا سيف من سيوف الله على الكفار". قال خالد: فما زلت أحب عمارًا من يومئذ. وأخرج أحمد عن عبد الملك بن عمير قال: استعمل عمر أبا عبيدة على الشام، وعزل خالد بن الوليد، فقال: خالد بعث إليكم أمين هذه الأمة، فقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خالد سيف من سيوف الله، نِعمَ فتى العشيرة. وروى ابن إسحاق أن النبيّ ﷺ ، بعث خالدًا إلى أكيدر دَوْمة، فأخذوه فأتوا به، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ورده إلى قومه. وفي الصحيحين، في قصة الصدقة، فقال رسول الله ﷺ : إن خالدًا احتبس أوراعه، واعتاده في سبيل الله. وفي البخاري عن خالد قال: لقد اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما صبرت معي إلا صفيحة يمانية. وروى يونس بن أبي إسحاق أن خالد بن الوليد، لما قدم الحرة، أتى بسُم فوضعه في راحته، ثم سمى وشرب فلم يضره. رواه أبو يعلى وابن سعد، وروى ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح عن خيثمة قال؛ أتى خالد بن الوليد رجلٌ معه زِقُّ خمرٍ فقال: اللهم اجعله عسلًا، فصار عسلًا. وفي رواية له، مرَّ بخالد بن الوليد رجل ومعه زق خمر، فقال: ما هذا؟ قال: خَل. قال: جعله الله خلًا. فنظروا فإذا هو خل وقد كان خمرًا. وروى ابن سعد عن زياد، مولى آل خالد قال: قال خالد عند موته: ما كان في الأرض من ليلة أحب إلى من ليلة شديدة الجليد، في سَريَّة من المهاجرين، أُصَبِّح بهم العدو، فعليكم بالجهاد. وروى أبو يعلى أيضًا عن قيس أنه قال: ما ليلة يُهدى إليّ فيها عروس أنا لها محبٌّ، أو أبشر فيها
следующие страницы →