Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
فانطلقوا فأعلموا أباه، ووصفوا له موضعه، فخرج حارثة وكعب أخوه بفدائه، فقدما مكة، فسألا عن النبيّ ﷺ ، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن سيد قومه، إنكم أهل حرم الله، تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئنا في ولدنا عندك، فامنن وأحسن في فدائه. قال: من هو؟ قالوا: زيد بن حارثة، قال: أو غير ذلك؟ قالوا: ما هو؟ قال: ادعوه فأخيره، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني، فوالله، ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء. قالا: قد زدتنا على النصف، وأحسنت. فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم هذا أبي، وهذا عمي، قال: فأنا مَنْ قد علمت، ورأيت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما، فقال: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية وعلى أهلك؟ قال: قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار أحدًا. فلما رأى رسول الله ﷺ -ذلك، أخرجه إلى الحِجر، فقال: اشهدوا أن زيدًا ابني، يرثني وأرثه، فلما رأى ذلك أبوه وعمه، طابت أنفسهما، وانصرفا، فدعي زيد بن محمد، حتى جاء الله بالإِسلام، قال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾.
ولم يقع في القرآن تسمية أحد من الصحابة باسمه إلا هو باتفاق. قال العلماء: تعويضًا له من قطعه عن هذا النسب الشريف. قال الزهريّ: ما نعلم أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة، وكذا قال سليمان بن يَسار جازمًا بذلك. وأخرج ابن الكلبيّ عن ابن عباس قال: لما تبناه النبيّ ﷺ زَوَّجَه مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، ثم زوجه زينب بنت جحش، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب. ولما طلق زينب زوَّجه أم كلثوم بنث عقبة، وأمها أروى بنت كريز، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب، فولد له زيد بن زيد، ورقية. ثم طلق أم كلثوم، وتزوج دُرَّة بنت أبي لهب بن عبد المطلب، ثم طلقها وتزوج هند بنت العوام، أخت الزبير. ويقال: إن النبيّ ﷺ سماه زيدًا لمحبة قريش في هذا الاسم.
شهد زيد بدرًا وما بعدها، وقتل في غزوة مؤتة وهو أمير، واستخلفه النبي ﷺ في بعض أسفاره على المدينة. وأخرج أبو يَعلى عن البَراء بن عازب أن زيد بن حارثة قال: يا رسول الله، آخيت بيني وبين حمزة. وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة، بإسناد قويَّ عن عائشة قالت: ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في سَريّة إلَّا أمّره عليهم، ولو بقي لاستخلفه. وأخرج البخاريّ عن سَلَمة بن الأكوع قال: غزوت مع النبيّ ﷺ سبع غزوات، ومع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمِّره علينا رسول الله ﷺ .
قال الواقديُّ: أول سرايا زيد إلى القِرَدة، ثم إلى الحَموم ثم إلى العِيص، ثم إلى المطرف، ثم إلى حُسْمى، ثم إلى قرفة، ثم تأمره على غزوة مؤتة، واستشهد فيها وهو ابن خمس وخمسين سنة. وأخرج البخاريّ عن ابن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: وإيم الله إنْ كان لخليقًا للإمارة، وإنْ كان لمن أحب الناس إلي. كان يسمى حِبّ النبيَّ ﷺ .
стр. 5322
وأخرج ابن سعد بإسناد حسن عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: "يا زيد أنت مولاي ومني وإليّ وأحب الناس إليّ" وأخرج التِّرمذيّ وغيره من حديث عائشة قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي، فقرع الباب فأتاه، وقام إليه حتى اعتنقه وقبّله.
وروى من طريق صحيح، عن ابن عمر: فرض عمر لأسامة أكثر مما فرض لي، فسألته فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله ﷺ منك، وإن أباه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك. وروى عنه ﷺ أنه قال: أحب الناس إلي من أنعم الله عليه، وأنعمت عليه، يعني زيد بن حارثة، أنعم الله عليه بالإسلام، أنعم النبيّ ﷺ عليه بالعتق، ولما أتاه ﵊ نعيُ زيد وجعفر بكى وقال: "أخواي، ومؤنساي، ومحدثاي". وأخرج ابن عبد البر بسنده عن الليث بن سعد قال: بلغني أن زيد بن حارثة اكترى من رجل بغلًا من الطائف، واشترط عليه الكرّاء أن ينزله حيث شاء، فمال به إلى خربة فقال: إنزل فنزل، فإذا في الخربة قتلى كثيرة، قال فلما أراد أن يقتله، قال له: دعني أصلي ركعتين قال: صل، فقد صلى هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئًا، قال: فلما صليت أتاني ليقتلني فقلت يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتًا: لا تقتله، فهاب ذلك، فخرج يطلبه، فلم ير شيئًا فرجع إليّ، فناديت: يا أرحم الراحمين، فعل ذلك ثلاثًا، فإذا أنا بفارس على فرس في يده حربة حديد، في رأسها شعلة من نار، فطعنه بها فأنفذها من ظهره فوقع ميتًا، قال: لما دعوت في المرة الأولى كنت في السماء السابعة، ولما دعوت في الثانية كنت في السماء الدنيا، ولما دعوت في الثالثة أتيتك.
له أربعة أحاديث، روى عنه أنس وابن عباس وابنه أسامة. له رواية في البخاري في قصة زينب بنت جحش.
الثاني جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي أبو عبد الله، ابن عم النبيّ ﷺ ، وأحد السابقين إلى الإِسلام، وشقيق علي. قال ابن إسحاق: أسلم بعد خمسة وعشرين رجلًا، وقيل بعد واحدٍ وثلاثين. وآخى النبي ﷺ .
وفي البخاريّ عنه قال: كان جعفر خير الناس للمساكين. وروى الترمذيّ، والنَّسائي، بإسناد صحيح عن أبي هُريرة قال: ما احتذى النِّعال، ولا ركب المطايا، ولا وطىء التراب بعد رسول الله ﷺ ، أفضل من جعفر بن أبي طالب.
وروى البغويّ عن أبي هُريرة قال: كان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم، ويخدمهم ويخدمونه، ويحدثهم ويحدثونه، فكان رسول الله ﷺ يكنِّيه أبا المساكين. وفي البخاريّ ومسلم من حديث البراء "أن النبيّ ﷺ قال له: أشبهت خَلقي وخُلْقي" وفي المسند من حديث عليّ، رفعه
стр. 5323
"أعطيت رفقاء نجباء، فذكره فيهم، هاجر إلى الحبشة، فأسلم النجاشيّ ومن تبعه على يديه، وأقام جعفر عنده ثم هاجر منها إلى المدينة، فقدم والنبيّ ﷺ بخيبر.
وروى البغويّ وابن السّكْن عن عائشة قالت: لما قدم جعفر وأصحابه، استقبله النبيّ ﷺ فقبل ما بين عينيه، وقال ما أدري بأيهما أشد فرحًا، بقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟ وروى ابن السَّكْن عن عبد الله بن جعفر قال: ما سألت عليًا، فامتنع فقلت له: بحق جعفر إلا أعطاني.
استشهد بمؤتة من أرض الشام مقبلًا غير مدبر، مجاهدًا للروم في حياة النبي ﷺ ، سنة ثمان في جمادى الأولى. وكان أسن من علي بعشر سنين، وعقيل أكبر منه هو بذلك، وطالب أكبر من عقيل بذلك، فاستوفى أربعين سنة أو زاد. وأخرج أبو داود أنه يوم مؤتة اقتحم عن فرس له شقراء، فعقرها ثم تقدم فقاتل حتى قتل. وهو أول من عقر في الإِسلام، فقطعت يداه جميعًا، فقال ﵊: "أبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء" فمنه قيل له ذو الجناحين.
وروى الطبرانيّ عن ابن عمر "كنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفرًا، فوجدنا فيما أقبل من جسمه بضعًا وتسعين، من بين طعنة ورمية. ولما أتى النبيّ ﷺ نعي جعفر، أتى امرأته أسماء بنت عُمَيس، فعزاها في زوجها، فدخلت فاطمة تبكي وتقول: واعماه. قال ﵊: "على مثل جعفر فلتبك البواكي" وروى الطبرانيّ عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ قال: "رأيت جعفرًا يطير في الجنة مع الملائكة". وروى أيضًا عن سالم بن أبي الجعد قال: "أري النبيّ ﷺ جعفرًا ذا جناحين مضرجين بالدماء". وذلك لأنه قاتل حتى قطعت يداه.
وفي الصحيح أن ابن عمر كان إذا سلم على عبد الله بن جعفر قال له: (السلام عليك يا ابن ذي الجناحين) وروى الدارقطنيّ في "الغرائب" لمالك، بإسناد ضعيف عن ابن عمر، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فرفع رأسه إلى السماء فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقال الناس: يا رسول الله، ما كنت تصنع هذا، قال: مرَّ بي جعفر بن أبي طالب في ملأ من الملائكة فسلّم علي. وفي فوائد أبي سهل عن ابن عباس: بينما رسول الله ﷺ جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه إذ قال: (يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب قد مرَّ مع جبريل وميكائيل، فردي ﵇. الحديث.
وفيه (فعوضه الله من يديه جناحين يطير بهما حيث شاء). وروى عبد الرزاق عن ابن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : مثل لي جعفر وزيد وابن رواحة في خيمة من، ورأى واحد منهم على سرير، فرأيت زيدًا وابن رواحة، وفي أعناقهما صدود ورأيت جعفرًا مستقيمًا، ليس فيه صدود قال:
стр. 5324
فسألت أو قيل لي أنهما حين الموت أعرضا أو كأنهما صدّا بوجوههما وأما جعفر فإنه لم يفعل.
له أحاديث روى عنه ابنه عبد الله وابن مسعود وأم سلمة ورثى حسان بن ثابت أهل مؤتة بقصيدة منها:
رأيتُ خيارَ المؤمنين تواردوا ... شَعوب وقد خلفت ممن يؤخرُ
فلا يُبْعدنّ الله قَتلى تتَابعوا ... بمؤتةَ منهم ذو الجناحين جَعفرُ
وزيدٌ وعبد الله حينَ تَتابعوا ... جميعًا وأسبابُ المنيةِ تَخْطُرُ
وكنا نرى في جعفر من محمد ... وفاء وامرًا صارمًا حيث يؤمرُ
فلا زال في الإِسلام من آل هاشمٍ ... دعائمُ عزٍ لا يزولُ ومَفْخرُ
الثالث: خالد بن الوليد بن المُغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، القرشيّ المخزوميّ، سيف الله أبو سليمان، أمُّه لُبابة الصغرى، بنت الحارث بن حرب، الهلالية. وهي أخت لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب. وهما أختا ميمونة بنت الحارث، زوج النبيّ ﷺ ، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وكانت إليه أعنة الخيل في الجاهلية، والقبةَ القبةَ، فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش. شهد مع كفار قريش الحروب إلى عُمرة الحديبية، كما ثبت في الصحيح أنه كان على خيل قريش طليعة، ثم أسلم سنة سبع بعد خيبر، وقيل قبلها، ووهم من زعم أنه أسلم سنة خمس، فقد روى ابن إسحاق عن عمرو بن العاص قال: خرجت عامدًا لرسول الله ﷺ ، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبل الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: أين تريد يا أبا سليمان؟ قال: أذهبُ، والله، أُسلمُ، فحتى متى؟ قلت: وما جئت إلا لأسلم، فقدمنا جميعًا، فتقدم خالد فأسلم فبايع، ثم دنوت فبايعته ثم انصرفت.
وفي رواية أنه كان معهما عثمان بن طلحة، فلما رآهم النبيّ ﷺ قال: رمتكم مكة بأفلاذ كبدها، ولم يزل، منذ أسلم، يوليه رسول الله ﷺ أعنة الخيل، فيكون في مقدمتها في محاربة الكفار. شهد غزوة مؤتة مع زيد بن حارثة، فلما مات الأمير الثالث: أخذ الراية، فانحاز بالناس. وخطب النبيّ ﷺ فأعلم الناس بذلك، كما في الصحيحين، وشهد مع النبي ﷺ فتح مكة، فأبلى فيه، وشهد حنينًا، وكان على مقدمة رسول الله ﷺ في بني سُلَيم، وجرح يومئذٍ، فأتاه رسول الله ﷺ في رحله، بعدما هزمت هوازن، يعوده، فنفث في جرحه فانطلق.
وبعثه ﷺ إلى جذيمة من بني عامر، فقتل منهم ناسًا لم يكن قتله لهم صوابًا، فودَّاهم رسول الله ﷺ وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، وبعثه ﵊ إلى العُزّى، وكان بيتًا كبيرًا لقريش وكنانة ومضر، صنمًا عظيمًا بنخلة، فهدمها وجعل يقول:
стр. 5325
(كفرانَكَ اليوم ولا سبحانَك ... إني رأيت الله قد أهانك)
وأخرج الترمذيّ عن أبي هُريرة قال: نزلنا مع رسول الله ﷺ منزلًا، فجعل الناس يمرون، فيقول رسول الله ﷺ : من هذا؟ فأقول: فلان، حتى مرَّ خالد فقال: من هذا؟ قلت: خالد بن الوليد، فقال: نعم عبد الله هذا سيف من سيوف الله. وأخرج أبو يعلى عن ابن أبي أوفى، رفعه "لا تؤذوا خالدًا، فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار والمنافقين".
وروى ابن عبد البر، بسنده، أن عبد الرحمن بن عوف اشتكى خالدَ بن الوليد للنبيّ ﷺ فقال: "يا خالد لم تُوذي رجلًا من أهل بدر، لو أنفقت مثل أُحُدٍ ذهبًا لم تدرك عمله؟. قال: يا رسول الله: إنهم يقعون بي فأرد عليهم، فقال: "لا تؤذوا خالدًا فإنه سيف .. " الخ وروي أيضًا عن ابن عباس قال: وقع بين خالد بن الوليد وعمّار بن ياسر كلام، فقال عمار: لقد هممت أن لا أكلمك أبدًا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "يا خالد مالك ولعمار؟ رجل من أهل الجنة قد شهد بدرًا"، وقال لعمار: "يا عمار إن خالدًا سيف من سيوف الله على الكفار". قال خالد: فما زلت أحب عمارًا من يومئذ.
وأخرج أحمد عن عبد الملك بن عمير قال: استعمل عمر أبا عبيدة على الشام، وعزل خالد بن الوليد، فقال: خالد بعث إليكم أمين هذه الأمة، فقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خالد سيف من سيوف الله، نِعمَ فتى العشيرة. وروى ابن إسحاق أن النبيّ ﷺ ، بعث خالدًا إلى أكيدر دَوْمة، فأخذوه فأتوا به، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ورده إلى قومه. وفي الصحيحين، في قصة الصدقة، فقال رسول الله ﷺ : إن خالدًا احتبس أوراعه، واعتاده في سبيل الله.
وفي البخاري عن خالد قال: لقد اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما صبرت معي إلا صفيحة يمانية. وروى يونس بن أبي إسحاق أن خالد بن الوليد، لما قدم الحرة، أتى بسُم فوضعه في راحته، ثم سمى وشرب فلم يضره. رواه أبو يعلى وابن سعد، وروى ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح عن خيثمة قال؛ أتى خالد بن الوليد رجلٌ معه زِقُّ خمرٍ فقال: اللهم اجعله عسلًا، فصار عسلًا. وفي رواية له، مرَّ بخالد بن الوليد رجل ومعه زق خمر، فقال: ما هذا؟ قال: خَل. قال: جعله الله خلًا. فنظروا فإذا هو خل وقد كان خمرًا.
وروى ابن سعد عن زياد، مولى آل خالد قال: قال خالد عند موته: ما كان في الأرض من ليلة أحب إلى من ليلة شديدة الجليد، في سَريَّة من المهاجرين، أُصَبِّح بهم العدو، فعليكم بالجهاد. وروى أبو يعلى أيضًا عن قيس أنه قال: ما ليلة يُهدى إليّ فيها عروس أنا لها محبٌّ، أو أبشر فيها
стр. 5326
بغلام، أحببّ إلى من ليلة شديدة الجليد .. نحوه. ومن هذا الوجه عن خالد "لقد شغلني الجهاد على تعلُّم كثير من القرآن".
استعمله أبو بكر على قتال أهل الردة، فأبلى في قتالهم بلاءً عظيمًا، فهزم طليحة ومن معه، ثم مضى إلى مُسَيْلَمة، فقتل اللهُ مسيلمة. وأخرج أبو زرعة الدمشقيّ أن أبا بكر عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "نِعْمَ عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله، سله الله على الكفار". ثم ولاّه حرب فارس والروم، فأثر تأثيرًا شديدًا، وافتتح دمشق.
وروى عن عروة قال: لما فرغ خالد من اليمامة، أمره أبو بكر بالمسير إلى الشام، فسلك عين التمر، وسبى ابنة الجوديّ من دومة الجندل، ومضى إلى الشام، فهزم عدو الله. واستخلفه أبو بكر على الشام إلى أن عزله عمر. وأخرج سعيد بن منصور أن خالد بن الوليد فقد قَلَنْسُوَته يوم اليرموك، فقال: اطلبوها، فلم يجدوها، فلم يزل حتى وجدوها، فإذا هي خَلِقَة، فَسُئل عن ذلك فقال: اعْتَمَر النبيّ ﷺ ، فحلق رأسه، فابتدر الناس شعره، فسبقتهم إلى ناصيته، فجعلتها في هذه القَلَنْسُوة، فلم أشهد قتالًا وهي معي إلا تبين لي النصر. وفي رواية أبي يعلى: فما وجهت في وجه إلا فتح له".
وروى البخاريّ في تاريخه: لما عزل عمرُ خالدَ بن الوليد، خطب واعتذر من عزله، فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: عزلت عاملًا استعمله رسول الله ﷺ ، ووضعت لواء رفعه رسول الله ﷺ ، فقال: إنك قريب القرابة، حديث السن، مغضَبٌ لابن عمك. وسبب عزل عمر خالدًا ما ذكره الزبير بن بكّار قال: كان خالد إذا صار إليه المال قسمه في أهل الغنائم، ولم يرفع إلى أبي بكر حسابًا، وكان فيه تقدم على أبي بكر، يفعل أشياء لا يراها أبو بكر. أقدم على قتل مالك بن نُوَيرة، ونكح امرأته، فكره ذلك أبو بكر، وعرض الدية على متمم بن نويرة، وأمر خالدًا بطلاق امرأة مالك، ولم ير أن يعزله، وكان عمر ينكر هذا وشبهه على خالد.
وروى الزبير أن عمر قال لأبي بكر: اكتب إلى خالد لا يعطى شيئًا إلا بأمرك، فكتب إليه بذلك، فأجابه خالد "إما أن تدعني على عملي، وإلا فشأنك بعملك"، فأشار عليه عمر بعزله، فقال أبو بكر: فمن يجزي عني جزاء خالد؟ قال عمر: أنا، قال: فأنت، فتجهز عمر حتى أنيخ الظهر في الدار، فمشى أصحاب النبيّ ﷺ إلى أبي بكر، فقالوا: ما شأن عمر يخرج وأنت محتاج إليه؟ وما بالك عزلت خالدًا وقد كفاك؟ قال: فما أصنع؟ قالوا: تعزم إلى عمر فيقيم، وتكتب إلى خالد فيقيم على عمله، ففعل. فلما ولي عمر، كتب إلى خالد أن لا تعطي شاة ولا بعيرًا إلا بأمري، فكتب إليه خالد بمثل ما كتب لأبي بكر، فقال عمر: ما صدقت الله إن كنت أشرت على أبي بكر بأمر فلم أنفذه، فعزله. ثم كان يدعوه إلى العمل فيأبى إلا أن يخليه يفعل ما يشاء، فيأبى عمر.
стр. 5327
وكان عمر يشبه خالدًا كثيرًا، فقد روى يعقوب بن سفيان، بإسناد صحيح عن الحسن قال: لقي عمر علقمة بن عُلَاثة في جوف الليل، وكان عمر يشبَّه بخالد بن الوليد، فقال له علقمة: يا خالد عزلك هذا الرجل، لقد أبى إلا شحًا حتى لقد جئت إليه وابن عمي. نسأله شيئًا، فأما إذ فعل فلن أسأله شيئًا. فقال له عمر: هيه مما عندك فقال: هم قوم لهم علينا حق فنؤدي لهم حقهم، وأجرنا على الله، فلما أصبحوا قال عمر لخالد: ماذا قال لك علقمة منذ الليلة؟ قال: والله ما قال لي شيئًا، فأجار علقمة، وقضى حاجته. ولما حضرت خالدًا الوفاة، أوصى إلى عمر، فتولى عمر وصيته، وسمع عمر راجزًا يذكر خالدًا فقال: رحم الله خالدًا، فقال له طلحة بن عبيد الله:
لا أَعرفَنَّكَ بعد الموت تَنْدُبني ... وفي حياتي ما زودتني رادي
فقال عمر إني ما عتبت على خالد إلا في تقدمه، وما كان يصنع في المال.
وروى ابن المبارك عن أبي وائل قال: لما حضرت خالدًا الوفاة قال: لقد طلبت القتل في مِظَانِّه. فلم يقدر لي، إلَّا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي، بعد لا إله إلا الله، من ليلة بتها وأنا مُتَتَرِّسٌ، والسماء تُهِلُّني تمطر إلى الصبح، حتى نغير على الكفار. ثم قال: إذا أنا مت، فانظروا في سلاحي وفرسي، فاجعلوه عدة في سبيل الله.
وروى ابن عبد البر قال: لما حضرت خالدًا الوفاة قال: لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة، أو طعنة، أو رمية، ثم ها أنا أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء.
مات خالد سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين، في خلافة عمر بن الخطاب، بحمص على الصحيح. ودُفن في قرية على ميل منها. قال الواقدي: سألت عنها فقيل: قد اندثرت. وقيل: مات بالمدينة، وحضر عمر جنازته، ولما خرج عمر مع جنازته قال: ما على نساء آل الوليد أن يسفحنَ على خالد دموعهن، ما لم يكن نَقْعًا أو لَقْلَقة. وروى ابن عبد البر هذا المعنى بوجه يمكن معه موت خالد بحمص، فقال: بلغ عمرًا أن نسوة من نساء بني المغيرة اجتمعن في دار يبكين على خالد بن الوليد، فقال عمر: وما عليهن أن يبكين أبا سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة. وذكر محمد بن سلام قال: لم تبق إمرأة من بني المغيرة إلا وضعت لِمَّتَها على قبر خالد، يقول: حلقت رأسها.
له ثمانية عشر حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاريّ بحديث موقوف عليه، روى عنه ابن عباس وقيس بن أبي حازم وجابر والمقدام بن معدي كرب. هذا الحديث أخرجه البخاريّ أيضًا في الجهاد وفي علامات النبوءة وفي فضل خالد وفي المغازي، والنسائي في الجنائز. ثم قال المصنف:
стр. 5328
باب الإِذن بالجنازة
قال ابن رشيد: الإِذن بكسر الهمزة وسكون المعجمة، وضبطه ابن المرابط بمد الهمزة وكسر الذال، على وزن الفاعل، والأول أوجه، والمعنى الإعلام بالجنازة إذا انتهى أمرها، ليصلى عليها. قيل: هذه الترجمة تغاير التي قبلها، من جهة أن المراد بها الإِعلام بالنَّفْس وبالغير، وقال الزين بن المنير: هي مرتبة على التي قبلها؛ لأنّ النعي إعلام من لم يتقدم له علم بالميت، والإِذن إعلام من علم بهيئته أمره وهذا أحسن.
ثم قال: وقال أبو رافع عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي ﷺ : "ألا كنتم آذنتموني؟ ". مناسبته للترجمة واضحة، وهذا التعليق طرف من حديث أخرجه في باب كنس المسجد، ومرَّ الكلام عليه هناك، وأبو رافع قد مرَّ في الثالث والثلاثين من الغُسل، ومرَّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان.
الحديث العاشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَاتَ إِنْسَانٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ فَمَاتَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلاً، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ فَقَالَ مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي. قَالُوا كَانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ. فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.
قوله: وكان الليل، بالرفع، وكذا قوله: وكانت ظلمةٌ، فكان فيهما تامة، وقوله: قبره، فصلى عليه، قد مرَّ استيفاء الكلام على الصلاة على القبر، وعلى جميع مباحث هذا الحديث، عند حديث أبي هُريرة في باب كنس المسجد. والإِنسانُ المصلَّى على قبره هو طلحةُ بن البَرَاء، ويأتي تمام تعريفه في سند هذا الحديث.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، وفيه ذكر إنسان مبهم، الأول محمد غير منسوب، وهو إما محمد بن سلام، أو ابن المثنى؛ لأنّ كلًا منهما يروى عن أبي معاوية، والأول مرَّ في الثالث عشر من الإيمان، ومرَّ الثاني
стр. 5329
في التاسع منه، ومرَّ أبو معاوية في تعليق بعد الثالث منه، ومرَّ الشَّعبيّ في الثالث منه، ومرَّ أبو إسحاق الشيباني في السابع من الحيض، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
والإنسان المبهم، قيل إنه أم مِحْجَن، وقد مرت في الحادي والستين من استقبال القبلة، والصحيح أنه طلحة بن البراء بن عمير بن وَبْرة بن ثعلبة بن غَنم بن سَرِيّ بن سَلَمة بن أُنيف البَلَوِيّ، حليف بن عمرو بن عوف الأنصاري.
أخرج أبو داود والطبراني والبَغويّ أنه لما لقيَ النبيّ ﷺ ، جعل يدنو منه ويلصق به، ويقبل قدميه، فقال له: يا رسول الله، مرني بما أحببت لا أعصي لك أمرًا، فعجب النبيّ ﷺ ، لذك سر به وهو غلام فقال له: إذهب فاقتل أباك، فذهب ليفعل فدعاه، فقال: "أقبل، فإني لم أُبعث بقطيعة رحم". وأخرجه ابن السكن عنه أنه أتى النبيّ ﷺ فقال: ابسط يدك أُبايعك، قال: على ماذا؟ قال: على الإِسلام، قال: وإن أمرتك أن تقتل أباك؟ قال: لا، ثم عاد، فقال مثل قوله، حتى فعل ذلك ثلاثًا، فقال: نعم.
وكانت له والدة، وكان من أبر الناس بها، فقال: يا طلحة، إنه ليس في ديننا قطيعة رحم، ولكن أحببت أن لا يكون في دينك ريبة، ثم مرض طلحة بعد ذلك، فروى أبو داود وغيره، أن النبيّ ﷺ أتاه يعوده فقال: إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت، فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لمسلم أن يحبس بين ظهراني أهله، فتوفي ليلًا، وقال: ادفنوني وألحقوني بربي، ولا تدعو رسول الله ﷺ ، فإني أخاف عليه اليهود، وأن يصاب بسببي، فأُخبر رسول الله ﷺ حين أصبح فجاء حتى وقف على قبره، وصف الناس معه، ثم رفع يديه وقال: "اللهم القَ طلحةَ وأنت تضحك إليه، وهو يضحك إليك". وفي رواية أنه قال: "لا ترسلوا إليه في هذه الساعة، فتلسعه دابة، أو يصيبه شيء، ولكن إذا أصبحتم فاقرؤوه مني السلام، وقولوا له: فليستغفر لي".
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالأفراد والأخبار بالجمع، والعنعنة والقول، وشيخ البخاريّ من أفراده، وهو بِيْكَنديُّ بخاريٌّ، وبقية الرواة كوفيون، أخرجه البخاريّ في الصلاة، وفي الجنائز، ومسلم في الجنائز، وكذا أبو داود والترمذيّ والنسائي ابن ماجة. ثم قال المصنف:
стр. 5330
باب "فضل من مات له ولد فاحتُسِب "
قال الزين بن المنير: عبّر المصنف بالفضل ليجمع بين مختلف الأحاديث الثلاثة التي أوردها، لأنّ في الأول دخول الجنة، وفي الثاني الحجب عن النار، وفي الثالث تقييد الولوج بتحِلَّة القَسَم وفي كل منها ثبوت الفضل لمن وقع له ذلك، ويجمع بينها بأن يقال: الدخول لا يستلزم الحجب ففي ذكر الحجب فائدة زائدة؛ لأنها تستلزم الدخول من أول وهلة، وأما الثالث، فالمراد بالولوج الورود، وهو المرور على النار، كما يأتي البحث فيه عند قوله: "إلا تحلة القسم".
والمار عليها على أقسام؛ منهم من لا يسمع حَسِيسها، وهم الذين سبقت لهم الحسنى من الله، كما في القرآن، فلا تنافي مع هذا، أبين الولوج والعجيب، وعبر بقوله: "ولد" ليتناول الواحد فصاعدًا، إن كان الحديث قد قيد بثلاث، لكن وقع في بعض طرق الحديث ذكر الواحد، وقد مرت الأحاديث الدالة على ذلك في باب "هل يجعل للنساء يومًا على حدة في العلم".
ثم قال: وقول الله ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، في رواية كريمة والأصيليّ: وقال الله، وأراد بذلك الآية التي في البقرة، وقد وصف فيها الصابرون بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، فكأن المصنف أراد تقييد ما أطلق في الحديث بهذه الآية الدالة على ترك القلق والجزع، ولفظ المصيبة في الآية، وإن كان عامًا، لكنه يتناول المصيبة بالولد، فهو من أفراده.
الحديث الحادي عشر
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلاَثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ، إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ".
قوله: ما من الناس من مسلم، قيّده به ليخرج الكافر، ومِن الأُوْلى بيانية، والثانية زائدة، وسقطت من رواية ابن علية عن عبد العزيز، كما سيأتي في أواخر الجنائز، ومسلم إسم ما، والاستثناء وما معه الخبر، والحديث ظاهر في اختصاص ذلك بالمسلم، لكن هي يحصل ذلك لمن مات له أولاد في الكفر ثم أسلم؟ فيه نظر، ويدل على عدم ذلك حديث أبي ثعلبة الأشجعيّ قال:
стр. 5331
قلت: يا رسول الله، مات لي ولدان. قال: "من مات له ولدان في الإِسلام أدخله الله الجنة". أخرجه أحمد والطبرانيّ، وعن عمر وابن عَنْبَسَةَ مرفوعًا. "من مات له ثلاثة أولاد في الإِسلام، فماتوا قبل أن يبلغوا أدخله الله الجنة، أخرجه أحمد أيضًا، وأخرج أيضًا عن رجاء الأسلمية قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله لي في ابن لي بالبركة، فإنه قد توفي لي ثلاثة، فقال: أو أَسْلَمْتِ؟ قالت: نعم، فذكر الحديث.
وقوله: يُتوفى له، بضم أوله، وفي رواية ابن ماجه "ما من مسلمَيْن يتوفى لهما"، والظاهر أن المراد من ولده الرجل حقيقة، ويدل عليه رواية النَّسَائي عن أنس "من احتسب من صلبه ثلاثة" وكذا حديث عقبة بن عامر، وهل يدخل في الأولاد أولاد الأولاد .. إلى آخر ما مرَّ في باب "يجعل للنساء يومًا"، وقوله: ثلاثة، كذا للأكثر، وهو الموجود في غير البخاري، وفي رواية كريمة والأصيلي "ثلاث" بحذف الهاء، وهو جائز لكون المميز محذوفًا، وفي حديث أبي هريرة، مرفوعًا عند المصنف في "الرقاق" يقول الله : "ما لعبدي المؤمن عندي، إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتَسَبَه إلّا الجنة".
وقوله: ثم احتسبه، أي صبر راضيًا بقضاء الله راجيًا فضله، ولم يقع التقييد بذلك في أحاديث، وكأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه، كما في حديث جابر بن سمرة وحديث جابر بن عبد الله المذكورين في باب "هل يجعل للنساء يومًا"، وفي رواية ابن حِبّان والنَّسائي عن أنس، رفعه "من احتسب من صُلبه ثلاثة دخل الجنةَ" .. الحديث.
ولمسلم عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا "لا يموت لأحداكنَّ ثلاثة من الولد، فتحتسبهم إلا دخلت الجنة" الحديث. ولأحمد والطبرانيّ عن عُقبة بن عامر، رفعه "من أعطى ثلاثةً من صلبه، فاحتسبهم على الله، وجبت له الجنة" وفي الموطأ عن أبي النضر السُّلَمي، رفعه "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فيحتسبهم إلا كانوا جنَّة من النار .. " الحديث.
وقد عرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتب إلا على النية، فلابد من قيد الاحتساب، والأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة، ولكن أشار الإِسماعيليّ إلى اعتراض لفظيّ، فقال: يقال في البالغ: احتُسِب وفي الصغير افْتُرِط. وبذلك قال الكثير من أهل اللغة، لكن لا يلزم، من كون ذلك هو الأصل، أن لا يستعمل هذا موضع هذا، بل ذكر ابن دريد وغيره: احتسبَ فلان بكذا طلب اجرًا عند الله، وهذا أعم من أن يكون لكبير أو صغير. وقد ثبت ذلك في الأحاديث التي ذكرناها، وهي حجة في صحة هذا الاستعمال.
وقوله: لم يبلغوا الحِنْث، قد مرَّ استيفاء ما فيه عند ذكره في باب "هل يجعل للنساء يومًا" على
стр. 5332
حدة في العلم. وقوله: إلَّا أدخله الله الجنة، في حديث عُتبة بن عبد الله السُّلَمي عند ابن ماجه، بإسناد حسن، نحو حديث الباب، لكن فيه "إلَّا تَلَقَّوه من أبواب الجنة الثمانية، من أيها شاء دخل" وهذا زائد على مطلق دخول الجنة، ويشهد له ما رواه النَّسائي بإسناد صحيح عن معاوية ابن قُرَّة عن أبيه، مرفوعًا في أثناء حديث "ما يسرُّك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى بفتح لك".
وقوله: بفضل رحمته إياهم، أي بفضل رحمة الله للأولاد، وقال ابن التين: قيل إن الضمير في رحمته للأب، لكونه كان يرحمهم في الدنيا، فيجازي بالرحمة في الآخرة، والأوَّلُ أولى، ويؤيده أن في رواية ابن ماجه، من هذا الوجه، "بفضل رحمة الله إياهم" وللنَّسَائيّ عن أبي ذَرٍ "إلَّا غفر الله لهما بفضل رحمته" وللطبرانيّ وابن حِبّان عن الحارث بن أُقَيْشٍ، وهو بقاف ومعجمة مصغر، مرفوعًا "ما من مسلِمَيْن يموت لهما أربعة أولاد، إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته"، وفي حديث عمرو بن عنبسة المتقدم "إلا أدخله الله برحمته، هو وإياهم" قاله بعد قوله "من مات له ولدان" فوضح بذلك أن الضمير في قوله: إيَّاهم، للآباء لا للأولاد.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرَّ أبو معمر وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرَّ عبد العزيز بن صُهيب في الثامن من الإيمان، وأنس في السادس منه، فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم بصريون، وهو من الرباعيات، أخرجه النسائي وابن ماجه في الجنائز.
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضى الله عنه أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا. فَوَعَظَهُنَّ، وَقَالَ أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ كَانُوا حِجَابًا مِنَ النَّارِ. قَالَتِ امْرَأَةٌ وَاثْنَانِ. قَالَ: وَاثْنَانِ.
قوله: اجعل لنا يومًا، تقدم في العلم في الباب المذكور آنفًا بأتم من هذا، وقوله: ما من امرأة، إنما خص المرأة بالذكر لأنّ الخطاب حينئذ كان للنساء، وليس له مفهوم لما في بقية الطرف. وقوله: ثلاثة، في رواية أبي ذَرٍّ "ثلاث"، وقد تقدم توجيهه في الذي قبله، وقوله: من الوَلَد، بفتحتين، وهو يشمل الذكر والأنثى، والجمع والمفرد، كما مرَّ دليل ذلك، وقوله: "إلا كانوا" في رواية المستملي والحموي "إلا كُنَّ" بضم الكاف وتشديد النون، وكأنه أنَّث باعتبار الأنفس أو النسمة. وفي رواية أبي الوقت "إلا كانوا لها حجابًا" وقوله: قالت امرأة، قد تقدم في كتاب "العلم" في الباب المذكور ما في المرأة من الخلاف، وتقدمت مباحثه هناك.
стр. 5333
رجاله خمسة:
قد مرّوا، وفيه لفظ امرأة مبهمة، مرَّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإِيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ أبو سعيد الخدريّ في الثاني عشر منه، ومرَّ ذكوان أبو صالح السّمان في الثاني منه، ومرَّ عبد الرحمن بن الأصبهاني في الثاني والأربعين من العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته بصريّ وواسطيّ وكوفيّ ومدنيّ، أخرجه البخاريّ في مواضع قد مرَّ ذكرها في باب "هل يجعل للنساء يومًا"، وأخرجه مسلم والنَّسائي. والمرأة المبهمة في الحديث أم سليم، أم أنس بن مالك، وقد مرت في السبعين من العلم.
ثم قال: وقال شريك عن ابن الأصبهاني: حدثني أبو صالح عن أبي سعيد وأبي هُريرة عن النبيّ ﷺ : لم يبلغوا الحِنْثَ، وصله ابن أبي شَيْبَةَ عنه بلفظ "حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني قال: أتاني أبو صالح يعزّيني في ابن لي، فأخذ يحدّث عن أبي سعيد وأبي هُريرة أن النبيّ ﷺ قال: ما من امرأة تدفن ثلاثة أفراط إلا كانوا لها حجابًا من النار، فقالت امرأة: يا رسول الله، قدمتُ اثنين. قال: واثنين، ولم تسأله عن الواحد". قال أبو هريرة: من لم يبلغ الحنث.
وهذا السياق ظاهرة أن هذه الزيادة عن أبي هُريرة موقوفة، ويحتمل أن يكون المراد أن أبا هُريرة وأبا سعيد اتفقا على السياق المرفوع، وزاد أبو هُريرة في حديثه هذا القيد، وهو مرفوع أيضًا، وقد تقدم في العلم، من طريق أخرى عن شعبة عن أبي حازم عن أبي هُريرة، وقال: "ثلاثة لم يبلغوا الحنث" وهذه الزيادة في حديث أبي سعيد من رواية شريك، وفي حفظه نظر، لكنها ثابتة عند مسلم من رواية شعبة عن ابن الأصبهاني.
رجاله مرَّ محلها في الذي قبله إلا شريك، وشريك هو ابن عبد الله، وقد مرَّ في الخامس من العلم، وإلا أبو هريرة، وقد مرَّ في الثاني من الإِيمان.
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لاَ يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَيَلِجَ النَّارَ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ".
قوله: لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد، في "الأطراف" للمزيّ هنا "لم يبلغوا الحنث"، وليست
стр. 5334
في رواية ابن عُيينة عند البخاريّ ولا مسلم، وإنما هي في متن الطريق الآخر، وفائدةُ إيراد هذه الطريق الأخيرة عن أبي هريرة، أيضًا، ما في سياقها من العموم في قوله: "لا يموت لمسلم .. " الخ، لشموله النساء والرجال، بخلاف روايته الماضية، فإنها مقيدة بالنساء.
وقوله: فيلجَ النار، بالنصب؛ لأنّ الفعل المضارع ينصب بعد النفي بتقدير أنْ، لكن حكى الطيبيّ أن شرطه أن يكون بين ما قبل الفاء وما بعدها سببية، ولا سببية هنا، إذ لا يجوز أن يكون موت الأولاد ولا عدمه سببًا لولوج من وَلَدهم النار، قال: وإنما الفاء بمعنى الواو التي للجمع، وتقريره لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من ولده، وولوجه النار لا محيد عن ذلك، إن كانت الرواية بالنصب، وهذا قد تلقَّاه جماعة عن الطيبيّ، وأقروه عليه، وفيه نظر لأنّ السببية حاصلة بالنظر إلى الاستثناء؛ لأنّ الاستثناء بعد النفي إثبات، فكان المعنى أن تخفيف الولوج مسبب عن موت الأولاد، وهو ظاهر لأنّ الولوج عام، تخفيفه يقع بأمور منها موت الأولاد بشرطه، وما ادعاه من أن الفاء بمعنى الواو التي للجمع فيه نظر وفي شرح "المشارق" للشيخ أكمل الدين، المعنى أن الفعل الثاني لم يحصل عقب الأول، فكأنه نفى وقوعهما بصفة أن يكون الثاني عقب الأول، لأنّ المقصود نفي الولوج عقب الموت، قال الطيبيّ: وإن كانت الرواية بالرفع، فمعناه لا يوجد ولوج النار عقب موت الأولاد إلا مقدارًا يسيرًا. وفي رواية مالك عن الزهريّ في الإِيمان والنذور بلفظ "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسُّه النار إلا تحلة القسم".
وقوله: تمسُّه بالرفع جزمًا، وقوله: إلا تحلة القسم، بفتح المثناة وكسر المهملة وتشديد اللام، أي ما ينحل به القسم، وهو اليمين، وهو مصدر حَلَّلَ اليمينِ، أي: كفَّرها يقال حلل تحليلًا. وتَحِلَّةَ وتَحلَّلًا بغير هاء، وهو شاذ، وقال أهل اللغة يقال فَعَلْتُه تحِلَّة القسم، أي: قدر ما حللت به يميني، ولم أبالغ. وقال الخطابي: حللت القسم تحلة أي: أبرزتها. وقال القرطبيّ اختلف في المراد بهذا القسم فقيل: هو مُعين وقيل غير معين، والجمهور على الأول، وقيل لم يعني به قسم بعينه، وإنما معناه التقليل لأمر ورودها، وهذا اللفظ يستعمل في هذا تقول: لا ينام هذا إلا لتحليل الألِيَّة. وتقول ما ضربته إلا تحليلًا إذا لم تبالغ في الضرب، أي: قدرًا يصيبه منه مكروه. وقيل الاستثنا بمعنى الواو، أي: لا تمسه النار قليلًا ولا كثيرًا، ولا تحلة القسم.
وقد جوز الفراء والأخفش مجيء إلا بمعنى الواو، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ قال الخطابيّ: لا يدخل النار ليعاقب بها، ولكنه يدخلها مجتازًا، ولا يكون ذلك الجواز إلا قدر ما يحلل به الرجل يمينه، ويدل على ذلك ما عند عبد الرزاق عن الزهريّ في آخر هذا الحديث "إلا تحلة القسم" يعني الورود، وفي سنن سعيد بن منصور عن سُفيان بن عُيَينة في آخره، ثم قرأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، ومن طريق زمعة بن صالح عن الزهريّ في آخره قيل: وما تحلة القسم؟ قال قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ وفي رواية كريمة قال أبو عبد الله:
стр. 5335
وإن منكم إلا واردها، وحكاه عبد الملك بن حبيب عن مالك في تفسير هذا الحديث، وروى الطبراني عن عبد الرحمن بن بشر الأنصاريّ مرفوعًا "من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، لم يرد النار إلا عابر سبيل" يعني الجواز على الصراط.
وجاء مثله في حديث آخر أخرجه الطبرانيّ عن سهل بن معاذ بن أنس الجهنيّ عن أبيه، مرفوعًا "من حرس وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لم ير النار بعينه إلا تحلة القسم فإن الله قال وإن منكم إلا واردها" واختلف في موضع القسم من الآية، فقيل: هو مقدر أي، والله إن منكم، وقيل معطوف على القسم الماضي في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أيْ وربك إن منكم، وقيل هو مستفاد من قوله تعالى: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ أي: قسمًا واجبًا. كذا رواه الطبرانيّ عن مُرة عن ابن مسعود، وعن ابن أبي نجيح عن مُجاهد، وعن سعيد عن قتادة في تفسير هذه الآية.
وقال الطيبيّ: يحتمل أن يراد بالقسم ما دَل على القطع والبت من السياق، فإن قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ تقدير وتذييل لقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ فهذا بمنزلة القسم، بل أبلغ، لمجيء الاستثناء بالنفي والإِثبات.
وقد اختلف في المراد بالورود في الآية، فقيل: هو الدخول، روى عبد الرزاق عن عمرو بن دينار: أخبرني من سمع من ابن عباس: فذكره، وروى أحمد والنسائي والحاكم عن جابر، مرفوعًا "الورود الدخول، ولا يبقى بَرٌّ ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا" ورواه ابن أبي شيبة أيضًا، وزاد "كما كانت على إبراهيم، حتى أن للنار أو لجهنم ضجيجٌ من بردهم، ثم ينجي الذين اتَّقَوا، ويذر الظالمين فيها جثيًا".
وروى التِّرمذيّ وابن أبي حاتم عن السَّديّ "سمعت مُرَّة يحدث عن ابن مسعود قال: يردونها أو يلجونها، ثم يصدرون عنها بأعمالهم" قال عبد الرحمن بن مَهْديّ: قلت لشعبة: إن إسرائيل يرفعه، قال: صدق، وعمَدَا أدعه. وقيل: المراد بالورود الممر عليها. رواه الطبريّ عن أبي هريرة، وعن عبد الله بن مسعود، وعن قتاد وعن كعب الأحبار، وزاد "يستوون كلهم على متنها، ثم ينادي منادٍ: امسكي أصحابك، ودعي أصحابي" فيخرج المؤمنون أندية أبدانهم، وهذان القولان أصح ما ورد في ذلك، ولا تنافي بينهما، لأنّ من عَبّر بالدخول، تجوَّز به عن المرور. ووجهه أن المار عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارة باختلاف أعمالهم، فأعلاهم درجة من يمر كلمع البرق، وقد مرَّ تفصيل ذلك مستوفى في "باب فضل السجود" من صفة الصلاة.
ويؤيد هذا التأويل ما رواه مسلم عن أم مُبَشِّر، أن حفصة قالت للنبيّ ﷺ ، لما قال لها: "لا يدخل أحد شهد الحُديْبية النار": أليس الله يقول ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال لها: أليس الله
стр. 5336
يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ...﴾ الآية. وفي هذا ضعف قول من قال إن الورود مختص بالكفار، ومن قال معنى الورود الدنو منها، ومن قال معناه الإشراف عليها، ومن قال معنى ورودها ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى، على أن هذا الأخير غير بعيد، ولا تنافيه بقية الأحاديث.
وفي الحديث أن أولاد المسلمين في الجنة؛ لأنه يبعد أن الله تعالى يغفر للآباء بفضل رحمته للأبناء، ولا يرحم الأبناء. وقد مرَّ الكلام على أولاد المسلمين مستوفى في باب "هل يجعل للنساء يومًا على حدة" في العلم، ويأتي ما قيل في أولاد المشركين، إن شاء الله تعالى، في باب "ما قيل في أولاد المشركين" في آخر الجنائز.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، قد مرَّ عَليّ بن المَدينيّ في الرابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عُيَينة في الأول من بدء الوحي، والزهريّ في الثالث منه، وسعيد بن المسيب في التاسع عشر من الإيمان، ومرَّ أبو هريرة في الثاني.
أخرجه مسلم في الأدب، والنَّسائي في التفسير، وابن ماجه في الجنائز. ثم قال المصنف:
стр. 5337
باب قول الرجل للمرأة عند القبر: اصبري
مناسبة هذه الترجمة لما قبلها بجامع ما بينهما من مخاطبة الرجل المرأة بالموعظة،؛ لأنّ في الأول جواز مخاطبتها بما يرغبها في الأجر، إذا احتسبت مصيبتها، وفي هذا مخاطبتها بما يرهبها من الإثم، لما تضمنه الحديث من الإِشارة إلى أن عدم الصبر ينافي التقوى، قال الزين بن المنير ما محصله: عبَّر بقوله: الرجل، ليوضح أن ذلك لا يختص بالنبي ﷺ ، وعبر بالقول دون الموعظة ونحوها، لكون ذلك الأمر يقع على القدر المشترك من الوعظ وغيره، واقتصر على ذكر الصبر دون التقوى، لأنه المتيسر حينئذ، المناسب لما هي فيه.
قال: وموضع الترجمة من الفقه جواز مخاطبة الرجال النساء في مثل ذلك، بما هو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو موعظة أو تعزية، وأن ذلك لا يختص بعجوز دون شابة، لما يترتب عليه من المصالح الدينية.
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِىَ تَبْكِي فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي.
قوله: بامرأة، قال في الفتح: لم أقف على اسمها ولا اسم صاحب القبر، وفي رواية لمسلم ما يشعر بأنه ولدها، ولفظه "تبكي على صبي لها"، وصرح به في مرسل يحيى بن أبي كثير عند عبد الرزاق، ولفظه "قد أصيبت بولدها"، وسيأتي في أوائل كتاب الأحكام، عن شعبة عن ثابت، أن أنسًا قال لامرأة من أهله: تعرفين فلانة؟ قالت: نعم. قال: كان النبيّ ﷺ مرَّ بها، فذكر الحديث.
وقوله: فقال اتقي الله، في رواية أبي نعيم في "المستخرج" فقال: يا أَمةَ الله، اتقي الله. قال القرطبيّ: الظاهر أنه كان في بكائها قدر زائد من نَوْح أو غيره، ولهذا أمرها بالتقوى. ويؤيده أن في مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور "فسمع منها ما يكره، فوقف عليها"
وقال الطيبيّ: قوله: اتقي الله، توطئة لقوله "واصبري" كأنه قال لها: خافي غضب الله إن لم تصبري، ولا تجزعي ليحصل لك الثواب، واقتصر المصنف هنا على هذا القدر من الحديث،
стр. 5338
وذكر تكملته في باب زيارة القبور، وهي: قالت إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه. فقيل لها: أنه النبيّ ﷺ ، فأتت باب النبيّ ﷺ ، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".
قوله: إليك عني، هو من أسماء الأفعال، ومعناه تَنَحّ وابعد. وقوله: لم تُصَب بمصيبتي، يأتي في الأحكام من وجه آخر عن شعبة، بلفظ "فإنك خِلْوٌ من مصيبتي" بكسر المعجمة وسكون اللام، ولمسلم "ما تبالي بمصيبتي"، ولأبي يعلى عن أبي هُريرة أنها قالت: يا عبد الله، إنّي أنا الحَرَّى الثَّكْلى، ولو كنت مصابًا عذرتني.
وقوله: ولم تعرفه، جملة حالية، أي: خاطبته بذلك ولم تعرف أنه رسول الله ﷺ ، وقوله: فقيل لها، في رواية الأحكام "فمر بها رجل، فقال: إنه رسول الله، فقالت ما عرفته". وفي رواية أبي يعلى المذكورة قال: فهل تعرفينه؟ قالت: لا. وللطبرانيّ في الأوسط عن عطية عن أنس، أن الذي سألها هو الفضل بن العباس، وزاد مسلم في رواية لها "فأخذها مثلُ الموت"، أي: من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه النبيّ ﷺ ، خجلًا منه ومهابة.
وقوله: فلم تجد عنده بوابين، في رواية الأحكام "بوابًا" بالإِفراد. قال الزين بن المنير: فائدة هذه الجملة، من هذا الخبر، بيانُ عذر هذه المرأة في كونها لم تعرفه، وذلك أنه كان من شأنه أن لا يتخذ بوابًا مع قدرته على ذلك، تواضعًا. وكان من شأنه أنه لا يستتبع الناس وراءه إذا مشى، كما جرت عادة الملوك والأكابر، فلذلك اشتبه على المرأة، فلم تعرفه، مع ما كانت فيه من شاغل الوَجْد والبكاء.
قلت: الجملة الثانية ظاهرة في عذر المرأة، وأما الأُولى فلم تطلع عليها إلا بعد المراجعة، فلا عذر لها بها. وقال الطيبيّ: فائدةُ هذه الجملة أنه لما قيل لها أنه النبيّ ﷺ استشعرت خوفًا وهيبة في نفسها، فتصورت أنه مثل الملوك له حاجبٌ وبوابٌ يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته.
وقوله: فقالت لم أعرفك، في حديث أبي هريرة "فقالت والله ما عرفتك". وقوله: إنما الصبر عند الصدمة الأولى، في رواية الأحكام "عند أول صدمة" ونحوه لمسلم، والمعنى إذا وقع الثبات أولَ شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع، فذلك هو الصبر الكأس الذي يترتب عليه الأجر، وأصل الصدم ضرب الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة الواردة على القلب.
قال الخطابي: المعنى أن الصبر، الذي يحمد عليه صاحبه، ما كان عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك، فإنه على الأيام يسلو. وحكى الخطابيّ عن غيره أن المرء لا يؤجر على
стр. 5339
المصيبة لأنها ليست من صنعه، وإنما يؤجر على حُسْن تثبته وجميل صبره. وقال ابن بطال: أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك وفقد الأجر. وقال الطيبيّ: صدر هذا الجواب منه ﵊ عند قولها: لم أعرفك، على أسلوب الحكيم، كأنه قال لها: دعي الاعتذار، فإني لا أغضب لغير الله، وانظري إلى نفسك.
وقال الزين بن المنير: فائدة جواب المرأة بذلك أنها لما جاءت طائعة، لما أمرها به من التقوى والصبر، معتذرة عن قولها الصادر عن الحزن، بيَّن لها أن حق هذا الصبر أنْ يكون في أول الحال، فهو الذي يترتب عليه الثواب، ويؤيده أن في رواية أبي هريرة المذكورة "فقالت: أنا أصبر، أنا أصبر" وفي مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور تأخرت بعد الدفن عند القبر، والزيارة إنما تطلق على من أنشا إلى القبر قصدًا من جهة استواء الحكم في حقها، حيث أمرها بالتقوى والصبر لما رأى من جزعها، ولم ينكر عليها الخروج من بيتها، فدل على أنه جائز، وهو أعم من أن يكون خروجها لتشييع ميتها، فأقامت عند القبر بعد الدفن، وأنشات قصد زيارته بالخروج بسبب الميت.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم. ما كان فيه ﵊ من التواضع والرفق بالجاهل، ومسامحة المصاب وقبول اعتذاره، وملازمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيه أن القاضي لا ينبغي له أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس، وأن من أمر بمعروف ينبغي له أن يقبل ولو لم يعرف الأمر وفيه أن الجزع من المنهات، لأمره لها بالتقوى مقرونًا بالصبر. وفيه الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة، ونشر الموعظة، وأن المواجهة بالخطاب، إذا لم تصادف المنوي، لا أثر لها.
وبنى عليه بعضهم ما إذا قال: يا هند أنت طالق، فصادف عَمْرة أنَّ عمرة لا تطلق، وعند المالكية تطلق في هذه الصورة هند في الفتوى والقضاء، ولا تطلق عمرة في الفتوى، وتطلق في القضاء. ويأتي بعض ما يستفاد منه في زيارة القبور.
رجاله أربعة:
قد مرّوا، وفيه ذكر امرأة مبهمة، مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإِيمان، ومرَّ أنس في السادس منه، ومرَّ ثابت البثانيّ في تعليق بعد الخامس من العلم، والمرأة المبهمة، قال في الفتح: لم أقف على اسمها، ولا على اسم صاحب القبر. والحديث أخرجه البخاريّ أيضًا في الجنائز وفي التوحيد، ومسلم في الجنائز، وكذا أبو داود والتّرمذيّ والنَّسائي. ثم قال المصنف:
стр. 5340
باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسِّدْر
أي: بيان حكمه، وقد نقل النوويّ الإِجماع على أن غسل الميت فرض كفاية، وهو ذهول منه شديد، فإن الخلاف مشهور عند المالكية، حتى أن القرطبيّ في شرح مسلم رجَّح أنه سنّة، ولكن الجمهور على وجوبه، وأجاب العينيّ عن النوويّ بأن مراد القرطبيّ بقوله: "سنة" أي: مؤكدة، وهي في قوة الوجوب، وهذا الجواب باطل، فإن الخلاف عند المالكية في وجوبه وسنته مشهور، وهو نص خليل في مختصره، وقد رد ابن العربي على من لم يقل بالوجوب، فقال: قد توارد به القول والعمل، وغُسِل الطاهرُ المطهرُ فكيف بمن سواه؟ وأصل وجوب غسل الميت، ما في المسند، أن آدم ﵊ غسلته الملائكة وكفنوه وحنطوه، وحفروا له وألحدوا وصلوا عليه. ثم دخلوا قبره فوضعوه فيه، ووضعوا عليه اللِّبن، ثم خرجوا من قبره، ثم حثوا عليه التراب، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سبيلكم، ورواه البيهقيّ بمعناه.
وأما قوله: ووضوئه، فقال ابن المنير: ترجم بالوضوء، ولم يأت له بحديث، فيحتمل أن يريد انتزاع الوضوء من الغسل؛ لأنه منزل على المعهود من الأغسال، كغُسل الجنابة، أو أراد وضوء الغاسل، أي: لا يلزمه وضوء، ولهذا ساق أثر ابن عمر، وفي عود الضمير على الغاسل، ولم يتقدم له ذكر بعد، إلا أن يُقال: تقديرا لترجمة "باب غسل الميت" فالمصدر مضاف لمفعوله، لأنّ الميت لا يتولى ذلك بنفسه، فيعود الضمير على المحذوف فيتجه، قلت: على هذا أيضًا الأولى عَودُ الضمير إلى أقرب مذكور.
قال في الفتح: والذي يظهر أنه أشار كعادته إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، مما يأتي قريبًا، في حديث أم عطية "ابْدأنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها" فكأنه أراد أن الوضوء لم يرد الأمر به مجردًا، وإنما ورد البداءة بأعضاء الوضوء، كما يشرع في غُسل الجَنابة، أو أراد أن الاقتصار على الوضوء لا يجزىء، لورود الأمر بالغُسل.
وقوله: بالماء والسدر، قال الزين بن المنير: جعلهما معًا آلة لغَسل الميت، وهو مطابق لحديث الباب؛ لأنّ قوله: بماء وسدر، يتعلق بقوله: اغلسنها، وظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل، وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير؛ لأنّ الماء المضاف لا يتطهر
стр. 5341
به، وقد يمنع لزوم كون الماء يصير مضافًا بذلك، لاحتمال أن لا يغير السدر وصف الماء بأن يمعك بالسدر، ثم يغسل بالماء في كل مرة، فإن لفظ الخبر لا يأبى ذلك. وقال القرطبيّ: يجعل السدر في ماء ويخضخض إلى أن تخرج رغوته ويدلك به جسده، ثم يصب عليه الماء القراح، فهذه غسلة.
وحكى ابن المنذر أن قومًا قالوا: تطرح ورقات السدر في الماء، أي لئلا يمازج الماء فيتغير وصفه المطلق، وحكى عن أحمد أنه أنكر ذلك، وقال: يغسل في كل مرة بالماء والسدر، وأعلى ما ورد في ذلك ما رواه أبو داود عن قتادة عن ابن سيرين "أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية، فيغسل بالماء والسدر مرتين، والثالثة بالماء والكافور" قال ابن عبد البر: كان يقال: كان ابن سيرين من أعلم التابعين بذلك.
وقال ابن العربيّ: من قال الأُولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر، أو العكس، والثالثة بالماء والكافور، فليس هو في لفظ الحديث. وكأن القائل أراد أن تقع إحدى الغسلات بالماء الصرف المطلق، لأنه هو المطهر حقيقة، وأما المضاف فلا. قلت: الذي نفى ابن العربيّ وجوده في الحديث هو الذي صرح في المحيط، والمبسوط أنه مذهب الحنفية الأولى، بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر، والثالثة بالماء والكافور، وكذا الحكم عند المالكية، إلا أنهم يندب عندهم الغسل سبع مرات، ويندب جعل الكافور في الأخيرة، سواء كانت ثالثة أو سابعة.
وعند سعيد بن المسيب والثوري يغسل في المرة الأولى والثانية بالماء القراح، والثالثة بالسدر. وقال الشافعيّ يختص السدر بالأولى، وبه قال ابن الخطاب من الحنابلة. وعن أحمد يستعمل السدر في الثلاث كلها، وتمسَّك بظاهر الحديث ابن شعبان وابن الفرضى وغيرهما من المالكية، فقالوا: غسل الميت إنما هو للتنظيف، فيجزيء بالماء المضاف كماء الورد ونحوه، قالوا: وإنما يكره من جهة السرف، والمشهور عند الجمهور أنه غسل تعبديّ يشترط فيه ما يشترط في بقية الأغسال الواجبة والمندوبة، وقيل: شرع احتياطًا لاحتمال أن يكون عليه جنابة، وفيه نظر، لأنّ لازمَه أن لا يشرع غُسل متن هو دون البلوغ، وهو خلاف الإجماع، وكرهت الشافعية وبعض الحنابلة الماءَ المسخّن، وعندهم الماء البارد وأفضل، إلا أن يكون عليه وسخ أو نجاسة لا تزول إلا بالماء الحار، أو يكون البرد شديدًا. وعند المالكية البارد والمسخّن سيّان.
ثم قال: وحنط ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، ابنًا لسعيد بن زيد، وحمله وصلى ولم يتوضأ.
قوله: حَنَّط، بفتح المهملة والنون الثقيلة، أي: طيبه بالحنوط، وهو كل شيء يخلط من الطيب للميت خاصة، فيدخل فيه المسك، وأجازه أكثر العلماء، وأمر به علي، رضي الله تعالى
стр. 5342
عنه، واستعمله أنس وابن عمر وابن المسيب، وبه قال مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق، وكرهه عطاء الحسن ومجاهد، وقالوا: إنه ميتة، واستعماله في حنوط النبيّ ﷺ حجةٌ عليهم، وفي "الروضة": ولا بأس يجعل المسك في الحنوط. ويجعل الحنوط بين أكفانه وحَواسّه ومَرَاقّه، نصت على ذلك المالكية، ويستحب فيه شيء من الكافور، وتعلق هذا الأثر وما بعده بالترجمة، من جهة أن المصنف يرى أن المؤمن لا ينجس بالموت، وأن غسله إنما هو للتعبد؛ لأنه لو كان نجسًا لم يطهره الماء والسدر ولا الماء وحده، ولو كان نجسًا ما مسه ابن عمر ولغسل ما مسه من أعضائه، وكأنه أشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود عن عمرو بن عُمير عن أبي هُريرة، مرفوعًا "من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ".
رواته ثقات إلا عمرو بن عمير، فليس بمعروف. وروى التِّرمذيّ وابن حِبّان عن سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هُريرة نحوه، وهو معلول، لأنّ أبا صالح لم يسمعه من أبي هُريرة، رضي الله تعالى عنه، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: الصواب عن أبي هُريرة موقوف، وقال أبو داود: تخريجه هذا منسوخ ولم يبين ناسخه، وقال الذهلي فبما حكاه الحاكم في تاريخه: ليس "فيمن غسل ميتًا فليغتسل" حديث ثابت.
وقد اختلف أهل العلم في الذي يغسل الميت، فقال بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم: إذا غسل ميتًا فعليه الغسل. وقال بعضهم: عليه الوضوء، وقال مالك: استحب غُسل من غسل الميت، ولا أرى ذلك واجبًا، وكذلك يندب عنده نية اغتسال غاسله، وفائدة ذلك أن يبالغ في تنظيف الميت، ولا يحترز من مخالطته. وقال ابن حبيب: لا غسل عليه ولا وضوء، وقال الشافعيّ في الجديد: يُندب الغسل لغاسله، وفي القديم بالوجوب.
وقال أحمد: من غسل ميتًا أرجو أن لا يجب عليه الغسل، فأما الوضوء فاضل ما فيه. وقال إسحاق: لابد من الوضوء، وروى عن ابن المبارك أنه قال: لا يغتسل ولا يتوضأ من غسل الميت، قال الخطابيّ لا أعلم أحدًا قال بوجوب الغسل منه، وأوجب أحمد وإسحاق الوضوء منه.
وهذا الأثر وصله مالك في الموطأ، عن نافع، وابن عمر قد مرَّ في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه، والابن عبد الرحمن بن سعيد بن زيد، ولم يذكر في الصحابة، ولا فيمن ولد على عهده ﵊.
ثم قال: وقال ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: المسلم لا ينجس حيًا ولا ميتًا، وهذا وصله سعيد بن منصور عن ابن عباس بلفظ "قال لا تبخسوا موتاكم، فإن المؤمن ليس ينجس حيًا ولا ميتًا" إسناده صحيح، وقد روى، مرفوعًا، أخرجه الدارقطنيّ عن عبد الرحمن بن يحيى المخزوميّ عن
стр. 5343
سفيان، وكذا أخرجه الحاكم عن ابني أبي شيبة عن سفيان، والذي في مصنف ابن أبي شيبة عن سفيان موقوف، كما رواه سعيد بن منصور، وروى الحاكم نحوه مرفوعًا، عن عكرمة عن الن عباس، رضي الله تعالى عنهما.
وقوله: "لا تنجسوا موتاكم" أي: لا تقولوا إنهم نجَس، بفتح الجيم وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي.
ثم قال: وقال سعد لو كان نجسًا ما مسسته، في رواية الأصيلي وأبي الوقت؛ وقال: سعيد، بزيادة ياء، والأول أَوْلى، وهو سعد بن أبي وقاص، كذلك أخرجه ابن أبي شيبة عن عائشة بنت سعد، قالت: أُوذِن سعد، تعني أباها، بجنازة سعيد بن زيد بن عمرو، وهو بالعقيق، فجاءه فغسله وكفنه وحنطه. ثم أتى داره فاغتسل، ثم قال: لم أغتسل من غسله، ولو كان نجسًا ما مسسته، ولكني اغتسلت من الحر.
وروى عن سعيد بن المسيب شيء من ذلك، ففي فوائد سموَيه عن واقد المَدنيّ قال: قال سعيد بن المسيب: لو علمت أنه نجس لم أمسسه. وفي أثر سعد من الفوائد، أنه ينبغي للعالم إذا عمل عملًا يخشى أن يلتبس على من وراءه، أن يُعْلِمهَم بحقيقة الأمر لئلا يحملوه على غير محمله.
وسعد مرَّ في العشرين من الإيمان.
ثم قال: وقال النبيّ ﷺ "المؤمن لا ينجس" هذا طرف من حديث لأبي هُريرة مرّ موصولًا في باب "الجنب يمشي في السوق" من كتاب الغسل، ووجه الاستدلال به هو أن صفة الإِيمان لا تسلب بالموت، وإن كانت باقية فهو غير نجس، وقد بين ذلك حديث ابن عباس المذكور، قيل: وفي نسخة الصفانيّ قال أبو عبد الله: النجس القذر، وأبو عبد الله هو البخاريّ، وأراد بذلك ففي هذا الوصف، وهو النجس عن المؤمن حقيقة ومجازًا.
الحديث الخامس عشر
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ فَقَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مَنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ. تَعْنِي إِزَارَهُ.
стр. 5344
قوله: عن محمد بن سيرين، في رواية ابن جريج عن أيوب، سمعت ابن سيرين، وسيأتي في باب كيف الإشعار، وقد رواه أيوب أيضًا عن حفصة بنت سيرينَ، كما سيأتي بعد أبواب، ومدار حديث أم عطية على محمد وحفصة ابني سيرين، وحفظت منه حفصة ما لم يحفظه محمد، كما سيأتي مبينًا. قال ابن المنذر: ليس في أحاديث الغسل للميت أعلى متن حديث أم عطية، وعليه عَوّل الأئمة.
وقوله: عن أُم عطية الأنصارية، في رواية ابن جريج المذكورة: جاءت أمَّ عطية امرأةٌ من الأنصار اللاتي بايعن رسول الله ﷺ ، قدم البصرةَ إبنًا لها، فلم تدركه، وهذا الابن قال في الفتح: ما عرفت اسمه، وكأنه كان غازيًا فقدم البصرة، فبلغ أم عطية وهي بالمدينة قدومه وهو مريض، فرحلت إليه فمات قبل أن تلقاه، وسيأتي في الأحداد ما يدل على أن قدومها كان بعد موته بيوم أو يومين، وقد مرَّ اسمها وتعريفها في الثاني والثلاثين من الوضوء.
وقولي: في الأحداد، في باب أحداد المرأة على غير زوجها، وهو قوله في الحديث، فلما كان اليوم الثالث، وعت بصفرة، قلت: لكن هذا لا تحصل به الدلالة، إلا إذا ثبت أنه في ذلك الولد، أو أنها ليس لها ولد سواه. وقوله: حين توفيت ابنته، في رواية الثقفيّ عن أيوب، وهي التي تلي هذه، وكذا في رواية ابن جريج: دخل علينا ونحن نغسل بنته، ويجمع بينهما بأن المراد أنه دخل حين شرع النسوة في الغسل، وعند النَّسائيّ أن مجيئهن إليها كان بأمره، ولفظه من رواية حفصة "ماتت إحدى بنات رسول الله ﷺ ، فأرسل إلينا، فقال: اغسلنها".
وقوله: بنته، لم تقع في شيء من روايات البخاريّ مسماة، والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع، وهي أكبر بناته ﵊، وقد وردت مسماة عند مسلم عن أم عطية، في هذا من رواية عاصم، قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ ، قال ﷺ : "اغسلنها"، فذكرت الحديث.
وقد خولف عاصم في ذلك، فقد أخرجه ابن ماجه عن أيوب "دخل علينا ونحن نغسل ابنته أم كلثوم". وهذا إسناده على شرط الشيخين، وفي المبهمات لابن بَشْكوال عن أم عطية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم .. الحديث. وقد روى الدُّولابيّ في الذُّرِّيَّة الطاهرة عن عَمرة أن أم عطية كانت ممن غسل أم كلثوم ابنة النبيّ ﷺ ، فيمكن دعوى ترجيح ذلك، لوروده من طرق متعددة، ويمكن الجمع بأن تكون حضرتهما جميعًا، فقد جزم ابن عبد البَرَّ في ترجمتها بأنها كانت غاسلة الميتات، وسميت ثلاث من النسوة اللاتي حضرن معها، ففي الذرية الطاهرة عن أسماء بنت عميس أنها كانت ممن غسلها، قالت: ومعنا صفية بنت عبد المطلب. ولأبي داود عن ليلى بنت قانف، بقاف ونون وفاء، الثقفية قالت: كنتُ فيمن غسلها. وروى الطبراني عن أم سليم شيئًا يومىء إلى أنها
стр. 5345
حضرت ذلك أيضًا، وسيأتي بعد خمسة أبواب قول ابن سيرين: قلت: اللهم إلا أن يكون الراوي المسمى لها راويًا عن حفصة، لا عن محمد، فقد مرَّ أن أيوب روى الحديث أيضًا عن حفصة، وأن حفصة حفظت منه ما لم يحفظه محمد. وقوله: اغسلنها، قال ابن بزيزة: استدل به على وجوب غسل الميت، وهو مبنيٌّ على أن قوله فيما بعد "أن رأيتن ذلك" هل يرجع إلى الغسل أو العدد؟ والثاني أرجح، فثبت المدعى.
قال ابن دقيق العيد: لكن قوله ثلاثًا ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، فيتوقف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد، لأن قوله "ثلاثًا" غير مستقل بنفسه، فلابد أن يكون داخلًا تحت صيغة الأمر، فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، والندب بالنسبة إلى الإيثار، وقواعد الشافعية لا تأبى ذلك.
ومن ثم ذهب الكوفيون وأهل الظاهر والمزنيّ إلى إيجاب الثلاث، وقالوا: إن خرج منه شيء بعد ذلك يغسل موضعه، ولا يعاد غسل الميت، وهو مخالف لظاهر الحديث، وجاء عن الحسن مثله، أخرجه عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال: يغسل ثلاثًا، فإن خرج منه شيء بعد فخمسًا، فإن خرج منه شيء غسل سبعًا. قال هشام: وقال الحسن: يغسل ثلاثًا، فإن خرج منه شيء غسل ما خرج، ولم يزد على الثلاث.
وقوله: ثلاثًا أو خمسًا، في رواية هشام بن حَسّان عن حفصة "اغسلنها وترًا ثلاثًا أو خمسًا" وأو هنا للترتيب لا للتخيير، قال النووي: المراد اغسلنها وترًا، وليكن ثلاثًا، فإن احتجن إلى زيادة فخمسًا، وحاصله أن الإِيثار مطلوب، والثلاث مستحبة فإن حصل الإنقاء بها لم يشرع ما فوقها، وإلا زِيد وِترا حتى يحصل الإِنقاء. والواجب من ذلك مرة عامة للبدن. وقد سبق بحث ابن دقيق العيد في ذلك قريبا.
وقال ابن العربي في قوله "أو خمسًا": إشارة إلى أن المشروع هو الإِيتار؛ لأنه نقلهنّ من الثلاث إلى الخمس، وسكت عن الأربع. وقوله: أو أكثر من ذلك، بكسر الكاف، لأنه خطاب للمؤنث، في رواية أيوب عن حفصة في الباب الذي يليه "ثلاثًا" أو خمسًا أو سبعًا، وليس في شيء من الروايات بعد قوله "أو سبعًا" التعبير بأكثر من ذلك إلَّا في رواية لأبي داود، وأما ما سواها، فإما "أو سبعًا" وإما "أو أكثر من ذلك" بالسبع، وبه قال أحمد، فكره الزيادة على السبع، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السبع، وبه قال أحمد، فكره الزيادة على السبع، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السبع، وسيأتي عن قتادة أن ابن سيرين كان يأخذ الغسل عن أُم عطية ثلاثًا، وإلا فخمسًا، وإلا فأكثر. قال: فرأينا أن أكثر من ذلك سبع.
стр. 5346
وقال المَاوَرْدِيّ: الزيادة على السبع سرف، وقال ابن المنذر: بلغني أن جسد الميت يسترخي بالماء، فلا أحب الزيادة على ذلك. وقوله: إن رأيتن ذلك، قال الطّيبيّ: بكسر الكاف، خطاب لأم عطية، ومعناه التفويض إلى اجتهادهن بحسب الحاجة لا التشهي، وقال ابن المنذر: إنما فوّض الرأي اليهن بالشرط المذكور، وهو الإيتار. وحكى ابن التين عن بعضهم قال: يحتمل قوله "إن رأيتنَّ" أن يرجع إلى الأعداد المذكورة، ويحتمل أن يكون معناه إن رأيتن أن نفعلن ذلك، وإلا فالإنقاء يكفي.
وقوله: بماء وسدر، قال ابن العربى: هذا أصل في جواز التطهير بالماء المضاف إذا لم يسلب الماء الإطلاق. وهو مبني على الصحيح من أن غسل الميت للتطهير كما تقدم. وقوله: واجعلنَ في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، هو شك من الراوي، أي اللفظتين، والأول محمول على الثاني، لأنه نكرة في سياق الإثبات، فيصدق بكل شيء منه، وجزم في الرواية التي تلي هذه بالشق الأول، وكذا في رواية ابن جريج، وظاهره جَعْلُ الكافور في الماء، وبه قال الجمهور. وقال النخعيّ. إنما يُجعل في الحنوط بعد انهاء الغسل والتجفيف. قيل: الحكمة في الكافور مع أنه يطيب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم، أنَّ فيه تجفيفًا وتبريدًا وقوة نفوذ، وخاصية في تصليب بدن الميت، وطرد الهوام عنه، وردع ما يتخلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الأراييح الطيبة في ذلك، وهذا هو السر في جعله في الأخيرة، إذ لو كان في الأولى مثلًا، لأذهبه الماء.
وهل يقوم المسك مثلًا مقام الكافور إنْ نُظِر إلى مجرد التطيب؟ نعم، وإلا فلا، وقد يقال: إذا عدم الكافور قام غيره مقامه، ولو بخاصية واحدة مثلًا. وقوله: فإذا فرغتنَّ فآذِنَّني، أي اعلمنني. وقوله: فلما فرغنا، هكذا بصيغة الماضي لجماعة المتكلمين، وفي رواية الأصيليّ: فلما فرغنَ، بصيغة الماضي للجمع المؤنث.
وقوله: حَقْوه، بفتح الحاء المهملة وسكون القاف، وفي الحكم الحَقو والحِقو، بالفتح والكسر، والحَقوة والحَقا، كله الإزار، كأنه سمي بما يلاث عليه، والمراد به هنا الإزار، كما وقع مفسرًا في آخر هذه الرواية، تعني إزاره، والحقو في الأصل مَعْقِد الإزار، وأطلق على الإزار مجازًا، وسيأتي بعد ثلاثة أبواب عن محمد بن سيرين "فنزع من حقوه إزاره" والحقو في هذا على حقيقته. قاله في الفتح، وهو واضح، واعترض عليه العيني بأن الحقو لم يقل أحدٌ أنه حقيقة ومجاز، وإنما هو من المشترك، والمشترك حقيقة في معنييه أو معانيه. قلت: من محبته في الاعتراض على صاحب الفتح ذَهَل عما مرَّ عنه قريبًا، عازيًا له إلى المحكم أن تسمية الإزار حقوًا تسمية له بما يلاث عليه، وهذا هو حقيقة المجاز.
стр. 5347
وقوله: أشْعِرنها إياه، أمر من الإشعار، أي اجعلنه شعارها، أي الثوب الذي يلي جسدها، سمي شعارًا لأنه يلي شعر الجسد، والدثار ما فوقه، والحكمة فيه التبرك بآثاره الشريفة، والحكمة في تأخيره الإزار معه إلى أن يفرغن من الغُسل، ولم يناولهن إياه أولًا، ليكون قريب العهد من جسده الكريم، حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصلٌ، وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين وتأتي صفة الإشعار في باب مفرد، وفيه جوز تكفين المرأة في ثوب الرجل، ويأتي في باب مفرد، وفيه ما يدل على أنّ النساء أحق بغسل المرأة من الزوج، وبه قال الحسن والثُّوْرِيّ والشعبيّ وأبو حنيفة.
والجمهور على خلافه، وهو قول الثلاثة والاوزاعي وإسحاق، وقد وصّت فاطمة زوجها عليًا رضي الله تعالى عنهما بذلك، كما رواه البيهقي وابن الجوزيّ، وفي إسناده عبد الله بن نافع متكلَّمٌ فيه، وكان الإِيصاء بحضرة الصحابة، ولم ينكر أحد، فصار إجماعًا. وفي "المبسوط" و"المحيط" و"البدائع" أن ابن مسعود سئل عن فعل عليّ، رضي الله تعالى عنه، فقال: إنها زوجته في الدنيا والآخرة، يعني أن الزوجية باقية بينهما لم تنقطع، قال بعضهم: وفيه نظر، لأنّ الزوجية لو بقيت بينهما ما تزوج أُمامة بنت زينب بعد موت فاطمة، رضي الله تعالى عنها، وقد مات عن أربع حرائر.
قلت: هذا الاعتراض ساقط، لأنّ بقاء الزوجية في الآخرة لا يترتب عليه ما يترتب على الزوجية الدنيوية من الأحكام، ألا ترى عثمان رضي الله تعالى عنه تزوج أم كلثوم بعد رقية رضي الله تعالى عنهما؟ وقد ثبت أنهما زوجتاه في الجنة. فبالموت تسقط الأحكام الدنيوية، فتأمل.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ إسماعيل بن أبي أُويس في الخامس عشر من الإِيمان، ومرَّ أيوب في التاسع منه، ومرَّ محمد بن سيرين في الأربعين منه، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرت أم عطية في الثاني والثلاثين من الوضوء، وابنته، ﵊، المغسولة قيل: زينب، وقيل أم كلثوم. وقد مرتا مع عطية.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإِفراد والعنعنة والقول، ورواته مدنيان وبصريان، وفيه رواية التابعيّ عن التابعيّ عن الصحابة، أخرجه البخاريّ من أحد عشر طريقًا أولها في الوضوء. وأخرجه مسلم في الجنائز، وكذلك التِّرمذيّ والنَّسائيّ. ثم قال المصنف:
стр. 5348
باب ما يستحب أنْ يُغسل وِترًا
قال الزين بن المنير: يحتمل أن تكون ما مصدرية أو موصولة، والثاني أظهر، كذا قال، وفيه نظر لأنه لو كان المراد ذلك لوقع التعبير بمن التي لمن يعقل.
الحديث السادس عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ. فَقَالَ أَيُّوبُ وَحَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ وَكَانَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ اغْسِلْنَهَا وِتْرًا. وَكَانَ فِيهِ: ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا. وَكَانَ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ ابْدَأوا بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا. وَكَانَ فِيهِ أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ وَمَشَطْنَاهَا ثَلاَثَةَ قُرُونٍ.
ليس في حديث أيوب عن محمد التصريح بالوتر، وفي حديثه عن حفصة التصريح بذلك، وقوله: فقال أيوب، كذا للأكثر بالفاء، وهو بالإِسناد والمذكور، وعند الأصيلي "وقال"، بالواو، فربما ظن معلقًا، وليس كذلك، وقد رواه الإِسماعيليّ بالإِسنادين معًا موصولًا، وقوله: فيه ثلاثًا أو خمسًا، استدل به على أن أقل الوتر ثلاث، ولا دلالة فيه، لأنه سيق مساق البيان للمراد، إذ لو أطلق لتناول الواحدة فما فوقها، ويأتي الكلام على ما في رواية حفصة من الزيادة، عند ذكر كل واحدة، في باب مفرد. وقوله فيه: ابدأن، هي رواية أبي ذَرٍّ، عن الكَشْميهنيّ، ولغيره "ابدأوا" بجمع المذكر، تغليبًا للذكور، لأنهن كن محتاجات إلى معاونة الرجال في حمل الماء إليهن وغيره، أو باعتبار الأشخاص أو الناس.
رجاله ستة:
مرَّ محل أيّوب ومحمد وأم عطية، وابنة النبي ﷺ المغسولة، في الذي قبله، ومرت حفصة في
стр. 5349
محل أم عطية، ومرَّ عبد الوهاب الثقفيّ في التاسع من الإيمان, ومحمد شيخ البخاريّ غير منسوب، وهو يحتمل أن يكون ابن المثنى، وقد مرَّ في هذا التاسع من الإِيمان, ويحتمل أنه ابن سَلاَم، وقد مرَّ في الثالث عشر من الإِيمان.
وعند الإسماعيليّ، أنه محمد بن الوليد بن عبد الحميد القُرَشِيّ البُسْرِيِّ، من ولد بُسر بن أَرَطَأة العامريّ، لقبه حَمدان، بصريّ، قدم بغداد، يكنى أبا عبد الله، ذكره ابن حِبان في الثقات، وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي في الرِّجلة الثالثة، وسئل عنه فقال: صدوق، وقال النسائيّ: ثقة. روى عن مروان بن معاوية وغندر وعبد الوهاب الثقفيّ وغيرهم، وروى عنه البخاريّ ومسلم والنسائي وغيرهم. قال في الزهرة: روى عنه البخاريّ سبعةَ أحاديث، ومسلم خمسة، مات سنة خمسين ومئتين.
والبُسْرِيّ في نسبه نسبةً إلى بُسر بن أرطاة، ويقال: ابن أبي أرطاة العامريّ القرشيّ، كان مع معاوية بِصِفين، وكان قد خَرِف آخرَ عُمره، وبُسْر قريةٌ ببغداد على فرسخين منها، منها أبو القاسم عليّ بن محمد بن البُسْرِيّ البُندار. مات سنة أربع وسبعين وأربع مئة، ومنها الزاهد أبو عُبَيد البُسْرِيّ، اسمه محمد بن حَسّان، وقيل إنه منسوب إلى بُسر، قرية بحوران. ثم قال المصنف:
стр. 5350
باب "يُبدأ بميامِنِ الميت "
باب بالتنوين، يُبدأ بضم أوله، مبني للمفعول، وقوله، بميامن الميت أي عند غسله، تفاؤلًا أن يكون من أصحاب اليمين، والميامن جمع مَيمنة، وكأنه أطلق الترجمة، فلم يقيدها بالغسل، مع أنه هو المراد ليشعر بأن غير الغسل يلحق به قياسًا عليه.
الحديث السابع عشر
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا.
قوله: في غسل ابنته، عند مسلم عن خالد أن رسول الله ﷺ ، حيث أمرها أن تغسل ابنته، قال لها؛ فذكره. وقوله: ابدأنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها, ليس بين الأمرين تنافٍ لإِمكان البداءة بمواضع الوضوء وبالميامن معًا. قال الزين بن المنير: قوله "ابدأنَ بميامنها" أي: في الغسلات التي لا وضوء فيها، ومواضع الوضوء منها أي: في الغسلة المتصلة بالوضوء. وكأن المصنف أشار بذلك إلى مخالفة أبي قُلابة في قوله: "يبدأ بالرأس ثم باللحية" قال: والحكمة في الأمر بالوضوء تجديد أثر سمة المؤمنين في ظهور أثَر الغُرّة والتحجيل.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ علي بن المدِيني في الرابع عشر من العلم، وخالد الحذاء في السابع عشر منه، وإسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن علية في الثامن من الإِيمان، ومرَّ محل حفصة وأم عطية في الذي قبله. ثم قال المصنف:
стр. 5351
باب مواضع الوضوء من الميت أي تستحب البداءة بها
الحديث الثامن عشر
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا غَسَّلْنَا بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَنَا وَنَحْنُ نَغْسِلُهَا: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ.
قوله: ابدأوا كذا، للأكثر، وقد مرَّ توجيهه قبل حديثين. وفي رواية الكَشْميهنيّ "ابدأْنَ" وهو الوجه, لأنه خطاب للنسوة، وقوله: ومواضع الوضوء، زاد أبو ذَرٍّ "منها" أي: البنت، والوضوء سنة عند الأئمة، إلاَّ أن الحنفية قالوا: لا يُمضمض ولا يُسْتَنشق، لتعذر إخراج الماء من الفم والأنف. وعند غيرهم لم يتعذر, لأنه يقال رأسه لإخراج ذلك.
والبداءة بالميامن وبمواضع الوضوء مما زادته حفصة في روايتها عن أم عطية على أخيها محمد، وكذا المَشْط والضَّفْر كما يأتي.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ يحيى بن موسى في التاسع عشر من الحيض، ومرَّ وكيع في الحادي والخمسين من العلم، ومرَّ محل خالد وحفصة وأم عطية في الذي قبله. ثم قال المصنف:
стр. 5352
باب هل تكفن المرأة في إزار الرجل ؟
قال ابن رشيد: أشار بقوله: "هل" إلى ترددٍ عنده في المسألة، فكأنه أومأ إلى اختصاص ذلك بالنبيَّ ﵊, لأن المعنيّ فيه من البركة ونحوها قد لا يكون في غيره، ولاسيما مع قرب عهده بعرقه الكريم، ولكن الأظهر الجواز، وقد نقل ابن بطّال الاتفاق على ذلك، لكن لا يلزم من ذلك التعقب على البخاريّ, لأنه إنما ترجم بالنظر إلى سياق الحديث، وهو قابل للاحتمال، وقال الزين بن المنير نحوه، وزاد احتمال الاختصاص بالمُحْرَم، أو بمن يكون في مثل إزارِ النبي ﷺ وجسدِه مِن تَحَقُّقِ النظافة وعدم نفرة الزوج وغيرته أنْ تَلْبَس زوجته لباس غيره.
الحديث التاسع عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ تُوُفِّيَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَنَا: اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَنَزَعَ مِنْ حِقْوِهِ إِزَارَهُ وَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ.
وشاهد الترجمة قوله فيه "فأعطاها إزاره"، والحديث مرَّ الكلام عليه في الرواية الأولى.
رجاله أربعة:
مرَّ محل محمد وأم عطية في أول أحاديثها، ومرَّ ابن عون عبد الله في التاسع من العلم، والرابع شيخ البخاريّ عبد الرحمن بن حمّاد بن شُعيب، ويقال ابن عِمارة الشُّعَيْثِيّ، بضم الشين المعجمة مصغرًا. أبو سَلَمة العَنْبَريّ المصريّ، ذكره ابن حبان في الثقات، ووثّقه الدارقطنيّ، وقال أبو زرعة: لا بأس، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ.
قال في "المقدمة" روى عنه البخاري حديثًا واحدًا في الجنائز عن ابن عون، وقد تابعه عليه يزيد بن هارون عند النَّسَائِي. قُلت: انظر هذا مع قوله في "تهذيب التهذيب" وفي "الزهرة". روى عنه البخاري ثلاثة أحاديث. روى عن ابن عَون والثَّوْريّ، وعبّاد بن منصور وغيرهم، وروى عنه البخاريّ، وروى له التَّرمِذِيّ بواسطة، وأبو العباس العُصْفُرى وغيرهم. مات سنة اثنتي عشرة ومئتين.
стр. 5353
والشعيثيّ في نسبه نسبة إلى أحد الشُّعَيثيينَ، إما شُعيث بن سهم، أو شعيث بن مِنْقَر أو شعيث بن مُحْرِز، أو نسبة إلى الشُّعَيْثَةَ، ماءٌ لبني نُمير ببطن واد يقال له الحَريم. ثم قال المصنف:
стр. 5354
باب يجعل الكافور في الأخيرة
أي في الغَسلة الأخيرة، ويحتمل أن يكون المراد بالأخيرة الخرقة التي تلي الجسد، قال الزين بن المنير: لم يعين حكم ذلك، لاحتمال صيغة "اجعلن" للوجوب والندب. قال ابن المنير: مناسبة إدخال هذه الترجمة، وهي متعلقة بالغسل، بين ترجمتين متعلقتين بالكفن، هي أنَّ العُرْفَ تقديم ما يحتاج إليه الميت قبل الشروع في الغسل، أو قبل الفراغ منه، ليتيسر غسله، ومن جملة ذلك الحَنُوط. ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى خلاف من قال إن الكافور يختص بالحَنوط، ولا يجعل في الماء، وهو عن الأوزاعيّ وبعض الحنفية، أو يجعل في الماء، وهو قول الجمهور.
الحديث العشرون
حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ، فَقَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. قَالَتْ فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ.
قد تقدم الكلامُ عليه في الرواية الأولى، واختلف في هيأة جعله في الغسلة الأخيرة، فقيل: يجعل في ماء ويصب عليه في آخر غَسلة، وهو ظاهر الحديث، وقيل: إذا كَمُل غسله طُيِّب بالكافور قبل التكفين. وقد ورد في رواية النَّسائيَّ بلفظ "واجعلن في آخر ذلك كافورًا"، ونص الشافعي في "الأم" على كراهة تركه، وليكن بحيث لا يُفْحش التغير به إن لم يكن صَلبًا، وقد مرت الحكمة في التطبيب به.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، مرَّ حامد بن عمر في الحادي والثمانين من استقبال القبلة، ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين من الإيمان, ومرَّ محل أيوب ومحمد وأم عطية في أول أحاديثها.
стр. 5355
الحديث الحادي والعشرون
وَعَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵄ بِنَحْوِهِ وَقَالَتْ إِنَّهُ قَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ. قَالَتْ حَفْصَةُ قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلاَثَةَ قُرُونٍ.
قوله: وعن أيوب، هو معطوف على الإِسناد الأول، وقد تقدم الكلام عليه، ويأتي قريبًا الكلامُ على القرون.
رجاله الثلاثة مذكورة في الذي قبله. ثم قال المصنف:
стр. 5356
باب نقض شعر المرأة
أي: الميتة قبل الغَسل، والتقييد بالمرأة خرج مخرج الغالب أو الأكثر، وإلا فالرجل إذا كان له شعر ينقض، لأجل التنظيف، وليبلغ الماء البَشَرة. وذهب من منعه إلى أنه قد يفضي إلى انتتاف شعره، وأجاب من أثبته بأنه يُضَم إلى ما انتثر منه. ثم قال: وقال ابن سيرين: لا بأس أن يُنْقَض شعر الميت، وهذا التعليق وَصَلَه سعيد بن منصور عن أيوب عنه، وابن سيرين مرَّ في أول الأحاديث محله.
الحديث الثاني والعشرون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَيُّوبُ وَسَمِعْتُ حَفْصَةَ بِنْتَ سِيرِينَ قَالَتْ حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاَثَةَ قُرُونٍ نَقَضْنَهُ ثُمَّ غَسَلْنَهُ ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلاَثَةَ قُرُونٍ.
قوله: قال أيوب، في رواية الإِسماعيليّ عن ابن جُريج أن أيوب بن أبي تميمة أخبره، وقوله: سمعت، هو معطوف على محذوف تقديره: سمعت كذا، وسمعت حفصة، وقوله: "أنهن جعلن رأس بنت رسول الله ﷺ ثلاثة قرون نقضنه ثم غسلنه" في رواية الإِسماعيليّ قالت: نقضته، والظاهر أن القائلة أم عطية، ولعبد الرزاق عن أيوب في هذا الحديث "فقلت نقضته فغسلته فجعلته ثلاثة قرون، قالت: نعم" والمراد بالرأس شعر الرأس، فهو من مجاز المجاورة، وفائدة النقض تبليغُ الماء البشرةَ، وتنظيفُ الشعرِ من الأوساخ.
ولمسلم عن أيوب عن حفصة عن أم عطية "مشطناها ثلاثة قرون" وهو بتخفيف المعجمة، أي سرّحناها بالمِشْط، وفي حجة للشافعيّ ومن وافقه على استحباب تسريح الشعر، واعتل من كرهه بتقطيع الشعر، والرفق يُؤْمَنُ معه ذلك. وقوله: ثم جعلنه ثلاثة قرون، استدل به على ضفر شعر الميت خلافًا لمن منعه، فقال ابن القاسم: لا أعرف الضفر، بل يُكَفُّ، وقال الأوزاعي والحنفية: يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها.
قال القرطبيّ: وكان سبب الخلاف أن الذي فعلته أم عطية هل استندت فيه إلى النبي ﷺ ، فيكون مرفوعًا، أو هو شيء رأته ففعلته استحسانًا؟ كلا الأمرين محتمل، لكن الأصل أن لا يفعل
стр. 5357
في الميت شيءٌ من جنس القُرب إلاّ بإذنٍ من المشرع محقق، ولم يرد ذلك مرفوعًا، كذا قال.
وقال النووي: الظاهر اطَّلاع النبي ﷺ وتقريره له، وقد رواه سعيد بن منصور بلفظ الأمر عن أُم عطية، قالت: قال النبي ﷺ : "اغسلنها وِترًا، واجعلنَ شعرها ضفائر" وقال ابن حِبّان في صحيحه إن أُم عطيّة إنما مَشَطَت ابنة رسول الله ﷺ ، بأمره لا من تلقاء نفسها. ثم أخرج عن حماد عن أيوب قال: قالت حفصة عن أم عطية: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، واجعلن لها ثلاثة قرون.
وقول ابن القاسم السابق: لا أعرف الضفر، قال ابن رشد: يعني على جهة الوجوب، أما على جهة الندب فَنَعم، فمذهب المالكية والشافعية والحنابلة أن الشعر يضفر ثلاث ضفائر، ناصيتها وقرينها، كما يأتي، ويلقى الجميع خلفَها، وقالت الحنفية: يجعل ضفيرتان على صدرها.
رجاله ستة:
قد مرّوا، مرَّ أحمد بن صالح المصريّ، وأحمد بن عيسى في الرابع والسبعين من استقبال القبلة، ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ ابن جُريج في الثالث من الحيض، ومرَّ محل الثلاثة الباقية في أول هذه الأحاديث. ثم قال المنصف:
стр. 5358
باب كيف الاشعار للميت
أورد فيه حديث أم عطية أيضًا، وإنما أفرد له هذه الترجمة لقوله في هذا السياق: وزعم أن الإِشعار الففتها فيه، وفيه اختصار كما يأتي بيانه. ثم قال: وقال الحسن: الخرقة الخامسة يَشُدُّ بها الفخذين والوركين تحت الدرع، قوله: الفخذين والوركين منصوبان على المفعولية، والفاعل ضمير راجع إلى الغاسل، بالقرينة الدالة عليه، ويروى: الفخذان والوركان، بالرفع على أنهما نائبان عن الفاعل، ففي الأولى يَشُد مبنيٌّ للمعلوم، وفي الثانية مبنيٌ للغائب.
والدِّرع بكسر الدال، وهو القميص هنا. وقول الحسن هذا، يدل على أن أول الكلام، أن المرأة تكفن في خمسة أثواب، وقد وصله ابن أبي شيبة نحوه، وروى الجوزَقِيّ عن أمّ عطية قالت: فكفنَّاها في خمسة أثواب، وخَمَرناها كما يُخْمَر الحي، وهذه الزيادة صحيحة الإِسناد. وقول الحسن: في الخرقة الخامسة، قال به زُفَر، وقالت طائفة: تُشَد على صدرها لتَضم أكفانَها, ولا يكره القميص للمرأة، وهو الراجح عند الشافعية والحنابلة، وهو مذهب المالكية. والحسن البصريّ قد مرَّ في الرابع والعشرين من الإِيمان.
الحديث الثالث والعشرون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: جَاءَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ اللاَّتِي بَايَعْنَ، قَدِمَتِ الْبِصْرَةَ، تُبَادِرُ ابْنًا لَهَا فَلَمْ تُدْرِكْهُ فَحَدَّثَتْنَا قَالَتْ دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. قَالَتْ فَلَمَّا فَرَغْنَا أَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ فَقَالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ. وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلاَ أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ. وَزَعَمَ أَنَّ الإِشْعَارَ الْفُفْنَهَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَأْمُرُ بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُشْعَرَ وَلاَ تُؤْزَرَ.
قوله: ولا أدري أي بناته، هو مقول أيوب، وفيه دليل على أنه لم يسمع تسميتها من حفصة، وقد مرَّ من وجه آخر عنه أنها أم كلثوم، وقوله: وزعم أن الإِشعار ألففنها فيه، فيه اختصار، والتقدير:
стр. 5359
وزعم أن معنى قوله: أشعرنها إياه: ألففنها، وهو ظاهر اللفظ, لأن الشعار ما يلي الجسد من الثياب، كما مرَّ، والقائل في هذه الرواية, وزعم، هو أيوب. وذكر ابن بطَّال أنه ابن سيرين، والأول أَوْلَى، وقد بيّنه عبد الرزاق في روايته عن ابن جُريج. قال: قلتُ لأيوب: قوله: أشْعِرنها: تُوْزَر به، قال: ما أراه إلا قال: ألففنها فيه.
وقوله: وكان ابن سيرين يأمر بالمرأة أنْ تُشْعَر، أي تُلَفّ، مبنيٌّ للمجهول. وقوله: ولا تؤزر، بالبناء للمفعول أيضًا، أي لا يجعل الشعار عليها مثل الإِزار, لأن الإزار لا يعم البدن بخلاف الشعار. وقد مرت بقية مباحثه في الرواية الأُولى.
رجاله ستة:
وهم رجال الحديث الذي قبله بعينهم، وفيه لفظ ابن مُبْهَم ولم يسم. ثم قال المصنف:
стр. 5360
باب يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون أي ضفائر
الحديث الرابع والعشرون
حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: ضَفَرْنَا شَعَرَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ . تَعْنِي ثَلاَثَةَ قُرُونٍ.
قوله: ثلاثة قرون، لا ينافي قوله "ناصيتها وقرنيها" لأن المراد بالقرون الضفائر، والمراد بالقرنين الجانبان، فهما ضفيرتان، والناصية ضفيرة، فهذه ثلاثة، وقد مرت مباحثه في الذي قبله بحديث.
رجاله خمسة:
قد مرّوا؛ مرَّ قُبَيْصَة في السابع والعشرين من الإيمان, ومرَّ هشام بن حسّان في تعليق بعد الثامن من الحيض، ومحل ابن جريج ذكر في الذي قبله بحديث، وأم الهذيل هي حَفصة بنت سيرين، وقد مرت هي وأم عطية في أول الأحاديث، ومرَّ سُفيان الثَّوْرِيّ في السابع والعشرين مع قبيصة.
ثم قال: وقال وكيع عن سفيان: ناصيتها وقرنيها، وهذا التعليق وصله الإِسماعيليّ والفريابيّ. وسفيان مرَّ محله في الذي قبله، ومرَّ وكيع في الحادي والخمسين من الإِيمان. ثم قال المصنف:
следующие страницы →