Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6721–6753 · переход к 6726.
стр. 6721
باب آطام المدينة
بالمد جمع أُطم بضمتين وهي الحصون التي تبنى بالحجارة، وقيل: كل بيت مربع مسطح، والآطام جمع قلة، وجمع الكثرة أُطوم، والواحدة أطمة كأكمة، وقد ذكر الزبير بن بكار في أخبار المدينة ما كان بها من الآطام قبل حلول الأوس والخزرج بها، ثم ما كان بها بعد حلولهم، وأطال في ذلك.
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ بن عبد الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ قال: سَمِعْتُ أُسَامَةَ ﵁ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: "هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلاَلَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ!! ".
قوله: "أشرف" أي: نظر من مكان مرتفع.
وقوله: "مواقع الفتن" أي: مواضع السقوط، و"خلال" أي: نواحيها، شبه سقوط الفتن وكثرتها بالمدينة بسقوط القطر في الكثرة والعموم، وهذا من علامات النبوءة لإخباره بما سيكون، وقد ظهر مصداق ذلك من قتل عثمان، وهَلُمَّ جرّا، ولاسيما يوم الحرة، والرؤية المذكورة يحتمل أن تكون بمعنى العلم، أو رؤية العين بأن تكون الفتن مثلت له حتى رآها كما مثلت له الجنة والنار في القبلة حتى رآهما. وهو يصلي، وإنما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان رضي الله تعالى عنه كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل، وبصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء تولد عنه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ علي بن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عيينة في الأول من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه، وعروة في الثاني منه، وأسامة في الخامس من الوضوء.
أخرجه البخاري أيضًا في المظالم، وعلامات النبوة، والفتن، ومسلم في الفتن.
ثم قال: تابعه معمر وسليمان بن كثير، عن الزهري.
стр. 6722
أما متابعة معمر؛ فوصلها البخاري في الفتن.
وأما متابعة سليمان؛ فقد وصلها مسلم.
ومعمر مرَّ في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ سليمان في التاسع والثلاثين من الجمعة، ومرَّ الزهري الآن.
ثم قال المصنف:
стр. 6723
باب لا يدخل الدجال المدينة
قد مرَّ في أواخر صفة الصلاة، في باب الدعاء قبل السلام، استيفاء الكلام على معنى الدجال والمسيح، أي: اشتقاق تسميته بذلك، ومما يحتاج إليه في أمر الدجال أصله، وهل هو ابن صياد أو غيره؟ وعلى الثاني: فهل كان موجودًا في عهد رسول الله ﷺ أو لا؟ ومتى يخرج؟ وما سبب خروجه؟ ومن أين يخرج؟ وما صفته؟ وما الذي يدعيه؟ وما الذي يظهر عند خروجه من الخوارق حتى تكثر أتباعه؟ ومتى يهلك؟ ومن يقتله؟
فأما الأول: فقد مرَّ استيفاء الكلام عليه في باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟
وأما الثاني: فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري الذي أخرجه مسلم أنه كان موجودًا في العهد النبوي، وأنه محبوس في بعض الجزائر.
وأما الثالث: ففي حديث النواس عند مسلم أنه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية، وأما سبب خروجه فأخرج مسلم في حديث ابن عمر عن حفصة أنه يخرج من غضبة يغضبها.
وأما من أين يخرج فمن قبل المشرق جزمًا، ثم جاء في رواية أنه يخرج من خراسان، أخرج ذلك أحمد، والحاكم من حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وفي أخرى أنه يخرج من أصبهان أخرجها مسلم.
وأما صفته فمذكورة في أحاديث البخاري في كتاب الفتن، وسأذكر منها طرفًا هنا.
وأما الذي يدعيه فإنه يخرج أولًا فيدعي الإيمان والصلاح، ثم يدعي النبوءة، ثم يدعي الإلهية، كما أخرج الطبراني عن سليمان بن شهاب قال: نزل عليَّ عبد الله بن المعتمر -وكان صحابيًا- فحدثني عن النبي ﷺ أنه قال: "الدجال ليس به خفاء، يجيء من قبل المشرق، فيدعو إلى الدين فيتبع، ويظهر، فلا يزال حتى الكوفة فَيُظْهِر الدينَ، ويعمل به، فيتبع، ويحث على ذلك، ثم يدعي أنه نبي فيفزع من ذلك كل ذي لب ويفارقه، فيمكث بعد ذلك فيقول: أنا الله فتغشى عينه، وتقطع أذنه ويكتب بين عينيه كافر، فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحد من الخلق في قلبه مثقال حبَّة خردل من إيمان" وسنده ضعيف.
وأما ما يظهر على يديه من الخوارق فسيذكر هنا.
وأما متى يهلك ومن يقتله فإنه يهلك بعد ظهوره على الأرض كلها إلا مكة والمدينة،
стр. 6724
ثم يقصد بيت المقدس فينزل عيسى، فيقتله، أخرجه موسى، وأخرج الحاكم عن هشام بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال" وعند الحاكم أيضًا عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد رفعه: "أنه يخرج -يعني الدجال- في نقص من الدنيا، وخفة من الدين، وسوء ذات بين، فيرد كل منهل، وتطوى له الأرض" الحديث، وأخرج نعيم بن حماد في الفتن عن كعب الأحبار قال: يتوجه الدجال فينزل عند باب دمشق الشرقي ثم يلتمس، فلا يقدر عليه، ثم يرى عند المياه التي عند نهر الكسوة، ثم يطلب فلا يدرى أين توجه، ثم يظهر بالمشرق، فيعطى الخلافة، ثم يظهر السحرَ، ثم يدعي النبوءة، فتتفرق عنه الناس، فيأتي النهر، فيأمره أن يسيل إليه فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس، ويأمر جبل طور وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحا، ويأمر الريح أن تثير سحابًا من البحر فتمطر الأرض، وتخوض البحر في يوم ثلاث خوضات، فلا يبلغ حقويه، وإحدى يديه أطول من الأخرى فيمد الطويلة في البحر فتبلغ قعره، فيخرج من الحيتان ما يريد" وأخرج أبو نعيم في الحلية بسند صحيح عن حسان بن عطية -أحد ثقات التابعين- قال: لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل، وسبعة آلاف امرأة، وهذا لا يقال من قبل الرأي فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه من بعض أهل الكتاب، وقد اشتهر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن، مع ما ذكر عنه من الشر وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة منه حتى في الصلاة.
وأجيب بأجوبة:
أحدها: أنه ذكر في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ فقد أخرج الترمذي، وصححه عن أبي هريرة رفعه: "ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها".
الثاني: قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى بن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ وصح أنه الذي يقتل الدجال، فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يلقب المسيح كعيسى، لكن الدجال مسيح الضلالة، وعيسى مسيح الهدى.
الثالث: أنه ترك ذكره احتقارًا، وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج وليست الفتنة بهم دون الفتنة بالدجال، والذي قبله، فالسؤال باق، وأجاب الإِمام البلقيني بأنه اعتبر كل من ذكر في القرآن من المفسدين، فوجد كل من ذكر إنما هم ممن مضى، وانقضى أمره، وأما من لم يجيء بعد فلم يذكر منهم أحد.
стр. 6725
وهذا ينتقض بيأجوج ومأجوج، وفي تفسير البغوي أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وأن المراد بالناس هنا الدجال من إطلاق الكل على البعض، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تكفل النبي ﷺ ببيانه. والله تعالى أعلم.
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لاَ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ".
قوله: "لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال" تقدم ضبط المسيح في باب الدعاء قبل السلام من صفة الصلاة؛ قبيل كتاب الجمعة، وقد قال ابن العربي: ضل قوم فرووه بالخاء المعجمة، وشدد بعضهم السين ليفرقوا بينه وبين المسيح بن مريم بزعمهم، وقد فرق النبي ﷺ بينهما بقوله في الدجال: "مسيح الضلالة"، فدل على أن عيسى مسيح الهدى، فأراده هؤلاء تعظيم عيسى، فحرفوا الحديث.
وقوله: "لها يومئذ سبعة أبواب" قال عياض: هذا يؤيد أن المراد بالأنقاب في حديث أبي هريرة التالي لهذا: الأبواب، وفوهات الطريق.
وقوله: "على كل باب ملكان"، كذا في رواية إبراهيم بن سعد، وفي رواية محمد بن بشر: "لكل باب ملكان" وأخرجه الحاكم عن عياض بن مسافع عن أبي بكرة، قال: أكثر الناس في شأن مسيلمة الكذاب، فقال النبي ﷺ : "إنه كذاب من ثلاثين كذابًا قبل الدجال، وإنه ليس بلد إلا يدخله رعب الدجال إلا المدينة، على كل نقب من أنقابها ملكان؛ يذُبَّان عنها رعب المسيح".
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ عبد العزيز الأويسي في الأربعين من العلم، ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان، ومرَّ أبو بكرة في الرابع والعشرين منه، ومرَّ سعد بن إبراهيم في السابع والأربعين من الوضوء، ومرَّ أبوه إبراهيم في السادس والثلاثين من الجنائز.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته كلّهم مدنيون، وشيخه من أفراده، والحديث من أفراده.
стр. 6726
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلاَئِكَةٌ، لاَ يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلاَ الدَّجَّالُ".
قوله: "على أنقاب المدينة" بفتح النون والقاف بعدها موحدة، وفي حديث أنس وأبي سعيد اللذين بعده: "على نقابها" جمع نقب بالسكون، وهما بمعنى، قال ابن وهب: المراد بها المداخل والأبواب، وأصل النقب: الطريق بين الجبلين، وقيل: الأنقاب: الطرق التي يسلكها الناص، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ وفي حديث جابر: "يسيح في الأرض أربعين يومًا، يرد كل بلدة غير هاتين البلدتين؛ مكة والمدينة، حرمهما الله تعالى عليه، يوم من أيامه كالسنة، ويوم كالشهر، ويوم كالجمعة، وبقية أيامه كأيامكم" أخرجه الطبراني، وهو عند أحمد بنحوه بسند جيد ولفظه: تطوى له الأرض في أربعين يومًا، إلا ما كان من طيبة" الحديث، وأصله عند مسلم، عن النواس بن سمعان بلفظ: قلنا: يا رسول الله! فما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا" فذكره وزاد: قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كالسة تكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، اقدروا له قدره"، قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح"، وله عن عبد الله بن عمرو: "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري يومًا أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا" الحديث، والجزم بأنها أربعون يومًا مقدّم على هذا الترديد، فقد أخرجه الطبراني من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بلفظ: "يخرج -يعني الدجال- فيمكث في الأرض أربعين صباحًا، يرد فيها كل منهل، إلا الكعبة والمدينة وبيت المقدس" الحديث، فيحصر المؤمنين فيه، ثم يهلكه الله" وفي حديث جنادة بن أبي أمية: أتينا رجلًا من الأنصار من الصحابة قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "أنذرتكم المسيح" الحديث، وفيه: "يمكث في الأرض أربعين صباحًا، يبلغ سلطانه كل منهل، لا يأتي أربعة مساجد؛ الكعبة، ومسجد الرسول، ومسجد الأقصى، والطور" أخرجه أحمد، ورجاله ثقات.
رجاله أربعة:
مرَّ منهم: إسماعيل بن أبي أويس في الخامس عشر من الإيمان، ومرَّ أبو هريرة في
стр. 6727
الثاني منه، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ نعيم المجمر في الثاني من الوضوء، أخرجه البخاري أيضاً في الفتن، ومسلم في الحج والنسائي فيه. وفي الطب.
الحديث الخامس عشر
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلاَّ سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلاَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ، إِلاَّ عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ صَافِّينَ، يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلاَثَ رَجَفَاتٍ، فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ".
قوله: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال" هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذ ابن حزم فقال: المراد ألا يدخله بعثه وجنوده، وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد، لقصر مدته، وغفل عما ثبت في صحيح مسلم أن بعض أيامه يكون قدر السنة، وفي رواية شيبان عن أنس في الفتن: "يجيء الدجال، حتى ينزل في ناحية المدينة" وفي حديث أبي سعيد التالي لهذا: "ينزل بعض السباخ التي بالمدينة"، وفي رواية حماد بن سلمة، عن إسحاق، عن أنس: "فيأتي سبخة الجرف، فيضرب رواقه، فيخرج إليه كل منافق، ومنافقة" والجرف -بضم الجيم والراء بعدها فاء- مكان بطريق المدينة من جهة الشام على ميل، وقيل: على ثلاثة أميال، والمراد بالرواق الفسطاط، ولابن ماجه: "نزل عند الطريق الأحمر عند منقطع السبخة".
وقوله: "ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات" أي: تحصل لها زلزلة بعد أخرى، ثم ثالثة، حتى يخرج منها من ليس مخلصًا في إيمانه، ويبقى بها المؤمن الخالص، فلا يسلط عليه الدجال، ولا يعارض هذا ما في حديث أبي بكرة الماضي أنه لا يدخل المدينة رعب الدجال، لأن المراد بالرعب ما يحصل من الفزع من ذكره، والخوف من عتوه، إلا الرجفة التي تقع بالزلزلة؛ لإخراج من ليس بمخلص، وحمل بعض العلماء الحديث الذي فيه: "أنها تنفي الخبث" على هذه الحالة دون غيرها، وقد تقدم أن الصحيح في معناه أنه خاص بناس وبزمان، فلا مانع أن يكون هذا الزمان هو المراد، ولا يلزم من كونه مرادًا نفي غيره، وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد والحاكم رفعه: "يجيء الدجال، فيصعد أحدًا فيتطلع فينظر إلى المدينة فيقول لأصحابه: ألا تروا إلى هذا القصر الأبيض هذا مسجد أحمد، ثم يأتي المدينة، فيجد بكل نقب من نقابها ملَكًا مصلتًا سيفه، فيأتي سبخة الجرف، فيضرب رواقه، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة، ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه، فتخلص المدينة فذلك يوم الخلاص، وفي حديث أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الذي تقدمت الإشارة إليه أول الباب، "وتطوى له طي فروة الكبش حتى يأتي المدينة فيغلب
стр. 6728
على خارجها، ويمنع داخلها، ثم يأتي إيلياء، فيحاصر عصابة من المسلمين"، وحاصل ما وقع به الجمع أن الرعب المنفي هو الخوف والفزع، حتى لا يحصل لأحد فيها بسبب نزوله بقربها شيء منه، أو هو عبارة عن غاشية، وهو غلبته عليها، والمراد بالرجفة الارفاق، وهو إشاعة مجيئه، وأنه لا طاقة لأحد به فيسارع إليه حينئذ من كان يتصف بالنفاق والفسق، فيظهر حينئذ تمام أنها تنفي خبثها، وفي رواية أنس في الفتن زيادة: "إن شاء الله"، بعد قوله: "فلا يقربنها الدجال ولا الطاعون"، قيل: هذا الاستثناء محتمل للتعليق، ومحتمل للتبرك، وهو أولى، وقيل: إنه يتعلق بالطاعون فقط، وفيه نظر، ففي حديث محجن بن الأدرع المذكور آنفًا: "لا يدخلها الدجال إن شاء الله تعالى"، وهذا يؤيد أنه لكل منهما، وفي حديثه: "تلقاه بكل نقب من نقابها مَلَكٌ مصلت سيفه، يمنعه عنها"، وعند الحاكم عن أبي عبد الله القراظ: سمعت سعد بن مالك وأبا هريرة يقولان: قال رسول الله ﷺ : "اللهم بارك لأهل المدينة" الحديث وفيه: "ألا إن الملائكة مشتبكة بالملائكة، على كل نقب من أنقابها مَلَكَان يحرسانها، لا يدخلها الطاعون، ولا الدجال"، قال ابن العربي: يجمع بين هذا وبين قوله: "بكل نقب من نقابها ملك مصلت سيفه" بأن سيف أحدهما مسلول والآخر بخلافه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ومرَّ الأوزاعي في العشرين منه، ومرَّ إسحاق بن عبد الله في الثامن منه، ومرَّ الوليد بن مسلم في السادس والثلاثين من مواقيت الصلاة، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان، أخرجه مسلم في الفتن والنسائي في الحج.
الحديث السادس عشر
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا طَوِيلاً عَنِ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَنْ قَالَ: "يَأْتِي الدَّجَّالُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ، بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، هُوَ خَيْرُ النَّاسِ، أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ، الَّذِي حَدَّثَنَا عَنْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لاَ. فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَقْتُلُهُ فَلاَ أُسَلَّطُ عَلَيْهِ".
قوله: "حدثنا طويلًا عن الدجال" كذا ورد من هذا الوجه مبهمًا، وقد ورد من غير هذا الوجه، عن أبي سعيد ما لعله يؤخذ منه ما لم يذكر لما في رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد عند مسلم، أنه يهودي وأنه لا يولد له، وأنه لا يدخل مكة ولا المدينة، وفي رواية عطية عن
стр. 6729
أبي سعيد رفعه في صفة عين الدجال، وفيه: "ومعه مثل الجنة والنار، وبين يديه رجلان ينذران أهل القرى، كلما خرجا من قرية، داخل أوائله"، أخرجه أبو يعلى والبزار، وهو عند أحمد بن منيع مطول، وسنده ضعيف وفي رواية أبي الوداك عن أبي سعيد رفعه في صفة عين الدجال أيضًا وفيه: "معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء، يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تدخن" وسأتكلم ان شاء الله تعالى بعد تمام الكلام على الحديث، على هذه الزيادات المذكورة في هذه الروايات، من صفة العين، والجنة، والنار.
وقوله: "يأتي الدجال" أي: إلى ظاهر المدينة.
وقوله: "فينزل بعض السباخ" -بكسر المهملة وتخفيف الموحدة- جمع سبخة بفتحتين وهي الأرض الرملة التي لا تنبت لملوحتها، وهذه الصفة خارج المدينة من غير جهة الحرة، وقد مرَّ في الذي قبله الكلام على محل نزوله بأوفر من هذا.
وقوله: "التي تلي المدينة" أي: من قبل الشام.
وقوله: "فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس، أو من خير الناس"، وفي رواية الفتن: "أو من خيار الناس"، وفي رواية أبي الوداك عند مسلم عن أبي سعيد: "فيتوجه قبله رجل من المؤمنين، فليلقاه مسالح الدجال فيقولون: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء، فينطلقون به إلى الدجال -بعد أن يريدوا قتله- فإذا رآه قال: يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكره رسول الله ﷺ "، وفي رواية عطية: "فيدخل القرى كلها؛ غير مكة والمدينة، حرمتا عليه، والمؤمنون متفرقون في الأرض، فيجمعهم الله، فيقول رجل منهم: والله لأنطلقن فلأنظرن هذا الذي أنذرناه رسول الله ﷺ ، فيمنعه أصحابه خشية أن يفتتن به، فيأتي حتى إذا أتى أدنى مسلحة من مسالحه أخذوه، فسألوه: ما شأنه؟ فيقول: أريد الدجال الكذاب، فيكتبون إليه بذلك فيقول: أرسلوا به إليّ، فلما رآه عرفه"، والمسلحة: الثغر، والقوم ذوو سلاح.
وقوله: "فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ " حديثه في رواية عطية: "أنت الدجال الكذاب، الذي أنذرناه رسول الله ﷺ " وزاد: "فيقول له الدجال: لتطيعني فيما آمرك به، أو لأشقنك شقتين، فينادي: يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب.
وقوله: "فيقول الدجال: أرأيتم ان قتلت هذا، فأحييته" إلخ في رواية عطية: "ثم يقول الدجال لأوليائه" وهذا يوضح أن الذي يجيبه بذلك أتباعه، ويرد قول من قال: إن المؤمنين يقولون له ذلك تَقِيَّةً، أو مرادهم: لا نشك أي: في كفرك وبطلان قولك.
وقوله: "فيقتله، ثم يحييه"، في رواية أبي الوداك: "فيأمر به الدجال فيشج، فيشبع ظهره وبطنه ضربًا"، فيقول: أما تؤمن بي فيقول: أنت المسيح الكذاب، فيؤمر به، فيوشر بالميشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه، ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول: قم؛ فيستوي
стр. 6730
قائمًا"، وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم: "فيدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين، ثم يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك" وفي رواية عطية: فيأمر به فيمد برجليه، ثم يأمر بحديدة فتوضع على عجيب ذنبه، ثم يشقه شقتين، ثم يقول الدجال لأوليائه: أرأيتم إن أحييت لكم هذا ألستم تعلمون أني ربكم؟ فيقولون: نعم فيأخذ عصى، فضرب أحد شقيه فاستوى قائمًا، فلما رأى ذلك أولياؤه صدقوه، وأحبوه وأيقنوا بذلك أنه ربهم، عطية ضعيف، قال ابن العربي: هذا اختلاف عظيم في قتله بالسيف وبالميشار، قال: فيجمع بأنهما رجلان يقتل كلا منهما قتلة غير قتلة الآخر، كذا قال: والأصل عدم التعدد، ورواية الميشار تفسر رواية الضرب بالسيف فلعل السيف كان فيه فلول فصار كالميشار، وأراد المبالغة في تعذيبه بالقتلة المذكورة، ويكون قوله: "فضربه بالسيف" مفسرًا لقوله: أنه نشره.
وقوله: "فيقطعه جزلتين" إشارة إلى آخر أمره لما ينتهي نشره، قلت: وفي هذا الجمع تكلف واضح، قال ابن العربي: وقد وقع في قصة الذي قتله الخضر أنه وضع يده في رأسه فاقتلعه، وفي أخرى فاضجعه فذبحه بالسكين، فلم يكن بد من ترجيح إحدى الروايتين علي الأخرى، لكن القصة واحدة، وقد مرَّ الجمع بين روايتي الخضر آخر كتاب العلم في باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم؟؛ قال الخطابي: فإن قيل: كيف يجوز أن يجري الله الآية على يد الكافر؛ فإن إحياء الموتى آيةٌ عظيمة من آيات الأنبياء، فكيف ينالها الدجال؛ وهو كذاب مفتر يدعي الربوبية؟ فالجواب: أنه على سبيل الفتنة للعباد، إذ كان عندهم ما يدل على أنه مبطل، غير محق في دعواه وهو أنه أعور مكتوب على جبهته كافر، يقرأه كل مسلم، فدعواه داحضة مع وسلم الكفر، ونقص الذات، والقدر، إذ لو كان الهًا لأزال ذلك عن وجهه، وآيات الأنبياء سالمة من المعارضة فلا يشتبهان، وقال الطبري: لا يجوز أن تعطى أعلام الرسل لأهل الكذب والإفك في الحالة التي لا سبيل لمن عاين ما أتى به فيها، إلا الفصل بين المحق منهم، والمبطل، فاما إذا كان لمن عاين ذلك السبيل إلى علم الصادق من الكاذب، فمن ظهر ذلك على يده فلا ينكر إعطاء الله ذلك للكذابين، فهذا بيان الذي أعطيه الدجال من ذلك فتنة لمن شاهده، ومحنة لمن عاينه، وفي الدجال مع ذلك دلالة بينة لمن عقل على كذبه؛ لأنه ذو أجزاء مؤلفة، وتاثير الصنعة فيه ظاهر، مع ظهور الآفة به من عور عينه، فإذا دعا الناس إلى أنه ربهم فأسوأ حال من يراه من ذوي العقول أن يعلم أنه لم يكن ليسوي خلق غيره، ويعدله، ويحسنه، ولا يدفع النقص عن نفسه، فأقل ما يجب أن يقول: يا من يزعم أنه خالق السماء والأرض صور نفسك وعدلها، وأزل عنها العاهة، فإن زعمت أن الرب لا يحدث في نفسه شيئًا فأزل ما هو مكتوب بين عينيك، وقال المهلب: ليس في اقتدار الدجال على إحياء المقتول ما يخالف قوله ﷺ الآتي إن شاء الله تعالى: "هو أهون على الله من ذلك" أي: من أن يمكن من المعجزات تمكينًا صحيحًا؛ فإن اقتداره
стр. 6731
على قتل الرجل ثم إحياثه لم يستمر له فيه، ولا في غيره، ولا استضر به المقتول إلا ساعة تألمه بالقتل، مع حصول ثواب ذلك له، وقد لا يكون وجد للقتل ألمًا لقدرة الله تعالى علي دفع ذلك عنه، قلت: وهذا هو الظاهر عندي، وقال ابن العربي: الذي يظهر على يد الدجال من الآيات: من إنزال المطر، والخصب على من يصدقه، والجدب على من يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنة ونار، ومياه تجري كل ذلك محنة من الله، واختبار ليهلك المرتاب، وينجو المتيقن، وذلك كله أمر مخوف، ولهذا قال ﷺ : "لا فتنة أعظم من فتنة الدجال، وكان يستعيذ منها في صلاته تشريعًا لأمته.
وأما قوله في الحديث الآخر عند مسلم: "غير الدجال أخوف لي عليكم" فإنما قال ذلك للصحابة؛ لأن الذي خافه عليهم أقرب إليهم من الدجال، فالقريب المتيقن وقوعه لمن يخاف يشتد الخوف منه على البعيد المظنون وقوعه به، ولو كان أشد.
وقوله: "فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني الآن"، في رواية أبي الوداك: "ما أزددت فيك إلا بصيرة، ثم يقول: يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس"، وفي رواية عطية: "فيقول له الدجال: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنا الآن أشد بصيرة فيك مني، ثم نادى في الناس: يا أيها الناس، هذا المسيح الكذاب؛ من أطاعه فهو في النار، ومن عصاه فهو في الجنة"، ونقل ابن التين عن الداودي أنه إذا قال ذلك للدجال، ذاب كما يذوب الملح في الماء؛ كذا قال، والمعروف أن ذلك إنما يحصل للدجال إذا رأى عيسى بن مريم.
وقوله: "فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه" في رواية أبي الوداك: "فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس، فلا يستطيع إليه سبيلًا" وفي رواية عطية: "فقال له الدجال: لتطيعني أو لأذبحنك، فقال: والله لا أطيعك أبدًا، فأمر به، ناضجع، فلا يقدر عليه، ولا يتسلط عليه مرة واحدة" زاد: "فأخذ بيديه ورجليه فألقي في النار وهي غبراء ذات دخان"، وفي رواية أبي الوداك: "فيأخذ بيديه ورجليه، فيقذف به، فيحسب الناس أنه قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة" زاد في رواية عطية: "قال النبي ﷺ : "ذلك الرجل أقرب أمتي مني، وأرفعهم درجة" وفي رواية أبي الوداك: "هذا أعظم شهادة عند رب العالمين"، وعند أبي يعلى، وعبد بن حميد، عن عطية: "أنه يذبح ثلاث مرات، ثم يعود ليذبحه الرابعة فيضرب الله على حلقه بصفيحة نحاس، فلا يستطيع ذبحه"، والأول هو الصواب، وفي حديث عبد الله بن عمرو رفعه في ذكر الدجال: "يدعو برجلٍ لا يسلطه الله إلا عليه" فذكر نحو رواية أبي الوداك، وفي آخره: "فيهوي إِليه بسيفه، فلا يستطيعه، فيقول: أخِّروه عني"، وفي حديث عبد الله بن المعتمر: "ثم يدعو برجل فيما يرون، فيؤمر به فيقتل، ثم يقطع أعضاءه كل عضو على حدة، فيفرق بينها، حتى يراه الناس، ثم يجمعها، ثم
стр. 6732
يضرب بعصا، فإذا هو قائم، فيقول: أنا الله الذي أميت وأحيي قال: وذلك كله سحر، سحر أعين الناس، ليس يعمل من ذلك شيئًا" وهو سند ضعيف جدًا، وفي رواية أبي يعلى من الزيادة: "قال أبو سعيد: كنا نرى ذلك الرجل عمر بن الخطاب لما نعلم من قوته وجلده"، وفي "صحيح مسلم" عقب رواية عبيد الله بن عتبة، قال أبو إسحاق يقال: إن هذا الرجل هو الخضر كذا، أطلق فظن القرطبي أن أبا إسحاق المذكور هو السبيعي أحد الثقات من التابعين، ولم يصب في ظنه؛ فإن السند المذكور لم يجر لأبي إسحاق فيه ذكر؛ وإنما أبو إسحاق الذي قال ذلك هو: إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد، راوي "صحيح مسلم" عنه كما جزم به عياض، والنووي وغيرهما، وقد ذكر ذلك القرطبي في "تذكرته" أيضًا قبل فكأن قوله في الموضع الثاني: السبيعي؛ سبق قلم، ولعل مستنده في ذلك ما قاله معمر في جامعه بعد ذكر هذا الحديث، قال معمر: بلغني أن الذي يقتله الدجال الخضر، وكذا أخرجه ابن حبان، عن عبد الرزاق، عن معمر قال: كانوا يرون أنه الخضر، وقال ابن العربي: سمعت من يقول: إن الذي يقتله الدجال، هو الخضر، وهذه دعوى لا برهان لها، وقد تمسك من قاله بما أخرجه ابن حبان في "صحيحه" عن أبي عبيدة بن الجراح رفعه في ذكر الدجال: لعله يدركه بعض من رآني، أو سمع كلامي" الحديث، ويعكر عليه قوله في رواية لمسلم، - تقدم التنبيه عليها-: شاب ممتلىء شبابًا" ويمكن أن يجاب بأن من جملة خصائص الخضر أن لا يزال شابًا، ويحتاج إلى دليل، قلت: دليله ظاهر فإن الخضر لو كان يهرم كغيره من الأدميين، يكون داخلًا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ فيكون من مدة طويلة، رجع إلى غاية من الضعف لا حركة لها، فالذي يظهر أنه ممتع بشبابه وصحته.
ثم أعلم أني ذكرت لك عند أول شرح هذا الحديث أني سأذكر لك ما في بعض روايات حديث أبي سعيد هذا، مما مع الدجال من الجنة والنار، وغير ذلك، ومن صفته فأقول: اعلم أن البخاري أخرج في الفتن، عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال في الدجال: "إن معه ماء" ونارًا؛ فنارُه ماءٌ باردٌ، وماؤه نارٌ" وعند مسلم عن ربعي: اجتمع حذيفة وأبو مسعود فقال حذيفة: لأنا بما مع الدجال أعلم منه، وفي رواية عن ربعي أيضًا، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "لأنا أعلم مما مع الدجال منه، معه نهران يجريان أحدهما رأي العين: ماء أبيض، والآخر رأي العين: نار تأجج" وفي رواية شعيب بن صفوان: "فأما الذي يراه الناس ماء فنارٌ محرق، وأما الذي يراه الناس نارًا فماءٌ باردٌ" الحديث، وفي حديث سفينة عند أحمد والطبراني: "معه واديان، أحدهما: جنة، والآخر: نار، فناره جنة، وجنته نار"، وفي حديث أبي أمامة عند ابن ماجه: "وإن من فتنته أن معه جنةً ونارًا فناره جنة، وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليستغث بالله، وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردًا وسلامًا.
وقوله: "ماؤه نار" زاد محمد بن جعفر في روايته: "فلا تهلكوا" وفي رواية أبي مالك:
стр. 6733
"فإن أدركه أحد فليأت النهر الذي يراه نارًا، وليغمض، ثم ليطاطىء رأسه فيشرب"، وفي رواية شعيب بن صفوان: "فمن أدرك ذلك منكم، فليقع في الذي يراه نارًا، فإنه ماء عذب طيب"، وفي حديث أبي سلمة عن أبي هريرة: "وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول: إنه الجنة هي النار" أخرجه أحمد، وهذا كله يرجع إلى اختلاف المرئي بالنسبة إلى الرائي، فإما أن يكن الدجال ساحرًا فيخيل الشيء بصورة عكسه، وإما أن يجعل الله باطن الجنة التي يسخرها الدجال نارًا وباطن النار جنة، وهذا الراجح، وإما أن يكون ذلك كناية عن النعمة والرحمة بالجنة، وعن المحنة والنقمة بالنار، فمن أطاعه فأنعم عليه بجنته يؤول أمره إلى دخول نار الآخرة، وبالعكس، ويحتمل أن يكون ذلك من جملة المحنة، والفتنة، فيرى الناظر إلى ذلك من دهشته النار فيظنها جنة، وبالعكس.
وهذا الحديث لا يعارض ما أخرجه الشيخان عن المغيرة بن شعبة قال: ما سأل أحد النبي ﷺ عن الدجال ما سألته وإنه قال لي: "ما يضرك منه؟ " قلت: لأنهم يقولون: إن معه جبل خبز، ونهر ماء، قال: بل هو أهون على الله من ذلك.
فقد قال عياض: معناه هو أهون من أن يجعل ما يخلقه على يده مضلًا للمؤمنين، ومشككًا لقلوب الموقنين بل ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويرتاب الذين في قلوبهم مرض، فهو مثل قول الذي يقتله: ما كنت أشد بصيرة مني فيك، لأن قوله: "هو أهون على الله من ذلك" أنه ليس معه شيء من ذلك، بل المراد أهون من أن يجعل شيئًا من ذلك آية علي صدقه لاسيما، وقد جعل فيه آية ظاهرة في كذبه وكفره يقرؤها من قرأ، من لا يقرأ زائدة علي شواهد كذبه من حدثه ونقصانه، والحامل على هذا التأويل أنه ورد في حديث آخر مرفوع، ومعه جبل من خبز ونهر من ماء، أخرجه أحمد والبيهقي في "البعث" عن مجاهد، قال: إنطلقنا إلى رجل من الأنصار فقلنا له: حدثنا بما سمعت من رسول الله ﷺ في الدجال، ولا تحدثنا عن غيره، فذكر حديثًا فيه: "تمطر الأرض ولا ينبت الشجر، ومعه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار، ومعه جبل خبز" ورجاله ثقات، ولأحمد عن جنادة بن أبي أمية عن رجل من الأنصار: "معه جبال الخبز وأنهار الماء"، ولأحمد عن جابر معه جبال من خبز والناس في جهد إلا من تبعه، ومعه نهران، الحديث فدل أثبت من ذلك على أن قوله: هو أهون علي الله من ذلك، ليس المراد به ظاهره، وأنه لا يجعل على يديه شيئًا من ذلك، بل هو علي التأويل المذكور، قال ابن العربي أخذ بظاهر قوله: "هو أهون على الله من ذلك" من رد من المبتدعة الأحاديث الثابتة أن معه جنة ونارًا، وغير ذلك قال: وكيف يرد بحديث محتمل ما ثبت في غيره من الأحاديث الصحيحة، فلعل الذي جاء في حديث المغيرة جاء قبل أن يبين النبي ﷺ أمره، ويحتمل أن يكون قوله: "هو أهون أي: لا يجعل له ذلك حقيقة، وإنما هو تخييل وتشبيه على الأبصار، فيثبت المؤمن ويزل الكافر، ومال ابن حبان في "صحيحه"
стр. 6734
إلى الآخر فقال: هذا لا يضاد خبر أبي مسعود بل معناه أنه أهون على الله من أن يكون نهر ماء يجري فإن الذي معه يرى أنه ماء وليس بماء.
وقوله: في حديث المغيرة أنهم يقولون: "الضمير للناس أو لأهل الكتاب".
وقوله: "معه جبل خبز" بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة بعدها زاي، المراد به أن معه من الخبز قدر الجبل وأطلق الخبز وأراد به أصله، وهو القمح مثلًا، زاد في رواية هشيم عند مسلم معه جبال من خبز، ولحم، ونهر من ماء، وفي رواية إبراهيم بن حميد أن معه الطعام، والأنهار، وفي رواية يزيد بن هارون أن معه الطعام والشراب، وأما وصفه فقد أخرج البخاري، عن عبد الله بن عمر قال: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: "إني لأنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذره قومه ولكني سأقول، لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه، إنه أعور وإن الله ليس بأعور".
وقوله: "وما من نبي إلا وقد انذره قومه"، زاد في رواية معمر لقد أنذره، نوح قومه، وفي حديث أبي عبيدة بن الجراح عند أبي داود والترمذي وحسنه لم يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر قومه الدجال، وعند أحمد لقد أندره نوح أمته والنبيئون من بعده، أخرجه من وجه آخر عن ابن عمر وقد استشكل إنذار نوح قومه بالدجال، مع أن الأحاديث قد ثبتت أنه يخرج بعد أمور ذكرت، وأن عيسى يقتله بعد أن ينزل من السماء فيحكم بالشريعة المحمدية، والجواب أنه كان وقت خروجه أخفى على نوح ومن بعده فكأنهم أنذروا به، ولم يذكر لهم وقت خروجه، فحذروا قومهم من فتنته ويؤيده قوله ﵊ في بعض طرقه "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه"، فإنه محمول على أن ذلك كان قبل أن يتبين له وقت خروجه، وعلاماته فكان يجوز أن يخرج في حياته ﵊، ثم بين له بعد ذلك حاله، ووقت خروجه فأخبر به فبذلك تجتمع الأخبار، قال ابن العربي إنذار الأنبياء أممهم بأمر الدجال تحذير من الفتن وطمأنينة لها حتى يزعزعها عن حسن الاعتقاد، وكذلك تقريب النبي ﷺ له زيادة في التحذير، وأشار مع ذلك إلى أنهم إذا كانوا على الإيمان ثابتين دفعوا الشبه باليقين.
وقوله: "لم يقله نبي لقومه" قيل: إن السر في اختصاص النبي ﷺ بالتنبيه المذكور مع أنه أوضح الأدلة في تكذيب الدجال، أن الدجال إنما يخرج في أمته دون غيرها من الأمم المتقدمة، ودل الخبر على أن علم كونه يختص خروجه بهذه الأمة كان طوي عن غير هذه الأمة. كما طوي عن الجميع علم وقت قيام الساعة.
وقوله: "إنه أعور وإن الله ليس بأعور" إنما اقتصر على ذلك مع أن أدلة الحدوث في الدجال ظاهرة. لكون العور أثر محسوس يدركه العالم والعامي، ومن لا يهتدي إلى الأدلة
стр. 6735
العقلية فإذا ادعى الربوبية وهو ناقص الخلقة، والإله يتعالى عن النقص علم أنه كاذب، وزاد مسلم في رواية يونس، والترمذي في رواية معمر قال الزهري: فأخبرني عمرو بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب النبي ﷺ ، أن النبي ﵊ قال يومئذ للناس وهو يحذرهم: "تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت"، وعند ابن ماجه نحو هذه الزيادة من حديث أبي أمامة وعند البزار عن عبادة بن الصامت وفيه تنبيه على أن دعواه الربوبية كذب، لأن رؤية الله تعالى مقيدة بالموت، والدجال يدعى أنه الله، ويراه الناس مع ذلك، وفي هذا الحديث رد على من يزعم أنه يرى الله تعالى في اليقظة، تعالى الله عن ذلك، ولا يرد على ذلك رؤية النبي ﷺ له ليلة الإسراء، لأن ذلك من خصائصه ﵊، فأعطاه الله تعالى في الدنيا القوة التي ينعم بها على المؤمنين في الآخرة، وأخرج البخاري عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية".
وقوله: "أعور العين اليمنى" في رواية غير أبي ذر أعور عين اليمنى بغير ألف ولام، ومثله في رواية الطبراني، وفي رواية لابن عمر في رؤيته ﵊ لعيسى بن مريم في النوم، قال: ثم ذهبت التفت فإذا رجل جسيم أحمر، جعد الرأس، أعور العين، كأنه عينه عنبة طافية فقالوا: هذا الدجال، وفي رواية مالك: جعد قطط أعور، وفي رواية حنظلة: ورأيت وراءه رجلًا أحمر، جعد الرأس، أعور العين اليمنى، ففي هذه الطرق أنه أحمر، وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الطبراني: أنه آدم جعد، فيمكن أن تكون أدمته صافية ولا ينافي أن يوصف مع ذلك بالحمرة لأن كثيرًا من الأدم قد تحمر وجنته.
وقوله: "عنبة طافية" بياء غير مهموز أي: بارزة ولبعضهم بالهمز أي ذهب ضوءها قال القاضي عياض: رويناه عن الأكثر بغير همز، وهو الذي صححه الجمهور، وجزم به الأخفش ومعناه أنها ناتئة نتوء حبة العنب بين أخواتها، قال: وضبطه بعض الشيوخ بالهمز وأنكره بعضهم ولا وجه لإِنكاره فقد جاء في آخر أنه ممسوح العين مطموسة وليست جحراء ولا ناتئة، وهذه صفة حبَّة العنب إذا سأل ماؤها وهو يصحح رواية الهمز، والحديث المذكور عند أبي داود يوافقه حديث عبادة بن الصامت، ولفظه: "رجل قصير أفحج" بفاء ساكنة، ثم مهملة مفتوحة ثم جيم من الفحج، وهو تباعد ما بين الساقين، أو الفخذين، وقيل تداني صدور القدمين مع تباعد العقبين، وقيل: هو الذي في رجله اعوجاج، وفي الحديث المذكور جعد أعور مطموس العين، ليست بناتئة بنون ومثناة، ولا جحراء بفتح الجيم وسكون المهملة ممدود أي: عميقة وبتقديم الحاء أي: ليست متصلبة، وفي حديث عبد الله بن مغفل ممسوح العين، وفي حديث سمرة مثله وكلاهما عند الطبراني، ولكن في حديثهما أعور العين اليسرى، ومثله لمسلم في حديث حذيفة، وهذا بخلاف قوله في الحديث السابق أعور العين اليمنى، وقد اتفقا عليه من حديث ابن عمر، فيكون أرجح، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، لكن جمع بينهما
стр. 6736
القاضي عياض فقال: تصحح الروايتان معًا بأن تكون المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة بالهمز أي: التي ذهب ضوؤها، وهي العين اليمنى كما في حديث ابن عمر، وتكون الجاحظة التي كأنها كوكب وكأنها نخاعة في حائط هي الطافية، بلا همز وهي العين اليسرى، كما جاء في الرواية الأخرى، وعلى هذا فهو أعور العين اليمنى واليسرى معًا فكل واحدة منهما عوراء أي: معيبة فإن الأعور من كل شيء المعيب، وكلا عيني الدجال معيبة فإحداهما معيبة بذهاب ضوئها حتى ذهب إدراكها، والأخرى بنتوئها قال النووي: هو في غاية الحسن وقال القرطبي: في الفهم حاصل كلام القاضي أن كل واحدة من عيني الدجال عوراء، إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها والأخرى بأصل خلقها معيبة لكن يبعد هذا التأويل، أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الرواية بمثل ما وصفت به الأخرى من العور وأجاب صاحبه القرطبي في "التذكرة" بأن الذي تأوله القاضي صحيح، فإن المطموسة وهي التي ليست ناتئة ولا جحراء هي التي فقدت الإدراك، والأخرى وصفت بأن عليها ظفرة، وهي جلدة تغشى العين وإذا لم تقطع عميت العين، فالعور فيهما لأن الظفرة مع غلظها تمنع الإدراك أيضًا، فيكون الدجال أعمى أو قريبًا من ذلك، إلا أنه جاء ذكر الظفرة في العين اليمنى في حديث سفينة جاء في العين الشمال في حديث سمرة.
وهذا هو الذي أشار إليه شيخه بأن كل واحدة منهما جاء وصفها بمثل ما وصفت الأخرى، ثم قال: في "التذكرة" يحتمل أن تكون كل واحدة منهما عليها ظفرة، فإن في حديث حذيفة أنه ممسوح العين عليها ظفرة غليظة، قال: وإذا كانت الممسوحة عليها ظفرة فالتي ليست كذلك، أولى قال: وقد فسرت الظفرة بأنها لحمة كالعلقة، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخاعة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري فوصف عينيه معًا وعند أبي يعلى من هذا الوجه أعور ذو حدقة جاحظة لا تخفى كأنها كوكب دري ولعلها أبين؛ لأن المراد بوصفها بالكوكب شدة إتقادها وهذا بخلاف وصفها بالطمس، وفي حديث أبي بن كعب عند أحمد والطبراني: "إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء"، وهو يوافق وصفها بالكوكب، وفي حديث سفينة، عند أحمد والطبراني أعور عينه اليسرى بعينه اليمنى ظفرة غليظة، والذي يتحصل من مجموع الأخبار أن الصواب في طافية بغير همز فإنها قيدت في الرواية الماضية بأنها اليمنى، وصرح في حديث عبد الله بن مغفل، وسمرة وأبي بكرة بأن عينه اليسرى ممسوحة، والطافية هي البارزة، وهي غير الممسوحة، والعجب ممن يجوز رواية الهمز في طافية وعدمه مع تضاد المعنى في حديث واحد، فلو كان ذلك في حديثين لسهل الأمر، وأما الظفرة فجائز أن تكون في كلا عينيه لأنه لا يضاد الطمس، ولا النتوء، وتكون التي ذهب ضوؤها هي المطموسة، والمعيبة مع بقاء ضوئها هي البارزة، وتشبيهها بالنخاعة في الحائط المجصص في غاية البلاغة، وأما تشبيهها
стр. 6737
بالزجاجة الخضراء، وبالكوكب الدري فلا ينافي ذلك؛ فإن كثيرًا ممن يحدث له في عينه النتوء يبقى معه الإدراك، فيكون الدجال من هذا القبيل، وقال البيضاوي: الظفرة لحمة تنبت عند المآق، وقيل: جلدة تخرج في العين من الجانب الذي يلي الأنف، ولا يمنع أن تكون في العين السالمة، بحيث لا تواري الحدقة بأسرها بل تكون على حدتها، قال ابن العربي: في اختلاف صفات الدجال بما ذكر من النقص، بيان أنه لا يدفع النقص عن نفسه، كيف كان، وأنه محكوم عليه في نفسه، وقال القاضي عياض: في هذه الأحاديث حجة لأهل السنة في صحة وجود الدجال، وأنه شخص معين يبتلي به الله العباد، ويقدره على أشياء كإحياء الميت الذي يقتله، وظهور الخصب، والأنهار، والجنة، والنار، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وكل ذلك بمشيئة الله، ثم يعجزه الله فلا يقدر على قتل ذلك الرجل، ولا غيره، ثم يبطل أمره، ويقتله عيسى بن مريم، وقد خالف في ذلك بعض الخوارج والمعتزلة والجهمية؛ فأنكروا وجوده، وردوا الأحاديث الصحيحة، وذهب طوائف منهم كالجبائي إلى أنه صحيح الوجود، لكن كل الذي معه مخاريق وخيالات لا حقيقة لها، وألجأهم إلى ذلك أنه لو كان ما معه بطريق الحقيقة لم يوثق بمعجزات الأنبياء، وهو غلط منهم؛ لأنه لم يدع النبوءة فتكون الخوارق على صدقه وإنما ادعى الإلهية، وصورة حاله تكذبه لعجزه ونقصه، فلا يغتر به إلا رعاع الناس، إما لشدة الحاجة والفاقة، وإما تَقِيَّةً وخوفًا من أذاه وشرِّه، مع سرعة مروره في الأرض، فلا يمكث حتى يتأمل الضعفاء حاله فمن صدقه في تلك الحال لم يلزم منه بطلان معجزات الأنبياء، ولهذا يقول له الذي يحييه بعد أن يقتله: ما ازددت فيك إلا بصيرة، ولا يعكر على ذلك ما ورد في حديث أبي أمامة عند ابن ماجه أنه يبدأ فيقول: أنا نبي، ثم يثني فيقول: أنار ربكم، فإنه يحمل على أنه إنما يظهر الخوارق بعد قوله الثاني، وفي حديث أبي أمامة: وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك؛ أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه يقولان له: يا بني!! اتبعه فإنه ربك، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلك، ويمر بالحي فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر والأرض أن تنبت فتمطر وتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كان، وأعظم، وأمده خواصر، وأدره ضروعًا.
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرَّ الأربعة الأول بهذا النسق في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ عبيد الله المسعودي في السادس منه، ومرَّ أبو سعيد في الثاني عشر من الإيمان، وفي الحديث لفظ رجل مبهم، وقد قيل: إنه الخضر ﵇، وقد مرَّ في الخامس عشر من العلم؛ أخرجه البخاري أيضًا، ومسلم في الفتن، والنسائي في الحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6738
باب المدينة تنفي الخبث
أي: بإخراجه وإظهاره.
الحديث السابع عشر
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ، فَجَاءَ مِنَ الْغَدِ مَحْمُومًا، فَقَالَ: أَقِلْنِي، فَأَبَى ثَلاَثَ مِرَارٍ، فَقَالَ: "الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا".
قوله: "فجاء أعرابي" يأتي في السند ما قيل فيه.
وقوله: "فبايعه على الإِسلام، فجاء من الغد محمومًا، فقال: أقلني" ظاهره أنه سأل الإقالة من الإِسلام، وبه جزم عياض، وقال غيره: إنما استقال من الهجرة، وإلا لكان قتله على الردة.
وقوله: "ثلاث مرار" يتعلق بأقلني أو يقال، وقال القسطلاني: ثلاث مرار تنازعه الفعلان قبله، وهما: قوله: فقال، وقوله: فأبى.
وقوله: "المدينة كالكير" ذكر عبد الغني بن سعيد في كتاب "الأسباب" له عند حديث: "المدينة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الحديد": أن النبي ﷺ قاله في هذه القصة، وفيه نظر، والأشبه أنه قاله في قصة الذين رجعوا عن القتال معه يوم أحد.
وقوله: "كما تنفي خبثها" تقدم الكلام عليه في أول فضل المدينة.
وقوله: "وتنصع طيبها" بفتح أوله وسكون النون وبالمهملتين من النصوع، وهو الخلوص، والمعنى أنها إذا نفت الخبث يتميز الطيب، واستقر فيها، وقوله: "طيبها" الأكثر بالنصب علي المفعولية، وفي رواية الكشميهني بالتحتانية أوله، ورفع طيبها على الفاعلية وطيبها للجميع بالتشديد، وضبطه القزاز بكسر أوله، وبالتخفيف، ثم استشكله فقال: لم أر للنصوع في الطيب ذكرًا، وإنما الكلام يتضوع بالضاد المعجمة والواو الثقيلة، قال: ويروى وتنضخ بمعجمتين، وأغرب الزمخشري في "الفائق"، فضبطه بموحدة وضاد معجمة وعين، وقال: هو من أبضعه بضاعة إذا دفعها إليه، يعني أن المدينة تعطي طيبها لمن سكنها، وتعقبه الصفاني
стр. 6739
بأنه خالف جميع الرواة في ذلك وقال ابن الأثير: المشهور بالنون والصاد المهملة، قال ابن التين: إنما امتنع النبي ﷺ من إقالته لأنه لا يعين على معصية، لأن البيعة في أول الأمر كانت على أن لا يخرج من المدينة إلا بإذن، فخروجه عصيان، قال: وكانت الهجرة إلى المدينة قبل فتح مكة فرضًا على كل مسلم، ومن لم يهاجر لم يكن بينه وبين المؤمنين موالاة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ فلما فتحت مكة قال ﵊: "لا هجرة بعد الفتح" ففي هذا إشعار بأن مبايعة الأعرابي المذكور، كانت قبل الفتح، وقال ابن المنير: ظاهر الحديث ذم من خرج من المدينة، وهو مشكل، فقد خرج منها جمع كثير وسكنوا غيرها من البلاد، وكذا من بعدهم من الفضلاء، والجواب أن المذموم من خرج عنها كراهة فيها، ورغبة عنها، كما فعل الأعرابي المذكور، وأما المشار إليهم فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة كنشر العلم، وفتح بلاد الشرك، والمرابطة في الثغور وجهاد الأعداء، وهم مع ذلك على اعتقاد فضل المدينة، وفضل سكناها، قال ابن بطال عن المهلب: فيه تفضيل المدينة على غيرها، بما خصها الله به من أنها تنفي الخبث.
ورتب على ذلك القول بحجية إجماع أهل المدينة، وتعقب بقول ابن عبد البر: إن الحديث دال على فضل المدينة، ولكن ليس الوصف المذكور عامًّا لها في جميع الأزمنة، بل هو خاص بزمن النبي ﷺ ، لأنه لم يكن يخرج منها رغبة عن الإقامة معه؛ إلا من لا خير فيه، وقال عياض نحوه، وأيده بما أخرجه مسلم عن أبي هريرة: "لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكبير خبث الفضة" قال: والنار إنما تخرج الخبث والرديء، وقد خرج من المدينة بعد النبي ﷺ جماعة من الصحابة، وقطنوا غيرها، وماتوا خارجًا عنها كعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي عبيدة، ومعاذ وأبي الدرداء وغيرهم، فدل على أن ذلك خاص بزمنه ﵊ بالقيد المذكور، ثم يقع تمام إخراج الرديء منها في زمن محاصرة الدجال، كما مرَّ بيان ذلك مستوفى قريبًا.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، وفيه لفظ أعرابي مبهم: مرَّ عمرو بن عباس وعبد الرحمن بن مهدي في الأول من استقبال القبلة، مرَّ الثوري في السابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ محمد بن المنكدر في التاسع والخمسين من الوضوء، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الحي، والأعرابي المبهم قال في الفتح: لم أقف على اسمه إلا أن الزمخشري في ربيع الأبرار ذكر أنه قيس بن أبي حازم، وهو مشكل لأنه تابعي كبير مشهور صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي ﷺ قد مات وهو قد مرَّ في الخمسين من الإيمان؛ فإن كان محفوظًا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه، وفي الذيل لأبي
стр. 6740
موسى في الصحابة قيس بن أبي حازم المنقري فيحتمل أن يكون هو هذا.
وأخرجه البخاري أيضًا في الأحكام والنسائي في الحج.
الحديث الثامن عشر
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ يَقُولُ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نَقْتُلُهُمْ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لاَ نَقْتُلُهُمْ. فَنَزَلَتْ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينِ فِئَتَيْنِ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ".
قوله: "رجع ناس من أصحابه" وفي المغازي رجع ناس ممن خرج معه، يعني عبد الله بن أُبيّ ومن تبعه، وقد ورد ذلك صريحًا في رواية موسى بن عقبة في المغازي، وأن عبد الله بن أبيّ كان وافق رأيه رأي النبي ﷺ على الإقامة بالمدينة، فلما أشار غيره بالخروج وأجابهم النبي ﷺ فخرج قال عبد الله بن أُبي لأصحابه: أطاعهم وعصاني علامَ نقتل أنفسنا، فرجع بثلث الناس، قال ابن إسحاق: فأتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، -وكان خزرجيًا- كعبد الله بن أبي فناشدهم أن يرجعوا، فأبوا فقال: أبعدكم الله.
وقوله: "فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ هذا هو الصحيح في سبب نزولها، وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد بن معاذ قال: نزلت هذه الآية في الأنصار، خطب رسول الله ﷺ فقال: "من لي بمن يؤذيني" فذكر منازعة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد بن حضير، ومحمد بن مسملة قال: فأنزل الله هذه الآية، وفي سبب نزولها قول آخر؛ أخرجه أحمد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن قومًا أتوا المدينة، فأسلموا، فأصابهم الوياء، فرجعوا، واستقبلهم ناس من الصحابة، فأخبروهم، فقال بعضهم: "نافقوا، وقال بعضهم: لا، فنزلت، أخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سلمة مرسلًا فإن كان محفوظًا احتملب أن تكون نزلت في الأمرين معًا.
وقوله: "كما تنفي الرجال" كذا للأكثر، وللكشميهني: الدجال بالدال وتشديد الجيم؛ وهو تصحيف، وفي غزوة أحد تنفي الذنوب، وفي تفسير النساء: تنفي الخبث. وأخرجه في هذه المواضع كلِّها عن شعبة، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن غندر، عن شعبة، باللفظ الذي أخرجه في التفسير عن غندر أثبت الناس في شعبة، وروايته توافق رواية جابر الذي قبله؛ حيث قال فيه: تنفي خبثها، وكذا أخرجه مسلم عن أبي هريرة بلفظ: تخرج الخبث، ومضى في أول فضائل المدينة عن أبي هريرة: تنفي الناس، والرواية التي هنا بلفظ: تنقي
стр. 6741
الرجال لا تنافي الرواية بلفظ: الخبث؛ بل هي مفسرة للرواية المشهورة بخلاف تنفي الذنوب، ويحتمل أن يكون فيه حذف تقديره أهل الذنوب فيلتئم مع باقي الروايات.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ عدي بن ثابت، وعبد الله بن يزيد في الثامن والأربعين منه، ومرَّ زيد بن ثابت في تعليق بعد الثاني والعشرين من كتاب الصلاة.
فيه رواية صحابي عن صحابي أنصاريين، أخرجه البخاري أيضًا في المغازي والتفسير والمناسك، وفي ذكر المنافقين، وأخرجه الترمذي والنسائي في التفسير.
ثم قال المصنف:
باب
كذا للأكثر بلا ترجمة، وسقط من رواية أبي ذر فأشكل، وعلى تقدير ثبوته فلابد له من تعلق بالذي قبله؛ لأنه بمنزلة الفصل من الباب، وقد أورد فيه حديثي أنس ويأتي عند كل واحد وجه تعلقه بالذي قبله.
الحديث التاسع عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ".
وجه تعلقه بترجمة نفي الخبث، هو أن قضية الدعاء بتضعيف البركة وتكثيرها، تقليل ما يضادها، فيناسب ذلك نفي الخبث.
وقوله: "اجعل بالمدينة ضِعفَيْ ما جعلت بمكة من البركة" قال في "الفتح". أي: من بركة الدنيا بقرينة قوله في الحديث الآخر: "اللهم بارك لنا في صاعنا ومُدنا"، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك، لكن يستثنى من ذلك ما خرج بدليل، كتضعيف الصلاة بمكة علي المدينة، قلت: هذا كله انتصار منه لمذهبه، فالظاهر هو الاحتمال الثاني الذي هو العموم، ولا سبيل إلى تخصيصه بالحديث الذي ذكره؛ لأن القاعدة الأصولية أن ذكر الخاص بعد ذكر العام مقرونًا بحكمه، لا يفيد التخصيص فأحرى إذا لم يذكر بعده ولم يعلم هل هو متقدم عليه أو متأخر، واسشاء ما خرج بدليل إلخ غير مسلّم لأن الدليل الذي ذكر لم يثبت تأخيره عن هذا الحديث، ثم قال: واستدل به على تفضيل المدينة على مكة وهو ظاهر من هذه الجهة، لكن لا تلزم من حصول أفضلية المفضول في شيء من الأشياء ثبوت الأفضلية له
стр. 6742
على الإطلاق، وأما من ناقض ذلك بأنه يلزم أن يكون الشام واليمن أفضل من مكة؛ لقوله في الحديث الآخر: "اللهم بارك لنا في شامنا" وأعادها ثلاثًا، فقد تعقب بأن التأكيد لا يستلزم التكثير المصرح به في حديث الباب، وقال ابن حزم: لا حجة في حديث الباب لهم، لأن تكثير البركة بها لا يستلزم الفضل في أمور الآخرة، ورده عياض بأن البركة أعم من أن تكون في أمور الدين والدنيا؛ لأنها بمعنى النماء والزيادة، فأما في الأمور الدينية فلما يتعلق بها من حق الله تعالى من الزكاة، والكفارات، ولاسيما في وقوع البركة في الصالح والمُدْ، وقال النووي: الظاهر أن البركة حصلت في نفس المكيل؛ بحيث يكفي المد فيها ما لا يكفيه في غيرها، وهذا أمر محسوس عند من سكنها، وقال القرطبي إذا وجدت البركة فيها في وقت، حصلت إجابة الدعوة، ولا يستلزم دوامها في كل حين، ولكل شخص، قلت: الحق أن هذا الحديث واضح في تفضيل المدينة على مكة، إلا إذا قال المعارض أن دعوة النبي ﷺ لم تستجب؛ لأنها إذا كانت مستجابة كان معلومًا بالبديهة أن البركة شاملة لأمور الدين والدنيا، فالبركة لغة: النماء والزيادة والسعادة، وقد قال تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ فلا يمكن أن يقال أن البركة خاصة بالمد والأقوات، فأول ما تدخل فيه بركة المدينة النماء في عبادتها، وزيادة ثوابها على غيرها، وسعادة أهلها بها، وبهذا يحصل فضل المدينة على مكة، هذا ما ظهر لي والله تعالى أعلم.
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن محمد المسندي في الثاني من الإيمان، ومرَّ وهب بن جرير في الخامس والأربعين من الوضوء ومرَّ أبوه جرير في السبعين من استقبال القبلة، ومرَّ يونس في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ الزهري في الثالث منه، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان.
أخرجه مسلم أيضًا في الحج.
ثم قال: تابعه عثمان بن عمر، عن يونس أي: تابع جرير بن حازم عثمانُ بن عمر في روايته لهذا الحديث، عن يونس بن يزيد، عن الزهري؛ وهذه المتابعة وصلها الذهلي في جمعه لحديث الزهري، وقد مرَّ عثمان بن عمر في السابع والعشرين من الغسل، ومرَّ يونس في الذي قبله.
ثم قال المصنف:
الحديث العشرون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ
стр. 6743
كَانَ عَلَى دَابَّةٍ، حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا.
وجه تعلق هذا الحديث بالترجمة الأولى هو أن قضية حب الرسول ﷺ للمدينة يناسب طيب ذاتها وأهلها، وهذا الحديث مرَّ في باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة، في أواخر أبواب العمرة، ومرَّ الكلام عليه هناك.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرَّ إسماعيل بن جعفر في السادس والعشرين منه، ومرَّ حميد الطول في الثاني والأربعين منه، ومرَّ أنس في السادس منه.
ثم قال المصنف:
стр. 6744
باب كراهية النبي ﷺ أن تعرى المدينة
الحديث الحادي والعشرون
حَدَّثَنَا ابْنُ سَلاَمٍ، أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُعْرَى الْمَدِينَةُ، وَقَالَ: "يَا بَنِي سَلِمَةَ! أَلاَ تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ! ". فَأَقَامُوا.
هذا الحديث مرَّ الكلام عليه مستوفىً في باب احتساب الآثار، في أوائل صلاة الجماعة، وقد ترجم المصنف له بالتعليلين؛ فترجم في الصلاة باحتساب الآثار؛ لقوله ﵊: "مكانكم تكتب لكم آثاركم" وترجم هنا بما ترى لقول الراوي: فكره النبي ﷺ أن تعرى المدينة، وكأنه ﵊ اقتصر في مخاطبتهم على التعليل المتعلق بهم لكونه أدعى لهم إلى الموافقة.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ محمد بن سلام في الثالث عشر من الإيمان، والفزاري المراد به: مروان بن معاوية، وقد مرَّ في الحادي والثلاثين من مواقيت الصلاة، ومرَّ محل حميد وأنس في الذي قبله.
ثم قال المصنف:
стр. 6745
باب
كذا في جميع النسخ بلا ترجمة، وهو مشتمل على حديثين وأثر، ولكل منهما تعلق بالترجمة التي قبله، فحديث: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" فيه إشارة إلى الترغيب في سكن المدينة، وحديث عائشة في قصة وعك أبي بكر وبل فيه دعاؤه ﷺ للمدينة بقوله: "اللهم صححها" وفي ذلك إشارة إلى الترغيب في سكناها أيضًا، وأثر عمر في دعائه بأن تكون وفاته بها ظاهر في ذلك، وفي كل مناسبة لكراهته ﵊ أن تعرى المدينة أي: تصير خالية.
الحديث الثاني والعشرين
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي".
هذا الحديث مرَّ الكلام عليه مستوفىً في باب فضل ما بين القبر والمنبر، من أبواب التطوع.
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرَّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ عبد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء ومرَّ خبيب بن عبد الرحمن، وحفص بن عاصم في الثاني والستين من مواقيت الصلاة.
الحديث الثالث والعشرون
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلاَلٌ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ:
كُلُّ امْرِىءٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَكَانَ بِلاَلٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الْحُمَّى، يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ:
стр. 6746
أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
قَالَ: اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَفِى مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ". قَالَتْ: وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَهْيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ. قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلاً. تَعْنِي مَاءً آجِنًا.
قوله: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة" كان قدومه ﵊ المدينة يوم الإثنين قريبًا من وقت الزوال، قال الواقدي: لليلتين خلتا من ربيع الأول، وقال ابن إسحاق: لثنتي عشرة ليلة خلت منه، وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور من السنة الأولى من التاريخ الإِسلامي.
وقوله: "وعك" بضم أوله مبنيًا للمجهول أي: أصابه الوعك وهو الحمى، والواعك الشديد من الحمى.
وقوله: "كيف تجدك" أي: تجد نفسك، أو جسدك.
وقوله: "مصبح" بمهملة ثم موحدة وزن محمد أي: مصاب بالموت صباحًا، وقيل المراد أنه يقال له وهو مقيم بأهله: صبحك الله بالخير، وقد يفجؤه الموت في بقية النهار، وهومقيم في أهله.
وقوله: "والموت أدنى" أي: أقرب.
وقوله: "من شراك" بكسر المعجمة وتخفيف الراء، السير الذي يكون في وجه النعل والمعنى أن الموت أقرب إلى الشخص من شراك نعله لرجله.
وقوله: "أقلع عنه" بفتح أوله أي: الوعك، وبضمها والإقلاع: الكف عن الأمر.
وقوله: "عقيرته" أي: صوته ببكاء أو بغناء، قال الأصمعي: أصله أن رجلًا انعقرت رجله فرفعها على الأخرى وجعل يصيح؛ فصار كل من رفع صوته يقال: رفع عقيرته، وإن لم يرفع رجله، قال ثعلب: وهذا من الأسماء التي استعملت على غير أصلها.
وقوله: "بواد" أي: بوادي مكة.
وقوله: "اذخر" قد مرَّ تفسيره مرارًا.
وقوله: "وجليل" بالجيم نبت ضعيف يحشى به خصائص البيوت، وغيرها، وهو الثمام.
стр. 6747
وقوله: "وهل أردن" بالنون الخفيفة وكذلك قوله: "وهل يبدون".
وقوله: "مجنة" بفتح الميم وتشديد النون ماء عند عكاظ على أميال يسيرة من مكة، بناحية من الظهران، وكان به سوق، تقدم بيانه في أواخر الحج في باب التجارة أيام الموسم.
وقوله: "شامة وطفيل" جبلان بقرب مكة، وقال الخطابي: كنت أحسب أنهما جبلان حتى ثبت عندي أنهما عينان، وشامة بالمعجمة والميم مخففًا، وزعم بعضهم أن الصواب بالموحدة بدل الميم، والمعروف بالميم، وقيل: هذان البيتان اللذان أنشدهما بلال ليسا له، بل هما لبكر بن غالب الجرهمي أنشدهما عندما نفتهم خزاعة من مكة المكرمة.
وقوله: "اللهم العن" إلخ القائل هو بلال.
وقوله: "كما أخرجونا" متعلق بقوله: "اللهم" فمعنى قوله: "اللهم العن" أي: أبعدهم من رحمتك كما أبعدونا من مكة.
وقوله: "إلى أرض الوباء" يمد ويقصر؛ وهو المرض العام، وقال الجوهري: الوباء يمد ويقصر، ويقال: الوباء: الموت الذريع، وقال الأطباء: هو عفونة الهواء.
وقوله: "حَبِّبْ" أمر من حَبَّبَ يحبب.
وقوله: "أو أشد" أي: أو حبًا أشد من حبنا لمكة.
وقوله: "في صاعنا" أي: في صاع المدينة، وهو مكيل يسع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث رطل، عند أهل الحجاز، ورطلان عند أهل العراق، الأول: قول مالك والشافعي، والثاني: قول أبي حنيفة، وأصل المُدّ ملء الكفين المتوسطتين، وفي رواية ابن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: "اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك، دعاك لأهل مكة وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك لأهل مكة" الخ.
وقوله: "وصححها" أي: المدينة من الأمراض.
وقوله: "وانقل حماها" أي: حمى المدينة، وكانت وبيئة، وخص الدعاء بالحمى لأن أصحابه لما دخلوا المدينة وعكوا.
وقوله: "إلى الجحفة" بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وبالفاء وهي ميقات أهل مصر والشام والمغرب، وذكر ابن الكلبي: أن العماليق أخرجوا بني عنبر وهو أخوة عاد من يثرب فنزلوا الجحفة، وكان اسمها مهيعة، فجاءهم سيل فأجحفهم أي: سلب أموالهم، وخرب أبنيتهم، ولم يبق شيئًا، فسميت الجحفة، وإنما خص الجحفة لأنها كانت حينئذ دار شرك، وقال الخطابي: كان أهل الجحفة إذ ذاك يهودًا، وكان ﷺ كثيرا يدعو على من لم يجبه إلى دار الإِسلام إذا خاف منه معونة أهل الكفر، ويسأل الله أن يبتليهم بما يشغلهم عنه، وقد
стр. 6748
دعا على قومه أهل مكة لما يئس منهم فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف"، ودعا على أهل الجحفة بالحمى ليشغلهم بها فلم تزل الجحفة من يومئذ أكثر بلاد الله حمى، وإنه ليتقي شرب الماء من عينها التي يقال لها: عين حم، فقل من شرب منه إلا حم، ولما دعا ﵊ بذلك الدعاء لم يبق أحد من أهل الجحفة إلا أخذته الحمى، ويحتمل أن يكون هذا هو السر في أن الطاعون لا يدخل المدينة لأن الطاعون وباء، والنبي ﵊ دعا بنقل الوباء عنها، فأجاب الله دعاءه إلى آخر الأبد، فإن قيل: نهى النبي ﷺ عن القدوم على الطاعون، فكيف قدموا المدينة وهي وبيئة؟ فالجواب: أن ذلك كان قبل النهي أو النهي يختص بالطاعون ونحوه من الموت الذريع، لا المرض وإن عمَّ.
وقوله: "قالت" يعني عائشة، وهو متصل بما قبله في رواية عروة عنها.
وقوله: "وهي أوبأ أرض الله" أوبأ بالهمز في آخره أفعل التفضيل أي: أكثر وباء، وأشد من غيرها، وفي رواية محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة نحوه، وزاد: قال هشام: وكان وباؤها معروفًا في الجاهلية، وكان الإنسان إذا دخلها وأراد أن يسلم من وبائها قيل له: انهق فينهق، كما ينهق الحمار، وفي ذلك يقول الشاعر:
لعمري لئن غنيت من خيفة الردى ... نهيق حمار إنني لمروع
وقوله: "قالت: فكان بطحان" تعني وادي المدينة.
وقوله: "يجري نجلًا آجنًا" النجل بفتح النون وسكون الجيم، وقد تكسر حكاه ابن التين، وقال ابن فارس: النجل بفتحتين سعة العين، وليس هو المراد هنا، قيل: النجل النز بنون وزاي، يقال: استنجل الوادي إذا ظهر نزوزه، والنز بالفتح وبكسر هو ما يتحلب من الأرض من الماء، وقال ابن السكيت: النجل العين حين تظهر وينبع عين الماء، وقال الحربي: نجلًا أي: واسعًا، ومنه عين نجلاء أي: واسعة، وقيل: هو الغدير الذي لا يزال فيه الماء، وغرض عائشة بذلك بيان السبب في كثرة الولاء بالمدينة؛ لأن الماء الذي هذه صفته يحدث عنده المرض.
وقوله: "تعني ماءً آجنًا" هو من تفسير الراوي، وهو بفتح الهمزة وكسر الجيم بعدها نون أي: متغيرًا، قال عياض: هو خطأ ممن فسره، فليس المراد هنا الماء المتغير قال في الفتح: وليس كما قال فان عائشة قالت ذلك في مقام التعليل لكون المدينة كانت وبيئة، ولا شك أن النجل إذا فسر بكونه الماء الحاصل من النز، فهو بصدد أن يتغير وإذا تغير كان استعماله مما يحدث الوباء في العادة، وزاد ابن إسحاق في روايته عن هشام وعمرو بن عبد الله بن عروة جميعًا، عن عروة، عن عائشة عقب قول أبيها: فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول، قالت: ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة، وذلك قبل أن يضرب الحجاب علينا، فقلت: كيف تجدك يا
стр. 6749
عامر؟ فقال:
لقد وجت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرىء مجاهد بطوقه ... كالثور يحمي جسمه بروقه
وقالت في آخره: فقلت: يا رسول الله! إنهم يهذون، وما يعقلون من شدة الحمى؟ الزيادة في قول عامر بن فهيرة، رواها مالك أيضًا في الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن عائشة، منقطعًا، وقد جاء في حديث البراء أن عائشة وعكت أيضًا، وكان أبو بكر يدخل عليها، وكان وصول عائشة إلى المدينة مع آل أبي بكر، هاجر بهم أخوها عبد الله، وخرج زيد بن حارثة، وأبو رافع ببنتي النبي ﷺ فاطمة وأم كلثوم، وأسامة بن زيد وأمه أم أيمن، وسودة بنت زمعة وكانت رقية بنت النبي ﷺ سبقت مع زوجها عثمان، وأخرت زينب وهي الكبرى عند زوجها أبي العاص بن الربيع.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم.
فضل أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وبيان ذلك هو أن الله تعالى لما ابتلى نبيه ﵊ بالهجرة، وفراق الوطن ابتلى أصحابه بالأمراض، فتكلم كل إنسان بما فيه، فأما أبو بكر فتكلم بأن الموت شامل للخلق في المساء والصباح، وأما بلال فتمنى الرجوع إلى وطنه، فانظر إلى فضل أبي بكر على غيره.
وفيه، في دعائه ﵊ بأن يحبب الله لهم المدينة حجة واضحة علي أفضلية المدينة على مكة، لأن قوله: "أو أشد" تحصل به زيادة محبته ﵊ للمدينة، ومحبته متابعة لمحبة الله تعالى.
وفيه حجة على من كذّب بالقدر؛ لأن الله هو المالك للنفوس، يحبب إليها ما شاء، ويبغض إليها ما شاء، فأجاب الله دعوة نبيه ﵊ فأحبوا المدينة حبًا دام في نفوسهم إلى أن ماتوا عليه.
وفيه رد على الصوفية إذ قالوا إن الولي لا تتم له الولاية إلا إذا تم له الرضا بجميع ما نزل به، ولا يدعو الله في كشف ذلك عنه، فإن دعا فليس في الولاية كاملًا.
وفيه حجة على بعض المعتزلة القائلين بأن لا فائدة في الدعاء مع سابق القدر، والمذهب أن الدعاء عبادة مستقلة، ولا يستجاب منه إلا ما سبق به التقدير، وفيه جواز هذا النوع من الغناء، وفيه مذاهب فذهب أبو حنيفة، ومالك وأحمد والثوري، وجماعة من الكوفة إلى تحريم الغناء، وذهب آخرون إلى كراهته نقل ذلك عن ابن عباس، ونص عليه الشافعي وجماعة من أصحابه، وحكي ذلك عن مالك وأحمد، وذهب آخرون إلى إباحته لكن بغير هذه الهيئة التي
стр. 6750
تعمل الآن، روي عن جماعة من الصحابة عمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، وجماعة من التابعين، وذهبت طائفة إلى التفرقة بين الغناء الكثير والقليل، ونقل ذلك عن الشافعي وطائفة إلى التفرقة بين الرجال والنساء فحرموه من الأجانب، وجوزوه من غيرهم، وقال ابن حزم: من نوى ترويح القلب ليقوى على الطاعة فهو مطيع، ومن نوى به التقوية على المعصية فهو عاص، وإن لم ينو شيئًا فهو لغو معفو عنه، وقال الأستاذ أبو منصور: إذا سلم من تضييع فرض ولم يترك حفظ حرمة المشايخ به فهو محمود، وربما أجر وفيه إن الله تعالى أباح للمؤمن أن يسأل ربه صحة جسمه، وذهاب الآفات عنه إذا نزلت به، كسؤاله إياه في الرزق، وليس في دعاء المؤمن ورغبته في ذلك إلى الله لوم، ولا قدح في دينه، وفيه تمثيل الصالحين والفضلاء بالشعر.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أبي بكر، وبلال وقد مرَّ الجميع: مرَّ عبيد بن إسماعيل في الثاني والعشرين من الحيض، ومرَّ أبو أسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ هشام وأبوه عروة، وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو بكر في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة بعد الحادي والسبعين من الوضوء، ومرَّ بلال في التاسع والثلاثين من العلم، في الحديث "لعن شيبة بن ربيعة وعتبة وأمية بن خلف"، وهؤلاء كفار من صناديد قريش معروفون.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع، والعنعنة، ورواته كوفيان، ومدنيان، وفيه رواية الابن عن الأب أخرجه مسلم في الحج.
الحديث الرابع والعشرون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ ﷺ ".
ذكر هذا الأثر هنا لمناسبة بينه وبين الحديث السابق، وذلك أنه لما سمع النبي ﷺ دعا بقوله: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة" سأل الله تعالى أن يجعل موته في المدينة إظهارًا لمحبته إياها كمحبته لمكة وإعلامًا بصدقه في ذلك، بسؤاله الموت فيها، وأخرج ابن سعد بإسناد صحيح، سبب دعائه بذلك عن عوف بن مالك أنه رأى رؤيا فيها أن عمر شهيد يستشهد فقال: لما قصها عليه أنى لي بالشهادة وأنا بين ظهراني جزيرة العرب لست أغزو والناس حولي، ثم قال: بلى بلى يأتي بها الله إن شاء الله تعالى.
стр. 6751
وقوله: "شهادة في سبيلك" فقبل الله دعاءه ورزق الشهادة، وقتله أبو لؤلؤة، غلام المغيرة بن شعبة ضربه في خاصرته وهو في صلاة الصبح، وكان يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، وقيل لثلاث بقين منه سنة ثلاث وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، في سن النبي ﷺ وسن أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
وقوله: "واجعل موتي في بلد رسولك" وقد وقع كذا، ودفن عند أبي بكر وأبو بكر عند النبي ﷺ فالثلاثة في بقعة واحدة هي أشرف البقاع.
رجاله سبعة:
مرَّ منهم يحيى بن بكير والليث في الثالث من بدء الوحي، وعمر في الأول منه، ومرَّ خالد بن يزيد وسعيد بن أبي هلال في الثاني من الوضوء، ومرَّ زيد بن أسلم في الثاني والعشرين من الإيمان، ومرَّ أبوه أسلم في الحادي والتسعين من الزكاة.
ثم قال:
وقال ابن زريع عن روح بن القاسم عن زيد بن أسلم عن أمه عن حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهما قالت: سمعت يقول نحوه.
ولفظه عن حفصة، قالت: سمعت عمر يقول: اللهم قتلًا في سبيلك ووفاةً في بلد نبيك، قالت: فقلت: وأنى هذا قال: يأتي به الله إن شاء وهذا التعليق وصله الإسماعلي.
ورجاله خمسة:
مرَّ منهم يزيد بن زريع في السادس والتسعين من الوضوء، ومرَّ روح بن القاسم في الثاني والثمانين منه، ومرت حفصة في الثالث والستين منه، ومرَّ محل زيد بن أسلم في الذي قبله وفي هذه الرواية ذكر أم زيد ولم أقف على اسمها.
ثم قال:
وقال هشام: عن زيد عن أبيه عن حفصة، سمعت عمر رضي الله تعالى عنه.
وأراد البخاري بهذين التعليقين بيان الاختلاف فيه على زيد بن أسلم فاتفق هشام بن سعد وسعيد بن أبي هلال على أنه عن زيد عن أبيه أسلم إلا أن هشامًا جعله عن أسلم عن حفصة عن عمر وابن أبي هلال جعله عن أسلم عن عمر، وانفرد روح بن القاسم عن زيد بقوله: عن أمه والمشهور أن زيدًا يروي عن أبيه لا عن أمه، وللحديث طريق أخرى أخرجها عمر بن شبة عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن عمر إسنادها صحيح، ومن وجه آخر منقطع، وزاد فكان الناس يتعجبون من ذلك ولا يدرون ما وجهه حتى طعن أبو لؤلؤة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهذا التعليق وصله محمد بن سعد.
стр. 6752
ورجاله قد مرَّ محلهم في الذي قبله إلا هشام، وهشام هو ابن سعد المدني أبو عباد ويقال: أبو سعد القرشي مولاهم صاحب زيد بن أسلم قال العجلي: جائز الحديث، حسن الحديث وقال أبو زرعة: محله الصدق وهو أحب إلى من ابن إسحاق، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به هو ومحمد بن إسحاق عندي واحد، وقال أبو داود: هو أثبت الناس في زيد بن أسلم، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يستضعف، وكان متشيعًا، وقال ابن المديني: صالح وليس بالقوي وقال الساجي: صدوق، وقال ابن معين: ليس بشيء، كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، علق له البخاري قليلًا، وأخرج في الشواهد روى عن زيد بن أسلم ونافع مولى بن عمر وسعيد المقبري، وغيرهم، وروى عنه الليث، والثوري، ووكيع وابن وهب وابن مهدي وغيرهم مات في أول خلافة المهدي سنة ستين ومائة.
خاتمة
اشتمل ذكر المدينة على ستة وعشرين حديثًا المعلق منها أربعة، والمكرر منها فيه وفيما مضى تسعة والخالص سبعة عشر، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة في ذكر بني حارثة وحديث أبي بكرة في ذكر الدجال، وفيه من الآثار أثر واحد؛ وهو أثر عمر الذي ختم به فأخرجه موصولًا ومعلقًا، وفيه إشارة إلى حسن الختام.
فنسأل الله تعالى الكريم أن يختم لنا بالحسنى في المدينة المنورة، وأن يشفيني من كل مرض باطني وظاهري، فالذي استجاب لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عبده الطائع، يستجيب لعبده هذا الفقير المذنب، فكرمه شامل للمذنب والطائع، والإسلام جامع بيني وبين عمر رضي الله تعالى عه، وأسأله أن يمن علي بختم هذا الكتاب وأن يرفعني به إلى المحل الأسنى، ويتقبل مني كل تأليف ألفته.
إنه على كل شيء قدير، وبالأجابة جدير.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم.
نهاية كتاب الحج
стр. 6753
تنويه من الناشر
خاتمة
إن المؤلف ﵀ قد ابتدأ شرح البخاري أول الأمر وضمنه الأمور التالية:
١ - ترجمة رجال الإِسناد ترجمة وافية مغنية اقتبسها من كتاب "تهذيب التهذيب" للحافظ ابن حجر، وما كان فيه من الصحابة فقد عوّل فيه على كتاب "الإصابة" له أيضًا.
٢ - وصل ما فيها من التعليقات، والموقوفات والمقطوعات واعتمد فيه على كتاب "فتح الباري" للحافظ ابن حجر، وكتاب "عمدة القارىء" للبدر العيني، وكان الأول منهما قد ألف كتابًا سماه "تغليق التعليق" توسع فيه في تخريج التعليقات ووصلها، وبيان من وصلها من أصحاب الكتب، وكاد أن يستوعب ذلك ﵀ وقد تم طبعه في خمسة مجلدات وما في "الفتح" هو تلخيص لما جاء في هذا الكتاب، وعلى هذا التلخيص اعتمد المؤلف ﵀.
٣ - تخريج حديث البخاري من الكتب الستة المعتمدة المتداولة بين أهل العلم، وهي: صحيح مسلم، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود، والمجتبى للنسائي، وسنن ابن ماجه.
وبعد أن أتمه ﵀ في نحو ست مجلدات، بدا له أن يُعاود النظر فيه فيشرح أحاديث "الصحيح" شرحًا جامعًا للمعاني المتفرقة في الشروح التي سبقته ليكون هذا الشرح مغنيًا لأهل العلم عن جميع تلك الشروح.
وقد أنجز من هذا الشرح الكبير -رحمة الله عليه- هذه المجلدات التي نضعها بين أيدي القراء لأول مرة، وقد أتم فيها شرح ما يقرب من ربع الكتاب، والله الهادي إلى الصواب، وإليه المرجع والمآب، والحمد لله رب العالمين.
وقد قامت دار البشير بتفصيله، وترقيمه، وضبط النص وإصلاح ما وقع فيه من تحريف أثناء النسخ بحيث ظهر في هذا المستوى الرفيع من الطباعة، ونسأل الله أن يدّخر لنا من الأجر، ولمؤلفه، وأن يهدينا سواء السبيل.