← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

ثم قال رواه ابن جريج عن عطاء سمعت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أراد تقوية طريق حبيب بمتابعة ابن جريج له عن عطاء واستفيد منه تصريح عطاء بسماعه له من ابن عباس، ورواية ابن جريج هذه مرت موصولة في باب عمرة في رمضان، وقد مرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرَّ محل عطاء وابن عباس في الذي قبله، ثم قال وقال عبيد الله عن عبد الكريم عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ أراد البخاري بهذا بيان الاختلاف فيه على عطاء وقد مرَّ في باب عمرة في رمضان ابن أبي ليلى ويعقوب بن عطاء وافقا حبيبًا وابن جريج فتبين شذوذ رواية عبد الكريم وشذ معقل الجزري أيضًا فقال عن عطاء عن أم سليم وصنيع البخاري يقتضي ترجيح رواية ابن جريج ويومىء إلى أن رواية عبد الكريم ليست مطرحة لاحتمال أن يكون لعطاء فيه شيخان ويؤيد ذلك أن رواية عبد الكريم خالية عن القصة مقتصرة على المتن، وهو قوله: "عمرة في رمضان تعدل حجة"، وهذا التعليق وصله ابن ماجه وأحمد في مسنده. ورجاله أربعة: مرَّ منهم عبد الكريم بن مالك في الثالث والتسعين والمائة من الحج، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي، والباقي عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي مولاهم أبو وهب الجزري الرقي، قال ابن معين والنسائي ثقة وقال أبو حاتم صالح الحديث ثقة صدوق لا أعرف له حديثًا منكر هو أحب إلى من زهير بن محمد وقال ابن سعد كان ثقة صدوقًا كثير الحديث ربما أخطأ وكان أحفظ من روى عن عبد الكريم الجزري ولم يكن أحد ينازعه في الفتوى في دهره وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان راويًا لزيد بن أبي أنيسة ووثقه العجلي وابن نمير. روى عن عبد الملك بن عمير وعبد الكريم بن مالك والأعمش ويحيى بن سعيد وغيرهم وروى عنه بقية وعبد الله بن جعفر الرقي، وأحمد بن عبد الملك الحراني وغيرهم، ولد سنة إحدى ومائة، ومات بالرقة سنة ثمانين ومائة. والرقي في نسبه نسبة إلى الرقة بفتح الراء وتشديد القاف المفتوحة بلد على الفرات، واسطة ديار ربيعة، وآخر غريب بغداد، وقرية أسفل منها بفرسخ والمتعارف هو البلد الأول وإليه النسبة. الحديث السادس والخمسون حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ -وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً- قَالَ:"أَرْبَعٌ

стр. 6687

سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي: "أَنْ لاَ تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلاَ صَوْمَ يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى". هذا الحديث مرَّ بعينه قبيل أبواب العمل في الصلاة. وهو مشتمل على أربعة أحكام: أحدها: سفر المرأة، وقد مرَّ الكلام عليه في هذا الباب قريبًا. وثانيهما: منع الصلاة بعد الصبح والعصر، وقد مرَّ الكلام عليه في أواخر المواقيت. والثالث: منع شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، وقد مرَّ استيفاء الكلام عليه في باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. والرابع: منع صوم يوم الفطر والأضحى، وقد مرَّ بعض الكلام عليه عند ذكر الحديث سابقًا، وأتمم الكلام عليه فأقول: في رواية الصوم عن عمر هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما؛ يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم، وفائدة وصف اليومين الإِشارة إلى العلة في وجوب فطرهما، وهو الفصل من الصوم وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه، ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك لأنه يستلزم النحر، ويزيد فائدة التنبيه على التعليل، والمراد بالنسك هنا الذبيحة المتقرب بها قطعًا قيل: ويستنبط من هذه العلة تعين السلام للفصل من الصلاة، وفي الحديث تحريم صوم يومي العيد سواء النذر والكفارة والقضاء والتطوع والتمتع، وهو بالإجماع، واختلفوا فيمن قدم فصام يوم عيد فعن أبي حنيفة ينعقد، وخالفه الجمهور، فلو نذر صوم يوم قدوم زيد فقدم يوم العيد فالأكثر لا ينعقد النذر، وعن الحنفية ينعقد ويلزمه القضاء، وفي رواية: يلزمه الإطعام، وعن الأوزاعي: يقضي إلا إن نوى استثناء العيد، وعن مالك في رواية: يقضي إن نوى القضاء وإلا فلا، وسيأتي في الصوم أن ابن عمر توقف في الجواب عن هذه المسألة، وأصل الخلاف في هذه المسألة أن النهي هل يقتضي صحة المنهي عنه؟ قال الأكثر: لا، وعن محمد بن الحسن: نعم، قلت: وكذا قال أبو حنيفة، واحتجا بأنه لا يقال للأعمى: لا يبصر؛ لأنه تحصيل الحاصل، فدل على أن صوم يوم العيد ممكن وإذا أمكن ثبت الصحة، يعني أن النهي عن الشيء يقتضي إمكان وجوده شرعًا، وإلا امتنع النهي عنه وأجيب بأن الإمكان المذكور عقلي، والنزاع

стр. 6688

في الشرعي والمنهي عنه شرعًا غير ممكن فعله شرعًا، ومن حجج المانعين أن النفل المطلق إذا نهي عن فعله لم ينعقد؛ لأن المنهي مطلوب الترك سواء كان للتحريم، أو للتنزيه، والنفل مطلوب الفعل فلا يجتمع الضدان، والفرق بينه وبين الأمر ذي الوجهين -كالصلاة في الدار المغصوبة- أن النهي عن الإقامة في المغصوب ليست لذات الصلاة، بل للإقامة، وطلب الفصل لذات العبادة بخلاف صوم يوم النحر مثلًا، فإن النهي فيه لذات الصوم فافترقا. وقوله: "أو قال: يحدثهن" وعند الكشميهني بلفظ: أو قال: أخذتهن بالخاء والذال المعجمتين أي: جملتهن عنه. وقوله: "أو محرم" بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه، وفي رواية أبي ذر: محرم بوزن محمد أي: عليها. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ أبو سعيد الخدري في الثاني عشر منه، ومرَّ عبد الملك بن عمير في الحادي والثلاثين من الجماعة، ومرَّ قزعة بن يحيى في الرابع عشر من التطوع. ثم قال المصنف:

стр. 6689

باب من نذر المشي إلى الكعبة أو غيرها من الأماكن المعظمة هل يجب عليه الوفاء بذلك أو لا؟ وإذا وجب فتركه قادرًا، أو عاجزًا ماذا يلزمه؟ وفي كل ذلك اختلاف بين أهل العلم وسأذكر طرفًا منه هنا عند الحديث الثاني. الحديث السابع والخمسون حَدَّثَنَا محمد بْنُ سَلاَمٍ، أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ: "مَا بَالُ هَذَا؟ ". قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ". وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ. قوله: "حدثني ثابت" هكذا قال أكثر الرواة: عن حميد، وهذا الحديث مما صرح حميد فيه بالواسطة بينه وبين أنس، وقد حذفه في وقت آخر فأخرجه النسائي عن يحيى بن سعيد الأنصاري، والترمذي عن ابن أبي عدي كلاهما عن حميد، عن أنس، وكذا أخرجه أحمد عن ابن أبي عدي، ويزيد بن هارون جميعًا عن حميد بلا واسطة، ويقال: إن غالب رواية حميد عن أنس بواسطة، لكن قد أخرج البخاري من حديث حميد، عن أنس أشياء كثيرة بغير واسطة مع الاعتناء ببيان سماعه لها من أنس، وقد وافق عمران القطان عن حميد الجماعة على إدخال ثابت بينه وبين أنس، لكن خالفهم في المتن، أخرجه الترمذي من طريقه بلفظ: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله، فسئل نبي الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "إن الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب". وقوله: "رأى شيخًا يهادى بين ابنيه"، ويهادى بضم أوله من المهاداة، وهو أن يمشي معتمدًا على غيره، للترمذي عن حميد: يتهادى بفتح أوله ثم مثناة، قال في الفتح: لم أقف على اسم هذا الشيخ، ولا على اسم ابنيه إلى آخر ما يأتي في السند. وقوله: "ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي"، عند مسلم عن أبي هريرة أن الذي أجاب النبي ﷺ عن سؤاله ولدا الرجل، ولفظه: فقال: "ما شأن هذا الرجل؟ " قال ابناه: يا رسول الله كان عليه نذر.

стр. 6690

وقوله: "أمره" في رواية الكشميهني: "وأمره" بزيادة واو. وقوله: "أن يركب" زاد أحمد عن الأنصاري، عن حميد: فركب، وإنما لم يأمره بالوفاء بالنذر إما لأن الحج راكبًا أفضل من الحج ماشيًا فنذر المشي يقتضي التزام ترك الأفضل، فلا يجب الوفاء به، أو لكونه عجز عن الوفاء بنذره، وهذا هو الأظهر. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ محمد بن سلام في الثالث عشر من الإيمان، ومرَّ حميد الطويل في الثاني والأربعين منه، والفزاري قيل: المراد به مروان بن معاوية وقد مرَّ في الحادي والثلاثين من مواقيت الصلاة، وقيل: المراد به أبو إسحاق الفزاري وقد مرَّ في الخامس والخمسين من الجمعة، ومرَّ ثابت البناني في تعليق بعد الخامس من العلم، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان، وفي الحديث رأى شيخًا يهادى بين ابنيه قال في الفتح: لم أقف على اسم هذا الشيخ، ولا على اسم ابنيه، وقول من قال: إنه أبو إسرائيل غلط لأن ذلك هو الرجل الذي كان قائمًا في الشمس، وحديثه يأتي إن شاء الله تعالى في الأيمان والنذور، والمغايرة بينه وبين حديث أنس ظاهرة من عدة أوجه، فيحتاج من وحد بين القصتين إلى مستند. أخرجه مسلم في النذور، وكذا أبو داود والترمذي. الحديث الثامن والخمسون حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِي إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِي لَهَا النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ ﷺ : "لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ". وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لاَ يُفَارِقُ عُقْبَةَ. قوله: "عن عقبة بن عامر" هو الجهني كذا وقع عند أحمد ومسلم وغيرهما في هذا الحديث من هذا الوجه. وقوله: "نذرت أختي" يأتي في السند ما قيل في اسمها من كلام ابن حجر في "الفتح". وقوله: "أن تمشي إلى بيت الله" زاد مسلم عن عبد الله بن عياش -بالتحتانية والمعجمة- عن يزيد: حافية، ولأحمد وأصحاب السنن عن عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر الجهني: أن أخته نذرت أن تمشي حافية، غير مختصرة، وزاد الطبري عن عقبة بن عامر: وهي امرأة ثقيلة، والمشي يشق عليها، ولأبي داود عن ابن عباس أن عقبة بن عامر سأل النبي ﷺ فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت، وشكى إليه ضعفها.

стр. 6691

وقوله: "فقال ﷺ : لتمش ولتركب" تمش مجزوم بحذف حرف العلة، ولتركب بسكون اللام وجزم الباء، وفي رواية عبد الله بن مالك: مُرْها فلتختمر، ولتركب. ولتصم ثلاثة أيام، وفي رواية عكرمة، عن ابن عباس عند أبي داود: فلتركب، ولتهد بدنة، وروى مسلم عقب هذا الحديث حديث عبد الرحمن بن شماسة -بكسر المعجمة وتخفيف الميم بعدها مهملة- عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رفعه: كفارة النذر كفارة اليمين، ولعله مختصر من هذا الحديث فإن الأمر بصيام ثلاثة أيام هو أحد أوجه كفارة اليمين. وقوله: قال: وكان أبو الخير لا يفارق عقبة، هذا مقول يزيد بن أبي حبيب الراوي عن أبي الخير، والمراد بذلك بيان سماع أبي الخير له من عقبة وفي الحديث صحة النذر بإتيان البيت الحرام، وقد اختلف فيما إذا نذر أن يحج ماشيًا هل يلزمه المشي بناء على أن المشي أفضل من الركوب قال الرافعي: وهو الأظهر وقال النووي: الصواب أن الركوب أفضل وإن كان الأظهر لزوم المشي بالنذر لأنه مقصود، ثم إن صرح الناذر بأنه يمشي من حيث سكنه لزمه المشي من مسكنه وإن أطلق فمن حيث أحرم ولو قبل الميقات ونهاية المشي فراغه من التحللين، ولو فاته الحج لزمه المشي في قضائه لا في تحلله في سنة الفوات لخروجه بالفوات عن إجزائه عن النذور ولا في المضي في فاسده لو أفسده، وعن أبي حنيفة إذا لم ينو حجًا ولا عمرة لا ينعقد، ثم إن نذره راكبًا لزمه فلو مشى لزمه دم لترفهه بتوفر مؤنة الركوب وإن نذره ماشيًا لزمه على التفصيل السابق، فإن ركب لعذر أجزأه ولزمه دم في أحد القولين عند الشافعي، واختلف هل تلزمه بدنة أو شاة، وإن ركب بلا عذر لزمه الدم وأثم، وعن المالكية في العاجز يرجع من قابل فيمشي ما ركب إلا إن عجز مطلقًا فيلزمه الهدي، وليس في طرق حديث عقبة ما يقتضي الرجوع، فهو حجة للشافعي ومن تبعه وعن عبد الله بن الزبير لا يلزمه شيء مطلقًا، قال القرطبي: زيادة الأمر بالهدي رواتها ثقات، ولا ترد وليس سكوت من سكت عنها حجة على من حفظها، وذكرها قال: والتمسك بالحديث في عدم إيجاب الرجوع ظاهر ولكن عمدة مالك عمل أهل المدينة، وقال أبو حنيفة: في نذر من المشي إلى بيت الله فعجز عنه فإنه يمشي ما استطاع، فإذا عجز ركب وأهدى شاة، وكذا إن ركب وهو غير عاجز، ولو نذر الحج حافيًا لم ينعقد نذر الحفاء لأنه ليس بقربة فله لبس النعلين، والعمرة كالحج في ذلك. رجاله سبعة: قد مرّوا: مرت الثلاثة الأول بهذا النسق في الثالث من الحيض، ومرَّ سعيد بن أبي أيوب في الثامن والثلاثين من التهجد، ومرَّ يزيد وأبو الخير مرثد في الخامس من الإيمان، ومرَّ عقبة بن عامر في السابع والعشرين من كتاب الصلاة، وفي الحديث نذرت أختي مبهمة قال

стр. 6692

في الفتح قد كنت تبعت المنذري، وابن القسطلاني، والقطب الحلبي في أنها أم حبان بكسر المهملة وتشديد الموحدة، ثم علمت أن ذلك وهم فرجعت عنه الآن يعني تبعهم في المقدمة قال: في بيان غلطهم نسبوا ذلك لابن ماكولا، فوهموا، فإن ابن ماكولا إنما نقله عن ابن سعد، وابن سعد إنما ذكر في طبقات النساء أم حبان بنت عامر بن نابي بنون وموحدة ابن زيد بن حرام بمهملتين الأنصارية، قال: وهي أخت عقبة بن عامر بن نابي شهد بدراً وهي زوج حرام بن محيصة، وكان ذكر قبل عقبة بن عامر بن نابي الأنصاري، وأنه شهد بدرًا ولا رواية له، وهذا كله مغاير للجهني فإن له رواية كثيرة ولم يشهد بدرًا، وليس أنصاريًا فعلى هذا لم يعرف اسم أخت عقبة بن عامر الجهني. وبجلب كلامه بحروفه تعلم أن طعن العيني عليه بكلام الذهبي وتأويل لفظ الأنصارية باطل لا يلتفت إليه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار كذلك، والعنعنة، والقول، ورواته رازي ويماني ومكي ومصريون، أخرجه البخاري أيضًا في النذور وكذا مسلم وأبو داود. الحديث التاسع والخمسون قال أبو عبد الله، حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن يحيى بن أيوب عن يزيد عن أبي الخير عن عقبة فذكر الحديث. أبو عبد الله المصنف، وهذه الزيادة لأبوي ذر والوقت كذا رواه أبو عاصم ووافقه روح ابن عبادة عند مسلم، والإسماعيلي جعلا شيخ ابن جريج في هذا الحديث يحيى بن أيوب وخالفهما هشام بن يوسف، فجعل شيخ ابن جريج فيه سعيد بن أبي أيوب، ورجح الأول الإسماعيلي لاتفاق أبي عاصم وروح على خلاف ما قال هشام، لكن يعكر عليه أن عبد الرزاق وافق هشامًا، وهو عند أحمد ومسلم، ووافقهما محمد بن بكر عن ابن جريج وحجاج بن محمد عند النسائي فهؤلاء أربعة حفاظ رووه عن ابن جريج عن سعيد بن أبي أيوب، فإن كان الترجيح بالأكثرية فروايتهم أولى والذي يظهر من صنيع صاحبي الصحيحين أن لابن جريج فيه شيخين. رجاله رجال الأول إلا الاثنين أبا عاصم، وقد مرَّ في أثر بعد الرابع من العلم ويحيى بن أيوب وقد مرَّ في تعليق بعد الثاني من استقبال القبلة.

стр. 6693

خاتمة: اشتملت أبواب المحصر وجزاء الصيد، وما مع ذلك إلى هنا على أحد وستين حديثًا المعلق منها ثلاثة عشر حديثًا والبقية موصولة المكرر منها فيه وفيما مضى ثمانية وثلاثون حديثًا والخالص ثلاثة وعشرون وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن عمر في النقاب والقفاز موقوفًا ومرفوعًا وحديث ابن عباس احتجم وهو محرم وحديثه في التي نذرت أن تحج عن أمها وحديث السائب بن يزيد أنه حج به وحديث جابر عمرة في رمضان وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين اثنا عشر أثرًا والله المستعان. ثم قال المصنف:

стр. 6694

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فضائل المدينة باب حرم المدينة كذا لأبي ذر عن الحموي وسقط للباقين سوى قوله: باب حرم المدينة وفي رواية أبي علي الشبوي باب ما جاء في حرم المدينة علم على البلدة المعروفة التي هاجر إليها النبي ﷺ ودفن فيها، قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ فإذا أطلقت تبادر إلى الفهم أنها المراد وإذا أريد غيرها بلفظ المدينة فلابد من قيد فهي كالنجم للثريا، والبيت للكعبة وكان اسمها قبل ذلك يثرب، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ ويثرب اسم لموضع منها سميت كلها به قيل: "سميت بيثرب بن قانية من ولد أرم بن سام بن نوح لأنه أول من نزلها حكاه أبو عبيد البكري، وقيل: غير ذلك ثم سماها النبي ﷺ طيبة وطابة كما يأتي في باب مفرد وكان سكانها العماليق، ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل قيل أرسلهم موسى ﵇، كما أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بسند ضعيف، ثم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم، وقيل بناها تبع الأكبر لما بشر بمبعث النبي ﷺ وأخبر أنه إنما يكون في مدينة يثرب وكانت يثرب يومئذ صحراء فبناها لأجله ﵊ وكتب بذلك عهدًا، ومن يوم موت تبع إلى مولد النبي ﷺ ألف سنة. الحديث الأول حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَحْوَلُ عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ" مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لاَ يُقْطَعُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. قوله: عن أنس في رواية عبد الواحد، عن عاصم قلت لأنس. وسيأتي في الاعتصام وليزيد بن هارون عن عاصم سألت أنسًا، أخرجه مسلم. قوله: "المدينة حرم من كذا إلى كذا" هكذا جاء مبهمًا وسيأتي في حديث علي رابع أحاديث الباب ما بين عائر إلى كذا فعين الأول، وهو بمهملة وزن فاعلٍ وذكره في الجزية وغيرها بلفظ عير بسكون التحتانية، وهو جبل بالمدينة، يأتي إيضاحه قريبًا، واتفقت روايات

стр. 6695

البخاري كلها على إبهام الثاني وعند مسلم إلى ثور، فقيل إن البخاري أبهمه عمدًا لما وقع عنده أنه وهم، وقال صاحب المشارق والمطالع: أكثر رواة البخاري ذكروا عيرا وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه والأصل في هذا التوقف، قول مصعب الزبيري ليس بالمدينة عير ولا ثور وأثبت غيره عيرا ووافقه على إنكار ثور، قال أبو عبيد: ما بين عير إلى ثور هذه رواية أهل العراق؛ وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلًا عندهم يقال له ثور؛ وإنما ثور بمكة ونرى أن أصل الحديث ما بين عير إلى أحد، وقد وقع ذلك في حديث عبد الله بن سلام عند أحمد والطبراني وقال عياض: لا معنى لإنكار عير بالمدينة فإنه معروف وقد جاء ذكره في أشعارهم وأنشد أبو عبيد البكري عدة شواهد منها قول الأحوص المدني الشاعر المشهور: فقالت لعمرو تلك يا عمرو ناره ... تشب قفا عير فهل أنت ناظر وقال ابن السيد: عير اسم جبل بقرب المدينة معروف وروى الزبير في أخبار المدينة قال سعيد بن عمرو لبشر بن السائب: أتدري لم سكنا العقبة قال: لا قال: لأنا قتلنا منكم قتيلًا في الجاهلية فخرجنا إليها فقال: وددت لو أنكم قتلتم منا آخر وسكنتم وراء عير، يعني جبلا كذا في نفس الخبر وقد سلك العلماء في إنكار مصعب الزبيري لعير وثور مسالك منها ما تقدم ومنها قول ابن قدامة، يحتمل أن يكون المراد مقدار ما بين عير وثور لا أنهما بعينهما في المدينة أو سمى النبي ﷺ الجبلين اللذين بطرفي المدينة عيرًا وثورًا إرتجالًا، وقال ابن الأثير، قيل أن عيرًا جبل بمكة فيكون المراد أحرم من المدينة مقدار ما بين عير وثور بمكة على حذف المضاف ووصف المصدر المحذوف وقال النووي: يحتمل أن يكون ثور كان اسم جبل هناك إما أُحد وإما غيره وقال المحب الطبري: في الأحكام بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحًا إلى ورائه جبل صغير يقال له ثور وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض، وما فيها من الجبال فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور وتواردوا على ذلك فعلم أن ذكر ثور في الحديث صحيح وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته، وعدم بحثهم عنه وفي شرح القطب الحلبي قال لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه خرج رسولًا إلى العراق فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل وكان يذكر له الأماكن والجبال، قال: فلما وصلنا إلى أحد إذ بقربه جبل صغير فسألته عنه فقال: هذا يسمى ثورًا فعلمت صحة الرواية، وذكر أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في مختصره لأخبار المدينة أن خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم أن خلف أحد من جهة الشمال جبلًا صغيرًا إلى العمرة بتدوير يسمى ثورًا قال: وقد تحققته بالمشاهدة قال صاحب القاموس: ثور جبل بمكة، وجبل بالمدينة، ومنه الحديث الصحيح "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور" وأما قول

стр. 6696

ابن التين: أن البخاري أبهم اسم الجبل عمدًا لأنه غلط، فهو غلط بل إبهامه من بعض رواته، فقد أخرجه في الجزية فسماه كما مرَّ، ومما يدل على أن المراد بقوله: في حديث أنس من كذا إلى كذا جبلان، ما وقع عند مسلم عن أنس مرفوعًا "اللهم إني أحرم ما بين جبليها" لكن عند المصنف في الجهاد بلفظ ما بين لابتيها، وكذا في حديث أبي هريرة ثالث أحاديث الباب، وكذا في حديث رافع بن خديج وأبي سعيد وسعد وجابر كلها عند مسلم، وكذا رواه أحمد والبيهقي والطبراني بلفظ: ما بين لابتيها، واللابتان تثنية لابة بتخفيف الموحدة، وهي الحرة؛ وهي الحجارة السود، وقد تكرر ذكرها في الحديث وعند أحمد عن جابر: "وأنا أحرم المدينة ما بين حرتيها"، وادعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب لأنه وقع في رواية ما بين جبليها، وفي رواية ما بين لابتيها، وفي رواية مأزميها وتعقب بأن الجمع بينهما واضح، وبمثل هذا لا ترد الأحاديث الصحيحة فإن الجمع لو تعذر أمكن الترجيح ولا شك أن رواية ما بين لابتيها أرجح لتوارد الرواة عليها، ورواية جبليها لا تنافيها فيكون عند كل لابة جبل أو أن لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة الغرب والشرق، وتسمية الجبلين في رواية أخرى لا تضر وأما رواية مأزميها فهي في بعض طرق حديث أبي سعيد والمأزم بكسر الزاي المضيق بين الجبلين، وقد يطلق على الجبل نفسه، والرواية من هذا المعنى الأخير. وقوله: "لا يقطع شجرها" بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًا للمجهول، وفي رواية يزيد بن هارون، لا يختلى خلاها، وفي مسلم عن جابر لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها وعند أبي داود بإسناد صحيح لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها، ففي هذا أنه يحرم صيد المدينة وشجرها كما في حرم مكة قال ابن قدامة: يحرم صيد المدينة وقطع شجرها وبه قال مالك والشافعي وأكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف: ليس للمدينة حرم كما لمكة فلا يمنع أحد من أخذ صيدها وقطع شجرها واحتج الطحاوي بحديث أنس في قصة أبي عمير ما فعل بالنغير، قال: لو كان صيدها حرامًا ما جاز حبس الطير وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل قال أحمد من صاد من الحل ثم أدخله المدينة لم يلزمه إرساله، لحديث أبي عمير وهذا قول الجمهور، ولكن لا يرد ذلك على الحنفية لأن صيد الحل عندهم إذا دخل الحرم كان له حكم الحرم ويحتمل أن تكون قصة أبي عمير كانت قبل التحريم واحتج بعضهم بحديث أنس في قصة قطع النخل لبناء المسجد، ولو كان قطع شجرها حرامًا ما فعله ﷺ ، وتعقب بأن ذلك كان في أول الهجرة كما مرَّ في أوائل الصلاة في باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون سبب النهي عن صيد المدينة وقطع شجرها كون الهجرة كانت إليها، فكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في زينتها ويدعو إلى ألفتها كما روى ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن هدم آطام المدينة فإنها من زينة المدينة فلما انقطعت الهجرة

стр. 6697

زال ذلك، وما قاله ليس بواضح لأن النسخ لا يثبت إلا بدليل، وقد ثبت على الفتوى بتحريمها سعد وزيد بن ثابت، وأبو سعيد وغيرهم، كما أخرجه مسلم ثم من فعل مما حرم عليه فيه شيئًا أثم ولا جزاء عليه، في رواية لأحمد وهو قول مالك والشافعي في الجديد وأكثر أهل العلم وفي رواية لأحمد وهو قول الشافعي في القديم، وابن أبي ذئب واختاره ابن المنذر وابن نافع من أصحاب مالك، وقال القاضي عبد الوهاب: إنه الأقيس واختاره جماعة بعدهم فيه الجزاء، وهو كما في حرم مكة، وقيل: الجزاء في حرم المدينة أخذ السلب لحديث صححه مسلم عن سعد بن أبي وقاص، وفي رواية لأبي داود من وجد أحدًا يصيد في حرم المدينة فليسلبه، قال القاضي عياض: لم يقل بهذا بعد الصحابة إلا الشافعي في القديم، واختاره جماعة معه وبعده، لصحة الخبر فيه ولمن قال به اختلاف في كيفيته ومصرفه، والذي دل عليه صنيع سعد عند مسلم وغيره أنه كسلب القتيل، وأنه للسالب لكنه لا يخمس، وأغرب بعض الحنفية فادعى الإجماع على ترك الأخذ بحديث السلب، ثم استدل بذلك على نسخ أحاديث تحريم المدينة ودعوى الإجماع مردودة، فبطل ما ترتب عليها، قال ابن عبد البر: لو صح حديث سعد لم يكن في نسخ أخذ السلب ما يسقط الأحاديث الصحيحة ويجوز أخذ العلف لحديث أبي سعيد في مسلم، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف، ولأبي داود عن أبي حسان، عن عليّ نحوه، وقال المهلب: في حديث أنس دِلالة على أن المنهي عنه في الحديث الماضي مقصور على القطع الذي يحصل به الإفساد، فأما من يقصد الإصلاح كمن يغرس بستانًا مثلًا فلا يمتنع عليه قطع ما كان بتلك الأرض من شجر يضر بقاؤه، وقيل: بل فيه دلالة على أن النهي إنما يتوجه إلى ما أنبته الله من الشجر مما لا صنع للآدمي فيه، كما حمل عليه النهي عن قطع شجر مكة، وعلى هذا يحمل قطعه ﵊ النخل وجعله قبلة المسجد، ولا يلزم منه النسخ المذكور. وقوله: "من أحدث فيها حدثًا" زاد شعبة وحماد بن سلمة عن عاصم عند أبي عوانة: "أو آوى محدثًا" وهذه الزيادة صحيحة إلا أن عاصمًا لم يسمعها من أنس كما يأتي بيانُ ذلك في كتاب الاعتصام. وقوله: "فعليه لعنة الله" فيه جواز لعن أهل المعاصي والفساد، لكن لا دلالة فيه على لعن الفاسق المعين، وفيه: أن المُحْدث والمؤوي للمُحْدِث في الإثم سواء، والمراد بالحدث والمحدث الظلم والظالم على ما قيل، أو ما هو أعم من ذلك، قال عياض: واستدل بهذا على أن الحدث في المدينة من الكبائر، والمراد بلعنة الملائكة والناس المبالغة في الإبعاد عن رحمة الله، قال: والمراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه في أول الأمر، وليس هو كلعن الكافر.

стр. 6698

رجاله أربعة: قد مرّوا: مرَّ أبو النعمان في الأخير من الأَيمان، ومرَّ ثابت بن يزيد في الثمانين من الجماعة، ومرَّ عاصم الأحول في الخامس والثلاثين من الوضوء، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته كلهم بصريون، وهو من رباعيات البخاري، أخرجه البخاري أيضًا في الاعتصام، ومسلم في المناسك. الحديث الثاني حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي". فَقَالُوا: لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ. فَأَمَرَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ. هذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه مستوفًى عند ذكره في باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟ أوائل الصلاة، وقد بينت المراد بإيراده هنا في الكلام على الحديث الذي قبل هذا، وهو أن ذلك كان قبل التحريم. رجاله أربعة: قد مرّوا: مرَّ أبو معمر، وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرَّ أبو التياح في الحادي عشر منه، ومرَّ محل أنس في الذي قبله. الحديث الثالث حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عمر، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "حُرِّمَ مَا بَيْنَ لاَبَتَي الْمَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي". قَالَ: وَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَنِي حَارِثَةَ، فَقَالَ: "أَرَاكُمْ يَا بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الْحَرَمِ". ثُمَّ الْتَفَتَ، فَقَالَ: "بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ". قوله: عن سعيد، عن أبي هريرة، قال الإسماعيلي: رواه جماعة عن عبيد الله هكذا، وزاد عبدة بن سلمان، عن أبيه، أي: عن سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة. وقوله: "حرم ما بين لابتي المدينة" كذا للأكثر بضم أول حرم على البناء للمجهول، وفي

стр. 6699

رواية المستملي: حرم بفتحتين على أنه خبر مقدم، وما بين لابتي المدينة المبتدأ، ويؤيد الأول ما رواه أحمد عن عبيد الله بن عمر في هذا الحديث بلفظ: "إن الله حرّم على لساني ما بين لابتي المدينة" ونحوه للإسماعيلي عن عبيد الله، وقد مرَّ الكلام في اللابتين في الحديث الأول، وزاد مسلم في بعض طرقه، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمىً، وروى أبو داود عن عدي بن زيد قال: حمى رسول الله ﷺ كل ناحية من المدينة بريدًا بريدًا، لا يخبط شجره ولا يعضد إلا يساق به الجمل. وقوله: "وأتى النبي ﷺ بني حارثة" في رواية الإسماعيلي: جاء بني حارثة وهم في سند الحرة، أي: في الجانب المرتفع منها، وبنو حارثة -بمهملة ومثلثة- بطن مشهور من الأوس، وهم حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، وكان بنو حارثة في الجاهلية، وبنو عبد الأشهل في دار واحدة، ثم وقعت بينهم الحرب، فانهزمت بنو حارثة إلى خيبر فسكنوها، ثم اصطلحوا فرجع بنو حارثة، فلم ينزلوا في دار بني عبد الأشهل، وسكنوا في دراهم هذه وهي غربي مشهد حمزة. وقوله: "بل أنتم فيه" زاد الإسماعيلي: بل أنتم فيه أعادها تأكيدًا، وفي هذا الحديث جواز الجزم بما يغلب على الظن، وإذا تبين أن اليقين على خلافه رجع عنه. رجاله ستة: قد مرّوا: مرَّ إسماعيل بن أبي أويس في الخامس عشر من الإيمان ومرَّ أخوه عبد الحميد في الحادي والستين من العلم، ومرَّ سليمان بن بلال، وأبو هريرة في الثاني من الإيمان، ومرَّ سعيد المقبري في الثاني والثلاثين منه، ومرَّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون، وفيه رواية الأخ عن الأخ. الحديث الرابع حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ، وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : الْمَدِينَةُ حَرَمٌ، مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ، وَقَالَ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ، وَمَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ.

стр. 6700

قوله: "عن أبيه" هذه رواية أكثر أصحاب الأعمش عنه، وخالفهم شعبة؛ فرواه عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد، عن علي أخرجه أحمد والنسائي، قال الدارقطني في العلل: الصواب رواية الثوري ومن تبعه. وقوله: "ما عندنا شيء" أي: مكتوب، وإلا فكان عندهم أشياء من السنة سوى الكتاب، أو المنفي شيء اختصوا به عن الناس، وسبب قول عليّ هذا، ما أخرجه أحمد عن أبي حسان الأعرج أن عليًا رضي الله تعالى عنه كان يأمر بالأمر، فيقال له: فعلناه، فيقول: صدق الله ورسوله فقال له: الأشتر إن هذا الذي تقول أهو شيء عهده إليك رسول الله ﷺ ؟ قال: ما عهد إليّ شيئًا خاصة دون الناس، إلا شيئًا سمعته منه، فهو في صحيفة في قراب سيفي، فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة، فإذا فيها ... فذكر الحديث، وزاد فيه: المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، وقال فيه: إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين حرتيها وسماها كله، لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها، ولا يقطع منها شجرة إلا أن يعلف الرجل بعيره، ولا يحمل فيها السلاح لقتال، والباقي نحوه، وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن أبي حسان عن الأشتر عن علي، لأحمد وأبي داود والنسائي عن قيس بن عاد قال: انطلقت أنا والأشتر إلى علي فقلنا: هل عهد إليك رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا، إلا ما في كتابي هذا، قال: وكتاب في قراب سيفه فإذا فيه: المؤمنون تتكافؤ ... فذكر مثل ما تقدم إلى قوله: في عهده من أحدث حديثًا إلى قوله: أجمعين، ولم يذكر بقية الحديث ولمسلم عن أبي الطفيل: كنت عند علي فأتاه رجل فقال: ما كان النبي ﷺ يُسِرُّ إليك؟ فغضب، ثم قال: ما كان يسر إلى شيئًا يكتمه عن الناس، غير أنه حدثني بكلمات أربع، وفي رواية له: ما خصنا بشيء لم يعم به الناس كافة، إلا ما كان في قراب سيفي، فأخرج صحيفة مكتوبًا فيها: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثًا، وقد تقدم في كتاب العلم عن أبي جحيفة: قلت: لعلي هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، والجمع بين هذه الأخبار أن الصحيفة المذكورة كانت مشتملة على مجموع ما ذكر، فنقل كل راو بعضها، وأتمُّها سياقا طريق أبي حسان كما رأيت، وتقدم عند حديث أبي جحيفة استيفاء الكلام على القصاص من المسلم للكافر. وقوله: "المدينة حرم" كذا أورده مختصرًا، وسيأتي في الجزية بزيادة في أوله: قال فيها: الجراحات، وأسنان الإبل. وقوله: "من أحدث فيها حديثًا" يقيد به مطلق ما تقدم في رواية قيس بن عباد، وأن ذلك

стр. 6701

يختص بالمدينة لفضلها وشرفها. وقوله: "لا يقبل منه صرف ولا عدل" بفتح أولهما، واختلف في تفسيرهما. فعند الجمهور الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، ورواه ابن خزيمة بإسناد صحيح عن الثوري. وعن الحسن البصري بالعكس. وعن الأصمعي الصرف: التوبة والعدل، وعن يونس مثله لكن قال: الصرف الاكتساب، وعن أبي عبيدة مثله لكن قال: العدل: الحيلة، وقيل: المثل وقيل: الصرف: الدية والعدل: الزيادة عليها، وقيل: بالعكس، وحكى صاحب المحكم: الصرف: الوزن، والعدل: الكيل، وقيل: الصرف: القيمة، والعدل: الاستقامة، وقيل: الصرف: الدية، والعدل: البديل، وقيل: الصرف: الشفاعة، العدل: الفدية؛ لأنها تعادل الدية، وبهذا الأخير جزم البيضاوي، وقيل: الصرف: الرشوة، والعدل: الكفيل، قاله أبان بن ثعلب، وأنشد: لا نقبل الصرف وهاتوا عدلًا وفي آخر الحديث في رواية المستملي قال أبو عبد الله: عدل: فداء وهذا موافق لتفسير الأصمعي، قال عياض: معناه لا يقبل قبول رضىً وإن قبل قبول جزاء، وقيل: يكون القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بهما، وقد يكون معنى الفدية أنه لا يجد يوم القيامة فدىً يفتدي به، بخلاف غيره من المذنبين بأن يفديه من النار بيهودي أو نصراني، كما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري، وفي الحديث رد لما تدعيه الشيعية من أنه كان عند عليّ وآل بيته من النبي ﷺ أمور كثيرة أعلمه بها سرًا تشتمل على كثير من قواعد الدين، وأمور الإمارة، وفيه جوز كتابة العلم. وقوله: "ذمة المسلمين واحدة" أي: أمانهم صحيح فإذا أمن الكافر واحدٌ منهم حرم على غيره التعرض له، وللأمان شروط معروفة، وقال البيضاوي: الذمة العهد سمي بها لأنه يذم متعاطيها على إضاعتها. وقوله: "يسعى بها" أي: يتولاها ويذهب، ويجيء، والمعنى أن ذمة المسلمين سواء صدرت من واحد، أو أكثر، شريف أو وضيع فإذا أمن أحد من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمة، لم يكن لأحد نقضه فيستوي في ذلك الرجل والمرأة، والحر والعبد لأن المسلمين كنفس واحدة، ومذهب مالك والشافعي جواز أمان المرأة والعبد، وعند أبي حنيفة: لا يجوز إلا إذا أذِن المولى لعبده بالقتال. وقوله: "فمن أخفر" بالخاء المعجمة والفاء أي: نقض العهد، يقال: خفرته بغير ألف

стр. 6702

أمنته وأخفرته نقضت عهده. وقوله: "ومن تولى قومًا بغير إذن مواليه" لم يجعل الإذن شرطًا لجواز الادعاء، وإنما هو لتأكيد التحريم؛ لأنه إذا استأذنهم في ذلك منعوه، وحالوا بينه وبين ذلك، قاله الخطابي، ويحتمل أن يكن كنى بذلك عن بيعه، فإذا وقع بيعه جاز له الانتماء إلى مولاه الثاني، وهو غير مولاه الأول، أو المراد موالاة الحلف فإذا أراد الانتقال عنه لا ينتقل إلا بإذن، وقال البيضاوي: الظاهر أنه أراد به ولاء العتق لعطفه على قوله: من ادعى إلى غير أبيه، والجمع بينها بالوعيد، فإن العتق من حيث أنه لحمة كلمة النسب فإذا نسب إلى غير من هو له، كان كالدعي الذي تبرأ عمن هو منه، وألحق نفسه بغيره، فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، ثم أجاب عن الإذن بنحو ما تقدم، وقال: ليس هو للتقييد وإنما هو للتنبيه على ما هو المانع، وهو إبطال حق مواليه فأورد الكلام على ما هو الغالب، وقد رتب المصنف أحاديث الباب ترتيبًا حسنًا، ففي حديث أنس التصريح يكون المدينة حرمًا، وفي حديثه الثاني تخصيص النهي عن قطع الشجر، بما لا ينبته الآدميون، وفي حديث أبي هريرة بيان ما أجمل من حرمها في حديث أنس حيث قال: كذا وكذا، فبين بهذا أنه ما بين الحرتين، وفي حديث على زيادة تأكيد التحريم، وبيان حد الحرم أيضًا. رجاله ستة: مرَّ منهم: محمد بن بشار في الحادي عشر من العلم، ومرَّ عبد الرحمن بن مهدي في الأول من استقبال القبلة، ومرَّ الثوري في السابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ الأعمش في الخامس والعشرين منه، ومرَّ إبراهيم بن يزيد التيمي في تعليق بعد الأربعين منه في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله، ومرَّ عليّ بن أبي طالب في السابع والأربعين من العلم. والباقي: يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي، قال يحيى بن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان عريف قومه، وله أحاديث، وقال أبو موسى المديني في الذيل: يقال إنه أدرك الجاهلية، روى عن عمر وعليّ وأبي ذر وغيرهم، وروى عنه ابنه إبراهيم، وإبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته بصريان وكوفيون، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق. ثم قال المصنف:

стр. 6703

باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس أي: الشرار منهم، وراعى في الترجمة لفظ الحديث وقرينة إرادة الشرار من الناس ظاهرة من التشبيه الواقع في الحديث، والمراد بالنفي الإخراج. ولو كانت الرواية تنقي بالقاف لحمل لفظ الناس على عمومه، وقد ترجم المصنف بعد أبواب المدينة تنفي الخبث. الحديث الخامس حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ: يَثْرِبُ. وَهْيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِى الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ". قال ابن عبد البر: اتفق الرواة عن مالك على إسناده إلا إسحاق بن عيسى الطباع، فقال: عن مالك، عن يحيى، عن سعيد بن المسيب -بدل سعيد بن يسار-، وهو خطأ، وتابعه أحمد بن عمر، عن خالد السلمي، عن مالك وأخرجه الدارقطني في غراب مالك وقال: هذا وهم، والصواب: عن يحيى، عن سعيد بن يسار. وقوله: "أمرت بقرية" أي: أمرني ربي بالهجرة إليها أو سكناها، فالأول محمول على أنه قاله بمكة، والثاني على أنه قاله بالمدينة. وقوله: "تأكل القرى" أي: تغلبهم وكنى بالأكل عن الغلبة؛ لأن الأكل غالب على المأكول، وفي موطأ ابن وهب قلت لمالك: ما تأكل القرى قال: تفتح القرى، وبسطه ابن بطال فقال: معناه يفتح أهلها القرى، فيأكلون أموالهم، ويسبون ذراريهم قال: وهذا من فصيح كلام العرب تقول العرب: أكلنا بلد كذا، إذا ظهروا عليه، وسبقه الخطابي إلى معنى ذلك أيضًا. وقال النووي: ذكروا في معناه وجهين: أحدهما: هذا، والآخر: أن أكلها وميرتها من القرى المفتتحة وإليها تساق غنائمها، قال ابن المنير: يحتمل أن يكن المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها، ومعناه أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها، حتى تكاد تكون عدمًا، وما ذكره احتمالًا ذكره

стр. 6704

القاضي عبد الوهاب، فقال: لا معنى لقوله: "تأكل القرى" إلا رجوح فضلها عليها، وزيادتها على غيرها، ولكن دعوى الحصر مردودة لما مضى، ثم قال ابن المنير: وقد سميت مكة أم القرى والمذكور للمدينة، أبلغ منه لأن الأمومة إذا وجدت لا ينمحي ما هي له أم، لكن يكون حق الأم أظهر وفضلها أكثر. وقوله: "يقولون: يثرب، وهي المدينة" أي: أن بعض المنافقين يسميها يثرب واسمها الذي يليق بها المدينة، وفهم بعض العلماء من هذا كراهة تسمية المدينة يثرب، وقالوا: ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين، وروى أحمد عن البراء بن عازب رفعه: "من سمى المدينة يثرب، فليستغفر الله هي طابة، هي طابة" وروى عمر بن شبة عن أبي أيوب أن رسول الله ﷺ نهى أن يقال للمدنية يثرب، ولهذا قال عيسى بن دينار المالكي: من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة، قال: وسبب هذه الكراهة لأن يثرب إما من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة، أو من الثرب، وهو الفساد، وكلاهما مستقبح وكان ﷺ يحب الاسم الحسن، ويكره الاسم القبيح، وذكر أبو إسحاق الزجاج وأبو عبيد البكري أنها سميت يثرب باسم يثرب بن قانية بن مهلايل بن عيل بن عيص بن أرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من سكنها بعد العرب، ونزل أخوه خيبور خيبر فسميت به، وسقط بعض الأسماء من كلام البكري. وقوله: "تنفي الناس" قال عياض: وكأن هذا مختص بزمنه لأنه لم يكن يصبر على الهجرة، والمقام بها معه، إلا من ثبت إيمانه، وقال النووي: ليس هذا بظاهر؛ لأن عند مسلم: "لا تقوم الساعة حت تنفي المدينة شرارها، كما ينفي الكبير خبث الحديد" وهذا -والله أعلم- زمن الدجال، قال في الفتح: قال: ويحتمل أن يكون المراد كلا من الزمنين، وكان الأمر في حياته ﵊ كذلك للسبب المذكور، ويؤيده قصة الأعرابي الآتية بعد أبواب، فإنه ﵊ ذكر هذا الحديث معللًا به خروج الأعرابي، وسؤاله الإِقالة عن البيعة، ثم يكون ذلك أيضًا في آخر الزمان؛ عندما ينزل بها الدجال، فترجف بأهلها، فلا يبقى منافق، ولا كافر إلا خرج إليه، كما يأتي بعد أبواب، وأما ما بين ذلك فلا. وقوله: "كما ينفي الكير" أي: بكسر الكاف وسكون التحتانية، وفيه لغة أخرى كور بضم الكاف، والمشهور بين الناس أنه الزّق الذي ينفخ فيه، لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير حانوت الحداد والصائغ، قال ابن التين: وقيل: الكير هو الزق والحانوت هو الكور، وقال صاحب المحكم: الكير الزق الذي ينفخ فيه الحداد، ويؤيد الأول ما رواه عمر بن شبة في أخبار المدينة بإسناد له إلى أبي مودود، قال: رأى عمر بن الخطاب كير حداد في السوق فضربه برجله حتى هدمه، والخبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة أي: وسخه الذي تخرجه النار، والمراد أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل، بل تميزه عن القلوب الصادقة،

стр. 6705

وتخرجه كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده، ونسبة التمييز للكير لكونه السبب الأكبر في اشتعال النار التي يقع بها التمييز، واستدل بهذا الحديث على أن المدينة أفضل البلاد، قال المهلب: لأن المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإِسلام فصار الجميع في صحائف أهلها، ولأنها تنفي الخبث، وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة، فالفضل ثابت للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين. قلت: في هذا الجواب نظر؛ لأن الذين فتحوا مكة -وإن كان معظمهم من أهلها- لم يفتحوها إلا باسم المدينة، والسكنى فيها، فلا ينفي ذلك فضل المدينة بهذه المزية، وعن الثاني بأن ذلك إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ والمنافق خبيث بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النبي ﷺ معاذ وأبو عبيدة، وابن مسعود وطائفة، ثم علي وطلحة والزبير، وعمار، وآخرون وهم من أطيب الخلق فدلّ على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس، ووقت دون وقت. قلت: هذا الخروج الواقع من أولئك الأفاضل لا يصدق عليه النفي، ولا يتناوله، وقال ابن حزم لو فتحت بلد من بلد، فثبت بذلك الفضل للأولى، للزم أن تكن البصرة أفضل من خراسان وسجستان وغيرهما، مما فتح من جهة البصرة؛ وليس كذلك، قلت: من أين له بأن الأمر ليس كذلك، بل الظاهر أن الأمر كذلك، فتكون البصرة أفضل مما فتح بعدها لقدمها في الإِسلام. وقد استنبط ابن أبي جمرة من قوله ﵊: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة" التساوي بين فضل مكة والمدينة، ومباحث التفضيل بين الموضعين مشهورة، وقال الأبي من المالكية، واختار ابن رشد وشيخنا أبو عبد الله ابن عرفة تفضيل مكة، واحتج ابن رشد لذلك بأن الله تعالى جعل بها قبلة الصلاة، وكعبة الحج، وأن الله تعالى جعل لها مزية بتحريم الله تعالى إياها، إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، وأجمع أهل العلم على وجوب الجزاء على من صاد بحرمها، ولم يجمعوا على وجوبه على من صاد بالمدينة، ومن دخله كان آمنًا، ولم يقل أخد بذلك في المدينة، والذنب في حرم مكة أغلظ منه في حرم المدينة، فكان ذلك دليلًا على فضلها عليها، قال: ولا حجة في الأحاديث المرغبة في سكنى المدينة على فضلها عليها، قال: ولا دليل في قوله: أُمرت بقرية تأكل القرى لأنه إنما أخبر أنه أمر بالهجرة إلى قرية تفتح منها البلاد، قلت: وهذا الذي أخبر به من كونها تفتح منها البلاد أي: مزية فوقه.

стр. 6706

رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ يحيى بن سعيد الأنصاري في الأول، ومرَّ أبو الحباب في التاسع من الوتر، ومرَّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان، والإسناد كلّه مدنيون إلا شيخ البخاري. ثم قال المصنف:

стр. 6707

باب المدينة طابة أي: من أسمائها، إذ ليس في الحديث أنها لا تسمى بغير ذلك. الحديث السادس حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ ﵁: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: "هَذِهِ طَابَةُ". هذا طرف من حديث أبي حميد الساعدي الماضي مطولًا، في أواخر الزكاة في باب خرص التمر، ومرَّ الكلام عليه هناك مستوفى، وفي بعض طرقه: طابة، وفي بعضها: طيبة؛ وطيبة كهيبة، وطيبة كصيبة، وطائب ككاتب، فهذه الثلاثة مع طابة كشامة أخوات لفظًا ومعنى، مختلفات صيغة. ومبني، وروى مسلم عن جابر بن سمرة مرفوعًا: "إن الله سمى المدينة طابة" ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده"، عن شعبة، عن سماك بلفظ: "كانوا يسمون المدينة يثرب فسماها النبي ﷺ طابة"، وأخرجه أبو عوانة، والطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشيء الطيب، وقيل: لطهارة تربتها، أو لطهارتها من الشرك، وحلول الطيب ﵊ بها، وقيل: لطيبها لساكنها، وقيل: من طيب العيش بها، وقال بعض أهل اللغة: وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية؛ لأن من أقام بها يجد من تربتها، وحيطانها رائحة طيبة، لا تكاد توجد في غيرها، وقال الحافظ: أمر المدينة في طيب ترابها وهوائها يجده من أقام بها، ويجد لطيبها أقوى رائحة، ويتضاعف طيبها فيها عن غيرها من البلاد، وكذلك العود وسائر أنواع الطيب، ولله در الإشبيلي حيث قال: لتربة المدينة نفحة ليس كما عهد من الطيب، بل هو عجيب من الأعاجيب، ولها أسماء كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، منها: ما رواه عمر بن شبة في أخبار المدينة من رواية زيد بن أسلم قال: قال النبي ﷺ : "للمدينة عشرة أسماء، هي: المدينة، وطابة، وطيبة، والمطيبة، والمسكينة، والدار، وجابرة، ومجبورة، ومنيرة، ويثرب"، وعن محمد بن أبي يحيى قال: لم أزل أسمع أن للمدينة عشرة أسماء هي: المدينة، وطيبة، وطابة، والمطيبة، والمسكينة، والمدرى، والجابرة، والمجبورة، والمحببة، المحبوبة، وزاد الزبير في أخبار المدينة عن ابن أبي يحيى: "والقاصمة" وعن أبي سهل بن مالك، عن كعب الأحبار قال نجد في كتاب الله

стр. 6708

الذي أنزل على موسى أن الله قال للمدينة: يا طيبة، ويا طابة، ويا مسكينة! لا تقبلي الكنوز، أرفع أجاجيرك على القرى، وروى الزبير عن عبد الله بن جعفر قال: سمى الله المدينة: الدار والإيمان، ومن أسمائها بيت الرسول ﷺ قال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: من المدينة لاختصاصها به؛ اختصاص البيت بساكنه، والحرم لتحريمها كما مرَّ، والحبيبة؛ لحبه ﵊ لها، ودعائه به، وحرم الرسول ﵊؛ لأنه الذي حرمها، وللطبراني بسند رجاله ثقات: حَرَمُ إبراهيمَ مكةٌ، وحرمي المدينةُ. وحسنة، قال الله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أي: مباءة حسنة وهي المدينة، ودار الأبرار، ودار الأخيار لأنها دار المختار، والمهاجرين والأنصار، وتنفي شرارها، ومن أقام بها منهم فليست له في الحقيقة بدار، وربما نقل منها بعد الأقبار، ودار السنة، ودار السلامة، ودار الفتح، ودار الهجرة؛ فمنها فتح سائر الأمصار، وإليها هجرة المختار، ومنها انتشرت السنة في الأقطار، والشافية؛ لحديث ترابها شفاء من كل داء، وذكر ابن مسدي الاستشفاء بتعليق أسمائها على المحموم، وقبة الإِسلام: لحديث: "المدينة قبة الإِسلام"، والمؤمنة؛ لتصديقها به حقيقة بخلقه، فيها قابلية ذلك كما في تسبيح الحصى، أو مجازًا لاتصاف أهلها وانتشاره منها، وفي خبر: والذي نفسي بيده إن تربتها لمؤمنة، وفي آخر: إنها لمكتوبة في التوراة مؤمنة، والمباركة؛ لأن الله تعالى بارك فيها بدعائه ﵊ وحلوله فيها، والمختارة؛ لأن الله تعالى اختارها للمختار من خلقه، والمحفوظة؛ لحفظها من الطاعون والدجال وغيرهما، ومدخل صدق، والمرزوقة أي: مرزوق أهلها، والمسكينة كما مرَّ عن التوراة والمسكنة الخضوع والخشوع خلقه الله فيها، أو هي مسكن الخاشعين -أسال الله العظيم بوجاهة وجهه الوجيهة ونبيه النبيه ﵊ أن يجعلني من ساكنيها المقربين حيًّا وميتًا؛ إنه جابر المنكسرين، وواصل المنقطعين- ومنها المقدسة؛ لتنزهها عن الشرك وكونها تنفي الذنوب، وأكالة القرى لغلبتها الجميع فضلًا، وتسلطها عليها، وافتتاحها بأيدي أهلها فغنموها وأكلوها، وروى الزبير في أخبار المدينة عبد العزيز الدراوردي أنه قال: بلغني أن للمدينة في التورية أربعين اسمًا، وذكر الشامي في "سيرته": لها نحو مائة اسم، وها أنا أذكر بعضًا مما لم يذكر فيما مرَّ فمنها: البحيرة كرغيفة، فالبحر الاتساع وهي بمتسع من الأرض، والبلاط كسحاب إذ هو الحجارة المفروشة، وذلك كثير فيها، والبلد قال الله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَد﴾ قيل: مكة، وقيل: المدينة، وتندد -بالمثناة الفوقية، والنون، والدالين المهملتين- كجعفر، ويروى ياء بدل التاء من الند الطيب المعروف أو من الند التل المرتفع، والجبارة، وجبار كخدام لجبرها الكسير وإغنائها الفقير، وجزيرة العرب لقول بعضهم: إنها المراد في حديث: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" والجُنة بضم الجيم وهي الوقاية والخيرة بالتخفيف والتشديد، وذات الحجر بضم الحاء وفتح الجيم لاشتمالها عليها، وذات

стр. 6709

الحِرار بكسر الحاء وبراءين مهملتين لكثرة الحجارة السود بها، والسلقة بالقاف وبفتح اللام وكسرها وسكونها لاتساعها وتباعد جبالها، وطباطب بكسر المهملة أي: القطعة المستطيلة من الأرض، والقاصمة لأنها لا يدخلها الطاعون، ولا الدجال، ومن أرادها بسوء أذابه الله. والعذراء بالعين المهملة والذال المعجمة لصعوبتها على الأعداء، والعراء لعدم ارتفاع أبنيتها، والعروض كصبور لانخفاض مواضع فيها، والغراء من الغرة لاشتهارها على سائر البلاد، والفاضحة لأنها تفضح من أضمر فيها سوءًا، والقاصمة لقصمها كل جبار، والمحبورة من الحبور وهو السرور، والمحروسة، والمحفوظة لأنها محفوفة بالملائكة، والمرحومة لأنها تتنزل فيها الرحمات، والمرزوقة أي: المرزوق أهلها أو أنها لا يخرج عنه أحد إلا أبدلها الله خيرًا منه، أظن أن هذا خاص بمن خرج منها كراهية لها، لا من خرج منها لعذر، والمسجد الأقصى ومضجع الرسول ﷺ والناجية لنجاتها بحوزها أشرف الخلق، ونبلاء بفتح النون وسكون الموحدة والمد من النبل، وهو الفضل، والبارَّة، والبرَّة، وهما من قولك امرأة بارَّة، والبحرة، والبحيرة بالتصغير وتندر، ويندر بالدال والراء المهملتين، وجبار كخدام، ودار الإيمان، وذات النخل، وسيدة البلدان، وظبابا، إما بكسر المهملة أو بفتح المعجمة الأول بمعنى القطعة المستطيلة، والثاني من ظبب أو ظبظب إذا حم لأنها كانت لا يدخلها أحد إلا حم، وغلبة بالتحريك من الغلب وهو الظهور على الشيء، وقرية الأنصار، وقرية الرسول ﵊، وقلب الإيمان، ومُبَوءُ الحلال والحرام، ومبين الحلال والحرام، والمحبة بضم الميم وبالحاء المهملة وبتشديد الموحدة، والمحرمة، ومدينة الرسول، والمسلمة المؤمنة، والمقرّ بالقاف من القرار "يجيب" والمكتان، والمكينة، لتمكنها في المكانة والمنزلة عند الله، ومهاجر الرسول ﷺ ، والموفية بتشديد الفاء من التوفية ويجوز تخفيفها إذ الإيفاء والتوفية بمعنى، والنحر بفتح النون وسكون الحاء سميت به إما لشدة حرها، وإما لإطلاق النحر على الأصل والهذراء بالذال المعجمة لشدة حرها يقال: يوم هاذر أي: شديد الحر، أو بالمهملة من هدر الحمام إذا صوت، وأثرب كمسجد، وأرض الله، وأرض الهجرة، وأكالة البلدان، ومجنة، وقدسية. هذا ما وقفت عليه من أسمائها وأسأل الله تعالى بحرمة من سكنها حيًّا وميتًا سيد البشر ﷺ وبحرمة من سكنها من أصحابه عليهم رضوان الله وتابعيهم وتابعي تابعيهم إلى يوم الدين أن يختم لي ولمن معي بالسكنى فيها على أتم حال، وأبركه وأطهره، وبالموت فيها على الإيمان، والدفن في البقيع آمين يا أرحم الراحمين، يا مجيب دعاء المضطرين يا من يجيب المضطر إذا دعاه.

стр. 6710

رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ خالد بن مخلد في الرابع من العلم، ومرَّ سليمان بن بلال في الثاني من الإيمان، ومرَّ عمرو بن يحيى في الخامس عشر منه، ومرَّ عباس بن سهل في الثالث والثمانين من الزكاة. ثم قال المصنف: باب لابتي المدينة الحديث السابع حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ بِالْمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتُهَا" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا حَرَامٌ". قوله: "لو رأيت الظباء ترتع" أي: تسعى أو ترعى بالمدينة، وقيل تنبسط. وقوله: "ما ذعرتها" أي: ما قصدت أخذها فأخفتها بذلك، وكنى بذلك عن عدم صيدها، واستدل أبو هريرة بقوله ﵊: "ما بين لابتيها حرام" لأن المراد بذلك المدينة، لأنها بين لابتين شرقية وغربية، ولها لابتان أيضًا من الجانبين الآخرين، إلا أنهما يرجعان إلى الأولين لاتصالهما بهما، والحاصل أن جميع دورها كلها داخل ذلك، وقد مرَّ شرح الحديث في الباب الأول، وفي قول أبي هريرة هذا إشارة إلى قوله في الحديث الماضي: لا ينفر صيدها، ونقل ابن خزيمة الاتفاق على أن الأجزاء في صيد المدينة بخلاف صيد مكة، وقال بعض المالكية: إن عدم الجزاء في صيد المدينة إنما هو لعظمه لا يكفر كيمين الغموس. رجاله خمسة: مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، والزهري في الثالث فهو ابن المسيب في التاسع عشر من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني منه. أخرجه مسلم والنسائي في الحج والترمذي في المناقب. ثم قال المصنف:

стр. 6711

باب من رغب عن المدينة أي فهو مذموم، أرباب حكم من رغب عنها الحديث الثامن حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لاَ يَغْشَاهَا إِلاَّ الْعَوَافِ، يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ، يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا". قوله: "تتركون المدينة" كذا للأكثر بتاء الخطاب، والمراد بذلك غير المخاطبين لكنهم من أهل البلد، أو من نسل المخاطبين، أو من نوعهم، وروى يتركون بتحتانية، ورجحه القرطبي. وقوله: "على خير ما كانت". أي: على أحسن حال كانت عليه قبل من العمارة وكثرة الأشجار وحسنها، قال القرطبي: تبعًا لعياض، وقد وجد ذلك حيث صارت معدن الخلافة، ومقصد الناس وملجأهم وحملت إليها خيرات الأرض، وصارت من أعمر البلاد، فلما انتقلت الخلافة عنها إلى الشام ثم إلى العراق وتقلبت عليها الأعراب تعاورتها الفتن؛ وخلت من أهلها، فقصدتها عوافي الطير والسباع والعوافي جمع عافية، وهي التي تطلب أقواتها، ويقال للذكر: عاف، قال ابن الجوزي: اجتمع في العوافي شيئان أحدهما: أنها طالبة لأقواتها من قولك: عفوت فلانًا أعفو، وأنا عاف والجمع عفاة أي: أتيت أطلب معروفه، والثاني: من العفاء وهو الموضع الخالي الذي لا أنيس به، فإن الطير والوحش تقصده لأمنها على نفسها فيه، وقال النووي في "المختار": إن هذا الترك يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة، ويؤيده قصة الراعيين، فقد وقع عند مسلم بلفظ: ثم يحشر راعيان، وفي البخاري أنهما آخر من يحشر، ويؤيده ما رواه معن بن عيسى عن مالك في الموطأ، عن أبي هريرة رفعه: "لتتركن المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الذيب فيعوي على بعض سواري المسجد، أو على المنبر، قالوا: فلمن تكون ثمارها؟ قال: للعوافي الطير والسباع، ورواه جماعة من الثقات خارج "الموطأ"، ويشهد له أيضًا ما روى أحمد والحاكم وغيرهما عن محجن بن الأدرع الأسلمي قال: بعثني النبي ﷺ لحاجة ثم لقيني وأنا خارج من بعض طرق المدينة فأخذ

стр. 6712

بيدي، حتى أتينا أُحدًا، ثم أقبل على المدينة، فقال: "ويل أمها قرية، يوم يدعها أهلها كأينع ما يكون"، قلت: يا رسول الله! من يأكل ثمرها؟ قال: "عافية الطير والسباع"، وروى عمر بن شبة بإسناد صحيح عن عوف بن مالك قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد ثم نظر إلينا فقال: "أما والله ليدعنها أهلها مذللة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع"، وهذا لم يقع قطعًا، وقال المهلب في هذا الحديث: إن المدينة تسكن إلى يوم القيامة وإن خلت في بعض الأوقات، لقصد الراعيين بغنمهما المدينة، وقد أنكر ابن عمر على أبي هريرة تعبيره في هذا الحديث بقوله: "خير ما كانت" وقال: إن الصواب: أعمر ما كانت، أخرج ذلك عمر بن شبة في أخبار المدينة عن مساحق ابن عمرو أنه كان جالسًا عند ابن عمر فجاء أبو هريرة فقال له: لم ترد على حديثي، فوالله لقد كنت أنا وأنت في بيت حين قال النبي ﷺ : "يخرج منها أهلها، خير ما كانت" فقال ابن عمر: أجل؛ ولكن لم يقل: "خير ما كانت" إنما "قال: "أعمر ما كانت"، ولو قال: "خير ما كانت"، لكان ذلك وهو حي وأصحابه، فقال أبو هريرة: صدقت، والذي نفسي بيده، وروى مسلم عن حذيفة أنه لما سأل النبي ﷺ عمن يخرج أهل المدينة من المدينة، ولعمر بن شبة عن أبي هريرة قيل: يا أبا هريرة من يخرجهم؟ قال: أمراء السوء. وقوله: "آخر من يحشر راعيان من مزينة"، هذا يحتمل أن يكون حديثًا آخر مستقلًا، لا تعلق له بالذي قبله، ويحتمل أن يكون من تتمة الحديث الذي قبله، وعلى هذين الاحتمالين يترتب الاختلاف الذي حكيته عن القرطبي والنووي، والثاني أظهر كما قال النووي، وفي رواية مسلم عن الزهري: "ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة"، لم يذكر في الحديث حشرهما، وإنما ذكر مقدمته لأن الحشر إنما يقع بعد الموت، فذكر سبب موتهما والحشر يعقبه. وقوله: "ينعقان" -بكسر المهملة بعدها قاف- النعيق: زجر الغنم، يقال: نعق ينعق بكسر العين وفتحها نعيقًا ونعاقًا ونعقًا ونعقانًا إذا صاح بالغنم، وأغرب الداودي فقال: معناه يطلب الكلأ، وكأنه فسره بالمقصود من الزجر لأنه يزجرها عن المرعى الوبيل إلى المرعى الوسيم. وقوله: "فيجدانها وحوشًا" أي: يجدانها ذات وحش أو يجدان أهلها قد صاروا وحوشًا، وهذا على أن الرواية بفتح الواو أي: يجدانها خالية، وفي رواية مسلم: فيجدانها وحشًا أي: خالية ليس بها أحد والوحش من الأرض الخلاء، أو كثيرة الوحش لما خلت من سكانها، قال النووي: الصحيح أن معناه يجدانها ذات وحوش، قال: وقد يكون وحشًا بمعنى وحوش، وأصل الوحش كل شيء توحش من الحيوان، وجمعه وحوش، وقد يعبر بواحده عن جمعه، وحكى عن ابن المرابط أن معناه أن غنم الراعيين المذكورين تصير وحوشًا إما بأن تنقلب

стр. 6713

ذاتها، وإما أن تتوحش وتنفر منهما، وعلى هذا فالضمير في يجدانها يعود على الغنم، والظاهر خلافه، قال النووي: الصواب الأول، وقال القرطبي: القدرة صالحة لذلك، ويؤيده أن في بقية الحديث: "إنهما يخران على وجوههما إذا وصلا إلى ثنية الوداع" وذلك قبل دخولهما المدينة بلا شك، فيدل على أنهما وجدا التوحش المذكور قبل دخول المدينة، فيقوي أن الضمير يعود على غنمهما، وكان ذلك من علامات قيام الساعة، ويوضح هذا رواية عمر بن شبة في أخبار المدينة عن عطاء بن السائب عن رجل من أشجع، عن أبي هريرة موقوفًا قال: آخر من يحشر رجلان: رجل من مزينة، وآخر من جهينة فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة، فلا يريان إلا الثعالب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس. وقوله: "خرا على وجوههما" أي: سقطا ميتين، أو المراد بقوله: "خرا على وجوههما" أي: سقطا بمن أسقطهما، وهو الملك كما مرَّ في رواية عمر بن شبة، وفي رواية للعقيلي: إنهما كانا ينزلان بحبل. ورقان، وله في حديث حذيفة بن أسيد: أنهما يفقدان الناس، فيقولان: ننطلق إلى بني فلان، فيأتيانهم فلا يجدان أحدًا فيقولان: ننطلق إلى المدينة، فينطلقان، فلا يجدان بها أحدًا، فينطلقان إلى البقيع،، فلا يريان إلا السباع، والثعالب، وهذا يوضح أحد الاحتمالات المتقدمة، وقد روى ابن حبان عن عروة عن أبي هريرة رفعه: "آخر قرية في الإِسلام خرابًا المدينة"، وهو يناسب كون آخر من يحشر يكون منها. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ أبو اليمان، وشعيب في الأخير من بدء الوحي، ومرَّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله. الحديث التاسع حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ. وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ". قوله: "عن سفيان بن أبي أزهر" كذا للأكثر، ورواه حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه كذلك وقال في آخره: قال عروة: ثم لقيت سفيان بن أبي أزهر عند موته، فأخبرني بهذا

стр. 6714

الحديث، وذكر عليّ ابن المديني أنه اختلف فيه على هشام اختلافًا آخر، فقال وهيب وجماعة كما قال مالك، وقال ابن عيينة: عن هشام بسنده عن سفيان بن الغوث وقال أبو معاوية عن هشام بسنده، عن سفيان بن عبد الله الثقفي، لكن رواه الحميدي عن سفيان على الصواب، ورواه أبو خيثمة عن جرير فقال: سفيان بن أبي قلابة. وقوله: "تفتح اليمن" قال ابن عبد البر وغيره: افتتحت اليمن في أيام النبي ﷺ ، وفي أيام أبي بكر، وافتتحت الشام بعدها والعراق بعدها، وفي الحديث علم من أعلام النبوءة فقد وقع على وفق ما أخبر به النبي ﷺ وعلى ترتيبه، ووقع تفرق الناس في البلاد لما فيها من السعة والرخاء، ولو صبروا على الإقامة بالمدينة لكان خيرًا لهم، وفي هذا الحديث فضل المدينة على البلاد المذكورة، وهو أمر مجمع عليه فلم يختلف العلماء في أن للمدينة فضلًا على غيرها، وإنما اختلفوا في الأفضلية بينها وبين مكة، وفيه دليل على أن بعض البقاع أفضل من بعض. وقوله: "يبسون" بفتح أوله وكسر الموحدة، وضمها من بس، يبس قال ابن عبد البر: في رواية يحيى بن يحيى بكسر الموحدة، وقيل: إن ابن القاسم رواه بضمها، قال أبو عبيد: معناه يسوقون دوابهم، والبس سوق الإبل تقول: بس بس عند السوق وإرادة السرعة، وقال الداودي معناه يزجون دوابهم، فيبسون ما يطؤونه من الأرض بشدة السير، فيصير غبارًا قال الله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أي: سالت سيلًا وقيل: معناه سارت سيرًا، وقال ابن القاسم: البس المبالغة في الفت ومنه قيل للدقيق المصنوع بالدهن: بسيس، وأنكر ذلك النووي وقال: إنه ضعيف، أو باطل، قال ابن عبد البر: وقيل معنى يبسون: يسألون عن البلاد، ويستقرؤون أخبارها ليسيروا إليها، قال: وهذا لا يكاد يعرفه أهل اللغة، وقيل: معناه يزينون لأهلهم البلاد التي تفتح، ويدعونهم إلى سكناها فيتحملون بسبب ذلك من المدينة راحلين إليها، ويشهد لهذا ما رواه مسلم عن أبي هريرة يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه، وقريبه هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لو كانوا يعلمون، وعلى هذا فالذين يتحملون غير الذين يبسون، كان الذي حضر الفتح أعجبه حسن البلاد ورخاؤها فدعا قريبه إلى المجيء إليها، لذلك فيتحمل المدعو بأهله وأتباعه، قال ابن عبد البر: وروي يبسون بضم أوله من الرباعي أبس إبساسًا ومعناه يزينون لأهلهم البلد التي يقصدونها، وأصل الإبساس للتي تحلب حتى قدر باللبن، وهو أن يجري يده على وجهها، وصفحة عنقها كأنه يزين لها ذلك، ويحسنه لها، وإلى هذا ذهب ابن وهب، وكذا رواه ابن حبيب، عن مطرف، عن مالك يبسون من الرباعي وفسره بنحو ما ذكرناه، وأنكر الأول غاية الإنكار، وقال النووي: الصواب أن معناه الإخبار عمن خرج من المدينة متحملًا بأهله بأسًا في سيره، مسرعًا إلى الرخاء، والأمصار المفتتحة، ويؤيده رواية ابن خزيمة عن أبي معاوية عن هشام، عن عروة في هذا الحديث بلفظ: نفتح

стр. 6715

الشام، فيخرج الناس من المدينة إليها يبسون، والمدينة خير لهم، لو كانوا يعلمون، ويوضح ذلك ما روى أحمد عن جابر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليأتين على أهل المدينة زمان، ينطلق الناس منها إلى الأرياف يلتمسون الرخاء، فيجدون رخاء ثم يأتون فيتحملون بأهليهم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وفي إسناده ابن لهيعة، ولا بأس به في المتابعات، وهو يوضح ما قلناه وروى أحمد في أول حديث سفيان هذا قصة أخرجها عن بشر بن سعيد أنه سمع في مجلس الليثيين يذكرون أن سفيان بن أبي زهير أخبرهم أن فرسه أعيت بالعقيق، وهو في بعث بعثهم رسول الله ﷺ فرجع إليه يستحمله، فخرج معه يبتغي له بعيرًا، فلم يجده إلا عند أبي جهم بن حذيفة العدوي فسامه له، فقال له أبو جهم: لا أبيعكه يا رسول الله، ولكن خذه فاحمل عليه من شئت، ثم خرج حتى إذا بلغ بيرا هاب قال: يوشك البنيان أن يأتي هذا المكان، ويوشك الشام أن يفتح، فيأتيه رجال من أهل هذا البلد فيعجبهم ريعه ورخاؤه، والمدينة خير لهم. وقوله: "لو كانوا يعلمون" أي: بفضلها من الصلاة في المسجد النبوى، وثواب الإقامة فيها، وغير ذلك، ويحتمل أن تكون "لو" بمعنى ليت، فلا يحتاج إلى تقدير، وعلى الوجهين ففيه تجهيل لمن فارقها، وآثر غيرها قالوا: والمراد به، الخارجون من المدينة رغبة عنها، كارهين لها، وأما من خرج لحاجة، أو تجارة، أو جهاد، أو نحو ذلك فليس بداخل في معنى الحديث، قال الطيبي: الذي يقتضيه هذا المقام أن ينزل ما لا يعلمون منزلة اللازم، لتنتفي عنهم المعرفة بالكلية، ولو ذهب مع ذلك إلى التمني لكان أبلغ لأن التمني طلب ما لا يمكن حصوله، أي: ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظًا وتشديدًا، وقال البيضاوي: المعنى أنه يفتح اليمن فيعجب قومًا يلادُها، وعيش أهلها، فيحملهم ذلك على المهاجرة إليها بأنفسهم. وأهليهم، حتى يخرجوا من المدينة، والحال أن الإقامة في المدينة خير لهم لأنها حرم الرسول، وجواره، ومهبط الوحي، ومنزل البركات؛ لو كانوا يعلمون ما في الإقامة بها من الفوائد الدينية، بالعوائد الأخروية التي يستحقر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة، بسبب الإقامة في غيرها، وقواه الطيبي لتنكير قوم، وصفهم بأنهم يبسون ثم توكيده بقوله: "لو كانوا يعلمون" لأنه يشعر بأنهم ممن ركن إلى الحظوظ البهيمية، والحطام الفاني، وأعرضوا عن الإقامة في جوار الرسول، ولذلك كرر قومًا، ووصفه في كل قرينة بقوله: "يبسون" استحضارًا لتلك الهيئة القبيحة. رجاله ستة: مرّوا، إلا الأخير: مرت الأربعة الأول بهذا النسق في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن الزبير في الثاني والأربعين من العلم.

стр. 6716

والأخير الباقي: هو سفيان بن أبي زهير، ولقب أبي زهر القرد بفتح القاف وكسر الراء، وقيل: اسمه نمير بن مرارة بن عبد الله بن مالك ويقال فيه: النمري لأنه من ولد النمر بن عثمان بن نصر بن زهران، سكن المدينة، وروى حديثه البخاري من رواية عبد الله بن الزبير عنه، وروى البخاري أيضًا من طريق السائب بن يزيد عنه قال: وهو رجل من أزد شنوءة من أصحاب النبي ﷺ من اقتنى كلبًا الحديث. له خمسة أحاديث اتفقا على حديثين. روى عنه: السائب بن يزيد، وابن الزبير، وأخوه عروة. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والسماع والقول، ورواته: مدنيون ما عدى شيخ البخاري؛ فإنه مصري. وفيه رواية تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي، أخرجه البخاري أيضًا في الحج والنسائي فيه. ثم قال المصنف:

стр. 6717

باب الإيمان يأرز إلى المدينة قوله: "يأرز" بفتح أوله، وسكون الهمزة، وكسر الراء، وقد تضم بعده زاي، وحكى ابن التين عن بعضهم فتح الراء، وقال: إن الكسر هو الصواب، وحكى أبو الحسن بن السراج ضم الراء، وحكى القابسي الفتح ومعناه: ينضم ويجتمع. الحديث العاشر حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا". وفي رواية يحيى بن سليم: عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أخرجه ابن حبان، والبزار وقال البزار: إن يحيى بن سليم أخطأ فيه، وهو كما قال: وهو ضعيف في عبيد الله بن عمر. وقوله: "كما تأرز الحية إلى جحرها" أي: إنها كما تنتشر من جحرها في طلب ما تعيش به، فإذا راعها شيء رجعت إلى جحرها، كذلك الإيمان انتشر في المدينة، وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبته في النبي ﷺ ، فيشمل ذلك جميع الأزمنة؛ لأنه في زمنه ﵊ للتعلم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم للاقتداء بهديهم، ومن بعد ذلك لزيارة قبره ﵊، والصلاة في مسجده، والتبرك بمشاهدة آثاره، وآثار أصحابه، وقال الداودي: كان هذا في حياة النبي ﷺ ، والقرن الذين كان منهم، والذين يلونهم، والذين يلونهم خاصة، وقال القرطبي: فيه تنبيه على صحة مذهب أهل المدينة، وسلامتهم من الباع، وأن عملهم حجة؛ كما قال مالك، وهذا إن سلم اختص بعصر النبي ﷺ ، والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفتن، وانتشار الصحابة في البلاد، ولاسيما في أواخر الثانية وهلم جرًا، فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك. رجاله ستة: قد مرّوا: مرَّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ومرَّ أنس بن عياض، وعبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ خبيب بن عبد الرحمن، وحفص بن عاصم في الثاني

стр. 6718

والستين من مواقيت الصلاة، ومرَّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والأفراد والعنعنة والقول، وشيخه من أفراده، ورواته كلهم مدنيون. وفيه: رواية الراوي عبيد الله عن خاله خبيب، أخرجه مسلم في الإيمان، وابن ماجه في الحج. ثم قال المصنف:

стр. 6719

باب إثم من كاد أهل المدينة أي: أراد أهلها بسوء، والكيد: المكر، والحيلة في المساءة. الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ عَنْ جُعَيْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لاَ يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلاَّ انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ". قوله: "إلا انماع" أي: ذاب، وفي رواية مسلم عن أبي هريرة وسعد جميعًا، فذكر حديثًا فيه: "من أراد أهلها بسوء؛ أذابه الله كما يذوب الملح في الماء" وفي هذه الطريق رد على القطب الحلبي حيث زعم أن هذا الحديث من أفراد البخاري، لكن في أفراد مسلم عن عامر بن سعد، عن أبيه في أثناء حديث: "ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار، ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء" قال عياض: هذه الزيادة تدفع إشكال الأحاديث الآخر، وتوضح أن هذا حكمه في الآخرة، ويحتمل أن يكون المراد من أرادها في حياة النبي ﷺ بسوء اضمحل أمره كما يضمحل الرصاص في النار، فيكون في اللفظ تقديم وتأخير، ويؤيده قوله: "أو ذوب الملح في الماء"، ويحتمل أن يكون المراد من أرادها في الدنيا بسوء، وأنه لا يمهل، بل يذهب سلطانه عن قرب، كما وقع لمسلم بن عقبة وغيره؛ فإنه عوجل عن قرب وكذلك الذي أرسله قال: ويحتمل أن يكون المراد من "كادها" اغتيالًا، وطلبًا لغرتها في غفلة، فلا يتم له أمر بخلاف من أتى ذلك جهارًا، كما استباحها مسلم ابن عقبة، وغيره، وروى النسائي عن السائب بن خلاد رفعه: "من أخاف أهل المدينة ظالمًا لهم أخافه الله، وكانت عليه لعنة الله". رجاله خمسة: مرَّ منهم: الفضل بن موسى في السادس والعشرين من الغسل، ومرَّ جعيد بن عبد الرحمن في الخامس والخمسين من الوضوء، ومرت عائشة بنت سعد في الرابع والخمسين من الجنائز، ومرَّ سعد بن أبي وقاص في العشرين من الإيمان. والباقي: حسين بن حريث بن الحسن بن ثابت بن قطبة الخزاعي؛ مولاهم مولى

стр. 6720

عمران بن حصين أبو عمار المروزي، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". روى عن: الفضل بن موسى، والفضيل بن عياض، وابن عيينة، وغيرهم. وروى عنه: الجماعة سوى ابن ماجه، وسوى أبي داود في كتابه، وابن خزيمة، وأبو زرعة، وغيرهم، مات بعد مائتين منصرفًا من الحج سنة أربع وأربعين ومائتين. وهذا الحديث من أفراد البخاري وأخرجه مسلم من طرق غير طريقه. ثم قال المصنف:

стр. 6721

باب آطام المدينة بالمد جمع أُطم بضمتين وهي الحصون التي تبنى بالحجارة، وقيل: كل بيت مربع مسطح، والآطام جمع قلة، وجمع الكثرة أُطوم، والواحدة أطمة كأكمة، وقد ذكر الزبير بن بكار في أخبار المدينة ما كان بها من الآطام قبل حلول الأوس والخزرج بها، ثم ما كان بها بعد حلولهم، وأطال في ذلك. الحديث الثاني عشر حَدَّثَنَا عَلِيٌّ بن عبد الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ قال: سَمِعْتُ أُسَامَةَ ﵁ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: "هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلاَلَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ!! ". قوله: "أشرف" أي: نظر من مكان مرتفع. وقوله: "مواقع الفتن" أي: مواضع السقوط، و"خلال" أي: نواحيها، شبه سقوط الفتن وكثرتها بالمدينة بسقوط القطر في الكثرة والعموم، وهذا من علامات النبوءة لإخباره بما سيكون، وقد ظهر مصداق ذلك من قتل عثمان، وهَلُمَّ جرّا، ولاسيما يوم الحرة، والرؤية المذكورة يحتمل أن تكون بمعنى العلم، أو رؤية العين بأن تكون الفتن مثلت له حتى رآها كما مثلت له الجنة والنار في القبلة حتى رآهما. وهو يصلي، وإنما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان رضي الله تعالى عنه كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل، وبصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء تولد عنه. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ علي بن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عيينة في الأول من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه، وعروة في الثاني منه، وأسامة في الخامس من الوضوء. أخرجه البخاري أيضًا في المظالم، وعلامات النبوة، والفتن، ومسلم في الفتن. ثم قال: تابعه معمر وسليمان بن كثير، عن الزهري.

стр. 6722

أما متابعة معمر؛ فوصلها البخاري في الفتن. وأما متابعة سليمان؛ فقد وصلها مسلم. ومعمر مرَّ في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ سليمان في التاسع والثلاثين من الجمعة، ومرَّ الزهري الآن. ثم قال المصنف:

стр. 6723

باب لا يدخل الدجال المدينة قد مرَّ في أواخر صفة الصلاة، في باب الدعاء قبل السلام، استيفاء الكلام على معنى الدجال والمسيح، أي: اشتقاق تسميته بذلك، ومما يحتاج إليه في أمر الدجال أصله، وهل هو ابن صياد أو غيره؟ وعلى الثاني: فهل كان موجودًا في عهد رسول الله ﷺ أو لا؟ ومتى يخرج؟ وما سبب خروجه؟ ومن أين يخرج؟ وما صفته؟ وما الذي يدعيه؟ وما الذي يظهر عند خروجه من الخوارق حتى تكثر أتباعه؟ ومتى يهلك؟ ومن يقتله؟ فأما الأول: فقد مرَّ استيفاء الكلام عليه في باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وأما الثاني: فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري الذي أخرجه مسلم أنه كان موجودًا في العهد النبوي، وأنه محبوس في بعض الجزائر. وأما الثالث: ففي حديث النواس عند مسلم أنه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية، وأما سبب خروجه فأخرج مسلم في حديث ابن عمر عن حفصة أنه يخرج من غضبة يغضبها. وأما من أين يخرج فمن قبل المشرق جزمًا، ثم جاء في رواية أنه يخرج من خراسان، أخرج ذلك أحمد، والحاكم من حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وفي أخرى أنه يخرج من أصبهان أخرجها مسلم. وأما صفته فمذكورة في أحاديث البخاري في كتاب الفتن، وسأذكر منها طرفًا هنا. وأما الذي يدعيه فإنه يخرج أولًا فيدعي الإيمان والصلاح، ثم يدعي النبوءة، ثم يدعي الإلهية، كما أخرج الطبراني عن سليمان بن شهاب قال: نزل عليَّ عبد الله بن المعتمر -وكان صحابيًا- فحدثني عن النبي ﷺ أنه قال: "الدجال ليس به خفاء، يجيء من قبل المشرق، فيدعو إلى الدين فيتبع، ويظهر، فلا يزال حتى الكوفة فَيُظْهِر الدينَ، ويعمل به، فيتبع، ويحث على ذلك، ثم يدعي أنه نبي فيفزع من ذلك كل ذي لب ويفارقه، فيمكث بعد ذلك فيقول: أنا الله فتغشى عينه، وتقطع أذنه ويكتب بين عينيه كافر، فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحد من الخلق في قلبه مثقال حبَّة خردل من إيمان" وسنده ضعيف. وأما ما يظهر على يديه من الخوارق فسيذكر هنا. وأما متى يهلك ومن يقتله فإنه يهلك بعد ظهوره على الأرض كلها إلا مكة والمدينة،

стр. 6724

ثم يقصد بيت المقدس فينزل عيسى، فيقتله، أخرجه موسى، وأخرج الحاكم عن هشام بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال" وعند الحاكم أيضًا عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد رفعه: "أنه يخرج -يعني الدجال- في نقص من الدنيا، وخفة من الدين، وسوء ذات بين، فيرد كل منهل، وتطوى له الأرض" الحديث، وأخرج نعيم بن حماد في الفتن عن كعب الأحبار قال: يتوجه الدجال فينزل عند باب دمشق الشرقي ثم يلتمس، فلا يقدر عليه، ثم يرى عند المياه التي عند نهر الكسوة، ثم يطلب فلا يدرى أين توجه، ثم يظهر بالمشرق، فيعطى الخلافة، ثم يظهر السحرَ، ثم يدعي النبوءة، فتتفرق عنه الناس، فيأتي النهر، فيأمره أن يسيل إليه فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس، ويأمر جبل طور وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحا، ويأمر الريح أن تثير سحابًا من البحر فتمطر الأرض، وتخوض البحر في يوم ثلاث خوضات، فلا يبلغ حقويه، وإحدى يديه أطول من الأخرى فيمد الطويلة في البحر فتبلغ قعره، فيخرج من الحيتان ما يريد" وأخرج أبو نعيم في الحلية بسند صحيح عن حسان بن عطية -أحد ثقات التابعين- قال: لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل، وسبعة آلاف امرأة، وهذا لا يقال من قبل الرأي فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه من بعض أهل الكتاب، وقد اشتهر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن، مع ما ذكر عنه من الشر وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة منه حتى في الصلاة. وأجيب بأجوبة: أحدها: أنه ذكر في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ فقد أخرج الترمذي، وصححه عن أبي هريرة رفعه: "ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها". الثاني: قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى بن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ وصح أنه الذي يقتل الدجال، فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يلقب المسيح كعيسى، لكن الدجال مسيح الضلالة، وعيسى مسيح الهدى. الثالث: أنه ترك ذكره احتقارًا، وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج وليست الفتنة بهم دون الفتنة بالدجال، والذي قبله، فالسؤال باق، وأجاب الإِمام البلقيني بأنه اعتبر كل من ذكر في القرآن من المفسدين، فوجد كل من ذكر إنما هم ممن مضى، وانقضى أمره، وأما من لم يجيء بعد فلم يذكر منهم أحد.

стр. 6725

وهذا ينتقض بيأجوج ومأجوج، وفي تفسير البغوي أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وأن المراد بالناس هنا الدجال من إطلاق الكل على البعض، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تكفل النبي ﷺ ببيانه. والله تعالى أعلم. الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لاَ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ". قوله: "لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال" تقدم ضبط المسيح في باب الدعاء قبل السلام من صفة الصلاة؛ قبيل كتاب الجمعة، وقد قال ابن العربي: ضل قوم فرووه بالخاء المعجمة، وشدد بعضهم السين ليفرقوا بينه وبين المسيح بن مريم بزعمهم، وقد فرق النبي ﷺ بينهما بقوله في الدجال: "مسيح الضلالة"، فدل على أن عيسى مسيح الهدى، فأراده هؤلاء تعظيم عيسى، فحرفوا الحديث. وقوله: "لها يومئذ سبعة أبواب" قال عياض: هذا يؤيد أن المراد بالأنقاب في حديث أبي هريرة التالي لهذا: الأبواب، وفوهات الطريق. وقوله: "على كل باب ملكان"، كذا في رواية إبراهيم بن سعد، وفي رواية محمد بن بشر: "لكل باب ملكان" وأخرجه الحاكم عن عياض بن مسافع عن أبي بكرة، قال: أكثر الناس في شأن مسيلمة الكذاب، فقال النبي ﷺ : "إنه كذاب من ثلاثين كذابًا قبل الدجال، وإنه ليس بلد إلا يدخله رعب الدجال إلا المدينة، على كل نقب من أنقابها ملكان؛ يذُبَّان عنها رعب المسيح". رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ عبد العزيز الأويسي في الأربعين من العلم، ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان، ومرَّ أبو بكرة في الرابع والعشرين منه، ومرَّ سعد بن إبراهيم في السابع والأربعين من الوضوء، ومرَّ أبوه إبراهيم في السادس والثلاثين من الجنائز. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته كلّهم مدنيون، وشيخه من أفراده، والحديث من أفراده.
следующие страницы →