Полный текст (6 753 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
فقال: ذلك أبو محمد طَلحة بن عُبيد الله ﵀.
ومر رسول الله ﷺ في غزوة ذي قَرَد على ماء يقال له: بيسانٌ مالحٌ، فقال: هو نعمانٌ طيبٌ، فغير اسمه، وغير الله صفته، فاشتراه طلحة وتصدق به، فقال له رسول الله ﷺ : "ما أنتَ يا طلحةُ إلا فياضٌ" فلذلك قيل له: طلحة الفياض، ويقال له: طلحة الخير، وطلحة الجواد.
ولما آخى النبي ﷺ بين أصحابه قبل الهجرة آخى بينه وبين الزُّبير، ولما آخى بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبين أبي أيوب، وقيل: آخى بينه وبين كعب بن مالك، وروي أن النبي ﷺ نظر إليه، فقال: "من أرادَ أن ينظرَ إلى شهيدٍ يمشي على وجه الأرض، فَلْينظر إلى طلحة".
وروى أبو بُردة عن مسعود بن خِراش، قال: بينا أنا أطوف بين الصفا والمروة، فإذا أناس كثير يتبعون أناسًا، فنظرت، فإذا شابٌّ موثق يده إلى عنقه، فقلت: ما شأن هؤلاء، فقالوا: هذا طلحة بن عُبيد الله قد صَبَأ. شهد الجمل محاربًا لعليّ.
وروى صالح بن كَيْسان أن عليًّا ﵁ قال في خطبته حين نهوضه إلى الجمل: إن الله فرض الجهاد، وجعلني نصرته وناصره، وما صلحت دنيا ولا دين إلا به، وإني مُنيتُ بأربعة أدهى الناس وأسخاهُم طلحة، وأشجع الناس الزُّبير، وأطوع الناس في الناس عائشة، وأسرع الناس إلى فتنة يَعْلى بن مُنْية، والله ما أنكروا عليَّ شيئاً منكرًا، وما استأثرت بمال، وما مِلْت بهوىً، وإنهم ليطلبون حقًا تركوه، ودمًا سفكوه، ولقد وُلّوه دوني وإن كنت شريكهم في الإنكار لما أنكروه، وما تَبعةُ عثمان إلا عندهم، وإنهم لهم الفئة الباغية، بايعوني ونكثوا بيعتي، وما استبانوا فيَّ حتى يعرِفوا جَوْري من عدلي، وإني لراضٍ بحجة الله عليهم، وعلمه فيهم، وإني مع هذا لداعيهم ومعذر، فإن قبلوا فالتوبة مقبولة والحق أولى ما انصرف إليه، وإن أبَوْ أعطيتهم حد السيف، وكفى
стр. 842
به شافيًا من باطل، وناصرًا للحق، والله إن طلحة والزبير وعائشة ليعلمون أني على الحق، وهم مبطلون.
ورُوي عن علي أيضًا أنه قال: والله لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. وروي عن أبي حَبيبةَ مولى طلحة، قال: قدمت على علي بعدما فَرَغ من أصحاب الجمل مع عِمران بن طلحة، فرحب به، وأدناه، وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله تعالى فيهم ﴿ونزعنا ... إلخ﴾.
وزعم بعض أهل العلم أن عليًّا دعاه، فذكره أشياء من سوابقه وفضله، فرجع عن قتاله على نحو ما فعل الزُّبير، واعتزل في بعض الصفوف، فرماه مروان بن الحكم بسهم فأصاب ركبته، فجعل الدم يسيلُ، فإذا أمسكوه أمسك، وإذا تركوه سال، وكانوا إذا أمسكوا فم الجرح انتفخت ركبته، فقال: دعوه، فإنما هو سهم أرسله الله تعالى، فمات منه.
وعن قيس بن أبي حازِم قال: كان مروان مع طلحة والزبير يوم الجمل، فلما شبَّ الحرب، قال: لا أطلب بثأري بعد اليوم، فرماه، ولما أصابه التفت إلى أبان بن عُثمان، وقال له: قد كفيناك بعض قتلةِ أبيك، وذلك أن طلحة فيما زعموا كان مِمّن حاصر عثمان واشتد عليه.
ولم يختلف العلماء الثقات أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة، وكان في حزبه.
روى ابن سعد عن أبي جَنَاب الكَلْبيّ قال: حدثني شيخٌ من كلب، قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: لولا أن أمير المؤمنين مروان أخبرني أنه قتل طلحة، ما تركت أحدًا من ولد طلحة إلا قتلته بعثمان.
وعن عبد الملك بن أبي مَرْوان، قال: دخل موسى بن طلحة على
стр. 843
الوليد، فقال له الوليد: ما دخلت عليَّ قطٌّ إلا هممت بقتلك، لولا أن أبي أخبرني أن مروان قتل طلحة.
ورُوي أن طلحة يوم الجمل قال:
ندِمتُ ندامةَ الكُسَعيِّ لَمّا ... شَرَيْتُ رضى بني جَرْم بِرَغْمي
اللهم خذ مني لعثمان حتى يرضى.
روي له ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديثين منها، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة.
روى عن: أبي بكر، وعمر.
وروى عنه أولاده محمد وموسى وعيسى ويحيى وعمران وإسحاق، وعائشة، وابن أخيه عبد الرحمن بن عثمان، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وقيس بن أبي حازِم، والسّائب بن يزيد، ومالك بن أوس بن الحَدَثَان، وعبد الله بن شدَّاد بن الهاد، وأبو سَلمة بن عبد الرحمن، وقيل: لم يسمع منه، وغيرهم.
وكانت وقعة الجمل التي مات فيها لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين عن أربع وستين سنة، وقيل: اثنتين وستين، وقيل: ثمان وخمسين. وقبره بالبصره.
قال ابن قُتيبة: دفن بقنطرة قرة، فرأته ابنته في المنام بعد ثلاثين سنة يشكو إليها النَّداوة، وقيل: الذي رآه مولىً له رآه ثلاث ليال كأنه يشكو له البرد، فنُبش، فوجدوا ما يلي الأرض من جسده مخضرًّا، وقد تحاصَّ شعره، فاشتروا له دارًا من دور أبي بَكْرة، بعشرة آلاف درهم، فدفنوه بها، وتسمى تلك الدار دار الهجرتين بالبصرة، وقبره مشهور يزار، خلَّف من الدراهم ألف ألف، ومن الذهب ألفي ألف ومئتي ألف دينار. وقال ابن
стр. 844
عُيينة كانت غلة طلحة ألفي وافٍ كل يوم، والواقي وزنه وزن الدينار، وعلى وزن دراهم فارس التي تعرف بالبغلية اهـ.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بالجمع والإفراد والسماع والعنعنة، ورجاله كلهم مدنيون، وهو مسلسل بالأقارب لأن إسماعيل يروي عن خاله عن عمه عن أبيه عن حليفه طلحة بن عُبيد الله فهو مسلسل بالأقارب والبلد، وكون مالك بن أبي عامر لم يرو عن طلحة غير صحيح لا يُلتفت إليه لثبوت سماعه منه ومن غيره كعثمان بن عفان اهـ.
أخرجه البخاري هنا وفي الشهادات عن إسماعيل بن أبي أُوَيْس بهذا الإسناد، وفي الصوم، وفي ترك الحيل عن قُتيبة، ومسلم في الإيمان عن قُتيبة أيضًا، وأبو داود في الصلاة عن القَعْنَبِيّ، والنسائي فيها أيضًا عن قُتيبة، وفي الصوم عن علي بن حجر، وفي الإيمان عن محمد بن سلمة اهـ.
باب اتِّباعُ الجنائز من الإِيمان
باب بالتنوين.
وقوله: "من الإِيمان" أي شعبة من شعبه، ختم المصنف معظم التراجم التي وقعت له من شعب الإيمان بهذه الترجمة، لأن ذلك آخر أحوال الدنيا، وآخر ترجمة أداء الخمس من الإيمان لمعنى سيذكر هناك، والجنائز جمع جَنازة -بفتح الجيم وكسرها- الميت، أو بالفتح للميت وبالكسر للنعش، أو عكسه، أو بالكسر النعش وعليه الميت اهـ.
стр. 845
الحديث الأربعون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِىُّ، قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ "مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا أو يَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ".
قوله: "من اتّبع" هو بالتشديد، وفي رواية الأصيلي تَبعَ بحذف الألف وكسر الموحدة، وقد تمسك بهذا اللفظ من قال إن المشي خلفها أفضل، وهو قول الأوْزاعيّ وأبي حنيفة ومن تبعهما، ولا حجة لهما فيه لأنه يقال: تبعه إذا مشى خلفه، أو إذا مر به فمشى معه، وكذلك اتّبعه بالتشديد وهو افتعل منه، فهو مقول بالاشتراك، وأما أتْبَعهُ بالإسكان فهو بمعنى لحقه إذا كان سبقه، ولم تأت به الرواية هنا، وتمسكوا أيضًا بما رواه سعيد بن منصور وغيره عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: المشي خلفها أفضل من المشي أمامها، كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفَذّ، وإسناده حسن، وهو موقوف له حكم الرفع، لكن حكى الأثْرم أن أحمد تكلم في إسناده، والجمهور على أن المشي أمامها أفضل، لأن مشيعها شفيع، والشفيع إنما يكون إمام المشفوع.
وأخرج أصحاب "السنن" من حديث ابن عُمر أنه يكون أمامها، ورجاله رجال الصحيح، إلا أنه اختُلف في وصله وإرساله، وصححه ابن حِبّان، لكن الشافعية لم يفرقوا بين أن يكون المشيع ماشيًا أو راكبًا، وفصلت المالكية فقالوا: إن الراكب يتأخر عنها لانحطاطه بسبب الركوب عن رتبة الماشي، والماشي يتقدمها لما أخرجه أصحاب "السنن"،
стр. 846
وصححه ابن حِبّان والحاكم من حديث المُغيرة بن شُعبة مرفوعًا: "الراكبُ خلف الجنازة، والماشي حيثُ شاء منها" فأخذوا بالأول في كون الماشي أمامها، وبالثاني في كون الراكب خلفها، وقال النَّخَعيّ: إن كان في الجنازة نساء مشى أمامها وإلا مشى خلفها. وقال أنس بن مالك كما في "البخاري" تعليقًا: أنتم مشيِّعون، فامشِ بين يديها وخلفها، وعن يمينها وعن شمالها، وظاهره قرب منها أو بعد، ووافقه عبد الرحمن بن قُرْط -بضم القاف وسكون الراء ثم طاء مهملة- الصحابي، لكنه قيد ذلك بالقرب من الجنازة، وظاهر صنيع البخاري اختياره لهذا المذهب الذي هو التخيير في المشي مع الجنازة، وهو قول الثوري، وبه قال ابن حَزْم، لكن قيده بالماشي اتباعًا لما مر قريبًا عن المُغيرة بن شعبة.
وقوله: "إيمانًا واحتسابًا" أي مؤمنًا محتسبًا، لا مكافأة أو مخافة، وقد مر معناهما.
قوله: "وكان معه" أي: المسلمُ وللكشميهني: "معها" أي: الجنازة.
وقوله: "حتى يصلى عليها" بكسر اللام وروي بفتحها، فعلى الأول لا يحصُل الموعود به إلا لمن توجد منه الصلاة، وعلى الثاني قد يقال يحصُل له ذلك ولو لم يصل، لكن المعتمد حمل رواية الفتح على رواية الكسر، لأن حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة من الذي يحصُل له، اللهم إلا إذا قصد الصلاة، وحال دونه مانع، فالظاهر حصول الثواب له مطلقًا.
وقوله: "ويُفرَغُ من دفنها" بضم أوله وفتح الراء، وروي بالعكس، وعلى الأول من دفنها نائب عن الفاعل، وعلى الثاني في محل المفعول به، والفراغ من الدفن بتسوية التراب عليها على المعتمد، وقيل: بمجرد الوضع في القبر، وقيل: عند انتهاء الدفن بعد نصب اللبن عليه قبل إهالة التراب عليه، وقد وردت الأخبار بكل ذلك، لكن على الأول جُلُّ الروايات كرواية البخاري هنا: "حتى يفرغ من دفنها" وعند مسلم في إحدى
стр. 847
الروايتين عن مَعْمر: "حتى يفرغ منها" وفي الأخرى: "حتى تُوضع في اللحد" وكذا عنده في رواية أبي حازِم بلفظ: "حتى تُوضع في القبر" وفي رواية أبي مُزاحم عند أحمد: "حتى يُقضى قضاؤها" وفي رواية أبي سلمة عند التِّرمِذِي: "حتى يُقضى دفنها" وفي رواية ابن عِياض عند أبي عَوانة: "حتى يُسوّى عليها التراب" وهذه هي أصرح الروايات في ذلك، ويُحتمل حصول القيراط بكلٍّ من ذلك، لكن يتفاوت القيراط كما سيأتي من تفاوت القراريط.
وقوله: "من الأجر بقيراطين" تثنية قيراط بكسر القاف، وأصله قرّاط بتشديد الراء، لأن جمعه قراريط، فأُبدل من أحد حرفي تضعيفه ياءً. قال الجوهري: وهو نصف دانق، والدانق سدس الدرهم، فعلى هذا يكون القيراط جزءًا من اثني عشر جزءًا من الدرهم. وأما صاحب "النهاية" فقال: القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في أكثرِ البلاد، وفي الشام جزء من أربعة عشر جزءًا. ونقل ابن الجوزي عن ابن عقيل أنه كان يقول: القيراط نصف سدس درهم، أو نصف عُشْر دينار، والإشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلق بالميت في تجهيزه وغسله وجميع ما يتعلق به، فللمصلي عليه قيراط من ذلك، ولمن شهد الدفن قيراط، وذكر القيراط تقريبًا للفهم لمّا كان الإنسان يعرف القيراط ويعمل العمل في مقابلته، وعد من جنس ما يعرف، وضرب له المثل بما يعلم. وقال ابن العربي القاضي: الذرة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءًا من حبة، والحبة ثلث القيراط، فإذا كانت الذرة تخرج من النار فكيف بالقيراط؟ قال: وهذا قدر قيراط الحسنات، فأما قيراط السيئات فلا.
وقد ورد لفظ القيراط في عدة أحاديث، فمنها ما يُحمل على القيراط المتعارف، ومنها ما يُحمل على الجزء في الجملة وإن لم تُعرف النسبة، فمن الأول حديث كعب بن مالك مرفوعًا: "إنكم ستَفْتحون بلدًا يُذكر فيها القيراط" وحديث أبي هُريرة مرفوعًا: "كُنت أرعى غنمًا لأهلِ مكةَ بالقراريط" قال ابن ماجه عن بعض شيوخه: يعني: كل شاة بقيراط، قال
стр. 848
غيره: قراريط جبلٍ بمكة، ومن المحتمل حديث ابن عمر في الذين أوتوا التوراة أعطوا قيراطًا قيراطًا، وحديث الباب فقد ذهب الأكثر إلى أن المراد بالقيراط فيه جزء من أجزاء معلومة عند الله تعالى، وقد قرّبها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم للفهم بتمثيله القيراط بأُحد، ومن المحتمل حديث أبي هُريرة مرفوعًا: "من اقتنى كلبًا نقَصَ من عمله كلَّ يوم قيراطٌ" قال النووي وغيره: لا يلزم من ذكر القيراط في الحديثين تساويهما؛ لأن عادة الشارع تعظيم الحسنات وتخفيف مقابلها. وقال غيره: القيراط في اقتناء الكلب جزء من أجزاء عمل المقتني له في ذلك اليوم.
وقوله: "كل قيراطٍ مثل أحد" قال الطيبي: قوله: "مثل أُحد" تفسير للمقصود من الكلام لا للفظ القيراط، والمراد منه أنه يرجع بنصيب كبير من الأجر، وذلك لأن لفظ القيراط مبهم من وجهين، فبين الموزون بقوله: "من الأجر"، وبين المقدار المراد منه بقوله: "مثل أحد" وقال الزين بن المنير: أراد تعظيم الثواب، فمثله للعيان بأعظم الجبال خلقًا، وأكثرها إلى النفوس المؤمنة حبًّا، لأنه الذي قال في حقه: "إنه جبلٌ يُحبُّنا ونحبه" ولأنه أيضًا قريبٌ من المخاطبين، يشترك أكثرهم في معرفته، وخُصَّ القيراط بالذكر لأنه كان أقل ما تقع به الإجارة في ذلك الوقت، أو جرى ذلك مجرى العادة من تقليل الأجر بتقليل العمل اهـ.
قلت: والأخير أولى لما مر قريبًا في حديث: "ستفتحونَ بلدًا يُذكر فيها القيراط" فإنه دالٌّ على أن القيراط لم يكن مذكورًا في ذلك الزمان، وأُحُد بضمتين الجبل المعروف بالمدينة، سُمي به لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك.
وقوله: "ومنْ صلى عليها ثم رجعَ قبل أن تُدفن فإنه يرجِعُ بقيراط" أي: من الأجر، فلو صلى وذهب إلى القبر وحده، ثم حضر الدفن لم يحصل له القيراط الثاني، وكذا لو حضر الدفن ولم يصلِّ، أو تبعها ولم يصل، فليس في الحديث حصول القيراط له، إنما القيراط لمن تبعها بعد الصلاة، لكن له أجر في الجملة، قاله النووي.
стр. 849
وروى عن أشهب من المالكية كراهة ما إذا تبعها ولم يصلِّ ولم يحضر الدفن، وقد أثبتت رواية الباب أن القيراطين إنما يحصُلان بمجموع الصلاة والدفن، وأن الصلاة دون الدفن يحصُل بها قيراط واحد، وهو المعتمد خلافًا لمن تمسك بظاهر رواية الأعرج عن أبي هُريرة الآتية في الجنائز بلفظ: "من شهدَ الجنازة حتى يصلي فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن كان له قيراطان" فقال: إن له بالمجموع ثلاثة قراريط، وعزى ابن التين هذا القول للقاضي أبي الوليد، لكن رواية ابن سِيرين في الباب صريحة، في أن الحاصل من الصلاة والدفن قيراطان، وكذلك رواية خباب عند مسلم بلفظ: "من خرجَ مع جنازة من بيتها، ثم تبعها حتى تُدفن، كان له قيراطان من أجرٍ، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رَجعَ كان له قيراط" وكذلك رواية الشعبي عن أبي هُريرة عند النّسائي بمعناه.
قال النووي: رواية ابن سيرين صريحة في أن المجموع قيراطان، ومعنى رواية الأعرج على هذا كان له قيراطان، أي بالأول مثل حديث من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله، أي: بانضمام صلاة العشاء، ورواية خباب المارة عند مسلم، ورواية أحمد عن أبي سعيد الخُدْري: "فمشى معها من أهلها" يقتضيان أن القيراط يختصُّ بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة، وبذلك صرح المحب الطبريّ وغيره، والذي يظهر أن القيراط يحصُل أيضًا لمن صلى فقط، لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها، لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شَيَّع مثلًا وصلى، ورواية مسلم عن أبي هريرة بلفظ: "أصغرهما مثل أحُد" يدل على أن القراريط تتفاوت، وفي هذه الرواية عند مسلم: "من صلى على جنازة ولم يتْبَعْها فله قيراطٌ" وعند أحمد عن أبي هُريرة أيضًا: "من صلى ولم يتبع فله قيراطٌ" فدل على أن الصلاة تحصِّل القيراط وإن لم يكن اتباع، ويمكن أن يُحمل الاتباع هنا على ما بعد الصلاة، وجاء في حديث البزّار عن أبي هُريرة مرفوعًا ما هو صريح في حصول القيراط بالصلاة فقط، ولفظه: "من أتى
стр. 850
جنازة في أهلها فله قيراطٌ، فإن تبعها فله قيراطٌ، فإن صلّى عليها فله قيراط، فإن انتظرها حتى تدفنَ فله قيراطٌ" فهذا يدل على أن لكل عمل من أعمال الجنازة قيراطًا، وإن اختلفت مقادير القراريط، ولاسيّما بالنسبة إلى مشقة ذلك العمل وسهولته، وعلى هذا فيقال: "إنما خُص قيراطَيْ الصّلاة والدفن بالذّكر لكونهما المقصودين بخلاف باقي أحوال الميت، فإنها وسائل، لكن هذا يخالف ظاهر سياق حديث الباب، فإن فيه أن لمن تبعها حتى يصلّى عليها ويُفرغ من دفنها قيراطين فقط، ويجاب عن هذا بأن القيراطين المذكورين لمن شهد، والذي في حديث البزّار لمن باشر الأعمال التي يحتاج إليها الميت فافترقا، فإن كان مع الجنازة جمع كثير فتقدم إنسان أو جماعة في أول الناس أو تأخروا، فإن كانوا بحيثُ ينسبون إلى الجنازة، ويعدّون من مشيعيها حصل لهم القيراط الثاني، وإلا فلا اهـ.
وفي الحديث الترغيب في شهود الميت، والقيام بأمره، والحض على الاجتماع له، والتنبيه على عظيم فضل الله تعالى وتكريمه للمسلم في تكثير الثواب لمن يتولى أمره بعده، وفيه تقدير الأعمال بنسبة الأوزان، إما تقريبًا للأفهام، وإما على حقيقته اهـ.
رجاله ستة:
الأول: أحمد بن عبد الله بن علي بن سُويد بن منْجوف على وزن اسم المفعول أبو بكر السَّدوسُي البَصْري، وقد ينسب إلى جده.
ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال النسائي: صالح. وقال ابن إسحاق الحبّال: بصري ثقة.
روى عن أبي داود الطّيالسِي، ورَوْح بن عُبادة، والأصمعي، وغيرهم.
وروى عنه: البُخاري، وأبو داود، والنّسائي، وأبو عروبة، وابن خُزيمة، وابن صاعد، وابن أبي داود، وغيرهم.
стр. 851
مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين.
والسَّدوسي في نسبه مر الكلام عليه في السادس من كتاب الإيمان، ومر الكلام على البصري في الثالث منه.
وفي الستة أحمد بن عبد الله سواه ثمانية.
الثاني: رَوحْ بن عُبادة بن العلاء بن حسان بن مرثد أبو محمد القيسي البصري.
قال ابن المديني: نظرت لروح بن عبادة في أكثر من مئة الف حديث، كتبت منها عشرة آلاف. وقال يعقوب بن شيبة: كان أحد من يتحمل الحمالات، وكان سريًّا مريًّا كثير الحديث جدًا صدوقًا، سمعت علي بن عبد الله يقول: من المحدثين قوم لم يزالوا في الحديث لم يشتغلوا عنه، نشؤوا فطلبوا، ثم صنفوا، ثم حدثوا، منهم روح بن عبادة. قال: وحدثني محمد بن عمر قال: سألت ابن مَعين عن روح فقال: ليس به بأس صدوق، حديثه يدل على صدقه. قال: قلت ليحيى: زعموا أن يحيى القطان كان يتكلم فيه، فقال: باطل ما تكلم فيه بشيء يحيى القطان، هو صدوق. قال يعقوب. وسمعت علي بن المديني يذكر هذه القصة، فلم أضبطها عنه، فحدثني عبد الرحمن بن محمد عنه قال: كانوا يقولون: إن يحيى بن سعيد كان يتكلم في روح بن عُبادة قال علي: فإني لعند يحيى ابن سعيد يومًا إذ جاءه روح بن عُبادة، فسأله عن شيء من حديث أشعث، فلما قام قلت ليحيى: تعرفه؟ قال: لا. قلت: هذا رَوحْ بن عُبادة. قال: ما زلت أعرفه بطلب الحديث وبكتبه. قال علي: ولقد كان عبد الرحمن يطعن عليه في أحاديث ابن أبي ذئب عن الزُّهري مسائل كانت عنده، قال علي: فقدمت على معن بن عيسى، فسألته عنها، فقال: هي عند بصري لكم. قال علي: فأتيت ابن مهدي، فأخبرته، فأحسبه قال: استحله لي. وقال الخطيب: كان كثير الحديث، وصنف الكتب في السنن والأحكام، وجمع التفسير، وكان ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء
стр. 852
الله. وقال ابن أبي خَيْثمة عن يحيى: صدوق ثقة. وذكره أبو عاصم فأثنى عليه، وقال: كان ابن جُريْج يخصه كل يوم بشيء من الحديث.
وقال روح: سمعت عن سعيد قبل الاختلاط، ثم غبت وقدمت، فقيل لي: إنه اختلط.
وقال الدارِمي عن ابن مَعين: ليس به بأس. وقال أبو بكر البزار في "مسنده": ثقة مأمون. قال يعقوب بن شيْبة: قال محمد بن عمر: قال ابن مَعين القَواريريّ: يحدث عن عشرين شيخًا من الكذابين، ثم يقول: لا أحدث عن روح بن عبادة. قال يعقوب: وكان عفان لا يرضى أمر روح ابن عُبادة، قال: فحدثني محمد بن عمر قال: سمعت عفّان يقول: هو عندي أحسن حديثًا من خالد بن الحارث، وأحسن حديثًا من يزيد بن زُريعْ، فلم تركناه؟ يعني: كان يطعن عليه. فقال له أبو خَيْثمة: ليس هذا بحجة، كل من تركته أنت ينبغي أن يترك، أما روح فقد جاز حديث الشأن في مَن بقي. قال يعقوب: وأحسب أن عفان لو كان عنده حجة مما يُسقط بها رَوْح بن عُبادة لاحتج بها في ذلك الوقت. وقال أبو داود: كان القواريريّ لا يُحدث عن رَوْح، وأكثر ما أنكر عليه تسع مئة حديث، حدث بها عن مالك سماعًا، وقال: وسمعت الحلواني يقول: أول من أظهر كتابه رَوْح بن عُبادة، وأبو أسامة، يريد أنهما رويا ما خُولفا فيه، فأظهرا كتبهما حجة لهما. وقال أبو مسعود الرازي: طَعَن على رَوْح بن عُبادة ثلاثة عشر أو اثني عشر، فلم ينفذ قولهم فيه. وقال أبو داود عن أحمد: لم يكن به بأس، ولم يكن متهمًا بشيء، وكان قد جرى ذكر روح وأبي عاصم فقال: كان رَوْح يخرج الكتاب. وقال الخليل: ثقة أكثر عن مالك، وروى عنه الأئمة.
وقال أبو خَيْثمة: لم أسمع في رَوْح شيئًا أشد عندي من شيء دفع إلى محمد بن إسماعيل صاحبنا كتابًا بخطه، فكان فيه: حدثنا عفان، حدثنا كلام من أصحاب الحديث يقال له: عمارة الصَّيْرفي أنه كان يكتب
стр. 853
عن رَوْح بن عبادة، وعلي بن المديني، فحدثهم بشيء عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، فقال له: هذا عن الحكم، فقال رَوح لعلي: ما تقول؟ فقال: صدق هو عن الحكم. قال: فأخذ القلم، فمحى منصورًا، وكتب الحكم. قال عفان: فسألت عليًّا عن حكاية عمارة، فصدقه.
وقال أبو زيد الهَرَويّ: كنا عند شعبة، فسأله رجل عن حديث، وكان في الرجل عجلة، فقال شعبة: لا والله حتى تلزمني كما لزمني هذا لروح وهو بين يديه. وقال محمد بن يحيى: قرأ روح على مالك، فبين السماع من القراءة. وقال الغلابي: سمعت خالد بن الحارث ذكره بجميل.
قال ابن حجر في مقدمته: أما مسألة محوه للاسم ففيها دلالة على إنصافه، وقد احتج به الأئمة كلهم.
روى عن: أيمن بن نابل، ومالك، والأوزاعي، وابن جُريْج، وابن أبي ذئب، وابن أبي عروبة، وشعبة، والسفيانين، وعوف، وغيرهم.
وروى عنه: أبو خَيْثمة، وأبو قُدامة، وأحمد، وبُندار، وإسحاق بن راهويه، وأبو مُوسى، والكُديْمي، وخلق كثير.
مات سنة سبع ومئتين كما قال الكُديْمي، وهو ابن امرأته فيكون أدرى به. وقيل: مات سنة خمس ومئتين.
وليس في الستة رَوْح بن عبادة سواه، وأما روح فكثير.
والقَيْسيّ في نسبه نسبة إلى قيس، وهو في قبائل قيس عيلان، وهو أبو قبيلة، واسمه الناس بن مضر أخو الياس، وقيل: بتشديد السين.
وكون قيس مضافًا إلى عَيْلان هو أحد أقوال النسابين، واختلف فقيل: إن عيلان حاضن حضن قيسًا، وإنه غلام لأبيه. وقيل: عيلان فرس لقيس مشهور في خيل العرب، وكان قيس سابق عليه، وكان رجل من بجيلة يقال له: قيس كبة، لفرس يقال له: كبة مشهور، وكانا متجاورين في دار واحدة قبل أن تلحق بجيلة بأرض اليمن، فكان الرجل إذا سأل عن قيس
стр. 854
قيل له: أقيس عيلان تريد، أم قيس كبة؟، وقيل: إنه سُمي بكلب كان له يقال له عيلان، وقيل: باسم قوس له، ويكون قيس على هذا ولدًا لمضر، والذي اعتمده النسابون ذووا الإتقان هو أن قيسًا ولدٌ لعيلان، وأن عيلان اسمه الناس أخو الياس، الذي هو خندف، وكلاهما ولد مضر لصلبه، ويدل لذلك قول زهير بن أبي سلمى:
إذا ابتَدَرَتْ قيسُ بنُ عَيْلانَ غايةً ... من المجدِ مَنْ يسبِقْ إليها يَسْبق
وأم عيلان وأخيه هي الخنفاء ابنة إياد المعدية، والقيسان من طيء، قيس بن عناب بالنون ابن أبي حارثة بن جدي بن نذول بن بحذ بن عتود.
والثاني: ابن أخيه قيس بن هذمة بن عناب المذكور، وعبد القيس بن أقصى بن دعمى بن جديلة أبو قبيلة من أسد بن ربيعة، والنسبة إليه عَبْقَسِيّ وإن شئت عبدي اهـ.
الثالث: عوف بن أبي جَميلة -بفتح الجيم- العبدي الهَجَري أبو سهل البَصْري المعروف بالأعرابي، واسم أبي جميلة بَنْدُويه -بفتح الباء الموحدة، وضم الدال المهملة، بينهما نون ساكنة، ثم ياء مفتوحة- وقيل: بندويه اسم أمه، واسم أبيه رزينة.
قال ابن مَعين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال النّسائي: ثقة ثبت. وقال مَرْوان بن مُعاوية: كان يسمى الصدوق. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، قال: وقال بعضهم: يرفع أمره أنه ليجيء عن الحسن بشيء ما يجيء به أحد، قال: وكان يتشيع، وقال عن محمد بن عبد الله الأنصاري: كان أثبتهم جميعًا. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
وقال الأنصاري: رأيت داود بن أبي هند يضرب عوفًا ويقول: ويلك يا قدري. وقال في "الميزان": قال بُندار وهو يقرأ لهم حديث عوف: لقد كان قدريًا رافضيًّا شيطانًا. وقال مسلم في مقدمة "صحيحه": وإذا وازنت بين الأقران، كابن عون وأيوب مع عوف وأشعث الحُمْراني وهما صاحبا الحسن وابن سيرين، كما أن ابن عون وأيوب صاحباهما، وجدت البَوْن
стр. 855
بينهما وبين هذين بعيدًا في كمال الفضل وصحة النقل، وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة. وقال خالد بن الحارث: حدثنا عوف قال: حدثني شيخ من مُزَيْنة أدرك وفاة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: إني أذكر نسوة منا لما توفي النبي ﷺ يسودن ثيابهنَّ عليه اهـ.
روى عن أبي رجاء العُطارِديّ، وأبي عُثمان النَّهدي، وأبي العَالية، وأبي المِنْهال سيّار بن سَلامة، وخِلاس الهَجَريّ، وأنس ومحمد ابني سيرين، وعَلْقمة بن وائل، وخالد الأشَجّ، وغيرهم.
وروى عنه: شعبة، والثوري، وابن المُبارك، والقطّان، وهُشَيْم، ورَوْح بن عُبادة، وغُنْدَر، ومروان بن مُعاوية، ويزيد بن زُرَيْع، ومعاذ بن معاذ العَنْبَريّ، وأبو زيد الأنصاري، وهَوْذَة بن خليفة، وآخرون.
كان مولده سنة تسع وخمسين، ومات سنة ست وأربعين ومئة.
والعَبْدي في نسبه مر الكلام عليه في الثامن من كتاب الإيمان.
والأعرابي نسبة إلى الأعراب، وهم سكان البادية من العرب، لا واحد له، ويجمع على أعاريب، وليس هو عربيًا، وإنما قيل له ذلك لفصاحته اهـ.
والهَجَري في نسبه نسبة إلى هجر، ولم أدر لأي هجرات هو، فهَجَر بالتحريك بلدة باليمن بينه وبين عثر يوم وليلة من جهة اليمين، مذكر مصروف، وقد يذكر ويمنع، والنسبة إليه هجري على القياس، وهاجري على غير قياس، قال الشاعر:
وريث غارة أوضعت فيها ... كسحِّ الهاجِريّ جريم تمرِ
وهجر أيضًا اسم لجميع أرض البحرين، وقيل: اسم لبلد معروف بالبحرين، وقيل: قصبة بلاد البحرين منه إلى بلاد يبرين سبعة أيام، ومنه المثل: "كمُبْضِع تمرٍ إلى هَجَر" ومنه قول عمر ﵁: عجبت لتاجر هجر، كأنه أراد لكثرة وبائه، أو لركوب البحر.
стр. 856
وهجر أيضًا قرية كانت قرب المدينة، إليها تنسب القِلال الهَجَرية، وقد جاء ذكرها في حديث المعراج. وقيل: إنها منسوبة إلى هجر اليمن.
وهجر أيضًا حصنة من مخلاف ماذن.
والهجران أيضًا قريتان متقابلتان في رأس جبل حصين قرب حضر موت، يقال لإحداهما: خيدون، وللأخرى: دَمون، وساكن خيدون الصدف، وساكن دمون بنو الحارث بن عمرو المقصور بن حجر آكل المراد، وفيها يقول الشاعر:
كأني لَمْ ألْهُ بدمونَ مرةً ... ولم أشهد الغارات يومًا بعندل
وكان رجل من هاتين القريتين مطل على قلعته، ولهم غيل يصب من سفح الجبل يشربونه، وزروع هذه القرى النخل والذرة والبر، وفيها يقول المتمثل: الهجران كفة بكفه، بها الدبر محتفة، والدبر عندهم الزرع اهـ.
الرابع: الحسن البصري، وقد مر في الرابع والعشرين من كتاب الإِيمان.
الخامس: محمد بن سيرين أبو بكر الأنصاري، مولاهم البصري، وكنية سيرين أبو عمرة.
كان أبو سيرين عبدًا لأنس بن مالك ﵁، فكاتبه على أربعين ألف درهم، وقيل: عشرين ألفًا، وأدى الكتابة، وكان من مَيْسان -بفتح الميم- بُلَيدة بأسفل أرض البصرة. ويقال: إنه من سبي عين التمر، وإن سيرين كان يعمل قدور النحاس، فجاء إلى عين التمر يعمل بها، فسباه خالد بن الوليد في أربعين غلامًا مجنبين فأنكرهم، فقالوا: إنا كنا أهل مملكة، ففرقهم في الناس.
وأمه صفية مولاة أبي بكر الصديق ﵁، طيبها ثلاث من أزواج رسول الله ﷺ ، ودعون لها، وحضر أملاكها ثمانية عشر بدريًّا، فيهم أُبيّ بن كعب يدعو وهم يؤمنون.
стр. 857
وله إخوة: أنس، ومعبد، وحفصة، وكريمة، وذكر بعضهم خالدًا بدل كريمة، وأكبرهم معبد، وأصغرهم حفصة، وكلهم تابعون. وزاد بعضهم في أولاد سيرين عمرة وسودة، وأمهما أم ولد، وزاد بعضهم أيضًا أشعث، وإذا أُطلِق ابن سيرين فالمراد به محمد هذا اهـ.
قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا عاليًا رفيعًا فقيهًا إمامًا كثير العلم ورعًا، وكان به صمم. وقال ابن المديني: أصحاب أبي هُريرة ستة: ابن المسيِّب، وأبو سلمة، والأعْرج، وأبو صالح، وابن سِيرين، وطاووس. وكان همام بن منبه حدثه حديثهم إلا أحرفًا. وقال عاصم الأحول: سمعت مورقًا يقول: ما رأيت رجلًا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين. وقال ابن حِبّان: كان محمد بن سيرين من أورع أهل البصرة، وكان فقيهًا فاضلًا متقنًا، يعبر الرؤيا. وقال أبو قِلابة: اصرفوه حيث شئتم، فَلَتَجِدُنَّهُ أشدكم ورعًا، وأملككم لنفسه. وقال ابن عَوْن: كان من أرجى الناس لهذه الأمة، وأشدهم إزراءً على نفسه. وقال أيضًا: لم أر في الدنيا مثل ثلاثة: محمد بن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حَيْوة بالشام، ويما يكن في هؤلاء مثل محمد. وقال أيضًا: كان ابن سيرين يحدث بالحديث على حروفه. وقال هشام بن حسان: حدثني أصدق من أدركته من البشر محمد بن سيرين. وقال أحمد: من الثقات. وقال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وهو من أروى الناس عن شُريح وعُبيدة، وإنما تأدب بالكوفيين أصحاب عبد الله. وقال شُعيب بن الحَبْحاب: كان الشعبي يقول لنا: عليكم بذاك الأصم. وقال عثمان التيمي: لم يكن بالبصرة أحد أعلم بالقضاء منه. وقال أبو عوانة: رأيت ابن سيرين في السوق، فما رآه أحد إلا ذكر الله تعالى. وقال بكر المزنيّ: والله ما أدركنا من هو أورع منه.
وروي أنه اشترى بيتًا، فأشرف فيه على ثمانين ألف دينار، فعرض في قلبه منه شيء، فتركه.
стр. 858
ورُوي أنه كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان الأصمعي يقول: الحسن البصري سيد سَمْح، وإذا حدث الأصم بشيء -يعني: ابن سيرين- فاشدد يدك عليه، وقتادة حاطب ليل.
وأوصى أنس بن مالك أنه يغسله ويصلي عليه، وكان ابن سيرين محبوسًا، فأتَوُا الأمير -وهو رجل من بني أسد- فأذن له، فخرج، فغسله وكفنه وصلى عليه في قصر أنس بالطف، ودخل كما هو إلى السجن، ولم يذهب لأهله. وقيل: إن الذي غسل أنس بن مالك هو قطن بن مدرك الكِلابي والي البصرة.
وقد اختلف في السبب الذي لأجله حُبس، فقد روَى محمد بن عبد الله الأنصاري أنه كان اشترى طعامًا بأربعين ألفًا، فأُخبر عن أصله بشيء كرهه، فتصدق به، وبقي المال عليه، فحُبس، حبسته امرأة. وعن ثابت البُناني قال: قال لي محمد بن سيرين: كنت أمتنع من مجالستكم مخافة الشهرة، فلم بي البلاء حتى أخذ بلحيتي، وأقمت على المصطبة، وقيل: هذا محمد بن سيرين آكل أموال الناس. ويروى في سبب حبسه غير ذلك. ولما مات كان عليه ثلاثون ألف درهم دينًا، فقضاها ولده عبد الله، وما مات عبد الله حتى قوم ماله بثلاث مئة ألف درهم.
وكان ابن سيرين صاحب الحسن البصري ثم تهاجرا في آخر الأمر، فلما مات الحسن لم يشهد ابن سيرين جنازته.
ولد له ثلانون ولدًا، وإحدى عشر بنتًا من امرأة، ولم يبق منهم غير عبد الله الذي قضى دينه.
روى عن: مولاه أنس بن مالك، وزيد بن ثابت، والحسن بن علي بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، ورافع بن خُدَيْج، وسمُرة بن جُنْدب، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وأبي الدَّرداء، وعائشة أم المؤمنين.
وقال ابن المديني وابن معين: لم يسمع من ابن عباس شيئًا. وقال
стр. 859
أبو حاتم: أدرك أبا الدرداء، ولا أظنه سمع منه، ذلك بالشام وهذا بالبصرة. وقال أيضًا: لم يسمع من عائشة، ولم يلق أبا ذر، ولا أدرك أبا بكر الصديق. وقال الدّارَقُطني: لم يسمع من عِمْران بن حُصين.
روى عنه: الشعبي، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، وابن عون، ويونس بن عُبيد، وعاصم الأحول، وعوف الأعرابي، وقُرة بن خالد، ومالك بن دينار، والأوزاعي، وهشام بن حسان، ويحيى بن عتيق، ويزيد بن طَهمان، وغيرهم.
ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ومات لتسع مضين من شوال سنة عشر ومئة بالبصرة بعد الحسن البصري بمئة يوم.
وليس في الستة محمد بن سيرين سواه، وأما محمد فكثير. والبصري في نسبه مر الكلام عليه في الثالث من كتاب الإيمان اهـ.
السادس: أبو هُريرة، وقد مر في الثاني من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده:
منها: أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم بصريون ما خلا أبا هريرة.
ومنها أن البخاري ﵀ قرن فيه بين ابن سيرين والحسن لما صح من أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة عند الجمهور، فقرنه بابن سيرين لأنه سمع منه، فالاعتماد عليه، وعلى قول من يقول: إن الحسن سمع منه، فلا يخلو من أن يكونا سمعا منه هذا الحديث مجتمعين، أو يكونا سمعاه منه مفترقين، وإنما أورده البخاري كما سمع.
وقد وقع له نظير هذا في قصة موسى ﵇، فإنه أخرج فيها حديثًا من طريق روح بن عُبادة بهذا الإسناد، وأخرج أيضًا في بدء الخلق حديثًا آخر عنهما عن أبي هريرة، واعتماده في ذلك على ابن سيرين،
стр. 860
لأن الحسن وإن صح سماعه من أبي هُريرة، فإنه كثير الإرسال، فلا تحمل عنعنته على السماع.
قال الكِرْماني: قالوا: لم يصح سماع الحسن عن أبي هُريرة، وعلى ذلك يكون لفظ عن أبي هريرة متعلقًا بمحمد فقط، أو يكون مرسلًا.
قال العَيْني: إن أراد أن الحديث مرسلًا فلا يصح، وإن أراد به الإرسال من جهة الحسن فله وجه على تقدير عدم سماعه منه.
وهذا الحديث أخرجه البخاري هنا، والنسائي في الإِيمان عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، وفي الجنائز عن محمد بن بشار اهـ.
ثم قال البخاري تابعه عثمان المؤذن، قال: حدثنا عَوْف، عن مُحمد، عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ نحوه.
أي: تابع عثماق المؤذن روحَ بن عبادة المار، وعثمان شيخ المصنف، فإن كان سمع هذا الحديث منه فهو له أعلى بدرجة، لكنه ذكر الموصول عن رَوْح لكونه أشد إتقانًا منه، ونبه برواية عثمان على أن الاعتماد في هذا السند على محمد بن سيرين فقط، لأنه لم يذكر الحسن، فكان عونًا ربما ذكره وربما حذفه، وقد حدث به المنجوفي شيخ البخاري مرة بإسقاط الحسن، أخرجه أبو نُعيم في "المستخرج" من طريقه.
ولفظ رواية عثمان موافق لرواية رَوْح إلا في قوله: "وكان معها" فإنه قال بدلها: "فلزمها"، وفي قوله: "ويفرغ من دفنها" فإنه قال بدلها: "وتدفن". وقال في آخرها: "فله قيراط" بدل قوله: "فإنه يرجع بقيراط" والباقي سواء.
ولهذا الاختلاف في اللفظ قال المصنف: نحوه، وهو بفتح الواو يعني: بمعناه لا بلفظه، وهذه المتابعة وصلها أبو نُعيم في "المستخرج"،
стр. 861
وقد مر الكلام على المتابعة في الحديث الرابع من بدء الوحي.
وأما عثمان فهو عثمان بن الهيثم بن جهم بن عيسى بن حسان بن المنذر، وهو الأشَجّ العصري العبدي أبو عمرو البصري، مؤذن الجامع.
قال أبو حاتم: كان صدوقًا، غير أنه بأَخَرَةٍ كان يتلقن ما يلقن. وذكره ابن حِبان في "الثقات"، وقال الساجى: صدوق، ذكر عند أحمد بن حنبل فأومأ إلى أنه ليس بثبت، ولم يحدث عنه، وهو من الأصاغر الذين حدثوا عن ابن جُريج وعوف، وقال الدّارقطني: صدوق كثير الخطأ، وفي الزهرة روى عنه البخاري أربعة عشر حديثًا، وروى عن واحد عنه.
وقال ابن حجر: له في البخاري حديث أبي هُريرة في فضل آية الكرسي، ذكره في مواضع مطولًا ومختصرًا. وروى عنه آخر عن محمد غير منسوب، وهو محمد بن يحيى الذُّهْلي، وآخر في العلم صرح بسماعه منه وهو متابعة.
روى عن أبيه، وعوف الأعرابي، وابن جُريج، ومبارك بن فضاله، ورؤبة بن الحجاج، وهشام بن حسان، وغيرهم.
وروى عنه البخاري، وعلق عنه، وروى عنه عن محمد غير منسوب عنه، وروى النسائي في "اليوم والليلة" عن إبراهيم الجوزجاني عنه، وأبو حاتم الرازي، والذهلي، ومحمد بن عبد الرحيم البزار، وأُسيد بن عاصم، ويعقوب بن سفيان، والكُدَيْميّ، وآخرون.
مات في رجب سنة عشرين ومئتين.
وليس في الستة عثمان بن الهيثم سواه اهـ.
ثم قال البخاري:
باب: خوف المؤمن من أن يحبطَ عملُه وهو لا يشعر .
هذا الباب معقود للرد على المرجئة خاصة، وإن كان أكثر ما مضى
стр. 862
من الأبواب قد تضمن الرد عليهم، لكن قد يشركهم غيرهم من أهل البدع في شيء منها، بخلاف هذا.
والمُرْجِئة -بضم الميم، وكسر الجيم، بعدها ياء مهموزة، ويجوز تشديدها بلا همز- نسبوا إلى الإرجاء، وهو التأخير، لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان، فقالوا: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، ولم يشترط جمهورهم النطق، وجعلوا للعصاة اسم الإيمان على الكمال، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب أصلًا، ومقالاتهم مشهورة في كتب الأصول.
ومناسبة إيراد هذه الترجمة عقب التي قبلها من جهة أن اتباع الجنازة مظنةٌ لأن يقصد بها مراعاة أهلها، أو مجموع الأمرين، وسياق الحديث يقتضي أن الأجر الموعود به إنما يحصل لمن صنع ذلك احتسابًا، أي: خالصًا، فعقبه بما يشير إلى أنه قد يعرِضُ للمرء ما يعكر على قصده الخالص، فيُحرم به الثواب الموعود وهو لا يشعر.
وقوله: "من أن يحبط عمله"، حبط من باب علم يعلم، أي: من حبط عمله وهو ثوابه الموعود به؛ لأنه لا يُثاب إلاَّ على ما أخلص فيه. ولفظة "من" ساقطة من رواية ابن عساكر، وهي مقدرة، لأن المعنى عليها.
وقوله: "وهو لا يشعر" جملة اسمية حالية، لا يقال: إنما قاله المؤلف يقوي مذهب الإِحباطية الذين قالوا: إن السيئات يبطلن الحسنات، وحكموا على العاصي بحكم الكافر، وهم معظم القدرية، لأن مراد المؤلف إحباط ثواب ذلك العمل فقط، لأنه لا يُثاب إلا على ما أخلص فيه، لا إحباط جميع الأعمال، كما يقع بالكفر.
قال النوويّ: المراد بالحبط نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر، وقال أبو بكر بن العربي في الرد على الإحباطية: القول الفصل في هذا أن الإحباط إحباطان، أحدهما: إبطال الشيء للشيء وإذهابه جملة، كإحباط الإيمان للكفر، والكفر للإيمان، وذلك في الجهتين إذهاب حقيقي. ثانيهما: إحباط الموازلة إذا جُعلت الحسنات في كفة
стр. 863
والسيئات في كفة، فمن رجحت حسناته نجا، ومن رجحت سيئاته وقف في المشيئة، إما أن يُغفر له، وإما أن يُعذب، فالتوقيف إبطال ما، لأن توقيف المنفعة في وقت الحاجة إليها إبطال لها، والتعذيب إبطال أشد منه إلى حين الخروج من النار، ففي كل منهما إبطال نسبي أطلق عليه اسم الإحباط مجازًا، وليس هو إحباطًا حقيقة، لأنه إذا أخرج من النار وأدخل الجنة عاد إليه ثواب عمله، وهذا بخلاف قول الإحباطية الذين سووا بين الإحباطين، وحكموا على العاصي بحكم الكفر اهـ.
ثم ذكر المؤلف ثلاثة تعاليق:
الأول: (وقال إبراهيم التيمي، ما عرضت قولي على عملي إلا خشيتُ أن أكون مكذبًا) قوله: "مكذبًا" روي بفتح الذال أي خشيت أن يكذبني من رأى عملي مخالفًا لقولي، فيقول: لو كنت صادقًا ما فعلت خلاف ما تقول، وإنما قال ذلك لأنه كان يعظ الناس. وروي بكسر الذال، وهي رواية الأكثر، ومعناه أنه مع وعظه الناس لم يبلغ غاية العمل، فخشي أن يكون مكذبًا أي: مشابهًا للمكذبين، وقد ذم الله تعالى من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقصر في العمل، فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
وقال البيضاوي في آية ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ إنها ناعية على من يعظ غيره ولا يعظ نفسه سوء صنيعه وخبث نفسه، وإن فعله فعل الجاهل بالشرع، أو الأحمق الخالي عن العقل فإن الجامع بينهما تأبى عنه شكيمته، والمراد بها حث الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل ليقوم فيقيم، لا منع الفاسق من الوعظ، فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر اهـ.
الثاني: (وقال ابن أبي مُليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل).
стр. 864
والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مُليكة من أجلهم عائشة، وأختها أسماء، وأم سلمة، والعبادلة الأربعة، وأبو هريرة، وعُقبة بن الحارث، والمِسور بن مَخْرمة، فهؤلاء سمع منهم، وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء، منهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص.
وقد مر تعريف عائشة، وأبي هريرة، والعبادلة ما عدا عبد الله بن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، ويأتي تعريف كل من الباقين في محله.
وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك، فكأنه إجماع، وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم، بل ذلك منهم على سبيل المبالغة في الورع والتقوى رضي الله تعالى عنهم.
وقال ابن بطّال: إنما خافوا لأنهم طالت أعمارهم، حتى رأوا من التغير ما لم يعهدوه ولم يقدروا على إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت.
وقوله: "ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل" أي: لا يجزم أحد منهم بعدم عروض النفاق له، كما يجزم بذلك في إيمان جبريل وميكائيل، لأنهما معصومان لا يطرأ عليهما ما يطرأ على غيرهما من البشر.
وفي هذا إشارة إلى أن المذكورين كانوا قائلين بتفاوت درجات المؤمنين في الإيمان، خلافًا للمرجئة القائلين بأن إيمان الصديقين وغيرهم بمنزلة واحدة.
الثالث: (ويذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق).
قد استشكل ترك البخاري الجزم به مع صحته عن الحسن، وفعله هذا لقاعدة عنده، وهي أنه لا يخص صيغة التمريض بضعف الإِسناد،
стр. 865
بل إذا ذكر المتن بالمعنى أو اختصره أتى بها أيضًا، لما علم من الخلاف في ذلك، فهنا كذلك، ولأجل اختصاره له، وقع الخلاف في فهمه، فجعل النووي الضمير في خافه وأمنه لله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ وقال: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وهذا وإن كان صحيحًا في نفسه، لكنه ليس مرادًا للمصنف، بل مراده رجوع الضمير في الفعلين للنفاق، كما هو جمبين عند الفِرْيابيّ عن المعلّى بن زياد قال: سمعت الحسن يحلِف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو، ما مضى مؤمن قطٌّ وما بقي إلا وهو من النفاق مشفق، وما مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وهو عند أحمد بلفظ: والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق، ولا أمنه إلا منافق اهـ.
والتعاليق الثلاثة:
الأول منها: رواه أبو القاسم اللالَكائي في "سننه" بسند جيد، ورواه البخاري في "تاريخه" عن أبي نُعيم، وأحمد بن حَنبل في "الزهد" كلاهما عن سفيان الثوري، عن أبي حيان التيمي، عن إبراهيم التيمي المذكور.
والثاني أخرجه ابن أبي خَيْثمة موصولًا من غير بيان العدد، وأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الإيمان له مطولًا.
وقد رُوِي بمعناه حديث مرفوع عن عائشة، رواه الطبراني في "الأوسط" لكن سنده ضعيف.
والثالث وصله جعفر الفِرْيابي في كتاب "صفة المنافق" من طرق متعددة بألفاظ مختلفة اهـ.
ورجال التعاليق ثلاثة:
الأول: إبراهيم بن يزيد بن شَريك التَّيْمي تيم الرباب، أبو أسماء الكوفي، كان من العباد.
قال الأعمش: كان إبراهيم إذا سجد تجيء العصافير تنقر على ظهره.
стр. 866
وقال لي: ما أكلت منذ أربعين ليلة إلا حبة عنب. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان عابدًا، صابرًا على الجوع الدائم. وقال ابن مَعين: ثقة. وقال أبو زُرعة: ثقة مرجىء، قتله الحجاج بن يوسف. وقيل: مات في سجنه، لما طلب إبراهيم النَّخَعي وقع الرسول في إبراهيم التَّيْمِي، فأخذه وحبسه، فقيل له: ليس إياك أراد. فقال: أكره أن أدفع عن نفسي، وأكون سببًا لحبس رجل مسلم بريء الساحة، فصبر في السجن حتى مات. وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
روى عن أنس، وأبيه، والحارث بن سُوَيْد، وعَمرو بن مَيْمون، وأرسل عن عائشة.
قال الدّارقُطني: لم يسمع من عائشة ولا من حَفْصة، ولا أدرك زمانهما. وقال أحمد: لم يلق أبا ذر. وقال ابن المدِيني: لم يسمع من علي، ولا من ابن عباس.
وروى عنه: بَيان بن بِشْر، والحَكَم بن عُتيبة، وزُبَيْد بن الحارث، ومسلم البَطِين، وجماعة.
مات سنة اثنتين وتسعين. وقيل أربع وتسعين. وقال أبو داود: مات ولم يبلغ أربعين سنة.
وفي الستة إبراهيم بن يزيد سواه ثلاثة: النَّخَعِيّ، والمَخْزُوميّ والخُوزي الأُمَويّ، وفي الرواة غير الستة ثلاثة أيضًا: الكوفي أبو إسحاق، والبَصْريّ، والشَاميّ.
والتَّيْمِيّ في نسبه مر الكلام عليه في الثاني من كتاب الإيمان اهـ.
الثاني: ابن أبي مُلَيْكة، وهو عبد الله بنُ عبيد الله -بتكبير الابن وتصغير الأب- ابن أبي مُلَيْكة. واسم أبي مُلَيْكة -بضم الميم- زهير بن عبد الله بن جَدْعان بن عمرو بن كعب بن تَيْم بن مُرة أبو بكر، ويقال: أبو محمد التيميّ المكيّ، كان قاضيًا لابن الزبير ومؤذنًا له.
стр. 867
قال ابن سعد: ولاه ابن الزبير قضاء الطائف، وكان ثقة كثير الحديث. وقال العِجْليّ: مكي تابعي ثقة. وقال أبو حاتم وأبو زُرعة: ثقة. وقال ابن حِبّان في "الثقات": رأى ثمانين من الصحابة. وقال البخاري: قال ابن أبي مُليكة: أدركت ثلاثين من الصحابة.
روى عن العبادلة الأربعة، وعائشة، وأختها أسماء، وأم سلمة، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وطلحة بن عُبيد الله، وقيل: لم يسمع منه، وعثمان بن عفان، وذكوان مولى عائشة، وحُميد بن عبد الرحمن بن عوف، والقاسم بن محمد، وعُروة بن الزبير، وغيرهم.
وروى عنه: ابنه يحيى، وابن أخته عبد الرحمن بن أبي بكر، وعطاء ابن أبي وباح وهو من أقرانه -وحُميد الطويل، وعمرو بن دينار، وابن جُرَيْج، وأبو العُمَيْس المسعودي، وعبد الواحد بن أيمن، وغيرهم.
مات سنة سبع عشرة ومئة.
وفي الستة عبد الله بن عبيد الله سواه ثلاثة: ابن أبي رافع، وابن عبيد الله بن عباس، وابن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وليس فيهم ابن أبي مُلَيكة سواه اهـ.
الثالث: الحسن البصري، وقد مر في الرابع والعشرين من كتاب الإيمان هذا.
ثم قال المصنف:
(وما يُحْذَر من الإصرار على التقاتلِ والعصيانِ من غير توبةٍ لقولِ الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾).
وهذا من تمام الترجمة، عطف على قوله: "خوف المؤمن، أي: باب خوف المؤمن، وما يحذر .. إلخ".
و"ما": مصدرية، و"يُحذر" بضم الياء، وفتح الذال مخففة أو مشددة كما في "الفتح"، والظاهر عندي أنها في هذه الحالة بكسر الذال، كما
стр. 868
يدل عليه المعنى، وإنما فصل بين الترجمتين بالأثار التي ذكرها لتعلقها بالأولى فقط، وأما الحديثان فالأول منهما متعلق بالثانية، والثاني متعلق بالأولى، ففيه لف ونشر غير مرتب، على حد قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ .. الآية﴾.
وقوله: "على التقاتل" كذا في أكثر الروايات، وهو المناسب لحديث الباب، لقوله فيه: "وقتاله كفر" وفي رواية: "على النفاق".
قال في "الفتح": معناه صحيح وإن لم تثبت به الرواية.
قال القَسْطَلاني: بل ثبتت به الرواية عن أبي ذَرٍّ، ونسخة السُّمَيْساطي.
وقوله: "لقول الله تعالى"، وفي رواية: " "، وفي رواية: "لقوله ".
وقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ أي: لم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين، لأن من أصر على نفاق المعصية خُشِيَ عليه أن يفضي به إلى نفاق الكفر، وقد روى الترمذي من حديث أبي بكر الصديق ﵁: "ما أصرَّ من استغفر وإن عادَ في اليومِ سبعينَ مرةً".
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ حال من يُصروا، أي: لم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به، فقد روى أحمد من حديث ابن عُمر مرفوعًا: "ويلٌ للمصّرينَ الذينَ يصرّونَ على ما فعلوا وهم يعلمون" أي: يعلمون أن من تاب تاب الله عليه، ثم لا يستغفرون. قاله مجاهد وغيره.
ومراد المصنف الرد على المرجئة، حيث قالوا: لا حذر من المعاصي مع حصول الإيمان، ومفهوم الآية التي ذكرها يرد عليهم، لأنه تعالى مدح من استغفر لذنبه ولم يقم عليه، فمفهومه ذم من لم يفعل ذلك، وأدل على المراد من هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ اهـ.
стр. 869
الحديث الحادي والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ الْمُرْجِئَةِ، فَقَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ".
قوله: "سألت أبا وائل عن المرجئة" أي: عن مقالتهم أو معتقدهم، وقد مر الكلام على حقيقتهم في الكلام على الترجمة.
وقوله: "سبابُ المسلم" هو بكسر السين، وبتخفيف الموحدة، مصدر مضاف للمفعول، أي: شتمه والتكلم في عرضه بما يَعيبُهُ ويؤلمه. وقيل: السباب أشد من السب، وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه، يريد بذلك عَيْبته. وقيل: السباب هنا مثل القتال، فيقتضي المفاعلة، أي تشاتمهما، وقد مر بعض الكلام على السباب في باب المعاصي من أمر الجاهلية، وهذا السؤال فيه دلالة على أن بدعة الإرجاء قديمة.
وقوله: "فسوق" أي: فجور وخروج عن الحق، والفسق في اللغة الخروج، وفي الشرع الخروج عن طاعة الله ورسوله، وهو في عرف الشرع أشد من العصيان، قال الله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾، ففي الحديث تعظيم حق المسلم، والحكم على من سبه بغير حق بالفسق، ومقتضاه الرد على المرجئة، وعرف من هذا مطابقة جواب أبي وائل للسؤال عنهم، كأنه قال: كيف تكون مقالتهم حقًّا والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول هذا.
وقوله: "وقتاله كفر" أي: فكيف يحكم بتصويب قولهم: إن مرتكب الكبيرة غير فاسق. مع حكم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على من سب المسلم بالفسق، ومن قاتله بالكفر.
стр. 870
وليس المراد هنا بالكفر حقيقته التي هي الخروج عن الملة، وإنما أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير، معتمدًا على ما تقرر من القواعد على عدم كفره بمثل ذلك، مثل حديث الشفاعة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقد مضى بعض الكلام على هذا في باب المعاصي من أمر الجاهلية، أو أُطلق عليه الكفر لشبهه به؛ لأن قتال المؤمن من شأن الكافر، أو المراد الكفر اللغوي وهو التغطية، لأن حق المسلم على المسلم أن يعينه وينصره ويكف عنه أذاه، فلما قاتله كان كأنه غطى على هذا الحق، والأوَّلان أليق بمراد المصنف، وأولى بالمقصود من التحذير من ذلك والزجر عنه، بخلاف الثالث.
وقيل: المراد بقوله: كفر، أي: قد يؤول هذا الفعل بشؤمه إلى الكفر، وهذا بعيد، وأبعد منه حمله على المُسْتَحِلِّ لذلك؛ لأنه لا يطابق الترجمة، ولو كان مرادًا لم يحصل التفريق بين السباب والقتال، فإن مستحل لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضًا كما يأتي مبوبًا له في كتاب المحاربين إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: هذا وإن تضمن الرد على المرجئة، لكن ظاهره يقوي مذهب الخوارج الذين يكفِّرون بالمعاصي، فالجواب: إن المبالغة في الرد على المبتدع اقتضت ذلك، ولا متمسك للخوارج فيه، لأن ظاهره غير مراد، لكن لما كان القتال أشد من السباب لأنه مفضٍ إلى إزهاق الروح، عبر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق وهو الكفر، ولم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة .. إلخ ما مر قريبًا.
ومثل هذا الحديث قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لا ترجِعُوا بعدي كفارًا يضربُ بعضكم رقابَ بعضٍ" ففيه هذه الأجوبة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الفتن. ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية، فدل على أن بعض الأعمال يطلق عليه الكفر تغليظًا.
стр. 871
وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما رواه مسلم: "لعن المسلم كقتله" فلا يخالف هذا الحديث، لأن المشبه به فوق المشبه، والقدر الذي اشتركا فيه بلوغ الغاية في التأثير، هذا في العرض، وهذا في النفس، وقد ورد لهذا المتن سبب أخرجه البَغَوي والطبراني عن عمرو بن النعمان ابن مُقَرِّن المُزَني، قال: انتهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى مجلس من مجالس الأنصار، ورجل من الأنصار كان عُرِفَ بالبذاء ومشاتمة الناس، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "سبابُ المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر" زاد البَغَوي في روايته: "فقال ذلك الرجل: والله لا أسابُّ رجلًا" اهـ.
رجاله خمسة:
الأول: محمد بن عَرْعَرة -بالعينين المهملتين- ابن البِرِنْد -بكسر الباء الموحدة والراء، ويقال: بفتحهما، وسكون النون- وكأنه فارس بن النعمان أبو عبد الله، أو أبو عمرو الساميّ -بمهملة- البصري الناجي -بالنون-.
قال أبو حاتم: ثقة صدوق.
وقال النّسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال الحاكم وابن قانع: ثقة. وفي الزهرة روى عنه البخاري عشرين حديثًا.
روى عن: جرير بن حازم، وأبي الأشهب العُطاردِيّ، وشعبة، وابن عَون، وعمر بن أبي زائدة، والقاسم بن الفضل الحُدَّاني، وغيرهم.
وروى عنه: البخاري، وروى مسلم وأبو داود عنه بواسطة، ومحمد ابن عبد الرحيم البزار، وأحمد بن الحسن الترمذي، وابن دارة، ويعقوب ابن سفيان، وغيرهم.
مات سنة ثلاث عشرة ومئتين عن ست وسبعين، وقيل: خمس وسبعين.
стр. 872
وليس في الستة محمد بن عَرْعَرة سواه.
والسامِيّ في نسبه مر الكلام عليه في التعليق الذي بعد الثالث من كتاب الإيمان.
والناجِيّ في نسبه نسبة إلى ناجية، محلة بالبصرةِ مسماة باسم القبيلة. وقال السَّكوني: منزل لأهل البصرة على طريق المدينة بعد أثال، والقبيلة التي سميت بها المحلة هم بنو ناجية بن لؤي. قال ابن حجر: وكل من كان من أهل البصرة من المتقدمين فهو بالنون، وفي المتأخرين من يخشى لبسه عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الغني الناجي البغدادي سمع ابن كارة، وكان بعد الثلاثين وست مئة، ومن المحدثين المتقدمين أبو الصديق بكر بن عمرو الناجي، روى عن عائشة، وروى عنه قتادة وعاصم الأحول، مات سنة ثمان ومئة. ومنهم أيضًا أبو عبيدة الراوي عن الحسن البصري. ومنهم أيضًا أبو المتوكل الناجي روى عن عائشة وابن عباس اهـ.
والبِرِنْد يشتبه ببَريد مكبرًا، وهو جد علي بن هاشم، وحديثه في مسلم. ويشتبه أيضًا ببُرَيْد مصغرًا حفيد أبي موسى الأشعري، وهو بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعري، وحديثه في "الصحيحين" قال العراقي:
جَدُّ عَلِي بنِ هاشم بُرَيْدُ ... وابنُ حفيدِ الأشْعرِي بَريدُ
ولهُما محمدُ بن عَرْعَره ... ابنُ البِرِنْدِ فالأميرُ كَسَرَه
وما عدا الثلاثة مما في الكتب الثلاثة فهو يزيد -بفتح التحتية، وزاي مكسورة- كيزيد بن هارون أهـ.
الثاني: شُعبة بن الحجّاج، وقد مر في الثالث من كتاب الإيمان.
الثالث: زُبَيدْ -بالزاي والباء الموحدة مصغر- ابن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله اليامِيّ، ويقال: الإِيامي الكوفي.
стр. 873
قال القطان: ثبت. وقال ابن مَعين وأبو حاتم والنّسائي: ثقة. وقال مُجاهد: أعجب أهل الكوفة الي أربعة فيهم زبيد. وقال ابن شبرمة: كان يصلي الليل كله. وقال يعقوب بن سُفيان: ثقة ثقة خيار، إلا أنه كان يميل إلى التشيع. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وهو في عداد الشيوخ، وليس بكثير الحديث. وقال العِجْلي: ثقة ثبت في الحديث، وكان علويًّا. وقال شعبة: ما رأيت بالكوفة شيخًا خيرًا من زُبيد. وقال سعيد ابن جُبَيْر لو خُيِّرتُ عبدًا ألقى الله في مسلاخه اخترت زُبيدًا الياميّ. وقال عمرو بن مرة: كان زُبيد صدوقًا. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان من العباد الخُشن مع الفقه في الدين، ولزوم الورع الشديد. وقال محمد بن طلحة بن مصرّف: ما كان بالكوفة ابن أب وأخ أشد مجانبًا من طلحة بن مصرّف وزُبيد الياميّ، كان طلحة عثمانيًّا وزبيد علويًّا.
روى عن: مرة بن شُراحيل، وسعيد بن عُبيدة، وذَرِّ بن عبد الله، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبْزى، وإبراهيم النَّخَعِي، وإبراهيم التَّيْمِيّ، ومجاهد، وجماعة.
وروى عنه: ابناه عبد الله وعبد الرحمن، وجرير بن حازم، وشعبة، والثوري، ومالك بن مِغْوَل، ومِسْعَر، ومنصور، ومُغيرة، والأعْمش -وهم من أقرانه- وغيرهم.
مات سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع وعشرين ومئة.
وليس في الستة زُبيد سواه، ويوجد زُبَيْد بياءين تصغير زيد، وهو ابن الصَّلْت، وحديثه في "الموطأ" وليس له ذكر في "الصحيحين" ويجوز كسر زايه، قال العراقي:
زُبَيْدُ بنُ الصلتِ واضمُم واكسرِ ... وفي ابن حيّانَ سليمٌ كبِّرِ
وفي الستة أبو زُبيد الكوفي، واسمه عَبْثَر، روى له الجماعة.
والياميّ في نسبه نسبة إلى يام بن أهبى، قبيلة باليمن من هَمْدان،
стр. 874
والنسبة إليهم يامي، وربما زيد في أوله همزة مكسورة، فيقولون: الإياميّ، ويام بن نوح غرق في الطوفان.
الرابع: أبو وائل -بالهمزة بعد الألف- شَقيق بن سَلَمة الأسَدي الكوفي، أدرك النبي ﷺ ولم يره.
قال عاصم بن بَهْدلة عنه: أدركت سبع سنين من سني الجاهلية. وقال الأعمش: قال لي أبو وائل: يا سلمان، لو رأيتني ونحن هراب من خالد بن الوليد، فوقعت عن البعير، فكادت عنقي تندق، فلو مت يومئذ كانت النار، قال: وكنت يومئذٍ ابن إحدى عشرة سنة. وقال مغيرة عنه: أتانا مصدقُ النبي ﷺ ، فأتيته بكبش لي، فقلت: خذ صدقة هذا، فقال: ليس في هذا صدقة. وقال يزيد بن أبي زياد: قلت لأبي وائل: أيما أكبر أنت أو مسروق؟ قال: أنا. وقال الثَّوْرِيّ عن أبيه: سمعت أبا وائل، وسئل: أنت أكبر أو الربيع بن خَيْثَم؟ قال: أنا أكبر منه سنًّا، وهو أكبر مني عقلًا. وقال عاصم بن بَهْدلة: قيل لأبي وائل: أيهما أحب إليك علي أو عثمان؟ قال: كان علي أحب إلى، ثم صار عثمان. وقال عمرو بن مرة: قلت لأبي عُبيدة: من أعلم أهل الكوفة بحديث عبد الله؟ قال: أبو وائل. وقال إبراهيم عليك بشَقيقٍ، فإني أدركت الناس وهم متوافرون، وإنهم ليعدونه من خيارهم. وقال ابن مَعين: ثقة لا يسأل عن مثله. وقال وكيع: كان ثقة. وقال ابن سَعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن حِبّان في "الثقات": سكن الكوفة، وكان من عبادها، وليست له صحبة. وقال العِجْليّ: رجل صالح جاهلي من أصحاب عبد الله. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة.
روى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ بن جَبل، وسعد بن أبي وقاص، وحذيفة وأبي موسى الأشعري، وأبي هُريرة، وعائشة، وأم سلمة، وأسامة بن زيد، والأشعث بن قيس، وخلق من الصحابة والتابعين. وقال أبو زُرعة: أبو وائل عن أبي بكر مرسل، وسئل هل سمع
стр. 875
عائشة؟ قال: لا أدري، ربما أدخل بينه وبينها مسروقًا.
وروى عنه: الأعمش، ومنصور، وزُبيد الياميّ، وعاصم بن بَهْدلة، وعمرو بن مرة، ومُغيرة بن مِقْسَم، وحمّاد بن أبي سُليمان، وجماعة.
تعلم القرآن في سنتين.
وقال عاصم بن بَهْدلة: ما سمعته سب إنسانًا قط، وكان ابن مسعود يثني عليه كثيرًا.
وقال أبو سعيد بن صالح: كان أبو وائل يؤم جنائزنا وهو ابن مئة وخمسين سنة.
مات سنة اثنتين وثمانين على المحفوظ، وقيل: إنه مات بعد الجماجم، وقيل: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز.
وفي الستة شَقيق سواه خمسة، وليس فيهم من يكنى بأبي وائل.
والأسَديّ في نسبه مر الكلام عليه في السادس من كتاب الإيمان، وهو من المخضرمين، وقد مر الكلام عليهم في الخامس والعشرين من كتاب الإيمان.
الخامس: عبد الله بن مسعود، وقد مر في الأثر الثالث من كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، والسؤال والعنعنة، ورجاله ما بين بصري وواسطي وكوفي، وكلهم أئمة أجلاء.
أخرجه البخاري هنا وفي الأدب عن سُليمان بن حرب، ومسلم في الإيمان عن محمد بن بَكّار بن الريّان وغيره، والترمذي في البر عن محمود ابن غَيْلان، وقال: حسن صحيح، والنسائي في المحاربة عن محمود بن غَيْلان أيضًا اهـ.
стр. 876
الحديث الثاني والأربعون
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاَحَى رَجُلاَنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: "إِنِّى خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ الْتَمِسُوهَا فِى السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ".
قوله: "خرج يخبر" أي: من حجرته، ويخبر إما استئناف أو حال مقدرة لأن الخبر وقع بعد الخروج، على حد: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أي: مقدرين الخلود.
وقوله: "بليلة القدر" أي: بتعيينها، وقد مر الكلام على القدر مستوفى في باب قيام ليلة القدر من الإيمان.
وقوله: "فتلاحى رجلان من المسلمين" -بفتح الحاء- من تلاحى، وهو من التلاحي -بكسرها-، وهو التنازع والمخاصمة، والرجلان عبد الله بن أبي حَدْرد، وكعب بن مالك، وقد عرف الثاني في السادس والأربعين من استقبال القبلة، والأول في الستين منه.
وقوله: "لأخبرَكم" بنصب الراء بأن المقدرة بعد لام التعليل، والضمير مفعول أخبر الأول.
وقوله: "بليلة القدر" سد مسد الثاني والثالث، أي: لأخبركم بأن ليلة القدر هي ليلة كذا.
وقوله: "فرُفِعت" أي: رُفع بيانها أو علمها من قلبي، بمعنى نسيتها، لا أنها رفعت أصلًا، لقوله الآتي: "التمسوها" فلو كان المرافى رفع وجودها لم يأمرهم بطلبها.
стр. 877
ويبين المراد بالرفع حديث مسلم عن أبي سعيد، قال: "فجاء رجلان يحتقّان" بتشديد القاف، أي: يدعي كل منهما أنه المحق "معهما الشيطان" فدل على أن المخاصمة مذمومة، وأنها سبب في العقوبة المعنوية، أي: الحرمان، وأن المكان الذي يحضره الشيطان ترفع منه البركة والخير، وإنما كانت المخاصمة في طلب الحق مذمومة لوقوعها في المسجد، وهو محل الذكر لا اللغو، وفي الوقت المخصوص بالذكر لا اللغو وهو شهر رمضان، فالذم لما عرض فيها لا لذاتها، ثم إنها مستلزمة لرفع الصوت، ورفعه بحضرته ﵊ منهي عنه، لقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ... وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
ومن هنا تتضح مناسبة هذا الحديث للترجمة ومطابقتها له، وقد خفيت على كثير من العلماء، فإن قيل: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ يقتضي المؤاخذة بالعمل الذي لا قصد فيه، فالجواب: إن المراد وأنتم لا تشعرون بالإحباط، لاعتقادكم صغر الذنب، فقد يعلم المرء الذنب، ولكن لا يعلم أنه كبيرة، كما قيل في قوله: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير" أي: عندهما، ثم قال: "وإنه لكبيرٌ" أي: في نفس الأمر.
وأجاب أبو بكر بن العربي بأن المؤاخذة تحصلُ بما لم يُقصد في الثاني إذا قصد في الأول، لأن مراعاة القصد إنما هي في الأول، ثم يسترسل حكم النية الأولى على مؤتنف العمل، وإن عزب القصد خيرًا كان أو شرًا.
وقوله: "وعسى أن يكون خيرًا" أي: وإن كان عدم الرفع أزيدُ خيرًا وأولى منه، لأنه متحقق فيه، لكن في الرفع خير مرجو، لاستلزامه مزيد الثواب، لكونه سببًا لزيادة الاجتهاد في التماسها، وإنما حصل ذلك ببركة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقوله: "في السبع والتسع .. إلخ" في أكثر الروايات بتقديم السبع التي أولها السين، وفيها إشارة إلى أن رجاءها في السبع أقوى للاهتمام
стр. 878
بتقديمها، وفي رواية أبي نُعَيْم بتقديم التسع على ترتيب التدلّي.
واختلف في المراد بالتسع وغيرها، فقيل: لتسع بقين من الشهر، فتكون ليلة إحدى أو اثنتين وعشرين بحسب تمام الشهر ونقصانه. وقيل: لتسع يمضين من العشر الأواخر، فتكون ليلة تسع وعشرين، وعليه: فقدله: في تسع، أي: وعشرين، وسبع وعشرين، وخمس وعشرين.
وفي رواية لأحمد: "في تاسعة تبقى" وهذه ترجح الوجه الأول.
وأخرج البخاري عن ابن عباس في الاعتكاف هي في العشر الأواخر في تسع يمضين أو في سبع بقين بتأخير السين في الأول وتقديمها في الثاني، وبلفظ المضي في الأول والبقاء في الثاني، وبلفظ المضي فيهما.
ولأبي داود من حديثه بلفظ: "تاسعة تبقى، سابعة تبقى، خامسة تبقى" قال مالك في "المدونة": تاسعة تبقى ليلة إحدى وعشرين ... إلخ.
وقد وقع سبب آخر لنسيانها فيما أخرجه مسلم عن أبي هُريرة، أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "أريتُ ليلة القدرِ، ثم أيقظني بعضُ أهلي فنسيتها" فإما أن يُحمل على التعدد، بأن تكون الرؤيا في حديث أبي هريرة منامًا فيكون سبب النسيان الإيقاظ، وتكون الرؤية في حديث غيره في اليقظة، فيكون سبب النسيان ما ذُكر من المخاصمة، أو يحمل على اتحاد القصة، ويكون النسيان وقع مرتين عن سببين، ويحتمل أن يكون المعنى: أيقظني بعض أهلي، فسمعت تلاحي الرجلين، فقمت لأحجز بينهما، فنسيتها للاشتغال بهما.
وقد روى عبد الرزاق من مرسل سعيد بن المسيِّب أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "ألا أخبرُكُم بليلةِ القدر" قالوا: بلى. فسكت ساعة ثم قال: "لقد قلت لكم وأنا أعلمها، ثم أنسيتها" فلم يذكر سبب النسيان، وهو مما يقوي الحمل على التعدد اهـ.
стр. 879
وإذا تقرر أن الذي ارتفع علمُ تعيينها تلك السنة، فهل أُعلم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ذلك بتعيينها، فيه احتمال، فقد قال ابن عُيينة فيما علقه البخاري، ووصله محمد بن يحيى بن أبي عمرو في كتاب "الإيمان" له: كل شيء في القرآن فيه ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فقد أخبره به، وكل شيء فيه ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فلم يخبره به، ومقصوده أنه ﵊ كان يعرف ليلة القدر، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ وهذا الحصر متعقب بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ فإنها نزلت في ابن أم مكتوم، وقد علم صلى الله تعالى عليه وسلم بحاله، وأنه ممن تزكى ونفعته الذكرى اهـ.
قلت: يحتمل عندي أن يجاب عن هذا التعقيب بأن المراد من التزكي في هذه الآية التطهير من الذنوب لا الإِسلام، لأنه كان مسلمًا قبل ذلك، والتطهير من الذنوب لا يُعلم علم يقين إلا بالغفران يوم القيامة، أو بالوحي عليه ﵊، ويدل على هذا الجواب قوله ﵊ فيما أخرجه البخاري وغيره للأنصارية لما قالت لعثمان بن مظعون بعد موته: لقد أكرمك الله: "وما يدريكِ أنَّ اللهَ أكرمه" إلخ، ولم يُرِدْ ﵊ إلاَّ علمها بأن الإكرام مغيب، متوقف على النجاة في يوم القيامة، هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم.
وروى محمد بن نصر، عن واهب المَعَافِريّ أنه سأل زينب بنت أم سلمة: هل كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعلم ليلة القدر؟ فقالت: لا، لو علمها لما قام الناس غيرها. وهذا قالته احتمالًا، وليس بلازم، لاحتمال أن يكون التعبد وقع بذلك أيضًا، فيحصل الاجتهاد في جميع العشر، وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط الكلام على ليلة القدر في كتاب الاعتكاف اهـ.
رجاله خمسة:
الأول قُتيْبة بن سعيد، وقد مر في الحادي والعشرين من كتاب الإيمان.
стр. 880
والثاني: إسماعيل بن جَعْفر، وقد مر في السادس والعشرين منه أيضًا.
والثالث: حُمَيْد بن أبي حُميد الطويل، أبو عُبيدة الخُزاعي مولاهم، وقيل غير ذلك البصري، واسم أبي حُميد تِيْر -بكسر التاء المثناه من فوق، وسكون الياء، وفي آخره راء- وقيل: اسمه تيرويه، وقيل: زاذويه، وقيل: داور، وقيل: طرخان، وقيل: مهران، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: مَخْلد، وقيل غير ذلك إلى عشرة أقوال، وهو مشهور بحميد الطويل قيل: كان قصيرًا طويل اليدين، فقيل له ذلك، وكان يقف عند الميت فتصل إحدى يديه إلى رأسه، والأخرى إلى رجليه. وقال الأصمعي: رأيته، ولم يكن بذاك الطويل، بل كان في جيرانه رجل يقال له: حُميد القصير، فقيل له: الطويل للتمييز بينهما.
قال ابن مَعين: ثقة. وقال الدارِميّ: قلت لابن مَعين: يونس بن عُبيد أحب إليك في الحسن أو حميد؟ فقال: كلاهما. قال الدارِميّ: يونس أكبر من حميد بكثير. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به، وأكبر أصحاب الحسن حميد وعبادة. وقال ابن خِراش: ثقة صدوق. وقال مرة: في حديثه شيء، يقال: إن عامة حديثه عن أنس، إنما سمعه من ثابت. وقال حماد بن سلمة: أخذ حُميد كتب الحسن فنسخها، ثم ردها عليه. وقال حماد: لم يدع حميد لثابت علمًا إلا وعاه وسمعه منه، وقال أيضًا: عامة ما يروي حميد عن أنس سمعه من ثابت. وقال شعبة: لم يسمع حُميد من أنس إلا أربعة وعشرين حديثًا، والباقي سمعها من ثابت، أو ثبته فيها ثابت. وقال أبو داود: سمعت شعبة يقول: سمعت حبيب بن الشهيد يقول لحميد وهو يحدثني: انظر ما تحدث به شعبة، فإنه يرويه عنك، ثمٍ يقول هو: إن حميدًا رجل نسي، فانظر ما يحدثك به. وقال شعبة أيضًا كما رواه عنه أبو داود الطَّيَالِسيّ: كل شيء سمع حميد من أنس خمسة أحاديث. قال ابن حجر: والراوي لهذا عن أبي داود غير معتمد. وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: كان حميد الطويل إذا ذهب توقفه على بعض حديث أنس يشك فيه. وقال
следующие страницы →