Полный текст (6 753 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
روى عن: ابن جُريج، وهشام بن حسان، ونور بن يزيد، ومَعْمر، ومالك والسفيانين، والأوزاعي، وزكريّاء بن إسحاق المكي، وإسرائيل، وإسماعيل، وخلق كثير.
وروى عنه: ابن عُيينة، ومعتمر بن سليمان، -وهما من شيوخه- ووكيع، وأبو أسامة -وهما من أقرانه- وأحمد، وإسحاق، وعلي، ويحيى، وأبو خَيْثمة، وأحمد بن صالح، وعمروٌ الناقد، وسلمة بن شَبيب، وعبد الله ابن محمد المُسْنِدي، وإسحاق بن منصور الكوْسَج، ومحمد بن مِهْران الجمّال، وإسحاق بن إبراهيم الدَّيْري، وغيرهم.
ولد سنة ست وعشرين ومئة، ومات في شوال سنة إحدى عشرة ومئتين عن خمس وثمانين سنة.
وفي الستة عبد الرزاق سواه واحد، وهو ابن عمر بن مسلم الدِّمشقي العابد.
وفي غير الستة اثنان ابن عُمر الثَّقفي أبو بكر الدِّمشقي الكبير. روى عن الزهري وغيره. والثاني: ابن عمر أيضًا ابن يزيد البَزِيْعيّ البيروتي، روى عن ابن المُبارك، ويحيى بن أبي زائدة.
والصَّنْعاني في نسبه نسبة إلى صنعاء مدينة باليمن من أشهر مدنه، كثيرة الأشجار والمياه، تشبه دمشق بالشام، وزادوا النون في النسبة إليها، وهي نسبة شاذة كما قالوا في بَهْراء: بَهْراني، والقياس أن يقال: صنعاوِيّ، ومن العرب من يقوله، فأبدلوا في الهمزة النون؛ لأن الألف والنون تشبهان ألفي التأنيث، وصنعاء أيضًا قريةٌ، من قرى الشام.
الثالث: مَعْمر بن راشد، وقد مر في متابعة الرابع من بدء الوحي.
الرابع: همّام بن منبِّه -باسم الفاعل من التنبيه- ابن كامل بن سَيْج -بفتح السين المهملة، وقيل: بكسرها، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره جيم- أبو عُقبة اليماني الصنعاني الأبناويّ، أخو وهب، وهو أكبر منه، ومعْقِل وعمرو.
стр. 807
قال ابن مَعين: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال العِجْلي: يماني تابعي ثقة. وقال أحمد: كان يغزو كان يشتري الكتب لأخيه وَهْب، فجالس أبا هُريرة، فسمع منه أحاديث، وهو نحو من أربعين ومئة حديث بإسناد واحد، وأدركه مَعْمر، وقد كبر وسقط حاجباه على عينيه، فقرأ عليه همام، حتى إذا ملَّ أخذ مَعْمر، فقرأ الباقي، وكان عبد الرزاق لا يعرف ما قُرىء عليه بما قرَأ هو.
روى عن أبي هُريرة، ومعاوية، وابن عباس، وابن عُمر، وابن الزُّبير.
وروى عنه: أخوه وَهْب بن مُنبِّه، وابن أخيه عقيل بن مَعْقل بن مُنَبِّه، ومعمر بن راشد، وعلي بن الحسن بن اتش.
مات بصنعاء سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل: سنة إحدى وثلاثين.
وفي الستة همّام سواه ثلاثة: النَّخَعيّ الكوفي العابد. والثاني. ابن نافع الحِمْيَري مولاهم اليماني الصنعاني. والثالث: ابن يحيى بن دينار الأزْديّ العوذِيّ.
والصنعاني في نسبه مرّ في الذي قبله.
واليماني فيه نسبة إلى اليمن بزيادة الألف، قال الجَوْهري: اليمن بلاد العرب، والنسبة إليها يمني ويمان مخففة، والألف عوضٌ عن ياء النسبة، فلا تجتمعان. قال سيبويه: وبعضهم يقول: يمانيّ بالتشديد، قال الشاعر:
يَمانيًّا يَظلُّ يَشدُّ كِيرًا ... ويَنفُخُ دائِبًا لهَبَ الشَّواظِ
واليمن في الأصل ما كان عن يمين القبلة من بلاد الغور، قال الشرقي: إنما سميت اليمن لتيامنهم إليها، قال ياقوت: وفيه نظر، لأن الكعبة مربعة فلا يمين لها ولا يسار، فإذا كانت اليمن عن يمين قوم، كانت عن يسار آخرين، وكذلك الجهات الأربع، إلا أن يريد بذلك من يستقبل الركن اليماني، فإنه أجلها، فإذن يصح، والله تعالى أعلم.
стр. 808
قلت: فيما قاله ياقوت نظر، فإن من كان مستقبلًا للقبلة من القفا عند المقام المالكي يكون اليمن إذن له على يمين القبلة بهذا الاعتبار، وفي "المراصد": إن اليمن ثلاث ولايات، الجند ومخاليفها، وصنعاء ومخاليفها، وحضرموت ومخاليفها، وقال قطرب: سُمي اليمن ليمنه، والشّام لشؤمه، وأما حد اليمن فمن وراء تثليث وما ساقها، إلى صنعاء وما قاربها، إلى حضرموت والشحر وعمان، إلى عدن أبيه وما يلي ذلك، إلى التهائم والنجود، واليمن يجمع ذلك كله، يقال: قوم يمانية ويمانون مثل ثمانية وثمانون، وامرأة يمانية أيضًا، وتيمن انتسب إلى اليمن، والتَّيْمني أفق اليمن.
والذَّماري في نسبه نسبة إلى ذَمار كسَحاب أو قِطام، قرية باليمن على مرحلتين من صنعاء على طريق المتوجه من زبيد إليها، وهي الآن مدينة عامرة كبيرة ذات قصور وأبنية فاخرة ومدارس علم، وخرج منها فقهاء ومحدثون، سميت بقيلٍ من أقيال اليمن، يقال: إنه شمر بن الأملوك الذي بني سَمَرْقند، وقيل: إن ذمارًا اسم صنعاء، وإن معنى صنعاء كلمة حبشية معناه: وثيق حصن، ويشهد له ما في اللسان وغيره: كشفت الريح عن منبر هود ﵊، وهو من الذهب، مرصع بالدر والياقوت وعن يمينه من الجزع الأحمر مكتوب بالمسند، وعبارة "اللسان": هدمتها قريش في الجاهلية، فوجد في أساسها حجر مكتوب فيه بالمسند: لمن ملك ذَمار لِحمير الأخيار؟ لمن ملك ذَمار للحبشة الأشرار؟ لمن ملك ذَمار لفارس الأحرار؟ لمن ملك ذَمار لقُريش التجار؟ وذموران ودالان قريتان بقربها، يقال: ليس بأرض اليمن أحسن وجوهًا من نسائها. قال في "تاج العروس": والأمر كما ذكر، ويضاهيها في الجمال وادي الحصيب، الذي هو وادي زبيد، حرسها الله تعالى.
والأبناويّ في نسبه أيضًا بتقديم الباء الموحدة على النون نسبة إلى الأبناء، قوم من العجم، سكنوا اليمن، وهم الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يَزَن لما جاء يستنجده على الحبشة، فنصروه وملكوا اليمن
стр. 809
وتَدَيَّروها وتزوجوا في العرب، فقيل لأولادهم: الأبناء، وغلب عليهم الأنباء لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم، والنسبة إليهم أبناويّ في لغة بني سعد، وبعض العرب يقول فيه: بَنَويّ محركة ردًّا له إلى الواحد، ويقال: إنهم ينتسبون إلى هُرْمز الفارسي الذي أرسله كسرى مع سيف بن ذي يزن، فاستوطن اليمن، وأولد ثلاثة بَهْلوان ودادَوان وبانيان، فأعقب بَهْلوان بهلول، والدادوِيّون بسعوان، ومنهم بنو المتَمَيِّر بصنعاء، وصعدة وجراف الطاهر ونحر البون، وإلدادويُّون خوارج، ومنهم: غزاكراذَمار، وهم خلق كثير.
الخامس: أبو هُريرة، وقد مر في الثاني من كتاب الإيمان هذا.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ومنها أن هذا الإسناد إسناد حديث من نسخة همّام المشهورة المروية بإسناد واحد عن عبد الرزاق عن معمر عنه، وقد مر الكلام على النسخة في السابع من بدء الوحي.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق.
باب أحب الدين إلى الله أدْوَمُهُ
مراد المصنف الاستدلال على أن الإيمان يطلق على الأعمال، لأن المراد بالدين هنا العمل، والدين الحقيقي هو الإِسلام، والإِسلام الحقيقي مرادف للإيمان، فيصح بهذا مقصوده، ومناسبته لما قبله من قوله: "عليكم بما تُطيقون" لأنه لما قدَّم أن الإِسلام يحسُنُ بالأعمال الصالحة، أراد أن ينبه على أن جهاد النفس في ذلك إلى حد المغالبة غير مطلوب، وقد مر هذا المعنى في باب الدين يسر، وفي هذا ما ليس في ذلك على ما سيظهر.
وقوله: "أدومه" أفعل تفضيل من الدوام، والمراد به هنا الدوام العُرفي، وهو قابل للكثرة والقلة.
стр. 810
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ قَالَ "مَنْ هَذِهِ". قَالَتْ فُلاَنَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صَلاَتِهَا. قَالَ "مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لاَ يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا". وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ
قوله: "وعندها امرأةٌ" فقال: الواو للحال، والفاء في فقال للعطف على دخل السابق، وللأصيلي قال: بحذفها، فتكون جملة استئنافية جواب سؤال مقدر، كان قائلًا قال: ماذ! قال حين دخل؟ قالت: قال من هذه.
وقوله: "قالت؟ فلانة" هذا اللفظ كناية عن كل علم مؤنث، فلا ينصرف لذلك.
وقوله: "تذكُرُ من صلاتِها" بفتح التاء الفوقانية، والفاعل عائشة، ورُوي بضم الياء التحتانية على البناء، لما يسمَّ فاعله وتاليه نائب عنه أي يذكرون أن صلاتها كثيرة، ولأحمد عن يحيى القطان: "لا تنامُ تُصلّي" وللمصنف في صلاة الليل معلقًا عن القَعْنَبيّ: "لا تنامُ بالليل" وهذه المرأة يأتي قريبًا تعريفها في الرجال، ووقع في حديث الباب حديث هشام هذا: "دخل عليها وعندها"، وفي رواية الزُّهري: "أن الحولاءَ مرَّتْ بها" فظاهره التغاير، فيحتمل أن تكون المرأة المارة امرأة غيرها من بني أسد أيضًا، وأن قصتها تعددت، والجواب أن القصة واحدة، ويبين ذلك ما أخرجه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل له، عن هشام في هذا الحديث، ولفظه: "مرت برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الحولاء بنت تُوَيتْ" فيحمل على أنها كانت أولًا عند عائشة، فلما دخل صلى الله تعالى عليه
стр. 811
وسلم على عائشة قامت المرأة، كما في رواية حمَّاد بن سَلَمة الآتية.
"فلما قامت لِتخرجَ مرت به في خلال ذهابها، فسأل عنها" وبهذا تجتمع الروايات، قال ابن التّين: لعل عائشة أمنَتْ عليها الفتنة، فلذلك مدحتها في وجهها. قال في "الفتح": لكن في "مسند" الحسن بن سفيان: كانت عندي امرأة، فلما قامت، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "من هذه يا عائشة؟ قالت: يا رسول الله هذه فلانة، وهي أعبدُ أهل المدينة" فظاهر هذه الرواية أن مدحها كان في غيبتها.
وقوله: "مهْ" بسكون الهاء، وينوّن في الوصل، ومعناه: اكفف، يقال: مَهْمَهْتُهُ إذا زجرتُه، وأصل هذه الكلمة: ما هذا؟ كالإنكار، فطرحوا بعض اللفظة، فقالوا: مه، فصيروا الكلمتين كلمة، وهذا الزجر يحتمل أن يكون لعائشة، والمراد نهيُها عن مدح المرأة بما ذكرت، ويحتمل أن يكون المراد النهي عن ذلك الفعل، وقد أخذ بذلك جماعة من الأئمة، فقالوا: تكره صلاة جميع الليل كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى.
وقوله: "عليكُم بما تُطيقون" أي اشتغلوا بالذي تستطيعون المداومة عليه من الأعمال، وحذف العائد للعلم به، فمنطوقُهُ يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلف ما لا يطاق، وسبب وروده خاص بالصلاة، ولكن اللفظ عام، وهو المعتبر، وقد عبر بقوله: "عليكم" مع أن المخاطب النساء طلبًا لتعميم الحكم، فغلّب الذكور على الإناث في الذكر.
قوله: "فوالله" فيه جواز الحلف من غير استحلاف، وقد يستحب إذا كان في تفخيم أمر من أمور الدين، أو حث عليه، أو تنفير من محذور.
قوله: "لا يَمَلُّ الله حتى تملُّوا" هو بفتح الميم في الموضعين، والمَلال استثقال الشيء، ونفور النفس منه بعد محبته، وهو محال على الله تعالى باتفاق، لأنه من صفات المخلوقين. قال المحققون: إن هذا الإطلاق من باب المشاكلة والازدواج، وهو أن تكون إحدى اللفظتين
стр. 812
موافقة للأخرى لفظًا، مخالفة لها معنى، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ قال القرطبي: وجه مجازه أنه تعالى لما كان يقطع ثوابه عمن يقطع العمل ملالًا، عبر عن ذلك بالملال من باب تسمية الشيء باسم سببه. وقال الهَرَويّ: لا يقطع عنكم فضله حتى تمَلُّوا سؤاله، فتزهدوا في الرغبة إليه. وقال غيره: معناه: لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم، وهذا كله بناء على أن حتى على بابها في انتهاء الغاية واعتبار مفهومها، وقيل بتاويلها، فقيل: إن معناها: إذا، أي: لا يمل الله إذا مللتم، وهو مستعمل في كلام العرب، كقولهم في البليغ: لا ينقطِعُ حتى تنقطع خصومه؛ لأنه لو انقطع حين ينقطعون لم تكن له عليهم مزَيّة، فالمعنى حينئذٍ أنه لا يمَلُّ. وقال المارَزِيّ: إن حتى هنا بمعنى الواو، فيكون المعنى: لا يمل وتَملون، فنفى عنه الملل، وأثبته إليهم. وقيل: حتى بمعنى حين، وكونه من باب المقابلة اللفظية أليق وأجرى على القواعد، ويؤيده ما وقع في بعض طرق حديث عائشة بلفظ: "اكلَفوا من العملِ ما تُطيقون، فإن الله لا يمَلُّ من الثواب، حتى تملوا من العمل" لكن في سنده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. وقال ابن حِبان في "صحيحه": هذا من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ للمخاطب أن يعرف القصد مما يخاطب به إلا بها، وهذا رأيه في جميع المتشابه.
وقوله: "أحبُّ" قال القاضي أبو بكر بن العربي: المحبة من الله تعلق الإرادة بالثواب، أي أكثر الأعمال ثوابًا. أدومُها.
وقوله: "إليه" أي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وصرح به المصنف في الرقاق، وفي رواية المُسْتَمْلي عند المصنف ورواية مسلم وإسحاق بن راهُوية: "إلى الله" وهذه موافقة لترجمة الباب، وليس بين الروايتين تخالف، لأن ما كان أحب إلى الله كان أحب إلى رسوله.
وقوله: "ما داوَمَ عليه صاحبُه" أي: وإن قل كما في رواية للمصنف ومسلم. قال النووي: بدوام القليل تتم الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص
стр. 813
والإقبال على الله تعالى، بخلاف الكثير الشاق حتى ينمو القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة. قال ابن الجوزيّ: إنما أحب الدائم لمعنيين، أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرض للذم، ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها، وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه. ثانيهما: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب كل يوم ووقت، كمن لازم يومًا كاملًا ثم انقطع، وهذا الحديث فيه من مزيد شفقته ﵊ ورأفته بأمته، حيث أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدوام عليه من غير مشقة، جزاه الله عنا ما هو أهله، والتعبير بأحب هنا يقتضي أن ما لم يداوم عليه صاحبه من الدين محبوبٌ، ولا يكون هذا إلا في العمل ضرورة لأن ترك الإيمان كفر، وفي الحديث الدلالة على استعمال المجاز، وفضيلة المداومة على العمل.
رجاله خمسة:
الأول محمد بن المثنى وقد مر في التاسع من كتاب الإيمان هذا.
والثاني يحيى بن سعيد القطان، وقد مر في السادس منه أيضًا، ومر هشام بن عروة، وأبوه عروة، وعائشة أم المؤمنين في الثاني من بدء الوحي.
وفي الحديث قلت فلانة ولم يسمها البخاري، وسماها مالك في "الموطأ"، ومسلم، وهي الحولاء بنت تُوَيْت بن حبيب بن أسد بن عبد العُزّى، وتُوَيْت -بضم التاء- مصغر، وكانت امرأة صالحة عابدة مهاجرة، وهي من وهي أمنا خديجة ﵂.
وهذا الحديث أخرجه مالك في "الموطأ"، ومسلم، والنسائي في الإيمان عن شعيب بن يوسف.
باب زيادة الإِيمان ونقصانه، وقول الله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص.
стр. 814
باب بالإضافة لتاليه قطعًا، وقد تقدم له قبل هذا بأبواب عديدة باب تفاضل أهل الإِيمان في الأعمال، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخُدْري بمعنى حديث أنس الذي أورده هنا، فتعقب عليه بأنه تكرار، وأجيب عنه بأن الحديث لما كانت الزيادة والنقصان فيه باعتبار الأعمال، أو باعتبار التصديق، ترجم لكل مني الاحتمالين، وخص حديث أبي سعيد بالأعمال لأن سياقه ليس فيه تفاوت في المَوْزُونات، بخلاف حديث أنس الآتي، ففيه التفاوت في الإيمان القائم بالقلب من وزن الشعيرة والبُرّة والذَّرّة.
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وإنما أعاد المصنف الآيتين المذكورتين في هذا الباب، وقد مرتا في أول كتاب الإيمان ليوطىء بهما معنى الكمال المذكور في الآية الثالثة، لأن الاستدلال بهما نصٌّ في الزيادة، وهو يستلزم النقص، وأما الكمال فليس نصًّا في الزيادة، بل هو مستلزم للنقص فقط، واستلزامه للنقص يستدعي قبوله الزيادة، ومن ثم قال المصنف: "فإذا تركَ شيئًا من الكمال فهو ناقص" ولهذه النكتة عدل في التعبير بالآية الثالثة عن أسلوب الآيتين، حيث قال أولًا: "وقول الله" وقال ثانيًا: "وقال"، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من اعترض عليه بأن آية: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ لا دليل فيها على مراده، لأن الإكمال إن كان بمعنى إظهار الحجة على المخالفين، أو بمعنى إظهار أهل الدين على المشركين، فلا حجة للمصنف فيه، وإن كان بمعنى إكمال الفرائض لزم عليه أنه كان قبل ذلك ناقصًا، وأن من مات من الصحابة قبل نزول الآية كان إيمانه ناقصًا، وليس الأمر كذلك؛ لأن الإيمان لم يزل تامًّا، ويوضح دفع هذا الاعتراض جواب أبي بكر بن العربي بأن النقص أمر نسبيّ، لكن منه ما يترتب عليه الذم، ومنه ما لا يترتب، فالأول ما نقصه بالاختيار، كمن علم وظائف الدين ثم تركها عمدًا، والثاني ما نقصه بغير اختيار، كمن لم يعلم أو لم يكلف، فهذا لا يُذم، بل يُحمد من جهة أنه كان قلبه مطمئنًا، بأنه لو زيد لقبِلَ، ولو كُلِّف لعَملَ، وهذا شأن الصحابة الذين ماتوا قبل نزول الفرائض، ومحصله
стр. 815
أن النقص بالنسبة إليهم صوريٌّ نسبيٌّ، ولهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى، وهذا نظير قول من يقول: إن شرع محمد أكمل من شرع موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، لاشتماله على ما لم يقع في الكتب التي قبله من الأحكام، ومع هذا فشرع موسى في زمانه كان كاملًا، وتجدد في شرع عيسى بعده ما تجدد، فالأكمليةُ أمر نسبي كما تقرر، وقد وقع الاستدلال بهذه الآية لسفيان بن عُيينة بنظير ما أشار إليه البخاري، أخرجه أبو نُعَيْم في "الحلية" في ترجمته عن عمرو بن عُثمان الرَّقّي، قال: قيل لابن عُيينةَ: إن قومًا يقولون: الإيمان كلامٌ، فقال: كان هذا قبل أن تنزل الأحكام، فأُمر الناس أن يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا دماءَهم وأموالهم، فلما علم الله صدقهم أمرهم بالصلاة، ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار، فذكر الأركان إلى أن قال: فلما علم الله ما تتابَع عليهم من الفرائضِ، وقبولهم، قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فمن ترك شيئًا من ذلكَ كسلًا أو مُجونًا أدّبناه عليه، وكان ناقص الإيمان، ومن تركها جاحدًا كان كافرًا.
وتبعه أبو عُبيد في كتاب "الإيمان" له، وزاد: إن بعض المخالفين لما أُلزم بذلك أجاب بأن الإيمان ليس هو مجموع الدين، إنما الدين ثلاثة أجزاء، الإيمان جزء، والأعمال جزءان لأنها فرائض ونوافل، وتعقبه بأنه خلاف ظاهر القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ والإِسلام حيث أطلق مفردًا دخل فيه الإيمان كما مر تقريره.
стр. 816
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَفِى قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَفِى قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَفِى قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ".
قوله: "يخرجُ من النارِ" بفتح أوله وضم الراء، ورُوي بالبناء للمجهول، ويؤيد هذه الرواية قوله في الرواية الأخرى: "أخْرِجوا".
وقوله: "من قال" في محل رفع على الوجهين، فعلى الأول على الفاعلية، وعلى الثاني على النيابة عن الفاعل، ومن موصولة، ولاحقها جملة صلتها.
قوله: "لا إله إلا الله" هو مقول القول، يعني مع قول: محمد رسول الله، فالجزء الأول علم على المجموع كـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ علم على السورة كلها، فتقول قرأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تريد جميع السورة، وفيه دليل على اشتراط النطق بالتوحيد، أو المراد بالقول النفسي، فالمعنى: من أقر بالتوحيد وصدق، فالإقرار لابد منه، وقد مر استيفاء الكلام على هذا في باب تفاضل أهل الإيمان.
وقوله: "وفي قلبه وزنُ شَعيرةٍ من خير" المراد بالخير الإيمان، كما في رواية أبان الآتية قريبًا، والمراد به الإيمان، بجميع ما جاء به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما مر مستوفى، والجملة في موضع الحال، والتنوين في خير للتقليل المرغب في تحصيله، لأنه إذا حصل الخروجُ بأقلِّ ما ينطلق عليه اسم الإيمان، فبالكثير منه أولى، وإنما عبر فيه بالوزن،
стр. 817
وهو إنما يُتصور في الأجسام دون المعاني لأنه شبه الِإيمان بالجسم، وأضافَ إليه ما هو من لوازمه وهو الوزن.
وقوله: "وزن بُرَّةٍ" بضم الموحدة وتشديد الراء المفتوحة، أي: القمحة، ومقتضاه أن وزن البُرة دون وزن الشعيرة، لأنه قدم الشعيرة، ثم تلاها بالبرة، ثم الذَّرة، وهو كذلك في بعض البلاد، وإن قيل: السياق بالواو، وهو لا ترتيب فيه، فالجواب أن رواية مسلم من هذا الوجه بلفظ "ثم" وهي للترتيب.
وقوله: "وزن ذَرَّة من خير" هي بفتح المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وصحَّفَها شعبة كما في مسلم، فقال: ذرة -بضم المعجمة وتخفيف الراء- وكأنه حمله على ذلك مناسبتها للشعيرة والبرة لكونها من الحبوب، والذَّرة، قيل: هي واحدة الذّر، وهو كما في "القاموس" صغار النمل، ومئة منها زنة حبة من شعير، ولغيره: إن أربع ذرات وزن خَرْدَلة، أو هو الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤوس الإبر، أو هو الساقط من التراب بعد وضع كفك فيه ونفضها. ورُوي عن ابن عباس أنه قال: إذا وضعتَ كفَّك في التراب، ثم نفضتها، فالساقط هو الذَّر. وقيل: هي أقل الأشياء الموزونة، وللمصنف في أواخر التوحيد: أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة، ثم من كان في قلبه أدنى شيء، وهذا معنى الذرة، فوزن الذَّرة هو التصديق الذي لا يجوز أن يدخله النقص، وما في البُرة والشعيرة من الزيادة على الذَّر فإنما هو من زيادة الأعمال التي يكمُلُ التصديق بها، وليست زيادة في نفس التصديق، قاله المهلب، وقال في "الكواكب": وإنما أضاف هذه الأجزاء التي في الشعيرة والبرة الزائدة على الذرة إلى القلب، لأنه لما كان الإيمان التام إنما هو قول وعمل، والعمل لا يكون إلا بينة وإخلاص في القلب، فلذا جاز أن ينسب العمل إلى القلب، إذ تمامُه بتصديق القلب. وقال ابن بَطّال: التفاوت في التصديق على قدر العلم والجهل، فمن قلَّ علمُه كان تصديقه مثلًا بمقدار ذَرة، والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار بُرة أو شعيرة، إلا أن التصديق
стр. 818
الحاصل في قلب كل واحد منهم لا يجوز عليه النقصان، وتجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة، وبالجملة فحقيقة التصديق واحدة لا تقبل الزيادة والنقصان، فليس المراد من هذه المقادير الإيمان الذي يُعبر به عن التصديق والإقرار، بل المراد به ما يوجد في قلوب المؤمنين من ثمرة الإيمان، وهو على وجهين: أحدهما: ازدياد اليقين وطمأنينة النفس؛ لأن تضافر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لعدمه، والثاني: أن يرادَ العمل، وأن الإيمان يزيد وينقص بالعمل، وينصر هذا الوجه قوله في حديث أبي سعيد: "لم يعمَلُوا خيرًا قطُّ" فإن قيل: التصديق القلبيُّ كافٍ في الخروج، إذ المؤمن لا يَخْلُدُ في النار، وأما قوله لا إله إلا الله فلإجراء أحكام الدنيا عليه، فما وجه الجمع بينهما؟ أُجيب بأن المسألة مختَلَفٌ فيها، فقال جماعة: لا يكفي مجرد التصديق، بل لابد من القول والعمل أيضًا، وعليه البُخاري، أو المراد بالخروج هو بحسب حكمنا به، أي الحكم بالخروج لمن كان في قلبه إيمان ضامًّا إليه عنوانه الذي يدُلُّ عليه، إذ الكلمة هي شِعار الإيمان في الدنيا، وعليه مدار الأحكام، فلابد منهما حتى يَصِحَّ الحكم بالخروج.
وما ذكره في الحديث من ذكر الشَّعيرة والبُرة والذَّرة هو من باب الترقي في الحكم، وإن كان من باب التنزل.
ومرت مباحث الحديث في باب تفاضل أهل الإيمان، وستأتي إن شاء الله تعالى زيادة لذلك عند حديث الشفاعة الطويل في الرقاق.
رجاله أربعة:
الأول: مسلم بن إبراهيم أبو عَمْرو البَصْرِيّ الأزْدِي مولاهم الفراهيدي.
قال ابن مَعين: ثقة صدوق. وقال ابن سَعْد: كان ثقةً كثير الحديث. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان من المتقنين. وقال ابن قاء: بصريّ صالح. وكان أتى عليه نيّف وثمانون سنة. وقال العِجْليّ: كان ثقةً عمي
стр. 819
بأخرة. وقال أبو زُرعة: سمعت مسلم بن إبراهيم يقول: ما أتيتُ حلالًا ولا حرامًا قطُّ. قال أبو حاتم: وكان لا يحتاج إليه. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال نصر بن علي: سمعت مسلم بن إبراهيم يقول: قعدت مرة أُذاكر شعبة عن خالد بن قيس، فقال: كِدت تلقى أبا هُريرة. وقال الفَضْلُ بن سَهْل: سمعت ابن مَعين يقدم مُسلم بن براهيم على مُعاذ بن هشام، ويقول: لا أجعلُ رجلًا لم يَرْوِ إلا عن أبيه كرجلٍ روى عن الناس. وقال أبو داود: روى مسلم بن إبراهيم عن قريبٍ من ألف شيخ، وقد قال: كتبت عن ثمان مئة شيخ، ما جزت الجسر. وقال أبو داود أيضًا: كان يحفظ حديث قُرَّة وهشام وأبان العطار يهذُّه هذًّا، وهو أحب إلينا من ابن كثير، كان ابن كثير لا يحفظ، وكانت فيه سَلاقة.
روى عن: عبد السلام بن شَدّاد، وجَرير بن حازِم، وأبان بن يَزيد، وشعبة، وصالح المُرِّي، وقرة بن خالد، وهمّام بن يحيى، وهشام الدَّسْتُوَائي، وجماعة.
وروى عنه البخاري، وأبو داود. وروى أبو داود أيضًا والباقون له بواسطة رجل، وروى عنه يحيى بن مَعين، وبُندار، وأبو زُرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن إسحاق الصَّنْعاني، وعمرو بن منصور النَّسائي، وغيرهم.
مات بالبصرة في صفر سنة اثنتين وعشرين ومئتين.
وليس في الستة مسلم بن إبراهيم سواه، وأما مسلم فكثير.
والفَراهِيدي في نسبه نسبة إلى فَرْهُود أبو بطن من الأزد، منهم الخليل بن أحمد العَرُوضِي النَّحْوِيّ، وهو فرْهودِي وفَراهِيدي.
رُوي عن الأصْمعي أنه قال: سألت الخليل بن أحمد: ممن هو؟ فقال من أزدِ عُمان، من فراهيد. قلت: وما فَراهيد؟ قال: جرو الأسد بلغة عمان، قال الرُّشَاطِي: في الأزد الفَراهِيد بن شَبّابة بن مالك بن فَهْم بن غُنْم بن دَوْس. وقال ابن دُريد: فَرْهود بن شَبّابة. وفي "البغية" هو
стр. 820
فراهيد بن مالك بن فَهْم بن عبد الله بن مالك بن نَضْر بن الأزْد، والفرهودُ لغةً الغليظ الناعم، وولد الأسد، وولد الوعل، والفراهيد صغار الغَنَم كأنه جمع فرهود.
والأزْدِيُّ في نسبه مر الكلام عليه في السادس من بدء الوحي.
الثاني: هشام بن أبي عبد الله الدَّسْتَوائي أبو بكر البَصْريّ الرَّبَعي، واسم أبيه سَنْبَر -بفتح المهملة والباء الموحدة بينهما نون ساكنة-.
قال أبو داود الطَيالسيّ: هشام الدَّسْتَوائي أمير المؤمنين في الحديث، وقال يزيد بن زُريع: كان أيوب قبل الطاعون يأمُرنا بهشام والأخذ عنه. وقال شُعبة: ما من الناس أحد أقول إنه طَلَب الحديث يريد به وجه الله تعالى إلا هشام، وكان يقول: ليتنا ننجو منه كفافًا. قال شعبة: فإذا كان هشام يقولُ هذا فكيف نحن؟ وقال أيضًا: كان أحفظ مني عن قتادة، وفي روايةٍ كان أعلم مني بحديث قتادة. وذكره ابن عَليَّة في حفاظ البصرة. وقال وكيع: حدثنا هشام، وكان ثبتًا. وقال ابن مَعين: كان يحيى بن سَعيد إذا سمع الحديثَ عن هشامٍ لا يُبالي أن لا يسمعه من غيره. وقال أبو حاتِم: حدثنا أبو نُعيم، حدثنا هشام الدَّسْتُوائي، وأثنى عليه خيرًا، قال: وما رأيتُ أبا نُعيم يحثُّ على أحدٍ إلا على هشام. وقال أبو حاتم أيضًا: سألت أحمد بن حَنْبل عن الأوْزاعِي والدَّستَوائي: أيُّهما أثبت في يحيى بن أبي كَثير؟ قال: الدَّسْتَوائي لا تسال عنه أحدًا، ما أرى الناس يروون عن أحد أثبت منه، أما مثله فعسى، وأما أثبت منه فلا. وقال أبو حاتم أيضًا: سألت ابن المديني: من أثبت أصحاب ابن أبي كثير؟ قال: هشام، قلت: ثم أيّ؟ قال: ثم الأوزاعيّ، وسمى غيره، قال: فإذا سمعتَ الحديث عن هشامٍ عن يحيى فلا تردْ به بدلًا. وقال صالح بن أحمد بن حَنْبل: قال أبي: هشام الدَّستَوائي أكثر في يحيى بن أبي كَثير من أهل البصرة، وفي رواية هو أرفعُ من شَيْبان. وقال ابن البَراء عن ابن المديني: ثبث. وقال ابن أبي حاتِم: سألت أبي وأبا زُرْعة: من أحب إليكما من
стр. 821
أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قالا: هشام، قالا: والأوزاعيُّ بعده، زاد عن أبي زُرعة، لأن الأوزاعي ذهبت كتبه. قال: وأثبت أصحاب قتادة هشام وسعيد. قال: وسئل أبي عن هشام وهَمّام أيُّهما أحفظ؟ فقال: هشام. وقال العِجْليّ: بصريٌّ ثقة ثبت في الحديث حجة، إلا أنه يرى القدر. وقال البزّار: الدَّسْتَوائي أحفظ من أبي هِلال. وقال أبو إسحاق الجُوزْجاني: كان ممن تكلم في القدر، وكان من أثبت الناس.
روى عن: قتادة، ويونس الإسْكاف، ويحيى بن أبي كثير، وعامر بن عبد الواحد الأحْول، ومطر الوَرّاق، وأبي الزبير، والقاسم بن عَوْف وحمّاد بن أبي سُليمان، وابن أبي نُجَيْح، وغيرهم.
وروى عنه: ابناه عبد الله ومعاذ، وشعبة هو من أقرانه، وابن المبارك، وابن مهدي، ويحيى القطان، وإسماعيل ابن عُلَيّة، والنَّضْر بن شُميْل، وأبو داود، وأبو الوليد الطّيالسيّان، ومُعاذ بن فَضَالة، وأبو نُعيم، ومُسلم ابن إبراهيم، وآخرون.
كان بينه وبين قَتَادة في المولد سبع سنين، ومات سنة اثنتين وخمسين ومئة عن ثمان وسبعين سنة، وقيل: سنة أربع أو ثلاث، وليس في الستة ابن أبي عبيد الله ولا ابن سَنْبر سواه، وأما هشام فكثير.
والرَّبَعيّ في نسبه محركة نسبة إلى ربيعة بن مَعْد بن عدنان أبو قبيلة عظيمة ذات قبائل وعمائر ويطون وأفخاذ، ويقال لهم: ربيعةُ الفَرَس، وإنما قيل لهم ذلك لأن ربيعة أعْطِي من ميراث أبيه الخيل، وأعطي أخوه مُضر الذهب، فسُمِّي مُضر الحمراء، وأعطي أخوهما أنمار الغنم، فسُمي أنمار الشاء، وفي عقيل ربيعتان، ربيعة بن عقيل أبو الخُلَعاء، أُمهم أُم أُناس بنت أبي بكر بن كلاب، كانوا لا يعطون الطاعة لأحد، والخُلَعاء الذين هم أولاد ربيعة هذا خمسة: رباح، وعمرو، وعامر، وعُوَيْمر، وكعب. قال الشاعر:
فلو كُنت من رَهْطِ الأصمِّ بن مالكٍ ... أو الخُلَعاءِ أو زُهيرٍ بَني عبسِ
стр. 822
اذا لزمت قيس وراء لي بالحصى ... وما أسلم الجاني لما جر بالأمس
والثاني: ربيعة بن عامِر بن عقيل وهو أبو الأَبْرص، وقحافة، وعرعرة، وقرة، وفي تميم ربيعتان الكبرى وهي ربيعة بن مالِك بن زَيْد مَناة بن تَميم وتدعى ربيعة الجوع، والصغرى وهي ربيعة بن حَنْظَلة بن مالِك بن زَيْد مناة بن تميم، وفي هوازِن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعة وهم بنو مجد، ومجدٌ أمهم وهي مجد بنت تميم بن غالب بن فِهْر.
والدستوائي في نسبه بفتح الدال والتاء بينهما سين ساكنة مهملة نِسبة إلى دَسْتَواء كُورة من كور الأهواز، كان يبيع الثياب التي تجلب منها، فنُسبَ إليها، وقيل: الدَّاستَواني -بالقصر والنون- مثل بَحْراني، والمشهور الأول، وضبطه السمعاني بضم التاء المثناة من فوق.
الثالث: قَتادة بن دِعامة، والرابع أنس بن مالِك، وقد مرّا في السادس من كتاب الإيمان هذا.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم بصريون، وكلهم أئمة أجِلاء، وهذا الحديث أخرجه المؤلف هنا وفي التوحيد عن مُعاذ بن فَضالة، ومسلم في الإيمان عن محمد بن المِنْهال، وغيره، والتِّرمِذي في صفة جهنم عن محمود بن غَيْلان، وقال: حسن صحيح اهـ.
قال أبو عبد الله. قال أبان: حدثنا قَتادة: حدثنا أنس، عن النبي ﷺ من إيمانٍ مكان خير.
وفائدة إيراد المصنف لهذا التعليق من جهتين، إحداهما: تصريح قتادة فيه بالتحديث عن أنس، لأن قَتادة مُدَلِّس لا يُحتجُّ بعنعنته إلا إذا ثبت سماعه للذي عنعن عنه، ثانيتهما: تعبيره في المتن بقوله: "من إيمان" بدل قوله: "من خير" فبين أن المراد بالخير هنا الإيمان، فإن قيل على الأولى لم لم يكتفِ بطريق أبان السالمة من التدليس ويسوقها
стр. 823
موصولة؟ فالجواب أن أبان وإن كان مقبولًا، لكن هشامًا أتقن منه وأضبط، فجمع المصنف بين المصلحتين.
والمراد بأبي عبد الله البُخاري نفسه، وهو من تعليقات البخاري، وقد وصله الحاكم في كتاب "الأربعين" من طريق أبي سلمة موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبان بن يزيد .. إلخ.
وأبان هو ابن يزيد العطار أبو يزيد البَصْرِيّ.
قال أحمد: ثبتٌ في كل المشايخ. وقال ابن مَعين: ثقة. وكان القطان يروي عنه، وكان أحب إليه من هَمّام، وهَمّام أحب إلي منه. وقال النسائي ثقة. وقال أبو حاتم: هو أحب إليّ من همّام في يحيى بن أبي كَثير. وقال أيضًا: هو أحب إلي من شَيْبان. وقال ابن المديني: كان عندنا ثقة. وقال العِجْليّ: بصري ثقة، وكان يرى القدر ولا يتكلم فيه. وقال أحمد: هو أثبت من عِمران القطان. وذكره ابن عَدي في "الكامل"، وأورد له حديثًا فردًا، ثم قال: له روايات، وهو حسن الحديث متماسك، يُكتب حديثه، وله أحاديث صالحة عن قَتادة وغيره، وعامتها مُستقيمة، وأرجو أنه من أهل الصدق. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وذكره ابن الجَوْزِيّ في "الضعفاء"، وحكى من طريق الكُدَيْميّ، عن ابن المديني، عن القطان قال: أنا لا أروي عنه ولم يذكر مَنْ وثقه، وهذا من عيوب كتابه، يذكر من طَعنَ في الراويّ، ولا يذكر من وثقه، والكُدَيْمي ليس بمعتمد، وقد أسلفنا قول ابن مَعين أن القطان كان يروي عنه فهو المعتمد. قال ابن حجر: لم يذكره أحد ممن صنف في رجال البخاري من القدماء، ولم أر له عنده إلا أحاديث معلقة في "الصحيح" سوى موضع واحد في المزارعة، فقال فيه البخاري: قال لنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا أبان، فذكر حديثًا، فإن كان هذا موصولاً فكان ينبغي للمِزِّي أن يُرقِّم لحماد بن سلمة رقم البُخاري في الوصل لا في التعليق، فإن البخاري قال في الرقاق: قال لنا أبو الوليد: حدثنا حمّاد بن سَلَمة، فذكر حديثًا.
стр. 824
روى عن يَحيى بن سعيد الأنْصاري، وهشام ابن عُروة، وعمرو بن دينار، وقتادة، ويحيى بن أبي كَثير، وعاصِم بن بَهْدلة، وغيرهم.
وروى عنه ابن المُبارك، والقطان، ومسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، ويزيد بن هارون، وأبو الوليد، وغيرهم.
وأبان وزنه فَعَال كغزال، فعلى هذا يكون منصرفًا، والهمزة فاء الكلمة أصلية، والألف زائدة وهو الصحيح، حتى قال بعضهم: لا يمنع صرفَ أبان إلا أتان، وقال ابن مالك: أبان لا ينصرف لأنه على وزن أفعل منقول من أبان يُبين، ولو لم يكن منقولًا لوجب أن يقال فيه: أبْيَن بالتصحيح.
مات بعد بضع وستين ومئة، وليس في الستة أبان بن يزيد سواه، وأما أبان بدون يزيد فهو تسعة.
стр. 825
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِى كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ أَىُّ آيَةٍ قَالَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾. قَالَ عُمَرُ قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِى نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
وقوله: "أن رجلًا من اليهود" هذا الرجال هو كعب الأحبار قبل أن يُسلم كما قاله الطبراني في "الأوسط" ومُسَدَّد في "مسنده"، والطبري في "تفسيره"، كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة، عن عُبادة بن نُسَيّ بضم النون وفتح المهملة عنه؛ وللمصنف في المغازي من طريق الثَّوري: "أن ناسًا من اليهود"، وله في التفسير من هذا الوجه بلفظ: "قالت اليهود" فيُحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة، وتكلم كعب على لسانهم، وكعب عرفناه في الحديث الخامس والعشرين والأربع مئه من المغازي.
وقوله: "آيةٌ في كتابكم" مبتدأ سَوَّغَ الابتداء به وصفه بما بعده، أو بالتعظيم المستفاد من التنوين، أي: آية عظيمة.
وقوله: "لو علينا" هو الخبر، أي: لو نزلت علينا، كقوله: ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ أي: لو تملكون أنتم؛ لأن لولا تدخل إلا على الفعل، فحذف الفعل لدلالة الفعل المذكور.
стр. 826
وقوله: "معشر اليهود" بالنصب على الاختصاص بأَعني ونحوه، والمعشر الجماعة شأنهم واحد.
وقوله: "لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا" أي: لعظمناه وجعلناه عيدًا لنا في كل سنة، لعظم ما حَصَل فيه من كمال الدين، والعيد فعْلٌ من العَوْد، وإنما سمي به لأنه يعود في كل عام.
وقوله: "أيُّ آية" أي: هي، فالخبر محذوف، ولم يقل: ما تلك الآية؟ لأن السؤال بأي عن تعيين المشارك، والمطلوب تعيين تلك الآية، وما يُسأل بها عن الحقيقة، وليست مرادة هنا.
وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد.
وقوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ أي: بالهداية والتوفيق، أو بإكمال الدين، أو بفتح مكة وهدم منارات الجاهلية.
وقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ أي: اخترته لكم من بين الأديان، وهو الدين عند الله.
وقوله: "قال عُمر" أي: ﵁، وفي رواية: "فقال عُمر".
وقوله: "الذي نزلت فيه على النبي" وفي رواية الأصيلي: "أُنزلت" وفي رواية: "على رسول الله".
وقوله: "وهو قائمٌ بعرفة" أي: والحال أنه قائم، وعرفة غير مصروف للعلمية والتأنيث، وفي رواية لمسلم زيادة: "والساعة التي نزلت فيها" وفي رواية أبوي ذرٍّ والوقت: "يوم الجمعة" بالتعريف، وإنما لم يمنع من الصرف على الأولى كما في عرفة لأن الجُمعة صفة أو غير صفة، وليس علمًا، ولوكانت علمًا لامتنع صرفها، وهي بضم الميم وفتحها وإسكانها،
стр. 827
فالمتحرك بمعنى الفاعل كضحَكة بمعنى كثير الضحك، والمسكن بمعنى المفعول كضُحكَة أي: مضحوك عليه، فالمعنى إما جامع للناس، أو مجموع له، وهذه قاعدة كلية، قال الناظم:
ورَجُلٌ ضُحكَةٌ كثيرُهُ ... وضُحْكةٌ يَضْحكُ منه غيرُهُ
وإنما لم يقل عمر: جعلناه عيدًا ليوافق جوابه السؤال، وإنما أجاب بمعرفة الوقت والمكان لما ثبت في "الصحيح" من أن النزول كان بعد العصر، ولا يتحقق العيد إلا من أول النهار، وقد قالوا: إن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة.
وفي "الفتح": وعندي أن هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلا فرواية إسحاق عن قَبيصة نصَّت على المراد، ولفظه: "نزلت يومَ جُمعة، يومَ عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد" لفظ الطبري والطبراني: "وهما لنا عيدان" وكذا عند الترمذي عن ابن عباس أن يهوديًّا سأله عن ذلك، فقال: نزلت في يوم عيدين، يوم جمعة. ويوم عرفة. فظهر أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا، وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيدًا لأنه ليلة العيد، وهكذا جاء في الحديث الآتي في الصيام: "شهرا عيدٍ لا ينقصان رمضان وذو الحجة" فسمى رمضان عيدًا لأنه يعقُبُه العيد.
وقال النووي: فقد اجتمع في ذلك اليوم فضيلتان وشرفان، ومعلوم تعظيمنا لكل منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم، فقد اتخذنا ذلك اليوم عيدًا فعظمناه، وعظمنا مكان نزول الآية.
فإن قيل: كيف دلت هذه القصة على ترجمة الباب وهي الزيادة والنقصان في الإيمان؟ فالجواب من جهة أنها بينت أن نزولها كان بعرفة، وكان ذلك في حجة الوداع التي هي آخر عهد البعثة حين تمت الشريعة وأركانها، وقد جزم السُّدِّيّ بأنه لم ينزل بعد هذه الآية شيء من الحلال والحرام.
стр. 828
رجاله ستة:
الأول: الحسن بن الصَبّاح -بتشديد الموحدة- ابن محمد البزّار أبو علي الواسطيّ البَغْدادي.
قال أحمد: اكتب عَنه ثقة صاحب سنة. وقال الخلال: قال أحمد: ما يأتي يوم على البزار إلا وهو يعمل فيه خيرًا. وقال أبو حاتم: صدوق، وكانت له جلالة عجيبة ببغداد، كان أحمد يرفع من قدره ويجِلُّه. وقال أبو قُريش محمد بن جُمعة: حدثنا الحسن بن الصبّاح، وكان أحد الصالحين. وقال النَّسائي في "أسماء شيوخه": بغدادي صالح. وقال في "الكنى": ليس بالقوي. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال السراج: كان من خيار الناس، وكان لا يخضِب. قال ابن حَجر: قول النّسائي في "الكنى" تليين خفيف.
وقد روى عنه البخاري وأصحاب السنن إلا ابن ماجه، ولم يكثر عنه البخاري.
روى عن ابن عُيينة، وأبي النَّضْر، ووكيع، والوليد بن مُسْلم، وزيد بن الحباب، وأحمد بن حَنْبل، وعلي بن المديني، وروْح بن عُبادة، وغيرهم.
وروى عنه البخاري، وأبو داود، والترمذي، وأبو بكر البزّار، وأبو بكر ابن أبي عاصم، وإبراهيم الحربي، والبغَوي، وابن صاعِد، والمحامِلِي خاتمة أصحابه، وجماعة.
مات سنة تسع وأربعين ومئتين.
وليس في الستة الحسن بن الصبّاح سواه، وأما الحسن فكثير.
والواسِطِي في نسبه مر الكلام عليه في الخامس من بدء الوحي، والبغداديُّ الذي فيه أيضًا مر في الرابع من كتاب الإيمان.
стр. 829
الثاني: جعفر بن عَوْن بن جعفر بن عَوْن بن حُريْث أبو عَوْن المَخْزومي الكوفي.
قال أحمد: رجل صالح ليس به بأس. وقال أبو أحمد، الفرّاء: قال لي أحمد: عليك بجعفر بن عَوْن. وقال ابن مَعين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حِبّان وابن شاهين في "الثقات". وقال ابن قانع في "الوفيات": كان ثقة.
روى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وهشام بن عُروة، ويحيى بن سعيد المَسعودي، وجماعة.
وروى عنه أحمد بن حَنْبل والحسن بن علي الحُلواني، وإسحاق بن راهُويه، وبُنْدار، وهارون الحمال، وابنا أبي شَيْبة، ومحمد بن أحمد بن أبي المثنى الموْصِلِي خاتمة أصحابه.
مات سنة ست ومئة وهو ابن سبع وثمانين سنة.
وليس في الستة جعفر بن عَوْن سواه، وأما جعفر فكثير.
والمَخْزومِي في نسبه مر الكلام عليه في الأول من كتاب الإيمان، ومر الكلام على الكوفي أيضًا في الثالث منه.
الثالث: عُتبة بن عبد الله بن عُتبة بن عبد الله بن مسعود أبو العُمَيْس -مصغر- الهُذَلي المَسْعوديّ الكوفي.
قال أحمد وابن مَعين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال علي بن المديني: له نحو أربعين حديثًا.
روى عن: أبيه، وعَوْن بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، وإياس بن سَلَمة بن الأكوع، وعامر بن عبد الله بن الزُّبير، وسعيد بن أبي بُردة، وطائفة.
стр. 830
وروى عنه ابن إسحاق وهو من أقرانه، وشُعبة، ووكيع، وعبد الواحد بن زياد، وجعفر بن عَوْن، وأبو نُعيم، وحَفْص بن غِياث، وغيرهم.
مات سنة عشرين ومئة.
وفي الستة عتبة بن عبد الله سواه اثنان، أحدهما: ابن عبد الله بن عتبة اليُحْمَدي -بضم المثناة التحتية- أبو عبد الله الأزْدِيّ. روى عن مالك وابن المبارك، وروى عنه النسائي ووثقه. والثاني: ابن عبد الله حِجَازي، وقيل: إنه ابن عُبيد الله، روى عن أسماء بنت عُميس حديثًا في الاستمشاء بالسنا، روى له الترمذي.
الرابع: قيس بن مُسلِم الجدَليّ العَدْواني أبو عَمْرو الكوفي.
قال علي عن يحيى: كان مُرجئيًّا، وهو أثبت من أبي قيس. وقال أحمد بن حَنْبل: ثقة في الحديث. وقال أحمد عن سفيان: كانوا يقولون ما رفع رأسه إلى السماء منذ كذا وكذا تعظيمًا لله تعالى. وقال ابن مَعين وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو داود: كان مرجئيًا. وقال النَّسائي: ثقة، وكان يرى الإرجاء. وعن أبي داود، عن شعبة أنه ذكره فجعل يُلَيِّنه. وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال ابن سَعْد: كان ثقة ثبتًا له حديث صالح. وقال العجليّ: كوفي ثقة. وقال يعقوب بن سُفيان: ثقة ثقة، وكان مرجيئًّا. روى عن طارق بن شِهاب، ومجاهد، والحسن بن محمد ابن الحنفية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جُبيْر، وغيرهم.
وروى عنه: الأعمش، وشعبة، والثوريّ، ومِسْعَر، ومالك بن مِغْوَل، وأبو العُمَيسْ، وإبراهيم بن محمد بن المُنتَشِر، والربيع بن لوط، وعُتبة ابن يَقْظان، وآخرون.
مات سنة عشرين ومئة.
وفي الستة قَيْس بن مسلم سواه واحد، وهو المَذْحِجيّ شامي روى
стр. 831
عن عُبادة بن الصامت، وروى عنه إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، وأما قيس فكثير.
والجَدَليّ في نسبه محركة نسبة إلى جَديلة بطن من قيس عَيْلان، وهم فَهْم وعدوان ابنا عمرو بن قيس عيلان، والجَدَليّ بطن أيضًا في الأزدْ، وهم بنو جَديلة بن معاوية بن عمرو بن عديّ بن عمرو بن مازن ابن الأزْد، وفي طيء أيضًا، وهم بنو جَديلة بنت سُبَيْع بن عمرو بن حُمَيْر أم جُنْدَب وحور ابني خارجة بن سعد بن فطرة بن طيء.
الخامس: طارق بن شِهاب بن عبد شَمْس بن سلمة بن هِلال بن عوف بن جُشَم بن زُفَر بن عمرو بن لُؤي بن رهم بن معاوية بن أحمس أبو عبد الله الأحْمسي البَجلِيّ صحابي رأى النبي ﷺ ، أدرك الجاهلية.
روى عنه قيس بن مسلم أنه قال: رأيت النبي ﷺ ، وغزوت في خلافة أبي بكر بإسناد حسن، وبه قال: قدم وقد بجيلة على النبي ﷺ فقال: "ابدؤوا بالأحْمَسيّين" ودعا لهم.
قال يحيى بن معين: ثقة. وقال العِجْلي: طارق بن شِهاب الأحْمَسي من أصحاب عبد الله، وهو ثقة.
روى عن النبي ﷺ مرسلًا، وعن الخلفاء الأربعة، وبلال، وحُذيفة، وخالد بن الوليد، وابن مسعود، وأبي موسى، وكعب بن عُجْرة، وغيرهم.
وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وقيس بن مُسلم، ومُخارق الأحْمَسيّ، وعلقمة بن مَرْثد، وسِماك بن حَرْب، وجماعة.
مات سنة اثنتين وثمانين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: أربع، وغلط من قال: سنة ثلاث وعشرين ومئة.
وليس في الستة طارق بن شِهاب سواه، وأما طارق فهو عشرة.
والأحْمَسيّ في نسبه مر الكلام عليه في الثالث من كتاب الإيمان،
стр. 832
ومرّ الكلام على البَجَليّ في التاسع والعشرين من كتاب الإيمان.
السادس: عمر بن الخطاب، وقد مر في الأول من بدء الوحي.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة. والإِخبار، وفيه رواية صحابي عن صحابي، وسنده ثلاثة منهم كوفيون.
أخرجه البخاري هنا، وفي المغازي عن محمد بن يوسف، وفي التفسير عن بُنْدار، وفي الاعتصام عن الحُميْدي، ومسلم في آخر الكتاب عن زُهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وغيرهما، والترمذي في التفسير عن ابن أبي عُمر، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الحج عن إسحاق بن إبراهيم.
باب الزكاة من الإِسلام وقوله ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ .
باب بالتنوين، وتجوز إضافته للاحقه.
وقوله: "من الإِسلام" أي: من شعبه مبتدأ وخبر، وإنما خص الزكاة بالترجمة لأن باقي ما ذكر في الآية والحديث قد أفرده بتراجم أخرى.
وقوله ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ أي: لأبي ذر ولغيره. وقول الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ وهو بالرفع والجر، أي: ما أمر أهل الكتاب في التوراة والإنجيل.
وقوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ حال، أي لا يشركون به شيئًا، فما أريد به وجه الله فقط إخلاص ما لم يَشُبْه ركونٌ أوحظٌّ كتطهره لله تعالى مع نية تبرده، وصومه لله تعالى بنية الحِمْية، ونحوها، أو يعتكف لله بمسجدٍ ويدفع مؤنة مسكنه، وهذه النية لا تحبطه لصحة حجه لله تعالى مع نية تجارة إجماعًا، فالإخلاص ما صفا عن الكدر وخلص من الشوائب،
стр. 833
والرياء آفة عظيمة تقلب الطاعة معصية، فالإخلاص رأس جميع العبادات.
وقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾ حال ثانية، وهو جمع حَنيف، والحَنفُ في الأصل الميل مطلقًا، ثم استعمل في الميل إلى الخير، وأما الميل إلى الشر فيسمى إلحادًا، والحَنيف المطلق هو الذي يكون متبرئًا عن أصول الملل الخمسة اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، وعن فروعها من جميع الاعتقادات الباطلة وتوابع ذلك، وهو مقام المتقين، فإذا ترقى العبد منه إلى ترك الشبهات خوفَ الوقوع في المحرمات فهو مَقام الورعين، فإذا زاد حتى ترك بعض المباحات خوفَ الوقوع في الشبهات فهو مقام الأوْرع والزاهد، فالآية جامعة لذلك كله.
وقوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ عطف على يعبدوا، وهو من عطف الخاص على العام، وخصهما بالذكر من بين العبادات لشرفهما، ولأنهما أعظم أركان الإِسلام، وقد مر عند الحديث الأول من كتاب الإيمان الكلام على معنى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وعلى معنى الصلاة والزكاة مستوفى.
وقوله: ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: دين الملة القيمة، وهو دين الإِسلام، والقيمة المستقيمة، وقد جاء قام بمعنى استقام في قوله تعالى: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]، أي: مستقيمة، فالقيِّمة صفة للجملة المقدرة.
стр. 834
الحديث التاسع والثلاثون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِى سُهَيْلِ ابْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ وَلاَ نفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ". فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ "لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "وَصِيَامُ رَمَضَانَ". قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ قَالَ "لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ. قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ "لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ".
قوله: "جاءَ رجل" هذا الرجل قيل: هو ضِمام بن ثعلبة، وقيل: غيره، ولم يسم، وضِمام يأتي تعريفه في الحديث الخامس من العلم. وقوله: "ثائر الرأس" مرفوع، صفة لرجل، أو منصوب على الحال، ولا تضر إضافته لأنها لفظية، أي: متفرق شعر الرأس من عدم الرفاهية لقرب عهده بالوفادة، فحذف المضاف الذي هو الشعر للقرينة العقلية، أو أطلق اسم الرأَس على الشعر، إما لكونه نبت منه، كما يطلق اسم السماء على المطر، وإما مبالغة بجعل الرأس كأنها المُنتفشة على حد: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] ونَجْد بفتح النون وسكون الجيم ما ارتفع من تِهامة إلى أرض العراق، وهو ما بين جُرَش وسواد الكوفة، وحدُّه من الغرب الحجاز.
وقوله: "نسمعُ دويَّ صوته ولا نفقه ما يقول" بالنون في نسمع ونفقه، ونصب دوي وما الموصولة على المفعولية، وروي يسمع ويفقه بالياء
стр. 835
التحتانية مبنيّان لما لم يُسمَّ فاعله، ودويّ وما نائبان، والدوي بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء هو شدة الصوت وبعدُه في الهواء، فلا يُفهم منه شيء، وحكي فيه ضم الدال، والصواب الفتح.
وقوله: "فإذا هو يسأل عن الإِسلام" أي: عن شرائعه، ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإِسلام، وإنما لم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها، أو علم أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية، أو ذكرها ولم ينقلها الراوي لشهرتها، وإنما لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض بعد، أو الراوي اختصره، ويؤيد هذا الثاني ما أخرجه المصنف في كتاب الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر في هذا الحديث، قال: فأخبره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بشرائع الإِسلام، فدخَّل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات.
وقوله: "خمس صلوات في اليوم والليلة" خمس بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هو خمس، أو منصوب بخُذْ مقدر، ويجوز الجر بدلًا من الإِسلام، وفي رواية إسماعيل بن جعفر المذكورة أنه قال في سؤاله: أخْبِرْني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: "الصلوات الخمس"، فتبين بهذا مطابقة الجواب للسؤال، ويستفاد من سياق مالك أنه لا يجب شيء من الصلوات في كل يوم وليلة غير الخمس، خلافًا لمن أوجب الوتر، أو ركعتي الفجر، أو صلاة الضحى، أو صلاة العيد، أو الركعتين بعد المغرب.
وقوله: "هل على غيرها؟ " مبتدأ مؤخر وخبر مقدم، وقوله قال: "لا إلاَّ أن تَطَّوَّعَ" تطوع بتشديد الطاء والواو، أصله تتطوع بتاءين، فأدغمت إحداهما، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما، واستدل بهذا على أن الشروع في التطوع يوجب إتمامه تمسكًا بالأصل من أن الاستثناء متصل، وبه قالت المالكية والحنفية، وقرر القرطبي من المالكية وجه الاتصال بأنه في الحديث نفي وجوب شيء آخر إلا ما تُطُوعَ به، والاستثناء من النفي إثبات، ولا قائل بوجوب التطوع، فتعين أن يكون المراد إلا أن
стр. 836
تَشْرع في تطوع، فيلزمك إتمامه، واستدلوا من خارج بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ وبأنهم اتفقوا على أن حج التطوع يلزم بالشروع، وبما أخرجه أحمد في "مسنده" من حديث عائشة ﵂ قالت: أصبحتُ أنا وحفصةُ صائمتين، فأُهديت لنا شاةٌ، فأكلنا فدخل علينا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخبرناه، فقال: "صوما يومًا مكانه" والأمر للوجوب، فدل على أن الشروع ملزم، وبما رواه الدّارقطني عن أم سَلَمة أنها صامت يومًا تطوعًا، فأفطرت، فأمرها النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم أن تقضي يومًا مكانه.
وقالت الشافعية: إن التطوع لا يجب بالدخول فيه، لكن يستحب إتمامه، وجعلوا الاستثناء في هذا الحديث منقطعًا، قائلين: إن الاستثناء فيه من غير الجنس؛ لأن التطوع لا يقال فيه عليك، فكأنه قال: لا يجب عليك شيءٍ، لكن إن أردت أن تطَّوّع فذلك لك، واستدلوا على انقطاعه بما رواه النَّسائي أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان أحيانًا ينوي صومَ التطوع، ثم يُفطر. وفي "البخاري" أنه أمر جُوَيرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شَرعَت فيه. قالوا: فدل على أن الشروع في العبادة لا يَسْتلزم الإتمام إذا كانت نافلة بهذا النص في الصوم، وبالقياس في الباقي، وأجابوا عن وجوب الحج بالشروع فيه بأنه امتاز عن غيره بلزوم المُضِيِّ في فاسده، فكيف في صحيحه؟! وكذلك امتاز بلزوم الكفارة في نفله كفرضه.
وأجاب الأوَّلون عن حديث النسائي بأنه لا يدُلُّ على أنه ﵊ ترك القضاء بعد الإفطار، وإفطاره قد يكون لعذرٍ، وعن حديث جُويرية بأنها صامت تطوعًا بغير إذن الزوج، والزوج له إفطار الزوجة إذا صامت صوم تطوع بغير إذنه، أو صوم قضاء مع سَعَة الزمان، ولكن استدلال الحنفية باتصال الاستثناء في هذا الحديث فيه نظر، لأنهم لا يقولون بفرضية الإتمام بل بوجوبه، واستثناء الواجب من الفرض منقطعٌ لتباينهما عندهم، ولأن الاستثناء من النفي عندهم ليس للإثبات، بل
стр. 837
مسكوتٌ عنه، والواجب من النفل بالشروع عند المالكية محصورٌ في قول القائل:
صلاةٌ وصومٌ ثم حجٌّ وعمرةٌ ... طوافٌ عُكوفٌ بالدُّخول تَحتَّما
وفي غيرِها كالوَقْف والطُّهْر خَيِّرنْ ... فمَنْ شاءَ فَلْيقْطَعْ ومن شاء تمّما
قوله: "وذكرَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الزكاة" في رواية إسماعيل بن جَعْفر: "قال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة، قال: فأخبره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بشرائع الإِسلام" فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أُجملت منها بيان نُصُب الزكاة، فإنها لم تُفَسر في الروايتين، وكذا أسماء الصلوات، وكأن السبب فيه شهرة ذلك عندهم، أو القصد بيان أن المتمسك بالفرائض ناجٍ وإن لم يفعل النوافل.
وقوله: "والله" في رواية إسماعيل بن جعفر: "فقال: والذي أكرَمَك".
وقوله: "لا أزيدُ على هذا ولا أنْقُص" قيل: معناه: قبلت كلامك قبولًا لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق القبول، أو: لا أزيد على ما سمعت ولا أنْقُصُ منه عند الإبلاغ؛ لأنه كان وافد قومه ليتعلم ويعلمهم، لكن يُعكر عليهما رواية إسماعيل بن جعفر حيث قال: "لا أتطوعُ شيئًا ولا أنقُصُ ممّا فرض الله على شيئًا" أو المراد لا أغير صفة الفرض، كمن ينْقُص الظهر مثلًا ركعة، أو يزيد المغرب.
وقوله: "أفلح إن صدقَ" في رواية إسماعيل بن جعفر عند مسلم: "أفلح وأبيه إن صدق أو دخل الجنة وأبيه إن صدق"، ولأبي داود مثله، لكن بحذف أو، فإن قيل: ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحلف بالآباء؟ أجيب بأن ذلك كان قبل النهي، أو بأنها كلمة جارية على اللسان، لا يقصد بها الحلف كما جرى على لسانهم: عَقْرَى حَلْقَى وما أشبه ذلك، وهذان هما أقوى الأجوبة. وقيل: فيه إضمار اسم الرب، كأنه
стр. 838
قال: وربِّ أبيه. وقيل: هو خاص، ويحتاج هذا إلى دليل، وحكى السُّهيْلي أنه تصحيفٌ والله، فقَصُرتِ اللامان، وأنكره القرطبي، وقال: إنه يَخرُمُ الثقة بالروايات الصحيحة. وغَفَلَ القَرافِي فادّعى أن الرواية بلفظ وأبيه لم تصح؛ لأنها ليست في "الموطأ". وكأنه لم يرتض الجواب، فعدل إلى ردِّ الخبر، وهو صحيح لا مرية فيه. وقال ابن بَطّال: دل قوله: "أفْلَحَ إن صدق" على أنه إن لم يصدُق فيما التزم لا يُفْلح، وهذا يرد على المرجئة، أفلح أي: فاز أو ظفِرَ، واستشكل كونه أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر، وهو لم يذكر له جميع الواجبات ولا المنهيات ولا المندوبات، وأجيب بأن ذلك كله داخلٌ في عموم قوله: "فأخبره بشرائع الإِسلام" المشار إليه سابقًا، الآتي للمصنف في الصيام.
فإن قيل: أما فلاحه بأنه لا ينْقُص فواضح، وأَما بأن لا يزيد فكيف يصِحُّ؟ أجاب النووي بأنه أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحًا، لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى، فإن قيل: فكيف أقرَّه على حَلفه وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرا؟ أجيب بأن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والاشخاص، وهذا جار على الأصل من أنه لا إثم على غير تارك الفرض، فهو مفلح وإن كان غيره أفلح منه.
وفي الحديث أن السفر والارتحال لتعلم العلم مشروعٌ، وجواز الحلف من غير استحلافٍ ولا ضرورة اهـ.
رجاله خمسة:
الأول إسماعيل بن أبي أُويس، وقد مر في الخامس عشر من كتاب الإيمان.
ومر الإِمام مالك في الثاني من بدء الوحي، ومر أبو سُهيل وأبوه مالك في السادس والعشرين من كتاب الإيمان.
стр. 839
الخامس: طلبة بن عُبَيْد الله بن عُثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيم بن مرة بن كعب بن لُؤي بن غالب أبو محمد القُرَشيّ التَّيْميّ، وأمه الصَّعْبة بنت الحَضْرميّ امرأة من اليمن، وهي أخت العلاء بن الحضرميّ، واسم الحضرمي عبد الله بن عماد بن ربيعة. وهو أحد العشرة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإِسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وقد نظم الناظم الذين أسلموا أولًا فقال:
أولُ الناسِ بالنبيِّ اقتداءً ... أمُّ أبنائه الكرامِ الجدودِ
فعَليُّ ثم ابنُ حارثةَ الكلْـ ... ـبيُّ زيدُ مولى النبيُّ الرشيدِ
ثمَّ إذا آمن العتيقُ دعا النا ... سَ فجاءت عصابةٌ كالفريدِ
وهي عثمانُ والزبيرُ وسعدٌ ... وابن عوفٍ وطلحةُ بن عُبيْدِ
يجتمع مع النبي ﷺ في الجد السابع مثل أبي بكر.
وسبب إسلامه فيما رُوي عنه قال: حضرت سوق بُصرى فإذا راهبٌ في صومعته، يقول: سلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحدٌ من أهل الحرم؟ قال طلحة: نعم أنا. قال: هل ظهر أحمد؟ قلت: ومَنْ أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرُجُ فيه، وهو آخر الأنبياء، ومخرجه من الحرم، ومُهاجَرُه إلى نخلٍ وحَرَّة وسِباخٍ، فإياك أن تُسبق إليه، فوقع في قلبي، فخرجت سريعًا حتى قدمت مكة، فقلت: هل كان من حدث؟ قالوا: نعم محمد الأمين قد تنبّأ وتبعه ابن أبي قُحافة، فخرجت حتى أتيت أبا بكر، فخرج بي إليه، فأسلمت، فأخبرته بخبر الراهب.
كان ﵁ أبيض يضربُ إلى العمرة، مربوعًا إلى القصر أقْرَبَ، رحب الصدر، بعيد ما بين المنْكِبيْن، ضخم القدمين، إذا التفت التفت جميعا، كثير الشعر ليس بالجَعْد ولا بالسَّبْط، حسن الوجه، دقيق العِرْنين، إذا مشى أسرع، وكان لا يغير شيبه.
стр. 840
شهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ ما عدا بدرًا كسعيد بن زيد، وقد ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره فيها، وسبب تخلفه عنها أنه كان في تجارة بالشام، وقدم بعد رجوع النبي ﷺ من بدر، وقيل: إن النبي ﷺ بعثه هو وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر، ثم قدما على المدينة يوم بدر، وقد وهم البخاري في قوله: إن سعيد بن زيد ممن حضر بدرًا، وهو من العصابة الذين بايعوا النبي ﷺ يوم أحد على الموت حين انهزم المسلمون، فصبروا وبذلوا نفوسهم دونه حتى قُتل من قتل منهم، وكان فيمن بايع على ذلك أبو بكر وعمر وطلحة والزبير وسعد وسَهْل بن حُنَيْف وأبو دُجانة، ولما رمى مالك بن زهير النبي ﷺ وقاه طلحة بيده من الضربة التي قُصد بها وجهُهُ الكريم، فأصابت خِنصِره، فقال حين أصابته: حَسْ حَسْ أو صَرْ صَرْ، فقال رسول الله ﷺ : "لو قال بسمِ الله لدخل الجنةَ والناس ينظرون". وفي رواية: "لرأيت بناءَك الذي بني اللهُ لك في الجنة وأنتَ في الدنيا" قيل: جُرح في ذلك اليوم خمسًا وسبعين جراحة، وكان الصّديق ﵁ إذا ذَكر أحدًا قال: ذلك يوم كُلُّه لطلحة، وكان رسول الله ﷺ يوم أحد نهض إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان قد ظاهر بين دِرْعين، فلما ذهب لينهض لم يستطع، فجلس تحته طلحة، فنهض حتى استوى، فقال: "أوجبَ طلحةُ" ويقال كما لابن السَّكَن: إنه تزوج أربع نسوة، كل واحدة منهن عند النبي ﷺ أختها: أم كُلثوم بنت أبي بكر الصديق أخت عائشة ﵄، وحَمْنَة بنت جَحْش أخت زينب، والنّازِعة بنت أبي سُفْيان أخت أم حبيبة، ورُقَيّة بنت أبي أمية أخت أم سَلَمة.
وعن قَبيصة بن جابر أنه قال: صحبتُ طلحة، فما رأيت رجلًا أعطى لجزيل ماله من غير مسألة منه.
وسمع علي ﵁ رجلًا ينشد:
فتىً كانَ يُدنيهِ الغنى من صديقِه ... إذا ما هُو اسْتغْنى ويُبْعِده الفقرُ
стр. 841
فقال: ذلك أبو محمد طَلحة بن عُبيد الله ﵀.
ومر رسول الله ﷺ في غزوة ذي قَرَد على ماء يقال له: بيسانٌ مالحٌ، فقال: هو نعمانٌ طيبٌ، فغير اسمه، وغير الله صفته، فاشتراه طلحة وتصدق به، فقال له رسول الله ﷺ : "ما أنتَ يا طلحةُ إلا فياضٌ" فلذلك قيل له: طلحة الفياض، ويقال له: طلحة الخير، وطلحة الجواد.
ولما آخى النبي ﷺ بين أصحابه قبل الهجرة آخى بينه وبين الزُّبير، ولما آخى بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبين أبي أيوب، وقيل: آخى بينه وبين كعب بن مالك، وروي أن النبي ﷺ نظر إليه، فقال: "من أرادَ أن ينظرَ إلى شهيدٍ يمشي على وجه الأرض، فَلْينظر إلى طلحة".
وروى أبو بُردة عن مسعود بن خِراش، قال: بينا أنا أطوف بين الصفا والمروة، فإذا أناس كثير يتبعون أناسًا، فنظرت، فإذا شابٌّ موثق يده إلى عنقه، فقلت: ما شأن هؤلاء، فقالوا: هذا طلحة بن عُبيد الله قد صَبَأ. شهد الجمل محاربًا لعليّ.
وروى صالح بن كَيْسان أن عليًّا ﵁ قال في خطبته حين نهوضه إلى الجمل: إن الله فرض الجهاد، وجعلني نصرته وناصره، وما صلحت دنيا ولا دين إلا به، وإني مُنيتُ بأربعة أدهى الناس وأسخاهُم طلحة، وأشجع الناس الزُّبير، وأطوع الناس في الناس عائشة، وأسرع الناس إلى فتنة يَعْلى بن مُنْية، والله ما أنكروا عليَّ شيئاً منكرًا، وما استأثرت بمال، وما مِلْت بهوىً، وإنهم ليطلبون حقًا تركوه، ودمًا سفكوه، ولقد وُلّوه دوني وإن كنت شريكهم في الإنكار لما أنكروه، وما تَبعةُ عثمان إلا عندهم، وإنهم لهم الفئة الباغية، بايعوني ونكثوا بيعتي، وما استبانوا فيَّ حتى يعرِفوا جَوْري من عدلي، وإني لراضٍ بحجة الله عليهم، وعلمه فيهم، وإني مع هذا لداعيهم ومعذر، فإن قبلوا فالتوبة مقبولة والحق أولى ما انصرف إليه، وإن أبَوْ أعطيتهم حد السيف، وكفى
стр. 842
به شافيًا من باطل، وناصرًا للحق، والله إن طلحة والزبير وعائشة ليعلمون أني على الحق، وهم مبطلون.
ورُوي عن علي أيضًا أنه قال: والله لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. وروي عن أبي حَبيبةَ مولى طلحة، قال: قدمت على علي بعدما فَرَغ من أصحاب الجمل مع عِمران بن طلحة، فرحب به، وأدناه، وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله تعالى فيهم ﴿ونزعنا ... إلخ﴾.
وزعم بعض أهل العلم أن عليًّا دعاه، فذكره أشياء من سوابقه وفضله، فرجع عن قتاله على نحو ما فعل الزُّبير، واعتزل في بعض الصفوف، فرماه مروان بن الحكم بسهم فأصاب ركبته، فجعل الدم يسيلُ، فإذا أمسكوه أمسك، وإذا تركوه سال، وكانوا إذا أمسكوا فم الجرح انتفخت ركبته، فقال: دعوه، فإنما هو سهم أرسله الله تعالى، فمات منه.
وعن قيس بن أبي حازِم قال: كان مروان مع طلحة والزبير يوم الجمل، فلما شبَّ الحرب، قال: لا أطلب بثأري بعد اليوم، فرماه، ولما أصابه التفت إلى أبان بن عُثمان، وقال له: قد كفيناك بعض قتلةِ أبيك، وذلك أن طلحة فيما زعموا كان مِمّن حاصر عثمان واشتد عليه.
ولم يختلف العلماء الثقات أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة، وكان في حزبه.
روى ابن سعد عن أبي جَنَاب الكَلْبيّ قال: حدثني شيخٌ من كلب، قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: لولا أن أمير المؤمنين مروان أخبرني أنه قتل طلحة، ما تركت أحدًا من ولد طلحة إلا قتلته بعثمان.
وعن عبد الملك بن أبي مَرْوان، قال: دخل موسى بن طلحة على
стр. 843
الوليد، فقال له الوليد: ما دخلت عليَّ قطٌّ إلا هممت بقتلك، لولا أن أبي أخبرني أن مروان قتل طلحة.
ورُوي أن طلحة يوم الجمل قال:
ندِمتُ ندامةَ الكُسَعيِّ لَمّا ... شَرَيْتُ رضى بني جَرْم بِرَغْمي
اللهم خذ مني لعثمان حتى يرضى.
روي له ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديثين منها، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة.
روى عن: أبي بكر، وعمر.
وروى عنه أولاده محمد وموسى وعيسى ويحيى وعمران وإسحاق، وعائشة، وابن أخيه عبد الرحمن بن عثمان، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وقيس بن أبي حازِم، والسّائب بن يزيد، ومالك بن أوس بن الحَدَثَان، وعبد الله بن شدَّاد بن الهاد، وأبو سَلمة بن عبد الرحمن، وقيل: لم يسمع منه، وغيرهم.
وكانت وقعة الجمل التي مات فيها لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين عن أربع وستين سنة، وقيل: اثنتين وستين، وقيل: ثمان وخمسين. وقبره بالبصره.
قال ابن قُتيبة: دفن بقنطرة قرة، فرأته ابنته في المنام بعد ثلاثين سنة يشكو إليها النَّداوة، وقيل: الذي رآه مولىً له رآه ثلاث ليال كأنه يشكو له البرد، فنُبش، فوجدوا ما يلي الأرض من جسده مخضرًّا، وقد تحاصَّ شعره، فاشتروا له دارًا من دور أبي بَكْرة، بعشرة آلاف درهم، فدفنوه بها، وتسمى تلك الدار دار الهجرتين بالبصرة، وقبره مشهور يزار، خلَّف من الدراهم ألف ألف، ومن الذهب ألفي ألف ومئتي ألف دينار. وقال ابن
стр. 844
عُيينة كانت غلة طلحة ألفي وافٍ كل يوم، والواقي وزنه وزن الدينار، وعلى وزن دراهم فارس التي تعرف بالبغلية اهـ.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بالجمع والإفراد والسماع والعنعنة، ورجاله كلهم مدنيون، وهو مسلسل بالأقارب لأن إسماعيل يروي عن خاله عن عمه عن أبيه عن حليفه طلحة بن عُبيد الله فهو مسلسل بالأقارب والبلد، وكون مالك بن أبي عامر لم يرو عن طلحة غير صحيح لا يُلتفت إليه لثبوت سماعه منه ومن غيره كعثمان بن عفان اهـ.
أخرجه البخاري هنا وفي الشهادات عن إسماعيل بن أبي أُوَيْس بهذا الإسناد، وفي الصوم، وفي ترك الحيل عن قُتيبة، ومسلم في الإيمان عن قُتيبة أيضًا، وأبو داود في الصلاة عن القَعْنَبِيّ، والنسائي فيها أيضًا عن قُتيبة، وفي الصوم عن علي بن حجر، وفي الإيمان عن محمد بن سلمة اهـ.
باب اتِّباعُ الجنائز من الإِيمان
باب بالتنوين.
وقوله: "من الإِيمان" أي شعبة من شعبه، ختم المصنف معظم التراجم التي وقعت له من شعب الإيمان بهذه الترجمة، لأن ذلك آخر أحوال الدنيا، وآخر ترجمة أداء الخمس من الإيمان لمعنى سيذكر هناك، والجنائز جمع جَنازة -بفتح الجيم وكسرها- الميت، أو بالفتح للميت وبالكسر للنعش، أو عكسه، أو بالكسر النعش وعليه الميت اهـ.
стр. 845
الحديث الأربعون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِىُّ، قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ "مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا أو يَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ".
قوله: "من اتّبع" هو بالتشديد، وفي رواية الأصيلي تَبعَ بحذف الألف وكسر الموحدة، وقد تمسك بهذا اللفظ من قال إن المشي خلفها أفضل، وهو قول الأوْزاعيّ وأبي حنيفة ومن تبعهما، ولا حجة لهما فيه لأنه يقال: تبعه إذا مشى خلفه، أو إذا مر به فمشى معه، وكذلك اتّبعه بالتشديد وهو افتعل منه، فهو مقول بالاشتراك، وأما أتْبَعهُ بالإسكان فهو بمعنى لحقه إذا كان سبقه، ولم تأت به الرواية هنا، وتمسكوا أيضًا بما رواه سعيد بن منصور وغيره عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: المشي خلفها أفضل من المشي أمامها، كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفَذّ، وإسناده حسن، وهو موقوف له حكم الرفع، لكن حكى الأثْرم أن أحمد تكلم في إسناده، والجمهور على أن المشي أمامها أفضل، لأن مشيعها شفيع، والشفيع إنما يكون إمام المشفوع.
وأخرج أصحاب "السنن" من حديث ابن عُمر أنه يكون أمامها، ورجاله رجال الصحيح، إلا أنه اختُلف في وصله وإرساله، وصححه ابن حِبّان، لكن الشافعية لم يفرقوا بين أن يكون المشيع ماشيًا أو راكبًا، وفصلت المالكية فقالوا: إن الراكب يتأخر عنها لانحطاطه بسبب الركوب عن رتبة الماشي، والماشي يتقدمها لما أخرجه أصحاب "السنن"،
следующие страницы →