Полный текст (6 753 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
ولا يرد على هذا إضافة الإبل لهم، لأنها إضافة اختصاص لا ملك على هذا، والغالب أن الراعي يرعى لغيره بالأجرة، وأما المالك فقَلَّ أن يباشر الرعي بنفسه. وعلى الثاني: فوصف الِإبل بالبهم، أي: السود، لأنها شر الألوان عندهم، وخيرها الحمر التي ضرب بها المثل، فقيل: خير من حمر النعم.
وفي رواية مسلم: "رعاء البَهْم" -بفتح الباء- وهي صغار الغنم من الضَّأْن والمعز، وفي رواية للأصيلي كذلك، لكنها لا تتجه مع ذكر الإِبل، وإنما تتجه مع ذكر الشياه، أو مع عدم الإضافة كما في مسلم. وقوله في التفسير: "وإذا كانت الحفاة العراة رؤوس الناس" زاد الإسماعيلي: "الصم البكم"، وقيل لهم ذلك مبالغة في وصفهم بالجهل، أي: لم يستعملوا أسماعهم ولا أبصارهم في شيء من أمر دينهم، وإن كانت حواسهم سليمة.
وقوله: "رؤوس الناس" أي: ملوك الأرض، كما صرح به الإسماعيلي، والمراد بهم البادية، كما صرح به سليمان التَّيْمي، قال: ما الحفاة العراة؟ قال: العُرَيْب: وهو بالعين المهملة على التصغير. وفي الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: "من انغلاب الدين تفصُّحُ النَّبَط، واتخاذهم القصور في الأمصار".
قال القرطبي: المقصود الإخبار عن تبدل الحال، بأن يستولي أهل البادية على الأمر، ويتملكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به. قال: وقد شاهدنا ذلك في هذا الزمان.
ولو حضر زماننا هذا لرأى ما هو أفظع من ذلك، وهذا كله عبارة عن ارتفاع الأسافل كالعبيد ورعاة الإبل، وما أحسن قول القائل:
إذا التَحَقَ الأسافلُ بالأعالي ... فقَدْ طابَتْ منادمةُ المنايا
стр. 912
وقال البيضاوي: بلوغ الغاية منذر بالتراجع المؤذن بأن القيامة ستقوم كما قيل:
وعند التّناهي يقصُرُ المتطاولُ
ومن هذا المعنى الحديث الآخر: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعدَ الناس بالدنيا لكعُ ابن لكع" ومنه: "إذا وسِّدَ الأمر -أي أُسند- إلى غير أهله، فانتظر الساعة" وكلاهما في "الصحيح".
وقوله: "في خمس" الجار متعلق بمقدر: وهو داخل، أي: علم وقت الساعة داخل في جملة خمس، كما في قوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ أي: اذهب إلى فرعون بهذه الآية في تسع آيات، فالمحذوف: اذهب، وفي رواية عطاء الخُراساني عند أبي نُعَيم في "الحلية": "قال: فمتى الساعة؟ قال: هي في خمس لا يعلمها إلا الله".
قال القرطبي: لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس لهذا الحديث، وقد فسر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ بهذه الخمس، وهو في "الصحيح" قال: فمن ادعى علم شيء منها غير مسنده إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان كاذبًا في دعواه. قال: وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي، وليس ذلك بعلم.
وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على تحريم أخذ الأجرة والجعل وإعطائها في ذلك.
وأخرج حَميد بن زَنْجويه عن بعض الصحابة أنه ذكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره، فأنكر عليه، فقال: إنما الغيب خمس، وتلا هذه الآية، وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم.
وفي "شرح المناوي الكبير": خمس لا يعلمهن إلا الله، أي: على
стр. 913
وجه الإحاطة والشمول كليًّا وجزئيًّا، فلا ينافيه إطلاع الله تعالى بعض خواصه على بعض المغيبات، حتى من هذه الخمس، لا على وجه الإحاطة والشمول، بل على وجه الإجمال.
وقوله: "ثم تلا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية" أي: تلاها إلى آخر السورة، إلى قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾، وأما ما وقع عند المؤلف في التفسير، من قوله: "إلى الأرحام" فهو تقصير من بعض الرواة، والسياق يرشد إلى أنه تلا الآية كلها، وقد تضمن هذا الجواب زيادة على السؤال، للاهتمام بذلك، إرشادًا للأمة، لما يترتب على معرفة ذلك من المصلحة. فإن قيل: ليس في الآية أداة حصر كما في الحديث، أجاب الطيبي بأن الفعل إذا كان عظيم الخطر، وما ينبني عليه الفعل رفيع الشأن، فُهِم منه الحصر على سبيل الكناية، ولاسيما إذا لوحظ ما ذكر في أسباب النزول من أن العرب كانوا يدعون علم نزول الغيث، فيشعر بأن المراد من الآية نفي علمهم بذلك، واختصاصه بالله .
وسبب نزول هذه الآية ما أخرجه ابن المنذر والبَغَوي والواحدي والثَّعْلَبي عن عكرمة، أن رجلًا يقال له: الحارث بن عَمرو، جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا محمد: متى قيام الساعة؟ وقد أجدبت بلادُنا فمتى تخصُب؟ وقد تركت امرأتي حُبلى فما تلد؟ وقد علمت ما كسبتُ اليوم فماذا أكسب غدًا؟ وقد علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت؟ فنزلت هذه الآية.
والنكتة في العدول عن الإثبات إلى النفي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وكذا التعبير بالدراية دون العلم للمبالغة والتعميم، إذ الدراية اكتساب علم الشيء بحيلة، فإذا انتفى ذلك عن كلل نفس مع كونه من مختصاتها، ولم تقع منه على علم، كان عدم اطلاعه على علم غير ذلك من باب أولى.
стр. 914
وقد قال القسطلاّني: إن الله إِذا أمر بالغيث وسَوْقه إِلى ما شاء من الأماكن، علمته الملائكة الموكلون به، ومن شاء سبحانه من خلقه ، وكذا إذا أراد ﵎ خلق شخص في رحم، يعلِّمُ سبحانه الملك الموكل بالرحم بما يريد جل وعلا، كما يدل عليه ما أخرجه البخاري، عن أنس، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "إن الله تعالى وكَّلَ بالرحمِ ملكًا، يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة، فإذا أراد الله تعالى أن يقضي خلقه، قال: أذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، فما الرزق والأجل، فيكتب في بطن أمه، فحينئذ يعلم ذلك الملك، ومن شاء تعالى من خلقه" وهذا لا ينافي الاختصاص والاستئثار بعلم المذكورات، لأن المراد بالعلم الذي استأثر به سبحانه العلم الكامل بأحوال كل على التفصيل كما مر، وما يعلم به الملك، ويطلع عليه بعض الخواص دون ذلك العلم الكامل.
قلت: ومن هذا القبيل ما رُوي عن أبي بكر في مرض موته، من قوله لعائشة رضي الله تعالى عنهما: وإنما هما أخواك وأختاك، ولم تكن عائشة عالمة حينئذ إِلا بأخت واحدة، وهي أسماء، وكانت بنت خارجة زوجة أبي بكر رضي الله تعالى عنه حاملًا بأم كلثوم، فلما ولدت علمت مراد أبي بكر رضي الله تعالى عنه بقوله: أختاك، ولما قالت له: ما هي إلا أسماء فمن الأخرى؟! قال لها: ذو بطن بنت خارجة، ما أظنها إلا أنثى. فكان كذلك، وبنت خارجة اسمها حبيبة، وهذا الأثر أخرجه في "الموطأ" بقصته في باب ما لا يجوز من النحل في الأقضية.
وقوله: "ثم أدبر، فقال: ردوه، فلم يروا شيئًا" وفي التفسير: "فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئًا" ففيه أن الملك يجوز أن يتمثل لغير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فيراه، ويتكلم بحضرته، وهو يسمع، وقد ثبت عن عِمران بن حُصَين أنه كان يسمع كلام الملائكة.
وقوله: "جاء يعلِّمُ الناسَ دينَهم" في التفسير: "ليعلم"،
стр. 915
وللإسماعيلي: "أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا"، وفي رواية أبي فَرْوَة فيما مر: "والذي بعث محمدًا بالحق، ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل" وفي حديث أبي عامر عند أحمد: "ثم ولى، فلم نر طريقه، قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: سبحان الله، هذا جبريل، جاء يعلم الناس دينهم، والذي نفسُ محمد بيده، ما جاءني قطُّ إلا وأنا أعرفه، إلا أن تكون هذه المرة"، وفي رواية سليمان التَّيْمِي: "ثم نهض، فولى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: علي بالرجل، فطلبناه كل مطلب، فلم نقدر عليه، فقال: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده ما شُبِّهَ عليَّ منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولّى".
وقول ابن حِبّان: إن سليمان التيمي تفرد بقوله: "خذوا عنه" فيه أنه إنما تفرد بالتصريح، لأن قوله ﵊ في الروايات الآخر: "جاء يعلم الناس دينهم" فيه إشارة إلى هذه الزيادة، وفي هذه الروايات أنه ﵊ ما عرف أنه جبريل إلا في آخر الحال، وأن جبريل أتاه في صورة رجل حسن الهيئة، غير معروف لديهم، فما وقع في رواية النسائي من قوله: "وإنه لجبريل نزل في صورة دِحْيَة الكَلْبي" وهم وغلط، لأن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر فيما مر: "ما يعرفُهُ منّا أحد" واتفقت هذه الروايات أيضًا على أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخبر الصحابة بشأنه بعد أن التمسوه فلم يجدوه، فما وقع عند مسلم وغيره من حديث عمر في رواية كَهْمس: "ثم انطلق، قال عمر: فلبثت مليًّا، ثم قال: يا عمر: أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل" وفي رواية النسائي والترمذي: "فلبثت ثلاثًا" وفي رواية أبي عوانة: "فلبثنا ليالي، فلقيني رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ثلاث" ولابن حبان: "بعد ثالثة"، ولابن مَنْده: "بعد ثلاثة أيام" فقد جمع النووي بين الأحاديث المذكورة، بأن عمر لم يحضر قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في المجلس، بل كان ممن قام إمّا مع الذين
стр. 916
توجهوا في طلب الرجل، أولشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له، فأخبر ﵊ الحاضرين في الحال، ولم يتفق الإخبار لعمر إلا بعد ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: "فلقيني"، وقوله: "فقال لي: يا عمر"، فوجه الخطاب له وحده، بخلاف إخباره الأول، وهو جمع حسن.
وفي قوله: "يعلمكم دينكم" دلالة على أن السؤال الحسن يسمى علمًا وتعليمًا، لأن جبريل لم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذلك فقد سماه معلمًا، وقد اشتهر قولهم: حسنُ السؤال نصف العلم، ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث، لأن الفائدة فيه انبنت على السؤال والجواب معًا.
وقال القُرطبي: هذا الحديث يصلح أن يقال له: أم السنة، لما تضمنه من جمل علم السنة.
وقال الطيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي كتابيه "المصابيح" و"شرح السنة" اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة، لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالًا.
وقال القاضي عِياض: اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ابتداء وحالًا ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه.
وقوله: "قال أبو عبد الله" جعل ذلك كله من الإيمان، وأبو عبد الله المراد به البخاري نفسه، وقد قال في أول الباب: "فجعل ذلك كله دينًا"، أما جعله دينًا فظاهر من قوله ﵊ في الحديث: "جاء يعلم الناس دينهم"، وأما جعله إيمانًا، فكلمة "من" إمّا تَبْعيضيّة، والمراد بالإيمان هو الإيمان الكامل المعتبر عند الله تعالى، وعند الناس، فلا شك أن الإِسلام والإحسان داخلان فيه، وإما ابتدائية، ولا يخفى أن مبدأ
стр. 917
الإحسان والإِسلام هو الإيمان بالله، إذ لولا الإيمان به لم تتصور له العبادة.
وقوله: "فجعل ذلك كله دينًا" لا يدل على اتحاد الإِيمان والإِسلام، بل يدل على أن الدين اسم لمجموع هذه الثلاثة، وقوله الأخير: "جعل ذلك كله من الإيمان" دال على اتحادهما، وهذه مسألة اختلف العلماء فيها، وقد ذكرت طرفًا من الكلام فيها في أول كتاب الإيمان، وها أنا أذكر هنا حاصل ما ذكره في "الفتح".
فقد نقل أبو عُوانة الإسفراييني في "صحيحه" عن المُزَني صاحب الشافعي الجزم بأنهما عبارة عن معنى واحد، وأنه سمع ذلك منه، وعن الإِمام أحمد الجزم بتغايرهما، ولكل من القولين أدلة متعارضة.
وقال الخطابي: صنف في المسألة إمامان كبيران، وأكثرا من الأدلة للقولين، وتباينا في ذلك، والحق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، يعني: مطلقًا، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا.
قال في "الفتح": ومقتضاه أن الإِسلام لا يطلق على الاعتقاد والعمل معًا، بخلاف الإيمان، فإنه يطلق عليهما معًا، ويرد عليه قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فإن الإِسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معًا، لأن العامل غير المعتقد ليس بذي دين مرضي، وبهذا استدل المزني، وأبو محمد البغوي، فقال في الكلام على حديث جبريل هذا: جعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الإِسلام هنا اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذاك لأن الأعمال ليست من الإيمان، ولا لأن التصديق ليس من الإِسلام، بل ذاك تفصيل لجملة اسمها شيء، وجماعها الدين، ولهذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم: "أتاكُم يعلمكم دينكم" وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ولا يكون الدين في محل الرضى والقبول إلا بانضمام التصديق.
стр. 918
والذي يظهر من مجموع الأدلة أن لكل منهما حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكِنْ كل منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلمًا كاملًا إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا إلا إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإِسلام أو العكس، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معًا، فهو على سبيل المجاز، ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معًا في مقام السؤال حُمِلا على الحقيقة، وإن لم يردا معًا، أو لم يكن في مقام سؤال، أمكن العمل على الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن، وقد حكى ذلك الإِسماعيلي عن أهل السنة والجماعة، قالوا: إنهما تختلف دلالتهما بالاقتران، فإن أُفرد أحدهما دخل الآخر فيه، وعلى ذلك يحمل ما حكاه محمَّد بن نصر، وتبعه ابن عبد البر عن الأكثر أنهم سوَّوْا بينهما على ما في حديث عبد القيس، وما حكاه اللالَكائي وابن السَّمعاني عن أهل السنة أنهم فرقوا بينهما على ما في حديث جبريل.
قلت: والحق أنهما متحدان مقصدًا مختلفان مفهومًا، ولأجل ما في هذا الحديث من الفوائد الشرعية أشبعت الكلام فيه، وما ذكرته فيه قليل بالنسبة لما تضمنه.
رجاله خمسة:
الأول مسدّد وقد مر في السادس من كتاب الإيمان هذا.
ومر إسماعيل بن علية في الثامن أيضا.
ومر أبو زُرعة هرِم في التاسع والعشرين منه.
ومر أبو هُريرة في الثاني منه أيضًا.
والثالث: من السند يحيى بن سعيد بن حيان أبو حيان التَّيْمي الكوفي العابد من تَيْم الرَّباب.
قال الخُرَيْبيّ: كان سفيان الثوري يعظمه ويوثقه. وقال محمَّد بن فُضَيْل: حدثنا أبو حيان التيمي، وكان صدوقا. وقال ابن معين: ثقة.
стр. 919
وقال العِجْليّ: ثقة صالح مبرز صاحب سنة. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: كان من المتهجدين. وقال مسلم: كوفي من خيار الناس. وقال النَّسائي: ثقة ثبت وقال الفلّاس: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة مأمون.
روى عن أبيه، وعمه يزيد بن حَيّان، وأبي زُرعة بن عمرو بن جرير، والشعبي، والضحاك، وغيرهم.
وروى عنه: أيوب السُّخْتِياني ومات قبله، والأعمش -وهو من أقرانه-، والثوري، وشعبة، ووُهَيْب بن خالد، وابن عُلية، وهُشيم، وابن المبارك، ويحيى القطان، وآخرون.
مات سنة خمس وأربعين ومئة.
ويحيى بن سعيد في الستة سواه أربعة، وفي الرواة غير ما في الستة ثلاثة.
والتَّيْميّ في نسبه مر الكلام عليه في الثاني من كتاب الإيمان.
ومر الكلام أيضًا على حِبّان وحَيّان في الثالث والعشرين من كتاب الإيمان، وحيَان إما مشتق من الحياة فلا ينصرف، أو من الحين فينصرف أهـ.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة.
ومنها أن إسماعيل بن إبراهيم ذكره البخاري في باب حب الرسول من الإيمان منسوبًا إلى أمه وذكره هنا منسوبًا إلى أبيه، وهذا دليل على كمال ضبط البخاري وأمانته، حيث نقل لفظ الشيوخ بعينه، فأداه كما سمعه.
ومنها أن فيه أبا حيان وهو غير تابعي، وروى عنه تابعيان كبيران، أيوب والأعمش.
стр. 920
وهذا الحديث أخرجه البخاري هنا وفي التفسير عن إسحاق بن إبراهيم، وفي الزكاة مختصرًا عن عبد الرحيم، ومسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره، وابن ماجه في السنة بتمامه، وفي الفتن ببعضه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو داود في السنة عن عثمان، عن جرير، والنسائي في الإيمان عن محمد بن قُدامة، وفي العلم عن إسحاق بن إبراهيم مختصرًا من غير ذكر سؤال السائل، ومسلم من حديث عمر بن الخطاب ولم يخرجه البخاري لاختلاف فيه على بعض رواته، وأبو داود عنه في السنة يزيد وينقص، والترمذي في الإيمان، وقال: حسن صحيح.
ثم قال المصنف: "باب"
كذا هو بلا ترجمة في رواية كريمة وأبي الوقت، وسقط لفظ باب من لفظ أبي ذرٍّ والأصيلي، ورجح النووي الأول، قائلًا: إن الترجمة -يعني سؤال جبريل عن الإيمان- لا يتعلق بها هذا الحديث، فلا يصح إدخاله فيه.
قال في "الفتح": نفي التعلق لا يتم هنا على الحالتين، لأنه إن ثبت لفظ باب بلا ترجمة فهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، فلا بد له من تعلق به، وإن لم يثبت فتعلقه به متعين، لكنه يتعلق بقوله في الترجمة: "جعل ذلك كله دينًا" ووجه التعلق أنه سمى الدين إيمانًا في حديث هرقل المذكرر في الباب هنا، فيتم مراد المؤلف يكون الدين هو الإيمان.
قلت: الحديث الأول فيه أن الدين يطلق على الثلاثة، وحديث هرقل دل على أن الإيمان يطلق على الدين، لقوله فيه: "وكذلك الإيمان" بعد قوله: "سخطة لدينه" فلم يتحد المراد من الحديثين، فإن قيل: لا حجة فيه لأنه منقول عن هرقل، وهو غير مؤمن، فالجواب: إنه لم يقله من قِبَل رأيه، وإنما رواه عن الكتب السالفة من كيتب الأنبياء، وفي شرعهم كان الإيمان دينًا، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، وأيضًا فهرقل قاله بلسانه الرومي، وأبو سفيان عبر عنه بلسانه العربي، وألقاه إلى ابن عباس، وهو من علماء اللسان، فرواه عنه، ولم ينكره، وتداولته العلماء، فدل على أنه صحيح لفظا ومعنى.
стр. 921
الحديث الرابع والأربعون
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، لاَ يَسْخَطُهُ أَحَدٌ.
اعلم أن هذا الحديث قد استوفينا الكلام عليه في بدء الوحي، إلا أنه هنا فيه بعض اختلاف في الألفاظ أشير إليها.
قوله: "هل يزيدون أم ينقصون"، في الرواية السابقة: "أيزيدونَ" بالاستفهام بالهمزة، وهو القياس، لأن أم المتصلة مستلزمة للهمزة، وأجيب بأن أم هنا منقطعة، أي: بل أينقصون، فيكون إضرابًا عن سؤال الزيادة، واستفهامًا عن النقصان، على أن الزَّمَخْشري أطلق أنها لا تقع إلا بعد الاستفهام، وهو أعم من الهمزة.
وقوله: "فزعمت"، وفي السابقة: "فذكرت".
وقوله: "وكذلك الإيمان حتى يتم" وفي السابقة: "وكذلك أمر الإيمان".
وقوله: "وسألتك هل يرتد"، وفي السابقة: "أيرتد" بالهمزة.
وقوله: "لا يَسخَطه أحد" بفتح المثناه التحتية، والخاء المعجمة، ولم يذكر هذين اللفظين في الرواية السابقة.
стр. 922
هذا ما ظهر لي من تغيرات الألفاظ، واقتصر هنا على هذه القطعة من جملة الرواية السابقة، لتعلقها بغرضه هنا، وهي تسمية الدين إيمانًا، ونحو هذا الحذف يسمونه خَرْمًا، وقد مر الكلام على الاقتصار على بعض الحديث مستوفى في الثاني والعشرين من كتاب الإيمان، هذا والظاهر أن الخرم وقع من الزُّهري أو غيره لا من البخاري، لاختلاف شيوخ الإسنادين بالنسبة إلى المؤلف، ولعل شيخه ابن حمزة لم يذكر في الاستدلال على كون الإيمان دينًا إلا هذا القدر، وإنما يقع الخرم لاختلاف المقامات والسياقات، ففيما مرَّ بيان كيفية الوحي، وذلك يقتضي ذكر الكل، ومقام الاستدلال يقتضي الاختصار.
رجاله سبعة:
الأول: إبراهيم بن حمزة بن محمَّد بن حمزة بن مُصْعَب بن عبد الله ابن الزبير بن العوّام أبو إسحاق القُرَشيّ الأسَديّ المدني.
قال ابن سعد: ثقة صدوق، كان يأتي الرَّبَذة كثيرًا، فيقيم بها ويتجر ويشهد العيدين بالمدينة. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النّسائي: ليس به بأس. وسُئِل أبو حاتم عنه وعن إبراهيم بن المُنْذِر فقال: كانا متقاربين، ولم يكن لهما تلك المعرفة بالحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
قال ابن سعد: لم يجالس مالك بن أنس. قال ابن حَجَر: لكن حديثه عنه في الرواة عن مالك للخطيب.
روى عن إبراهيم بن سعد، وابن أبي حازم، والدَّراوَرْدي وأبي ضَمْرة، وغيرهم.
وروى عنه البُخاري، وروى هو والنسائي عنه بواسطة، والذُّهلي، وأبو زُرْعة، وأبو حاتم، وأبو إسماعيل التِّرمذي، وإسماعيل القاضي، وغيرهم.
стр. 923
مات بالمدينة سنة ثلاثين ومئتين.
وفي الستة إبراهيم بن حمزة سواه واحد، وهو ابن حمزة بن سليمان أبو إسحاق، روى عن زيد بن أبي الزرقاء.
الثاني: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وقد مر في السادس عشر من كتاب الإيمان هذا.
والثالث: صالح بن كَيْسان، وقد مر في السابع من بدء الوحي.
ومر ابن شهاب الزُّهري في الثالث منه أيضًا.
ومر عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود في السادس من بدء الوحي أيضًا.
ومر ابن عباس وأبو سفيان بن حرب في الخامس منه أيضًا.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة ورواته كلهم مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين.
ومنها أن فيه بين البخاري والزُّهري ثلاثة أنفس، وفي الحديث المتقدم بينهما شيخان أبو اليمان، وشُعَيْب بن أبي حَمْزة.
ومرّ ذكر من أخرجه في السابع من بدء الوحي.
ثم قال المصنف:
باب فضل من استبرأ لدينه
أي: هذا باب فضل، فباب خبر مبتدأ محذوف، مضاف لفضل، أي: فضل الذي طلب البراءة لأجل دينه من الذم الشرعي، أو من الإثم، فاللام في لدينه أجلية، ويحتمل عندي وهو الظاهر أن تكون للتعدية، أي طلب براءة دينه من الذمّ والإثم، والمراد بالدين هنا ما في حديث أبي
стр. 924
هريرة السابق من أنه الإيمان والإِسلام والإحسان، واكتفى بالدين عن أن يقول لعرضه ودينه لأن الاستبراء للدين لازم للاستبراء للعرض.
ووجه المناسبة بين البابين من حيث أن المذكرر في الباب الأول بيان الإيمان والإِسلام والإحسان، وأن ذلك كله دين، والمذكور هاهنا الاستبراء للدين الذي يشمل الثلاثة، ولا شك أن الاستبراء للدين من الدين.
стр. 925
الحديث الخامس والأربعون
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِى الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِى الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِىَ الْقَلْبُ".
قد ادّعى أبو عمرو الداني أن هذا الحديث لم يروه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غير النعمان بن بشير، فإن أراد من وجه صحيح فمُسَلَّم، وإلا فقد رواه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عمر وعمار، وفي "الكبير" له عن ابن عباس، وفي "الترغيب" للأصبهاني من حديث واثلة، وفي أسانيدها مقال.
وادعى أيضًا أنه لم يروه عن النعمان غير الشعبي، وليس كما قال، فقد رواه عن النعمان أيضًا خَيْثَمة بن عبد الرحمن عند أحمد، وغيره، وعبد الملك بن عُمير عند أبي عَوانة وغيره، وسِماك بن حَرْب عند الطّبراني، لكنه مشهور عن الشعبي، رواه عنه جم غفير من الكوفيين، وعبد الله بن عَوْن من البصريين.
قوله: "الحلال بينٌ، والحرام بينٌ" أي: في عينهما ووصفهما، يعني: أنهما ظاهران بالنظر إلى ما دل عليهما بلا شبهة.
وقوله: "وبينهما مُشَبَّهات" أي: أمور مشبهات -بتشديد الموحدة
стр. 926
المفتوحة- أي: شبهت بغيرها مما لم يتبين به حكمها على التعيين، وفي رواية الأصيلي: "مشتَبِهات" -بتاء مفتوحة وموحدة مكسورة- أي: اكتسبت الشبهة من وجهين متعارضين، وفي رواية الدارِميّ: "متشابهات" وفي رواية الطَّبرَيّ: "متَشَبِّهات" -بفتح المثناه الفوقية والشين المعجمة وتشديد الموحدة المكسورة- وفي رواية "مُشْبِهات" بضم الميم وسكون الشين المعجمة وكسر الموحدة الخفيفة.
قال العيني: والكل من اشتبه الأمر إذا لم يتضح، ويقال: اشتُبه إذا أشكل، ومنه ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ وقوله: "لا يَعْلَمُها كثير من النَّاسِ" أي: لا يعلم حكمها أمن الحلال هي أم من الحرام كثير من الناس، وجاء واضحًا في رواية الترمذي: "لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام"، ومفهوم قوله: "كثير" أن معرفة حكمها ممكن للقليل من الناس، وهم المجتهدون إما بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة، ولم يكن نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد وألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فالمشبهات على هذا في حق غيرهم، وقد يقع لهم، حيث لا يظهر ترجيح لأحد الدليلين.
واختلف في حكم الشُّبُهات، فقيل: التحريم، وهو مردود، وقيل: الكراهة، وقيل: الوقف، وهو كالخلاف في الأشياء قبل ورود الشرع، والأصح عدم الحكم بشيء؛ لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع، وقيل: الحل والإباحة، وقيل: المنع، وقيل: الوقف. وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات أربعة أشياء:
الأول: تعارض الأدلة.
ثانيها: اختلاف العلماء وهي منتزعة من الأولى. قلت: الفرق بينهما أن الأول تعارضت الأدلة وتكافأت. والثاني ما فيه خلاف من غير نظر إلى تكافىء الأدلة.
ثالثها: أن المراد بها مسمى المكروه، لأنه يَجْتَنِبُه جانبا الفعل والترك.
стр. 927
رابعها: المباح الذي هو من قسم خلاف الأولى، بأن يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته، راجح الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج.
قال في "الفتح": والذي يظهر لي رجحان الوجه الأول، لما أخرجه المصنف في البيوع عن الشعبي في هذا الحديث: "فمن تركَ ما شبه عليه من الإثم كانَ لما استبانَ له أَترَك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم، أو شك أن يواقع ما استبان" ثم قال: ولا يبعد أن يكون كل من الأوجه مرادًا، ويختلف ذلك باختلاف الناس، فالعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز الحكم، فلا يقع له ذلك إلا في الاستكثار من المباح أو المكروه كما يأتي قريبًا، ودونه تقع له الشبهة في جميع ما ذكر بحسب اختلاف الأحوال، ولا يخفى أن المستكثر من المكروه تصير فيه جرأة على ارتكاب المنهي في الجملة، أو يحمله اعتياده ارتكاب المنهي غير المحرم على ارتكاب المنهي المحرم إذا كان من جنسه، أو يكون ذلك لشبهة فيه، وهو أن من تعاطى ما نهي عنه يصير مظلم القلب لفقدان نور الورع، فيقع في الحرام، ولو لم يختر الوقوع فيه.
وقوله: "فمن اتّقى المشبّهات" أي: حذر منها، والاختلاف في لفظها بين الرواة نظير التي قبلها، لكن عند مسلم والإسماعيلي: "الشُّبُهات" بالضم، جمع شبهة.
وقوله: "أستبرأ لدينه وعرضه" استبرأ بالهمزة بوزن استفعل من البراءة، أي برَّأَ دينه من النقص، وعرضه من الطعن فيه، لأن من لم يعرف باجتناب الشبهات، لم يسلم من قول من يطعن فيه. وللأصيلي: "لعرضه ودينه".
وفي الحديث دليل على أن من لم يتوق الشبهة في كسبه ومعاشه فقد عرض نفسه للطعن فيه، وفي هذا إشارة إلى المحافظة على أمور الدين، ومراعاة المروءة.
قلت: المحافظة على الدين والعرض وغيرهما من تمام الكليات الست التي هي: النفس، والعمل والنسب، والمال واجبة في كل ملة
стр. 928
من ملل الرسل المتقدمين، وهي مترتبة في آكدية الوجوب، فآكدها حفظ الدين، ولهذا وجب قتل من ارتد عن الدين، ويليه حفظ النفس ولذا أوجب الله القصاص حفظًا لدماء المسلمين، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ويلي ذلك حفظ العقل، ولذلك أوجب الله الحد على شارب الخمر، ويلي ذلك حفظ النسب ولذلك أوجب الله الحد على الزاني، ويلي ذلك حفظ المال، ولذلك أوجب الله القطع في السرقة وفي المحاربة أو القتل أو الصلب، والعرض والمال في مرتبة واحدة، ولأجل وجوب حفظ العرض أوجب الله حد القذف على من رمى مسلمًا بالغًا عفيفًا بالزِّنى أو نفاه عن أبيه أو جده، ونظم في مراقي السعود الأمور الستة مشيرًا إلى ترتيبها بقوله:
دينٌ ونفسٌ ثم عقلٌ نَسَبُ ... مالٌ إلى ضرورةٍ تنتسبُ
فرتِّبَنْ ولْتعطِفَنْ مساويا ... عِرْضًا على المالِ تكُنْ مُوافِيا
فحِفظُها حتمٌ على الإنسانِ ... في كلِّ شِرْعَةٍ منَ الأديانِ
والعِرْض -بكسر العين-: النفس وجانب الرجل الذي يصونه من نفسه وحَسَبه أن يُنتقص ويُثلب، أو سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره أَو موضع المدح والذم، أو ما يُفْتَخَر به من حسب وشرف، وقد يُراد به الآباء والأجداد والخليقة المحمودة إلى غيره.
وبفتح العين عرض الأعمال يوم القيامة، وضد الطول، ومفرد العروض.
وبالضم الجانب والناحية، يقال في عُرض هذا الحائط، أي: في جانبه وناحيته. ونظم بعضهم هذه المعاني فقال:
العَرضُ ضدُّ الطولِ والعَرضُ غدا ... ومفردُ العَروض فتحُهُ بدا
والعِرْضُ بالكسرِ بمعنى النفسِ ... والضم للجانبِ دونَ لَبْسِ
وقوله: "ومن وقع في الشبهات" فيه أيضًا ما تقدم من اختلاف الرواة.
وقوله: "كراع يرعى حول الحمى" وقع في جميع نسخ البخاري هكذا
стр. 929
محذوف جواب الشرط إن أعربت مَنْ شرطية، وقد ثبت المحذوف في رواية الدارمِيّ عن أبي نُعَيْم شيخ البخاري فيه، فقال: "ومَنْ وقع في الشُّبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى". ويمكن إعراب مَنْ في سياق البخاري موصولة، فلا يكون فيه حذف، إذ التقدير: والذي وقع في الشبهات مثل راعٍ يرعى، والأول أولى لثبوت المحذوف في "صحيح" مسلم وغيره من طريق زكريّاء التي أخرجه المؤلف منها، وعلى هذا فقوله: "كراع يرعى" جملة مستأنفة وردت على سبيل التمثيل، للتنبيه بالشاهد على الغائب.
والحمى: المَحْمِى، أطلق المصدر على اسم المفعول. وفي اختصاص التمثيل بذلك نكتة، وهي أن ملوك العرب كانوا يحمون لمراعي مواشيهم أماكن مختصة كانوا يستعوون كلبًا على موضع عال، وحيث انتهى صوته يحمونه لمواشيهم، ويتوعدون من يرعى فيه بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فمثل لهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوية المراقب لرضى الملك يبعد عن ذلك الحمى خشية أن تقع مواشيه في شيء منه، فبعدُهُ أسلمُ له ولو اشتد حذره، وغير الخائف المراقب يقرب منه، ويرعى من جوانبه، فلا يأمن من أن تنفرد الفاذَّةُ فتقع فيه بغير أختياره، أو يُمْحِل المكان الذي هو فيه، ويقع الخصب في الحمى، فلا يملك نفسه أن يقع فيه.
ولما جاء الإِسلام، بطل ما كان يفعله رؤساء العرب من الحمى، وقال صلى الله تعالى عليه وسلم كما أخرجه البخاري في المساقاة: "لا حمى إلا لله في رسوله" وصار الحمى خاصًّا بالخلفاء، قيل: والولاة، وهو أن يحمي الخليفة موضعًا لرعي مواشي الصدقة ومواشي فقراء المسلمين، وقد حمى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم النقيع -بالنون- وهو على عشرين فرسخًا من المدينة، وقدره ميل في ثمانية أميال، وحمى عمر رضي الله تعالى عنه الرَّبَذَة -بالتحريك- وهو موضع معروف بين مكة والمدينة، واستعمل عليه مولاه هنيّ، أخرجه في "الموطأ" بطوله آخر
стр. 930
الكتاب، وأخرجه البخاري في الجهاد كذلك بطوله، ولم أر هل حمى أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أو لم يحم.
وقد ادّعى أبو عَمرو الدّاني أن التمثيل من كلام الشعبي، وأنه مدرج في الحديث، ولعل مستنده ما في رواية ابن الجارود والإسماعيلي عن ابن عَوْن أنه قال في آخر هذا الحديث: لا أدري المثل من قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو من قول الشعبي. وتردُّدُ ابن عون في رفعه لا يستلزم كونه مدرجًا، لأن الأثبات قد جزموا باتصاله ورفعه، فلا يقدح شك بعضهم فيه، وكذلك سقوط المثل من رواية بعض الرواة كأبي فَرْوة عن الشعبي لا يقدح فيمن أثبته لأنّهم حفاظ، ولعل هذا هو السر في حذف البخاري للجواب ليصير ما قبل المثل مرتبطًا به، فيسلم من دعوى الإدراج. ومما يقوي عدم الإِدراج رواية ابن حِبّان الآتية قريبًا، فإن فيها التصريح برفع الجميع، وكذا ثبوت المثل مرفوعًا في رواية ابن عباس، وعمار بن ياسر، وقوله: "يوشِكُ أن يُواقعه" بضم الياء وكسر الشين، أي: يسرع ويقرب من أن يقع فيه، ماضيه أوْشك. وعند ابن حِبّان من الزيادة: "اجعلوا بينَكُم وبين الحرام سترةً من الحلال، من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه".
ومن هذا المعنى انتزع القباري شيخ ابن المنير قوله: المكروه عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام، والمباح عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه، وهذا منزِعٌ حسن، والمعنى: إن الحلال حيث يُخشى أن يؤول فعله مطلقًا إلى مكروه أو محرم، ينبغي اجتنابه كالإكثار مثلًا من الطيبات، فإنه يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحق، أو يفضي إلى بطر النفس، وأقل ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية، وهذا معلوم بالعادة، مشاهد بالعيان، فمن تعاطى ما نُهِي عنه أظلم قلبه لفقدان الورع، وأعلى الورع ترك الحلال مخافة الحرام، كترك ابن أدْهَم أجرته لشكه في وفاء عمله، وطوى على جوع شديد، قاله القَسْطَلّاني.
стр. 931
وقوله: إن هذا هو أعلى الورع مخالف لما فسر به العلماء الورِع والأوْرع، فإنهم قالوا: الورع هو الذي يتقي الشبهات خوف الوقوع في المحرمات، والأورع هو الذي يتقي بعض المباحات خوف الوقوع في الشبهات، ويمكن أن يكون فعل ابن أدهم من هذا المعنى الأخير.
وقد قال البخاري في كتاب البيوع في باب تفسير الشبهات: قال حسان بن أبي سنان: ما رأيت شيئًا أهون من الورع، دع ما يَريبُك إلى ما لا يريبُك.
ومن الورع ما حكاه العَيْني عن أبي حنيفة وسُفيان الثوري أنهما قالا: لأنْ أخِرَّ من السماء أهونُ عليَّ من أن أُفتي بتحريمِ قليل النبيذِ، وما شربته قط، ولا أشربه. فعملا بالترجيح في الفتيا، وتورعا عنه في أنفسهما.
وقال بعض المحققين: من حكم الحكيم أن يوسع على المسلمين في الأحكام، ويضيق على نفسه، يعني به هذا المعنى.
قلت: أدركت والدي رحمه الله تعالى جاريًا على هذا السَّنن في عباداته، آخذًا على نفسه بالتضييق، لا يترخص في شيء منها، بل يعمل دائمًا بالأشق الأحْمَز، ويفتي الناس دائمًا بما فيه لهم رخصة، مخافة أن يتكاسلوا عن العمل بالأشق، فيتركوا العمل رأسًا.
ثم قال: ومنشأ هذا الورع الالتفات إلى إمكان اعتبار الشرع ذلك المرجوح، وهذا الالتفات ينشأ من القول بان المُصيب واحد، وهو مشهور مذهب مالك، ومنه ثار القول في مذهبه بمراعاة الخلاف، وكذلك كان الشافعي رحمه الله تعالى أيضًا يراعي الخلاف، حيث لا تفوت به سنة في مذهبهم.
قلت: هذا القيد شرط في مراعاته عندنا معاشر المالكية، ويشترط عندنا أن لا تؤدي مراعاته إلى ارتكاب مكروه.
стр. 932
ومن الورع ما في القَسْطَلّاني من أن أخت بشر الحافي قالت لأحمد ابن حنبل: إنا نغزِل على سطوحنا، فيمر بنا مشاعل الظاهرية، ويقع الشعاع علينا، أفيجوز لنا الغزل في شعاعها. قال: من أنت عافاك الله؟ قالت: أخت بشر الحافي، فبكى، وقال: من بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزِلي في شعاعها.
قال: ومكث مالك بن دينار بالبصرة أربعين سنة لم يأكل من ثمارها حتى مات.
قال: وأقامت السيدة بديعة الإيجيّة من أهل عصرنا بمكة أكثر من ثلاثين سنة، لم تأكل من اللحوم والثمار وغيرها المجلوبة من بجيْلة، لما قيل: إنهم لا يورِّثون البنات، وامتنع أبوها نور الدين من تناول ثمر المدينة لما ذُكر أنهم لا يزكون.
قلت: لعل امتناع مالك بن دينار السابق من أكل تمر البصرة من أجل هذا المعنى، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: "ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حمىً" ألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف تنبيه تدل على تحقق ما بعدها، وتدخل على الجملتين، نحو: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ وإفادتها التحقيق من أجل تركيبها من الهمزة ولا، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق، نحو: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾. قال الزّمخشريّ: ولكونها بهذا المنصب من التحقيق لا تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم، نحو: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾.
والواو في "وإن لكل" عطف علي مقدر، أي: ألا إن الأمر كما تقدم، وإن لكل ملك حمى. قوله: "ألا إنَّ حِمَى اللهِ محارمُه" وفي رواية أبي ذر: "وإنَّ" بالواو، وفي رواية غير المستملي زيادة: "في أرضه" والمراد بالمحارم فعل المنهي المحرم، أو ترك المأمور به الواجب، ولذا وقع في رواية أبي فَرْوة التعبير بالمعاصي بدل المحارم، وهذا من باب التمثيل
стр. 933
والتشبيه للشاهد بالغائب، فشبه المكلف بالراعي، والنفس البهيمية بالأنعام، والمشبهات بما حول الحمى، والمحارم بالحمى، وتناول المشبهات بالرتع حول الحمى، ووجه التشبيه حصول العقاب بعدم الاحتراز عن ذلك، كما أن الراعي إذا جره رعيه حول الحمى إلى وقوعه في الحمى استحق العقاب بسبب ذلك، فكذلك من أكثر من الشبهات، وتعرض لمقدماتها وقع في الحرام، فاستحق العقاب بسبب ذلك.
ووجه ذكر الواو وتركها هنا، وذكرها في قوله الآتي "ألا وإن في الجسد" هو أن وجه حذفها هنا كمال الانقطاع بين حمى الملوك وحمى الله تعالى، لبعد المناسبة بينهما، وأما وجه ذكرها فبالنظر إلى وجود التناسب بين الجملتين، من حيث ذكر الحمى فيهما، فكان بينهما كمال الاتحاد، وأما وجه ذكرها في الأخير فبالنظر إلى وجود المناسبة بين الجملتين، نظرًا إلى أن الأصل في الاتقاء والوقوع هو ما كان بالقلب، لأنه عماد الأمر وملاكه، وبه قوامه ونظامه، وعليه تنبني فروعه، وبه تتم أصوله.
وقوله: "ألا وإنَّ في الجسد مضغة، ... إلخ" هذه الزيادة لم تذكر إلا في رواية الشعبي، ولا هي في أكثر الروايات عنه، بل تفرد بها زكرياء المذكور عنه في "الصحيحين"، وتابعه مجاهد عند أحمد، ومغيرة وغيره عند الطبراني، وعبر في بعض رواياته عن الصلاح والفساد بالصحة والسقم.
وقوله: "مضغة" أي: قدر ما يُمْضَغُ، وعبر بها عن مقدار القلب في الرؤية، وسُمي القلبُ قلبًا لتقلبه في الأمور، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم كثيرًا ما يقول: "لا ومُقَلِّب القلوب"، وكان يقول في دعائه: "يا مقلبَ القلوب ثبتْ قلبي على دينك". وقال القائل:
ما سُمّيَ القلبُ إلّا من تقلُّبِهِ ... فاحذَرْ على القلبِ من قلبٍ وتحويلٍ
وقيل: لأنه خالص ما في البدن، وخالص كل شيء قلبه. ويقال: إنه أول
стр. 934
نقطة تكون من النطفة. وقيل: سمي بذلك لأنه وضع في الجسد مقلوبًا.
وقوله: "إذا صلَحت وإذا فسدَت" بفتح عينهما، وتضم في المضارعٍ، وبضم عين صلح في الماضي أيضًا، والتعبير بإذا لتحقق الوقوع غالبًا، وقد تأتي بمعنى إن كما هنا، وخص القلب بذلك لأنه أمير البدن، ويصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، ولذا ورد في الحديث الصحيح أنه ﵊ رأى رجلًا يكثر الحركة في صلاته، فقال: "لو خَشَعَ قلب هذا لخشعت جوارحه" ومنه تظهر القُوى، وتنبعث الأرواح، وينشأ الإدراك، ويبتدىء التعقل.
واستدل به على أن العقل في القلب، وهو قول الجمهور، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ قال المفسرون: أي: عقل، وعُبِّر عنه بالقلب لأنه محل استقراره. وقال أبو حنيفة: في الدماغ، ووافقته الأطباء محتجين بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل، ورد هذا بان الدماغ آلة عندهم، وفساد الألة يقتضي فساده.
وفي الحديث تنبيه على تعظيم قدر القلب، والحث على صلاحه، والإشارة إلى أن لطيب الكسب أثرًا فيه، والمراد المعنى المتعلق به من الفهم الذي ركبه الله فيه، وقد عظم العلماء موقع هذا الحديث وعدوه من الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإِسلام المنظومة في قول القائل:
عُمدةُ الدين عندَنا كلماتٌ ... مسنداتٌ مِن قولِ خير البريّهْ
اتَّقِ المُشْبهاَتِ وازْهَدْ ودَعْ ما ... ليسَ يعنيكَ واعمَلَّنْ بنيّه
وقد تكلمنا على هذا في أول الكلام على حديث: "إنما الأعمال بالنيات" وذكرنا هناك أن أبا داود أبدل حديث الزهد بحديث: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه".
وقال في "الفتح" هنا: إنه أبدله بحديث: "ما نهيتكم عنه
стр. 935
فاجتنبوه ... الحديث"، وأشار ابن العربي إلى أنه يمكن أن يُنتزع منه وحده جميع الأحكام.
قال القُرْطُبي: لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب، فمن هُنا يمكن أن يرد جميع الأحكام إليه، والله الكريم المستعان.
رجاله أربعة:
الأول: أبو نُعيم الفضل بن دُكَيْن ودُكَيْن لقب واسمه عمرو بن حمّاد ابن زهير بن درهم التَّيْمي مولى آل طلحة المُلائي الكُوفي الأحول.
قال حنبل بن إسحاق: قال أبو نُعيم: كتبت عن نيف ومئة شيخ ممن كتب عنه سفيان. وقال أيضًا: شاركت سفيان الثوري في ثلاثة عشر ومئة شيخ. وقال أيضًا: قال لي سُفيان مرة، وسألته عن شيء: أنت لا تبصر النجوم بالنهار، فقلت: وأنت لا تبصرها كلّها بالليل، فضحك.
وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: وكيع، وعبد الرحمن بن مَهْدي، ويزيد بن هارون، أين يقع أبو نعيم من هؤلاء؟ قال: على النصف، إلا أنه كيس يتحرى الصدق. قلت: فأبو نعيم أثبت أو وكيع؟ قال: أبو نُعيم أقل خطأً. قلت: فأيّما أحب إليك أبو نعيم أو ابن مهدي؟ قال: ما فيهما إلا ثبت، إلا أن عبد الرحمن كان له فهم.
وقال أحمد أيضًا: أبو نعيم بالشيوخ وأنسابهم وبالرجال، ووكيع أفقه. وقال يعقوب بن شَيْبة: أبو نعيم ثقة ثبت صدوق، سمعت أحمد يقول: أبو نُعيم يزاحم به ابن عُيينة، فقال رجل: وأي شيء عند أبي نُعيم من الحديث، ووكيع أكثر روايةً. فقال: هو على قلة روايته أثبت من وكيع. وقال الفضل بن زياد: قلت لأحمد: يجري عندك ابن فُضَيْل مجرى عبيد الله بن موسى؟ قال: لا، كان ابن فُضَيْل أثبت. قلت: وأبو نُعَيم يجري مجراهما؟ قال: لا، أبو نُعَيْم يقظانُ في الحديث، وقام في الأمر، يعني: الامتحان.
стр. 936
وقال أحمد أيضًا: إنما رفع الله عفان وأبا نعيم بالصدق حتى نوه بذكرهما. وقال مُهَنأً: سألت أحمد عن عفان وأبي نُعيم، فقال: هما العقدة. وفي رواية: ذهبا محمودَيْن. وقال عبد الصمد بن سُليمان البَلْخِيّ: سمعت أحمد يقول: ما رأيت أحفظ من وكيع، وكفاك بعبد الرحمن إتقانًا، وما رأيت أشد ثبتًا في الرجال من يَحْيى، وأبو نُعَيْم أقل الأربعة خطأً. قلت: يا أبا عبد الله يعطي فيأخذ. فقال: أبو نُعيم صدوق ثقة موضع للحجة في الحديث. وقال الميموني عن أحمد: ثقة، كان يقظان في الحديث، عارفًا به، ثم قام في أمر الامتحان ما لم يقم غيره، عافاه الله وأثنى عليه.
وقال أيضًا: إذا مات أبو نُعَيْم صار كتابه إمامًا إذا اختلف الناس في شيء فزعوا إليه. وقال أيضًا: كان يُعرف في حديثه الصدق.
وسُئِلَ ابن معين: أي أصحاب الثوري أثبت؟ قال: خمسة يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع، وابن المبارك، وأبو نُعَيْم. وقال أيضًا: ما رأيت أثبت من رجلين: أبي نُعيم، وعفان.
وقال أحمد بن صالح: ما رأيت أصدق من أبي نُعيم. وقيل لابن المديني: من أوثق أصحاب الثوري؟ قال يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع، وأبو نعيم، وأبو نعيم من الثقات. وقال ابن عمّار: أبو نعيم متفنن حافظ، إذا روى الحديث عن الثقات فحديثه أرجح ما يكون. وقال عثمان بن أبي شَيْبة: حدثنا الأسد، فقيل له: ومن الأسد؟ قال: الفضل بن دُكَيْن. وقال الآجُرّي: قلت لأبي داود: كان أبو نُعيم حافظًا؟ قال: جدًا. وقال العِجْليّ: أبو نُعيم الأحول كوفي ثبت في الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: أجمع أصحابُنا على أن أبا نعيم كان غاية في الإِتقان. وسئل أبو زُرعة عن أبي نُعيم وقَبِيصة، فقال: أبو نعيم أتقن الرجلين.
وقال أبو حاتم: ثقة، كان يحفظ حديث الثوري ومسعر حفظًا، كان يحزر حديث الثوري ثلاثة آلاف وخمس مئة حديث، وحديث مسعر نحو
стр. 937
خمس مئة حديث، كان يأتي بحديث الثوري على لفظ واحد لا يغيره، وكان لا يلقن، وكان حافظًا متقنًا. وقال أبو حاتم أيضًا: لم أر من المحدثين من يحفظ يأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره سوى قَبيصة وأبي نعيم في حديث الثوري، ويحيى الحِمّاني في حديث شَريك، وعليّ بن الجَعْد في حديثه.
وقال أحمد بن عبد الله الحداد: سمعت أبا نُعيم يقول: نظر ابن المبارك في كتبي، فقال: ما رأيت أصح منها.
وقال أحمد بن منصور الرَّمادِيّ: خرجت مع أحمد ويحيى إلى عبد الرزاق أخدمهما، فلما عدنا إلى الكوفة قال يحيى لأحمد: أريد أن أختبر أبا نُعيم. قال له أحمد: لا تزيد الرجل إلا ثقة. فقال يحيى: لابد لي، فأخذ ورقة، وكتب فيها ثلاثين حديثًا من حديث أبي نُعيم، وجعل على رأس كل عشرة منها حديثًا ليس من حديثه، ثم جاؤوا إلى أبي نُعيم، فخرج وجلس على دكان، فأخرج يحيى الطبق، فقرأ عليه عشرة أحاديث، ثم قرأ الحادي عشر، فقال أبو نعيم: ليس من حديثي اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثاني وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث الثاني، فقال: ليس من حديثي اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالث، وقرأ الحديث الثالث، فانقلبت عيناه، وأقبل على يحيى، فقال: أما هذا -وذراع أحمد في يده- فأورع من أن يعمل هذا، وأما هذا يريدني فأقل من أن يعمل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، ثم أخرج رجله، فرفسه، فرمى به، وقام، ودخل داره، فقال أحمد ليحى: ألم أقل لك إنه ثبت؟ قال: والله لرفسته أحب إلى من سفرتي.
وقال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد أو كبير أحد مثل ما قاما به، عفان وأبو نُعيم، يعني بالكلام فيهما، لأنهما كانا يأخذان الأجرة على التحديث،
стр. 938
وبقيامهما بعدم الإجابة في المحنة. وقال محمَّد بن إسحاق الثَّقَفيّ: سمعت الكُدَيْميّ يقول: لما أدخل أبو نُعيم على الوالي ليمتحنه، وثم أحمد بن يونس وأبو غسان وغيرهما، فأول من امتحن فلان، فأجاب، ثم عطف على أبي نُعَيْم، فقال: قد أجاب هذا، ما تقول؟ فقال: والله ما زلت أتَّهم جده بالزندقة، ولقد أدركت الكوفة وبها سبع مئة شيخ، كلهم يقولون: إن القرآن كلام الله، وعُنقي أهون علي من زرّي هذا، وفي رواية: إنه أخذ زره فقطعه، ثم قال: رأسي أهون علي من زِرّي هذا. فقام إليه أحمد بنِ يونس، فقبل رأسه، وكان بينهما شحناء، وقال: جزاك الله من شيخ خيرًا. وقال علي بن خَشْرَم: سمعت أبا نُعيم يقول: يلومونني على أخذ الأجر وفي بيتي ثلاثة عشر، وما في بيتي رغيف. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا كثير الحديث حجة. وقال أحمد بن صالح: ما رأيت محدثًا أصدق من أبي نُعيم، وكان يدلس أحاديث مناكير. وقال النسائي: أبو نُعيم ثقة مأمون. وقال أبو أحمد الفَرّاء: سمعتهم يقولون بالكوفة: قال أمير المؤمنين، وإنما يعنون الفضل بن دُكَيْن، كان يُتَكَلّم فيه بالتشيع. وقال يوسف بن حسان: قال أبو نُعيم: ما كتَبَتْ عليَّ الحفظة أني سببت معاوية. وقال وكيع: إذا وافقني هذا الأحول ما باليت من خالفني. وقال علي بن المدينىّ: كان أبو نُعيم عالمًا بأنساب العرب، أعلم بذلك من يحيى بن سَعيد القطّان. وقال الخطيب: كان أبو نُعيم مزّاحًا ذا دعابة، مع تدينه وثقته وأمانته. وقال ابن مَعين: كان مزّاحا، ذكر له حديث عن زكريّاء بن عدي، فقال: ما له وللحديث، ذاك بالتوراة أعلم، يعني: أن أباه كان يهوديًّا فأسلم. وقال له رجل خُراسانىّ: يا أبا نُعيم: إني أريد الخروج، فأخبرني باسمك، فقال: دعاك فمضى. قال: ورأيته مرة ضرب بيده على الأرض، فقال: أنا أبو العجائز.
روى عن الأعمش، وسَلَمة بن وَرْدان، ومالك بن أنس، ومالك بن مِغْول، وهشام الدَّسْتُوائي، وهمّام بن يحيى، وابن أبي ذئب، وزكريّاء بن أبي زائدة، وشَيْبان النحوي، وخلق كثير.
стр. 939
وروى عنه: البخاري فأكثر، وروى هو والباقون عنه بواسطة، وروى عنه إسحاق بن راهُويه، وأبو سعيد الأشَجّ، ويحيى بن مَعين، وأحمد بن حَنْبل، وعلي بن خَشْرم، وأبو حاتم، وأبو زُرعة، وعثمان بن أبي شَيْبة، وخلق كثير.
قال عبدوس بن كامل: كنا عند أبي نُعيم في ربيع الأول سنة سبع عشرة، فذكر رؤيا رآها، فأولها أنه يعيش بعد ذلك يومًا ونصفًا، أو شهرين ونصفًا، أو سنتين ونصفًا، فعاش بعد الرؤيا ثلاثين شهرًا، ومات لانسلاخ شعبان سنة تسع عشرة ومئتين، وكان مولده سنة ثلاثين ومئة.
قال إبراهيم الحربي: كان بين وكيع وأبي نُعيم سنة، وفات أبو نعيم في تلك السنة الخلق.
وليس في الستة الفَضْل بن دُكين وأما الفضل فكثير.
والمُلائيّ في نسبه نسبة إلى المُلاء -بضم الميم والمد- جمع مُلاءة -بضمها أيضًا- كان يبيع المُلاء، فنسب إليها، والمُلاءة الملحفة.
الثاني: زكريّاء بن أبي زائدة خالد بن ميمون بن فيروز أبو يحيى الهَمْداني الوادِعيّ الكوفي أخو عمر بن أبي زائدة مولى عمرو بن عبد الله الوَادِعي، ويقال: مولى محمد بن المُنْتَشِر.
قال القطان: ليس به بأس، وليس عندي مثل إسماعيل بن أبي خالد. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: إذا اختلف زكرياء وإسرائيل، فإن زكرياء أحب إلى في أبي إسحاق، ثم قال: ما أقربهما، وحديثهما عن أبي إسحاق ليّن، سمعا منه بأخرة. وقال عبد الله عن أبيه: حلو الحديث، ما أقربه من إسماعيل بن أبي خالد. وقال ابن مَعين: صالح. وقال مرة: زكرياء أحب إلى في كل شيء، وابن أبي لَيْلى ضعيف. وقال العِجْلي: كان ثقة، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأخَرة، ويقال: إن شَريكًا أقدم سماعًا منه. وقال أبو زُرعة: صوَيْلح يدلس كثيرًا عن الشعبي. وقال أبو حاتم: لين الحديث، كان يدلس، وإسرائيل أحب إلى منه، ويقال: إن
стр. 940
المسائل التي كان يرويها عن الشعبي لم يسمعها منه، إنما أخذها عن أبي حَرِيز. وقال ابن سَعْد: ثقة كثير الحديث. وقال ابن قانِع: كان قاضيًا بالكوفة. وقال أبو داود: زكرياء أرفع من أجْلح مئة درجة. وقال: زكرياء ثقة، إلا أنه يدلس. قال يحيى بن زكرياء: لو شئت سميت لك من بين أبي وبين الشعبي. وقال النسائي: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان، وأبو بكر البزّار: ثقة.
روى عن: أبي إسحاق السَّبيعيّ، والأعمش، وسِماك بن حَرْب، وعبد الملك بن عُمير، وخالد بن سَلَمة، وغيرهم.
وروى عنه: ابنه يَحْيى، والثَّوريّ، وشُعبة، وابن المُبارك، والقطّان، ووكيع، وأبو أُسامة، وأبو نُعيم، وغيرهم.
مات سنة سبع أو تسع وأربعين ومئة.
وليس في الستة زكرياء بن أبي زائدة سواه، وأما زكرياء فثلاثة عشر.
والوادِعِيّ في نسبه مر الكلام عليه في السابع والعشرين من كتاب الإيمان.
ومر الكلام على الهَمْداني في الخامس من بدء الوحي.
الثالث: الشَّعْبِيّ، وقد مر في الثالث من كتاب الإيمان.
الرابع: النعمان بن بَشير -مكبرًا- ابن سعد بن ثعلبة بن خَلّاس -بفتح الخاء وتشديد اللام- أبو عبد الله الأنصارىِ الخَزْرَجىّ، وأمه عَمْرة بنت رَواحة اخت عبد الله بن رَواحة، له ولأبيه ولأمه صحبة، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة.
ولد قبل وفاة النبي ﷺ بثمان سنين، وقيل: بست، والأول: أصح، والأكثرون يقولون: إنه ولد هو وعبد الله بن الزُّبير عام اثنين من الهجرة في ربيع الآخر على رأس أربعة عشر شهرًا من مقدم رسول الله ﷺ .
стр. 941
وروى الطبَّراني عن أبي الأسود قال: ذكر النعمان عند ابن الزبير عبد الله، فقال: هو أسن مني بستة أشهر، قال أبو الأسود: ولد عبد الله ابن الزبير على رأس عشرين شهرًا، وولد النعمان على رأس أربعة عشر شهرًا من مهاجر رسول الله ﷺ .
روى عبد الملك بن عُمير، قال: أتى بشيرُ بن سعد بالنعمان إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله: ادع الله له، فقال: "أما تَرْضى أن يبلغ ما بلغتَ، ثم يأتي الشام، فيقتله منافق من أهل الشام".
وروى اليَحْصِبِيّ عن النعمان بن بشير أنه قال: أُهدي لرسول الله ﷺ عنب من الطائف، فقال: "خذ هذا العنقود، فأبلغه لأمك" قال: فأكلته قبل أن أبلغه إياها، فلما كان بعد ليال، قال: "ما فعل العنقودُ، هل بلغته؟ " قلت: لا، فسماني غدر. وفي حديث بقية: فأخذ بأُذني، وقال لي: "يا غدر"، وفي حديثه أيضًا أنه أعطاني قِطْفَيْن من عنب، فقال لي: "كل هذا، وبلِّغ هذا إلى أمك"، فأكلتهما، ثم سأل أمه، وذكر الحديث بمعنى ما ذكر.
كان جوادًا كريمًا شاعرًا، يُروى أن أعشى هَمْدان تعرض ليزيد بن معاوية، فحرمه، فمر بالنعمان وهو على حمص، فقال: ما عندي ما أُعطيك، ولكن معي عشرون ألفًا من أهل اليمن، فإن شئت سألتهم لك؟ فقال: قد شئت. فصعد النعمان المنبر، واجتمع إليه أصحابه، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم ذكر أعشى هَمْدان، وقال: إن أخاكم أعشى هَمْدان قد أصابته حاجة، ونزلت به جائحة، وقد عَمَدَ إليكم، فماذا تَرَوْن؟ قالوا: دينار دينار، فقال: لا، ولكن بين اثنين دينار. فقالوا: قد رضينا. فقال: إن شئتُم عَجَّلْتُها له من بيت المال من عطائكم، وقاصصتكم إذا خرجت عطاياكم. قالوا: نعم، فأعطاه النعمان عشرة آلاف دينار من عطياتهم، فقبضها الأعشى وأنشأ يقول:
ولَمْ أرَ للحاجاتِ عندَ التماسها ... كنعمانَ نعمانِ النّدى ابنِ بَشيرِ
стр. 942
إذا قالَ أوْفى بالمقالِ ولَمْ يكُنْ ... كمدلٍ إلى الأقوام حبلَ الغرورِ
فلولا أخُو الأنصارِ كنتُ كنازلٍ ... ثَوى حُفرةٍ لَمْ يَنْقَلِبْ بنَقيرِ
متى أكفُرِ النعمانَ لمْ أكُ شاكرًا ... ولا خيرَ فيمَنْ لمْ يكُن بِشَكورِ
وهو القائل:
وإنّي لأعطي المالَ مَن ليس سائلًا ... وأدركُ للمولى المعاندِ بالظلمِ
وإنّي متى ما يَلْقَني صارَ مالَه ... فما بينَنا عندَ الشدائدِ من صرْمِ
فلا تعددِ المولى شريكَكَ في الغِنى ... ولكنّما المَوْلى شريكُكَ في العُدْمِ
إذا متَّ ذُو القُربى إليكَ برحمهِ ... وغشَّكَ واستَغْنى فليسَ بذي رحمِ
ولكنَّ ذا القربى الذي يستَخِفُّهُ ... أذاكَ ومَنْ يرمي العدوَّ الذي ترمي
قال سِماك بن حرب: كان قاضي دمشق بعد فَضالة بن عُبيد، واستعمله معاوية على الكوفة، وكان من أخطب من سمعت. وقال الهَيْثم: نقله معاوية من إمرة الكوفة إلى إمرة حمص، وضم الكوفة إلى عُبيد الله ابن زياد، وكان بالشام لما مات معاوية.
ولما استخلف يزيد ومات عن قرب، دعا النعمان إلى ابن الزبير ممالئًا للضّحاك بن قَيْس، فلما بلغه وقعة راهط، وهزيمة الزُّبَيْرِيّة وقتل الضحاك فيها، خرج عن حمص هاربًا فسار ليلة متحيرًا لا يدري أَين يأخذ، فأتبعه خالد بن عدي الكِلابي فيمن طلبه معه من أهل حمص، فلحقه وقتله واحتزَّ رأسه، وبعث به إلى مروان بن الحكم، فقالت امرأته الكلبية: ألقوا رأسه في حجري فأنا أحق به، وكانت قبله عند معاوية بن أبي سفيان، فقال لامرأته ميسون أم يزيد: اذهبي فانظري إليها، فأتتها، فنظرت ثم رجعت، فقالت: ما رأيت مثلها. ثم قالت: لقد رأيت خالًا تحت سُرّتها، ليوضعن رأس زوجها في حجرها، ثم طلقها، فتزوجها حبيب ابن مَسْلمة، ثم طلقها فتزوجها النعمان بن بشير، فلما قُتل وضعوا رأسه في حجرها.
رُوي له مئة حديث وأربعة عشر حديثًا، روى عن النبي ﷺ ، وروى عن عمر، وعائشة، وخاله عبد الله بن رَواحة.
стр. 943
وروى عنه: ابنه محمد، ومولاه حبيب بن سالم، والشّعْبيّ، وعبيد الله ابن عُتبه بن مسعود، وعُروة بن الزبير، وحُميد بن عبد الرحمن بن عَوْف، وأبو قِلابة الجُرْمِيّ، وإسحاق السَّبيعيّ، وآخرون.
مات سنة خمس أو أربع وستين، قيل: إنه قتل بقرية من قرى حمص يقال لها: بيران.
وليس في الستة ولا في الصحابة من اسمه النعمان بن بشير، فهو فرد باعتبار الأب. وأما النعمان فجماعة كثيرة، ففي الستة اثنا عشر، وفي الصحابة نحو أربعين.
وبَشير في الرواة كله مكبر -بفتح الباء الموحدة- إلا اثنين فبِضَمِّ الباء مصغران، وهما بُشَيْر بن كعب العَدَويّ حديثه في "الصحيحين" دون "الموطأ"، وبُشَيْر بن يسار حديثه في "الصحيحين" و"الموطأ".
وأما مُقاتل بن بُشَيْر فهو وإن كان مثلهما فلم يخرج له أصحاب هذه الكتب الثلاثة، وإن زعم صاحب "الكمال" أن مسلمًا أخرج له فهو وهم من عبد الغني المقدسي.
وإلا ثالثًا وهو يُسَيْر بن عمر على قول الأكثر، أو ابن جابر، فهو بضم المثناه التحتية وفتح السين المهملة، ويقال فيه: أُسَيْر بالهمزة.
وإلا رابعًا وهو قطن ابن نُسَيْر فبضم النون، وفتح السين المهملة، وحديثه في مسلم. قال العراقي في "ألفيته":
وفيهِ خلفٌ وبُشَيْرًا أعجمِ ... في ابن يسارٍ وابن كعبٍ واضمُمِ
يُسَيْرَ بن عمرو أو أسيرْ ... والنَونُ في أبي قَطَن نُسَيْرْ
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورجاله كلهم كوفيون ما عدا النعمان ابن بشير، وقد دخل الكوفة.
стр. 944
ومنها أنه وقع هنا للبخاري رباعي الإسناد، ووقع له من غير جهة أبي نُعيم خماسيًّا، ووقع لمسلم في أعلى طرقه خماسيًّا.
وفيه التصريح بسماع النعمان من النبي ﷺ ، ففيه رد على من زعم أن النعمان لم يسمع منه ﵊.
وأما كون زكرياء من أهل التدليس، وقد عنعن هنا، فالجواب عنه هو أن في "فوائد" أبي الهيثم تصريحه بالسماع من الشعبي، فيحصُل الأمن من تدليسه، مع أنه قد مر كثيرًا أن ما في "الصحيحين" من رواية المدلسين محمول على اتصال السماع.
وهذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وأخرجه في البيوع عن علي بن عبد الله وغيره، ومسلم في البيوع عن محمد بن عبد الله بن نُمير وغيره، وأبو داود في البيوع عن إبراهيم بن موسى، والترمذي فيها أيضًا عن هَنّاد، وقال: حسن صحيح، والنسائي فيها أيضًا عن محمَّد بن عبد الأعلى، وفي الأشربة عن حُميد بن مَسْعَدة، وابن ماجه في الفتن عن عمرو بن رافع.
ثم قال المصنف:
باب أداء الخمس من الإِيمان
باب: خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب، وهو مضاف إلى ما بعده، ويمكن تنوينه وقطعه عن الإضافة.
والخُمُسُ بضم الخاء المعجمة، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وقيل: إنه روي هنا بفتح الخاء، والمراد قواعد الإِسلام الخمس المذكورة في حديث "بني الإِسلام على خمس"، وفيه بعد؛ لأن الحج لم يُذكر هنا، ولأن غيره من القواعد قد تقدم، ولم يذكر هنا إلا خمس الغنيمة، فأفرده بالذكر.
وقوله: "من الإيمان" أي: من شعبه، ووجه كونه من الإيمان هو أنهم
стр. 945
سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة كما يأتي، وأُجيبوا بأشياء منها أداء الخمس، والأعمال التي تُدخل الجنة هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس من الإيمان بهذا التقرير.
قلت: قد واعد في "الفتح" عند ترجمة باب اتباع الجنائز من الإيمان أنه سيذكر المعنى الذي أخر له البخاري ترجمة أداء الخمس من الإيمان عن صواحبها التي هي في معناها، وتبعته في ذلك الوعد، ولما جاء هنا لم يف بوعده، فقلت من نفسي: لعل النكتة في تأخيرها عما هو بمعناها هو ما وقع من الاختلاف الآتي فيِ قوله: "وأن تعطوا من المغنمِ الخمسَ" هل هو داخل في الأربع التي فَسَّر بها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الإيمان، أو غير داخل فيها، فلأجل هذا المعنى لم يتابعها مع ما هو من جنسها لعدم تحقق دخول أداء الخمس في الإيمان، وإن كنا قد قدمنا وجه دخوله فيه.
стр. 946
الحديث السادس والاربعون
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى جَمْرَةَ قَالَ كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِى عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ أَقِمْ عِنْدِى حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِى، فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنِ الْقَوْمُ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ؟. قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: "مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ بِالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى". فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ فِى شَهْرِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَىُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ. وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ. قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ". قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ". وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ عَنِ الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرِ. وَقَالَ: "احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ".
قوله: "كنت أقعدُ مع ابن عباس" بلفظ المضارع، حكاية عن الحال الماضية، استحضارًا لتلك الصورة للحاضرين.
قوله: "مع ابن عباس" رضي الله تعالى عنهما، أي: عنده في زمن ولايته البصرة من قبل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وقوله: "يُجلِسُني" بضم أوله من غير فاء من أجلس، وفي رواية أبوي ذرٍّ والوقت: "فيُجلسُني" بالفاء، أي: يرفعني على سريره بعد أن أقعد، فهو عطف على أقعد بالفاء، لأن الجلوس على السرير قد يكون بعد القعود وغيره، هكذا قال القسطلّاني تبعًا لشيخه الشيخ زكرياء، والظاهر
стр. 947
عندي أن هذا التقدير غير محتاج له، وأن قوله: "يجلسني" جملة تفسيرية لقوله: "أقعد"، ولا يمنع ذلك وجود الفاء في بعض الروايات، لأن الفاء تكون تفسيرية.
والسرير جمعه أسرَّة وسُرر -بضمتين، وحكي فتح الراء- سمي بذلك لأنه مجلس السرور.
وقد بين المصنف في العلم السبب في إكرام ابن عباس له، ولفظه: "كنت أُترجم بين ابن عبّاس وبين الناس".
قال ابن الصلاح: أصل الترجمة التعبير بلغة عن لغة، وهو عندي هُنا أعم من ذلك، وإنه كان يبلغ كلام ابن عباس إلى من خفى عليه، ويبلغه كلامهم، إما لزحام، أو لقصور فهم.
قال في "الفتح": الثاني أظهر، لأنه كان جالسًا معه على سريره، فلا فرق في الزحام بينهما، إلا أن يحمل على أن ابن عباس كان في صدر السرير، وكان أبو جَمْرة في طرفه الذي يلي مَن يترجم عنهم، وقيل: إن أبا جَمْرة كان يعرف الفارسية، فكان يترجم لابن عباس بها.
قال القُرطبي: فيه دليل على أن ابن عباس كان يكتفي في الترجمة بواحد، وقد بوب عليه البخاري في أواخر كتاب الأحكام.
وقوله: "فقال: أقِمْ عندي" أي: لتساعدني بتبليغ كلامي إلى من خفي عليه من السائلين، أو بالترجمة عن الأعجمي، لما مر أنه كان يعرف الفارسية ويترجم بها لابن عباس.
وقوله: "حتى أجعلَ لك سهمًا من مالي" أي: نصيبًا، واستنبط منه ابن التين جواز أخذ الأجرة على التعليم، لقوله: "حتى أجعلَ لك سهمًا من مالي".
قال في "الفتح": وفيه نظر، لاحتمال أن يكون إعطاؤه ذلك كان بسبب الرؤيا التي رآها في العمرة قبل الحج كما سيأتي عند المصنف
стр. 948
صريحًا في الحج، فإن في الرواية المذكورة في الحج: "ثم قال لي: أقم عندي، وأجعل لك سهمًا من مالي، قال شُعبة: فقلت: ولم؟ فقال: للرؤيا التي رأيت" فهذا صريح في أن الإعطاء كان إكرامًا له على الرؤيا التي رآها، وهي أن أبا جمرة كما في هذا الحديث قال: "تمتعت، فنهاني ناس، فسألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فأمرني، فرأيت في المنام كأن رجلًا يقول لي: حج مبرور. وعمرة متقبلة، فأخبرت ابن عباس، فقال: سنة أبي القاسم" ويؤخذ من هذا الحديث إكرام من أخبر المرء بما يسره، وفرح العالم بموافقته للحق، والاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي، وعرض الرؤيا على العالم، والتكبير عند المسرة، والعمل بالأدلة الظاهرة، والتنبيه على اختلاف أهل العلم ليُعمل بالراجح منه الموافق للدليل.
وقوله: "فأقمت معه شهرين"، أي: عنده، وإنما عبر بمع المشعرة بالمصاحبة دون عند المقتضية لمطابقة "أقم عندي" لأجل المبالغة.
وقوله: "ثم قال: إن وقد عبد القيس" وهو ابن أفْصى بوزن أعْمى ابن دُعْميّ -بضم الدال وسكون العَيْن المهملة وبياء النسبة- ابن جَديلة -وزن كبيرة- ابن أسد بن ربيعة قبيلة كبيرة كانوا يسكنون البحرين، والوفد الجماعة المختارة للتقدم في لقي العظماء، واحدهم وافد.
وقوله: "لما أتَوْا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم" كان سبب مجيئهم إسلام منقذ بن حبان، وتعلمه الفاتحة وسورة اقرأ، وكتابته ﵊ لجماعة عبد القيس كتابًا، فلما رحل إلى قومه كتمه أيامًا، وكان يصلي، فقالت زوجته لأبيها المنذر بن عائذ -وهو الأشَجّ-: إني أنكرت فعل بعلي منذ قدم من يثرب، إنه ليغسل أطرافه، ثم يستقبل الجهة -تعني: الكعبة- فيحني ظهره مرة، ويقع أخرى، فاجتمعا، فتحادثا ذلك، فوقع الإِسلام في قلبه، وقرأ عليهم الكتاب، وأسلموا، وأجمعوا المسير إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
стр. 949
وقوله: "قال: منِ القومُ، أو: من الوفد" شك شعبة أو أبو جَمْرة، والضمير في "قال" له ﵊.
وقوله: "قالوا: ربيعةُ" أي: نحن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وإنما قالوا ربيعة لأن عبد القيس من أولاده كما مر، وعُبِّر عن البعض بالكل، لأنهم بعض ربيعة، ويدل عليه ما عند المصنف في الصلاة: "فقالوا: إنًا هذا الحي من ربيعة" والحي: منصوب على الاختصاص، أي إنا هذا الحي حيٌّ من ربيعة، والحي اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت القبيلة به، لأن بعضهم يحيى ببعض.
وقوله: "مرحبًا بالقوم أو بالوفد" مرحبًا منصوب بفعل مضمر، أي: صادفت رُحبًا -بضم الراء- أي: سعة، أو يكون مرحبًا اسم مكان، أي: صادفت مكانًا رحبًا، أي: واسعًا، والرَّحب -بالفتح- الشيء الواسع، وقد يزيدون معها أهلًا، أي: وجدت أهلًا فاستأنس ولا تستوحش، وأول من قال مرحبًا سيف بن ذي يزن، وفيه دليل على استحباب تأنيس القادم، وقد تكرر ذلك من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ففي حديث أم هانىء عند البخاري: "مرحبًا بأم هانىء" وفي قصة عكرمة بن أبي جَهل: "مرحبًا بالراكب المهاجر"، وفي قصة فاطمة: "مرحبًا بابنتي" وكلها صحيحة.
وأخرج النسائي عن عاصم بن بشير الحارثي، عن أبيه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال له لما دخل فسلم عليه: "مرحبًا، وعليك السلام".
قلت: ما وقع في حديث الإسراء من ترحيب الرسل والملائكة بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يدل على أن القادم لا يقال له شيء أفضل من هذه الكلمة، إذ لو كان شيء أفضل منها لقالته الملائكة والرسل له ﵊.
стр. 950
وقوله: "غير خزايا" بنصب غير على الحال، وروي بالكسر على الصفة، وأنكره الأُبيّ قائلًا: إنه يلزم منه وصف المعرفة بالنكرة، إلا أن تُجعل الأداة في القوم للجنس، كقوله:
وَلَقَدْ أمرُّ على اللئيمِ يسبُّني
وعلى رواية الكسر فالأولى أن تعرب بالبدل، ويؤيد الأول رواية المصنف في "الأدب المفرد" عن أبيِ جَمْرة: "مرحبًا بالوفد الذين جاؤوا غيرَ خزايا ولا ندامى"، وخزايا جمع خزْيان على القياس، وهو الذي أصابه خِزْي، والمعنى: أنهم جاؤوا غير أذلاء، أو غير مستحيين لقدومهم مبادرين دون حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم فيوجب استحياءهم.
وقوله: "ولا ندامى"، قال الخطابي: أصله نادمون جمع نادم؛ لأن ندامى إنما هو جمع ندمان، أي: المنادم في اللهو، قال الشاعر:
فإنْ كُنْتَ نَدْماني فبِالأكْبرِ اسقِني
لكنه خرج على الإتباع، كما قالوا: العشايا والغدايا، وغداة جمعها الغدوات، لكنه أتبع، والتحقيق عند أهل اللغة أنه يقال: نادم وندمان في الندامة بمعنى، وعليه يكون جمعه على الأصل، ولا إتباع، وفي رواية النسائي والطَّبراني: "مرحبًا بالوفد ليس الخزايا ولا النادمين" قال ابن أبي جمرة: بشرهم بالخير عاجلًا وآجلًا، لأن الندامة إنما تكون في العاقبة، فإذا انتفت ثبت ضدها، وفيه دليل على جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أُمن عليه الفتنة.
وقد بين مسلم السبب في تحديث ابن عباس لأبي جمرة بهذا الحديث، فقال بعد قوله المار: "وبين الناس، فاتته امرأة تسأله عن نبيذ الجرِّ، فنهى عنه، فقلت يا ابن عباس: إنّي أنتبذُ في جرة خضراء نبيذًا حلوًا، فاشرب منه، فتقرقر بطني، قال: لا تشرب منه، وإن كان أحلى من العسل".
следующие страницы →