← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الحديث السادس والاربعون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى جَمْرَةَ قَالَ كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِى عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ أَقِمْ عِنْدِى حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِى، فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنِ الْقَوْمُ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ؟. قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: "مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ بِالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى". فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ فِى شَهْرِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَىُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ. وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ. قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ". قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ". وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ عَنِ الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرِ. وَقَالَ: "احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ". قوله: "كنت أقعدُ مع ابن عباس" بلفظ المضارع، حكاية عن الحال الماضية، استحضارًا لتلك الصورة للحاضرين. قوله: "مع ابن عباس" رضي الله تعالى عنهما، أي: عنده في زمن ولايته البصرة من قبل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وقوله: "يُجلِسُني" بضم أوله من غير فاء من أجلس، وفي رواية أبوي ذرٍّ والوقت: "فيُجلسُني" بالفاء، أي: يرفعني على سريره بعد أن أقعد، فهو عطف على أقعد بالفاء، لأن الجلوس على السرير قد يكون بعد القعود وغيره، هكذا قال القسطلّاني تبعًا لشيخه الشيخ زكرياء، والظاهر

стр. 947

عندي أن هذا التقدير غير محتاج له، وأن قوله: "يجلسني" جملة تفسيرية لقوله: "أقعد"، ولا يمنع ذلك وجود الفاء في بعض الروايات، لأن الفاء تكون تفسيرية. والسرير جمعه أسرَّة وسُرر -بضمتين، وحكي فتح الراء- سمي بذلك لأنه مجلس السرور. وقد بين المصنف في العلم السبب في إكرام ابن عباس له، ولفظه: "كنت أُترجم بين ابن عبّاس وبين الناس". قال ابن الصلاح: أصل الترجمة التعبير بلغة عن لغة، وهو عندي هُنا أعم من ذلك، وإنه كان يبلغ كلام ابن عباس إلى من خفى عليه، ويبلغه كلامهم، إما لزحام، أو لقصور فهم. قال في "الفتح": الثاني أظهر، لأنه كان جالسًا معه على سريره، فلا فرق في الزحام بينهما، إلا أن يحمل على أن ابن عباس كان في صدر السرير، وكان أبو جَمْرة في طرفه الذي يلي مَن يترجم عنهم، وقيل: إن أبا جَمْرة كان يعرف الفارسية، فكان يترجم لابن عباس بها. قال القُرطبي: فيه دليل على أن ابن عباس كان يكتفي في الترجمة بواحد، وقد بوب عليه البخاري في أواخر كتاب الأحكام. وقوله: "فقال: أقِمْ عندي" أي: لتساعدني بتبليغ كلامي إلى من خفي عليه من السائلين، أو بالترجمة عن الأعجمي، لما مر أنه كان يعرف الفارسية ويترجم بها لابن عباس. وقوله: "حتى أجعلَ لك سهمًا من مالي" أي: نصيبًا، واستنبط منه ابن التين جواز أخذ الأجرة على التعليم، لقوله: "حتى أجعلَ لك سهمًا من مالي". قال في "الفتح": وفيه نظر، لاحتمال أن يكون إعطاؤه ذلك كان بسبب الرؤيا التي رآها في العمرة قبل الحج كما سيأتي عند المصنف

стр. 948

صريحًا في الحج، فإن في الرواية المذكورة في الحج: "ثم قال لي: أقم عندي، وأجعل لك سهمًا من مالي، قال شُعبة: فقلت: ولم؟ فقال: للرؤيا التي رأيت" فهذا صريح في أن الإعطاء كان إكرامًا له على الرؤيا التي رآها، وهي أن أبا جمرة كما في هذا الحديث قال: "تمتعت، فنهاني ناس، فسألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فأمرني، فرأيت في المنام كأن رجلًا يقول لي: حج مبرور. وعمرة متقبلة، فأخبرت ابن عباس، فقال: سنة أبي القاسم" ويؤخذ من هذا الحديث إكرام من أخبر المرء بما يسره، وفرح العالم بموافقته للحق، والاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي، وعرض الرؤيا على العالم، والتكبير عند المسرة، والعمل بالأدلة الظاهرة، والتنبيه على اختلاف أهل العلم ليُعمل بالراجح منه الموافق للدليل. وقوله: "فأقمت معه شهرين"، أي: عنده، وإنما عبر بمع المشعرة بالمصاحبة دون عند المقتضية لمطابقة "أقم عندي" لأجل المبالغة. وقوله: "ثم قال: إن وقد عبد القيس" وهو ابن أفْصى بوزن أعْمى ابن دُعْميّ -بضم الدال وسكون العَيْن المهملة وبياء النسبة- ابن جَديلة -وزن كبيرة- ابن أسد بن ربيعة قبيلة كبيرة كانوا يسكنون البحرين، والوفد الجماعة المختارة للتقدم في لقي العظماء، واحدهم وافد. وقوله: "لما أتَوْا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم" كان سبب مجيئهم إسلام منقذ بن حبان، وتعلمه الفاتحة وسورة اقرأ، وكتابته ﵊ لجماعة عبد القيس كتابًا، فلما رحل إلى قومه كتمه أيامًا، وكان يصلي، فقالت زوجته لأبيها المنذر بن عائذ -وهو الأشَجّ-: إني أنكرت فعل بعلي منذ قدم من يثرب، إنه ليغسل أطرافه، ثم يستقبل الجهة -تعني: الكعبة- فيحني ظهره مرة، ويقع أخرى، فاجتمعا، فتحادثا ذلك، فوقع الإِسلام في قلبه، وقرأ عليهم الكتاب، وأسلموا، وأجمعوا المسير إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

стр. 949

وقوله: "قال: منِ القومُ، أو: من الوفد" شك شعبة أو أبو جَمْرة، والضمير في "قال" له ﵊. وقوله: "قالوا: ربيعةُ" أي: نحن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وإنما قالوا ربيعة لأن عبد القيس من أولاده كما مر، وعُبِّر عن البعض بالكل، لأنهم بعض ربيعة، ويدل عليه ما عند المصنف في الصلاة: "فقالوا: إنًا هذا الحي من ربيعة" والحي: منصوب على الاختصاص، أي إنا هذا الحي حيٌّ من ربيعة، والحي اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت القبيلة به، لأن بعضهم يحيى ببعض. وقوله: "مرحبًا بالقوم أو بالوفد" مرحبًا منصوب بفعل مضمر، أي: صادفت رُحبًا -بضم الراء- أي: سعة، أو يكون مرحبًا اسم مكان، أي: صادفت مكانًا رحبًا، أي: واسعًا، والرَّحب -بالفتح- الشيء الواسع، وقد يزيدون معها أهلًا، أي: وجدت أهلًا فاستأنس ولا تستوحش، وأول من قال مرحبًا سيف بن ذي يزن، وفيه دليل على استحباب تأنيس القادم، وقد تكرر ذلك من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ففي حديث أم هانىء عند البخاري: "مرحبًا بأم هانىء" وفي قصة عكرمة بن أبي جَهل: "مرحبًا بالراكب المهاجر"، وفي قصة فاطمة: "مرحبًا بابنتي" وكلها صحيحة. وأخرج النسائي عن عاصم بن بشير الحارثي، عن أبيه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال له لما دخل فسلم عليه: "مرحبًا، وعليك السلام". قلت: ما وقع في حديث الإسراء من ترحيب الرسل والملائكة بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يدل على أن القادم لا يقال له شيء أفضل من هذه الكلمة، إذ لو كان شيء أفضل منها لقالته الملائكة والرسل له ﵊.

стр. 950

وقوله: "غير خزايا" بنصب غير على الحال، وروي بالكسر على الصفة، وأنكره الأُبيّ قائلًا: إنه يلزم منه وصف المعرفة بالنكرة، إلا أن تُجعل الأداة في القوم للجنس، كقوله: وَلَقَدْ أمرُّ على اللئيمِ يسبُّني وعلى رواية الكسر فالأولى أن تعرب بالبدل، ويؤيد الأول رواية المصنف في "الأدب المفرد" عن أبيِ جَمْرة: "مرحبًا بالوفد الذين جاؤوا غيرَ خزايا ولا ندامى"، وخزايا جمع خزْيان على القياس، وهو الذي أصابه خِزْي، والمعنى: أنهم جاؤوا غير أذلاء، أو غير مستحيين لقدومهم مبادرين دون حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم فيوجب استحياءهم. وقوله: "ولا ندامى"، قال الخطابي: أصله نادمون جمع نادم؛ لأن ندامى إنما هو جمع ندمان، أي: المنادم في اللهو، قال الشاعر: فإنْ كُنْتَ نَدْماني فبِالأكْبرِ اسقِني لكنه خرج على الإتباع، كما قالوا: العشايا والغدايا، وغداة جمعها الغدوات، لكنه أتبع، والتحقيق عند أهل اللغة أنه يقال: نادم وندمان في الندامة بمعنى، وعليه يكون جمعه على الأصل، ولا إتباع، وفي رواية النسائي والطَّبراني: "مرحبًا بالوفد ليس الخزايا ولا النادمين" قال ابن أبي جمرة: بشرهم بالخير عاجلًا وآجلًا، لأن الندامة إنما تكون في العاقبة، فإذا انتفت ثبت ضدها، وفيه دليل على جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أُمن عليه الفتنة. وقد بين مسلم السبب في تحديث ابن عباس لأبي جمرة بهذا الحديث، فقال بعد قوله المار: "وبين الناس، فاتته امرأة تسأله عن نبيذ الجرِّ، فنهى عنه، فقلت يا ابن عباس: إنّي أنتبذُ في جرة خضراء نبيذًا حلوًا، فاشرب منه، فتقرقر بطني، قال: لا تشرب منه، وإن كان أحلى من العسل".

стр. 951

وللمصنف في آخر المغازي عن أبي جمرة قال: "قلت لابن عباس: إن لي جرة أنتبذُ فيها فأشربه حلوًا، إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح، فقال: قدم وفد عبد القيس ... الخ". قال في "الفتح": ولما كان أبو جمرة من عبد القيس، وكان حديثه يشتمل على النهي عن الانتباذ في الجرار، ناسب أن يذكره له. قلت: يأتي في تعريف أبي جمرة الاعتراض عليه في جعله أبا جمرة من عبد القيس. ثم قال: وفي هذا دليل على أن ابن عباس لم يبلغة نسخ تحريم الانتباذ في الجرار، وهو ثابت من حديث بُرَيْدة بن الحُصَيْب عند مسلم وغيره. قلت: يأتي إن شاء الله تعالى تحرير القول في ذلك عند انتهاء الحديث. ثم قال: قال القُرطبي: فيه دليل على أن للمفتي أن يذكر الدليل مستغنيًا به عن التنصيص على جواب الفتيا إذا كان السائل بصيرًا بموضع الحجة. وقوله: "فقالوا: يا رسول الله" فيه دلالة على أنهم حين المقابلة كانوا مسلمين، وكذا في قولهم: "كفار مضر"، وفي قولهم: "الله ورسوله أعلم". وقوله: "إلاَّ في الشهر الحرام" أي: لحرمة القتال فيه عندهم، والمراد به الجنس، فيشمل الأربعة الحرم، ويؤيد هذا رواية المصنف في المغازي بلفظ: "إلا في أشهر الحرم" وروايته في المناقب بلفظ: "إلاَّ في كل شهرٍ حرام" وقيل: اللام للعهد، والمراد شهر رجب، وفي رواية البَيْهقي التصريح به. وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم في

стр. 952

حديث أبي بكرة، حيث قال: "رجب مضر" كما سيأتي، والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم، مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم ربما أنسوها بخلافه. وللأصيليّ وكريمة: "إلاَّ في شهر الحرام" وهي رواية مسلم، وفيها إضافة الموصوف إلى الصفة، كصلاة الأولى، ومسجد الجامع، والبصريون يمنعون ذلك، ويؤولونه على حذف مضاف، أي: صلاة الساعة الأولى، وشهر الوقت الحرام، ومسجد المكان الجامع. وقوله: "وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَر" وهو بضم الميم وفتح الضاد غير منصرف للعلمية والعدل، أو للعلمية والتأنيث، باعتبار أنه صار علمًا على القبيلة وهي مؤنثة، وهو ابن نزار بن معد بن عدنان أخو ربيعة، وكانت منازل عبد القيس بالبحرين وما والاها من أطراف العراق، ولهذا قالوا كما عند المؤلف في العلم: "وإنا نأتيكَ من شُقّةٍ بعيدة" والشُّقة: السفر، وقال الزّجّاج: الغاية التي تقصد. ووفد عبد القيس المذكورون كانوا ثلاثة عشر راكبًا، كبيرهم الأشجّ، ففي "المعرفة" لابن مَنْده عن هود العَصَريّ -بعين وصاد مهملتين مفتوحتين، نسبة إلى عَصَر، بطن من عبد القيس- عن جده لأمه فريدة العَصَريّ قال: بينما النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم: "سيطلُع عليكُم من هاهنا ركبٌ هم خير أهل المشرق" فقام عمر، فتوجه نحوهم، فلقي ثلاثة عشر راكبًا، فبشرهم بقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم مشى معهم، حتى أتوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فرموا بأنفسهم عن ركائبهم، فأخذوا يده فقبلوها، وتأخر الأشَجُّ في الركاب حتى أناخها وجمع متاعهم، وجاء يمشي، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم "إن فيك خصلتين يحبهما الله، الأناة والحلم". وأخرجه البَيْهقي، وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" مطولًا من وجه آخر عن رجل من وفد عبد القيس لم يسمه، وفي هذا الحديث أن

стр. 953

الأشج جمع رحالهم، وعقل ناقته، ولبس ثيابًا جددًا، ثم أقبل على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأجلسه إلى جانبه، ثم إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لهم: "تبايعوني على أنفسكم وقومكم؟ " فقال القوم: نعم، وقال الأشَجّ: يا رسول الله، إنك لن تزايل الرجل عن شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، وترسل معنا من يدعوهم، فمن اتبع كان منا، ومن أبى قاتلناه. قال: "صدقت، إن فيك لخصلتين يحبُّهما الله، الحلم والأناة" وفي "مسند" أبي يعلى الموصلي أنه قال: أكانا فيَّ أم حدثا؟ قال: "بل قديم" قال: الحمد لله الذي جعلني على خلقين يحبُّهما الله. والأناة على وزن قناة الثاني والانتظار، وقال النووي: إن الوفد كانوا أربعة عشر، قال في "الفتح": لم يذكر له دليلًا، ويمكن أن يجمع بينه وبين ما في الحديث السابق بأن أحد المذكررين كان غير راكب، أو كان مرتدفًا. وروى الدُّولابي وابن منده عن أبي خَيْرة -بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتية وبعد الراء هاء- الصُّباحِي -بضم الصاد المهملة، بعدها موحدة مخففة، وبعد الألف حاء مهملة- نسبة إلى صُباح بطن من عبد القيس، قال: كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عبد القيس، وكنا أربعين رجلًا، فنهانا عن الدُّبَّاء والنقير ... الحديث. قال في "الفتح": ويمكن أن يجمع بينه وبين الرواية السابقة بأن الثلاثة عشر كانوا رؤوس الوفد، ولهذا كانوا ركبانًا، وكان الباقون أتباعًا. قال في "الفتح": والذي تبين لي أنه كان لعبد القيس وفادتان، إحداهما قبل الفتح، ولهذا قالوا للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "وبيننا وبيَنك هذا الحي من كفار مضر" وكان ذلك قديمًا، إما في سنة خمس أو قبلها، ويدل على سبق إسلامهم ما رواه المصنف في الجمعة والمغازي

стр. 954

عن ابن عباس قال: "أول جمعة جمعت بعد جمعة جُمعت في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجُؤاثَى من البحرين" -وهي بضم الجيم، وبعد الألف مثلثة مفتوحة- وهي قرية شهيرة لهم، وإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فدل على أنهمٍ سبقوا جميع القرى إلى الإِسلام، وكان عدد الوفد الأول ثلاثة عشر راكبًا، وفيها سألوا عن الإيمان وعن الأشربة، وكان فيهم الأشجّ، وقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ما قال ثانيتهما: كانت في سنة الوفود، وكان عددهم حينئذ أربعين رجلًا كما مر في حديث أبي خيرة، وفيهم الجارود العَبْدي، ويؤيد التعدد ما أخرجه أبو يَعْلى، وصححه ابن حِبّان من حديث الأشَجّ العَصَري أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لهم: "ما لي أرى وجوهَكُم قد تغيرت" قالوا: نحن بأرض وخمة، وكنا نتخذ من هذه الأنبذة ما يقطع اللحمان في بطوننا، فلما نهيتنا عن الظروف، فذلك الذي ترى في وجوهنا. فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "إن الظروف لا تُحِلُّ ولا تحرم، ولكن كل مسكر حرام" وهذا الحديث صريح في تعدد الوفادة. وها أنا أسرد أسماء من سماهم في "الفتح" من الوفد المذكور، تاركًا العزو إلى من عزى له التسمية فهم: المنذر بن عائذ، وهو الأشجّ المذكرر، ومُنْقِذ بن حِبّان، ومَزِيدة بن مالك، وعَمْرو بن مَرْحوم، والحارث ابن شُعيب، وعُبيدة بن همّام، والحارث بن جُنْدَب، وصُحار بن العبّاس -بصاد مضمومة وحاء مهملتين- وعُقبة بن جروه، وقيس بن النعمان العَبْدي، والجَهْم بن قُثَم، والرّستم العبدي، وجويرية العبدي، والزارع ابن عامر العبدي، وأخوه مطر، وابن أخته ولم يسم، ومشمرج السعدي، وجابر بن الحارث، وخزيمة بن عبد بن عمرو، وهمّام بن ربيعة، وجارية ابن جابر، وأبو خيرة الصُّباحي، ونوح بن مَخْلد جد أبي جَمْرة، وقد مر أنني سأذكر الاعتراض عليه في جعله أبا جمرة من عبد القيس في تعريف أبي جَمْرة قريبًا، هذا ما ذكره في "الفتح" وهو ثلاثة وعشرون، وذكر العيني

стр. 955

زيادة على أربعين، وأعرضت عن ذكر ما ذكره العيني، لأني لم أر في حديث زيادة الوفد على أربعين. وقوله: "فمرنا بأمر فصل" بالصاد المهملة وبالتنوين فيهما على الوصف لا بالإضافة، والفصل بمعنى الفاصل، كالعدل بمعنى العادل، أي: بفصل بين الحق والباطل، أو بمعنى المُفَصِّل أي: المبين المكشوف، وقيل: الفصل البين، وقيل: المحكم، والأمر واحد الأوامر، أي: مرنا بعمل بواسطة افعلوا، ولهذا قال الراوي: "أمرهم" وفي رواية للمؤلف: "آمركم" وفي رواية له بصيغة افعلوا. وأصل مرنا: أؤمرنا بهمزتين، إحداهما للوصل من أمر يأمر، فحذفت الأصلية للاستثقال، فصار أمرنا، فاستُغني عن همزة الوصل، فحذفت، فبقي مُرْ على وزن عُلْ، لأن المحذوف فاء الفعل. وقوله: "نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة" برفع نخبر على الصفة لأمر، وكذا قوله: "ندخل"، لأنه عطف، ويُروى بالجزم فيهما على أنه جواب الأمر، وسقطت الواو في بعض الروايات من "وندخل"، فيرفع نخبر على الصفة، ويجزم ندخل على الجواب. وقوله: "من وراءنا" يشمل من جاؤوا من عندهم باعتبار المكان، ويشمل من يحدث لهم من الأولاد وغيرهم، وهذا باعتبار الزمان، فيحتمل إعمالها في المعنيين حقيقة ومجازًا. وقوله: "وسألوه عن الأشربة" يحتمل عن ظروفها، ويكون الجواب الآتي من قوله: "ونهاهم عن أربع، عن الحنتم .. الخ" موافقا للسؤال، ويحتمل أن يكون المعنى سألوه عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة، ويحتاج الجواب الآتي إلى تأويل كما سأذكره إن شاء الله تعالى هناك، وعلى التقدير الأول يكون المحذوف المضاف، وعلى الثاني الصفة.

стр. 956

وقوله: "فأمرهم بأربع" أي خِصال أو جمل لقولهم فيما رواه المؤلف في المغازي: حدثنا بجمل من الأمر، واستشكل قوله: "أمرهم بأربع" مع أن المذكورات خمس. وأجاب القرطبي بان أول الأربع المأمور بها إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركًا بهما، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ونحى الطيبي إلى هذا، فقال: عادة البلغاء أن الكلام إذا كان مسوقًا لغرض جعلوا سياقه له، وطرحوا ما عداه، وهنا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين، لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر في صدر الإِسلام، فلهذا لم يعد الشهادتين في الأوامر. وعورض هذا بما وقع في رواية حماد بن زيد عن أبي جَمْرة عند المصنف في المغازي: "آمركم بأربع الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلاَّ الله" وعقد واحدة وهو يدل على أن الشهادة إحدى الأربع. وعنده في أوائل المواقيت في رواية عباد بن عباد: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، الإيمان بالله" ثم فسرها لهم شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، وهذا أيضًا يدل على أنه عد الشهادتين من الأربع، لأنه أعاد الضمير في قوله: ثم فسرها مؤنثًا، فيعود على الأربع، ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مذكرًا. وأجاب القاضي عياض تبعًا لابن بطّال بأن الأربع ما عدا أداء الخمس، قال: كأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان، وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع منهم جهاد، لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد ذكرها بعينها، لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين. وأجاب ابن الصلاح وغيره بأن قوله: "وأن تُعطوا" معطوف على قوله:

стр. 957

"بأربع"، أي: آمركم بأربع، وبأن تُعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع، والإتيان بأن والفعل مع توجه الخطاب لهم. قال الأبىّ: وهذا أتم جواب في المسألة، لأن به تتفق الطريقان، ويرتفع الإشكال. قال ابن التين موجهًا له: لا تمتنع الزيادة إذا حصل الوفاء بوعد الأربعة، لكن يرد على هذا الجواب أن المصنف ترجم بأن أداء الخمس من الإيمان، وذلك يقتضي إدخاله مع باقي الخصال في تفسير الإيمان، والتقرير المذكور يخالفه. وأجيب عن هذا بما مر في الترجمة، من أن المطابقة حاصلة من جهة أخرى، وهي أتهم سألوا عن الأعمال ... إلخ ما مر قريبًا. وأجيب أيضًا بأنه عد الصلاة والزكاة واحدة، لأنها قرينتها في كتاب الله تعالى، وتكون الرابعة أداء الخمس، أو أنه لم يعد أداء الخمس لأنه داخل في عموم الزكاة، والجامع بينهما أنهما إخراج مال معين في حال دون حال. وقال البيضاوي: إن الأمور الخمسة المذكورة هنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الآخر حذفها الراوي اختصارًا أو نسيانًا. قال في "الفتح": وهذا غير ظاهر، والظاهر من السياق أن الشهادة أحد الأربع، لقوله فيما مر: وعقد واحدة. قال: وكان القاضي أراد أن يرفع الإشكال من كون الإيمان واحدًا، والموعود بذكره أربعًا، وأجيب عن ذلك بأنه باعتبار أجزائه المفصلة أربع، وهو في حد ذاته واحد، والمعنى أنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذكر أنه يأمرهم بها، ثم فسرها، فهو واحد بالنوع، متعدد بحسب وظائفه، كما أن المنهي عنه وهو الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار واحد بالنوع، متعدد بحسب أوعيته، والحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير أن تتشوف النفس إلى التفصيل،

стр. 958

ثم تسكن إليه، وأن يحصل حفظها للسامع، فإذا نسي شيئًا من تفاصيلها، طلب نفسه بالعدد، فإذا لم يستوف العدد الذي في حفظه، علم أنه قد فاته بعض ما سمع. قلت: قوله: قال: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده .. الخ" يفهم منه صريحًا أن الإيمان بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم داخل في الإيمان بالله وحده، ليس شيئًا زائدًا على الإيمان به تعالى، وهذا فيه من غاية تعظيمه ﵊ ما يُدهش العقول، حيث إن الله تعالى جعل الإيمان به ﵊ إيمانًا به تعالى وحده، لا مزيد فيه من جهته صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذا فيه من التنويه ما ليس في قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وقد مر في حديث: "بُني الإِسلام على خمس" أول الكتاب الكلام مستوفى على معنى الإيمان والشهادة، ومعنى إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان. ولم يذكر الحج في الحديث، واختلف في سبب عدم ذكره، فقيل: لأنه لم يكن فوض، وهذا هو المعتمد بناء على تقدم اسلامهم، فإن فوض الحج كان في سنة ست على الأصح وجعل القاضي عياض فوضه سنة تسع، وقدوم الوفد سنة ثمان قبل فوضه، وقيل: إنما لم يذكره لهم لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد اعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلًا وتركًا، ويدل على هذا اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ، لكن اقتصر عليها لكثرة تعاطيهم لها، وأما قول من قال: إنه ترك ذكره لكونه على التراخي، فليس بجيد، لأن كونه على التراخي لا يمنع من الأمر به، وكذا قول من قال: إنه تركه لشهرته عندهم ليس بقوي، لأنه عند غيرهم ممن ذكره لهم أشهر منه عندهم، وكذا قول من قال: انه ترك ذكره لأنهم لم يكن لهم سبيل إليه من أجل كفار مضر ليس بمستقيم، لأنه لا يلزم من عدم الاستطاعة في الحال ترك الإخبار به ليُعمل به عند الإمكان كما في الآية،

стр. 959

بل دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة، لأن الحج يقع في الأشهر الحرم، وقد ذكروا أنهم كانوا يأمنون فيها. ووقع في كتاب الصيام من "السنن الكبرى" للبيهقي من طريق أبي قلابة الرَّقاشىِ، عن أبي زيد الهَرَوي، عن قُرّة في هذا الحديث زيادة ذكر الحج، ولفظه: "وتحجوا البيت الحرام" وهذه رواية شاذة، وقد أخرجه الشيخان، ومن استخرج عليهما، والنسائي، وابن خُزَيْمة، وابن حبّان من طريق قُرة، لم يذكر أحد منهم الحج، وأبو قِلابة تغير حفظه في آخر عمره، فلعل هذا مما حدث به في التغير، وعلى تقدير أن يكون ذكر الحج فيه محفوظًا، فالجواب عنه أن يقال: المراد بالأربع ما عدا الشهادتين وأداء الخمس، واعلم أن عدم ذكر الحج إنما هو بالنسبة لرواية أبي جمرة، وإلا فقد ورد ذكره في "مسند" الإِمام من رواية أبان العطار، عن سعيد ابن المُسَيِّب، وعن عكرمة عن ابن عباس في قصة وقد عبد القيس. وقوله: "ونهاهم عن أربع عن الحنتم ... الخ" إن كان المراد بقوله أولًا: وسألوه عن الأشربة، أي: عن ظروفها، فالجواب مطابق للسؤال، وإن كان المراد عن الأشربة نفسها، فالجواب هنا من إطلاق المحل وإرادة الحال، أي: ما في الحَنْتَم ليوافق السؤال، وصرح بالمراد في رواية النسائي، فقال: "وأنهاكم عن أربع: ما ينتبذ في الحنتم ... الحديث". والحَنْتَم: -بفتح المهملة، وسكون النون، وفتح المثناه الفوقية- هي الجرة مطلقًا، وتجمع على جرار، ككلبة وكلاب، أو الحنتم: الجرار الخضراء، أو هي جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم، أو الحنتم ما طلبي من الفخار بالحنتم المعمول بالزجاج وغيره. وقوله: وعن الدُّبَّاء -هو بضم المهملة، وتشديد الموحدة، وبالمد- اليقطين، كان أهل الطائف يأخذون القرع، فيخرطون فيه العنب، ثم يدفنونه حتى يهدر، ثم يموت.

стр. 960

وقوله: "والنَّقِير" هو بفتح النون وكسر القاف، أصل النخلة ينقر فيتخذ منه وعاء، كان أهل اليمامة ينقرون أصل النخلة، ثم ينبذون الرطب والبسر، ثم يدعونه حتى يهدر، ثم يموت. وقوله: "والمُزَفَّت" بالزاي والفاء ما طُلي بالزفت. وقوله: "وربما قال: والمُقَيَّر" وهو بالقاف والياء الأخير ما طلبي بالقار، ويقال له: القير، وهو نبت يحرق إذا يبس تطلى به السفن وغيرها كما تطلى بالزفت. وقوله: "وأخبروا بهنَّ من وراءكم" مرَّ في قوله السابق: "من وراءنا" المراد به فراجعه. ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها لأنه يسرع إليه فيها الإسكار، فربما شرب منها من لم يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء، مع النهي عن شرب كل مسكر. ففي "صحيح" مسلم عن بُريدة: "كنت نهيتُكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرًا". وحاصل المسألة أن بعض العلماء أخذ بالرخصة العامة، فقال بالإباحة مطلقًا لحديث بُريدة هذا، وحديث الأشَجّ العَصَريّ السابق: "إن الظروف لا تُحِلُّ ولا تحرم، ولكن كل مسكر حرام". قال الخطابي: ذهب الجمهور إلى أن النهي إنما كان أولًا، ثم نسخ، وعلى هذا سائر الكوفيين، وعن أحمد روايتان. وقال ابن بطّال: النهي عن الأوعية إنما كان قطعًا للذريعة، فلما قالوا: لا نجد بدًّا من الانتباذ في الأوعية، قال: انتبذوا وكل مسكر حرام، وهكذا الحكم في كل شيء نهى عنه بمعنى النظر إلى غيره، فإنه يسقط للضرورة، كالنهي عن الجلوس في الطرقات، فلما قالوا: لابد لنا منها، قال: "فأعطوا الطريق حقَّها".

стр. 961

والقائلون بالإباحة المطلقة قالوا: إن المعنى في النهي أن العهد بإباحة الخمر كان قريبًا، فلما اشتهر التحريم أُبيح لهم الانتباذ في كل وعاء، بشرط ترك شرب المسكر، وذهب مالك إلى كراهة الانتباذ في الدُّباء والمزفَّت كراهة تنزيه، وإباحة ما سواهما، هذا مشهور مذهبه، واستدل بما أخرجه في "الموطأ" عن عبد الله بن عمر "نهى أن يُنبذ في الدُّبّاء والمزَفّت" وعن أبي هُريرة مثله، وحملوا النهي على التنزيه للأحاديث الواردة في الترخيص مطلقًا، جمعًا بين الأدلة. وجمع القائلون بالإباحة المطلقة بأنه لما وقع النهي عامًّا، شكوا إليه الحاجه، فرخص لهم في ظروف الأدم، ثم شكوا إليه أن كلهم لا يجد ذلك، فرخص دهم في الظروف كلها. وقال الشافعي والثوري وابن حبيب من المالكية: يكره ذلك ولا يحرم. وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية باق، منهم: ابن عمر، وابن عباس، وروي عن ابن عباس أنه قال: "لا يُشرب نبيذ الجر ولو كان أحلى من العسل" كما مر، وأسند النهي عن جماعة من الصحابة. قلت: لعل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه منهم، لما أخرجه الطبري عنه من قوله: لأن أشرب من قمقم محمي، فيحرق ما أَحْرَق، ويُبقي ما أبقَى، أحب إلى عن أن أشرب نبيذ الجر. قال الخطابي: وكأن من ذهب إلى استمرار النهي لم يبلغه الناسخ، هذا حاصل ما قيل في الانتباذ في الأوعية. رجاله أربعة: الأول: عليّ بن الجَعْد بن عُبيد أبو الحسن الجَوْهَري البغدادي مولى بني هاشم. قال موسى بن أبي داود: ما رأيت أحفظ من علي بن الجعد، كنا عند ابن أبي ذئب، فأملى علينا عشرين حديثًا، فحفظها وأملاها علينا.

стр. 962

وقال خلف بن سالم: سرت أنا، وأحمد، ويحيى إلى علي بن الجعد، فأخرج إلينا كتبه، وألقاها بين أيدينا، وذهب، فلما نجد فيها إلاَّ خطأً واحدًا، فلما فرغنا من الطعام، قال: هاتوا، فحدث بكل شيءٍ كتبناه حفظًا. وقال الحسين بن فهم: سمعت ابن مَعين في جنازة علي بن الجعد يقول: ما رَوَى عن شُعبة من البغداديين أثبت من هذا، فقال رجل: ولا أبو النَّضْر؟! قال: ولا أبو النَّضر. قال: ولا شبابة؟ قال: خرب الله بيت أمه إن كان مثل شبابة. قال ابن فَهْم: فعجبنا منه. وقال ابن مَعين: كان علي بن الجعد رباني العلم. وقال أبو زُرعة: كان صدوقًا في الحديث. وقال أبو حاتم: كان متقنًا صدوقًا، ولم أر من المحدثين من يحفظ ويأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره سوى قَبيصة وأبي نُعيم في حديث الثوري، ويحيى الحِمّاني في حديث شَريك، وعليّ بن الجَعْد في حديثه. وقال صالح بن محمَّد: ثقة. وقال النسائي: صدوق. وقال إسحاق ابن إسرائيل في جنازة علي بن الجعد: أخبرني أنه منذ ستين سنة يصوم يومًا ويُفطر يومًا. وقال ابن قانِع: ثقة ثبت. وقال مطيّن: ثقة. وقال ابن عدي: ما أرى بحديثه بأسًا، ولم أر في رواياته إذا حدث عن ثقة حديثًا منكرًا، والبخاري مع شدة استقصائه يروي عنه في "صحيحه". وفي هامش "الزهرة" بخط ابن الطاهر: روى عنه البخاري ثلاثة عشر حديثًا، وقال عبدوس: ما أعلم أني لقيت أحفظ منه، قال المحاملي: فقلت له: كان يتهم بالجَهْم. قال: قد قيل هذا، ولم يكن كما قالوا، الا أن ابنه الحسن كان على قضاء بغداد، وكان يقول: يقول جَهْم، وكان عند علي نحو من ألف ومئة حديث عن شعبة، وكان قد لقي المشايخ. وقال النُّفَيْلي: لا ينبغي أن يكتب عنه قليل ولا كثير. وقال الجوزجاني: متشبث بغير بدعة، زائغ عن الحق. وقال أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي: قلت لعلي ابن الجعد: بلغني أنك قلت: ابن عمر ذاك الصبي. قال: لم أقل، ولكن معاوية ما أكره أن يعذبه الله. وقال أبو داود: عمرو بن مرزوق أعلى من علي بن الجعد ويُتّهم بمتَّهم سوء، قال: ما يسوؤني أن يعذب الله

стр. 963

معاوية. وقال هارون بن سفيان: كنت عند علي بن الجعد فذكر عثمان، فقال: أخذ من بيت المال مئة ألف درهم بغير حق. وقال العُقَيْلي: قلت لعبد الله بن أحمد: لم لم تكتب عن علي بن الجعد؟ قال: نهاني أبي، وكان يبلغه أنه يتناول من الصحابة. وقال زياد ابن أيوب: كنت عند علي بن الجعد، فسألوه عن القرآن، فقال: القرآن كلام الله، ومن قال مخلوق لم أعنفه. قال: فذكرت ذلك لأحمد، فقال: ما بلغني عنه أشد من هذا. وقال زياد بن أيوب أيضًا: سأل رجل أحمد عن علي بن الجعد، فقال الهيثم: ومثله يسأل عنه؟ فقال أحمد: أمسك، قال: فذكره رجل بشر، فقال أحمد: ويقع في الصحابة. وقال أبو زُرعة: كان أحمد لا يرى الكتابة عنه، ورأيته مضروبًا عليه في كتابه، وكان أحمد لا يرى الكتابة عن جميع من أجاب في المحنة. وحكى العُقيلي عن ابن المديني ما يقتضي وهنه عنده، فقال عنه: وممن تُرك حديثه عن شعبة علي بن الجعد، وعدد جماعة، فقالوا: وعلي ابن الجعد ماله؟ قال: رأيت ألفاظه عن شعبة تختلف. قال ابن حَجر: فإن ثبت هذا فلعله كان في أول الحال لم يثبت فضبط، كما قال أبو حاتم فيما تقدم. وقال صالح بن محمَّد الأسدي: كان علي بن الجعد يحدث بثلاثة أحاديث لكل إنسان عن شعبة، وكان عنده عن مالك ثلاثة أحاديث، كان يقول: إنه سمعها من مالك، وثلاثة أعوام كان يقول فيها: أخبرنا مالك، كان مالك حدثه. قال ابن حجر: روى البخاري من حديثه عن شعبة أحاديث يسيرة. روى عن: حَريز بن عثمان، وشعبة، والثَّوري، ومالك، وابن أبي ذئب، وشيبان بن عبد الرحمن، وقيس بن الربيع، ووَرْقاء بن عمر، ويزيد ابن إبراهيم، ومحمد بن راشد، والمبارك بن فضالة، وغيرهم.

стр. 964

وروى عنه أبو داود، وأحمد، ويحيى بن مَعين، وأبو بكر بن أبي شَيْبة، والزَّعْفَراني، وأبو زُرعة، وأبو حاتِم، وموسى بن هارون، ويَعْقوب ابن شَيْبة، وزياد بن أيوب، وغيرهم. ولد سنة ست وثلاثين ومئة، ومات سنة ثلاثين ومئتين. والجوهري في نسبه نسبة إلى بيع الجوهر، وهو كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به. والبغدادي في نسبه مر الكلام عليه في الرابع من كتاب الإيمان. الثاني: شعبة بن الحجّاج، وقد مر في الثالث من كتاب الإيمان. الثالث: أبو جمرة -بالجيم- واسمه نصر بن عمران بن عصام، وقيل: ابن عاصم بن واسع الضُّبَعي البصري، وقيل: هو نصر بن عمران بن نوح ابن مَخْلد الضُّبعي البصري .. الخٍ. قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة. وقال أحمد: ثقة. وكذا قال ابن أبي خيْثمة عن ابن مَعين. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال أبو داود: روى أبو عوانة عن أبي جَمرة القصاب ستين حديثًا، وروى عن أبي جمرة الضُّبَعي حديثًا واحدًا. وقال مسلم بن الحجاج: كان مقيمًا بنيسابور، ثم خرج إلى مرو، ثم إلى سرخس، فمات بها. روى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، وزَهْدَم الجَرْميّ، وعائذ بن عمر، والمزني، وغيرهم. وروى عنه: علقمة، وأبو التّيّاح، ومرة بن خالد، وشعبة، وعبّاد بن عباد المُهَلَّبي، ويحيى بن همّام، وأبو عَوانة، وغيرهم. مات قبل أبي التّياح بقليل، ومات أبوالتّيّاح سنة ثمان وعشرين ومئة. وقال الترمذي: إنه ما ماتا في يوم واحد، وقيل: مات في ولاية يوسف بن عمر على العراق، وكان عزله عنه سنة أربع وعشرين.

стр. 965

وفي الستة نصر سواه ستة عشر، وليس في الستة ولا في "الموطأ" من يكنى بهذه الكنية، ولا من اسمه جَمْرة بالجيم. وفي كتاب الجيّاني أنه وقع في نسخة أبي ذر عن أبي الهيثم حَمْزة -بالحاء المهملة والزاي- وهو وهم، وما عداه فهو أبو حمزة بالحاء المهملة والزاي. وليس في البخاري من يشتبه به ممن هو بالحاء المهملة من الكنى إلا أبو حَمْزة الأنصاري الراوي عن زيد بن أرْقم، وإلا أبو حمزة السُّكري المَرْوزي وأما الأسماء دون الكنى فجماعة، وأما ما وقع في المغازي من طريق شعبة عن أبي جَمْرة عن عائذ بن عمرو فالجمهور على أنه بالجيم والراء، ووقع لأبي ذر الهَرَويّ عن الكُشْمِيْهنيّ -بالحاء المهملة والزاي- قال سيدي عبد الله في غرة الصباح: وَجَمرةُ كنيةُ نصرِ الضُّبَعيّ ... وغيرهُ بالحاءِ حيثُما وُعي وفي أبي حَمْزةَ في المغازي ... عن عائذٍ بدا اختلافُ نازِي وقد روى مسلم عن أبي حمزة -بالحاء المهملة- عن أبي عطاء القصاب حديثًا واحدًا فيه ذكر معاوية، وإرسال النبي ﷺ ابن عباس خلفه. وقال بعض الحفاظ: إن شعبة يروي عن سبعة يروون عن ابن عباس، كلهم أبو حمزة -بالحاء المهملة والزاي- إلا هذا، ويعرف هذا من غيره بأنه إذا أطلق أبو جمرة عن ابن عباس فهو هذا، وإذا أرادوا غيره ممن هو بالحاء المهملة قيدوه بالاسم والنسب والوصف، كأبي حمزة القصّاب. والضُّبعي في نسبه نسبة إلى ضُبَيْعة -كجهينة- بطن من عبد القيس كما جزم به الرشاطي، وفي العرب قبائل تُنسب إلى ضُبيعة، وهي: ضُبيعة ابن ربيعة بن نزار، وهو المعروف بالأضخم، ومعناه المعوج الفم، وضبيعة ابن أسد بن ربيعة، وضبيعة بن قيس بن عكابة بن صعب بن بكر بن وائل وهو أبو رقاش أم مالك وزيد مناة ابني شيبان، وهم رهط الأعشى

стр. 966

ميمون بن قيس وهو من بني سعد بن ضبيعة، ومنهم المرقش الأكبر أيضًا، وضبيعة بن عجل بن لُجَيْم بن صعب بن بكر بن وائل، وهم رهط الوصاف قال الشاعر: قَتَلْتَ به خيرَ الضُّبَيْعاتِ كلِّها ... ضُبيعةَ قيسٍ لا ضُبيعةَ أضْخَمِ وضُبيعة بن فريد بطن من الأوس من بني عوف بن عمر بن عوف، وضُبيعة ابن الحارث العَبْسي صاحب الأغر اسم فرس له، وفي عشائر الصموت ضُبيعة الأعرابي عبد الله بن الصموت بن عبد الله بن كلاب، وضُبيعة محلة بالبصرة. قال في "تاج العروس": وأبو جَمْرة الضُّبَعي نسبة إلى ضُبيعة بن قيس ابن ثعلبة، الذين نزلوا البصرة، وقيل: إلى المحلة التي سكنها هؤلاء بالبصرة. قال العيني: ووهم من نسب أبا جَمْرة الضبعي من شراح البخاري إلى ضبيعة بكر بن وائل. لما روى الطبراني وابن مَنْده في ترجمة نوح بن مخلد جد أبي جمرة أنه قدم على رسول الله ﷺ ، فقال له: "ممن أنت؟ " قال: من ضُبيعة ربيعة. فقال: "خير ربيعة عبد القيس، ثم الحي الذي أنت منهم" ووافقه ابن حجر على هذا الاعتراض. قلت: وفي طعنهما نظر ظاهر، لأن ربيعة شاملة لعبد القيس وبكر ابن وائل، إذ جميع بطون ربيعة متشعبة منهما، وهما من ولد أسد بن ربيعة، قال الشنقيطيّ في نظم أنساب العرب: ولِربيعةَ عديدُ الطيسِ ... من نسلِ قاسطٍ وعبدِ القَيْسِ كلاهُما من أسدِ ابنه ومِنْ ... نمرِ بنِ قاسطٍ صُهيبٌ المُبَنْ بصفةِ المسجدِ في أضيافِ ... نبيِّنا وعنهُ لا يُجافي فإذا علمت أن ربيعة شاملة لعبد القيس وبكر بن وائل، لأن وائلًا ابن قاسط، علمت أن الطعن علي من نسبه إلى ضبيعة بكر بن وائل بالحديث غير صحيح بل الذي يدل عليه الحديث صريحًا أنه ليس من عبد القيس،

стр. 967

بل من ضُبيعة الذين ليسوا منهم، لقوله في الحديث: "خيرُ ربيعة عبد القيس، ثم الحي الذي أنت منهم" فإنه يعلم منه بديهة أن الحي الذي هو منهم ليس من عبد القيس، فكيف يصح مع الحديث نسبته إلى ضُبيعة عبد القيس، فالحق مع الذي نسبه إلى ضبيعة بكر بن وائل أو غيره من غير ضُبيعة عبد القيس، فتأمله منصفًا. الرابع: عبد الله بن عبّاس وقد مر في الخامس من بدء الوحي. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والإخبار في أخبرنا شعبة، وفي كثير من النسخ حدثنا شعبة، ورجاله ما بين بغدادي وواسطي وبصري، وفيه من هو من الأفراد وهو أبو جَمْرة، وكذا علي بن الجعد. انفرد به البخاري وأبو داود عن بقية الستة. وهذا الحديث أخرجه البخاري في عشرة مواضع هنا كما رأيت، وفي الخمس عن أبي النعمان، وفي خبر الواحد عن علي بن الجعد. وعن إسحاق، وفي كتاب العلم عن بُندار، وفي الصلاة عن قُتيبة، وفي الزكاة عن حجّاج بن المنهال، وفي مناقب قريش عن حماد ومسدد، وفي المغازي عن سليمان بن حَرْب وعن إسحاق بن أبي عامر، وفي الأدب عن عِمران بن مَيْسرة، وفي التوحيد عن عمرو بن علي. ومسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شَيْبة وغيره، وفي الأشربة عن خلف بن هِشام، وأبو داود في الأشربة عن سُليمان بن حَرْب وغيره، وفي السنة عن أحمد بن حَنْبل، والترمذي في السِّيَر عن قُتيبة مختصرًا، وفي الإيمان عن قُتيبة بطوله، وقال: حسن صحيح، والنسائي في العلم عن بُندار، وفي الإيمان عن قُتيبة، وفي الأشربة عن أبي داود الحرّاني، وفي الصلاة عن محمد ابن عبد الأعلى. ولم يذكر البخاري في طرقه قصة الأشج، وذكرها مسلم. ثم قال المصنف: باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرىء ما نوى فدخل فيه

стр. 968

الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام وقال ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ على نيته ونفقة الرجل على اهله يحتسبها صدقة وقال النبي ﷺ ولكن جهاد ونية. أي: هذا باب بيان ما ورد دالًا على أن الأعمال الشرعية معتبرة بالنية والحسبة، والمراد بالحسبة: طلب الثواب والإخلاص في العمل، وإنما استدل بحديث عمر على أن الأعمال بالنية، وبحديث أبي مسعود على أن الأعمال بالحسبة، وقوله: "ولكل امرىء ما نوى" بعض حديث الأعمال بالنية، وإنما أدخل قوله: "والحسبة" بين الجملتين، للإشارة إلى أن الثانية تفيد ما لا تفيده الأولى، وللتنبيه على أن التبويب شامل لثلاث تراجم: الأعمال بالنية، والحسبة، ولكل امرىء ما نوى. قوله: "فدخل فيه الإيمان" هو من مقول المصنف، وليس فيه بقية مما ورد، وقد أفصح ابن عساكر في روايته بذلك، فقال: قال أبو عبد الله، يعني: المصنف، والضمير في "فيه" يعود على الكلام المتقدم، وتوجيه دخول النية في الإيمان على طريقة المصنف أن الإيمان عمل كما مر، وأما الإيمان بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى نية كسائر أعمال القلوب من خشية الله، وعظمته، ومحبته، والتقرب إليه، وقد مر في حديث إنّما الأعمال بالنية الكلام على فائدتها. وقوله: "والوضوء" أي: وكذا الوضوء، خلافًا للأوْزاعيّ وأبي حنيفة وغيرهما، محتجين بأنه وسيلة إلى العبادة لا عبادة مستقلة، وبأنه ﵊ علم الأعرابي الجاهل الوضوء، ولم يعلمه النية، ولو كانت فريضة لعلمه، ونوقضوا بالتيمم، فإنه وسيلة وشرطوا فيه النية، وأجابوا بأنه طهارة ضعيفة، فيحتاج لتقويتها، وبأن قياسه على التيمم غير مستقيمٍ، لأن الماء خلق مطهراً، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ والتراب ليس كذلك، وكان التطهير به تعبدًا محضًا، فاحتاج إلى النية، إذ التيمم ينبىءُ لغة عن القصد، فلا يتحقق دونه، بخلاف الوضوء، ففسد قياسه على التيمم.

стр. 969

واستدل الجمهور على اشتراط النية في الوضوء بالأدلة الصحيحة المصرحة بوعد الثواب عليه، فلابد من قصد يميزه عن غيره، ليحصل الثواب الموعود به. وقوله: "والصلاة" أي: وكذا الصلاة، من غير خلاف أنها لا تصح إلا بالنية، نعم نازع ابن القيّم في استحباب التلفظ بها، وكذا المالكية، بل التلفظ بها عندهم خلاف الأولى إلا في حق الموسوس، فيندب له، محتجين بأنه لم يرد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تلفظ بها، ولا عن أحد من أصحابه. وأجيب بأنه عون على استحضار النية القلبية، وعبادة اللسان، وقاسه بعضهم على ما في "الصحيح" من حديث أنس أنه سمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعًا، يقول: "لبيك حجّاً وعمرة"، وهذا تصريح باللفظ، والحكم كما يثبت باللفظ يثبت بالقياس، وتجب مقارنة النية لتكبيرة الإحرام، لأنها أول الأركان، وذلك بأن يأتي بها عند أولها، ويستمر ذاكرًا لها ... إلخ. واختار النووي تبعًا للغزالي الاكتفاء بالمقارنة العرفية عند العوام، بحيث يعد مستحضرًا للصلاة. وقال ابن الرفعة: إنه الحق، وصوبه السُّبكي، ولو عزبت النية قبل تمام التكبيرة لم تصح الصلاة، لأن النية معتبرة في الانعقاد، والانعقاد لا يحصل إلا بتمام التكبيرة. ولو نوى الخروج من الصلاة، أو تردد في أن يخرج أو يستمر بطلت، بخلاف الصوم والحج والوضوء والاعتكاف، لأنها أضيق بابًا من الأربعة، فكان تأثيرها باختلاف النية أشد. ولو علق الخروج من الصلاة بحضور شيء بطلت في الحال، ولو لم يقطع بحصوله، كتعليقه بدخول شخص، كما لو علق به الخروج من الإِسلام، فإنه يكفر في الحال قطعًا، قاله القسطلّاني، ونظم بعض المالكية حاصل ما قيل في رفض العبادة بقوله:

стр. 970

الرَّفضُ للطهرِ إذا ما وَقَعا ... بعدَ التمام لغوُهُ قد سُمِعا أما إذا وَقَع في الأثناءِ ... فَشَهّروا فيه بلا امتراءِ ضررهُ ومثلُهُ التيممُ ... كذاكَ الاعتكافُ فيما يُعلمُ والرفضُ للصلاةِ والصيامِ ... يُبطلُ عندَ الحلة الأعلامِ إن كانَ في الأثناءِ أما إن يكُن ... بعدَهُما ففيه خلفٌ قد زَكن قولانِ بالصحةِ والبطلان ... قد ذكروهُما مرجّحانِ والرفضُ للعمرةِ والحجِّ انتفى ... ضررُهُ ولو في الأثناءِ وَفَى وقوله: "والزكاة" أي: وكذا الزكاة تجب فيها النية، وإنما سقطت بأخذ السلطان، ولو لم ينو صاحب المال، لأن السلطان قائم مقامه. وقوله: "والحج" أي: وكذا الحج تجب فيه النية، وإنما ينصرف إلى فرض من حج عن غيره لدليل خاص، وهو حديث ابن عباس في قصة شبْرُمة، أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقي، وهذا عند الشافعية، وعندنا معاشرَ المالكية أن الحج لا ينتقل لغير من وقع له. وقوله: "والصوم" أي: وكذا الصوم، خلافًا لمذهب عطاء ومجاهد وزُفَر أن الصحيح المقيم في رمضان لا يحتاج إلى نية، لأنه لا يصح النفل في رمضان، وعند الأربعة تلزم النية، لكن تعيين الرمضانية لا يشترط عند الحنفية. وقوله: "والأحكام" أي: وكذا الأحكام من المناكحات والمعاملات والجراحات، إذ يشترط فيه كلها القصد، فلو سبق لسانه إلى بعت أو وهبت أو نكحت أو طلقت لغى لانتفاء القصد إليه، ولا يصدق ظاهرًا إلا بقرينة، كأن دعى زوجته بعد طهرها من الحيض إلى فراشه، وأراد أن يقول: أنت طاهر، فسبق لسانه، وقال: أنت الآن طالق. وكل صورة لم تشترط فيها النية فذاك لدليل خاص، وقد ذكر ابن المُنير ضابطًا لما تشترط فيه النية مما لا تشترط، فقال: كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة، بل المقصود به طلب الثواب، فالنية مشترطة فيه، وكل

стр. 971

عمل ظهرت فائدته ناجزة، وتعاطته الطبيعة قبل الشريعة لملائمة بينهما، فلا تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب. قال: وإنما اختلفت العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة، قال: وأما ما كان من المعاني المحضة كالخوف والرجاء، فهذا لا يقال باشتراط النية فيه، لأنه لا يمكن أن يقع إلا منويًّا، ومتى فرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقته، فالنية فيه شرط عقلي، ولذا لا تشترط النية للنية فرارًا من التسلسل، وأما الأقوال فتحتاج إلى النية في ثلاثة مواطن: أحدها التقرب إلى الله تعالى فرارًا من الرياء. والثاني: التمييز بين الألفاظ المحتملة لغير المقصود. والثالث: قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان. وقوله: "وقال الله" الظاهر أنها جملة حالية لا عطف، أي: والحال أن الله قال، ويحتمل أن تكون للمصاحبة، أي: مع أن الله قال. وقوله: "على نيته" تفسير منه لقوله: ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ بحذف أداة التفسير، وتفسير الشاكلة بالنية صح عن الحسن البصري ومعاوية بن قُرة المزني، وقتادة. أخرجه عبد بن حُميد والطبري عنهم. وعن مجاهد، قال: الشاكلة الطريقة أو الناحية، وهذا قول الأكثر، وقيل: الدين، وكلها متقاربة. وقوله: "ونفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة" أي: حال كونه مريدًا بها وجه الله تعالى، فيحتسبها حالٌ متوسط بين المبتدأ والخبر الذي هو صدقة، وفي نسخة إسقاط الواو. وفي رواية أبوي ذرِّ والوقت والأصيلي إسقاط هذه الجملة كلها. وقوله: "ولكن جهاد ونية" هذا طرف من حديث ابن عباس، أوله: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونية، وإن استُنْفِرْتُم فانفِروا".

стр. 972

أخرجه المؤلف هنا معلقًا، وأخرجه مسندًا في الحج عن عثمان بن أبي شَيْبة، وفي الجزية مسندًا أيضًا عن علي بن عبد الله، وفي الجهاد أيضًا مسندًا عن آدم وغيره. وأخرجه مسلم في الجهاد عن يحيى بن يحيى، وفيه وفي الحج عن إسحاق بن إبراهيم، وفي الجهاد أيضًا عن أبي بكر وأبي كُرَيْب وأبو داود في الجهاد والحج عن عثمان معلقًا والترمذي في السير عن أحمد بن عَبْدة، وقال: حسن صحيح. والنسائي فيه وفي البيعة عن إسحاق بن منصور، وفي الحج عن محمَّد بن قُدامة وغيره. وقد تكلمت عليه وعلى غيره من أحاديث الهجرة في آخر الكلام على حديث "إنما الأعمال بالنيات".

стр. 973

الحديث السابع والأربعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". قوله: "قال: الأعمال بالنية" أورده هنا من رواية مالك بإفراد النية وحذف إنما، ورواه مسلم عن القَعْنَبيّ بإثباتها، واتفق المحققون على إفادة الحصر من هذه الصيغة كالمصدرة بإنما، وهو من حصر المبتدأ في الخبر، وقد ذكر في رواية مالك هنا الشطر الأول المحذوف في رواية الحُميدي المذكورة في أول حديث من الكتاب، وهي قوله: "فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسولِه فهجرته إلى الله ورسوله" ومرّ هناك بيان نكتة حذفه لها، ومر الكلام مستوفى على جميع مباحث الحديث، ولذلك لا أحتاج إلى إعادته هنا. رجاله ستة: الأول: عبد الله بن مَسلمة القَعْنبي وقد مر في الثاني عشر من كتاب الإيمان هذا. والثاني: الإِمام مالك، وقد مر في الثاني من بدء الوحي. ومر يحيى ابن سعيد، ومحمد بن إبراهيم، وعلقمة بن وقاص، وعمر بن الخطاب ﵁ في الأول من بدء الوحي، وتقدم هناك ذكر المواضع التي أخرج فيها وما يتعلق به فانظره.

стр. 974

الحديث الثامن والأربعون حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى عَدِىُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ". قوله: "إذا أنفق الرجل" أي: نفقة من دراهم وغيرها، صغيرة كانت أو كبيرة، لما أفاده حذف المفعول من العموم. وقوله: "على أهله" يحتمل أن يشمل الزوجة والأقارب، ويحتمل أن يختص بالزوجة، ويلحق به من عداها بطريق الأوْلى، لأن الثواب إذا ثبت فيما هو واجب، فثبوته فيما ليس بواجب أولى. وقوله: "يحتسبها" جملة حالية، أي: يريد بها وجه الله تعالى، فالاحتساب القصد إلى طلب الأجر، وهذا اللفظ مقيد لمطلق ما جاء أن الإنفاق على الأهل صدقة كما في بعض روايات حديث سعد الآتي في النفقات بلفظ: "ومهما أنفقت فهو لك صدقة". وقوله: "فهو" أي الإِنفاق المفهوم من قوله: "أنفق" على حد قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: العدل. ولغير الأربعة: "فهي" أي: النفقة. وقوله: "له صدقة" أي: كالصدقة في الثواب، وإطلاق الصدقة على النفقة مجاز، وقرينته الصارفة له عن الحقيقة الإجماع على وجوب الإنفاق على الهاشمية مثلًا التي حرمت عليها الصدقة، وهو من مجاز التشبيه، وهو واقع على أصل الثواب، لا في كميته، ولا كيفيته. وقال الطبري: الإنفاق على الأهل واجب، والذي يعطيه يؤجر على

стр. 975

ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة، بل هي أفضل من صدقة التطوع. وقال المهلّب: النفقة على الأهل واجبة، وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر، فعرفهم أنها لهم صدقة، حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم ترغيبًا لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع. وقال ابن المنير: تسمية النفقة صدقة من جنس تسمية الصداق نِحْلة، فلما كان احتياج المرأة إلى الرجل كاحتياجه إليها في اللذة والتأنيس والتحصين وطلب الولد، كان الأصل أن لا يجب لها شيء عليه، إلا أن الله خص الرجل بالفضل على المرأة بالقيام عليها ورفعه عليها بذلك درجة، فمن ثمَّ جاز إطلاق النِّحلة على الصداق، والصدقة على النفقة. قال القُرطبيّ: أفاد منطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة، سواء كانت واجبة أو مباحة، وأفاد مفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر، لكن تبرأ ذمته من النفقة الواجبة، لأنها معقولة المعنى، وفي هذا الحديث الرد على المرجئة، حيث قالوا: إن الإيمان إقرار باللسان فقط. رجاله خمسة: الأول: حجّاج بن المِنْهال -بكسر الميم- أبو محمد الأنْماطيّ السُّلمي وقيل البُرْساني -بضم الموحدة- مولاهم. قال أحمد: ثقة، ما أرى به بأسًا. وقال أبو حاتم: ثقة فاضل. وقال العِجْليّ ثقة، رجل صالح. وقال النّسائي: ثقة. وقال خَلَف بن محمد كردوس: كان صاحب سنة يظهرها. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن قانِع: ثقة مأمون. وقال: ما رأيت مثله فضلًا ودينًا.

стр. 976

وقال أبو داود إذا اختلفا فعثمان وحجاج أفضل الرجلين. وقال أبو حاتم: كان من خيار الناس. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". كان رجلًا صالحًا، وكان سمسارًا يأخذ من كل دينار حبة، فجاءه خراساني موسر من أصحاب الحديث، فاشترى له أنماطًا، وأعطاه ثلاثين دينارًا. فقال له: خذ هذه سمسرتك. فقال له: دنانيرك أهون علي من هذه التراب، هات من كل دينار حبة، وخذ ذلك. وقال أحمد بن عبد الله: بصريّ ثقة. روى عن: جرير بن حازم، والحمادين، وشعبة، وعبد العزيز الماجَشون، وهمّام، ويزيد بن إبراهيم، وغيرهم. وروى عنه: البخاري، وروى الباقون له بواسطة، وبندار، وأبو موسى، وصاعقة، والخلّال، والذُّهلي، وابن دارة، ويعقوب بن شَيبة، ويعقوب بن سفيان، وعلي بن عبد العزيز، وغيرهم. مات في شوال سنة ستة أو سبعة عشر ومئتين. وليس في الستة حجّاج بن مِنهال سواه، وأما حجاج فكثير. والإنماطي في نسبه نسبة إلى بيع الأنماط جمع نَمَط -بالتحريك- مثل سَبَب وأسباب، والنسبة إليه أنماطيّ كأنصاري، ونَمَطِيّ إلى الواحد على القياس، والنمط البسط التي تفرش، أو ضرب من البسط، وقيل: ضرب من الثياب المصبغة، ولا يكادون يقولون نمط إلا لما كان ذا ألوان من حمرة أو خضرة أو صفرة، وأما البياض فلا يقال له نمط، وإليه ينسب كثير من العلماء، كابن الأنماطي إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن المصري الفقيه الشافعي الأشعريّ، وأبو الحسن محمد بن طاهر الأنماطي، وأبو القاسم الحسن بن المبارك الأنماطي البغدادي، وغيرهم. الثاني: شعبة بن الحجّاج وقد مر في الثالث من كتاب الإيمان. الثالث: عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي.

стр. 977

قال أحمد: ثقة. ووثقه أيضًا النسائي والعِجْلي. وقال الدارقطني: ثقة، إلا أنه كان غاليًا في التشيع. وكذا قال ابن مَعين. وقال أبو حاتم: صدوق، وكان إمام مسجد الشيعة وقاصهم. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الجُوزجاني: مائل عن القصد. وقال الطّبري: عدي بن ثابت ممن يَجبُ التثبت في نقله. وقال شعبة: كان من الربّاعين. وقال الدّارقطني: ثقة. وقال أحمد بن حَنْبل: كان يتشيع. وقال ابن حَجَر: احتج به الجماعة، وما أخرج له في "الصحيح" شيئًا مما يقوي بدعته. روى عن أبيه، وجده لأمه عبد الله بن يزيد الخَطْمي، والبراء بن عازب، وسليمان بن صُرَد، وعبد الله بن أبي أوفى، وزيد بن وَهْب، وأبي بُردة بن أبي موسى، وزيد بن حُبَيْش، وسعيد بن جُبَيْر، وغيرهم. وروى عنه: أبو إسحاق السَّبيعي، وأبو إسحاق الشّيباني، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، والأعمش، وأشعث بن سوار، وشعبة، ومسعر، وفضيل بن مرزوق، وآخرون. مات في خلافة خالد على العراق سنة ست عشرة ومئة. وليس في الستة عدي بن ثابت سواه، وأما عدي فكثير. الرابع: عبد الله بن يزيد بن زيد بن حُصين بن عمرو بن الحارث ابن خَطْمة -واسمه عبد الله- بن جُشَم بن مالك الأوسي الأنصاري أبو موسى الخَطْميّ. شهد الحديبية وهو صغير، قيل: ابن سبع عشرة سنة، وشهد الجمل وصفين مع علي، وكان أميرًا على الكوفة، كان من أفاضل الصحابة، وكان أكثر الناس صلاة، وكان لا يصوم إلا يوم عاشوراء. وقال ابن حِبّان في كتاب "الصحابة": كان أميرًا على الكوفة أيام ابن الزُّبير وكان الشعبي كاتبه، وولي إمرة مكة من عبد الله بن الزبير يسيرًا، واستمر مقيمًا بها.

стр. 978

وقال الأثْرم: قلت لأحمد: لعبد الله بن يزيد صحبة صحيحة؟ قال: أما صحيحة فلا، ذلك شيء يرويه أبو بكر بن عياش، عن أبي حُصين، عن أبي بُردة، عن عبد الله بن يزيد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول. وأخرج ابن البُرْقي بسند قوي عن عدي بن ثابت، أن عبد الله بن يزيد كان قد شهد بيعة الرضوان وما بعدها، وهو رسول القوم يوم جسر أبي عبيدة. وقال الآجري: قلت لأبي داود: عبد الله بن يزيد له صحبة. قال: يقولون له رؤية، سمعت ابن مَعين يقول ذلك. وقال أبو حاتم: روى عن النبي ﷺ ، وكان صغيرًا على عهده، فإن صحت روايته فذاك له سبعة وعشرون حديثًا، أخرج البخاري منها حديثين، أحدهما في الاستسقاء موقوف، وفي المظالم حديث النهي عن النُّهبى والمُثْلة، ومسلم أحدهما، وأخرجا له عن البراء، وأبي مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي أيوب، وحذيفة، وقيس بن سعد ﵃. وروى عنه: ابنه موسى، وسبطه عدي بن ثابت، والشعبيّ، وأبو إسحاق، وابن سيرين، وآخرون. وأخرج له البغوي حديث "إن عذاب هذه الأمة في دنياها" وفيه قصة له مع زياد، سكن الكوفة، وابتنى بها دارًا، ومات زمن ابن الزبير. وفي الصحابة عبد الله بن يزيد جماعة، هذا أحدهم، والثاني عبد الله ابن يزيد القارىء له ذكر في الحديث عن عائشة ﵂ أنه ﵊ سمع قراءته. والثالث عبد الله بن يزيد النَّخَعي. والرابع: عبد الله بن يزيد البَجَليّ وله حديث: "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه" والخامس عبد الله بن يزيد الخَثْعَمي. وفي الستة عبد الله بن يزيد ثلاثة عشر. والخَطْميّ -بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة- في نسبه نسبة إلى جده خَطْمة المار في نسبه، وإنما سمي خَطْمة لأنه ضرب رجلًا

стр. 979

على خطمه أي أنفه، والخطم من كل طائر منقاره، ومن كل دابة مقدم أنفها وفيها، والمخاطم الأنوف واحدها مخْطِم -بكسر الطاء- ورجل أخطم: طويل الأنف. الخامس: أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة -مكبر، وقيل: مصغر، وقيل: يُسيرة بضم أوله ابن عَسيرة -مكبر- ابن عطية بن جِدارة -بكسر الجيم، وقال ابن عبد البر: بضم الخاء المعجمة- ابن عوف بن الخزرج الأنصاري البدري. شهد العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم سنًّا، وشهد أحدًا، والجمهور على أنه لم يشهد بدرًا، فنسب إليها، وقال حَمْدون بن شهاب الزُّهري، وابن إسحاق صاحب المغازي، والبخاري في "صحيحه": شهدها، وقال الطبري: أهل الكوفة يقولون: شهدها، ولم يذكره أهل المدينة فيهم. وقال الحاكم وغيره من أهل الكوفة: شهدها، وأهل المدينة أعلم بذلك. له مئة حديث وحديثان، اتفقا على تسعة، وانفرد البخاري بحديث واحد، ومسلم بسبعة. روى عنه: عبد الله بن يزيد الخَطْمي، وابنه بشير، وأبو وائل، وعلقمة، وقيس بن أبي حازم، وعبد الرحمن بن يزيد النَّخَعي، وأبو عمرو الشيباني، وغيرهم. سكن الكوفة. ومات بها، وقيل: بالمدينة، قبل الأربعين، قيل: سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين. روى له الجماعة وفي الصحابة أبو مسعود هذا، وأبو مسعود الغِفاريّ. والبدريّ في نسبه نسبة إلى بدر، الموضع الذي لقي النبي ﷺ فيه المشركين فأعز الله الإِسلام، بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب،

стр. 980

يقال: هو منها على ثمانية وعشرين فرسخًا، وبينه وبين الجار وهو ساحل البحر ليلة، معرفةٌ ويُذَكَّر. أو اسم بئر هناك، حفرها رجل من غفار، اسمه بدر بن يَخْلَد بن النَّضْر بن كِنانة، وقيل: إنه بدر بن قريش بن يَخْلد بن النَّضْر بن كنانة، وقيل: بدر رجل من بني ضَمْرة، سكن ذلك الموضع، فنسب إليه، ثم غلب اسمه عليه. ويقال له: بدر القتال، وبدر الموعد، وبدر الأولى والثانية، وقيل: إنما سميت بدرًا لاستدارتها أو لصفاء مائها، وأنكر الواقدي ذلك عن شيوخ غفار، وقالوا: ماؤنا ومنازلنا ولم يملكها أحد، وإنما بدر علم عليها كغيرها من البلاد. وقال الشعبي: كانت بدر بئرًا لرجل من جُهينة، فسميت به. وبدر أيضًا مخلاف باليمن، وجبل لباهلة بن أعْصر، وجبل آخر قرب الواردة عن يسار طريق مكة وأنت قاصدها، وموضع باليمامة، قال الشاعر: فقلت وقد جعلت براق بدر ... يمينًا والغباية عن شمالي وجبل ببلاد معاوية بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والسماع والإخبار والعنعنة، ورجاله ما بين بصري وواسطي وكوفي، وفيه رواية صحابي أنصاري عن صحابي كذلك، ووقع للبخاري غالبًا خماسيًّا، ولمسلم من جميع طرقه سداسيًّا. وهذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي المغازي عن مسلم، وفي النفقات عن آدم، ومسلم في الزكاة عن ابن معاذ وغيره، والنسائي في الزكاة عن ابن بَشَّار، وفي عشرة النساء عن إسماعيل بن مسعود، والترمذي في البر، وقال: حسن صحيح.

стр. 981

الحديث التاسع والأربعون حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِى فَمْ امْرَأَتِكَ". قوله: "إنك لن تنفق نفقة" يعني: قليلة أو كثيرة، والخطاب لسعد، والمراد هو ومن يصح منه الإنفاق. وقوله: "تبتغي" أي: تطلب وتقصد. وقوله: "وجه الله" أي: ما عند الله تعالى من الثواب، ولفظ الوجه من المتشابه، وفيه مذهبان: التفويض: وهو مذهب السلف، ومعناه أن تفوض معرفة معناه إلى الله تعالى بعد تنزيهه عما لا يليق به من ظاهره. والتأويل: وهو مذهب الخلف، ومعناه أن تحمله على أقرب المعاني الواردة في كلام العرب المنزهة له تعالى عما لا يليق به من صفات المخلوقين، كحمل اليد على القدرة، وحمل المعية في نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ على المعيشة بالعلم والنصر. وحمل الوجه على الذات أو الإخلاص، وقد ألفنا تأليفًا في متشابه الصفات، تتبعنا فيه ما ورد منها في الآيات والأحاديث، واستوفينا الكلام على ذلك غاية الاستيفاء، ولعله يُطبع قريبًا إن شاء الله تعالى. وقوله: "إلا أجرْتَ عليها" وهذا يحتاج إلى تقدير، لأن الفعل لا يقع استثناء، وقدره العيني، فقال: إلا نفقة أجرت عليها، فيكون أجرت عليها

стр. 982

صفة للمستثنى الذي هو نفقة، والمعنى: إن النفقة المأجور عليها هي التي تكون ابتغاءً لوجه الله تعالى، لأنها لو لم تكن لوجه الله لما كانت ماجورًا فيها، والاستثناء متصل، لأنه من الجنس. قلت: كون الفعل لا يقع استثناء قاله في "الفتح"، ووافقه على ذلك العيني، فاحتاج إلى ما مر من التقدير، والذي في كتب النحو أن الفعل المضارع يجوز استثناؤه بدون شرط لمشابهته للاسم، نحو ما زيد إلا يقوم، والفعل الماضي يجوز استثناؤه إذا كان بعد فعل منفي، أو بعد حرف قد، فالأول نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ وفي الحديث الصحيح: "لا يَبْقى أحدٌ منكم إلا لُدَّ غير العباس" وقوله: "ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا" والواقع بعد قد كقول الشاعر: ما المجدُ إلاَّ قَدْ تبيَّنَ أنَّهُ ... بندى وحلْمٍ لا يزالُ مَؤثّلا ولهذه المسألة أشار المختار بن بَوْن في "احمراره" بقوله: وبَعْدَ نفيٍ أولها المضارِعا ... والماضي بعد الفعلِ أو قدْ وقَعَا فعلى ما قاله النحويون لا يحتاج إلى التقدير الذي قدره العيني، والمعنى مستقيم غير محتاج إليه، لأن المعنى حينئذ كلما أنفقت نفقة تبتغي بها وجه الله كنت مؤجراً عليها. قال السُّيوطي في "همع الهوامع": وإنما ساغ وقوع الماضي بتقديم الفعل؛ لأنه مع النفي يجعل الكلام بمعنى كلما كان كذا كان كذا، فكان فيه فعلان كما كان مع كلما. وقوله: "حتى ما تجعل" أي: الذي تجعله، والموصول في محل نصب عطفًا على نفقة، ويجوز الرفع على أنه مبتدأ، والخبر تجعل، وجعل العيني الخبر مقدرًا، أي: فأنت مأجور فيه.

стр. 983

وقوله: "في فم امرأتك"، وللكُشْمِيْهني: "في في امرأتك" وهي رواية الأكثر. قال القاضي عياض: وهي الأصوب، لأن الأصل حذف الميم بدليل جمعه على أفواه، وتصغيره على فويه. قال: وإنما يحسن إثبات الميم عند الأفراد، وأما عند الأضافة فلا إلا في لغة قليلة. واستنبط منه النووي أن الحظ إذا وافق الحق لا يقدح في ثوابه، لأن وضع اللقمة في في الزوجة يقع غالبًا في حالة المداعبة ولشهوة النفس في ذلك مدخل ظاهر، ومع ذلك إذا وجه القصد في تلك الحالة إلى ابتغاء الثواب حصل له بفضل الله، وقد وقع ما هو أصرح في هذا المراد من وضع اللقمة، وهو ما أخرجه مسلم عن أبي ذر فذكر حديثًا فيه: "وفي بضع أحدِكم صدقة" قالوا: يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: "نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام .. الحديث". قال: وإذا كان هذا في هذا المحل مع ما فيه من حظ النفس، فما الظن بغيره مما لا حظ للنفس فيه. قال: وتمثيله ﵊ باللقمة مبالغة في تحقيق هذه القاعدة، لأنه إذا ثبت الأجر في لقمة واحدة لزوجة غير مضطرة، فما الظن بمن أطعم لقمًا لمحتاج، أو عمل من الطاعات ما مشقته فوق مشقة ثمن اللقمة الذي هو من الحقارة بالمحل الأعلى. وبيان هذا أن يقال: وإذا كان هذا في حق الزوجة مع مشاركة الزوج لها في النفع بما يطعمها، لأن ذلك يؤثر في حسن بدنها، وهو ينتفع منها بذلك، وأيضًا فالأغلب أن الإنفاق على الزوجة يقع بداعية النفس، بخلاف غيرها، فإنه يحتاج إلى مجاهدتها. وفهم من قوله: "تبتغي بها وجه الله تعالى" أن المرائي بفعل الواجب غير مثاب، وإن سقط عقابه بفعله، كما قاله الكِرماني، قال العيني: سقوط العقاب مطلقًا غير صحيح، بل الصحيح التفصيل فيه، وهو أن العقاب الذي يترتب على ترك الواجب يسقط، لأنه أتى بعين الواجب، ولكنه كان

стр. 984

مأمورًا أن يأتي بما عليه بالإِخلاص وترك الرياء، فينبغي أن يعاقب على ترك الإخلاص، لأنه مأمور به، وتارك المأمور به يعاقب، وأسهل من هذا أن يقول: إن الرياء معصية، فيعاقب عليها. والحاصل: أن النية الصالحة إكسير يقلب العادة عبادة، والقبيح جميلًا، فالعاقل لا يتحرك حركة إلا لله، فينوي بمكثه في المسجد زيارة ربه في انتظار الصلاة، واعتكافه على طاعته، وبدخوله الأسواق ذكر الله، وليس الجهر شرطًا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وينوي عقب فريضة انتظار أخرى، فأنفاسه إذًا نفائس، ونيته خير من عمله، وهذا الحديث طرف من حديث سعد بن أبي وقاص في مرضه بمكة، وعيادة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم له، ويأتي قريبًا ذكر المواضع التي أخرجه البخاري فيها، ووقع الكلام عليه هنا من جهة النية التي أورده البخاري فيها، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في كل موضع بحسب الغرض الذي سيق لأجله. رجاله خمسة: الأول: أبو اليمان، والثاني شُعيب بن أبي حمزه، وقد مرّا في السابع من بدء الوحي، ومر ابن شهاب في الثالث منه، ومر عامر بن سعد وأبوه سعد ابن أبي وقّاص في العشرين من كتاب الإِيمان، ومر هذا الإسناد بعينه هناك فانظر لطائفه. وهذا الحديث قطعة من حديث طويل مشهور أخرجه البخاري هنا، وفي المغازي عن محمد بن يونس، وفي الدعوات عن موسى بن إسماعيل، وفي الهجرة عن يحيى بن قَزَعَة، وفي الجنائز عن عبد الله بن يوسف، وفي الطب عن موسى بن إسماعيل، وفي الفرائض عن أبي اليمان. ومسلم في الوصايا عن يحيى بن يحيى، وأبو داود في الوصايا أيضًا عن عثمان بن أبي شَيْبة، والترمذي فيها أيضًا عن محمد بن يحيى بن

стр. 985

أبي عمر، وقال: حسن صحيح، والنسائي فيها أيضًا عن عمرو بن عثمان، وفي عشرة النساء عن إسحاق بن إبراهيم، وفي "اليوم والليلة" عن محمد ابن سَلَمة، وابن ماجه في الوصايا أيضًا عن هشام بن عمار، وغيره. ثم قال المصنف: باب قول النبى ﷺ الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وقوله تعالى: إذا نصحوا لله ورسوله الترجمة هنا لفظ حديث لم يخرجه المؤلف لما سيأتي قريبًا، وما أورده من الآية وحديث جرير يشتمل على ما تضمنه. وقوله: "باب" خبر لمبتدأ محذوف، أي: هذا باب، وهو مضاف إلى "قول". وقوله: "الدين النصيحة" مبتدأ وخبر في محل المفعول به لقول السابق، وهذا التركيب يفيد الحصر، لأن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين يستفاد ذلك منهما، والمراد بالدين هنا على ما يظهر الدين الشامل للإيمان والإِسلام والإحسان المذكور في قوله ﵊ السابق: "جاءكم يعلمكم دينكم" إشارة إلى الثلاثة المذكورة، وللدين إطلاقات أُخر: يطلق على طاعة الملك كما قال زهير: لئِنْ حَللْتَ بوادٍ في بني أسَدٍ ... في دين عمرو وحالَتْ بينَنَا فَدَكُ وعلى الجزاء كقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾، وقول لبيد: حصادُكَ يومًا ما دَرَسْتَ وإنّما ... يُدانُ الفَتى يومًا بما هو دائن وعلى التوحيد: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وعلى الحساب: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، وعلى الملة: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ وعلى العادة كقول امرىء القيس: كدينِكَ من أُمِّ الحُوَيْرِثِ قبلَها
следующие страницы →