← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13733

لب اللباب «مختصر شرح فصول الآداب»

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (81 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

لُبّ اللُّبَاب «مُخْتَصر شَرْح فُصُولِ الآدَابِ» تأليف أَبي الْوَفَاء ابْن عقيل الْحَنْبَلِيّ شَرحه أبو مُحَمَّد عبد الله بن مَانع الرُّوقي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، مدبر الخلائق أجمعين، باعث الرسل إلى المكلفين؛ لهدايتهم وبيان شرائع الدين، بالدلائل القطعية وواضحات البراهين، أحمده على جزيل نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأصلي وأسلم على البشير النذير والسراج المنير وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد؛ فإن المولى شرع لنا دينًا قويمًا، وهدانا صراطًا مستقيمًا، أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة كما قال -جلّ وعلا -: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)

стр. 3

أرسل إلينا الرحمة المهداة ﷺ فما من خير إلا دل الأمة عليه، وما من شر إلا حذر الأمة منه، ومن جملة ذلك ما جاء به من تكميل الآداب والحث عليها، قال ﵊: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» (١)، وقد اعتنى علماء الملة بتأليف الكتب التي تُعنى في هذا الباب وأفردوا لها المؤلفات المطولة والمتوسطة والمختصرة، ومن هذه المؤلفات سِفرٌ مبارك، قليل العبارة، جزيل المعاني، جمع كثيرًا من مسائل الآداب، وقرن بعضها بالدلائل، ألا وهو كتاب "فصول الآداب" للإمام أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي المتوفى سنة ٥١٣هـ، إلا أن هذا الكتاب لم يُخدم الخدمة التي تليق بمكانته، مما دعا شيخنا صاحب الفضيلة الشيخ/ عبد الله بن مانع الروقي إلى القيام بشرحه. وقد تم ذلك في عدة مجالس جلّى فيها فضيلة الشيخ غامضه، وتبحر في دقائق مسائله، فقام بعض الإخوة بتفريغ الأشرطة المسموعة، وتخريج الأحاديث المذكورة ثم عُرض الكتاب بعد ذلك على فضيلة الشيخ فراجعه مشكورًا مأجورًا، فصحح ما كان فيه من خطأ، وزاد ما كان يحتاج إلى زيادة، حتى خرج لك الكتاب بهذه الحُلّةِ المباركة سائلين المولى أن يبارك في جهود الشيخ، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين. وكتب فهد بن الحميدي البراق

стр. 4

(المتن) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمِّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّيْنَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمًا كَثِيْرًا إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ. هَذِهِ نُبْذَةٌ مِنْ فُصُوْلِ الآدَابِ، وَمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ المَشْرُوْعَةِ. (الشرح) الأدب: اسم جامع لكل ما يحسن من الأقوال والأفعال، ومن اتصف به سُمي أديبًا. ثم قال: (ومكارم الأخلاق) المكارم: جمع مكرمة، وهي فعل الخير. والأخلاق: جمع خلق وهي - بضم اللام وسُكونها -: أي الدِّين، والطَّبْع، والسَّجِيَّة، وحقيقتُه أنه لِصُورة الإنسانِ الباطنة، وهي نفْسُها وأوْصافُها ومَعانِيها المُخْتصَّة بها، بمنزلة الخَلْق لِصُورته الظاهرة وأوْصافِها ومَعانيها، ولهما أوصاف حَسَنة وقَبيحة، والثَّواب والعِقاب ممَّا يَتَعَلَّقان بأوصاف الصُّورة الباطنة، أكثر مما يَتَعَلَّقان بأوصاف الصورة الظاهرة، فالمؤلف يشير إلى أنه ينبه في كتابه على هذه الآداب الكريمة. وقد روى الإمام أحمد من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ ، قال: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» (١).

стр. 5

(المتن) فَصْلٌ السَّلَامُ المُبْتَدَأُ يَكُوْنُ مِنَ المَاشِي عَلَى القَاعِدِ ، وَمِنَ الرَّاكِبِ عَلَى المَاشِي وَالجَالِسِ، وَالابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ، وَإِذَا سَلَّمَ الوَاحِدُ مِنَ الجَمَاعَةِ المُشَاةِ أَوِ الرُّكَّابِ أَجْزَأَ عَنِ الجَمَاعَةِ، وَإِذَا رَدَّ وَاحِدٌ مِنَ الجُلُوسِ أَجْزَأَ عَنِ الجَمَاعَةِ. وَصِفَةُ السَّلَامِ: سَلَامٌ عَلَيْكُم، وَصِفَةُ الرَّدِّ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ. . وَالزِّيَادَةُ المَأْمُوْرُ بِهَا المُسْتَحَبَّةُ: وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ. . وَيُسْتَحَبُّ (وَرَحْمَةُ اللهِ)؛ لِيَتْرُكَ لِلْمُجِيْبِ الزِّيَادَةَ المَأْمُوْرَ بِهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَبَرَكَاتُهُ، بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رَدِّهَا. . وَإِذَا سَلَّمَ ثُمَّ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ ثُمَّ اِلْتَقَوْا عَادَتْ سُنَّةُ السَّلَامِ، كَذَلِكَ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُم. وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى شَوَابِّ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْلُبُ جَوَابَهُنَّ، وَسمَاعَ أَصْوَاتِهِنَّ، وَعَسَاهُ يَجْلُبُ الفِتْنَةَ، وَكَمْ مِنْ صَوْتٍ جَرَّ هَوَىً وَعِشْقًا، وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَامِ عَلَى العَجَائِزِ وَالبَارِزَاتِ؛ لِعَدَمِ الفِتْنَةِ بَأَصْوَاتِهِنَّ، وَلِأَنَّ البَرْزَةَ تَحْتَاجُ إِلَى السَّلَامِ عَلَيْهَا، وَرَدِّ سَلَامِهَا، وَلِلْحَاجَةِ تَأْثِيْرٌ بِذَلِكَ؛ لِجَوَازِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ المَرْأَةِ لِلشَّاهِدِ لِيَحْفَظَ الحِلْيَةَ فَيُقِيْمَ الشَّهَادَةَ، وَكَذَلِكَ الصَّائِغُ وَالمَغَازِلِيُّ، وَكُلُّ مَنْ تُعَامِلُهُ النِّسَاءُ مِنْ أَرْبَابِ التَّجَائِرِ وَالصَّنَائِعِ. وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ، تَعْلِيْمًا لَهُمْ لَلْأَدَبِ، وَتَحْبِيْبًا لِحُسْنِ الخُلُقِ، وَتَدْرِيْبًا عَلَى حُسْنِ المُعَاشَرِةِ. وَيَسْتَحَبُّ السَّلَامُ عِنْدَ الانْصِرَافِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الدُّخُوْلِ، وَالدُّخُوْلُ أَشَدُّ اِسْتِحْبَاْبًا.

стр. 6

(الشرح) نأتي إلى حكم السلام في البداية وفضله، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ ، قال: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» وجاء في الباب أخبار عدة. واختلف أهل العلم في حكم الابتداء بالسلام: فقال بعضهم: إنه واجب، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الابتداء إنما هو سنة مؤكدة، واتفقوا جميعهم على أن الرد فرض، والمؤلف هنا مشى على أن الابتداء بالسلام سنة، والقول بالوجوب قول قوي، ولكن عامة أهل العلم على أنه سنة مؤكدة. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير» (١). فالسنة جاءت بأن الصغير يسلم على الكبير، وأن الماشي على الجالس، وأن القليل على الكثير، وأن الراكب يسلم على الماشي، ومعناه أنه مؤكد في حق الصغير، ومؤكد في حق الماشي، وفي حق القليل، وحق الراكب. أما ابتداء السلام فيجوز: "سلام عليكم"، والأفضل أن يكون معرفًا: "السلام عليكم"، وكذلك يكون: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وفي الرد إن شاء قال: "وعليكم السلام"، بالواو، وإن شاء قال: "عليكم السلام"، وترك الواو ما ينبغي، وإن

стр. 7

شاء قال: "السلام عليكم"، حتى في الرد، لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم قال: اذهب فسلم على أولئك من الملائكة فاستمع ما يحيونك، تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله»، فيجوز في الرد أيضًا أن يقول الإنسان: "السلام عليك"، والأفضل أن يقول: "وعليكم السلام"، وسبق لنا أن هذا الرد فرض. قال بعض أهل العلم: أن الإنسان إذا سُلم عليه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، فله أن يرد بما جاء من زيادة فضل في رد السلام، وهو أن يقول: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته"، وذلك لما رواه البيهقي: كان النبي ﷺ إذا سلم علينا فرددنا ﵇، قلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته (١). ولكن هذا الحديث فيه أكثر من علة. وجاء في فضل درجات هذا الرد ما أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما من حديث عمران بن حصين: أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: السلام عليك، ثم قال: «وعليكم السلام» ثم قعد، فقال: «عشر»، ثم سلم عليه مرة أخرى رجل آخر، فقال: «السلام عليك ورحمة الله» ثم قعد فرد عليه، وقال: «عشرون» ثم سلم عليه آخر، فقال: السلام

стр. 8

عليك ورحمة الله وبركاته، ثم قعد، فرد عليه، ثم قال: «ثلاثون» (١)، وهذا هو القدر المحفوظ من حديث عمران. ثم قال المؤلف: (ويكره السلام. . . التجائر والصنائع). سبق أن ذكرنا أن السلام مشروع بعامة، وهو من حق المسلم على أخيه، فهل هذا يشمل السلام بين الرجال والنساء؟ نقول: الأصل العموم، فإن الإنسان يسلم على كل أحد؛ لكن في مسألة السلام على النساء تفصيل، فالنساء ينقسمن بالنسبة إلى المُسلم إلى أقسام: القسم الأول: أن يكن محارمًا. القسم الثاني: أن يكن أجانب عن الرجل لكنهن من معارفه. القسم الثالث: أجانب غير معارف. وتنقسم الأجنبيات إلى ثلاثة أقسام: ١ - الشابة فيترك السلام عليها بالاتفاق. ٢ - العجوز الكبيرة فيسلم عليها.

стр. 9

٣ - الكبيرة غير العجوز فيشرع السلام إذا احتيج إلى ذلك؛ كأن يكون لها حرفة، وإن لم يكن لها شيء من ذلك، ولم تكن هناك حاجة، فقد يقال: لا يشرع السلام. والتسليم على الصبيان من إفشاء السلام، ومن حسن الأدب معهم، سواء غلب على ظنه أنهم سيردون أم لا، ويشمل هذا الصبيات أيضًا ما لم يكن هناك ريبة، وفي سلامه ﷺ عليهم دلالة لما تقدم ذكره من أن المارّ هو الذي يسلم على القارّ كما تقدم تقريره في جميع الأحوال وهذا ظاهر بحمد الله.

стр. 10

(المتن) فَصْلٌ وَالمُصَافَحَةُ مُسْتَحَبَّةٌ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ، وَلَا تَجُوْزُ مُصَافَحَةُ النِّسَاءِ الشَوَابِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُثِيْرُ الشَّهْوَةَ، وَلَا بَأْسَ بِالْمُعَانَقَةِ، وَتَقْبِيْلِ الرَّأْسِ وَاليَدِ، لِمَنْ يَكُوْنُ مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ أَوِ العِلْمِ أَوِ كِبَرِ السِّنِّ فِيْ الإِسْلَامِ، وَيُسْتَحَبُّ القِيَامُ لِلإِمَامِ العَادِلِ، وَالوَالِدَيْنِ، وَأَهْلِ الدِّيْنِ وَالوَرَعِ وَالعِلْمِ وَالكَرَمِ وَالنَّسَبِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ. (الشرح) المصافحة حكمها: أنها سنة مؤكدة، وقد جاءت الأخبار في مشروعية المصافحة منها ما جاء في صحيح البخاري عن قتادة، قال: قلت لأنس ﵁: أكانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم. والمصافحة تكون بين المتصافحين باليد اليمنى، وهذا معلوم، وقد سألت شيخنا ابن باز ﵀ عمن شُلّت يده اليمنى، أو بها علة هل يصافح باليسرى فأجاب: نعم. والمصافحة بكلتا اليدين عند الاحتفاء مباحة، لا سنة ولا بدعة. قلت: هو نوع احتفاء بالمصافَح. وفُهم من قول المؤلف: (ولا تجوز مصافحة النساء الشواب). أنه يجوز مصافحة النساء غير الشواب، وفي هذا نظر، والصواب أنه لا يصافح الإنسان إلا زوجه أو محارمه من النساء، ولا يصافح المرأة الأجنبية البتة. والدليل على هذا ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂، قالت: ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط.

стр. 11

وقال بعضهم: لا بأس أن يصافح المرأة الأجنبية من وراء حائل، وتمسكوا ببعض الأخبار التي ليس لهم فيها متمسك، وفي بعضها أنه كان على يده قطعة قماش، ولكن لا يصح في هذا الباب شيء. مسألة: من أحكام المصافحة: مسألة مصافحة الكفار: هل يجوز مصافحة الكفار؟ الجواب: نقول: مصافحة الكفار تابعه للسلام عليهم، ونرجع حينئذٍ إلى السلام عليهم، فأما ابتداء الكافر بالسلام فلا يجوز، وقد جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ ، قال: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» (١). فإذا كان لا يجوز ابتدائهم بالسلام فلا يجوز ابتدائهم بالمصافحة. وأما قوله: (ولا بأس بالمعانقة. . . في الإسلام). فهذا من باب الإكرام وليس له علاقة بالتحية لأن التحية الشرعية في الإسلام هي: (السلام والمصافحة) فالسلام بالكلام، والمصافحة باليد. أما تقبيل الرأس أو اليد فهذا من باب الإكرام، وبعض الناس يغلط، فيقابل كبير السن أو العالم، ويأخذ برأسه ويقبله، ويظن أن هذا سلام، فلا يصافحه ولا يسلم عليه، فإن قال: السلام عليكم، وأخذ برأسه وقبله، فهذا لم يصافحه، فنقول: السنة أن تصافح،

стр. 12

وتقول: السلام عليكم، فإن كان بعد ذلك إكرام من تقبيل الرأس أو اليد، فهذا لا بأس به، وهذا من باب الإكرام، وليس له علاقة بالسلام. والمعانقة إنما تكون عند القدوم من الأسفار، هذا ما فعله الصحابة. وتقبيل اليد موجود عند السلف على قلّته، وتقبيل اليد يباح لثلاثة: للعالم الورع، وللوالدين، والإمام العادل، أما فعل هذا لأهل المال والجاه والمناصب فمكروه، وأما فعله للولاة الظلمة ومن لا يقيم للدين قدرًا فمحرم. والقيام على أربع صور: الصورة الأولى: القيام على رأس من يراد حراسته، وهذا مباح. كقيام الصحابة على رأس النبي ﷺ لحراسته عام صلح الحديبية أثناء عقد الصلح، وغيره. الصورة الثانية: القيام للقادم ونحوه تعظيمًا، وهذا محرم. وأعظم من هذا القيام تعظيمًا للعَلَم مع ما فيه من مشابهة الكفرة الآن، ومما يمنع: القيام للمعلم عند دخوله فصل الدراسة وقد أفتى شيخنا بمنعه. الصورة الثالثة: القيام للتكريم عند قدوم والد أو ولد أو غيرهما، وهذا مباح. الصورة الرابعة: القيام لأجل حاجة من يقام له، وهذا مباح أيضًا.

стр. 13

ومن المسائل الملحقة بهذا الفصل المهم: التحايا التي تبذل للناس ويكرمون بها (عند البشر بعامّة) فمن أشهرها. ١ - الركوع. ٢ - السجود. ٣ - الركوع الناقص. ٤ - خلع القبعة التي على الرأس، أو وضع اليد على الجبهة. ٥ - مصافحة الداخل للجالسين في المجلس. فأما الأول والثاني فمحرم بالنص والإجماع، والثالث محرم أيضًا وقد نصّ على هذا شيخ الإسلام ﵀ وهو من صنيع العجم، والرابع فيه تشبه بالكفرة، والخامس وهو مصافحة الداخل للجالسين فلا أصل له من فعل النبي ﷺ وأصحابه والسلف، والمشروع إلقاء السلام ثم الجلوس حيث ينتهي به المجلس، ومن قال إن هذا مشروع فعليه الدليل ولن يجد إلى ذلك سبيلاً، وممن نصّ على هذه المسألة شيخنا ابن عثيمين ﵀. وقس ما لم أذكر من التحيات على ما ذكرت.

стр. 14

(المتن) فَصْلٌ وَيَنْبَغِيْ لِلإِنْسَانِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيْ سِرِّ قَوْمٍ ، وَلَا حَدِيْثٍ لَمْ يُدْخِلُوْهُ فِيْهِ. وَلَا يَجُوْزُ الاسْتِمَاعُ إِلَى كَلَامِ قَوْمٍ يَتَشَاوَرُوْنَ. . وَمَنْ تَلَفَّتَ فِيْ حَدِيثِهِ فَهُوَ كَالمُسْتَوْدِعِ لِحَدِيْثِهِ، يَجِبُ حِفْظُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَلَفُّتَهُ يُعْطِيْ التَّفَلُّتَ وَالتَّفَزُّعَ. (الشرح) في هذا الباب مسائل: روى البخاري في صحيحه في باب حفظ السر في كتاب الأدب عن المعتمر بن سليمان بن طرخان عن أبيه عن أنس ﵁، قال: أَسَرَّ إلي النبي ﷺ سرًا فما أخبرت به أحدًا بعده، ولقد سألتني أم سليم فما أخبرتها به، وهذا كله من شدة حفظ أنس ﵁ لسر رسول الله ﷺ ، وفي رواية لثابت البناني وكان من تلاميذ أنس ﵁ وكان أنس ﵁ يحبه واسمه ثابت بن أسلم البناني، وكان رجلاً صالحًا، قال: لو حدثت به أحدًا لحدثتك به يا ثابت. وقوله: (ولا يجوز الاستماع إلى كلام قومٍ يتشاورون). هذا كذلك من الآداب المتعلقة بحفظ السر، وإنما تشاوروا وانحازوا رغبةً في عدم اطلاع غيرهم على هذا الكلام، وحينئذٍ يكون الاستماع إلى هذا الحديث من المحرمات، والاستماع المراد به طلب السمع، فلا يجوز للإنسان أن يطلب سماع كلام قوم انحازوا عنه، وفي حديث أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس ﵂: أن النبي ﷺ ، قال: «من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم القيامة»

стр. 15

رواه البخاري في كتاب التعبير، فهذه عقوبة من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، ويعرف كونهم كارهين بالقرائن أيضًا، أو بالقول، أو بالفعل، والآنك هو الرصاص المذاب، ويختص الرصاص من بين المعادن بأنه ثقيل، ومؤذي، وهذا يدل على أن الاستماع إلى حديث الآخرين من الكبائر إذا كانوا يكرهون ذلك. ومن المسائل المهمة في السر: أولاً: يجب حفظ السر ويحرم البوح به، واتفق أهل العلم على أنه إن كان في إفشائه مضرة على صاحب السر أنه لا يجوز إفشاؤه. والسر عند كثير من الناس الآن لا قيمة له، لأنك قد تذكر هذا الكلام وتصرح به بأنه سر، ثم تفاجأ بالغد أن هذا على ألسنة الناس!! ولهذا ينبغي أن ينظر الإنسان إذا أراد أن يستودع سرًا أن يستودعه إلى شخص ذي دين ومروءة وعقل، والحاجة داعية إلى الاستسرار.

стр. 16

(المتن) فَصْلٌ وَيُكْرَهُ الخُيَلَاءُ وَالزَّهْوُ فِيْ المَشْيِ ، وَإِنَّمَا يَمْشِيْ قَصْدًا؛ فَإِنَّ الخُيَلَاءَ مِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ تَعَالَى؛ إِلَّا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. (الشرح) الصواب أنه تحرم الخيلاء ويحرم الزُّهُو؛ لأنه من مظاهر الكبر، والكبر محرم بالنص والإجماع، وقد تُوعّد عليه بالنار والحرمان من الجنة، نسأل الله العافية. وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنةً، قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس» ومن صور الكبر: دفع الحق، ورفضه، وعدم قبوله، والالتفاف عليه، وتأويله، وازدراء الناس، واحتقارهم، والمشي بخيلاء وزهو، والإسبال. قال المؤلف: (فإن الخيلاء مشية يبغضها الله تعالى إلا بين الصفين). يعني أن الأصل في مشي الرجل خيلاء أنه محرم، ومن الكبائر، ويستثنى من ذلك القتال، وروي أيضًا أن أبا دجانة "سماك بن خرشة" ﵁ كان يمشي بين الصفوف يتبختر، فنظر إليه النبي ﷺ ، فقال: «إن هذه مشية يبغضها الله تعالى، إلا في هذا الموطن» (١).

стр. 17

(المتن) فَصْلٌ وَمِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ التَّغَافُلُ عَنْ ظُهُوْرِ مَسَاوِئ النَّاسِ، وَمَا يَبْدُو فِيْ غَفَلَاتِهِمْ، مِنْ كَشْفِ عَوْرَةٍ، أَوْ خُرُوْجِ رِيْحٍ لَهَا صَوْتٌ، أَوْ رِيْحٍ. . وَمَن سَمِعَ ذَلِكَ فَأَظْهَرَ الطَّرَشَ أَوِ النَّوْمَ أَوِ الغَفْلَةَ لِيُزِيْلَ خَجَلَ الفَاعِلِ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ. (الشرح) وهذا الفصل يعالج الأخطاء التي تقع في المجلس من غير قصد، فمعلوم أن اجتماع الناس في المجالس على اختلاف أنواع الاجتماعات، في علم أو في حديث أو سمر أو مؤانسة أو ما أشبه ذلك، قد يقع فيه من العوارض التي قد يستحيا منها. فإذا حصل للإنسان في المجلس مثل هذا، كخروج ريح لها صوت، أو انكشاف عورة، أو شرق في مشروب، أو غصّ بمطعوم، أو خرج من أنفه شيء، أو سكب طعامًا، أو عثر فسقط، أو سقط منه شيء، أو ظهر منه ما يكره، فإنه ينبغي التغافل عن ذلك، وعدم الضحك، والاشتغال بأمر آخر حتى يكون فيه إذهاب الخجل واللوم عن هذا الشخص، وهذا من مكارم الأخلاق، ومن صفات كبار النفوس، وقد سمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: إذا حصل هذا في المجلس (الضرطة)، فينبغي عدم المبالاة بهذا الشيء، وإظهار التغافل، حتى لا يحرج صاحب الشأن. أ. هـ واللجاجة والتنقيب في هذا من العسر والنكد في الأخلاق.

стр. 18

(المتن) فَصْلٌ وَعَشَرَةٌ مِنَ الفِطْرَةِ ، خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ وَخَمْسٌ فِي الجَسَدِ. فَالَّتِيْ فِيْ الرَّأْسِ: الْمَضْمَضَةُ، وَالاسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ. وَالَّتِيْ فِيْ الجَسَدِ: حَلْقُ العَاْنَةِ، وَنَتْفُ الإِبِطَيْنِ، وَتَقْلِيْمُ الأَظْفَاْرِ، وَالاسْتِنْجَاءُ وَالخِتَانُ. (الشرح) ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - هذا الباب هنا، ومحله في كتاب الطهارة، وهو يتعلق بآداب الجسد، ولاشك أن الآداب الجسدية، ومظهر الشخص، وريحه، ونظافة ثيابه، من الآداب العظيمة جدًا. قوله: (وعشر من الفطرة) يريد الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه، من حديث مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب العنزي عن عبد الله بن الزبير عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «عشر من الفطرة. . .». قول المؤلف: (فالتي في الرأس: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وإعفاء اللحية). فالمضمضة والاستنشاق من أفعال الوضوء، ومحلها عند غسل الوجه، وقد بينتها السنة، وهي واجبة في الوضوء والغسل من الجنابة، على الصحيح. والسواك يطلق على عود الأراك، وهو في الأصل سنة مؤكدة عن النبي ﷺ ، وقد روى البخاري في صحيحه: أن النبي ﷺ ، قال: «أكثرت عليكم في السواك» وهو متأكد في عدّة مواضع، عند الوضوء، والصلاة، ودخول المنزل؛ كما روى ذلك مسلم في صحيحه من حديث الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ

стр. 19

سَأَلْتُ عَائِشَةَ قُلْتُ بِأَيِّ شَيءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ قَالَتْ بِالسِّوَاكِ. وفيه من الفوائد أن التسوك عند دخول المنزل مع كونه امتثالا لسنة النبي ﷺ ففيه أيضًا تطهير فم الإنسان لعشرة أهله. واختلف فيه هل يكون باليمين أو بالشمال؟. . منهم من فصَّل، فقال: إن كان يستاك لمجرد فعل السنة فباليمين، وإن كان لإزالة الأذى فبالشمال، وهذا التفصيل ليس ببعيد. قوله: (وقص الشارب). اختلف أهل العلم في السنة في الشارب هل يحلق أم يُقص؟ والصحيح أن السنة القص، وأما الحلق فمباح، لكنه خلاف الأولى، وله وجهة وسلف. قوله: (وإعفاء اللحية). هذه فيها مسائل: الأولى: أن العلماء - عليهم رحمة الله - اتفقوا على تحريم حلق الحية، وهي الشعر النابت على الخدين والذقن، فيشمل عظم اللحي إلى ملتقى العظمين في الذقن، ويشمل ما على الخدين، وخرج بهذا الشعر الذي على الحلق، فليس من اللحية، أما الشعر الذي على الفك السفلي فهو من اللحية. فالشعر على الخدين والفكين فهو من اللحية، والعنفقة - وهي الشعر النابت على الشفة السفلى- من اللحية أيضًا. ومن المسائل أيضًا مسألة حد الإعفاء، فالأصل في الإعفاء الترك، والإعفاء المراد به التكثير، وقد وردت ألفاظ تدل بمجملها على تركها مطلقًا؛ كما قال ﷺ : «أعفوا اللحى»،

стр. 20

«أوفوا»، «أرخوا»، «وفروا» فهذه أربعة ألفاظ تدل على ترك اللحية وعدم التعرض لها، وهذا المذهب الأول في صفة اللحية، واحتجوا أيضًا بأنه صح عن النبي ﷺ أن لحيته كانت كثة، واللحية الكثة تدل على كثرة الشعر وطوله، والأخذ ينافي الكثرة والطول، واحتجوا أيضًا بأنه ﷺ كانت لحيته ترى من خلفه، كما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي معمر وهو عبد الله بن سخبرة، قال: سألنا خبابًا بأي شيء كنتم تعرفون قراءة النبي ﷺ في صلاة الظهر؟ فقال: باضطراب لحيته. قالوا: واللحية القصيرة لا تضطرب. وأما المذهب الثاني في هذه المسألة: أن اللحية الشرعية تكون قبضة، فما فضل يؤخذ شرعًا، واحتجوا بأن ابن عمر ﵁: كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه. روى ذلك عنه مالك في الموطأ، ورواه البخاري. ولكن نقول أن المحفوظ عن ابن عمر ﵁ أنه كان يفعله في الحج والعمرة فقط، وروي عن أبي هريرة ﵁ نحوه. ولكن نقول: هذا لا حجة لهم فيه لأمور منها: أن ابن عمر ﵁ هو أحد رواة حديث: «وفروا اللحى». المذهب الثالث في هذه المسألة: أنه يجوز أخذ ما شذ ونفر وآذى من اللحية، وهذا لا ينافي الإعفاء في الحد والحقيقة فهو راجع إلى القول الأول، وهذا الذي بيّنه فعل السلف والأئمة كالإمام أحمد وغيره، فالمنقول عن السلف قولان التقبيض أحيانًا، وهذا القيد لابد منه - أعني أحيانًا - وهذا القول الذي حكيته أخيرًا، فصار خلاصة مذهب السلف في المسألة

стр. 21

قولان سائغان وإن كان أحدهما أرجح من الآخر، أما القول بأن أخذ شعرة واحدة محرم فهذا فيه نظر، بل لا يصح، فيجوز للإنسان أن يأخذ من شعر لحيته ما علم أنه زائد وشاذ، أو كانت لحيته طويلة تدخل في طعامه وشرابه، دون التقصيص الكثير الذي ينافي الإعفاء، فمتى كان القص منافيًا للإعفاء حرُم. قوله: (والتي في الجسد: حلق العانة، ونتف الإبطين، وتقليم الأظفار، والاستنجاء، والختان) وهذه الأشياء كلها تؤخذ. والشعور في البدن تنقسم ثلاثة أقسام: الأول: شعرٌ يؤمر بأخذه كالعانة والإبطين. والثاني: شعرٌ يُنهى عن أخذه كاللحية والحواجب. والثالث: شعرٌ مسكوت عنه. وقد اختُلف في هذا الثالث، فقال بعضهم: يُبقى، وهذا اختيار الشيخ محمد ابن عثيمين رحمه الله تعالى. وقال بعضهم: بل هو مما عفى الله عنه، وما سكت الله عنه فهو عفو، وهذا هو الصحيح. وقوله: (والاستنجاء): هو استعمال الماء لإزالة النجو من الدبر والقبل. وأما الختان: فهو قطع القلفة من الذكر، وهو في الذكور واجب؛ لأنه متعلق بالطهارة، فلا تكمل طهارة الذكر إلا بإزالته، وقد اختلف في حكمه بالنسبة للنساء، والصحيح أنه مستحب في حقهن.

стр. 22

(المتن) فَصْلٌ وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ ، فَقَدْ وَرَدَ فِيْ الْحَدِيْثِ أَنَّهُ نُوْرُ اللهِ. . وَهُوَ أَيْضًا نَذِيْرُ الْمَوْتِ، وَيُقَصِّرُ الأَمَلَ، وَحَاثٌ عَلَى حُسْنِ العَمَلِ، وَوَقَارٌ. وَيُكْرَهُ حَلْقُ القَفَا؛ إِلَّا لِمَنْ أَرَادَ الحِجَامَةَ، كَذَلِكَ رُوِيَ فِيْ السُّنَنِ. (الشرح) الأصل فيما ذكره المؤلف ما رواه أهل السنن وأحمد، والسياق عند أحمد مطولاً، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ نهى عن نتف الشيب. وفي لفظ: «لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كتب الله له بها حسنة، ورفع بها درجة، أو حط عنه خطيئة». وحمل النهي جماهير أهل العلم على الكراهة، وعلّله بالنور، فالذي ينتف يذهب نوره على الصراط. مسألة: أما الصبغ بغير السواد للشيب إذا كثر، فهذا سنة، فإن قال قائل: قد ورد في الحديث التعليل بأنه نور المسلم، نقول: كونه نورًا لا يمنع من صبغه، فإنه يسمى شيبًا مصبوغًا، وليس بلازم اشتراك البياض بالنور، فمادام أن هذه الشعرة تسمى شيبة، فإنها تكون نورًا يوم القيامة، فإذا صبغها فقد صبغ الصحابة ومن بعدهم، فلا منافاة بين صبغ الشيب وكونه نورًا.

стр. 23

وأما حكم حلق الشعر ، فقد اختلف فيه أهل العلم - رحمهم الله تعالى - وقد قسّموه إلى أقسام: القسم الأول: هو حلق الرأس على وجه التدين والتعبد والزهد من غير حج ولا عمرة أو عند التوبة فهذا ونحوه من البدع. القسم الثاني: حلقه في نسك الحج أو العمرة، فيكون مخيرًا فيها بين الحلق وبين التقصير، وهذا واجب، وقربة. القسم الثالث: ما تدعو إليه الحاجة؛ كحجامة، أو تداوٍ بالحلق، أو ما أشبه ذلك، فهذا مباح. القسم الرابع: حلقه لغير حاجة فمن أهل العلم من كره حلق الرأس والمواظبة عليه، وهذا مشهور مذهب مالك، وجمهور أهل العلم على جواز الحلق بلا حاجة. وأما حكم حلق بعض الرأس وترك البعض، فقد ثبت في الصحيحين من غير وجه من حديث ابن عمر، من طريق نافع مولى ابن عمر عنه، ومن طريق مالك، عن عبد الله بن دينار عنه: أن النبي ﷺ نهى عن القزع.

стр. 24

(المتن) فَصْلٌ وَلَا يَنْبَغِيْ لِأَحَدٍ أَنْ يَهْجُمَ عَلَى أَقَارِبٍ أَوْ أَجَانِبٍ ؛ لِئَلَّا يُصَادِفَ بَذْلَةً مِنْ كَشْفِ عَوْرَةٍ. وَيَسْتَأْذِنُ ثلاثًا، فَإِنْ أُذِنَ لَهُ وَإِلَّا رَجَعَ. (الشرح) الاستئذان طلب الإذن من أجل الدخول في البيوت، والمحالّ التي يستتر فيها الناس كالحُجر، والأبنية، والمجالس المستورة، ومثله في عصرنا الاستراحات وما أشبه ذلك، فالأصل أن الإنسان لا يتقحم بيت غيره، ولا مكانًا يستتر به الناس عادة، سواء كان هذا المستتر واحدًا أو جماعة إلا بإذن، وهذا الإذن إما أن يكون إذنًا صريحًا، أو إذنًا جرت به العادة. وقد ثبت في السنة: أن الإنسان إذا أتى دار غيره أن يستأذن ثلاث مرات من أجل أن يسمع أهل الدار، وينظروا في الأمر ويتأملوا، فإن شاءوا بعد الثالثة سمحوا بالدخول، وإن شاءوا سكتوا، وعلى الذي في الخارج أن يرجع، كما قال تعالى: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) (١). وصفة الاستئذان: إن كان الإنسان قريبًا يسمع الكلام أن يقول: السلام عليكم يا فلان أأدخل؟ ثلاث مرات، ويفرق بينها، فإن لم يجد جوابًا فليرجع، وإن لم يكن أهل الدار قريبين والباب مقفل أو به جرس فبالدق بحيث يغلب على الظن أن أهل الدار يسمعون.

стр. 25

أما بالنسبة للاستئذان من داخل البيوت: فهو أشد على أهل الدار، وقد يقال أيضًا: الاستئذان من الخارج أشد؛ لأجل أنه أجنبي. واستئذان أهل الدار بعضهم على بعض، هذا جاء في قوله تعالى في سورة النور: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (١) ثم قال تعالى في الآية التي بعدها: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٢). هذه الآية دلت على وجوب الاستئذان داخل الدور إذا كان للشخص مكان خاص ليس مفتوحًا؛ كالصالة أو نحوها، يجب أن يعلم الولد أدب الاستئذان، فالذي لم يبلغ يستأذن في هذه الأوقات الثلاثة، وكذلك الخدم، فإن الناس في هذه الأوقات قد يدخلون أماكنهم الخاصة، ويستريحون فيها، ويضعون ثيابهم، وقد يكون المرء على أهله فيجب حينئذٍ الاستئذان؛ حتى على الصبية الذين لم يبلغوا، حتى ينشأ هذا الولد على الطهر والعفاف، ولا يألف المناظر السيئة بذاكرته، أما إذا بلغ الأطفال الحلم، فيجب أن يستأذنوا في كل وقت.

стр. 26

(المتن) فَصْلٌ وَيَحْرُمُ أَنْ يَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُوْنَ ثَالِثٍ ، لِأَنَّهُ يُوْجِبُ إِيْحَاشًا، وَكَسْرَ القَلْبِ. (الشرح) هذا من أدب التناجي والتخاطب بين الناس، وأصل هذه المسألة ما أخرجه صاحبا الصحيح، من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إذا كانوا ثلاثةً، فلا يَتَنَاجَى اثنانِ دونَ الثالثِ» في هذه الأحاديث من الفوائد والأحكام تعليل الحكم فإن الحكم لا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه. فعُلِم أن كل شيء يجلب الحزن للمسلم أنه محرم، وعلم بالمفهوم أن كل شيء يدخل السرور على المسلم أنه مشروع ومستحب. (المتن) فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ اِفْتِتَاحُ الأَكْلِ بِبِسْمِ اللهِ ، وَخَتْمُهُ بِالحَمْدُ للهِ. وَأَنْ يَأْكُلَ بِيَمِيْنِهِ مِمَّا يَلِيْهِ، إِذَا كَانَ الطَّعَامُ نَوْعًا وَاحِدًا. وَلَا يَأْكُلُ مِنْ ذِرْوَةِ الطَّعَامِ لَكِنْ مِنْ جَوَانِبِهِ. وَكَذَلِكَ الكَيْلُ فَإِنَّهُ أَدْعَى لِلْبَرَكَةِ، كَذَلِكَ رُوِيَ فِي السُّنَنِ. وَلَا يَنْفَخُ الطَّعَامَ الحَارَّ وَلَا البَارِدَ. وَلَا يُكْرَهُ الأَكْلُ والشُّرْبُ قَائِمًا، وَيُكْرَهُ مُتَّكِئًا. وَإِذَا دَفَعَ إِنَاءَ الشَّارِبِ، أَوِ اللُّقْمَةَ، دَفَعَ إِلَى مَنْ عَنْ يَمِيْنِهِ، كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ النَّبِيُ ﷺ . (الشرح) يستحب افتتاح الأكل: "ببسم الله". وختمه: "بالحمد لله". فيفهم من كلام المؤلف هنا أنه يستحب افتتاح الأكل ببسم الله، ولو تركها لم يأثم،

стр. 27

وهناك من قال: أن التسمية عند الأكل واجبة، وهذا هو الصحيح. وصفة التسمية عند الطعام- على الصحيح-أن يقول: "بسم الله"؛ لأنه لم يجئ عن النبي ﵊ ما يدل على التكميل، بخلاف البسملة عند القراءة، ومما يُطلق عنده التسمية ولا تُكمَّل أيضًا عند الذبح، فتقول: "بسم الله"، وتضيف: "والله أكبر". وأما الختم بـ "الحمد لله" فهو مستحب ومؤكد. ذكر هنا أدبين: الأول: أن يأكل بيمينه، وهو من الواجبات فقد أمر به النبي ﷺ عمر بن أبي سلمة وكان ربيبه، قال: وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي النبي ﷺ : «يا غلام سم الله وكل بيمينك». قال المؤلف: (مما يليه إذا كان الطعام نوعًا واحدًا). وهذا الأدب الثاني: وقد أدَبَّ به النبي ﷺ ربيبه عمر، فقال: «وكل مما يليك» فعُلم من هذا أن الأكل مما يلي الإنسان، إذا كان الطعام واحدًا واجب، ولأن الأكل مِمَّا يلي الآخرين فيه أذية وشره ونهم، ويكفي أن الرسول ﷺ أمر به، أما إذا كان الطعام متنوعًا، فلا بأس من تخطي الطعام الأول إلى الثاني. مسألة: يكثر عندنا الآن مسألة دفع اللحم، أو دفع الطعام للغير، ويفعلها الناس ابتغاء الكرم، كأن يقطع بعض الناس اللحم ويناولها غيره. فمن أهل العلم من كره هذا؛ لأن هذه اللقمة أو الطعام قد مس اليد التي مست فم

стр. 28

الشخص وقد يُتقزز من هذا؛ لأنه قد يعلق فيها شيء من اللعاب، فعلى كل حال يتنبه لمثل هذه الآداب؛ لأن بعض الناس يريد الخير لصاحبه، ولكن صاحبه لا يريد هذا الشيء، فنقول: رفقًا لأنه ليس كل أحد يحب هذا الشيء. قوله: (ولا ينفخ الطعام الحار ولا البارد). هذا أيضًا من آداب الأكل والشرب، أن الإنسان لا ينفخ في الطعام الحار لتبريده، والأصل في ذلك ما رواه الشيخان من حديث عبد الله ابن أبي قتادة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء». فالأحاديث تنقسم إلى قسمين: قسم فيه النهي عن التنفس في الإناء، وقسم فيه التنفس خارج الإناء. أما الأشربة الساخنة، فقد جرت عادة الإنسان أنه لا يستطيع أن يشربه دفعةً واحدةً، كالشاي مثلاً، فمنهيٌ عن تبريدها بالنفخ بها. واختلف في علة النهي عن النفخ في الشراب، فقيل: لأنه قد يقذِّر الطعام والشراب، فقد يخرج منه شيء فيقع على الطعام أو الشراب فيقذره. قوله: (ولا يكره الأكل والشرب قائمًا) فقد ثبت في الصحيحين من طريق الشعبي عن عبد الله بن عباس: أن النبي ﷺ : شرب من ماء زمزم قائمًا. واختلف أهل العلم في الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الإباحة، فمن أهل

стр. 29

العلم من غلّب أحاديث الجواز وطعن في أحاديث النهي كما تقدم، ومنهم من قال: إن النهي كان متقدمًا والإباحة جاءت بعد، فهي منسوخة. والقول الثالث، وهو: أصحها طريقة الجمع. ويقال: إن أحاديث النهي جاءت على خلاف الأولى، وليست الكراهة فقط، وأحاديث الإباحة دلت على الجواز، وهذا أصح ما جاء في المسألة. أما قول أنس ﵁ كما أخرجه مسلم، لما قيل له: فالأكل؟ فقال: أشر وأخبث، فلا أعلم أحدًا وافق أنسًا ﵁ على هذا، ولا أعلم أحدًا من أهل العلم كره الأكل قائمًا، والخلاف المعروف في الشرب، وهذا مذهب لأنس، وإلا فالأكل ليس أشر وأخبث، فهو أخف من الشرب بكثير، وليست المفسدة في الشرب موجودة في الأكل، للفرق بينهما. قوله: (ويكره متكئًا). الأصل في هذا ما رواه البخاري من حديث علي بن الأقمر عن أبي جحيفة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا آكل متكئًا» (١). وهذا الحديث فيه إخبار النبي ﵊ أنه لا يأكل متكئًا، وليس فيه صيغة نهي، وقد اختلف في معنى الاتكاء، فقال بعضهم: الاتكاء هو لكل متمكن من

стр. 30

جلسة يريد التكثر من الأكل على أي صفة كانت، وهذا تفسير الخطابي، يقول: أي لا أقعد متكئًا على وطاء عند الأكل فِعلَ من يستكثر من الطعام، وهذا أحد الأقوال، وعلى هذا لو تربع فهو متكئ على هذا التعريف، ولو جلس جلسة غير هذه وفيها التمكن والتكثر من الطعام فهو متكئ، فضلاً عن أنه يميل على أحد الشقين، فهذا اتكاء بلا إشكال. وقيل: إن الاتكاء هو الميل على أحد الشقين؛ لأن هذا هو التعريف اللغوي، فعُلم بهذا أن الاتكاء ضرب من ضروب الجلوس، وفيه الميل، وهذا هو الصحيح وهو اختيار شيخنا -ابن باز- ﵀. وقد اختُلف في علة النهي عن الاتكاء. فقيل: إنه مخافة أن تعظم البطن؛ كما روى ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه، عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا تُكاة، مخافة أن تعظم بطونهم (١). وظاهر إسناده لا بأس به. وهناك قول آخر: بأن الاتكاء خلاف الأولى، لأن الحديث الذي في صحيح البخاري هو أصح شيء في الباب. قوله: (وإذا دفع إناء الشُّرب أو اللقمة دفع إلى من على يمنيه، كذلك كان يفعل النبي ﷺ ). السنة إذا أتي بطعام يدور على مجموعة من الناس أنه يبدأ برئيس أو عالم أو والٍ أو

стр. 31

أكبر من في المجلس أو صاحب الدار، ثم بعد ذلك من على يمين الشارب، ويستوي في هذا أن يكون هذا الإناء به الطعام كاملاً؛ كإناء الشرب، أو يكون يسقيهم شيئًا فشيئًا؛ كما هي حال القهوة والشاي الآن، ودل على هذا خبر أنس ﵁ في الصحيحين، أنه قال: أُتي النبي ﷺ بلبن قد شِيب بماء فشرب، وعن يمينه أعرابي، وعن شماله أبو بكر ﵁، ثم أعطى الأعرابي وقال: «الأيمن فالأيمن». وفيه من الفوائد أن التفضيل هنا بالجهة لا بالأشخاص، فيفضل من على اليمين مطلقًا، ولو كان الذي على الشمال أفضل.

стр. 32

(المتن) فَصْلٌ وَمَنْ أَرَادَ النَّوْمَ يُغْلِقُ بَابَهُ ، وَيُوْكِيْ سِقَاءَهُ، وَيُغَطِّيْ إِنَاءَهُ، وَيُطْفِئُ سِرَاجَهُ، كَذَلِكَ رُوِيَ فِيْ السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَكَرِهَ أَحْمَدُ ﵁ غَسْلَ اليَدِ لِلطَّعَامِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الخَبَرِ غَسْلُ اليَدِ لَهُ، وَلَعَلَّهُ مَا صَحَّ عِنْدَ أَحْمَدَ ﵁. (الشرح) الأصل في هذه المسألة ما أخرجه صاحبا الصحيح من حديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا كان جُنح الليل فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ، فإذا ذهب ساعة العشاء، فخلوا»، قال: «وأغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وخمر إناءك واذكر اسم الله، ولو تعرض عليه عودًا»، وفي لفظ مسلم: «غطوا الإناء وأوكوا السقاء». . وفي لفظ: «خَمِّروا الآنية، وأوكوا الأسقية وأجيفوا الأبواب -أي أغلقوها- واكفتوا صبيانكم عند المساء فإن للجن انتشارًا وخطفة، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد فإن الفويسقة ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت» (١). فالمصلحة ظاهرة في إغلاق الأبواب، ومن السنة أن الإنسان إذا أراد أن ينام أن يغلق من الأبواب ما يحتاج إلى غلقه.

стр. 33

وهذا من حسن التدبير، وهو واجب من الواجبات، لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلا يتم حفظ النفوس، والعورات، والأموال، والأعراض، إلا بهذا، فحينئذٍ يكون من الواجبات. وهذه الأفعال مقرونة باسم الله، فتغلق الباب، وتقول: "بسم الله"، ويشمل إغلاق الأبواب إغلاق باب السيارة، فإن السيارة تُنزَّل على أنها بيت صغير، ولا تنزل على أنها دابة، فأحكام البيت الصغير فيها أكثر، ولها أبواب، فهي مشابهة للبيت الصغير، فتغلق الباب وتذكر اسم الله، سواءً أكنت تريد الركوب أو كنت تريد الخروج، كما قال النبي ﷺ : «فإن الشيطان لا يفتح بابًا ذكر اسم الله عليه» (١). وقد يكون من بركة هذا حفظ هذه السيارة من السرقة. قوله: (ويطفئ سراجه). وفي لفظ جابر: «وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله». وقد أمر النبي ﷺ بإطفاء النيران، وحُدِّث ﷺ كما في حديث أبي موسى عن قوم احترق عليهم بيتهم في المدينة، فقال: «إن هذه النار إنَّما هي عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها» (٢).

стр. 34

قلت: لأن في إبقاء بعض المصابيح إسراف، لاسيما بعض المصابيح المتوهجة التي قد يخشى من إحراقها. وقوله: (وكره أحمد ﵁ غسل اليد. . . ما صح عند أحمد ﵁). الصواب أنه لم يصح في غسل اليد للطعام خبر وقد تتبعت هذا كثيرًا، فلم أجد حديثًا صحيحًا صريحًا سالمًا من المعارضة، ومن أصح ما ورد في هذا: أن النبي ﷺ أمر الجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب وينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة (١). وهذا أيضًا ليس صريحًا؛ لأنه في حق الجنب، وهذا لمعنى آخر، فهو لتخفيف الجنابة لا لغسل اليدين، ولما سئل شيخنا ابن باز ﵀: هل يؤخذ من هذا الحديث غسل اليدين للطعام؟ قال: لا، هذا لأجل الجنابة. أما غسل اليد بعد الطعام فهو مشروع، وقد روى البخاري من حديث جابر ﵁، قال: كنا إذا طعمنا مع النبي ﷺ لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا.

стр. 35

(المتن) فَصْلٌ ويُسْتَحَبُّ تَحْوِيْلُ غَسْلِ اليَدِ مِنَ الزُّهَامِ ، وَعِنْدَ النَّوْمِ أَشَدُّ اِسْتِحْبَابًا، فَقَدْ وَرَدَ التَّحْذِيْرُ مِنْهُ مِنْ أَجْلِ الهَوَامِّ. وَيُكْرَهُ لِمَنْ أَرَادَ الْمَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ، وَالاعتِكَافِ، أَنْ يَتَعَرَّضَ لِأَكْلِ الخَبَائِثِ مِنَ البُقُوْلِ، كَالبَصَلِ، وَالثُّوْمِ، وَالكُرَّاثِ، فَقَدْ نَهَى النَبَيُّ ﷺ عَنْ قُرْبَانِ الْمَسْجِدِ مَعَهُ. وَيُسْتَحَبُّ الإِجَابَةُ إِلَى وَلِيْمَةِ العُرْسِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَجِيْبَ إِلَى وَلِيْمَةِ الخِتَانِ؛ فَإِنَّهَا مُحْدَثَةٌ. وَإِذَا حَضَرَ وَلَيْمَةَ العُرْسِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الأَكْلُ، بَلْ إِنْ أَكَلَ وَإِلَّا دَعَا وَانْصَرَفَ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الإِجَابَةُ إِلَيْهَا؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيْهَا لَعِبٌ وَلَا مُنْكَرٌ وَلَا لَهْوٌ، فَإِنْ كَانَ فِيْهَا مُحَرَّمٌ حَرُمَتِ الإِجَابَةُ، وَإِنْ كَانَ فِيْهَا مَكْرُوْهٌ كُرِهَتِ الإِجَابَةُ. وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ المُرُوْءَاتِ وَالفَضَائِلِ التَسَرُّعُ إِلَى إِجَابَةِ الطَّعَامِ، وَالتَسَامُحُ، وَحُضُوْرُ الوَلَائِمِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ يُوْرِثُ دَنَاءَةً وَإِسْقَاطَ الهَيْبَةِ مِنْ صُدُوْرِ النَّاسِ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ عِيَادَةُ أَخِيْهِ المُسْلِمِ، وَحُضُوْرُ جَنَازَتِهِ إِذَا مَاتَ، وَتَعْزِيَةُ أَهْلِهِ. . وَلَا بَأْسَ بِعِيَادَةِ الذِّمِّيِّ، فَقَدْ عَادَ النَّبِيُّ ﷺ يَهُوْدِيًّا، وَقَالَ: «كَيْفَ تَجِدُكَ يَا يَهُوْدِي». (الشرح) غسل اليد بعد الطعام لا شك في مشروعيته؛ كأن يكون في هذا الطعام زهومة سواء نام أو لم ينم، وعند النوم أشد، لحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من بات وفي يده غَمَر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه».

стр. 36

وهذا الحديث في إسناده اختلاف كثير واضطراب، وهو يدل على التحذير من كون الإنسان ينام وفي يده دسومة طعام. والإنسان قد ينام ويكون في يده من بقايا الأكل، فربما أتت دابة وحسبت أن هذا طعامًا أو لحمًا فنهشته، فأصابه إما مرض، أو سمّته فمات. وهذا عام في وجود جزء من الزهومة على الجسم، سواء في اليد أو في الرجل، أو رائحة البدن فإنه يتأكد عند النوم تنظيف البدن. قوله: (ويكره لمن أراد المساجد للصلاة أو الاعتكاف أن يتعرض لأكل الخبائث من البقول؛ كالبصل والثوم والكراث، فقد نهى عنه النبي ﷺ عن قربان المسجد معه). هذا يتعلق بآداب الحضور إلى المساجد، وقد جاء عن النبي ﷺ من غير وجه من حديث جابر وحديث أنس وحديث ابن عمر، أنه قال: «من أكل ثومًا فلا يقربن المساجد» (١). وفي سياق حديث جابر عند مسلم: نهى رسول الله ﷺ عن أكل البصل والكراث، فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها، فقال: «من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا» (٢). وسميت هذه خبائث؛ لأنها طعام دنيء، وأيضًا لرائحتها، وقد يسمى الشيء الحلال خبيثًا باعتبار دناءته أو رائحته.

стр. 37

والحكمة واضحة في النهي عن دخول المساجد لمن أكل بصلاً أو ثومًا أو كراثًا، والمراد مع بقاء الرائحة؛ لأن هذا النهي معلل بعلتين: أذية المؤمنين، وأذية الملائكة. وألحق أهل العلم كل ما له رائحة تؤذي المصلين، سواءً كان هذا المطعوم أو المشروب حلالاً أو حرامًا، وإن كان حرامًا فهو أشد وأخبث، فألحقوا السمّاك الذي يبيع السمك أو يصطاده، فإن رائحة السمك شديدة، وقد لا تخرج من الإنسان بسهولة، وفي الأعصار المتأخرة صاحب الدخان، وهو شارب التبغ، من أجل الرائحة الخبيثة التي تفوح من فيه، مع أن الدخان محرم، وتحريمه ظاهر، ومفاسده كثيرة، وعلى هذا يحرم دخول المسجد لمن فيه رائحة منتنة من بصل، أو ثوم، أو كراث، أو دخان، أو عرق، أو بخر شديد يظهر أثناء الكلام، أو اتساخ ملابس برائحة مطعوم أو مشروب أو غير ذلك لحصول الأذية للمسلمين والملائكة. ولكن هل يكتب له أجر الجماعة؟ قال بعض أهل العلم: إن كان عادته حضور الجماعة فإنه يكتب له أجر صلاة الجماعة؛ لأنه تأخر عن حضور صلاة الجماعة بسبب إعذار ومسامحة من الشارع، بل الشارع هو الذي نهاه. وسألت شيخنا ابن باز ﵀ عن ملائكة البيوت وأن الإنسان قد يأكل ويصلي في البيت؟ فقال: ملائكة البيوت لا حيلة في ذلك، والمراد في الحديث ملائكة المسجد. قوله: (ويستحب الإجابة إلى وليمة العرس، وليس له أن يستجيب إلى وليمة الختان؛ فإنها محدثة).

стр. 38

قرر المؤلف أن إجابة وليمة العرس مستحبة، وفي هذا نظر، فقد صح عن النبي ﷺ من غير وجه من حديث ابن عمر وحديث جابر وغيرهما: أن النبي ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب، ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» (١)، وهذا صريح في الوجوب. وقد اختلف العلماء في دعوة الوليمة، هل هي عامة لكل فرح أم هي خاصة بطعام العرس؟ الصحيح أن الوليمة المراد بها دعوة النكاح والعرس، ولاشك أن الفرح بها والدعوة إليها لا يشاكل غيرها، وقد تكلم الناس في أسماء الأفراح والولائم فسموا الوليمة عند تمام البناء بالوكيرة، والنقيعة عند القدوم من السفر؛ وفي حديث جابر ﵁ عند البخاري: أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة نحر جزورًا أو بقرةً. وأما في إجابة الدعوة لوليمة العرس فالصحيح أنها واجبة وأما ما سواها فاختلف أهل العلم في ذلك، والصحيح كما أسلفنا أن الوجوب معلق بوليمة النكاح للفرق بينها وبين غيرها. والحضور إلى وليمة العرس واجب إلا أنه يسقط بأسباب، كمشقة حضور، أو

стр. 39

عجز، أو ما أشبه ذلك من الموانع المعتبرة، وأيضًا يسقط عنه إذا أذن صاحب الدعوة؛ لأن الحق له. ومن مسقطات الدعوة: وجود منكر فيها لا يستطيع إنكاره، فإذا كان المدعو يستطيع إنكاره فيجب الحضور والإنكار؛ لأن في حضوره حينئذٍ مصلحتين: المصلحة الأولى: إجابة الدعوة. والمصلحة الثانية: إزالة المنكر. بل يتأكد على من علم أن في الوليمة الفلانية منكرًا وهو أحد المدعويين فعليه أن يحضر وينكر، فإن لم يستطع الإنكار أو علم مسبقًا أنه لا يستطيع فإنه لا يجوز له الحضور. قال: (وليس له أن يستجيب إلى وليمة الختان فإنها محدثة). وليمة الختان لم تكن في عهد النبي ﵊، ولا في عهد الصحابة، والصحيح أن الوليمة لها مباحة، لحصول القيام بواجب الختان ولسلامة الولد وهي ليست بسنة ولا بدعة، كوليمة نهاية البناء، على أن في المسألة تفصيلاً ليس هذا مكانه. ومما ينبغي التنبه له الحرص على تآلف القلوب، والحذر الشديد من زوال ذلك كأن يحصل منه حين الدعوة لهذه الوليمة، أن يقول: إنها بدعة وليست بسنة، وكان الأولى حين الامتناع أن يرد بلطف. وأيضًا على الطرف الآخر قبول العذر؛ لأن مثل هذه الولائم مباحة فكيف يكون التثريب عليه بعدم الحضور مع العلم أنها ليست واجبة.

стр. 40

مسألة: اختُلف في رقص النساء للزواج، فمنهم من منعه، وكان شيخنا ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - يشدد فيه، ويقول: يبلغني عنه مفاسد، منها أن بعض النساء يسقط في أثناء الرقص، ومنها أن بعضهن يفتن بعضًا، بحركاتها ولعبها، ومنها أن فيه إظهارًا لبعض المفاتن - كأن يكون اللباس غير كاسٍ. وسئل شيخنا ابن باز - رحمه الله تعالى - فقال: جائز، إن لم يكن فيه مضرة وهذا هو الصحيح. قوله: (إذا لم يكن فيها لعب. . . الإجابة). هذا عام فالمنكر بكل صوره حرام، وأما اللهو: فقد يكون منه ما هو مباح، فينبغي مراعاة المصلحة، وأما الولائم غير الشرعية فتحرم، ومن القدوة أشد؛ لأنه قد يكون فيها شيء من التغرير. ومن هنا كره بعض أهل العلم، الإتيان إلى الوليمة من غير دعوة؛ لأنه أكل طعامًا وحصل منه إتلافه من غير دعوة فهذا نوع من الغصب، وقد ذكر أهل العلم - رحمهم الله تعالى - أن الطفيلي في حكم السارق، وجاء فيه أخبار منها: «من جاء من غير دعوة دخل سارقًا وخرج مغيرًا» (١). والحضور من غير دعوة قد ينبئ عن دناءة النفس وصغرها. قوله: (وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ المُرُوْءَاتِ. . . الناس).
следующие страницы →