وهذا الحديث في إسناده اختلاف كثير واضطراب، وهو يدل على التحذير من كون الإنسان ينام وفي يده دسومة طعام.
والإنسان قد ينام ويكون في يده من بقايا الأكل، فربما أتت دابة وحسبت أن هذا طعامًا أو لحمًا فنهشته، فأصابه إما مرض، أو سمّته فمات.
وهذا عام في وجود جزء من الزهومة على الجسم، سواء في اليد أو في الرجل، أو رائحة البدن فإنه يتأكد عند النوم تنظيف البدن.
قوله: (ويكره لمن أراد المساجد للصلاة أو الاعتكاف أن يتعرض لأكل الخبائث من البقول؛ كالبصل والثوم والكراث، فقد نهى عنه النبي ﷺ عن قربان المسجد معه).
هذا يتعلق بآداب الحضور إلى المساجد، وقد جاء عن النبي ﷺ من غير وجه من حديث جابر وحديث أنس وحديث ابن عمر، أنه قال: «من أكل ثومًا فلا يقربن المساجد» (١).
وفي سياق حديث جابر عند مسلم: نهى رسول الله ﷺ عن أكل البصل والكراث، فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها، فقال: «من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا» (٢).
وسميت هذه خبائث؛ لأنها طعام دنيء، وأيضًا لرائحتها، وقد يسمى الشيء الحلال خبيثًا باعتبار دناءته أو رائحته.
стр. 37
والحكمة واضحة في النهي عن دخول المساجد لمن أكل بصلاً أو ثومًا أو كراثًا، والمراد مع بقاء الرائحة؛ لأن هذا النهي معلل بعلتين: أذية المؤمنين، وأذية الملائكة.
وألحق أهل العلم كل ما له رائحة تؤذي المصلين، سواءً كان هذا المطعوم أو المشروب حلالاً أو حرامًا، وإن كان حرامًا فهو أشد وأخبث، فألحقوا السمّاك الذي يبيع السمك أو يصطاده، فإن رائحة السمك شديدة، وقد لا تخرج من الإنسان بسهولة، وفي الأعصار المتأخرة صاحب الدخان، وهو شارب التبغ، من أجل الرائحة الخبيثة التي تفوح من فيه، مع أن الدخان محرم، وتحريمه ظاهر، ومفاسده كثيرة، وعلى هذا يحرم دخول المسجد لمن فيه رائحة منتنة من بصل، أو ثوم، أو كراث، أو دخان، أو عرق، أو بخر شديد يظهر أثناء الكلام، أو اتساخ ملابس برائحة مطعوم أو مشروب أو غير ذلك لحصول الأذية للمسلمين والملائكة.
ولكن هل يكتب له أجر الجماعة؟ قال بعض أهل العلم: إن كان عادته حضور الجماعة فإنه يكتب له أجر صلاة الجماعة؛ لأنه تأخر عن حضور صلاة الجماعة بسبب إعذار ومسامحة من الشارع، بل الشارع هو الذي نهاه.
وسألت شيخنا ابن باز ﵀ عن ملائكة البيوت وأن الإنسان قد يأكل ويصلي في البيت؟ فقال: ملائكة البيوت لا حيلة في ذلك، والمراد في الحديث ملائكة المسجد.
قوله: (ويستحب الإجابة إلى وليمة العرس، وليس له أن يستجيب إلى وليمة الختان؛ فإنها محدثة).
стр. 38
قرر المؤلف أن إجابة وليمة العرس مستحبة، وفي هذا نظر، فقد صح عن النبي ﷺ من غير وجه من حديث ابن عمر وحديث جابر وغيرهما: أن النبي ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب، ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» (١)، وهذا صريح في الوجوب.
وقد اختلف العلماء في دعوة الوليمة، هل هي عامة لكل فرح أم هي خاصة بطعام العرس؟
الصحيح أن الوليمة المراد بها دعوة النكاح والعرس، ولاشك أن الفرح بها والدعوة إليها لا يشاكل غيرها، وقد تكلم الناس في أسماء الأفراح والولائم فسموا الوليمة عند تمام البناء بالوكيرة، والنقيعة عند القدوم من السفر؛ وفي حديث جابر ﵁ عند البخاري: أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة نحر جزورًا أو بقرةً.
وأما في إجابة الدعوة لوليمة العرس فالصحيح أنها واجبة وأما ما سواها فاختلف أهل العلم في ذلك، والصحيح كما أسلفنا أن الوجوب معلق بوليمة النكاح للفرق بينها وبين غيرها.
والحضور إلى وليمة العرس واجب إلا أنه يسقط بأسباب، كمشقة حضور، أو
стр. 39
عجز، أو ما أشبه ذلك من الموانع المعتبرة، وأيضًا يسقط عنه إذا أذن صاحب الدعوة؛ لأن الحق له.
ومن مسقطات الدعوة: وجود منكر فيها لا يستطيع إنكاره، فإذا كان المدعو يستطيع إنكاره فيجب الحضور والإنكار؛ لأن في حضوره حينئذٍ مصلحتين:
المصلحة الأولى: إجابة الدعوة.
والمصلحة الثانية: إزالة المنكر.
بل يتأكد على من علم أن في الوليمة الفلانية منكرًا وهو أحد المدعويين فعليه أن يحضر وينكر، فإن لم يستطع الإنكار أو علم مسبقًا أنه لا يستطيع فإنه لا يجوز له الحضور.
قال: (وليس له أن يستجيب إلى وليمة الختان فإنها محدثة).
وليمة الختان لم تكن في عهد النبي ﵊، ولا في عهد الصحابة، والصحيح أن الوليمة لها مباحة، لحصول القيام بواجب الختان ولسلامة الولد وهي ليست بسنة ولا بدعة، كوليمة نهاية البناء، على أن في المسألة تفصيلاً ليس هذا مكانه.
ومما ينبغي التنبه له الحرص على تآلف القلوب، والحذر الشديد من زوال ذلك كأن يحصل منه حين الدعوة لهذه الوليمة، أن يقول: إنها بدعة وليست بسنة، وكان الأولى حين الامتناع أن يرد بلطف.
وأيضًا على الطرف الآخر قبول العذر؛ لأن مثل هذه الولائم مباحة فكيف يكون التثريب عليه بعدم الحضور مع العلم أنها ليست واجبة.
стр. 40
مسألة:
اختُلف في رقص النساء للزواج، فمنهم من منعه، وكان شيخنا ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - يشدد فيه، ويقول: يبلغني عنه مفاسد، منها أن بعض النساء يسقط في أثناء الرقص، ومنها أن بعضهن يفتن بعضًا، بحركاتها ولعبها، ومنها أن فيه إظهارًا لبعض المفاتن - كأن يكون اللباس غير كاسٍ.
وسئل شيخنا ابن باز - رحمه الله تعالى - فقال: جائز، إن لم يكن فيه مضرة وهذا هو الصحيح.
قوله: (إذا لم يكن فيها لعب. . . الإجابة).
هذا عام فالمنكر بكل صوره حرام، وأما اللهو: فقد يكون منه ما هو مباح، فينبغي مراعاة المصلحة، وأما الولائم غير الشرعية فتحرم، ومن القدوة أشد؛ لأنه قد يكون فيها شيء من التغرير.
ومن هنا كره بعض أهل العلم، الإتيان إلى الوليمة من غير دعوة؛ لأنه أكل طعامًا وحصل منه إتلافه من غير دعوة فهذا نوع من الغصب، وقد ذكر أهل العلم - رحمهم الله تعالى - أن الطفيلي في حكم السارق، وجاء فيه أخبار منها: «من جاء من غير دعوة دخل سارقًا وخرج مغيرًا» (١).
والحضور من غير دعوة قد ينبئ عن دناءة النفس وصغرها.
قوله: (وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ المُرُوْءَاتِ. . . الناس).
стр. 41
نعم هو كذلك، وليس هذا تكبرًا وجفاءً، بل هو لحفظ المروءة وترك ما يسقطها، وأهل المروءات والفضائل إنما يسارعون إلى الفضائل من السخاء والجود وبذل العلم والإعانة في النوائب وهم لهم شأن ومن سواهم له شأن فافهم.
قوله: (ويستحب للمسلم عيادة. . . يا يهودي).
لاشك في استحباب هذه الأمور، واختلف أهل العلم في عيادة المسلم، ولعل خلافهم في المسلم المعين، واحتج من قال بوجوب عيادة المسلم بأدلة منها ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «حق المسلم على المسلم ست. . .، ومنها: إذا مرض فعده»، وفي لفظ: «خمس تجب للمسلم على أخيه. . .» (١) الحديث.
والأشبه أنها واجبة ولكن بشروط، أولها ألا يكون هناك مشقة، وأن يكون هذا المسلم معيّنًا؛ لأن مرضى المسلمين لا حصر لهم، والمشقة تجلب التيسير، وواجبات الشريعة تسقط بالعجز، فقد تكون من الواجبات الكفائية، وعلى ذلك يبدأ بالأقرب فالأقرب.
وهذا الأرجح لما فيها من الخبر العائد على المريض من حسن الظن بالله والتنفيس له بالأجل.
وقول المؤلف: (وتعزية أهله. . .).
والتعزية هي التصبير، فتقول: عزّى فلان فلانًا، أي صبره، وعلى هذا المعنى تكون
стр. 42
التعزية للمسلم والكافر، وهي مستحبة على الأرجح.
قوله: (ولا بأس بعيادة الذمي؛ فقد عاد النبي ﷺ ذمّيًا، وقال: «كيف تجدك يا يهودي» (١)؟
واحتج أهل العلم بهذا وغيره على جواز عيادة المشرك، سواءً كان ذمّيًا أو غيره، وقد عاد ﷺ عمّه أبا طالب، وهو في السياق - يعني سياق الموت - فقال له: «يا عمّاه، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» فأبى، وقال له صناديد الكفر: أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فذهبت روحه وهو يقول: على ملّة عبد المطلب (٢). - والعياذ بالله - ويشترط في عيادة الكافر ألا يكون هذا الكافر المريض حربيًا.
والسنة في عيادة المسلم أن يقال له: لا بأس، طهور إن شاء الله.
стр. 43
(المتن)
فَصْلٌ
وَالغِيْبَةُ حَرَامٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَنْكَشِفْ بِالمَعَاصِي وَالقَبَائِحِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) (١).
وَمَنْ ذَكَرَ فِيْ فَاسِقٍ مَا فِيْهِ لِيُحْذَرَ مِنْهُ، أَوْ سَأَلَ عَنْهُ مَنْ يُرِيْدُ تَزْوِيْجَهُ أَوْ شَرِكَتُهُ أَوْ مُعَامِلَتُهُ، لَمْ يَكُنْ مُغْتَابًا لَهُ، وَلَا عَلَيْهِ إِثْمُ الغِيْبَةِ، وَلَهُ ثَوَابُ النَّصِيْحَةِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «قُوْلُوْا فِيْ الفَاسِقِ مَا فِيْهِ يَحْذَرْهُ النَّاسُ».
وَلَا يُظَنُّ بِعُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أَقْدَمَ عَلَى مَا هُوَ غِيْبَةٌ؛ عِنْدَ نَصِّهِ عَلَى السِّتَّةِ، وَجَعْلِ الشُّوْرَى فِيْهِم، وَذِكْرِ عَيْبِ كُلِّ وَاحِدٍ، بَلْ قَصَدَ بِذَلَكَ النُّصْحَ للهِ وَلِرَسُوْلِهِ وَلِأَهْلِ الإِسْلِامِ.
(الشرح)
قوله: (والغيبة حرام).
أجمع العلماء على تحريم الغيبة، ودل على تحريمها النص والإجماع، فأما النص فما نقل المؤلف من آية الحجرات صدر الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ).
ونقل بعض العلماء الإجماع على تحريمها، فقال بعضهم: إنها من الصغائر، ونقل القرطبي وغيره: أنها من الكبائر، والصحيح أنها من الكبائر (٢).
стр. 44
وأما حد الغيبة فأحسن من حدَّها هو النبي ﷺ فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وهو من مفاريده من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته».
ولا غيبة لمجهول؛ لأن «ذكرك» تفيد التعيين.
والكافر ليس أخا للمسلم، غير أنه ليس معنى هذا أن الإنسان يُغتاب ويُتكلم فيه، فيقيد بالحاجة والمصلحة؛ وإلا هو غير داخل في تعريف الغيبة.
ولا شك أن غيبة العالم الورع ليست مثل غيبة آحاد الناس.
وقوله: «بما يكره» فكل شيء يكرهه الآدمي لا يحل أن يتكلم فيه في حال غيبته.
قوله: (ومن ذكر في فاسق ما فيه ليحذر منه أو سأل عنه من يريد تزويجه أو شريكته أو معاملته لم يكن مغتاب له ولا عليه آثم الغيبة، وله ثواب النصيحة، لقوله النبي ﷺ : «قولوا في الفاسق ما فيه يحذره الناس»).
والغيبة كبيرة، غير أنها قد تباح، ومن أهل العلم من حدّ هذه الأسباب، ومنهم من وضع قيدًا لحِل الغيبة، فمن وضع قيدًا لحِل الغيبة، قال: تباح الغيبة لكل غرض صحيح شرعًا حيث يتعين طريقًا للوصول إليه بها (١).
стр. 45
ذكر المؤلف صورًا مما تحل فيه الغيبة وقد نظمها بعضهم وذكر فيها:
الذّمُّ ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرف ومحذر
ولمظهر فسقًا ومستفتٍ ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر
وقوله: الذم يعني الغيبة.
قوله: (ومن طلب الإعانة في إزالة منكر).
كذا من طلب الإعانة في إزالة منكر فدعا غيره لزوال منكر واستعان بهم ولا يستطيع إزالته بنفسه؛ كأن يكون الواقعون على المنكر جماعة فحينئذ لا بأس بذكر المنكر ومن يقوم به ولا غيبة لهم.
قول المؤلف قول النبي ﷺ : «قولوا في الفاسق ما فيه ليحذره الناس» (١).
لا يصح عن النبي ﷺ بل هو خبر باطل.
ولكن دلت الأحاديث على مقتضاه كما في صحيح مسلم، وذكره البخاري في ترجمة باب حديث أبي رقية ولمسلم من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري عن النبي ﷺ :
стр. 46
«الدين النصيحة، قلن لمن يا رسول الله، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
قوله: (ولا يظن بعمر ﵁ أنه أقدم على ما هو غيبة عند نصه على الستة الشورى فيهم، من ذكر عيب كل واحد، بل قصد بذلك النصح لله ولرسوله ولأهل الإسلام).
لا أدري ما هو مراد المؤلف هل ذكر عمر كل واحد فيهم؟ ولا أعلم أن عمرًا ﵁، نص على هؤلاء الستة وذكر عيب كل واحد منهم، وفي خبر الصحيح بل هو خير لهم، وتزكية لهم، حينما نص عليهم، ولعله أراد هذا الخبر الذي عزاه صاحب الكنز (رقم: ١٤٢٥٥) إلى ابن سعد، وفيه نظر من حيث الصحة أما من حيث المعنى فتقدم ما يدل على جواز مثل هذا، بل في هذا الحالة يجب نصحًا للمسلمين والله المستعان.
стр. 47
(المتن)
فَصْلٌ
فَصَارَتِ الغِيْبَةُ: مَا يُذْكَرُ مِنَ النَّقْصِ وَالعَيْبِ؛ لَا يُقْصَدُ بِهِ إِلَّا الإِزْرَاءَ عَلَى المَذْكُوْرِ، وَالطَّعْنَ فِيْهِ.
وَيُسْتَحَبُّ ضَبْطُ الأَلْسِنَةِ وَحِفْظُهَا، وَالإِقْلَالُ مِنَ الكَلَامِ إِلَّا فِيْمَا يَعْنِي، وَلَا بُدَّ مِنْهُ.
وَأَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ إِجْرَاءُ الأَلْسِنَةِ بِمَا فِيْهِ النَّفْعُ لِغَيْرِهِ، وَالانْتَفَاعُ لِنَفْسِهِ مِثْلُ قِرَاءَةِ القُرْآنَ، وَتَدْرِيْسِ العِلْمِ، وَذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوْفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَالإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ.
(الشرح)
فإذا قصد الإزراء والطعن لا شك أنه آثم، وإذا لم يقصد الإزراء ولا الطعن وإنما ذكر مطلق القول فإنه آثم إذا لم تكن من الصور التي مرت معنا، ولهذا التعريف الذي سبق بيانه في ضابط إباحة الغيبة جامع مانع، وهو: إباحته في كل غرض صحيح شرعًا لا يمكن الوصول إليه إلا بها.
فلو جلس مجموعة من طلاب العلم وأخذوا يتندرون ببعض الرواة الضعفاء دون الحاجة إلى جرحهم في دراسة إسناد أو غيره، فلان كذا، وأنت مثل فلان فهذا لا يحل.
فتباح الغيبة بقدر الحاجة؛ لأن أعراض المسلمين حرام، ولهذا يقول ابن دقيق العيد في الاقتراح: "أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها المحدثون والحكام" (١).
стр. 48
قوله (ويستحب ضبط الألسنة. . . والإصلاح بين الناس).
يجمع هذا الذي ذكره المؤلف قوله تعالى في سورة النساء: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (١).
في هذه الآية من الفوائد: أن الأعمال المتعدية بمجرد فعلها يؤجر عليها الإنسان، حتى لو لم ينو، لقوله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)، أي أن هذه الخصال فيها خير ثم قال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).
فالأجر حاصل والخيرية حاصلة بمطلق القول، حتى لو ضعفت النية فإذا تضمن ابتغاء وجه الله كان الأجر أعظم، وهذه قاعدة في كل عمل متعد فافهم هذا فإنه عزيز.
كما في حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري عن أبي مسعود الأنصاري البدري في الصحيحين: «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة» (٢).
فالكلام على مراتب ثلاث:
المرتبة الأولى: كلام في واجب أو مستحب، وهو أفضلها، من تعليم العلم وقراءة القران والإقراء والتدريس والإفتاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما أشبه ذلك،
стр. 49
وهذا هو صنيع الموفقين من عباد الله من العلماء والأخيار ممن أراد الله رحمتهم.
المرتبة الثانية: الصمت، ولا شك أن الصمت خير من قول السوء، وأما صمت الإنسان عن قول الحق إذا تعين عليه فمحرم.
المرتبة الثالثة: كلام في محرم أو مكروه.
وبعض الناس يتحفظ في كلامه إذا دخل مكة، وإذا دخل في إحرام تحفظ، وإذا جاء رمضان مثلاً، أو العشر الأواخر تحفظ، أو في الأشهر الحرم، وكذا إذا جاء في بقعة فاضلة؛ لأنه يخشى أن يؤخذ بفلتات لسانه، وكم من أسير ومحبوس في النار بسبب هذا فرحماك ربي رحماك.
يلتحف به، أو أن يقعد عليه في حال الاختيار والسعة، والأدلة في ذلك كثيرة:
منها حديث البراء ﵁ المتفق عليه، قال: أمرنا النبي ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: ومنها: - خاتم الذهب ولبس الحرير. وكذلك ما أخرجه البخاري عن حذيفة ﵁، قال: «نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه».
وكذلك في حديث عمر المتفق عليه: أن النبي ﷺ ، قال: «لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة».
أما في حال الحرج؛ كأن لا يجد ما يستر عورته إلا ثوب حرير فيجب أن يستر عورته به، وكذلك إذا كان به حكة ومشقة في لبس غيره، فلا بأس، وقد رخص النبي ﷺ للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير، لحكة كانت بهما. وأما لباس الذهب؛ كخاتم الذهب على الرجال، ففيه خلاف قديم، وجمهور أهل العلم على تحريم لبس الخاتم من الذهب على الرجال، وقد نُقلت الإباحة عن بعض الصحابة؛ ولكن الصحيح أنه محرم.
والحكمة في تحريم الذهب والحرير على الرجال ظاهرة، ففيه سرف وتشبه بالنساء، وفيه كذلك التخنث والنعومة والليونة المنافية لشهامة الرجل وخشونته.
قوله: (حتى الخاتم ولو بقدر عين الجرادة).
الخلاصة أن الخاتم من الذهب لا يحل للرجال، ويجوز من لباس الحرير على الرجال
стр. 52
ما كان فيه أربعة أصابع في أربعة أصابع فما دون فقد رخص النبي ﷺ أن يكون في ثوب الحرير الأصبع والأصبعين والثلاثة والأربعة، يعني مجموع ما يكون في الثوب من الحرير أربعة أصابع في أربعة، يعني لو جمع لكان مجموعها أربعة في أربعة فهذا يجوز.
قوله: (ولا يجوز جعل الصور في الثياب ولا في المفارش والستور وهو ما كان على صورة الحيوان لأن النبي ﷺ قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة» (١).
المراد بالصورة هنا صورة الوجوه، والصورة إذا أطلقت في اللفظ فالمراد بها صورة الوجه.
والمراد به الوجه والرأس جميعًا، ومما يدل على أن الصورة هي الوجه ما أخرجه النسائي بسند قوي من حديث أبي هريرة ﵁ في قصة جبرائيل حينما أمر النبي ﷺ بالتمثال بأن يقطع ويجعل كهيئة الشجرة (٢). فإذا زال الوجه والرأس زال الحكم.
وقوله: (لا يجوز جعل الصور في الثياب).
أي: الملبوسة، ولا المفارش الموطوءة، ولا الستور المعلقة، وهو ما كان على صورة حيوان.
стр. 53
واحتج بما ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي ﷺ ، قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة»، وهذا يشمل الصورة المنحوتة، والصورة المعلقة.
واتفق العلماء على تحريم الصور المنحوتة، وهو أصل شرك العالم، وشرك قوم نوح، وأجمعوا أيضًا على تحريم الصورة المرقومة، وهي المرسومة باليد؛ إلا ما روي عن القاسم بن محمد.
وإذا امتهنت زال حكمها؛ لأنه يخشى من أن تكون وسيلة للغلو فيها وتعظيمها لاسيما صور المعظمين من الملوك والعلماء.
وعليه فتكون الصور الآن الموجودة في الألبومات وما يحتفظ به لأجل الذكرى محرمة على القول الراجح.
أما الصور التي للضرورة، كصور بطاقة الأحوال، وجواز السفر، فهذه للضرورة، وتكون بقدر الحاجة أيضًا، والصحيح أنه يدخل فيها الصور التي للحاجة، كالصور التي تفرض على العاملين في بعض المنشآت، فإن هذه قد تكون حاجة وليست ضرورة، لكن الصحيح جوازها أيضًا.
ولكن ينبغي عدم إظهارها في الصلاة، وعدم وضعها على النحر مكشوفة، إلا عند الرؤية والمعاينة للتأكد من الشخصية.
قوله: (والاختيار التختم باليسار، وإن تختم في اليمين فلا بأس).
الذي يظهر لي أنه يكون في اليمين أكثر، وإن تختم باليسار أحيانًا فلا بأس.
стр. 54
قوله: (ولا يحل لأحد أن يجر ثوبه خيلاءً وبطرًا).
هذا الحكم مما يختص به الرجال.
والإسبال: هو إرخاء الرجل لباسه تحت الكعب، فقولنا: "لباسه" يشمل السراويل والأزر والثياب والعمائم والمشالح وغيرها.
اتفق العلماء على تحريم الإسبال، إذا كان للخيلاء وللعجب وللكبر، بل عدّوه من كبائر الذنوب، فهذه المسألة لا خلاف فيها، وحججهم ظاهرة: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» أخرجه البخاري من حديث ابن عمر.
والإسبال على قسمين:
القسم الأول: الإسبال بخيلاء فيستحق الوعيد بعدم نظر الله إليه، وهو كبيرة مغلظة.
القسم الثاني: الإسبال بغير خيلاء فهذا متوعد عليه بالنار، وهو كبيرة.
مسألة: يجوز الإسبال في صور:
الصورة الأولى: لستر جرح يتأذى بالذباب ونحوه، كما لو كان هذا الجرح على كعبه أو تحته، فيكون هذا من باب دفع الضرر.
الصورة الثانية: يجوز أن يكون مسبلاً إذا انحنى الإنسان ونزل الثوب تحت الكعب - حال نزوله - فلا بأس؛ لأن هذا إسبال عارض، ومن أهل العلم من رخص في الإسبال عند الحرب، ولم أقف على دليل لهؤلاء.
стр. 55
قول المؤلف: (ودخول الحمام جائز للرجال في الميازر الساترة ويكره للنساء إلا من علة وحاجة).
والأحاديث الواردة في الحمام فيها كلام.
واختلف العلماء في دخول الحمام على أقوال، وأصح الأقوال في هذه المسألة القول بالإباحة مطلقًا، ولكن بشروط، وهذا الذي صححه ابن كثير في كتابه الآنف الذكر.
وشروط جوازه:
١ - أن يكون دخوله لحاجة، كإزالة وسخ أو غسل حيض أو جنابة أو غسل مستحب، كجمعة وعيد.
٢ - أن يكون مستور العورة.
٣ - أن يكن النساء في الخروج إليه متسترات، غير متبرجات.
٤ - أن لا يعهد في الحمام كشف العورات ولا وجود منكرات.
٥ - أن يحفظ بصره عن عورات الناس.
٦ - أن تكون حمامات الرجال مفصولة عن حمامات النساء.
قوله: (ولا بأس بالخضاب بالحناء، وهو يستحب وكذلك الكتم، ويكره بالسواد).
الخضاب: تغيير الشعر بشيء، إما بحناء، أو حناء وكتم، أو بصفرة، أو بسواد، واختلف العلماء ﵏ في الخضاب بغير السواد للشيب على أقوال:
стр. 56
الأول: أنه مسنون، وهذا المشهور من مذهب الجمهور عند الحنفية والشافعية والحنابلة.
الثاني: أنه مباح، وهذا ظاهر مذهب المالكية.
الثالث: أنه لا يسن تغيير الشيب.
الرابع: أن خضاب الشيب واجب.
وقد أدركنا جماعة من شيوخنا فمنهم من يصبغ ومنهم من يترك، وسئل شيخنا ابن عثيمين ﵀ عن تركه الصبغ، فقال: له كلفة ويشق علي.
وكذلك شيخه ابن سعدي ﵀ لا يصبغ، وأما شيخنا ابن باز ﵀ فهو وإن كان خفيف شعر اللحية فإنه كان يصبغ وقد يبطئ ﵀ في صبغه فتبيض لحيته، وسمعته يقول إن من أدلة عدم وجوب الصبغ أن الصحابة قد يتأخرون في الصبغ.
قوله: (ويكره بالسواد).
ومن المسائل المهمة الخلاف في الخضاب بالسواد.
أقول: الذي يتحرر لي أن ما وقع في مسلم من لفظه: «وجنبوه السواد» غير محفوظ، وأن أبا الزبير اضطرب فيها، وأحسن المذاهب عندي في هذه المسألة ما ذهب إليه الزهري، وهو إباحته للشباب ومن في وجوههم ماء الشباب وكراهته للشيوخ الذين ظهر عليهم الكِبَرُ.
стр. 57
قوله: (ولا يجوز أن يخلو الرجل بامرأة ليست له بمحرم).
لحديث ابن عباس ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم» والحديث متفق عليه، وفي حديث عمر في سنن الترمذي وغيره وقال عنه: حديث حسن صحيح: أن النبي ﷺ ، قال: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» (١)، وهذا من باب تحريم الوسائل؛ لأن الخلوة بالمرأة وسيلة إلى وقوع الفجور بها، وهذا أيضًا يكون من الذرائع.
قوله: ولا يجتمع رجلان ولا امرأتان عريانين في فراش واحد، ولا إزار واحد. ولا يجوز تعمد حضور اللهو واللعب، ولا شيء من الملاهي المطربة كالطبل، والزمر، وخُصّ بذلك الدف للنكاح؛ لقول النبي ﷺ : «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف» (٢).
لما نهى عن اجتماع الرجل بالمرأة الأجنبية أتى بما هو أخص من ذلك من اجتماع الرجلين في فراش واحد، ولا إزار بينهما، أو امرأتان في فراش واحد، أو امرأة ورجل، وهذا الأخير ينقسم إلى قسمين:
الأول: امرأة ورجل أجنبي وهذا أظهر من أن يُسأل عنه.
стр. 58
الثاني: رجل وامرأة من المحارم.
وقد أمر الشارع بالتفريق بين الصبية في المضاجع كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ ، قال: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع» (١).
فلا يجتمع رجل ورجل في فراش واحد عريانَين، ولا يلبسان إزارًا واحدًا، فتلتقي بشرتهما، وكذلك لا يجتمع امرأتان عريانتان في فراش واحد، ولا تلبسان إزارًا واحدًا فتلتقي بشرتهما، وأفحش منه التقاء رجل بامرأة، سواءً كانت هذه من المحارم، كأخته أو عمته، أو كانت أجنبية، وهذا الأمر فيه أشد؛ إلا أنه يستثنى من هذا صورة واحدة كما هو معلوم، وهي اجتماع الرجل وأهله في فراش واحد، أو في لحاف واحد، أو في إزار واحد.
وهذا كله من سد الوسائل المفضية إلى ما لا تحمد عقباه.
وأكمل الصفات أن ينفصل هذا بفراش وهذا بفراش، وهذا بلحاف وهذا بلحاف، وأكمل منه أن يُجعل للنساء والبنات مكان مستقل، وللصبية غرفة مستقلة ينامون فيها، بل هذا متحتم سدًا لباب الفساد.
قوله: (ولا يجوز تعمد حضور اللهو واللعب).
والملاهي تنقسم إلى قسمين:
الأول: ملاهٍ جائزة.
والثاني: ملاهٍ ممنوعة.
стр. 59
كما في حديث عقبة بن عامر الذي يُروى من غير وجه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «. . . ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها» أو قال: «كفرها» (١).
والمراد باللهو هنا: هو كل شيء باطل ذاهب، إلا هذه الثلاثة، ومما جاء فيه اللهو المباح، اللهو بالدف في النكاح، وفي الأعياد كذلك.
قوله ﵀: (ولا شيء من الملاهي المطربة؛ كالطبل، والزمر).
يعني هذا ممنوعٌ منه مطلقًا، وخص من ذلك الدف، فدل كلام المؤلف على أن الدف من الملاهي، فالأصل أنه من الملاهي، وهو كذلك، فإن الدف آلة لهو لا شك، هو آلة لهو بالنصوص، لكن جاء استثناؤه في مواضع.
استدل المؤلف بهذا الحديث فقد جاء بلفظ: «أعلنوا النكاح» (٢).
فهذا يدل على مشروعية الدف في النكاح، ومشروعية الإعلان، وكان هذا يُفعل في عهد النبي ﷺ ، وبحضرة نسائه ﷺ ، والدف له وجه واحد، ويسمونه: (الطار)، وهذا يجوز عند جماهير أهل العلم، بخلاف الطبل؛ لأن الطبل له وجهان.
مسألة: متى يجوز الدف؟ وما حكم الطبل؟
стр. 60
ذكرنا أن الدف من الملاهي، والأصل في الملاهي المنع؛ إلا أنه جاء في غير موضع في العهد النبوي، وأقر النبي ﷺ ضربه في غير مكان.
اختلف أهل العلم في ضرب الدف، على أقوال:
القول الأول: يستخدم في كل فرح حادث؛ كالعيد، والختان، والعرس، وقدوم الغائب، وانتهاء البناء، والولادة، إلى غير ذلك، فكل فرح يحدث للناس فإنه يستخدم فيه الدف، وهذا أوسع الأقوال.
القول الثاني: يستخدم في العيد والعرس والختان وقدوم الغائب.
القول الثالث: يستخدم في العرس والعيد وقدوم الغائب. وهو مشهور مذهب الحنابلة، واختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀.
القول الرابع: أنه يستخدم في العيد والعرس فحسب، وهو اختيار شيخنا ابن باز ﵀.
وأما استخدامه بإطلاق فالصحيح أنه من آلات اللهو التي لا يجوز استخدامها بإطلاق.
стр. 61
مباحث في ضرب الدف:
المبحث الأول: شروط ضرب الدف.
الشرط الأول: أن لا يكون مصلصلاً، وليس فيه حِلق ولا صنج.
الشرط الثاني: أن الذي يلي ضربه هم النساء وليس الرجال.
وعُلِم بتصريح المؤلف: أن الطبل والزمر محرم، وهو كذلك، فالصحيح في الطبل أنه محرم، وهو مذهب أكثر أهل العلم، بل حُكي الإجماع على ذلك وفيه أخبار عِدّة، فعند أحمد من طريق علي بن بذيمة عن قيس بن حبتر قال: سألت ابن عباس عن الجرّ الأبيض. . . الحديث إلى قوله قال النبي ﷺ : «إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة، وكل مسكر حرام» (١)، والكوبة: الطبل.
وأما بالنسبة للمزامير والمعازف ذوات الأوتار، فقد حُكي الاتفاق على تحريمها، وممن حكاه جماعة من أهل العلم؛ كالقرطبي، وشيخ الإسلام، وابن حجر، والموفق، وجماعة كثيرون من أهل العلم.
وفيها أخبار عِدّة، منها حديث أبي مالك الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ ، قال: «يأتي زمان على أمتي يستحل فيه الحر والحرير والخمر والمعازف»، وقد أخرجه البخاري، وهو صحيح.
والحكمة في تحريمها ظاهرة، لما فيها من إفساد القلب، والتطلع إلى المحرمات، وفتح
стр. 62
باب الشهوات، والإعراض عن قراءة القرآن والذكر، ومن ألِف قلبه الغناء والمزامير والطبول، ابتعد عن القرآن وسماع الذكر، وهذا واضح لا يشك فيه أحد.
وقد قال أحد السلف: الغناء رقية الزنا (١).
وقال ابن القيم في نونيته:
حُبُّ الكتاب وحُبُّ ألحان الغناء ... في قلب عبدٍ ليس يجتمعان (٢)
ولا يوجد في قلب أحد حُبُّ الغناء وسماعه؛ إلا وينصرف عن سماع القرآن. وعُلم مما سبق أن حضور هذه المجالس محرم، وإن اشتملت عليها دعوة فلا يجوز إجابتها؛ إلا أن يجيب وينكر، فإن لم يزل المنكر فلا يترخص بالقعود، فإن زال جاز له القعود.
стр. 63
(المتن)
فَصْلٌ
وَالتَّدَاوِيْ بِالحِجَامَةِ وَالفَصْدِ وَالكَيِّ وَشُرْبِ الأَدْوِيَةِ جَائِزٌ .
وَلَا يَجُوزُ التَدَاوِيْ بِمُحَرَّمٍ وَلَا نَجِسٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَرَاهَةُ الكَيِّ وَقَطْعِ العُرُوْقِ. وَالرِّوَايَةُ الأُوْلَى أَصَحُّ.
(الشرح)
قال المؤلف: (والتداوي بالحجامة والفصد والكي وشرب الأدوية جائز).
وقد جاء في الحجامة عدة أحاديث منها ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنْ كان في شيء من أدْوِيتكم خير، ففي شَرْطَةِ محجم، أو شَربةِ عسل، أو لَذْعَة بنار توَافِقُ الدَّاء، وما أُحِبُّ أن أكْتَويَ».
والفَصْد: هو شق العرق بالطول، ويشبه التبرع، وهو: استفراغ كلي يستفرغ الكثرة، والكثرة هي تزايد الأخلاط على تساويها في العروق.
والحجامة تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن أفضل، والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد.
والكي: هو إحراق جزء من الجسد بشيء حمّي على النار.
إذا كان الشفاء من المرض بالكي محتملاً وليس متحققًا، فيكره؛ لأنه من باب التعذيب بالنار، وأما إذا كان الكي سببًا في حصول الشفاء، فالكي هنا واجب.
стр. 64
قال ابن القيم في الهدي:
"ولا تَعَارُض بينها بحمدِ الله تعالى، فإنَّ فِعلَه يدلُّ على جوازه، وعدمَ محبتِه له لا يدلُّ على المنع منه. وأما الثناءُ على تاركِه، فيدلُّ على أنَّ تَرْكَه أولى وأفضلُ. وأما النهيُ عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يُحتاجُ إليه، بل يفعل خوفًا من حدوث الداء. . والله أعلم" (١).
قال المؤلف: (ولا يجوز التداوي بمحرم. . .).
والتداوي بالمحرم إما أن يكون بالخمر أو بغيره من المحرمات، فأما الخمر فجمهور أهل العلم على تحريم التداوي به، وفي صحيح مسلم: «إنها ليست بدواء ولكنها داء».
وأما غير الخمر فاختلف العلماء في التداوي به على قولين:
الجواز، والمنع، واستظهر بعضهم جواز التداوي بغير الخمر من المحرمات عند الضرورة، بشروط: أن يكون به حاجة ملحة، أن لا يوجد غيرها يقوم مقامها، أن يحصل به غلبة الظنّ بالشفاء.
стр. 65
(المتن)
فَصْلٌ
وَمَنْ رَأَى مِنَ الحَيَّاتِ شَيْئًا فِي مَنْزِلِهِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَا ثًا، إِنْ بَدَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَتَلَهُ. . وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ إِنْ كَانَ ذُو الطُفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرُ قَتَلَهُ، وَلَمْ يُؤْذِنْهُ. وَذُوْ الطُّفَّتَيْنِ: الَّذِيْ بِظَهْرِهِ خَطٌّ أَسْوَدٌ. . وَالأَبْتَرُ: الغَلِيْظُ القَصِيْرُ الذَّنَبِ. . وَصِفَةُ القَوْلِ الَّذِيْ يُؤذِنُهُ: اِمْضِ بِسَلَامٍ، أَوِ اِذْهَبْ بِسَلَامٍ.
(الشرح)
مما يُنهى عن قتله حيات البيوت، إذا لم تنذرها ثلاثًا ولم تقل: اذهب سالمًا غير معتد.
بعض العلماء يرى أنه لا يجوز قتل حيات البيوت؛ إلا بعد إنذارها في أي مكان.
وبعضهم يقول: إن هذا خاص بالمدينة، لقول النبي ﷺ : «إن جِنًّا بالمدينة قد أسلموا»، والجن منهم من يكون على هيئة حيات، ومنهم من يكون على هيئة السحالي، ومنهم من يطيرون، ومنهم من يحلون ويظعنون مثل أهل البادية.
فما دامت الجن تتمثل بالحيات والكلاب، فلابد من إنذار الحية قبل قتلها، علمًا بأن الكلب الأسود شيطان فيُقتل مباشرة ومعنى شيطان أي شيطان جنسه لكثرة خبثه لا أنه شيطان حقيقة، نعم، قد يتشكل الجن بصورته لكن الحديث المراد به الأول، لكن الحية قد تكون جنًا مسلمًا، وقد تكون جنًا كافرًا، وقد تكون حية أفعى حقيقية.
وصفة الإنذار أن يقول: أُحرّج عليك بالله أن تخرجي، ثلاثًا، واختلف العلماء في معنى ثلاثًا التي جاءت في الحديث، هل هي ثلاثة أيام، أو هي ثلاث مرات، هل ينذرها ثلاثة أيام كل يوم يقول: أحرّج عليك بالله أن تخرجي، أي: أقسم عليك بالله أن تخرجي وتتركي بيتنا
стр. 66
مثلاً؟ إن كان جنًا مسلمًا فسيغادر، وإن لم يغادر فهو شيطان فاقتله، هكذا أمر النبي ﷺ . لكن اختلفوا هل هي ثلاثة أيام أو ثلاث مرات؟ والصحيح الثلاث المراد عدد مرات التحريج.
وهناك حيات تقتل مباشرةً سواء أكانت في البيت أو خارج البيت، وهي:
ذو الطفيتين: وهو نوع معين من الحيات له خطان على ظهره، خطان متوازيان، قيل خطان أبيضان، وقيل خطان أسودان، هذا يسمى ذا الطفيتين، يُقتل مباشرة لا يُنذر ولا يُمهل.
والأبتر: عظيم النهاية، والحيات تكون في العادة غليظة من فوق والمنتصف، وفي نهايتها تدق حتى يكون لها ذنبٌ أو ذيلٌ دقيق، أما الأبتر فكأنه مقطوع الذنب، فهو من جهة الذنب في النهاية غليظ؛ كأنه مقطوع الذيل، فهذا يقتل مباشرة؛ وذلك أن النبي ﵊ قال في حديث في الصحيحين: «اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يطمسان البصر ويستسقطان الحبل» أي: أن المرأة تسقط الولد الذي في بطنها بمجرد رؤيته، وكذلك يلتمسان البصر، قيل: إنه بمجرد النظر إليه يُعمي، وقيل: إنه يستهدف بصر الإنسان عند اللسع، ففيه قوةٌ سمية تسبب العمى، وقيل إنه ينفث سمًا من غُدده السمية التي في نابيه على وجه الشخص وعينه فإذا أصاب السم العين أصابها بالعمى، ونظرًا لضرره، ولأن الجني المسلم لا يتمثل بهذا النوع فإنه يُقتل مباشرةً.
والفدفد: هي الفلاة، فالحيات في الفلاة تقتل مباشرة، لا يلزم تحريج ولا قسم ولا شيء، فالحكم إذًا بالتحريج خاصٌ بحيات البيوت، ويستثنى من حيات البيوت ذو الطفيتين والأبتر.
стр. 67
(المتن)
فَصْلٌ
وَيَجُوْزُ قَتْلُ الأَوْزَاغِ . وَلَا يَجُوْزُ قَتْلُ النَّمْلِ، وَلَا تَخْرِيْبُ أَجْحُرَتِهِنَّ. وَيُكْرَهُ قَتْلُ القَمْلِ بِالنَّارِ. وَلَا يَحِلُّ قَتْلُ الضَفَادِعِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ.
(الشرح)
الأوزاغ: جمع وزغ، وفي الصحيحين ورد تسميته بالفويسقة.
وحكم قتل الدواب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما أُمر بقتله، مثل: الحية والعقرب والوزغ. . . وكل ما آذى يُقتل.
فائدة: يكره قتل الوزغ باليد.
القسم الثاني: ما نُهي عن قتله، مثل: النحل والنمل والهدهد والصرد، وفي الصحيحين قصة النبي الذي أحرق وادي النمل، قال أبو هريرة ﵁: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «قَرَصَت نملةٌ نبيًّا من الأنبياء، فأمرَ بقَريةِ النَّملِ فَأُحْرِقَت، فأوحى اللهُ إِليهِ: أَنْ قرَصَتْكَ نَملةٌ أَحرَقْتَ أُمَّة مِن الأُممِ تُسبِّح؟».
وقد جاء عن النبي ﷺ ، من حديث ابن عباس: أنه نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد (١). وفي إسناده اختلاف، والأقرب أنه حسن.
إلا أنه يستثنى منه النمل الذي عرف عنه الأذى؛ فإنه يُقتل ابتداءً.
القسم الثالث: ما سكت عنه، وهذا القسم يُترك، فلله حكمة في خلقه، وقد أمر الله
стр. 68
النبي نوحًا بأن يحمل من كُلٍّ زوجين اثنين، وهذا فيه استبقاء لحياته، ولو أراد الله إعدامه بعد خلقه أولاً لأمر نبيه نوحًا بأمر خاص بحمل كذا وترك كذا. وإن ربك حكيم عليم.
وقول المؤلف: (ويكره قتل القمل بالنار. . .).
يُفهم منه جواز قتل غير القمل بالنار، وهذا ليس بصحيح، بل يحرم قتل القمل وغيره بالنار لنهي النبي ﷺ عن ذلك، قال ﷺ : «فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار» (١).
قال المؤلف: (ولا يحل قتل الضفادع؛ لأن النبي ﷺ نهى عن قتل الضفدع).
نعم، يحرم قتل الضفدع بجميع أنواعه حتى السام منها، والتعليل:
ما جاء عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن النبي ﷺ ، قال: كانت الضفدع تُطفئ النار عن إبراهيم وكان الوزغ ينفخ فيه فنهي عن قتل هذا وأمر بقتل هذا (٢). إسناده صحيح.
وجاء أيضًا عند عبد الرزاق في المصنف من قول ابن عمرو ﵁، قال: لا تقتلوا الضفدع فإن صوتها الذي تسمعون تسبيح وتقديس (٣). وإسناده ثابت.
وعند مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا، (من قتل وزغًا في أول ضربة فله مئة حسنة. . .) الحديث (٤).
стр. 69
(المتن)
فَصْلٌ
وَلَا يَجُوْزُ إِخْصَاءُ البَهَائِمِ ، وَلَا كَيُّهَا بِالنَّارِ لِلْوَسْمِ. وَتَجُوْزُ المُدَاوَاةُ حَسْبَ مَا أَجَزْنَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
(الشرح)
أما الإخصاء فهو (سَلُّ الخصية) من الذكور، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم.
وفي هذا بحثٌ قرأته على شيخنا ابن باز ﵀ ثم قال بعد نهاية البحث: الصحيح أنه جائز إذا كان للمصلحة.
والمصلحة في إخصاء البهائم تتضمن شيئين، وهما:
١ - منع الذكور فيما بينهما من المقاتلة والعضاض.
٢ - تطييب اللحم وإبعاد الزهومة عنه، وقطع الرائحة عنه.
وعند هذا ينبغي أن يكون بأقل ما يمكن من الإيلام؛ لأن من منع الخصاء، قال: لما فيه من الإيلام للحيوان. ولكن نقول: ليس كل إيلام للحيوان ممنوع، فالإيلام اليسير الذي فيه مصلحة للإنسان لا بأس به.
قوله: (ولا كيها بالنار للوسم).
الوسم: هو الكي بالنار، وأن تُجعل لها سمة، والوسم منقلبة عن واو، والصحيح جواز وسم الدواب، وقد قال البخاري في صحيحه: "باب وسم الإمام إبل الصدقة"، ثم أسند عن أنس ﵁ وفيه: فوافيته وفي يده الميسم يسم إبل الصدقة، وفي لفظ
стр. 70
للبخاري: فرأيته يسم شاة حسبته في أذنها.
والخلاصة في مسألة وسم الدواب بالنار، أنه يجوز بشروط:
١ - أن يكون هناك حاجة، مثل أن يعرف الحيوان، ويميز مثلاً إبل الصدقة عن إبل الجهاد، أو إبل الناس.
٢ - أن يكون الوسم في غير الوجه؛ لأن الوسم في الوجه حرام، ولذلك لعن النبي ﷺ من وسم الحمار في وجهه ونهى عن ذلك.
٣ - أن يكون الوسم بمقدار الحاجة، بقدر ما يحرق الشعر، ويفضي إلى الجلد ولا يتجاوزه إلى العظم، ويسمه وسمًا واضحًا لا يذهب، وقد كان يلي الوسم رسول الله ﷺ وكذلك أصحابه رضوان الله عليهم من بعده، وعلى هذا يكون ما ذكره صاحب المتن ليس بسديد.
стр. 71
(المتن)
فَصْلٌ
وَيُكْرَهُ إِزَالَةُ الأَوْسَاخِ فِي الْمَسَاجِدِ كَتَقْلِيْمِ الأَظْفَارِ، وَقَصِّ الشَارِبِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَالعَمَلِ وَالصَنَائِعِ؛ كَالخِيَاطَةِ، وَالخَرَزِ، وَالحَلَجِ، وَالتِّجَارَةِ، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ؛ إِذَا كَثُرَ. . وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ إِذَا قَلَّ مِثْلُ رَقْعِ ثَوْبٍ، أَوْ خَصْفِ نَعْلٍ، أَوْ تَشْرِيْكِهَا إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُهَا.
(الشرح)
استقرت العناية بالمساجد في الشريعة الإسلامية، وتظاهرت بذلك الأخبار، فقد أمر النبي ﷺ بتطييبها، وأثنى على من كان يلي تنظيفها، بل في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ لما فقد امرأة كانت تقم المسجد، فقالوا: ماتت، فقال: «دلوني على قبرها» ثم أتى وصلى عليها تكرمة لها.
ونهى عن البصاق فيها، واستفاضت الأخبار في النهي عن ذلك، بل قد باشر ﵊ إزالة البصاق وحكه بيده الشريفة، وكان قد أمر بتخليقها بزعفران، وكان السلف يُجمِّرون المساجد ويطيبونها، ونُدِب إلى ذلك.
واشتهر عند الناس خبر لا يثبت، أن قمامة المسجد مهور الحور العين، وهذا لا يصح (١)، ولمّا بال رجل في المسجد قال ﷺ : «أهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء» ثم قال: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من قذر الناس» وكما قال ﷺ : «إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن» (٢)، وأنكر أصحابه على من بال في المسجد.
стр. 72
غير أنه لا يكره إذا قل شيء من ذلك، كرقع الثوب، أو خصف النعل، أو تشريكها إذا انقطعت، فهذا لا بأس به؛ لأنها أعمال يسيرة لا تنافي حرمة المسجد.
(المتن)
فَصْلٌ
وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ وَاجِبٌ ، سُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَنْ بِرِّ الوَالِدَيْنِ: أَفَرْضٌ هُوَ؟ فَقَالَ: لَا أَقُوْلٌ فَرْضٌ، وَلَكِنَّهُ وَاجِبٌ.
وَلَا يَجُوْزُ طَاعَتُهُمَا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوْقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى».
(الشرح)
وبر الوالدين لا شك أنه فرض، ولعل الإمام أحمد ﵀ توقف لعارض، وإلا فقد قرن الله جل وعلا برهما بطاعته وعدم الإشراك به، حيث قال سبحانه: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (١)، وفي الآية الأخرى قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (٢)، وأما الأخبار في بر الوالدين في السنة النبوية فهي مستفيضة.
ويمكن أن نقسم طاعة الوالدين إلى أقسام:
١ - أن يأمره الوالدان بما يجب لله؛ كأن يأمره الوالدان بصلاة الفريضة فهذا واجب لا إشكال فيه.
стр. 73
٢ - طاعته في ترك ما حرم الله؛ كأن يأمره والداه بترك محرم، فلا إشكال في وجوب الطاعة هنا أيضًا.
٣ - طاعته في المستحب؛ كأن يأمره أبوه بفعل المستحب، كما لو أمره بفعل الصلاة النافلة فهذا الأصل فيها الوجوب.
٤ - إذا أمره بترك مكروه وعدم فعله فهذا الأصل فيها وجوب الامتثال.
٥ - إذا أمره بأمر مباح، فاختلف أهل العلم في ذلك هل يجب على الولد الطاعة أم لا؟ فقيل الوالد يُطاع في كل شيء ليس معصية، وقال ابن مفلح: (١) ولا يجوز لوالد منع ولده من حج واجب، ولا تحليله منه، ولا يجوز للولد طاعته فيه، وله منعه من التطوع كالجهاد.
والذي يتحرر لي في هذه المسألة أن طاعة الوالد في المباح فيه تفصيل، أن الوالد يُطاع فيما كان للوالد فيه نفع وغرض صحيح ولا ضرر على الولد.
وعُلم من هذا أنه إذا كان الوالد ينهى عن شيء ليس له فيه نفع ولا غرض صحيح، وللولد فيه مصلحة أو نفع - دنيوي أو ديني-، كما لو نهاه عن السنن الرواتب، أو عن الصيام النافلة، وليس للوالد نفع في ترك الولد ذلك، وليس على الولد ضرر في فعل ذلك فحينئذٍ الأقرب هو الرواية الثانية عن أحمد أن له أن يصوم، ولكن يداري الوالد، ويقول لهما قولاً ميسورًا.
стр. 74
(المتن)
فَصْلٌ
وَيُكْرَهُ الاتِّكَاءُ عَلَى يُسْرَى يَدَيْهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ . وَيُكْرَهُ الجُلُوْسُ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالظِّلِّ.
(الشرح)
ذكر المؤلف كراهية الاتكاء على اليسرى من وراء ظهره، والأصل في هذه المسألة ما أخرجه أبو داود، ومن طريقه البيهقي في السنن وفي الآداب، وأحمد، وابن حبان، والطبراني في المعجم الكبير، والحاكم، كلهم من طريق عيسى بن يونس، قال: حدثنا جريج عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد بن سويد، عن أبيه، قال: مر بي النبي ﷺ وأنا جالس هكذا وقد وضعت يدي اليسرى، واتكأت على إلية يدي فقال: «أتقعد قِعدة المغضوب عليهم» (١).
وهذا الإسناد إسناد لا بأس به، وبوب عليه أبو داود في آخر سننه في كتاب الآداب: "باب في الجلسة المكروهة" (٢).
وقد اختلف العلماء في هذه الجِلسة - وهي وضع اليد اليسرى خلف الظهر والاعتماد عليها.
إلية اليد: هي اللحمة التي في أصل الإبهام وأصل الكف.
فالذي يظهر لي أن هذه الجلسة إنما نهي عنها في الصلاة فقط.
стр. 75
وممن اختار العموم أيضًا شيخنا ابن باز ﵀ واللجنة الدائمة والشيخ ابن عثيمين ﵀ فهم يرون أن المنع في هذه الجلسة منع مطلق، والذي يظهر لي ما تقدم، وهذا اختيار الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في السلسة الضعيفة، وأن المنع فيها إنما هو في الصلاة فقط.
والحكمة ظاهرة لأجل التشبه بأنه يفعله الكفرة في عباداتهم أو صلاتهم، فلا يكون منهيًا عنه خارج الصلاة، وهذا هو الأقرب.
قوله: (ويكره الجلوس بين الشمس والظل):
جاء في ذلك عدة أخبار، فمنها حديث بريدة الذي أخرجه ابن أبي شيبة، ومن طريقه ابن ماجه، عن زيد بن حباب، عن أبي المنيب العتكي، عن ابن بريدة -وهو عبد الله بن بريدة- عن أبيه: أن النبي ﷺ نهى أن يقعد بين الظل والشمس» (١)، وأبو المنيب هو عبيد الله بن عبد الله العتكي، والصحيح أنه حسن الحديث.
ومنها أيضًا ما أخرجه أحمد في المسند عن بهز، وعفان، قالا: حدثنا قتادة، عن كثير بن أبي كثير، عن أبي عياض، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ نهى أن يجلس بين الضَّحِّ والظل، وقال: «مجلس شيطان» (٢).