← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13768

الإعجاز العلمي إلى أين

مساعد الطيار

Полный текст (202 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وجُعلت من أهم ما توصل إليه المعاصرون، بل جعله بعضهم هو طريق الدعوة للكفار. وأختم هذا البحث بمسائل متفرقة في هذا الموضوع، وهي الآتي: أولاً: قضايا العلم التجريبي بين القرآن والعلم الحديث: • العلم بالسُّنَّة الكونية لا يرتبط بالمعتقد، ولا بالأفكار؛ لأنه نتيجة البحث والتأمل، ومعرفة السُّنَّة الكونية من العلوم التي وكلها الله لعباده، فعلى قدر ما يكون الجهد في البحث يصل البشر بإذن الله إلى نتائجه المرجوة، ولما كان الوصول إلى هذه العلوم التجريبية مرتبطاً بالقدرة على البحث ووجود المناخ المناسب له، وكان الغرب الكافر قد حرص عليه، فإنهم قد سبقوا المسلمين في ذلك. • إن وجد إشارةٌ في القرآن لبعض هذه المسائل المرتبطة بالعلوم التجريبية فإنها لم تكن هي المقصد الأول، ولم ينْزل القرآن من أجلها، وإذا وازنت بين المعلومات العقدية والشرعية، ظهر لك أنَّ المعلومات العقدية والشرعية ـ أي: كيف يعرفون ربهم، وكيف يعبدونه ـ هي الأصل المراد بإنزال القرآن، وهي التي تكفَّل الله ببيانها للناس، أما المعلومات الدنيوية بما فيها العلوم التجريبية فهي موكولة للناس كما سبق، وإن جاءت فإنها تجيء مرتبطة بالدلالة على حكم عقدي أو شرعي، فهي جاءت تبعاً وليس أصالةً؛ أي: أن القرآن لم يقصد أن يذكرها على أنها حقيقة علمية مجردة، بل ليستدل بها على توحيد الله وأحقيته بالعبادة، أو على حكم تشريعي، أو على إثبات اليوم الآخر. • القضايا العلمية التي يفسر بها من يبحث في الإعجاز أو التفسير العلمي لا يدركها إلا الخواص من الناس، ولا يوصل إليها إلا بالمِراس. • الفرق بين القرآن والعلم التجريبي في تقرير القضية العلمية:

стр. 37

١ - أن القرآن يقررها حقيقة حيث كانت وانتهت، والعلم التجريبي يبدأ في البحث عنها من الصفر حتى يصل إلى الحقيقة العلمية. ٢ - القرآن يذكر القضية العلمية مجملة غير مفصلة، أما العلم التجريبي فينحو إلى تفصيل المسألة العلمية. • علم البشر قاصر غير شمولي، ونظره من زاوية معينة، لذا قد يغفل عن جوانب في القضية، فيختلَّ بذلك الحكم ونتيجة البحث. وقد يكتشف ما لم يحتسب له عن طريق الصدفة لا الممارسة العملية. • القرآن طرح القضايا العلمية بعيداً عن الخيالات التي كانت إبان نزوله، سواءً أكانت هذه العلوم عند العرب أم عند غيرهم، وهذه الخيالات بان خطئوها في القرون المتأخرةِ، ولا يزال هناك غيرها مما سيكشفه العلمُ التجريبي، وكل ذلك مما لا يمكن أن يخالف حقائق القرآن إن صحَّت تلك العلوم. • قد تكون بعض القضايا العلمية صحيحة في ذاتها، لكن الخطأ يقع في كون الآية تدلُّ عليها، وتفسَّر بها. ثانياً: موقف المسلم من قضايا العلوم التجريبية المذكورة في القرآن: • الإيمان بالقضية الكونية التي ذكرها القرآن لا يحتاج إلى إدراك الحسِّ، بل يكفي ورودها في القرآن، بخلاف القضايا العلمية التي يحتاج الإيمان بها إلى الحسِّ، سواءً أكانت هذه القضايا مذكورة في القرآن أم لم تكن مذكورة. • المسلم مطالب بالأخذ بظواهر القرآن، وأخذه بها يجعله يسلم من التحريف أو التكذيب بها، ولو كانت مخالفة لقضايا العلم التجريبي المعاصر. فإذا عارضت النظريات العلمية، ولو سُميت حقائق علمية فإنه لا يلزم الإيمان بها، بل يقف المسلم عند ظواهر القرآن؛ لأن المؤمن مطالب بالإيمان بنصوص القرآن لا غير.

стр. 38

• يجب الحذر من حمل مصطلحات العلوم المعاصرة على ألفاظ القرآن وتفسيره بها. • البحوث العلمية الناتجة عن الدراسات لا يلزم مصداقيتها، وهي درجات من حيث المصداقية، لذا ترى دراسة علمية تذكر فوائد شيء، وتأتي دراسة تناقضها في هذه الفوائد. وأسأل الله أن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأرجو أن يبعد عني وعنكم الشطط والتحامل في هذه القضية وفي غيرها، وإن هذه القضية بالذات حسَّاسة، وتدخلها العواطف، ويبرز في الردِّ على من يعترض عليها الكتابة الخطابية، فتخرج عن كونها قضية علمية تحتاج إلى تجلية وإيضاح إلى قضية دفاع عن مواقف وشخصيات. ثالثاً: هل نحن بحاجة إلى التفسير العلمي، أو الإعجاز العلمي؟ إن نتيجة ما يتوصل إليه الباحث في الإعجاز العلمي هي إثبات أن الحقيقة أو النظرية الكونية أو التجريبية قد ورد ذكرها في القرآن صراحة أو إشارة، وهذا فيه دليل على صدق القرآن وأنه من عند الله. وهذه النتيجة لا يمكن الوصول إليها إلا بعد البحث المجرد في الحقائق الكونية والمواد التجريبية، ولا شكَّ أن الباحث إذا كان ممن يؤمن بالله ورسوله ﷺ فإنه لن يأتي بشيء مخالف لما في القرآن والسُّنَّة، أما إذا كان الباحث كافراً فقد يقع منه مخالفات للشرع، ويكون ذلك دليلاً على خطئه في مسار بحثه. ومن ثمَّ فإنَّ عندنا أمرين: الأول: العناية بالبحث التجريبي والنظر في هذا الكون والتدبر فيه لننافس بذلك أعداء الله الذين تقدموا علينا في هذا المجال. الثاني: العناية بما يسمى بالإعجاز العلمي لإثبات صحة هذا الدين لأولئك الذين لا يؤمنون إلا بالحقائق المادية، ودعوتهم إلى الإسلام،

стр. 39

وذلك أنه لما كان هذا العصر عصر ثورة العلوم التجريبية الدنيوية، فإنَّ تقديم هذه التفسيرات الموافقة لما ثبت في هذه العلوم للناس دعوة لهم لهذا الدين الحقِّ. وهذا والدعوة بهذه القضايا ـ إن ثبتت ثبوتاً يقينياً ـ حقٌّ لكن الأمر يحتاج إلى ضبط مدى الحاجة للدعوة بهذه التفسيرات العلمية للقرآن، وهل أثبتت نجاحها وتميُّزها؟ إنَّ الذي يُخشى منه أن تكون الدعوة بهذه التفسيرات الموافقة للعلوم التجريبية قد أخذت أكبر من حجمها، وأنَّ عدد المتأثرين بها قليلٌ لا يكاد أن يوازوا بعددهم ما يقوم به داعية أو مركز إسلامي يبيِّن للناس هذا الدين الحقَّ. ومن المعلوم أن الأفواج الكثيرة التي دخلت في الإسلام أسلمت بأبسط من هذا الطرح العلمي، فأغلبهم أسلم لما يجد في الإسلام من موافقته لفطرته التي فطره الله عليها دون أن يصل إلى الإيمان بالله بهذا العلم الذي لا يدركه إلا القليل من الناس. ونقول: إننا نفرح بإسلام علماء وباحثين من الغرب والشرق، لكننا بحاجة إلى التنبُّه لأمور؛ منها: ١ - أن مثل هؤلاء يحتاجون إلى تعزيز الإيمان في قلوبهم، ومتابعة أحوالهم بعد إسلامهم، والحرص على تثقيفهم في دينهم الجديد؛ لأن المقصود من الدعوة إلى الله تعبيد الناس لله، وليس مجرد إقناعهم بأن الإسلام دين حق. ٢ - أن هؤلاء قد يحارَبون من أقوامهم ويُسفَّهون، وهم بحاجة إلى رعاية خاصة، فلو وُكِل لبعض الدعاة العناية بشؤونهم ومتابعة أحوالهم. وبعد، فإن بعض من يستسلم لهذه الحقائق المذكورة في القرآن أو السُّنَّة، يأخذها بنظره العلمي التجريبي، ولا يدرك حقيقة الوحي، وأنَّ

стр. 40

هذا القرآن من عند الله، فبينه وبين ذلك حجاب مستور، والله أعلم. ومن ثمَّ، فإن العناية بالأمر الأول ـ وهو البحث التجريبي والنظر في هذا الكون والتدبر فيه ـ يجب أن تكون أكبر وأكثر من العناية بالأمر الثاني ـ وهو ما يسمى بالإعجاز العلمي ـ لوجهين: الوجه الأول: أنه هو المجال الوحيد الذي سبقنا فيه أعداؤنا، ولا بد لنا من منافستهم في ذلك، والسعي للتقدم عليهم فيه. الوجه الثاني: أنه عندما يقوم الباحثون المسلمون بتلك البحوث نضمن أنهم لن يصلوا إلى نتائج خاطئة مخالفة للكتاب والسُّنَّة، بل إنهم سوف يعيدون النظر في بعض النتائج المخالفة للكتاب والسُّنَّة التي وصل إليها الباحث غير المسلم من الشرق أو الغرب؛ لأنه يوجد حدود للممنوع أو لمعرفة ما يمكن معرفته مما لا يمكن كما هو عند من يهتدي بهُدى الوحي. وإذا بقي همُّنا منصبّاً على العناية بما يسمى بالإعجاز العلمي لإثبات صحة هذا الدين لأولئك الذين لا يؤمنون إلا بالحقائق المادية، فإننا سنبقى عالة على الغرب ننتظر منه كل جديد في العلوم، ثمَّ نبحث ما يوافقه في شرعنا، ولا يخفاك ما دخل علينا من هذه العلوم مما هو مخالف لشرعنا، وما ذاك إلا بسبب أنَّ موقفنا نحن المسلمين موقف التلميذ الضعيف المتلقي الذي يشعر أنه لا شيء عنده يمكن أن يقدمه. والبحث العلمي بلا قوة تحميه لا يمكن أن ينفعل في الواقع، لذا لا بدَّ من أن يواكب العلم قوةٌ تكون في الأمة كي تدعم هذا العلم وتحافظ عليه، وإلا صار ما تراه من هجرة العلماءِ عن ديار المسلمين إلى ديار الغرب الكافرة. وأقول أخيراً: إنَّ في الموضوع قضايا كثيرة تحتاج إلى تجلية وإيضاح، ولولا ضيق المقام لأشرت إليها، وإني أسأل الله أن يوفقني ويعينني على الكتابة فيه على منهجٍ عدل وسط لا شطط فيه.

стр. 41

المقالة الثانية تقويم المفاهيم في مصطلح الإعجاز العلمي

стр. 42

المقالة الثانية تقويم المفاهيم في مصطلح الإعجاز العلمي (١) الحمدُ لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وصلَّى وسلَّم على رسوله المجتبى، خير خلقه قاطبة، وأفضل من نزل عليه وحي الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد سبق أن أشرت إلى (مفهوم المعجزة)، وذكرت بعض ما يتعلق بنقد هذا المصطلح الذي نما ونشأ بين أحضان أهل الكلام من المعتزلة. وفي هذه المقالة أتابع موضوع المعجزة عند المعاصرين، وكيف صار الإعجاز غالباً على ما يسمونه (الإعجاز العلمي)، فأبدأ بهذا الموضوع مستعيناً بالله، فهو الموفق في كل الأمور، وإني لأسأله التوفيق في كل أموري. أولاً: المراد بالإعجاز العلمي، وعلاقته بمفهوم المعجزة: إن ممَّا يلاحظ على من كتب في الإعجاز العلمي أنه لم يبيِّن علاقته بمفهوم المعجزة كما استقرَّ عند العلماء السابقين الذين كتبوا فيها، بل راح بعضهم يتلمَّس مفهوماً جديداً يتناسب مع مفهوم الإعجاز العلمي عنده، فراح يورد معاني مادة عجز في اللغة، حتى إذا ما ظَفِرَ بمعنى (السَّبق) عضَّ عليه، واتكأ عليه، وجعله هو المعنى المراد في مفهوم

стр. 43

الإعجاز العلمي، فأغفل ما قرَّره من مفهوم المعجزة عند السابقين (١). وهذا الأسلوب في تقرير المصطلحات الجديدة تجده عند بعض من يريد أن يضيف ـ على مصطلح قد استقرَّ وشاع ـ جديداً، أو يُحدِّد مفهوماً جديداً بسبب ما استجد في هذا العصر؛ تجده لا يحرص على ربط مفهومه الجديد بالمفهوم السابق؛ إما لغفلته عن ذلك، وإما لعدم الارتباط بينهما، مما يبين أن مصطلحه الجديد خاصٌّ كل الخصوصية، وليس منطلقاً مما استقرَّ وثبت عند السابقين. وهذا تجده عند بعض من قرَّر مفهوم الإعجاز العلمي حيث يمرُّ مرور الكرام مقرِّراً مصطلح السابقين دون أن يعتني ببيان علاقة ما هو فيه من موضوع (الإعجاز العلمي) بما تقرَّر عند السابقين، وهذا يُشعر بانفصالٍ بين موضوع الإعجاز العلمي في نظر المُحْدَثين وبين مفهوم الإعجاز عند السابقين. فمفهوم المعجزة كما نقله بعض من كتب في الإعجاز العلمي: «الأمر الخارق للعادة، السالم من المعارضة، المقرون بالتحدي؛ لعجز البشر عن الإتيان بمثله» (٢). أما الإعجاز العلمي، فيقول الأستاذ الدكتور زغلول النجار في تعريفه له: «والقرآن معجز كذلك في استعراضه التاريخي لعدد من الأمم السابقة ... وفي أنباء غيبه، وفي إشاراته العديدة إلى الكون ومكوِّناته وظواهره. وهذا الجانب الأخير من جوانب الإعجاز في كتاب الله هو

стр. 44

المقصود بتعبير «الإعجاز العلمي في القرآن الكريم»، ويُقصد به: سبق هذا الكتاب العزيز بالإشارة إلى عدد من حقائق الكون وظواهره التي لم يتمكن العلم الكسبي من الوصول إلى فهم شيء منها إلا بعد قرون متطاولة من تنَزُّل القرآن الكريم ... وفي إثبات ذلك تأكيد أن القرآن الكريم هو كلام هذا الإله الخالق، وتصديق للنبي والرسول الخاتم ﷺ في نبوته ورسالته، وفي تبليغه عن ربه» (١). وعرَّفه غيره (٢) فقال: «هو إخبار القرآن الكريم أو السُّنَّة بحقيقة أثبتها العلم التجريبي، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول ﷺ . وهذا مما يُظهر صدق الرسول محمد ﷺ فيما أخبر عن ربه سبحانه» (٣). وهذان التعريفان من متخصِّصَين في مجال الإعجاز العلمي قد عاشا معه ردحاً من الزمن، وهما ـ عند كثيرين ـ حجةٌ في هذا الباب، فحرصت على نقل قوليهما لئلا يُعترضَ بأن غيرهما غير معروف في هذا الباب. وهذا التعريف عليه مآخذ أُجملها فيما يأتي: ١ - أنه لا تظهر علاقة تعريف الإعجاز العلمي ـ الذي هو عندهم نوع من أنواع إعجاز القرآن الكريم ـ بتعريف المعجزة كما نقلوه عن العلماء السابقين نقل تقريرٍ وقَبول. فيمكن لسائل أن يسأل الأسئلة الآتية:

стр. 45

١ - أين وجه التحدِّي في قضايا الإعجاز العلمي؟ ٢ - هل كان مراداً ممن تُحدُّوا بالقرآن أن يعارضوا هذه القضايا العلمية فيأتوا بمثلها؟! ٣ - ما وجه خرق العادة في مثل هذا الأمر؟! ٤ - ما وجه التحدِّي بالسُّنَّة النبوية، حتى يُنسب الإعجاز إليها؟! ٥ - ما وجه الإخبار بأمر من أمور الكون في مسألة الإعجاز؟ وهذا الأسلوب الذي انتهجه هؤلاء ـ وفقهم الله ـ راجعٌ إلى أنهم قد قرَّروا مفهوماً خاصّاً للإعجاز عندهم، فأرادوه ولم يريدوا ما ذكره العلماء السابقين، لكنهم لم يكلِّفوا أنفسهم في تحرير هذا المفهوم الجديد، ولا في علاقته بتعريف المعجزة عند العلماء السابقين، فأعرضوا صفحاً عن ذلك، ودخلوا إلى قضايا الإعجاز العلمي على أنَّ ما قرَّروه من مفهومه لا مشكل فيه حتى يحتاج إلى تحرير. والأمر ليس كذلك، بل فيه المشكلات السابقة التي ذكرت لك، وأفصل في بعضها فأقول: ١ - إن من تكلم عن الإعجاز العلمي يحرص على جعله نوعاً جديداً مستقلاًّ، وتراه يجعله خاصّاً ـ في معظمه ـ بالآيات الكونية، والعلوم التجريبية، ويُظْهِرُ أن عدم معرفةِ تلك الحقيقة الكونية على الوجه الذي عرفها به المعاصرون، وكونها جاءت موافقة لما في القرآن = إعجازٌ. وإذا تأمَّلت هذا النوع المحكيَّ من الإعجاز وجدته جزءاً من أنواع الإعجاز الذي حكاه العلماء السابقون، وهو (الإعجاز الغيبي)، فالإخبار بهذه الأمور التي لم تكن معروفة معرفة تامَّة بتفاصيلها آنذاك، ثمَّ ظهور معرفتها التفصيلية إنما هو من هذا الباب، فما الذي أوجب تخصيص هذه الآيات دون غيرها من آيات الغيبيات بهذا المصطلح؟!

стр. 46

إنه ضغط الحاضرِ، واستعلاء هذه العلوم، والشعور بالحاجة إلى التعريف بما عند المسلمين من سبق إلى هذه القضايا، فصرنا نتلمس ما وصل إليه علمهم، ثمَّ نبحث عما يصدِّقه من كتابنا، ولم ننطلق من المعامل لنثبت صحة ما عندنا من كتابنا، والفرق بين الأسلوبين واضح. ٢ - إنَّ جَعْلَ مَرَدِّ الإعجاز إلى السبق بالإخبار عن هذه الأمور التي لم يظهر أمرها إلا في هذا العصر فيه نظر من وجوه: الأول: أنَّه تخصيص متحكِّمٌ لمعنى الإعجاز، وهو مخالفٌ لما عرَّفه العلماء السابقون، فأين وجه خرقِ العادة؟ وأين وجه التحدِّي الذي ذكره هؤلاء في تعريف المعجزة ذكرَ مقرٍّ بتعريف العلماء السابقين؟ الثاني: أنَّ هذه الخصِّيصة ـ وهي الإخبار عن الآيات الكونية ـ ليست من خصوصيات القرآن، بل هي في كل كتب الله التي تحدَّثت عن كونِه لا محالة في ذلك، فالمتكلِّم بهذا الوحي للأنبياء هو خالق الكون، والحقيقة الكونية لا يمكن أن تختلف في هذا الوحي، سواءً أكان نازلاً على موسى ﵇، أم كان نازلاً على محمد ﷺ . ولا شكَّ ـ أيضاً ـ أن الفرق بين القرآن وغيره من الكتب هو حفظه سليماً من التحريف والتبديل الذي طال ما بقي من كتب الله ـ سبحانه ـ إلى أنبيائه. كما يلاحظُ أيضاً أن بعض ما وُجِدَ من تراث السابقين من تلك العلوم كان صحيحاً، ولا زالت لا تُعرفُ طريقة وصولهم إليه ـ مع صحة نتائجهم ـ فهل يُعدُّ سبقهم إلى هذا من الإعجاز؟ وكذا تجدُ في التراث الشعري لأميَّة بن أبي الصلت الثقفي (ت:٨) إخباراً بقضايا كونية، وهي صحيحة أيضاً، فهل يُعدُّ هذا السبق والإخبار إعجازاً؟!

стр. 47

٣ - إنَّ إقحام السُّنَّة في مسألة الإعجاز مما لم يُسبق إليه، وليس للسُّنَّة مدخل في الإعجاز، وإنما سهل إدخالها في هذا الباب لأن من أدخلها قد تخلَّص من تعريف السابقين واخترع تعريفاً جديداً يناسب معه دخول السُّنَّة في الإعجاز. ولو تخلَّص هؤلاء من سلطان مصطلح (المعجزة والإعجاز) لوجدوا بديلاً ينطبق على بحوثهم بدون تكلُّفٍ ـ كما هو ظاهر في تعريفاتهم ـ فلو جعلوا حديثهم منصبّاً على (دلائل صدق أخبار القرآن والسُّنَّة) لكان هذا أولى وأنفع من الارتباط بمفهوم الإعجاز الذي يصعب تطبيقه على مباحثهم. ولعلك تلاحظ أنَّ (دلائل صدق القرآن والسُّنَّة) هي نتيجة أبحاثهم هذه، وهو ما عبَّروا عنه في نهاية تعريفهم للإعجاز. وهذا المصطلح (دلائل صدق القرآن والسُّنَّة) أدلُّ على مقصودهم، وألصق ببحوثهم من مصطلح الإعجاز الذي لم يبيِّنوه بياناً شافياً. ٤ - إن من بحث في موضوع الإعجاز العلمي يظهر عنده تضخيم جانب الآيات التي تتحدث عن الكون، حتى لقد كرَّر بعضهم في أكثر من مقام أن في القرآن أكثر من ألف آية تتحدث عن الكون، وهو في حديثه هذا يُحيل على العلماء دون أن ينصَّ عليهم بعينهم (١)، وهي ـ في هذا المقام ـ إحالة على غير مليء. بل إن بعضهم من كثرة ما يردِّد بعض الآيات يُشعِرك أنها إنما نزلت بشأن الإعجاز العلمي، كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]،

стр. 48

والآية لا تتناسب مع ما يستدلُّ به أصحاب الإعجاز العلمي (١).

стр. 49

٥ - إنَّ هاهنا مسألة خفيَّة، تحتاج إلى تأمُّلٍ، وهي: هل الإعجاز القرآني لازم بهذه القضايا؟ بمعنى: لو كان القرآن نزل بأمورٍ أخرى، ولم يذكر هذه القضايا فإنه يبقى معجزاً، ولا يزول عنه الإعجاز؟ وإذا صحَّ هذا الاستنتاج، فإنه يمكن القول بأنَّ الإعجاز (بمعنى: تحديّ الخلق بأن يأتوا بمثل هذا القرآن) راجع إلى لفظ القرآن ونظمه وبيانه، وليس راجعاً إلى شيء خارج عن ذلك، فما هو بتحدٍّ بالإخبار بالغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهر من تنْزيله، ولا بعلمٍ ما لم يدركه علمُ المخاطبين به من العرب، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان (١).

стр. 50

والذي يدل على ذلك أمورٌ، منها: الأول: أنَّ الله قد تحدَّاهم بأن يأتوا بسورة، والذي ينتظم في السورة ولا ينخرم هو التحدي بالنظم والبيان دون سائر الأنواع المُقحمة في الإعجاز القرآني. فأنت لا تجد إعجازاً (غيبيّاً) في كل سورة، ولا تجد إعجازاً (علميّاً) في كل سورة، ولا تجد إعجازاً (تشريعيّاً) في كل سورة، لكن لا يمكن أن تخلو سورة من الإعجاز الكائن في النظم والبيان العربي. الثاني: أن سياق الآيات في غير ما موطن يشير إلى أنَّ المراد النظم والبيان العربي دون ما سواه، والذي يدلُّ على ذلك أنَّ العرب فهموا ذلك، فلما أرادوا وصف ما جاء به النبي ﷺ = راحوا يذكرون أصناف أصحاب القول والبيان عندهم، فزعموا أنه قول شاعر، وزعموا أنه قول كاهن، وزعموا أنه قول ساحر، حتى إذا أعياهم ذلك، وصارت حجتهم ضعيفة زعموا أنه قول مجنون، وهذا يدلُّ على أنه قد أسقِط في أيديهم فصاروا يتشبَّثون بأي شيءٍ، ولو كان ضعيفاً كما هي عادة أصحاب الضلال والخطأ، حين لا يمكنهم أن تقوم لهم حجة. وهؤلاء الذين نَسَبوا النبي ﷺ إليهم إنما يجمعهم القول والبيان، فالشاعر صاحب بيان، والساحر والكاهن كانوا يسجعون في أقوالهم، ويتخيَّرون الألفاظ المناسبة لكل مقام، ومن قرأ في تراث العرب أخبار سطيح وغيره ظهر له عنايتهم باختيار ألفاظهم، وحرصهم على نظمها وبيانها، والمجنون يهذي بما لا يدري. ومن تأمَّل سياق قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ *أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ *قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ *أَمْ تَامُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ *أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَ يُؤْمِنُونَ *فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٢٩ - ٣٤]،

стр. 51

يجد أنَّه يتوجه إلى القول دون ما سواه من المضمون، ثمَّ جاء الردُّ عليهم بأن يأتوا بحديث مثله في النظم والبيان دون غيره من المعاني المنسوبة للإعجاز. وقد نفى الله تعالى عنه في غير ما موضع أن يكون من قول أحدٍ من البشر، فقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ *ولاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٤٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥]. كما يدلُّ عليه حال العرب الذين نزل عليهم القرآن، فقد تحيَّروا في وصفه لأجل ردِّه، وليس لأنهم لم يقفوا على كنهه، فهم مقرُّون بأنه ليس من جنس كلام البشر، وإن لم ينطقوا بهذا، فلما أرادوا أن يتفقوا على كلمة في القول الذي جاء به محمد ﷺ = قالوا: كاهن، أو شاعر، أو ساحر، أو مجنون، وقال الوليد بن المغيرة واصفاً للقرآن: «والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فَرْعَه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عُرِف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر؛ جاء بقول يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته» (١). فهذا البيان من الوليد يُشعِرك بأنهم كانوا يدركون سرَّ هذا التحدي الذي ألزمهم الله به، ولم يستطيعوا أن يجابهوه، فراحوا يتلمسون له شبيهاً يطلقونه عليه لأجل أن لا يؤمن به أحد من العرب إذا سمعه، ولعلك على خُبْرٍ من خبر الطفيل بن عمرو الدوسي (٢)، فلما سمع القرآن

стр. 52

آمن به، وعلم أنه من عند الله، لم يكن إيمانه من أجل تلك القضايا التي يذكرونها من أنواع الإعجاز، وإنما كان مجرد سماعه لتلاوة القرآن مبينة له عن مباينته لكلام المخلوقين، وتقرير ذلك بالأمثلة عن الذين أسلموا وأقروا بصدق القرآن يطول، وفيما ذكرته تذكرة وغُنية. الثالث: إن هناك نظراً قد يخفى على بعض من يبحث في الإعجاز، وهو أن التحدي الحقيقي يقوم على من يملك أدوات التحدِّي دون من يفقدها، وهي بالنسبة له من العدم. فالعرب قد بلغوا حدّاً من الفصاحة والبيان، وحدّاً من العلم بفارق ما عندهم عما جاء به القرآن من النظم والفصاحة والبيان، وكان عندهم من القدرة على التفنن في ضروب القول، والتذوق للكلام البليغ القدر الكبير الذي لا يُضاهَى، فجاء التحدي لهم بما يملكون أداته، وعندهم أصُولُه، ولهم فيه جولة وصَولَةٌ، فلما تحداهم الله به عرفوا عجزهم عن الإتيان بمثله، فاتجهوا إلى محاربته بأنفسهم وأموالهم، مع أنه قد طُلِبَ منهم ما هو أقلُّ من ذلك، وهو معارضة هذا القرآن (١)، فلما لم يعارضوه ثبتَ وقوع التحدِّي إلى يوم القيامة، فمن كان أقدر على المعارضة أبان

стр. 53

عن عجزه، وأظهر عدم قدرته، فمن كان بعدهم ممن بَعُدَ عن تلك اللغة الشريفة أولى بالعجز وعدم القدرة. وإذا كان هذا بيِّناً، فإنه يظهر أنَّ التحدي لم يكن بغير ما كانوا بارعين فيه، عارفين له، ومالكين لأزمَّة أمره، وهو جانب النظم والبيان، أما غيره مما انسبك في هذا النظم من أمور تشريعية وتاريخية وغيبية وغيرها، فهي مما لم يُطالبوا بالإتيان بمثله؛ لأنهم غير قادرين عليه أصلاً، بل إنه من المحال أن يكون ذلك مما طُولبوا به، ولو كان، لجاز لهم أن يعترضوا بأنهم لو طولبوا بما أداته عندهم لجاءوا به، فلما لم يقع منهم ذلك دلَّ على أنَّ هذه الأمور بمعزلٍ عن التحدي والإعجاز. ولو طولبوا بهذا لكان كمن يتحدَّى قوماً بأن يفعلوا شيئاً، وهم عاجزون عن أصل الفعل، بخلاف من يتحدى قوماً يملكون أداة ما يتحدَّاهم به، ويريهم عجزهم عن الإتيان بما أتاهم به، وهذا أبلغ في التحدي، وأدلُّ على القدرة. ثانياً: ما المراد بالعلم الذي نُسب إليه الإعجاز: يقول الشيخ عبد المجيد الزنداني: «وصف الإعجاز هنا بأنه علمي نسبة إلى العلم. والعلم: إدراك الأشياء على حقائقها. أو هو صفة ينكشف بها المطلوب انكشافاً تامّاً. والمقصود بالعلم في هذا المقام: العلم التجريبي، وعليه فيعرَّف الإعجاز العلمي بما يلي ...» (١). ثم ذكر التعريف المنقول عنه سابقاً. وهذا الذي صرَّح به الشيخ الزنداني لا خلاف فيه عند كل من كتب

стр. 54

في الإعجاز العلمي، فالعلم الذي ينسبون إليه الإعجاز هو العلم التجريبي، فهل هذه النسبةُ سديدة؟! هنا عدد من المسائل فيما يتعلق بمصطلح (العلمي). المسألة الأولى: هل العلم منحصرٌ في العلم التجريبي بحيث يكون هو العلم دون غيره؟ إنَّ نسبة العلم المطلق وتخصيصها بالعلم التجريبي ظاهرة البطلان، لكن من أين جاءت؟ لقد كان وصف العلوم التجريبية بأنها العلم مطلقاً من آثار الاستعمار البريطاني لمصر، وهناك قسَّم الإنجليز الدراسة إلى قسمين: القسم العلمي، ويعنون به دراسة العلوم التجريبية، والقسم الأدبي ويعنون به دراسة الشرعيات والاجتماعيات واللغات. وهذا التمييز فيه مكر ودهاء ممن وضع هذه المصطلحات التي سارت في الأمة الإسلامية حتى وصلت لهؤلاء الأفاضل فنسبوا الإعجاز إلى العلم التجريبي، فسمَّوه: الإعجاز العلمي. وإذا كان هذا هو العلم، فهل الإعجاز اللغوي الذي يحكيه من يذكر أنواع الإعجاز ليس علميّاً؟! أليس في ترك وصف أنواع الإعجاز الأخرى التي يحكيها الذين كتبوا في الإعجاز العلمي شيء من التنقص لهذه الأنواع؟! قد يقول قائل: إن هذا اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح. والجواب: إن هذه القاعدة ليست على إطلاقها، فالاصطلاح إذا حمل معنًى باطلاً أو فاسداً فإنَّ فيه مشاحة بلا ريب، وهذا هو الحال هنا.

стр. 55

وهذا العلم (وهو العلم التجريبي) جزء من العلوم، وليس هو كل العلوم، ولا هو أفضل العلوم حتى يُنسب إليه إعجاز خاصٌّ. كما أن حقيقة العلم في الإسلام هي العلم بالله والعلم بشرعه، فمن كان عالماً بذلك قيل له: عالم، وهذا هو العلم الحقيقي الذي امتدحه الله، ففي ترك وصف هذا بالعلم، ونسبه إلى العلوم التجريبية تجنٍّ على علوم الشريعة، وإبعادٌ لوصف العلم عنها من حيث لا يشعر هؤلاء. والعلم الممدوح في القرآن هو العلم بالله والعلم بشرعه، وهو الذي جاءت الآيات مادحة له ولمن حمله من العلماء؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وكل علم بعده فهو تبعٌ له، وليس أصلاً، وهذا مقرَّرٌ في كلام أهل العلم. ولا يعني هذا تنقُّص أصحاب العلوم التجريبية أو التقليل من شأنهم وشأن علمهم، لكن المراد معرفة مرتبتهم ومرتبة علمهم من علوم الشريعة وعلمائها. وليس المقام هنا مقام احتجاج لأسرد لك ذلك، وإن كانت ضغطة الحاضر لها أثر لا يخفى، والله المستعان. وإذا تأملت الإضافات الكائنة لأنواع الإعجاز عند من كتب في الإعجاز العلمي ظهر لك أنَّ نسبته إلى العلم فيها نظر وإشكال، فهم يقولون: الإعجاز اللغوي، وهذا يعني أنه منسوب إلى اللغة، والإعجاز التشريعي، فهو منسوب إلى الشريعة، والإعجاز البلاغي، فهو منسوب إلى البلاغة، وهكذا فإذا كانت هذه تُنسبُ إلى نوع العلم، فما بال ما يتعلق بالعلوم التجريبية نُسِب إلى العلم المطلق، حتى كأنه لا علم إلا العلم التجريبي؟!

стр. 56

المسألة الثانية: قضايا العلوم التجريبية المنسوبة للقرآن في الإعجاز العلمي: يُجمِع من بحث في موضوع الإعجاز العلمي أن القرآن ليس كتاب طبٍّ أو جيولوجيا أو فلك أو غيرها من العلوم التجريبية والطبيعية، وإنما جاء ذكر ما يتعلق بهذه العلوم على سبيل تقرير الحقيقة كما هي، أو على سبيل الإشارة إليها إشارة خفية أو ظاهرة. ومن الطبيعي أن يكون الحديث عنها في القرآن موافقاً للواقع، فخالق الحقيقة الكونية هو المتكلم عنها. وإذا نظرت إلى موضوعات تلك العلوم التي تحدَّث عنها القرآن وجدت من خصائص حديث القرآن عنها ما يأتي: ١ - أن قضايا الكون تأتي في القرآن على ما استقرَّت عليه من حيث هي حقيقة كونية. ٢ - أن حديث القرآن عما هو خفيٌّ عنَّا من قضايا الكون كحديثه عما هو معلوم مشاهد كشروق الشمس من مشرقها. ٣ - أن الحديث عنها يأتي مجملاً دون الدخول في تفاصيل، بخلاف الحديث عنها في كتب التخصُّص التي تبحث مثل هذه القضايا، لذا ترى من يبحث موضوعاً من الموضوعات التي طرقها القرآن يأتي بتفاصيل الموضوع مما لا يفهمه إلا من كان متخصصاً فيه، وحكاية هذه التفاصيل أشبه بحكاية تفاصيل الروايات الإسرائيلية بحيث لا يستفيد منها ولا يعقلها إلا أهل الاختصاص في تلك العلوم. ٤ - أن تلك القضايا في القرآن تبقى كما هي لا تتغير، وإنما يتغير فهم الناس لتفسيرها.

стр. 57

المسألة الثالثة: قصور العلم البشري في إدراك حقائق الكون: ١ - أن جملة من الكون الغائب مما لا يمكن الإنسان الوصول إليه بوسائله البشرية مهما ارتقى بها. ٢ - تغيُّر فهم هذه العلوم، وترقِّي الإنسان في فهمها جيلاً بعد جيل، فما كان في زمن حقيقة ينقلب في الزمن الذي بعده إلى أن يكون ضدَّها. ٣ - أن الاكتشافات لحقائق الخلق لا تأتي إلا بعد دراسة، وبعضها قد يأتي مصادفة؛ كأن يكون البحث في قضية من قضايا الخلق فيظهر أمر آخر لم يكن بحسبان الباحث. * * *

стр. 58

حقيقة الإعجاز العلمي ومؤداه إن النتيجة التي سيصل إليها من يريد البحث في هذا المجال هي صدق القرآن وأنه وحي منَزَّل من عند الله. وهذه النتيجة هي حقيقة هذه البحوث المتكاثرة في أنواع الإعجاز التي ظهرت في هذا الوقت المعاصر، كما أنها هي النتيجة الكبرى لأنواع الإعجاز التي ذكرها العلماء السابقون، خصوصاً ما هو أصل هذه المسألة (أي: الإعجاز)، وهو التحدي بالقرآن، فعدم وقوع المعارضة، بعد التحدي به، والإخبار بعدم وقوعه أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤] = دليل على صدق القرآن، كما أنَّ عدم القدرة على الإتيان بمثله دليل على صدق القرآن. والمقصود أنَّ نهاية البحث في هذا الموضوع هو التنبيه على صدق القرآن إذ أخبر عمَّا كان خافياً عن البشر إبَّان نزوله، فظهر بتقدم العلم التجريبي صحة ما أخبر به القرآن. وإذا انطلقت من هذا المنطلق، جاز لك أن تنسب صحة دلائل نبوة محمد ﷺ إلى ما أورده من أخبار في سُنَّته المطهرة. وهذه النتيجة لا تكون هي أصل المسألة، فيُطلَق عليها اسم الإعجاز. فإن قلت: أيعني هذا أن لا يتحدث متحدثٌ عن الإعجاز العلمي في القرآن؟

стр. 59

فالجواب: لا، بل الحديث في ذلك نافع، لكن يُنتبه لأمور: الأول: أن لا يُسمى البحث في قضايا العلم التجريبي بهذا الاسم (الإعجاز العلمي). الثاني: أن لا يُنطلق في الحديث من القرآن لأجل إثبات أن القرآن قد تحدث عن هذه القضية أو تلك. الثالث: أن يُنطلق في الحديث عن هذه الأمور من باب بيان عظمة الله في خلقه، وإن جاءت الآيات في البحث عن عظمة الله في خلقه فمجيئها على سبيل الاستشهاد لا على سبيل تقرير ما فيها من أمور متعلقة بالبحوث التجريبية. وسيظهر الفرق جليّاً بين الطريقتين في البحث: فالانطلاق من بيان عظمة الخلق سيجعل الباحث غير مقيَّد بموضوع معيَّنٍ يريد إثباته، بل سيكون حديثه عامّاً، فيتحدث عن عموم القضية الكونية؛ كالحديث عن النجوم على سبيل العموم، فتأتي القضايا التي ذكرها القرآن في معرض الحديث عنها، دون أن يكون القصد إلى إثبات مطابقة العلم التجريبي لما فيها من معانٍ ودلالات. أما لو انطلق من الآيات لتقرير مسألة الإعجاز العلمي، فإنه سيكون مقيَّداً بإثبات دلالة القرآن دلالة واضحة لا لبس فيها على تلك القضية التي يذكرها، وسيدخل في أمرين: الأول: لزوم ما لا يلزم، حيث يُلزم نفسه بما ليس لازماً أصلاً في البحث والتقرير. الثاني: أنه يدخل إلى القرآن بمقررات سابقة تجعله يلوي عنق النصِّ إلى هذه المقررات من حيث لا يشعر. بل إن بعضهم قد يشعر لكنه يتكلف الربط، ولو على سبيل المجاز الذي حذَّر منه بعضُ منظري

стр. 60

الإعجاز العلمي (١)، وذلك كثير في هذا الباب. وسأذكر مثالين في هذه المسألة: الأول: في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ *الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٦]. ذهب الأستاذ الدكتور زغلول النجار في تفسير هاتين الآيتين إلى مذهب جديد لم يُسبق إليه، وهذا المذهب الذي ذهب إليه إنما كان بسبب ما ظهر عنده من العلم الجديد في دراسة النجوم. وقد فصَّل المعنى اللغوي للفظتين (الخنس والكنس)، وجعل الخُنوس بمعنى الاختفاء الكامل. وليس من شكٍّ أن أصل الخنوس الاختفاء، كما نقله عن ابن فارس، لكن زيادة قيد (الكامل) في قوله: «ولكن الوصف القرآني بالخنس يعني الاختفاء الكامل، ولا يعني الظهور ثم الاختفاء» (٢)، لا دليل عليه من نقل ولا عقل ولا لغة، وإنما هو بسبب هيمنة تلك القضية الفلكية على ذهنه أثناء تفسيره لهذه الآية. وجعل الكنوس من مادة كَنَس يَكْنِسُ، ومنها المِكْنَسَةُ، ولم يجعله من كناس الظَّبي (أي: بيته) كما ذهب إليه بعض مفسري السلف وغيرهم.

стр. 61

والمعنى الذي ذهب إليه في معنى الكنوس حادث، وإنما قاده إليه تلك القضية الفلكية التي لا يتناسب معها جعل الكنوس من الكِناس، وإنما يناسبها جعله من الكَنْسِ. وهذا الاختيار لهذين المعنيين ما كان ليكون لو لم يكن له معرفة بما يُسمى بالثقوب السود التي هي حالة من حالات النجوم ذكرها الفلكيون المعاصرون. فلو لم يعرف هذا ما كان ليطرأ عليه هذا المعنى البتة، وهذا يَدُلَّك على أن هذا أسلوب الاعتقاد المُسبق، ثم الاستدلال له. يقول الأستاذ الدكتور زغلول النجار بعد حديثه عن تكوُّن الثقوب السوداء: «... فسبحان الذي خلق النجوم وقدَّر لها مراحل حياتها، وسبحان الذي أوصلها إلى مرحلة الثُّقب الأسود، وجعله من أسرار الكون المبهرة، وسبحان الذي أقسم بتلك النجوم المستترة الحالكة السواد الغارقة بالظلمة، وجعل لها من الظواهر ما يعين الإنسان على إدراك وجودها على الرغم من تسترها واختفائها، وسبحان الذي مكَّنها من كنس مادة السماء وابتلاعها وتكديسها، ثم وصفها لنا قبل أن نكتشفها بقرون متطاولة بهذا الوصف القرآني المعجز، فقال : ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ *الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٦]، ولا أجد وصفاً لتلك المرحلة من حياة النجوم المعروفة باسم الثقوب السود أبلغ من وصف الخالق لها بالخنس الكنس، فهي خانسة؛ أي: دائمة الاختفاء والاستتار بذاتها، وهي كانسة لصفحة السماء، تبتلع كل ما تمر به من المادة المنتشرة بين النجوم، وكل ما يدخل في نطاق جاذبيتها من أجرام السماء، وهي جارية في أفلاكها المحدَّدة لها، فهي خُنَّس جوار كُنَّس، وهو تعبير أبلغ بكثير من تعبير الثقوب السود الذي اشتهر وذاع بين المشتغلين بعلم الفلك، ُ ٌ ً ي ى و ِ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢].

стр. 62

ومن العجيب أن العلماء الغربيين يسمون هذه الثقوب السود تسمية مجازية عجيبة تنطبق انطباقاً دقيقاً على الوصف القرآني: «الخنس الجوار الكنس» كما فصَّلناه آنفاً، وذلك حين يسمونها بالمكانس الشافطة العملاقة التي تبتلع (أو تشفط) كل شيء يقترب منها إلى داخلها ...» (١). مناقشة هذا التفسير: أولاً: إن تلك القضية الفلكية لا يمكن لمثلي أن يرفضها، فلست أمتلك أدوات البحث التي تؤهلني أن أوافق أو أرفض، لكني ـ وأمثالي كثيرون ـ لا يملكون إلا قبول مثل هذه القضية إذا جاءت من متخصص بهذا العلم، وهذا يعني أنه ليس مجالي مجال إسقاط هذه القضية، ولا يمكن أن يسقطها إلا متخصص يظهر له خلافها، ويُثبِتَ بالبراهين خطأها. وهذا يعني عندي أن قضية الثقوب السود وما فيها من تحليلات مقبولة من حيث النظر الفلكي، مع أنه يقع في نفسي أن الأيام حُبلى بما قد يُظهر خلاف ما هو موجود الآن من معلومات لدى الفلكيين عن هذه الثقوب السود، وأنه قد يظهر ما يخالف ما استقر العلم عليه الآن، والتغير سمةٌ بارزة في العلوم التجريبية والكونية حتى تصل إلى مطابقة الحقيقة. ثانياً: إن الأستاذ الدكتور زغلول النجار قد وضع ضابطاً في تفسير القرآن بالإعجاز العلمي، وهو أن يفسر بالقضايا التي لا رجعة فيها (٢). ويفرق بين تفسير القرآن من جهة الإعجاز العلمي، ومن جهة التفسير العلمي، فيقول: «فالإعجاز العلمي يُقصد به هنا: إثبات سبق

стр. 63

القرآن الكريم بالإشارة إلى حقيقة من حقائق الكون أو تفسير ظاهرة من ظواهره قبل وصول العلم المكتسب إليها بعدد متطاول من القرون، أما التفسير فهو محاولة بشرية لحسن فهم دلالة الآية القرآنية؛ إن أصاب فيها المفسر فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، والمعول عليه في ذلك هو نِيَّتُه، وهنا يجب التأكيد على أن الخطأ في التفسير ينسحب على المفسر ولا يمس جلال القرآن» (١). وقد أشار إلى قضية أخرى في سبب تفريقه بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي، فقال: «أما موضوع الإعجاز العلمي: فهو موقف من مواقف التحدي الذي نريد أن نثبت به للناس كافة أن هذا القرآن ـ الذي أنزل قبل ألف وأربعمائة سنة على النبي الأمي ﷺ في أمة كان غالبيتها الساحقة من الأميين ـ يحوي من حقائق هذا الكون ما لم يستطع العلماء إدراكه إلا منذ عشرات قليلة من السنين» (٢). وهنا وقفات: الأولى: هل وجه التفريق بين هذين المصطلحين صحيحٌ؟ إن الذي دعا إلى هذا التفريق أمر خارجٌ عن حدِّ التفسير، مما يعطيك أنَّ هذه البحوث التي تراعي هذا التفريق ـ إن وجدت هذه المراعاة ـ لا تخرج مخرجاً صحيحاً من باب تفسير القرآن، بل هي دخيلة عليه. فمن الذي اشترط مقام التحدي في الإعجاز العلمي دون التفسير العلمي؟! إنَّ ذلك تحكُّمٌ، والتحكم لا يعجز عنه أحدٌ، كما أنه من باب لزوم

стр. 64

ما لا يلزم، إذ المفسر للقرآن لا ينظر إلى هذا الفرق المذكور، ولا ينتظر ثبوت تلك النظرية ثبوتاً يقينيّاً يوصلها إلى درجة الحقيقة التي لا مرجع عنها، فبيان كلام الله أوسع من تحجيره بهذه التحجيرات. ولا حرج على المفسر الذي يمتلك أدوات التفسير أن يفسر القرآن بهذه النظريات إذا كان فيها بيان لمعنى تحتمله الآية، وإن وقع في خطأ في ربط الآية بنظرية من النظريات، فهو كمن وقع في خطأ في وجه من وجوه التفسير، فما دام عالماً فلا تثريب على طريقته العلمية، لكن لا يعني هذا قبول تفسيره بهذه النظرية التي قد يُخالَف حملها على الآية، وهذا هو مهيع التفسير في تاريخه الممتد من جيل الصحابة الكرام إلى عصرنا الحاضر. الثانية: من الذي يمكنه أن يُثبت أن ما توصل إليه العلم البشري هو الحقيقة التي لا رجعة فيها؟! إنَّ هذه القضية من الأهمية بمكان، وإنها أول ما يجب تقريره عند الذين يبحثون في الإعجاز العلمي. فإذا كان هناك فرضيات ونظريات وحقائق، فمن الذي يمكنه أن يُفرّق بينها؟ وما هي شروط ارتقاء الفرضيات والنظريات إلى حقائق؟ لقد فسَّر بعض المسلمين في القرن الرابع عشر الهجري بعض آيات القرآن على نظريات كانت تُعدُّ من الحقائق في وقتهم، ثمَّ تبدَّلت تلك الحقائق، وظهر أنها ليست كذلك، فهل كان سيقال لهذا آنذاك: إن هذه ليست حقيقة، بل هي نظرية؟ إن قصور العلم البشري، وطريقة وصوله إلى حقائق هذا الكون الفسيح مما لا يخفى على الباحثين في العلم التجريبي. وأعود فأقول: هل قضية الثقوب السود مما لا رجعة فيه عند الباحثين في الفلك؟

стр. 65

هل يمكن الجزم بذلك، بحيث تَصِحُّ القضية العلمية من هذه الجهة أوَّلاً؟ إنَّ الملاحظ في أصحاب الإعجاز العلمي أنهم يأتون بهذه القضايا على أنها مما لا يقع فيه خلاف، وأنها محسومة لا يمكن أن يُرجع عنها، ونحن غير المتخصصين ـ كما قلت سابقاً ـ لا يمكن الواحد منَّا رفض هذا أو ذاك، فلسنا ممن يمتلك أدوات الرفض، بل ترانا على القبول والتسليم ثقةً بمن نقل لنا تلك العلوم، ونراه قد فهمها فهماً سليماً. الثالثة: هل انطبقت الضوابط اللازمة للتعامل مع قضية الإعجاز العلمي للقرآن الكريم التي نظَّرها الأستاذ زغلول النجار في كتابه (١)، أو أنَّ التنظير غير التطبيق؟ وسآخذ هذا في جانب (اللغة والسياق وتفسير السابقين للآية) في وقفات: الوقفة الأولى: هل ما ذهب إليه من تفسير الخنوس والكنوس صحيح؟ إنَّ مادة خنس كما أشار في نقله من ابن فارس تدلُّ على الاختفاء، لكن من أين جاء بدلالة الاختفاء الكامل، كما سبق ملاحظة ذلك، فهذا القيد ليس من جهة اللغة قطعاً. أما مادة كنس ففيها المعنيان اللغويان اللذان ذكرهما، وهما: الكنس؛ بمعنى إزالة شيء عن شيء، والكنوس، وهو الدخول في البيت، وقد اختار الأول بسبب تلك القضية الفلكية التي سيطرت عليه،

стр. 66

وزاد الأمر أن جعل مادة (الكُنَّس) صيغة منتهى الجموع، فقال: «وعندي أن الكُنَّس هي صيغة منتهى الجموع للفظة كانس؛ أي: قائم بعملية الكنس وجمعها (كانسون)، أو (كَنَّاس) وجمعها (كَنَّاسون)، والكانس والكَنَّاس هو الذي يقوم بعملية الكنس؛ أي: سفر شيء عن وجه شيء آخر وإزالته» (١). ولست أدري من أين جاء بصيغة منتهى الجموع هذه؟! وهو قد اشترط «حسن فهم نص القرآن الكريم وفق دلالة الألفاظ في اللغة العربية، ووفق قواعد تلك اللغة العربية، وأساليب التعبير فيها، وذلك لأن القرآن الكريم قد أنزل بلسان عربي مبين» (٢). فها هو لسان العرب، فأين وجد صيغة منتهى الجموع، وإنما ظهرت له ـ فيما يبدو ـ من أجل أنه يقول بأنها تلك النجوم التي تكنس صفحة السماء فلا تُبقي شيئاً خلفها، فكأنه أخذ من هذا المعنى صيغة منتهى الجموع، وهذا مأخذ غير لغوي، والله أعلم. الوقفة الثانية: النظر في السياق: أليس في السياق ما يشير إلى النجوم بعمومها؟ فهي التي تتصف بالخنوس؛ أي: التأخر عند ظهورها في أول الليل بسبب اختفائها في ضوء النهار، ثم هي دائمة الجريان في فلكها، ثمَّ هي تكنس في آخر الليل؛ أي: تدخل في كناسها، وهو ضوء النهار المشرق، فهذه النجوم تتناسب مع الآيات الكونية المرئية للناس أجمعين، وهي ما جاء في الآيات بعدها: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ *وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٧ - ١٨]، بخلاف تلك النجوم الشافطة التي لا يراها إلا أقلُّ الناس، بل أندرُهم،

стр. 67

والقَسَمُ في غالب القرآن يأتي بشيء ظاهر للناس، أو بشيء له أثر ظاهر، أو بشيءٍ قد عُلم من طريق السمع؛ كالملائكة. الوقفة الثالثة: تفسير السلف لهذه الآيات: لقد ذهب السلف في تفسير هذه الأوصاف إلى مذهبين: الأول: أنها النجوم والكواكب، ويكون خنوسها بتأخرها عن الظهور أول الليل، وكنوسها بدخولها في ضوء الصباح بعد آخر الليل، وجريانها كائن في كل أحوالها. الثاني: أنها بقر الوحش والظباء، ويكون خنوسها بتأخرها إذا رأت إنسياً، وكنوسها بدخولها في كِناسها؛ أي: بيتها، وجريانها في الغيطان والحقول. ويلاحظ على هذين التفسيرين أنهما ذكرا أمراً يعرفه من نزل عليهم الخطاب، ولا يحتاجون فيه إلى أدوات وآلات ليظهر لهم ذلك الأمر الخفي في هذه الأوصاف، وهذا الاختلاف بينهم من قبيل اختلاف التنوع، وجائزٌ أن يراد به هذا أو ذاك، وسببُ الاختلاف الاشتراكُ في الوصف بين النجم والكواكب من جهة، والبقر الوحش والظباء من جهة أخرى. وإن كان التفسير الأول أنسب لمقام ذكر الآيات الكونية بعدها، غير أن الثاني محتمل أيضاً. أما الأستاذ الدكتور زغلول النجار، ففهم تفسير السلف على النحو الآتي: «ولا يُعقل أن يكون المقصود في الآية الكريمة للفظ الكنس هي المنْزوية المختفية، فقد استوفى هذا المعنى باللفظ (الخنس)، ولكن أخذ اللفظتين بنفس المعنى دفع بجمهور المفسرين إلى القول بأن معنى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ *الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٦]: أقسم قسماً مؤكداً

стр. 68

بالنجوم المضيئة التي تختفي بالنهار وتظهر بالليل، وهو معنى الخنس، والتي تجري في أفلاكها لتختفي وتستتر وقت غروبها كما تستتر الظباء وبقر الوحش؛ أي: في مغاراتها، وهذا معنى الجوار الكنس» (١). وهذا الذي ذكره هنا هو أحد أوجه التفسير كما ترى، وهو لم ينتبه إلى الفرق الذي ذكره المفسرون بين حالة الخنوس وحالة الكنوس، فهم لم يقولوا بالتأكيد ولا ترادف المعنى بين الخنوس والكنوس كما فهمه هو من كلامهم (٢). وكلامهم واضح في التفريق بين الحالتين، فالخنوس يتحدث عن أول ظهور النجوم في الليل، والكنوس يتحدث عن آخر وقت النجوم في الليل عند دخولها في ضوء الصباح، فالحديث إذاً عن مرحلتين مختلفتين، وليس عن مرحلة واحدة فيكون من باب التأكيد كما فهمه الأستاذ الدكتور زغلول من كلامهم، وكلامهم واضح وضوحاً لا لبس فيه، فقد نقل قول القرطبي (ت:٦٦١هـ) الآتي: «هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل، وتكنس وقت غروبها؛ أي: تستتر كما تكنس الظباء في المغارة، وهو الكِناس». الوقفة الرابعة: هل هناك تفسير معاصر معتمد على العلم التجريبي غير ما ذهب إليه الأستاذ الدكتور زغلول؟ لقد ذكر الأستاذ الدكتور تفسيراً آخر معتمداً على ظاهرة فلكية أخرى، وأنَّ الوصف في الآية للمذنبات، وهي أجرام سماوية ضئيلة الكتلة وتتحرك في مدارات بيضاوية حول الشمس، وهي تُرى كلما اقتربت من الشمس، وهي تظهر وتختفي بصورة دورية على فترات تطول

стр. 69

وتقصر، ثمَّ ذكر بعد ذلك كيفية تَكوُّن هذه الظاهرة الفلكية ومم تَتَكَوَّن، ثمَّ قال: «ووجه الشبه الذي استند إليه هذا النفر من الفلكيين المسلمين المعاصرين بين المذنبات والوصف القرآني (الخنس الجوار الكنس) هو أن المذنَّب يقضي فترة تتراوح بين عدة أيام وعدة شهور مجاوراً للشمس في زيارة خاطفة، فيظهر لنا بوضوح وجلاء، ولكنه يقضي معظم وقته فترة دورانه بعيداً عن الشمس فيختفي عنا تماماً ويستتر، فإذا ما اقترب من الشمس ظهر لنا وبان، ولكن سرعان ما يقفل راجعاً حتى يختفي تماماً عن الأنظار، واعتبروا ذلك هو الخنوس. ولكن الوصف القرآني بالخنس يعني الاختفاء الكامل، ولا يعني الظهور ثم الاختفاء» (١). وإذا تأملت هذا الردَّ الذي ذكره رأيت أنه ردٌّ مجملٌ غيرُ قويٍّ، ولا هو مقنعٌ، وهو مبني على فهم خاصٍّ لمعنى الخنوس ـ كما سبق بيانه ـ، وليس لمعنى الخنوس في اللغة، وإذا كان ذلك كذلك، فما المانع ـ عنده ـ من وصف هذه المذنبات بالخنوس والكنوس؟! ما الذي يجعل هذه المذنبات لا تدخل في معنى الخنوس والكنوس ما دامت تتصف بهذين الوصفين، وما دام الأمر يرجع إلى تقرير قضية فلكية مبهرة، ثمَّ إلى ربطها بالقرآن؟! أي فرق بين ما ذهب إليه هؤلاء الفلكيون، وما ذهب إليه هو من جهة الاعتماد على العلم الفلكي وطريق الاحتجاج به في تفسير الآية؟! فيما يظهر لي أنه لا فرق بينهم في هذا، وإذا كان ذلك كذلك، فمن ذا الذي يمكنه الفصل بالصواب بين الفريقين؟ فمن ذهب في تفسير الأوصاف إلى المذنبات أظهر احتجاجه في

стр. 70

معنى وصفها بالخنوس والكنوس، ومن ذهب في تفسيرها إلى الثقوب السود أظهر احتجاجه في وصفها بالخنوس والكنوس، فمن المرجع هنا؟ إن علم الفلك ليس هو المرجع بلا ريب، فهو عندهم صحيح في هاتين القضيتين، فالمذنبات حقيقة فلكية مبهرة، والثقوب السود حقيقة فلكية مبهرة، وما دام الأمر كذلك من جهة علم الفلك، وهو أنه يُصحِّح تلك الحقيقتين ولا يرفضهما صار الأمر إلى شيء آخر، وهو صحة انطباق الأوصاف على القضيتين الفلكيتين، وبالرجوع إلى المعاني فإنه يجوز فيهما معنى الخنوس والكنوس على تجوز في معنى الكنوس الذي ذهب إليه الأستاذ الدكتور زغلول، فصار الأمر يحتاج إلى نظر آخر لمعرفة صحة إرادة هاتين القضيتين أو إحداهما (١)، وليس هناك ما يُرجِّح إحداهما على الأخرى، والمفسر الذي يمتلك أدوات التفسير هو الأقدر على الترجيح في هذه الأمور، وليس الفلكي. المثال الثاني: في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١]. يقول الدكتور المهندس فائق العبيدي: «يقول الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١]، ويخبرنا العلم الحديث أن الوهن هنا لم يُقصد به وهن المادة المكونة لبيت العنكبوت (الشبكة العنكبوتية)، ولكنه وَهَن الصلات الاجتماعية والتفكك الأسري لبيت العنكبوت حيث سيطرة الأنثى على الذكر.

стр. 71

ومن الحقائق المتعلقة بهذا الأمر: أن العلم قد أثبت بالقياس أنَّ خيط العنكبوت أقوى من مثيله من الصُّلب بثلاث مرات، وأقوى من خيط الحرير وأكثر مرونة، وهذا الخيط يحمل أوزاناً أكبر منه بعشرات المرات، فيكون نسيج العنكبوت بالنسبة لاحتياجه وافياً بالغرض وزيادة، وهو بالنسبة إليه قلعة آمنة، وهذا من نتائج تصنيف العلم الحديث للمواد؛ إذ يضع نسيج العنكبوت ضمن مجموعة البوليمرات أو اللدائن الطبيعية، وقد ذكر القرآن بعض المواد مثل المعادن؛ الحديد والذهب والفضة والنحاس، وكذلك الفخاريات؛ كالصخر والجبال والصلصال والطين وغيرها، بالإضافة إلى مجموعة اللدائن، ومن ضمنها خيط العنكبوت وبيوت النحل وغيرها ... الحقيقة الثانية: هي أن العلم كشف مؤخراً أن أنثى العنكبوت هي التي تنسج البيت وليس الذكر، وهي حقيقة بيولوجية لم تكن معلومة أيام نزول القرآن، وإذا ما لاحظنا الآية الكريمة: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، وتاء التأنيث الساكنة دلالة على الأنثوية؛ أي: هي المسؤولة عن اتخاذ البيت وإدارة شؤونه. الحقيقة الثالثة: هي أن الضعف والوهن هنا دلالة اجتماعية وليست مادية، ثمَّ إن الآية خُتمت بالقول: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]؛ أي: أنهم لا يعلمون هذا، وسيعلمونه مستقبلاً بعد تقدم العلم التطبيقي والتجريبي. والواقع أن هنا سرّاً بيولوجيّاً كشف عنه العلم، فحقيقة أن بيت العنكبوت هو أبعد البيوت عن وصفه، بالأمان والسكينة والطمأنينة، فالأنثى تقتل ذكرها بعد التلقيح وتأكله، والأبناء يأكلون بعضهم بعد الخروج من البيض. ولهذا يعمد الذكر إلى الفرار بجلده بعد أن يلقح أنثاه، ولا يحاول أن يضع قدمه في بيتها، وتغزل أنثى العنكبوت بيتها ليكون فخّاً وكميناً ومقتلاً لكل حشرة تفكر أن تقترب منه، أو تدخله زائراً

стр. 72

كانت أم سائلاً فإنها تقتل وتلتهم، وهذا سر هذه المذبحة، والوهن كلمة عربية تعبر عن غاية الجهد والمشقة والمعاناة، وهذا شأن من يلجأ لغير الله ليتخذ منه معيناً ونصيراً» (١). مدارسة هذا التفسير: أولاً: يلاحظ أن الباحث لم يرجع إلى المفسرين ولا إلى اللغويين لتقرير ما يحتاج إلى تقرير، ولمعرفة مدى قرب تفسيره من تفسير هؤلاء السالفين، فهل يا تُرى نحن في غِنى عن تفسيرهم وفهمهم للقرآن؟! ثانياً: يلاحظ انطلاق الباحث من العلم التطبيقي أو التجريبي إلى القرآن، فهو يريد التوفيق بين ما جاء في العلم التجريبي مع ما جاء في القرآن، وهذا ظاهر جدّاً في مقالته هذه، وهو لم يذكر غير رأيه المبني على العلم التجريبي المعاصر. ثالثاً: نَفْيُ علم السابقين بكون أنثى العنكبوت هي التي تنسج البيت = غيرُ سديد، فإنَّ عدم علمنا برأيهم لا يعني العدم، فلو ورد منهم إثباتُ خلافِ ذلك أو نفيُه لصحَّ ما ذكره الباحث هنا. وليُعلم أن الذين نزل عليهم الخطاب عربٌ يفهمون تعبيراته وخطاباته، فإن كان التعبير بتاء التأنيث دلالة على الأنثوية ـ كما قال الباحث ـ فذلك مما يدركه العربي بلا ريب، فهذا لسانه، وهو أدرى به، وسيفهم أن المتَّخِذَ للبيت هو الأنثى؛ لأن الله نسب إليها الاتخاذ، وكون هذه القضية لم يدركها المعاصرون إلا بالملاحظة والتجربة لا يعني أن السابقين لا يعرفونها. رابعاً: إن هذا التفسير خروج عن المتبادر للذهن، والمعروف من حال بيت العنكبوت، فهو ضعيفٌ لا محالة، وما كشفه العلم الحديث لا

стр. 73

يغيِّر من واقع وهن بيت العنكبوت الذي يمكن إزالته بقشَّة فضلاً عن عودٍ، فأي وهن بعد هذا؟ وهذا المعنى هو الذي فهمه المفسرون، ولم يعرِّجوا على هذا المعنى الذي ذكره الباحث. خامساً: إن هذا التفسير الحادث ينبو عنه السياق، والسياق يدل على عدم إرادته، فالآية سيقت للدلالة على ضعف الكفار في اتخاذهم أولياء من دون الله، وأنهم كمثل العنكبوت الذي يعتمد على بيته الذي لا يقف أمام قشةٍ ولا هبة ريحٍ، وليس المجال مجال تشبيه بالوهن الاجتماعي الذي ذهب إليه الباحث، فما وجه الربط بينه وبين اتخاذ الأولياء من دون الله، وتخصيص الوهن بالدلالة الاجتماعية ونفي المادية تحكُّمٌ، وإنما صدر منه لأجل هذه المعلومات الحديثة عن العنكبوت. سادساً: نفي العلم في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] يعود إلى قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١] فيكون: لو كانوا يعلمون هذا المثل المضروب لهم في أنهم اتخذوا أولياء لا يُعتمدُ عليهم. ويحتمل أن يعود إلى أوهن البيوت، ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون أن أوهن البيوت بيت العنكبوت. وعلى كلا الاحتمالين نَفَى عنهم العلم، وهذا ظاهر النصِّ، لكن قول الباحث: «وسيعلمونه بعد تقدم العلمي التطبيقي والتجريبي» فمما لا يدلُّ عليه نظم الجملة لا من قريب ولا من بعيد أبداً. وإنما قال ما قال بتأثير هذه المعلومات العنكبوتية التي ظهرت في هذا العصر، فهو قد اعتقد بهذه المعلومات، ثمَّ استدل لها.

стр. 74

مسألة: هل لهؤلاء المعتنين بربط الآيات بالعلوم الحديثة سلف؟ لقد فُتِنَ أقوام بالتقدم المادي في العلوم التجريبية والتطبيقية، وظهر في حياتهم المختلفة آثار هذا الافتتان، وصار بعض المسلمين أسيراً لما يصدر من الغرب؛ كأي أمة منهزمة تنظر إلى ما عند هازمها، فتزدري ما عندها من العلم، سواءً شعر هؤلاء أم لم يشعروا. ولقد فُتن جماعة من المسلمين قبل هذا العصر بعلومٍ من نتاج أقوام سابقين كعلوم اليونان، ووصل الحال بتطبيق علومهم على علوم المسلمين، وتحكيمها عليها، بل بالغ بعضهم فرأى أن الفلسفة والشريعة لا تتناقضان، وراح يحمل الشريعة على معاني الفلسفة، فكتب في ذلك (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال). وإذا تأمَّلت عمل هؤلاء وجدت أنهم رأوا علوماً لا غبار عليها في نظرهم، ونظروا في الشريعة فوجدوا أنها تتوافق مع هذه العلوم ـ في نظرهم ـ فحملوا هذه على تلك، وجعلوا المشكاة التي تصدر عنها هذه وتلك واحدةً. وإذا تأملت عملهم هذا وجدت ـ قطعاً ـ أنهم يضطرون إلى تأويل النصوص الشرعية ـ بل تحريفها بعض الأحيان ـ لتوافق ما في الفلسفة من معلومات، فالأصل عندهم العلوم الفلسفية، والشريعة تُعرض عليها ليُعرف منها ما هو موافق لها وإلاَّ أُوِّلَ ليوافق الفلسفة. وإذا تأملت ما يقوم به بعض من خاض غمار الإعجاز العلمي وجدت أن حاله كهذا الحال، فهو يدخل إلى تفسير آيات القرآن وفي ذهنه معلومات سابقة قد ملأت فكره وعقله، فيرى من النصوص ما يظن أنه يوافق ما عنده من معلومات في العلم الذي يتخصص به، فيحملها على ما عنده من هذه المعلومات، وقد يصيب في بعضها، كما قد يخطئ في بعضها الآخر.

стр. 75

وقد يكون الفرق بين العلمين أن الأمور التي تُدرس في العلم المعاصر يوصل فيها إلى حقائق ملموسة، قد تصل إلى حدِّ اليقين فيها، بخلاف أمور الفلسفة التي تعتمد على العقل في تقدير صحة قضاياه. ولا يخفى على الباحث أن المدرسة العقلية قديمها وحديثها تدخل في هذا الإطار، فهم يجتمع فيهم أنهم قوم اعتقدوا معاني، ثمَّ أوَّلوا النصَّ القرآني على وِفقِ ما يعتقدون. وأذكر على سبيل التذكير أن الأمر يجب أن ينطلق من الأمور الآتية: ١ - أن يكون المنطلق من القرآن الكريم إلى تقرير هذه القضايا. ٢ - الأخذ بمأثور السلف في التفسير، وفهم مرادهم فيه، ومعرفة وجوه التفسير التي ذكروها. ٣ - إتقان اللغة من جهة المفردات ومن جهة الأساليب، لمعرفة كيفية استنباط علاقة القضايا المذكورة في العلم التجريبي أو غيره بالآية وبتفسير السلف، إذ قد تكون القضية المستدل لها مناقضة لسياق الآية ومعناها، أو مناقضة لتفسير السلف أو مندرجة تحت قول عندهم، أو تكون محدثة لقول جديد مغاير غير مناقض. مسألة: هل يلزم أن يظهر لكل جيل معجزة قرآنية؟ من الطريف أن غلبة موضوع الإعجاز العلمي أفرزت دعوَى مفادها ما ذكره مثل الدكتور محمد حسن هيتو، قال: «والقرآن أُنزل معجزة لكل زمان وجيل ومكان، ولم يكن إعجازه قاصراً على الجيل الأول ـ كما بينا سابقاً ـ ولذلك كان لا بد لهذا الجيل المعاصر أن يجد في القرآن المعجزة، ولئن فاته الوقوف عليها عن طريق اللغة، فلن يفوته الوقوف عليها عن طريق العلوم المعاصرة.
следующие страницы →