← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13768

الإعجاز العلمي إلى أين

مساعد الطيار

Полный текст (202 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومن الحقائق المتعلقة بهذا الأمر: أن العلم قد أثبت بالقياس أنَّ خيط العنكبوت أقوى من مثيله من الصُّلب بثلاث مرات، وأقوى من خيط الحرير وأكثر مرونة، وهذا الخيط يحمل أوزاناً أكبر منه بعشرات المرات، فيكون نسيج العنكبوت بالنسبة لاحتياجه وافياً بالغرض وزيادة، وهو بالنسبة إليه قلعة آمنة، وهذا من نتائج تصنيف العلم الحديث للمواد؛ إذ يضع نسيج العنكبوت ضمن مجموعة البوليمرات أو اللدائن الطبيعية، وقد ذكر القرآن بعض المواد مثل المعادن؛ الحديد والذهب والفضة والنحاس، وكذلك الفخاريات؛ كالصخر والجبال والصلصال والطين وغيرها، بالإضافة إلى مجموعة اللدائن، ومن ضمنها خيط العنكبوت وبيوت النحل وغيرها ... الحقيقة الثانية: هي أن العلم كشف مؤخراً أن أنثى العنكبوت هي التي تنسج البيت وليس الذكر، وهي حقيقة بيولوجية لم تكن معلومة أيام نزول القرآن، وإذا ما لاحظنا الآية الكريمة: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، وتاء التأنيث الساكنة دلالة على الأنثوية؛ أي: هي المسؤولة عن اتخاذ البيت وإدارة شؤونه. الحقيقة الثالثة: هي أن الضعف والوهن هنا دلالة اجتماعية وليست مادية، ثمَّ إن الآية خُتمت بالقول: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]؛ أي: أنهم لا يعلمون هذا، وسيعلمونه مستقبلاً بعد تقدم العلم التطبيقي والتجريبي. والواقع أن هنا سرّاً بيولوجيّاً كشف عنه العلم، فحقيقة أن بيت العنكبوت هو أبعد البيوت عن وصفه، بالأمان والسكينة والطمأنينة، فالأنثى تقتل ذكرها بعد التلقيح وتأكله، والأبناء يأكلون بعضهم بعد الخروج من البيض. ولهذا يعمد الذكر إلى الفرار بجلده بعد أن يلقح أنثاه، ولا يحاول أن يضع قدمه في بيتها، وتغزل أنثى العنكبوت بيتها ليكون فخّاً وكميناً ومقتلاً لكل حشرة تفكر أن تقترب منه، أو تدخله زائراً

стр. 72

كانت أم سائلاً فإنها تقتل وتلتهم، وهذا سر هذه المذبحة، والوهن كلمة عربية تعبر عن غاية الجهد والمشقة والمعاناة، وهذا شأن من يلجأ لغير الله ليتخذ منه معيناً ونصيراً» (١). مدارسة هذا التفسير: أولاً: يلاحظ أن الباحث لم يرجع إلى المفسرين ولا إلى اللغويين لتقرير ما يحتاج إلى تقرير، ولمعرفة مدى قرب تفسيره من تفسير هؤلاء السالفين، فهل يا تُرى نحن في غِنى عن تفسيرهم وفهمهم للقرآن؟! ثانياً: يلاحظ انطلاق الباحث من العلم التطبيقي أو التجريبي إلى القرآن، فهو يريد التوفيق بين ما جاء في العلم التجريبي مع ما جاء في القرآن، وهذا ظاهر جدّاً في مقالته هذه، وهو لم يذكر غير رأيه المبني على العلم التجريبي المعاصر. ثالثاً: نَفْيُ علم السابقين بكون أنثى العنكبوت هي التي تنسج البيت = غيرُ سديد، فإنَّ عدم علمنا برأيهم لا يعني العدم، فلو ورد منهم إثباتُ خلافِ ذلك أو نفيُه لصحَّ ما ذكره الباحث هنا. وليُعلم أن الذين نزل عليهم الخطاب عربٌ يفهمون تعبيراته وخطاباته، فإن كان التعبير بتاء التأنيث دلالة على الأنثوية ـ كما قال الباحث ـ فذلك مما يدركه العربي بلا ريب، فهذا لسانه، وهو أدرى به، وسيفهم أن المتَّخِذَ للبيت هو الأنثى؛ لأن الله نسب إليها الاتخاذ، وكون هذه القضية لم يدركها المعاصرون إلا بالملاحظة والتجربة لا يعني أن السابقين لا يعرفونها. رابعاً: إن هذا التفسير خروج عن المتبادر للذهن، والمعروف من حال بيت العنكبوت، فهو ضعيفٌ لا محالة، وما كشفه العلم الحديث لا

стр. 73

يغيِّر من واقع وهن بيت العنكبوت الذي يمكن إزالته بقشَّة فضلاً عن عودٍ، فأي وهن بعد هذا؟ وهذا المعنى هو الذي فهمه المفسرون، ولم يعرِّجوا على هذا المعنى الذي ذكره الباحث. خامساً: إن هذا التفسير الحادث ينبو عنه السياق، والسياق يدل على عدم إرادته، فالآية سيقت للدلالة على ضعف الكفار في اتخاذهم أولياء من دون الله، وأنهم كمثل العنكبوت الذي يعتمد على بيته الذي لا يقف أمام قشةٍ ولا هبة ريحٍ، وليس المجال مجال تشبيه بالوهن الاجتماعي الذي ذهب إليه الباحث، فما وجه الربط بينه وبين اتخاذ الأولياء من دون الله، وتخصيص الوهن بالدلالة الاجتماعية ونفي المادية تحكُّمٌ، وإنما صدر منه لأجل هذه المعلومات الحديثة عن العنكبوت. سادساً: نفي العلم في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] يعود إلى قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١] فيكون: لو كانوا يعلمون هذا المثل المضروب لهم في أنهم اتخذوا أولياء لا يُعتمدُ عليهم. ويحتمل أن يعود إلى أوهن البيوت، ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون أن أوهن البيوت بيت العنكبوت. وعلى كلا الاحتمالين نَفَى عنهم العلم، وهذا ظاهر النصِّ، لكن قول الباحث: «وسيعلمونه بعد تقدم العلمي التطبيقي والتجريبي» فمما لا يدلُّ عليه نظم الجملة لا من قريب ولا من بعيد أبداً. وإنما قال ما قال بتأثير هذه المعلومات العنكبوتية التي ظهرت في هذا العصر، فهو قد اعتقد بهذه المعلومات، ثمَّ استدل لها.

стр. 74

مسألة: هل لهؤلاء المعتنين بربط الآيات بالعلوم الحديثة سلف؟ لقد فُتِنَ أقوام بالتقدم المادي في العلوم التجريبية والتطبيقية، وظهر في حياتهم المختلفة آثار هذا الافتتان، وصار بعض المسلمين أسيراً لما يصدر من الغرب؛ كأي أمة منهزمة تنظر إلى ما عند هازمها، فتزدري ما عندها من العلم، سواءً شعر هؤلاء أم لم يشعروا. ولقد فُتن جماعة من المسلمين قبل هذا العصر بعلومٍ من نتاج أقوام سابقين كعلوم اليونان، ووصل الحال بتطبيق علومهم على علوم المسلمين، وتحكيمها عليها، بل بالغ بعضهم فرأى أن الفلسفة والشريعة لا تتناقضان، وراح يحمل الشريعة على معاني الفلسفة، فكتب في ذلك (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال). وإذا تأمَّلت عمل هؤلاء وجدت أنهم رأوا علوماً لا غبار عليها في نظرهم، ونظروا في الشريعة فوجدوا أنها تتوافق مع هذه العلوم ـ في نظرهم ـ فحملوا هذه على تلك، وجعلوا المشكاة التي تصدر عنها هذه وتلك واحدةً. وإذا تأملت عملهم هذا وجدت ـ قطعاً ـ أنهم يضطرون إلى تأويل النصوص الشرعية ـ بل تحريفها بعض الأحيان ـ لتوافق ما في الفلسفة من معلومات، فالأصل عندهم العلوم الفلسفية، والشريعة تُعرض عليها ليُعرف منها ما هو موافق لها وإلاَّ أُوِّلَ ليوافق الفلسفة. وإذا تأملت ما يقوم به بعض من خاض غمار الإعجاز العلمي وجدت أن حاله كهذا الحال، فهو يدخل إلى تفسير آيات القرآن وفي ذهنه معلومات سابقة قد ملأت فكره وعقله، فيرى من النصوص ما يظن أنه يوافق ما عنده من معلومات في العلم الذي يتخصص به، فيحملها على ما عنده من هذه المعلومات، وقد يصيب في بعضها، كما قد يخطئ في بعضها الآخر.

стр. 75

وقد يكون الفرق بين العلمين أن الأمور التي تُدرس في العلم المعاصر يوصل فيها إلى حقائق ملموسة، قد تصل إلى حدِّ اليقين فيها، بخلاف أمور الفلسفة التي تعتمد على العقل في تقدير صحة قضاياه. ولا يخفى على الباحث أن المدرسة العقلية قديمها وحديثها تدخل في هذا الإطار، فهم يجتمع فيهم أنهم قوم اعتقدوا معاني، ثمَّ أوَّلوا النصَّ القرآني على وِفقِ ما يعتقدون. وأذكر على سبيل التذكير أن الأمر يجب أن ينطلق من الأمور الآتية: ١ - أن يكون المنطلق من القرآن الكريم إلى تقرير هذه القضايا. ٢ - الأخذ بمأثور السلف في التفسير، وفهم مرادهم فيه، ومعرفة وجوه التفسير التي ذكروها. ٣ - إتقان اللغة من جهة المفردات ومن جهة الأساليب، لمعرفة كيفية استنباط علاقة القضايا المذكورة في العلم التجريبي أو غيره بالآية وبتفسير السلف، إذ قد تكون القضية المستدل لها مناقضة لسياق الآية ومعناها، أو مناقضة لتفسير السلف أو مندرجة تحت قول عندهم، أو تكون محدثة لقول جديد مغاير غير مناقض. مسألة: هل يلزم أن يظهر لكل جيل معجزة قرآنية؟ من الطريف أن غلبة موضوع الإعجاز العلمي أفرزت دعوَى مفادها ما ذكره مثل الدكتور محمد حسن هيتو، قال: «والقرآن أُنزل معجزة لكل زمان وجيل ومكان، ولم يكن إعجازه قاصراً على الجيل الأول ـ كما بينا سابقاً ـ ولذلك كان لا بد لهذا الجيل المعاصر أن يجد في القرآن المعجزة، ولئن فاته الوقوف عليها عن طريق اللغة، فلن يفوته الوقوف عليها عن طريق العلوم المعاصرة.

стр. 76

كما أن أهل الأجيال القادمة سوف يجدون فيه الإعجاز، ولكن لا ندري كيف سيكون ذلك. ربما كان عن بعض الطرق التي نعرفها اليوم، وربما كان عن بعض الطرق التي سيعرفها إنسان المستقبل، وهي خافية علينا الآن. ولا يجوز لأي إنسان أن يمنع مثل هذا ما دام خاضعاً للضوابط العلمية السابقة التي ذكرناها من قوانين الشرع وقواعد اللغة» (١). وهذا الذي ذكره من كون المعجزات متعددة للقرآن، وكونها تظهر للأجيال فيه نظر من عدة وجوه: الأول: أنه غير لازمٍ تَنَوُّعُ الإعجازِ في القرآن على حسب العصور، فما زال المسلمون جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن، لم يظهر لهم وجوه إعجاز جديدة، بل بقوا على ما ذكره السابقون من وجوه الإعجاز، ولم تظهر الأنواع الحادثة ـ كالإعجاز العلمي والتاريخي والنفسي وغيرها ـ إلا في هذا العصر، فدعوى أن يظهر للقرآن في كل قرن وجيل وجه من الإعجاز دعوى لا يوافقها تاريخ المسلمين. أما دعوى أنه سيظهر له أنواع أخرى من الإعجاز تتناسب مع الأجيال القادمة، فتلك في علم الغيب، والله أعلم بغيبه. الثاني: أن التقليل من فهم المعاصرين لوجه الإعجاز الذي وقع به التحدي، وهو ما كان طريقه لغة العرب فيه تنقُّصٌ لأهل هذا العصر، فإن كان المتكلم لا يدرك ذلك، فليس يعني هذا أن غيره لا يدركه. كما أن هذه الوجوه الإعجازية التي يذكرونها لا يدركها إلا قلة من الناس، فالباحثون في ذلك العلم الذي يُدَّعى للقرآن الإعجاز فيه هم الذين يدركونه ويعرفونه تمام المعرفة، أما غيرهم، فهم يسلمون لأصحابه المتكلمين فيه، خصوصاً إذا أوتوا حسن بيان وعرض.

стр. 77

والعجيب أنَّ بعض من تحدث عن الإعجاز العلمي تراه يقلل من وجه التحدي، وهو ما كان مرتبطاً باللغة، وهو وجه النظم والبيان، يقول الأستاذ الدكتور زغلول النجار: «... ومع تسليمنا بالإعجاز البياني للقرآن الكريم، وبأنه المجال الذي نزل كتاب الله يتحدى به العرب ـ وهم في قمة من أعلى الفصاحة والبلاغة والقدرة على البيان ـ أن يأتوا بشيء من مثله، إلا أن البيان يبقى إطاراً لمحتوى، والمحتوى أهم من الإطار» (١). ومقابل ذلك تراه يرفع من شأن الإعجاز العلمي، فيقول: «... ووسيلتنا في تحسين صورة الإسلام في العالم هي حسن الدعوة إليه بالكلمة الطيبة والحجة الواضحة والمنطق السوي، وخير ما نقدمه في ذلك المضمار مما يتناسب مع طبيعة العصر ولغته هو الإعجاز العلمي للقرآن الكريم؛ لأننا نعيش في زمن أدار غالبية الناس ظهورهم فيه للدين، ولم تعد قضايا الغيب المطلق من بعث بعد الموت، وعرض أكبر أمام الله الخالق، وخلود في حياة قادمة؛ إما في الجنة أبداً، وإما في النار أبداً، وغيرها من قضايا الدين؛ لم تعد تحرك فيهم ساكناً، ولكنهم في نفس الوقت فتنوا بالعلم ومعطياته فتنة كبيرة، فإذا أشرنا إلى سبق القرآن الكريم في الإشارة إلى عدد من حقائق الكون قبل أن يصل الإنسان إلى شيء منها بعشرات المئات من السنين، وهو الذي أنزل على

стр. 78

نبي أمي ﷺ في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين، فإن ذلك سوف يحرك عقولهم وقلوبهم، وسوف يحضهم على قراءة كتاب الله الذي ما اطلع عليه عاقل إلا وشهد أنه لا يمكن أن يكون إلا كلام الله الخالق ...» (١). وفي هذا التقليل من شأن التحدي القائم إلى يوم الدين ورفع ما يُسمَّى بالإعجاز العلمي = نظرٌ بيِّن، وهو كلام إنشائي خطابي لم يُقم عليه دليلاً علمياً موثَّقاً، فدعوى أن قضايا الغيب لم يَعد الناس يعتنون بها يُكذِّبه واقع الناس في الشرق والغرب من عنايتهم بالخرافة والسحر والتنجيم والشعوذة، كما أن دعوى أن الناس فتنوا بالعلم ومعطياته مما يكذبه واقع عموم الناس الذين يحرصون على الاستفادة من المنتجات الحضارية دون البحث عن كيفية تركيبها أو طلب تعلُّم ذلك، ولَهَثَ الناس خَلْف رغباتهم، وطلب إشباعها يدلُّ على بُعدهم عن التأثر بالعلم. بل إن الأقدر في الكلام ـ حتى ولو كان مبطلاً ـ هو الذي يستطيع إقناع الناس، وهذا ظاهر من صور حياة الناس اليوم، فهل كان العلم هو الوسيلة التي سَطَى بها الغرب علينا؟! أو كانت القوة؛ وإن خالفت العلم؟! أما ما يتعلق بإدراك البيان القرآني عند المسلمين، فإنه وإن كان في حقِّ جمهورهم ضعيفاً، إلا أنه لا يزال في أعيانهم من يدركُ ذلك الفرق البين الواضح بالعلم والتحقيق دون ذلك التذوق النفسي الذي يهجم عليها دون مقدمات فتحسُّ بشيءٍ غامضٍ لا تستطيع التعبير عنه مما تجده من روعة القرآن. كما أنَّ دعوى أن الإعجاز العلميَّ هو الكفيل بدعوة هؤلاء، فيها تزيُّدٌ ومجازفةٌ في تقدير الأمور، فإن كان الحديث عن الإعجاز العلمي

стр. 79

موجهاً للمسلمين، فسبيله في تقوية الإيمان، وإن كان موجَّهاً للكفار فهم ـ عندي ـ على طبقات ثلاث: الأولى: طبقة الساسة والمنظرين لهم، وهؤلاء يناصبون الإسلام العداء ظاهراً، ولا يُقرُّون به. الطبقة الثانية: طبقة الباحثين في العلوم من أعضاء هيئة التدريس وغيرهم من المفكرين والمثقفين، وواقع الدعوة بالإعجاز العلمي أنه موجَّه لهؤلاء، وما آمن منهم إلا قليل. الطبقة الثالثة: عامة الناس، وهم الأغلب في العدد، وهؤلاء ليس لهم شأن بالعلم والجدل، بل همُّهم وعنايتهم بلقمة عيشهم واتباع رغباتهم، ومن عاش في الغرب أو الشرق ظهر له ذلك، من ثمَّ، فإن تضخيم جانب العلم عند الغرب، ـ وأنهم لا يقتنعون إلا بالعلم ـ فيه نظرٌ، بل هو شرفٌ لا يدَّعونه، فكيف ننسبهم إليه، والحضارة الغربية أو الشرقية تقوم على أفراد قلائل، بل إن الغرب عنده قدرة على استقطاب الباحثين من الشرق ليرفعوا لواء حضارتهم، والموضوع في هذا يطول. ثم إنه لم يكن شأن الإسلام في دعوة الناس بهذا الأسلوب، ولا أراه مما تقوم به الدعوة، فهل المقصود بيان الحقِّ الذي في الإسلام فقط؟! إن كثيراً من المعرضين عنه اليوم، بل كبار محاربيه يعلمون بأنه حقٌّ، ويصدق فيهم قول الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. ومقام الإعجاز في الدعوة إلى الله مما يحتاج إلى بحث وتقويم نقدي غير مندفع بالعواطف الجياشة التي قد تغلب على طبيعة البحث العلمي، فتخرج نتائجه مرضية للعواطف لا للعلم الحقِّ.

стр. 80

مسألة: أنواع التفاسير المرتبطة بالعلوم التجريبية: إن النظر في علاقة قضايا الإعجاز العلمي بالتفسير مهمة جدّاً، وهي تعطي صورة واضحة للقرب أو البُعد الدلالي من الآية، ويمكن تقسيم الآيات التي تعرَّضوا لها إلى قسمين: القسم الأول: آيات معانيها ظاهرة لا تحتاج إلى تفسير. القسم الثاني: آيات تحتاج معانيها إلى تفسير، سواءً أكانت ألفاظها مما هو معروف الدلالة، أم كان مما هو غامض الدلالة. أما في القسم الأول، فإن الأمر لا يعدو أن يكون بيان المعتني بإظهار الإعجاز أنه وصل إلى هذه الحقيقة الكونية التي تحدثت عنها الحقيقة القرآنية، فيلتقي في هذا كلام المتكلم عما خلقه، هذا منتهى الأمر، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤]. في مقالة بعنوان (الحجارة بين الوصف القرآني والتصنيف الميكانيكي) كتب الجيولوجي محمد بن جابر محمود كلاماً حول هذه الآية، واختصرت منه آخر كلامه، وهو التعليق على هذه الآية ـ مع ما فيه من طول ـ إلا أن المقام يقتضيه، قال: «النواحي العلمية الإعجازية في القرآن الكريم: عندما ذكر الله تعالى في الآية السابقة قسوة قلوب بني إسرائيل شبَّهها بإحدى الأشياء المحسوسة لدى البشر وهي الحجارة، ثم في إشارة لكون قلوبهم أقسى من الحجارة ذكر أن الحجارة تتفاوت في قسوتها ليعلم أن قلوبهم أقسى من أقسى الحجارة. ثم برزت بعض النواحي الإعجازية عند الحديث عن هذه الأشياء المحسوسة لتكون ذات

стр. 81

دلالة على السبق القرآني لهذه الظاهرة العلمية لمن يتفكر ويبحث فيها من المتقدمين والمتأخرين. وقد أتت هذه النواحي الإعجازية مجملة غير مفصَّلة لتبقي مجال التفكير مفتوحاً وفرص اكتشاف الحقيقة متساوية لجميع من أنزل إليهم هذا القرآن من الأولين والآخرين. الناحية الإعجازية الأولى: في هذه الآية: تتمثل في أنه عند ذكر قسوة الحجارة ذكر معها أحد الظروف التي لها تأثير كبير على التغير في هذه القسوة وهو وجود الماء والمقدار النسبي لضغطه داخل الحجارة ونفاذية الحجر. يذكر إدقر دبليو سبنسر (Edgar W. Spencer) في كتابه (مدخل إلى تركيب الأرض): (أنه كلما زاد ضغط الماء داخل الحجارة فإنها تكون أضعف وأكثر قابلية للتكسر (Brittle) ، ويشترط سبنسر لهذا التأثير (أن تكون الحجارة ذات نفاذية كبيرة نسبيّاً بحيث تسمح بتوزيع متماثل للضغط في الأجزاء المختلفة من الحجارة)، وهذا الشرط يعني أن يكون الحجر قابلاً لأن ينفذ الماء خلاله أو منه بسهولة بحيث يمكن أن يمر خلال الحجر أو يتدفق منه معدلات كبيرة نسبيّاً من الماء. فإذاً هنا ربط بين ضغط الماء ـ الحاصل من كميات الماء التي من الممكن أن تتدفق من الحجر ـ وقابلية الحجر للتكسر، وهذه الحقيقة التي دُرست وحُققت في المختبرات قد أثبتها القرآن الكريم ملخصة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] ففي لفظة ﴿يَتَفَجَّرُ﴾ إشارة إلى أمرين: الأول: هو وجود الماء تحت ضغط عالٍ داخل الحجر. والثاني: هو تعرض الحجر للتكسر وليس للتشقق، وذلك بسبب هذا الضغط العالي، حيث إن كلمة التفجر بالنسبة للتحجر تعني التفكك القوي المفاجئ، أما (لفظة الأنهار) فتدل على غزارة المياه التي تخرج من هذا النوع من الحجر، وبالتالي إلى النفاذية الكبيرة لذلك الحجر،

стр. 82

وهذه الناحية الإعجازية فيها تبيين العلاقة الوثيقة بين قابلية الحجر للتكسّر والضغط العالي للماء في داخل الحجر وكذلك نفاذية الحجر. الناحية الإعجازية الثانية: هي في الوصف الدقيق للنوع الثاني من الحجارة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة: ٧٤] هذا الوصف مبني على أن تفاوت الحجارة في قسوتها إنما هو مرتبط بعوامل أخرى غير التركيب الكيمائي للحجارة، وفي هذه الحالة هناك ربط لقسوة الحجارة بالضغط القليل للماء الموجود في المسامات بين الحبيبات المكونة للحجارة. يذكر (إدقر دبليو سبنسر) وصف هذا الربط بأنه تحت ظروف الضغط القليل للماء داخل الحجارة فإن قوة الاحتكاك بين الحبيبات الصغيرة التي تتكون منها الحجارة تكون قليلة جدّاً فتبدأ الحجارة بالتشقق تدريجيّاً في المواضع التي يكون فيها ارتباط الحبيبات ببعضها ضعيفاً فتنفصل الحبيبات وتتباعد عن بعضها البعض دون أن تتكسر الحبيبات نفسها، ومع هذا التشقق تحدث زيادة دائمة في حجم الحجارة مما يجعلها في هذه الحالة من النوع اللدائني (Ductile Rock) ، ويتدفق الماء من خلال التشققات بشكل غير عنيف لأن ضغط الماء داخل الحجارة ليس قوياً، ويكون هذا التدفق بكميات قليلة نسبياً لكون الشقوق ليست كبيرة. وهذا الوصف العلمي لقسوة الحجارة وعلاقتها بالمقادير النسبية لضغط الماء ومعدل تدفقه من الحجارة قد أورده الله تعالى بشكل دقيق في بضع كلمات في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ فيبدأ بقوله ﴿وَإِنَّ مِنْهَا﴾ أي: وإن من الحجارة نوع آخر في قسوته غير النوع الذي ذكر في الجزء الأول من الآية، ﴿لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ أي: لما يتصدع أو يتكون فيه شقوق، وصيغة يشقق هنا فيها دلالة على المطاوعة؛ أي: أن الحجارة شققت بسبب ضغط الماء فتشقق استجابة لهذا الضغط ﴿فَيَخْرُجُ﴾ أي: يسيل ويتدفق من غير اندفاع لأن كلمة يخرج في هذا الجزء من الآية ذكرت في مقابلة ﴿يَتَفَجَّرُ﴾ [البقرة: ٧٤] في الجزء

стр. 83

السابق من الآية والتي تدل على الاندفاع بقوة، ثم قوله ﴿الْمَاءُ﴾ [البقرة: ٧٤] للدلالة على أن الماء الذي يخرج من هذا النوع من الصخر إنما يكون بكميات قليلة، وهذا يأتي من كون كلمة ﴿الْمَاءُ﴾ أتت في مقابلة كلمة ﴿الأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] في الجزء السابق من الآية، والأنهار جمع نهر وهو اسم دال على هيئة معينة من الماء الكثير. الناحية الإعجازية الثالثة: وهي ناحية علمية وفيها لمحة إعجازية لغوية في نفس الوقت تتجلى هذه الناحية الإعجازية في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: ٧٤] وفي قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا﴾ [البقرة: ٧٤]، حيث يدل اللفظ في هذين المقطعين من الآية على التبعيض؛ أي: أن هذين النوعين من الحجارة هما على سبيل المثال لا الحصر. ومن ذلك يمكن الاستنباط أن الحجارة قد تكون أنواعاً كثيرة من حيث قسوتها باعتبار الظروف المختلفة التي تكون فيها الحجارة عندما تتعرض للإجهاد وغيرها. واستكمالاً للتدبر في الآية نلاحظ أن الجزء المتبقي من الآية هو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] يتحدث عن نوع آخر من الحجارة يهبط من خشية الله، وقد ذكر كثير من المفسرين أن معنى ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ﴾ أي: يتردى من أعلى الجبل، كما ورد عند بعضهم أن الهبوط مجاز على الخشوع منها والتواضع الكائن فيها انقياداً لله . قلت والله أعلم: المراد بالهبوط رغم أن ظاهر المعنى لا يدل على علاقته بقسوة الحجارة من الناحية الميكانيكية إلا أنها تنفعل من خشية الله بالهبوط كما تنفعل الحجارة الأخرى لما تتعرض له من ضغط الماء سواء كان الضغط قليلاً أو كثيراً. ولعل العلم يكشف يوماً ما عن المعنى المراد بالهبوط في هذه الآية إن لم يكن مجازيّاً» (١).

стр. 84

ويمكن القول بعد هذا النقل الذي لا بدَّ منه ـ مع طوله ـ أنَّ ما قدَّمه الباحث لا يعدو التنبيه على وجود هذه الأنواع من الحجارة في الأرض، فوافق الخُبر الخَبر، وذلك أمر لا محالة منه لأن خالق الحقيقة الكونية هو قائل الحقيقة القرآنية، فلا يمكن أن يتخلف خبره عن خلقِه. ولعلك تلاحظ أن الوصول إلى ما قرَّره القرآن بعبارة موجزة سهلة من أمر هذه الحقيقة = استغرق أبحاثاً حتى وصلوا إليها. كما أنَّ الباحث لم يُجنِّب نفسه ما نهى عنه منظِّرو الإعجاز من البعد عن المجاز والقول به، فذهب إلى ما لم يدركه من هبوط بعض الحجارة إلى احتمال المجاز، وذلك التخريج فيه نظر، فهو قد وصل إلى إدراك الحقيقة في التمثيل بالحجارة من النوعين الأولين، فهلاَّ سلَّم الأمر لله، وترك احتمال المجاز، فقد يصل غيره فيما بعد إلى ما لم يصل له، وإن لم يصل فليس علينا أن نعدو ظاهر القرآن إلى القول بالمجاز لأجل شبهة عارضة، ونحن نعلم أن الله قادر على كل شيء، وقد قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]. وأما القسم الثاني، وهو الآيات التي تحتاج معانيها إلى تفسير، فمن أمثلته ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]. وهذه الآية للسلف فيها قولان: الأول: وإنا لقادرون، مأخوذ من الوُسْعِ، وهو القدرة والطاقة. الثاني: جاعلوها ذات سعة، فهو من السَّعةِ والانفساح. وهذا على حكاية حالها بعد خلقها، وأنها خُلِقت واسعة فسيحة. وجاء في علم الفلك ما يدل على أنَّ الكون يتمدد، وبنى عليه بعضهم أنَّ هذا التمدد الذي توصل إليه علماء الفلك هو المقصود بقوله:

стр. 85

﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٧٤]، وفي حمل الآية على هذا الكشف إشكال. وهذا المعنى المذكور فيه زيادة في التفسير من جهة المعنى، فصار في الآية ثلاثة معانٍ. وقد يقع التفسير المعاصر في تحديد مبهم خلاف ما حدَّده السلف، والأمر المذكور عند السلف وعند المعاصرين يدخل في معنى هذا الإجمال المحتمل، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]، والمقصود بذلك الأمر المجمل هو: ما المسلوب الذي لا يُمكنهم أن يستنقذوه من الذباب؟ فالسلف يقولون بأن الذباب يقع على الطعام أو الطيب الموضوع للآلهة، ولا تستطيع هذه الآلهة أو من يعبدها أن تسترجع منه ما يعلق بأطراف الذباب، لضآلة ما يأخذه من هذا الطعام أو الطيب، فلا هم يستطيعون ردَّه ولا آلهتهم تستطيع ذلك، وهذا المعنى حقٌّ بلا ريب. وقد ورد في الإعجاز العلمي ما يأتي: «إن الله سبحانه ضرب لنا مثلاً أن الذين تعبدون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإذا سلبهم الذباب شيئاً، لا يستطيعون أن يسترجعونه منه، ولقد أثبت العلم الحديث الإعجاز العلمي لهذه الآية، فلو وقف الذباب على قطعة بطيخ مثلاً يبدأ في إفرازاته التي تمكنه من امتصاص أو لعق المواد الكربوهيدراتية وغيرها مما تحتويه البطيخة وعندئذ تبدأ هذه المواد بالتحلل إلى مواد بسيطة التركيب، وذلك من أجل امتصاصها، فالذباب لا يملك جهاز هضمي معقد لذلك يلجئ إلى الهضم الخارجي وذلك من خلال إفراز عصارات هاضمة على المادة المراد التغذية عليها، ثم تدخل هذه المواد المهضومة خارج الجسم إلى الأنبوب الهضمي حتى يتم

стр. 86

امتصاصها لتسير في الدورة الدموية إلى خلاياه ويتحول جزء منها إلى طاقة تمكنه من الطيران وجزء آخر إلى خلايا وأنسجة ومكونات عضوية وجزء أخير إلى مخلفات يتخلص منها جسم الذباب، فأين قطعة البطيخ؟ وما السبيل إلى استرجاعها، ومن يستطيع أن يجمع الأجزاء التي تبدو في طاقة طيران الذباب والأجزاء التي تحولت إلى أنسجة» (١). وإذا كانت هذه المعلومة حقيقة ثابتة، فهي وجه آخر من وجوه ما يسلبه الذباب ولا يستطيعون ردَّه، وليس هذا الوجه هو المقدَّم في التفسير، فالأولى في التفسير ما يدركه الناس بما يعرفونه من واقعهم اليومي، أما هذا الذي اكتُشِف حديثاً، فهو مما لا يُدرك إلا بالمعامل والمختبرات، وليس لنا ـ عموم الناس ـ إلا التصديق بصحة تلك الدراسات، أما وقوع الذباب وأخذه من الطعام فالمرء يشاهده في أحيانٍ كثيرة. وقد يكون التفسير المبني على العلوم التجريبية والكونية مقوٍّ لما ورد عن السلف، فالسلف ذهبوا إلى معنى في تفسير قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤]، فقد ورد في التفسير عنهم قولان: الأول: أن نجعل يده مستوية بلا تفاريق في الأصابع كخفِّ البعير، وهذا قول جمهور السلف. وهذا يجعل الفائدة من الأصابع في القبض والبسط والإمساك منعدمة، فلا يكون لها فائدة إذا كانت مجتمعة. ووجه هذا التوعُّد: إنَّا قادرين على أن نجمع عظامه بعد موته كقدرتنا في هذه الدنيا على تسوية بنانه كخف البعير، هذا توجيه هذا القول.

стр. 87

الثاني: نعيد أطراف أصابعه كما كانت بعد أن تبلى ويبلى جسده كله. وفي هذا إشارة إلى قدرة الله على إعادة ما هو دقيق لطيف من جسم الإنسان، وكأن المعنى: بلى إنا قادرين على جمع ما هو أدقُّ من العظام، وهي تلك الأطراف اللطيفة. وقد جاء في العلم المعاصر ما يفيد بعلمٍ خاصٍّ بالبنان، وهو ما يسمى بالبصمة، ووجدوا أنَّ كل إنسانٍ له بصمة تخصُّه لا يمكن أن يشاركه فيها أحدٌ، وحملوا سبب ذكر البنان على هذا المعنى الذي ذكروه. وإذا تأمَّلت هذا القول، والقول الذي قبله لا تجدُ بينهما اختلافاً، فالأولون نظروا ـ بما وصلهم من علم ـ إلى ما في البنان من دقة ولطافة وحسن تفاريق، فحملوا سبب ذكرها على هذا المعنى. والمعاصرون زاد عندهم تفصيل أدقُّ في البنان، فذكروه، ولا يعني هذا أنَّ ما ذكره الأولون غير صحيح، لكن ما قاله السلف له وجه صحيح، وما ذكره المعاصرون قولٌ محتملٌ، والله أعلم. مسألة: هل يلزم تجهيل السلف بما في القرآن من هذه الوجوه الجديدة؟ إن المجال لا يتسع لمقدمة لا بدَّ منها، فأكتفي بالإشارة إليها، وهي منْزلة علم السلف وتفسيره، وقيمته بالنسبة لتفسيرات المتأخرين، وتلك قضية مهمة غفل عنها كثيرٌ ممن دخل في الإعجاز العلمي، ففرح بما أوتي من العلم، وظنَّ ـ جهلاً منه ـ أنَّ تفسيرات السلف تفسيرات ساذجة، وليس فيها قيمة علمية، وتلك بلية بلا ريب. وأقول: إنَّ المقام الذي يجب علينا أن نقومه أمام تفسير السلف يتمثَّل في أمور:

стр. 88

الأول: معرفة ما منَّ الله عليهم به من التقدم في الإسلام، والإحاطة بعلم الشريعة، والإدراك لمعاني كلام الله مما نحتاج ـ نحن المتأخرين ـ إلى أن ندرك مرامي تفسيراتهم، ودقة أقوالهم في ذلك. الثاني: أن نفهم كلام السلف ونعرفه، لكي لا نتعجَّل في ردِّه. الثالث: أن نبني عليه ولا ننقضه. الرابع: أن نعلم أن اختلافهم ـ في الغالب ـ اختلاف تنوع، وقد يكون راجعاً إلى قولٍ، وقد يكون راجعاً إلى قولين أو أكثر. فإن كان راجعاً إلى قولٍ، فقد يكون القول المعاصر داخلاً في أحد أقوالهم، وقد يكون معنًى جديداً. فإن كان معنًى جديداً فضابط قبوله أن لا ينقض قولهم، ويردَّه. وإن كان راجعاً إلى أكثر من قولٍ، فإما أن نختار من أقوالهم، وإما أن نأتي برأي جديد يكون مع أقوالهم على سبيل التنوع لا المناقضة. وهذا المقام، فيه سعة في اختيار قول والإعراض عن الأقوال الأخرى، لكن لا يكون الاختيار والترك إلا بعلم؛ لأنه قد يكون المتروك هو القول الصحيح. الخامس: أنَّ عدم قولهم بهذا مبني على مسألة مهمة، وهي التفريق بين أمرين: الأمر الأول: أنه لا يوجد في القرآن ما لم يعرف له السلف معنى صحيحاً، وهذا يعني أنهم ـ بجمهورهم ـ فسروا القرآن كله، ولم يفت عليهم شيءٌ من معانيه. الأمر الثاني: أنَّ للقرآن وجوهاً غير التي ذكرها السلف، وأنه يجوز تفسير القرآن بالوجوه الصحيحة التي تحتملها الآية، وهذا يعني أنه قد يرد عند المتأخرين من وجوه القرآن ما لم تكن دواعيه موجودة عند السلف،

стр. 89

فيفسره المعاصرون على ما ظهر عندهم من الدواعي، ويكون تفسيرهم مقبولاً إذا كان جارياً على أصول التفسير الصحيحة. وهذه المسألة من الأهمية بمكان، وأكتفي هنا لضيق المقام بدليل واحد فقط، وهو أنَّ بعض السلف نزَّل بعض الآيات على أقوام ممن جاءوا بعد التَّنْزيل، مع أن الآيات نزلت في أناس معاصرين له، ولم يُنكر ذلك من صنيعهم، وهذا الذي يعمل به المعاصرون من هذا الباب، والله أعلم. ومن أمثلة ما ورد عنهم: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمُ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]. قال الطبري: «وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ يقول: فلما عدلوا وجاروا عن قصد السبيل ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ يقول: أمال الله قلوبهم عنه. وقد حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوَّام، قال: ثنا أبو غالب عن أبي أمامة في قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ قال: هم الخوارج». وإذا فُهِمت هذه المسألة ظهر أنه لا داعي للتهييج بكون السلف لا يعرفون هذه الوجوه، وإنما يكون ذلك لو أن السلف عرفوا هذه الوجوه واستنكروها، والمقام في مثل هذا الحال أن يُوقف عند ما استنكروه، ولا يُقال به. أما المقام هنا، فإنه من باب حدوث أمر جديد يحتمل تنزيل الآية عليه، وإدخاله في معناها، وهذا يحتاج إلى ضوابط يُضبط بها ما يمكن قَبوله وما لا يمكن قَبوله من هذه الأقوال الحادثة.

стр. 90

مسألة: في ضوابط قبول التفسيرات المبنية على العلوم الكونية والتجريبية: بعد هذا المطاف في هذا المقال أقف عند نقطته الأخيرة، وهي ضوابط قبول التفسيرات المبنية على هذه العلوم المعاصرة، فأقول: إنَّ من المهم جدّاً لدارس علم التفسير أن يعرف الصحيح من الضعيف في التفسير، ولا يمكنه ذلك إلا إذا كانت هناك ضوابط وقواعد واضحة يعمل بها. وقد اطلعت على ما كتبه بعض المعتنين بالإعجاز من الضوابط فألفيتها تحتاج إلى ضبط وتدقيق، وأنَّ هناك ضوابط لم تُذكر، وإليك ما ظهر لي مما أراه في ضوابط قبول هذه التفسيرات: أولاً: أن تكون القضية المفسَّرُ بها صحيحةً في ذاتها، فإن كانت باطلة فلا يصحُّ أن يُحمل القرآن عليها: وتظهر صحتها من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: صحتها من جهة الوقوع. الوجه الثاني: دلالة اللغة عليها. الوجه الثالث: عدم مناقضتها للشرع. أما الوجه الأول: فلا يمكن أن يدركه إلا المتخصص بتلك الواقعة من فلكي أو طبيب، أو جيولوجي، أو غيرهم؛ كلٌّ في تخصصه. وما ذلك إلا لأنَّ العالم بالتفسير، أو بالشريعة لم يدرس هذه العلوم ليدرك صحة الواقعة من خلافها، لذا فإنه يعتمد على ما يذكره العالم بتلك الواقعة ثقةً به في علمه، فإذا أخبر الطبيب عن الظلمات الثلاث بحسب ما وصل إليه علم الطب الآن، فإنه لا سبيل للمفسر إلى إنكار ذلك، بل شأنه التصديق ثقة بالمخبر عن ذلك.

стр. 91

أما الوجه الثاني والثالث: فإن المفسر أقدر فيهما من العالم بالواقعة الكونية أو التجريبية، ويمكنه معرفة صحة دلالة اللغة على تلك الواقعة، أو عدم مناقضتها للشرع، وأضرب على ذلك مثالين موجزين لضيق المقام: الأول: من فسَّر الذرة في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. بأنها الذرَّة الإلكترونية، وذلك غير معروف في لغة العرب، فلا يصح التفسير بها. الثاني: من فسَّر قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤] بأنها الأطوار الداروينية في نظرية النشوء والارتقاء، وتلك النظرية مصادمة للشرع، وهي باطلة مردودة. ثانياً: أن لا تناقض قول السلف (الصحابة والتابعين وأتباعهم): وقد مضت الإشارة إلى تفصيل القول في ذلك، وأنَّ المناقضة إنما تكون في ردِّ ما اتفقوا عليه، أو ردِّ جميع تفسيراتهم؛ لأنَّ من لوازم ذلك أن يكون في القرآن شيء من معانيه جهِله المسلمون منذ عهد الصحابة إلى وقت ظهورِ هذه القضية العلمية، واكتشافِ وجه ارتباطها بمعنى الآية، وهذا لازم باطل بلا ريب، والقول بجهل السابقين بمعنى الآية مطلقاً يدل على وجود خلل في تنظير القضية. والصواب في ذلك: أن يُقبل ما قاله السلف، ويضاف إلى أقوالهم ما تحتمله الآية من المعاني الصحيحة التي يحتملها السياق. ثالثاً: أن تحتمل الآية القضية المفسَّر بها: إن الملاحظ أنَّ من يتوجه إلى بيان القرآن بالمكتشفات المعاصرة يحرص على ربط بعض تلك المكتشَفات بالقرآن، ويقع الخلل عنده في الربط.

стр. 92

فقد تكون القضية التي ثبتت في المكتشفات صحيحة لا ريب فيها، ولكن الآية لها دلالة عند السلف لا توافق تلك القضية المكتشفة، فيأتي من يعتني بهذا الأسلوب، فيجعل الآية تدلُّ على ما ثبت في الاكتشاف المعاصر، وقد تكون الآية لا تدلُّ عليه، فهل يدلُّ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] على ما اكتُشِف حديثاً من أنَّ الإنسان إذا صعد في طبقات الجو العليا يضيق تنفسه بسبب قِلَّة الأكسجين؟ ذلك ما يحتاج إلى تحرير، لأنَّ القضية التي اكتُشِفت قضية كونية صحيحة، والآية لها دلالة، فهل من دلالاتها هذه القضية؟ وأقول: إنَّ كثيراً من القضايا التي رُبِطت بالقرآن تكون قد ثبتت علميّاً، لكن الأمر هنا في صحة دلالة القرآن عليها، والله أعلم. والنتيجة في مثل هذه: أن تكون القضية المكتشفة صحيحة، ولا تناقض تفسير السلف، لكن الآية لا تحتملها ولا تدل عليها. وهذه المسألة ـ وهي صحة دلالة الآية على المكتشفات العلمية ـ هي محور الخلاف، ومحل النِّزاع الذي يحتاج إلى تحرير؛ إذ الأقوال الباطلة المبنية على علم باطل لا يدلُّ عليها القرآن قطعاً. رابعاً: أن لا يُقصر معنى الآية على هذا التفسير المعاصر: هذا الضابط يتداخل مع الضابط الثاني، وهو أن لا يناقض قول السلف، وإنما أُفردَ للتنبيه على أنه قد يُفهم من عرض المكتشفات العلمية دون الأقوال الأخرى المحتملة؛ أن الآية لا تدلُّ إلا على هذا التفسير الحادث دون ما سواه، وعلى هذا فهو ضابطٌ احترازيٌّ يحسن بمن يتعرَّض للتفسير أن يتنبَّه له، وأن يذكر ـ ولو على سبيل الإجمال دون

стр. 93

التفصيل ـ أن في الآية أقوالاً أخرى صحيحة، حتى يزول عند السامع احتمال أن التفسير المعاصر هو المراد دون غيره. وبعد: فإنني لا زلت أدعو إلى التؤدة والتريُّث في إثبات كون القرآن دلَّ على هذه المكتشفات المعاصرة، لأنه يُبنى على ذلك أمورٌ هي من الأهمية بمكان، ومنها: ١ - القول على الله بأنَّ هذه القضية المكتشفة أحد مراداته في كلامه، وإذا كان هذا القول بلا علم، فإنه من المحرمات التي ذكرها الله في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ٢ - الاعتماد على ربط هذه القضية في إثبات صحة الرسالة، مع أن صحتها تثبت بما هو دون ذلك. ٣ - أنَّ كثرة الاستدلال بهذه القضايا على صحة الرسالة تجعل الإسلام ديناً عقليّاً بحتاً، فالداخل فيه لا يمكن أن يقتنع به إلا بهذا الأسلوب، وذلك مخالف لطبيعة الإسلام، فكثيرٌ ممن ربطوا الإسلام بهذا العقل دون العقل الفطري وقعوا في الضلال؛ ككثير من المتكلمين والفلاسفة الذين عاشوا في ظل الإسلام؛ كابن سينا وابن رشد وغيرهم. ٤ - أنه مما لا يخفى على الباحثين في الأمور الكونية والتجريبية أن العلم البشري ناقص، وأنه يتطور مرة بعد مرة، ولا يأمنون أنَّ ما يعدونه اليوم حقيقة يكون غدّاً تاريخاً علميّاً لقضية أخرى، ولا يكون الفهم السابق هو الصواب. والدعوى بأنه لا يُفسَّر القرآن إلا بما ثبت يقيناً دعوى فقط، والواقع الذي يمارسه من يربط القرآن بالمكتشفات المعاصرة يخالفه، فما

стр. 94

إن تظهر قضية يحس الباحث أن القرآن دلَّ عليها إلا وانصرف ذهنه من حيث لا يشعر إلى إثبات الربط بينها وبين القرآن، وقد مضى التعليق على قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ *الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٦]. وأخيراً، فإن بعض من يستسلم لهذه الحقائق المذكورة في القرآن أو السُّنَّة، يأخذها بنظره العلمي التجريبي، ولا يدرك حقيقة الوحي، وأنَّ هذا القرآن من عند الله، فبينه وبين ذلك حجاب مستور، والله أعلم. ومن ثمَّ، فإن العناية بالأمر الأول ـ وهو البحث التجريبي والنظر في هذا الكون والتدبر فيه ـ يجب أن تكون أكبر وأكثر من العناية بالأمر الثاني ـ وهو ما يسمى بالإعجاز العلمي ـ لوجهين: الوجه الأول: أنه هو المجال الوحيد الذي سبقنا فيه أعداؤنا، ولا بد لنا من منافستهم في ذلك، والسعي للتقدم عليهم فيه. الوجه الثاني: أنه عندما يقوم الباحثون المسلمون بتلك البحوث نضمن أنهم لن يصلوا إلى نتائج خاطئة مخالفة للكتاب والسُّنَّة، بل إنهم سوف يعيدون النظر في بعض النتائج المخالفة للكتاب والسُّنَّة التي وصل إليها البحث الغربي الكافر. وإذا بقي همُّنا منصبّاً على العناية بما يسمى بالإعجاز العلمي لإثبات صحة هذا الدين لأولئك الذين لا يؤمنون إلا بالحقائق المادية، فإننا سنبقى عالة على الغرب ننتظر منه كل جديد في العلوم، ثمَّ نبحث ما يوافقه في شرعنا، ولا يخفاك ما دخل علينا من هذه العلوم مما هو مخالف لشرعنا، وما ذاك إلا بسبب أنَّ موقفنا نحن المسلمين موقف التلميذ الضعيف المتلقي الذي يشعر أنه لا شيء عنده يمكن أن يقدمه. والبحث العلمي بلا قوة تحميه لا يمكن أن ينفعل في الواقع، لذا لا بدَّ من أن يواكب العلم قوةٌ تكون في الأمة كي تدعم هذا العلم

стр. 95

وتحافظ عليه، وإلا صار ما تراه من هجرة العلماءِ عن ديار المسلمين إلى ديار الغرب الكافرة. وأختم هذه المقالة فأقول: إنَّ في الموضوع قضايا كثيرة تحتاج إلى تجلية وإيضاح، ولولا ضيق المقام لأشرت إليها، وإني أسأل الله أن يوفقني ويعينني على الكتابة فيه على منهجٍ عدل وسط لا شطط فيه. * * *

стр. 96

المقالة الثالثة الإعجاز العلمي

стр. 97

المقالة الثالثة الإعجاز العلمي الحديث عن الإعجاز القرآني ـ فضلاً عما يُسمَّى بالإعجاز العلمي ـ ذو شجون. لكن مما يحسن التنبيه عليه في بدء هذا الموضوع أن يعلم أن أهل التفسير ليسوا ضد المخترعات الحديثة والعلم التجريبي، ولكن الإشكالية بينهم وبين المعتنين بالإعجاز في الربط بين هذه المخترعات والمكتشفات وبين النصوص القرآنية، وطريقة ذلك، فهذا الربط فيه محاذير، من أهمها: أن ما يتوصل إليه الباحثون عُرضة للنقض في حالة اكتشاف ما يناقضه، ولا يمكن لأحد من البشر أن يدَّعي العصمة لأحد من الناس إلا مَن عصمه الله. لا سيما وأن كثيراً من المكتشفات التي تذكر في الإعجاز العلمي هي أمور غير محسوسة، وإنما هي مبنية على استنتاجات ودراسات الله أعلم بصحتها، إذ لا زالت الدراسات إلى اليوم تنقض ما كان يقال بأنه حقيقة لا رجعة فيه، وذلك معروف وواضح من قصور العلم البشري الذي يتطور شيئاً فشيئاً. ولا يفهم من هذا أنني أدعو إلى عدم دراسة هذه الأمور المفيدة للناس في حياتهم الدنيا وإنما التحفظ على ربطها بالنصوص الشرعية والطريقة المتبعة في ذلك. لكن لما كان الحديث منصبّاً على مسألة الإعجاز العلمي، فإني

стр. 98

سأطرح بعض القضايا المتعلقة به على سبيل الاختصار، فأقول: ١ - إن الأصل أن تتفق الحقيقة الكونية مع النص القرآني لأن مصدرهما واحد، ولا يقع الاختلاف إلا في نظر الناظر، فقد يكون النقص في علمه، إما من جهة الحقيقة الكونية وإما من جهة الحقيقة القرآنية، وفي كلا الحالين لا يمس هذا النقص قدسية القرآن؛ لأن التفسير شيء، وثبوت النص القرآني كلاماً لله شيء آخر. ٢ - إن قُصارى الأمر في صحة دلالة النص القرآني على الحقيقة الكونية أنها دليل على صدق القرآن، وبهذا يكون مجال الإعجاز العلمي ومآله إلى هذا، وهو ـ في هذه الحيثية ـ لا يختلف عن الدلائل الأخرى التي تدلُّ على صدق القرآن أو النبوة. فإذا ثبتت الموافقة قلنا: هذا دليل صدق القرآن وأنه جاء من عند الله وليس من قول البشر، وإذا صحَّت هذه الدعوى طالبنا الناس بالإيمان بها، لكن لا يلزم أنهم سيصدقون، فممن شهِد تنَزُّل القرآن على الرسول ﷺ كفر به، فما بالك بمن جاء بعده. ومما يحسن التنبيه عليه هنا أن دلائل صدق القرآن لا يمكن أن تحصر، فكل آية من آياته دليل على صدقه، فالجهل بالاستدلال بها اليوم من قِبَلِ بعض الناس لا يعني عدم وجودها، أو أنها لا توجد إلا في الإعجاز العلمي. كما أن مما يحسن ملاحظته هنا أن ما يسمى بالإعجاز العلمي ليس مختصّاً بالقرآن وحده بل هو مخصوص بكلام الله سواءً أكان نازلاً على إبراهيم أم على موسى أم على محمد صلوات الله وسلامه عليهم؛ لأن كلامه لا يتغير ولا يتبدل، فلا يمكن أن تجد في كتابٍ من كتبه أن السموات ستٌّ أو ثماني سموات، مع ملاحظة أن غير القرآن قد دخله التحريف والنقص، فقد لا يوجد فيه ما يوافق القرآن في بعض هذه القضايا بسبب التحريف، والله أعلم.

стр. 99

٣ - لا شكَّ أن الدعوة بالإعجاز العلمي هي أحد طرق الدعوة، وليس هو طريقها الوحيد في هذا العصر، بل ليس هو أنجعها وأنفعها، وكون بعضهم يزعم أن الإعجاز العلمي أهم الأسباب التي سوف تنقذ هذه الأمة من تخلفها وعجزها غير دقيق، بل إن الرجوع إلى كتاب ربنا والعمل بما فيه من الآيات التي تدعونا إلى عمارة الأرض والجد والاجتهاد فيما يعود على الإنسان وأمته والناس بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة هو الطريق الأمثل في هذا الموضوع. وأيضاً، فإن طلب قيادة البشرية لا يكفي فيه العلم وحده، بل لا بد له من قوة تحميه، فإذا وُجِد العلم ولم توجد له قوة تحميه فإنه يهاجر إلى هذه القوة؛ كما هو الحال في هجرة كثير من علماء المسلمين وغيرهم إلى الدول التي تحميهم في كل المجالات. ومما يحسن التنبه له في مجال بيان الحق للناس ودعوتهم إليه بالإعجاز العلمي= أن تصديق القرآن مرتبط بالاستعداد النفسي والتجرد للحق، فكم من العلماء الغربيين قد سمعوا ما يذكره الباحثون في الإعجاز ومع ذلك لم يُسْلِموا ولم تهتزَّ لهم شعرة. ٤ - إن بعض المعتنين بالإعجاز دخلوا في هذا المجال بسبب ردود الفعل؛ إما بما رأوا من تنقص بعض الملحدين للمسلمين ودينهم، وإما بسبب ما يَرَونَه من الهجمة الشرسة على الإسلام والدعوى بأنه دين جامد يحارب العلم، ولقد كان لرَدَّةِ الفعل هذه أثرٌ في طريقة تفكيرهم وتناولهم لتفسير الآيات تفسيراً يتناسب مع ما أُوتوه من علم بشري تجريبي أو كوني. ولقد بلغ الحدُّ ببعضهم أن أعطى هذا الموضوع أكبر من حجمه حتى أصبح يدعو إلى وضع مادة مستقلة للإعجاز العلمي تدرس في المدارس لعامة الطلاب، وأن تخصص في الجامعات أقسام خاصة له،

стр. 100

بل وصل الأمر ببعضهم إلى انتقاص علماء الشريعة الذين لا معرفة لهم بالإعجاز العلمي. ولو أن هذه العناية التي يدعو إليها هؤلاء صُرِفت إلى فهم كتاب الله وما فيه من حِكَمٍ ومقاصد أُنزل من أجلها، لكان في ذلك من الخير والنتائج أضعاف ما يحصل من العناية بالإعجاز العلمي. ٥ - إن الله قد بيَّن لنا المقاصد والغايات التي أنزل القرآن من أجلها، وقد بين لنا سبحانه الدلائل الواضحة والبينة على صدق هذا الكتاب وصدق هذا النبي ﷺ من حين نزل القرآن، فلماذا نهمل كل هذه الأمور ونتَّجه إلى جزئية صغيرة اعتورها كثير من المحاذير، فالعدل والإنصاف يقتضي أن يعطى كل شيء قدره، وأن ينزل كل أمر في منزلته، وما لم نفعل فسوف نصرف جهودنا في أمورٍ غيرُها أولى منها، ونشتغل بما هو أدنى عما هو خير. ٦ - إن ما يقوم به المعتنون بالإعجاز، إما أن يكون بحثاً محضاً في العلوم الطبيعية، وإما أن يكون تفسيراً لكلام الله، فإن كان بحثهم في مجال تخصُّصهم فلهم أن يبينوا قدرة الله ولطفه في كونه لا يردُّهم في هذا الأمر أحدٌ، بل تلك طريقهم التي يحسن بهم أن يسلكوها ويدرِّسوا الطلاب على هذا السبيل لكي لا ينفك الطلاب عن النظر والتفكر في قدرة الخالق . وإن كان بحثهم في مجال التفسير، فإن تفسير كلام الله باب خطير لا يحق للإنسان أن يلجه إلا بعد أن يتأهل لذلك، وقد قرر العلماء أن من فسر القرآن بمجرد رأيه، فإنه يكون مخطئاً ولو أصاب في تفسيره، فكيف بمن يدخل في باب التفسير ببضاعة مزجاة ويتجرأ على تفسير كلام الله ويتهجم على أهل التفسير الذين أفنوا أعمارهم في تعلُّم هذا العلم وتعلُّم أدواته، فللتفسير شروط وطرائق لا بدَّ من الإتيان بها

стр. 101

ومعرفتها، ومن نقص في معرفتها نقص في وصوله إلى التفسير الصحيح، وطرح هذه الأمور لا تحتمله مثل هذه المقالة (١)، لكن الملاحظ أنَّ كثيراً ممن دخل في هذا المجال لا يحسن منهج التفسير، ولست أقول ذلك من فراغ حين وصفتهم بالكثرة، بل هذا هو الواقع، والله المستعان. ٧ - إنَّه مما يظهر على بعض من يعتنون بالإعجاز فرحُهم بما أوتوه من العلم، حتى إنَّ بعضهم ليخطِّئ كل من سبقه، ويزعم أنهم لم يعرفوا تفسير الآية ولم يأتوا في معناها بما يُقنِع، وهذا الأمر يظهر عند بعضهم صريحاً، ويظهر عند بعضهم بلازم قوله، كمن يزعم (أنَّ الآيات الكونية لا يمكن فهمها فهماً صحيحاً في إطار اللغة وحدها)، ولازم هذا الكلام أن رسول الله ﷺ لم يفهم هذه الآيات، فضلاً عمن عاصره من الصحابة أو من جاء بعدهم، ولم تُفهم هذه الآيات حتى ظهرت هذه العلوم الكونية والتجريبية. وظنِّي بكثيرٍ ممن صدر منه هذا الكلام حسنٌ جدّاً، وإنما أُتِي ودُخِلَ عليه هذا الفهم بسبب عدم فهمه لطبيعة التفسير ولمنهجه الصحيح، ولو علِمه لأثبت أن ما فهمه السالفون من الصحابة والتابعين وأتباعهم حقٌّ لا مرية فيه، وأنه لا يوجد آية لم يُفهم معناها وحُجِب حتى يأتي هو فيبيِّنها، وإنما الأمر أنه أضاف وجهاً آخر قد يكون صحيحاً في فهم الآية فحسب. وكل من أتى على تفسير السالفين بالإبطال فليحذر، وليخش على نفسه أن يكون ممن فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، وتنقَّصوا علم السالفين. ٨ - ليس سبيل هذه المقال سبيل الوعظ ولا سبيل إثبات سلامة فهم الصحابة والتابعين ومن تبعهم للقرآن، لكن ألا يدل الدليل العقلي

стр. 102

على أنَّ من ألَّف كتاباً لطلابه فهم أدرى به من غيرهم ممن يجيء بعدهم، وأنه لو وقع اختلاف في الفهم بين طالب من طلاب الأستاذ ورجل جاء بعده بقرون فإن العقل يدلُّ على قبول قول الطالب وتقديمه لأنه أدرى بكتاب أستاذه وبملابساته. وهذه الصورة شبيهة بحال من نزل القرآن بين ظهرانيهم، وتعلموا على يد رسول الله ﷺ ، وعلَّموا أتباعهم هذا الكتاب، فهم أدرى به وبملابساته من غيرهم، فلا يقع في ظنِّ أحدنا أنه فاتهم شيء من فهم هذا القرآن. ٩ - فإن قلت: ما ظهر لنا في هذا الزمان من تصديق لما في كتاب ربنا مما اكتشفه الباحثون في الأرض والسماء، كيف نعمل به مع ما ذكرتَ؟ فالجواب: إن ثبوت فهم السلف لجميع معاني القرآن لا يعني انتهاء هذا الفهم عندهم فقط، لكنه يعني أنه لم يبقَ عندهم ما يحتاجون إليه ولم يفهموه؛ هذا أولاً. وثانياً: إنهم قد ظهر عندهم أفهام جديدة بسبب بعض الحوادث التي حدثت في عصرهم، ونزَّلوها على الآيات، وعملوا بها، فدل ذلك على أصل المسألة، وهو جواز إحداث قول جديد؛ لأن القول بغير ذلك يلزم منه وقوف التفسير، فأين تقف به؟ أتقف به على الصحابة، أم على التابعين، أم على أتباع التابعين، وما الحجة في ذلك، وأين تضع ما صح من تفسيرات للعلماء الذين جاءوا بعدهم؟ ثالثاً: إن ما صح دلالة القرآن عليه من قضايا العلوم المعاصرة لا يُعترضُ عليه بعدم معرفة السلف له، وإنما يُرفضُ لو كانوا عَلِموه فأبطلوه، أو عُلِمَ أنهم علِموه فتركوه، فتركهم مع علمهم به يدل على وجود إشكال في ذلك، وذلك ما لم يقع منهم.

стр. 103

رابعاً: إن تفسير القرآن بما صح واحتملته الآيات من هذه العلوم المعاصرة لا يدل على جهل السلف، بل ليس من باب الأدب أن يُنسبوا إلى ذلك؛ لأن المسألة لا تدخل من هذا الباب، بل هي تدخل في باب تطور العلم البشري، وليس يلزم أن يكون جمهور الصحابة يعلمون كل شيء كان في عصرهم فضلاً عما سيجيء بعدهم. ١٠ - إن منهج التفسير الذي سار عليه العلماء، ونصَّ عليه بعضهم أنَّ القول الذي قيل بعد جيل السلف في طبقاتهم الثلاث (الصحابة والتابعون وأتباعهم) يُقبل بضوابط، وهي: أن يكون القول صحيحاً في ذاته، وأن تحتمله الآية، وأن لا يكون في القول به إبطالٌ لتفسير السلف، وأن لا يُقتصر على هذا القول حتى لا يُفهم أن غيره غير صحيح، فإذا وافقَ قولٌ هذه الضوابط فهو قول يدخل في محتملات الآية، ولا يلزم أن يكون هو القول الصحيح الوحيد، والله أعلم. ١١ - إن بعض من كتب في الإعجاز العلمي وكذا بعض مجلاَّت الإعجاز العلمي يشترطون شروطاً صحيحة في ذاتها، لكنها قد تكون مطاطةً غير محددة، فيقع الإخلال بشيء منها عند بعض من يكتبون في الإعجاز العلمي من حيث يدري أو لا يدري، فأحدهم يفسر قوله تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ *وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ *ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ *فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢] فيقول: «والاستواء الإلهي رمز للسيطرة الكلية، والقصد بإرادة الخلق والتكوين، والتسوية للكون بأرضه وسمائه ...»، ويقول في موطن بعد هذا: «والدحو لغة: هو المد والبسط والإلقاء، وهو كناية عن الثورات

стр. 104

البركانية العنيفة التي أخرج بها ربنا من جوف الأرض كلاًّ من غلافها الغازي والمائي والصخري»، وقال في موطن آخر يتكلم فيه عن أيام الخلق الستة: «وإن كان غالبية المفسرين ترى خلاف ذلك لاعتبارهم يومي خلق الأرض داخلين في الأيام الأربعة لجعل الرواسي والمباركة وتقدير الأقوات، إلا أنهم مجمعون على أن حرف العطف «ثم» لا يدل هنا على الترتيب مع التراخي، لكنه يدل على بَعد عملية الاستواء والتسوية للسموات السبع من السماء الدخانية الأولى؛ لأن من معاني ثمَّ هنا أنها إشارة إلى البعيد بمعنى هناك في مقابل هنا للقريب ...». وقائل هذه التفسيرات من فضلاء من تكلم في الإعجاز العلمي، وهو قد ذكر شروطاً؛ منها: ١ - أن الظاهر مقدم على التأويل، فمن أين ظهر له مفهوم الاستواء، ومفهوم الدحو الذي هو تأويل مجازي وليس حقيقة؟ ٢ - أنه اشترط حسن فهم النص من القرآن الكريم وفق دلالات ألفاظ اللغة العربية، فأين وجد في اللغة أن الدحو بمعنى الإلقاء، وأين وجد فيها أن ثمَّ (بضم الثاء) بمعنى الإشارة إلى البعيد؟! ٣ - أنه اشترط البعد عن القضايا الغيبية، وهل ما يتحدث فيه من القضايا المشاهدة أم من القضايا الغيبية؟ فمن أين له أن الدحو هو الثورات البركانية العنيفة التي خرجت من جوف الأرض؟! أليس هذا مخالفاً لما يشترطه؟ وأخيراً أقول: إن صِدقَ كثيرين ممن ولج في هذا الباب لا يُنكر، وقيامهم بالدعوة إلى الله من هذا السبيل جهد يُذكر ويُشكر، لكن كتاب ربنا ﵎ أغلى وأعلى من أن نسمح لمن لا يحسن التفسير أن يجعل نفسه هو المبيِّن لكلام الله بما يخالف ما جاءت به الشريعة، أو أن نربط به

стр. 105

هذه العلوم المعاصرة من أجل أن نُثبت للعالم أننا نملك من العلم ما لم يصلوا إليه. وإن كان هؤلاء جادِّين في هذه الدعوى، فإن الدعوة بالعلم إنما تكون بمثل ما سار عليه أهل الغرب والشرق فنجاريهم بالأبحاث والمكتشفات لا أن نقول لهم ما توصلتم إليه فإنه في كتابنا، وهذا يدل على صدقه فآمنوا، فإن هذه الدعوى لا يقبلها كثير من المفكرين من علماء الغرب، بل لقد كانت موضع الاستهجان من بعضهم، فقال: إذا كان هذا عندكم فلم لم تكتشفوه قبلنا؟! وأقول: لا يأخذنا الحماس العاطفي لا يَمنة ولا يَسرة، وليكن بيننا أدب الخلاف، وأن نتعلم من بعضنا، وأن نتأمل قول من يعترض علينا، فقد يكون الحق معه ونحن لم نصل إلى ما علِمه، لكن لا بدَّ أن يكون لنا مرجعاً نرجع إليه حال الاختلاف، ومن ذلك ما اشترطه المعتنون بالإعجاز العلمي من شروط صحيحة.

стр. 106

المقالة الرابعة تصحيح طريقة معالجة تفسير السلف في بحوث الإعجاز العلمي

стр. 107

المقالة الرابعة تصحيح طريقة معالجة تفسير السلف في بحوث الإعجاز العلمي (١) الحمدُ لله الذي جعل كتابه الكريم لا يَخْلَقُ من كثرة الردِّ، وأصلِّي وأسلِّم على أفضل الخلق محمد بن عبد الله، أرسله الله رحمة للعالمين، ومبلّغاً للدين، فأتمَّ الله به النعمة على العالمين، ثمَّ أثني بالصلاة والسلام على آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغرِّ الميامين، وعلى من تبعهم، وسار على نهجهم إلى يوم الدين، اللهم احشرنا في زمرتهم، واجعلنا ممن قلت فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. أما بعد: فإن كتاب الله تعالى نزل بلسان عربي مبين، وعَلِمَهُ جيل السلف مجتمعين، فلا يمكن أن يقال: إن آية منه لم يقع لهم فيها الفهم الصحيح، ومن قال: إن آية لم يفهمها هؤلاء، فإنه قد زعم النقص في البيان الرباني والنبوي على حدٍّ سواء، فالله يقول ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، ويقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]، ويقول: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٢]، ويقول: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧]، ويقول:

стр. 108

﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ويقول: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَاتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، ويقول: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وغيرها من الآيات التي تدل على أن الله قد بيَّن كلامه بياناً واضحاً لا لبس فيه ولا إلغاز، وأنه يسَّر للناس فهمَه كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢]، وهذا التيسير لا يمكن أن يكون لجيل متأخر دون الجيل المتقدم من السلف. مشكلة البحث: ١ - إنه من خلال قراءتي فيما سطَّره بعض المعاصرين ممن اعتنوا بإبراز (الإعجاز العلمي) في كتاب الله ؛ رأيت أن اعتمادهم على المأثور عن السلف قليلٌ جداً، وجُلُّ اعتمادهم على كتب التفسير المتأخرة، فتراهم ينسبون القول إلى القرطبي وأبي حيان والشوكاني على أنهم هم السلف. وهؤلاء العلماء الكرام وغيرهم لا شكَّ أنهم سلف لنا، لكن مصطلح السلف عند علماء الشريعة لهم زمن محدود، وليس كالإطلاق اللغوي الذي يشمل كل من سبقك، وقد كان في فعل بعضهم قطع لسلسلة التفسير، ولعدم الرجوع إلى أقوال السلف في الآية. وإن الراصد لحركة التفسير يعرف أن الذين لا يعتمدون قول السلف (الصحابة والتابعين وأتباعهم) هم أهل البدع الذين أصَّلوا أصولاً عقلية، ثم حاكموا آيات القرآن عليها، فما وافق أصولهم من ظواهر القرآن قالوا به، وما خالف أصولهم أوَّلوه لكي يوافقها. وحاشا المخلصين من المعتنين بالإعجاز العلمي أن يكونوا

стр. 109

كأولئك، لذا كان يحسن بالمتخصِّصين في علوم القرآن تنبيههم على هذا الأمر، لئلا يقعوا في محذور وهم لا يشعرون. ٢ - في هذا العصر الذي برز فيه سلطان العلوم الكونية والتجريبية سعى نفر من المسلمين إلى إبراز سبق القرآن إلى كثير من هذه المكتشفات المعاصرة، لكنَّ بعضهم تنقصه الآلة التي يستطيع بها معرفة صحة مطابقة تلك القضية في تلك العلوم للآية التي يحمل عليها ذلك التفسير الحادث، كما أن الملاحظ على هؤلاء أنهم لا يعرفون قول السلف في الآية لكي لا يناقضوه، وإن ذكروه فإنهم لا يعرفون وجهه، ولا تراهم يفقهون مدلول قولهم؛ لأنهم لا يعرفون طرائق هؤلاء السلف الكرام في التعبير عن التفسير، وفي اختلافات التنوع عندهم، فإذا رأوا خلاف عبارة ظنوا أنهم مختلفون، ولا تراهم يعرفون كيف يوفِّقون بين أقوالهم. كما تجدهم يحرصون على الرجوع إلى معاجم اللغة لبيان بعض المدلولات التي يحتاجونها، ولا تراهم يرجعون إلى تحريرات السلف في هذه الأمور، وهم أهل اللغة، ولهم فيها السبق. ولما كان الأمر كذلك، أردت أن أكتب في هذه الحيثية، لأبيِّن لإخواني الكرام ممن يسلكون بيان إعجاز القرآن الكريم على هذه الطريقة؛ أبيِّن لهم كيف يمكنهم التعامل مع أقوال السلف أثناء بحوثهم العلمية التي يربطون بها المكتشفات المعاصرة بآيات القرآن، لكي لا يقع عندهم ردٌّ لأقوال السلف أو نقض لأقوالهم بلا علم. وقد سمَّيته: (تصحيح طريقة معالجة تفسير السلف في بحوث الإعجاز العلمي).

стр. 110

مصطلحات البحث (١): التفسير: إن القرآن يحتوي على عدد من العلوم، منها التفسير، وقد وقع خلاف في تعريف التفسير، وأوضحها ـ والله أعلم ـ: بيان معاني القرآن الكريم. لأن مدلول التفسير من جهة اللغة هو البيان، والمراد من المفسر بيان المعاني، أما العلوم الأخرى التي يحتوي عليها القرآن فإنها ليست من التفسير؛ فعدُّ الآي ـ مثلاً ـ من علوم القرآن، لكنه ليس من التفسير؛ لأنه لا يُبنى على معرفة عدِّ الآي فهم لمعنى آية من الآيات، والمقصود أنه يحسن أن ننتبه إلى الفرق بين علوم القرآن المرتبطة بسوره وآياته، وعلم التفسير الذي هو بيان معانيه، فكل ما له أثر في بيان معانيه، فهو من العلوم التي ينبغي للمفسر الاعتناء بها ليستطيع بيان معاني القرآن على الوجه المَرضيِّ. السلف: الأصل اللغوي لكلمة السلف يدل على السبق والتقدم، فكل ما تقدمك فهو سلف، وهذا الإطلاق اللغوي يشمل كل من سبقك من الناس، لذا إذا قلت: المفسر القرطبي من السلف، فإن ذلك قول صحيح من حيث اللغة. غير أن للعلماء اصطلاحاً خاصًّا في المراد بالسلف، وقد اختلفوا في تحديد الفترة الزمنية التي يقف عندها هذا المصطلح، والغالب في ذلك أنهم الصحابة والتابعون وأتباعهم ممن التزم الكتاب والسُّنَّة. والسلف في مصطلح المفسرين لا يخرج عن هذه الطبقات الثلاث بدلالة أنك إذا رجعت إلى التفاسير التي جمعت مأثور السلف ـ كتفسير الطبري وابن أبي حاتم ـ تجدها تعتمد على ما نُقِل عن هذه الطبقات الثلاث، وتراها تقف عند طبقة أتباع التابعين.
следующие страницы →