← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الثاني عشر: يكره الاغتسال في الماء الراكد قليلًا كان أو كثيرًا، وكذا العين الجارية، كما نص عليه البويطي، ولفظه: أكره للجنب أن يغتسل في البئر معينة كانت أو دائمة، وفي الماء الراكد وسواءً قليل الراكد وكثيره، أكره الاغتسال فيه. انتهى. وهذا كله على كراهة التنزيه لا [التحريم] (١). فرع: في حكم الماء الذي انغمس فيه الجنب بعد إنفصاله منع، وفيه تفصيل: فإن كان قلتين فصاعدًا لم يَصِرْ مستعملًا، سواء اغتسل فيه واحد فيكرر، أو جماعات في أوقات، وإن كان دون [قلتين] (٢) فإن نوى [تحته] (٣) ارتفعت جنابته وصار مستعملًا في حق غيره على الصحيح، وقيل: لا، حتى ينفصل (٤)، وفيه إشكال للرافعي، وإن نوى قبل تمام الانغماس ارتفعت جنابة الجزء الملاقي قطعًا، ولا يصير الماء مستعملًا بل له أن يتم الانغماس ويرتفع عن الباقي على الصحيح، والمسألة مبسوطة في شرح المنهاج وغيره فليراجع. الثالث عشر: استدل بعض الشافعية بالرواية الثانية التي ذكرها المصنف على خروج المستعمل عن التطهير به، إما لنجاسته كما نقل عن أبي حنيفة ونقل عنه الرجوع عن ذلك، وإما لعدم طهوريته

стр. 282

وهو القول الجديد للشافعي؛ لأن النهي وارد على مجرد الغسل فدل على وقوع المفسدة بمجرده، وهي خروجه عن كونه أهلًا للتطهير، ومع هذا فلا بدَّ من التخصيص فإن الماء [الكثير] (١)، أما القلتين فما زاد على مذهب الشافعى، أو المستبحر على مذهب أبي حنيفة: لا يؤثر فيه الاستعمال. ومالك ﵀ لما رأى أن الماء المستعمل طهور غير أنه مكروه حمل هذا النهي على الكراهة، وقد يرجحه أن وجوه الانتفاع بالماء لا تختص بالتطهير، والحديث عام في النهي، فإذا حمل على التحريم لمفسدة خروج الماء عن طهوريته لم يناسب ذلك؛ لأن بعض مصالح الماء يبقى بعد كونه خارجًا عن الطهورية، وإذا حمل على الكراهة كانت المفسدة عامة؛ لأنَّ الماء يستقذر بعد الاغتسال فيه، وذلك ضرر بالنسبة إلى من يريد استعماله في طهارة أو شرب، فيستمر النهي بالنسبة إلى المفاسد المتوقعة، إلَّا أن فيه حمل اللفظ على المجاز، أعني حمل النهي على الكراهة، فإنه حقيقة في التحريم، [وما أسلفناه] (٢) عن [مالك] (٣) هو المشهور من مذهبه، وكرهه لأجل اختلاف العلماء [فيه] (٤) أو لشبهه بالماء المضاف، وإن كانت الإضافة لا تغيره إذ الأعضاء في [الأغلب] (٥) لا تخلو عن

стр. 283

الأعراق والأوساخ، لا سيما أعضاء الوضوء؛ لأنها بارزة للغبار غالبًا فتخالط الماء. وقال أصبغ: إنه غير طهور، كقول الشافعي (١) الجديد، وقيل: مشكوك فيه، فيتوضأ به ويتيمم. وما أسلفناه عن أبي حنيفة هو إحدى الروايتين عنه، فقيل: إنه نجس نجاسة مخففة، وقيل: مغلظة، إلَّا أنه يقول على هذا أن [ما يترشرش] (٢) منه على الثوب وما يعلق بالمنديل عند التنشف من بلله طاهر، وإنما يحكم بنجاسته عند استقراره متصلا إلى الأرض [و] (٣) إلى الإِناء. والرواية الثانية: أنه طاهر غير مطهر، والخلاف عند أحمد أيضًا في طهارته وطهوريته فقط. الرابع عشر: مادة الجنابة: البعد، هذا أصلها في اللغة. وهي في عرف حملة الشرع: تطلق على إنزال الماء والتقاء الختانين أو ما يترتب على ذلك. قال الراغب في مفرداته (٤): وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٥)، أي أصابتكم الجنابة [وذلك] (٦) بإنزال الماء أو بالتقاء

стр. 284

الختانين، قال: وسميت الجنابة بذلك [لكونها] (١) سببًا [لتجنب] (٢) الصلاة في محكم الشرع أي والقرآن. قلت: [ولما] (٣) بعد عنهما أمر بالإِبعاد عن الماء الدائم؛ لئلا يقذره [كما] (٤) يقذره البول، ويقال للرجل: جنب، وللمرأة وللاثنين والجمع كله بلفظ واحد، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٥)، وسيكون لنا عودة إلى ذلك أيضًا في أسباب الجنابة. الخامس عشر: يؤخذ من الحديث أن حكم البخاري يخالف حكم الراكد؛ لأن الشيء إذا ذكر بأخص أوصافه كان حكم ما عداه بخلافه، والمعنى فيه أن الجاري إذا خالطه النجس دفعه الجزء الثاني الذي يتلوه منه، فيغلبه فيصير في معنى المستهلك الذي لم يخالطه النجس، والماء الراكد القليل لا يدفع النجس عن نفسه إذا خالطه، لكن يداخله [فمهما] (٦) أراد استعمال شيء منه كان النجس فيه قائمًا والماء في حد القلة، وهذا يقوي ما أسلفناه [في] (٧) تحريم البول فيه.

стр. 285

الحديث الثامن والتاسع ٨، ٩/ ٨، ٩/ ١ - عن أبي هريرة [﵁] (١) أن رسول الله ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا" (٢). ولمسلم: "أولاهن بالتراب" (٣).

стр. 286

وله [من] (١) حديث عبد الله بن مغفل (٢) أن رسول الله ﷺ : "إذا ولغ (٣) الكلب في الإناء فاغسلوه سبعًا وعفّروه الثامنة بالتراب". الكلام عليهما من أربعة وعشرين وجهًا: الأول: في التعريف بمن رواهما: أما أبو هريرة: فتقدم في الحديث الثاني. وأما عبد الله: فهو ابن مغفل بضم الميم وفتح الغين المعجمة ثم فاء مشددة، ويقال: المغفل بالألف واللام، ذكره مسلم في صحيحه (٤)، ابن عبد نهم (٥) بن عفيف، أبو زياد، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرحمن المزني من مزينة مضر، من

стр. 287

أصحاب الشجرة، نزل البصرة، روى [عنه الحسن] (١) وجماعة، قال الحسن: كان أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلينا يفقهون الناس، وهو أول من دخل تَسْتُر حِينَ فتحت، وهو أحد البكائين الذين نزل فيهم قوله تعالي: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ﴾ (٢) الآية. أمه: [عبلة] (٣) بنت معاوية، من مزينة. ووالده صحابي، قاله أبو عمر، مات [بطريق مكة] (٤) قبل أن يدخلها سنة ثمان عام الفتح قبل الفتح بقليل، قال: ومغفل هو أخو عبد الله ذي البجادين، ولعم عبد الله بن مغفل: خزاعي بن عبد نهم صحبة أيضًا. روي لعبد الله عن النبي ﷺ ثلاثة وأربعون حدثًا، اتفقا منها على أربعة، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بآخر. مات ستة ست وخمسين، قاله أبو عمر، وقال ابن حبان: سنة تسع، في ولاية عبيد الله بن زياد، قال: ويقال: سنة إحدى وستين، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي بوصية منه، وأن لا يصلي عليه عبيد الله بن زياد، وقيل: صلى عليه عائذ بن عمر (٥)، وحكاه ابن حبان.

стр. 288

فائدة: مغفل والد عبد الله بفتح الغين المعجمة كما سلف، وهو من الأفراد [يشتبه] (١) بمغفل بإسكانها، وهو حبيب بن غفل (٢) صحابي فرد أيضًا، [ويشتبه بمعقل بإسكان العين المهملة وبقاف، وهم عدة منهم عبد الله بن معقل (٣) الذي ذكره المصنف في أسباب الفدية] (٤) ويشتبه (٥) بمعقل بفتح القاف والعين المهملة وهو والد عبد الله في [العرب] (٦). "فائدة ثانية": يقال في الصحابي ابن الصحابي: ﵄، قراءة وكتابة، فتنبه له، وعبد الله بن مغفل من هذا القسم وجماعة، فتنبه لذلك. الثاني: يقال: شرب الكلب وولغ (٧)، والظاهر تغايرهما.

стр. 289

وقال صاحب المطالع: الشرب أعم من الولوغ، فكل ولوغ شرب ولا عكس. ونقل النووي (١) عن أهل اللغة أنه يقال: ولغ الكلب في إلاناء يلغ -بفتح اللام فيهما- ولوغًا، إذا شرب بطرف لسانه. وفي الصحاح عن أبي زيد: ولغ [الكلب] (٢) بشرابنا [وفي شرابنا] (٣) ومن شرابنا. وقال ثعلب (٤): ولغ الكلب في الإِناء يلغ، وَيُولَغُ إذا أولغه صاحبه، والولوغ من الكلاب والسباع كلها هو أنه يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع [فيحركه فيه] (٥)، قال المطرز: قليلًا كان التحريك أو كثيرًا. قال مكي؛ فإن كان غير مائع قيل: لَعِقَهُ ولَحسه. قال المطرز (٦): فإن كان الإناء فارغًا يقال: لحس، فإن كان

стр. 290

فيه شيء قيل: وَلَغ. وقال ابن دَرَستُويه (١): معنى ولغ: لَطَعَه بلسانه، شرب فيه أولم يشرب، كان فيه ماء أو لم يكن. قال المطرز: ولا يقال: ولغ شيء من جوارحه سوى لسانه. قلت: ولا يكون الولوغ لشيء من الطير إلَّا للذباب. وقال ابن جني: في شرح المتنبي (٢): أصل الولوغ: شرب السباع بألسنتها الماء، ثم كثر فصار الشرب مطلقًا. وذكر المطرز عن ثعلب أنه يقال: وَلِغ بكسر اللام، ولكنها لغة غير فصيحة، وسكن بعضهم اللام فقال: وَلْغ، حكاه أبو حاتم السِجِسْتاني، قال ابن جني: ومستقبله يلَغ بفتح اللام وكسرها، وفي مستقبل ولِغَ بالكسر يَلَغُ بالفتح، زاد ابن القطاع الكسر أيضًا كما في الماضي. الثالث: قال ابن عبد البر (٣): مالك يقول في هذا الحديث: "إذا شرب"، وغيره من الرواة يقولون: "إذا ولغ" وهذا الذي تعرفه أهل الغة، وكذا استغرب هذه اللفظة الحافظان: الإِسماعيلي وابن منده.

стр. 291

ولم ينفرد مالك بها فقد تابعه (١) عليها المغيرة (٢) بن عبد الرحمن، وورقاء بن عمر (٣) عن أبي الزناد، روى الأول أبو الشيخ الحافظ (٤)، والثاني أبو بكر الجوزقي (٥) في "كتابه". ورواه هشام بن حسان (٦) عن محمد بن سيرين (٧) عن أبي هريرة وفيه أيضًا: "إذا شرب". وقد اختلف على مالك في لفظ "الشرب" و"الولوغ". قال الشيخ تقي الدين في [الإِمام] (٨): والمشهور عنه ما قال أبو عمر.

стр. 292

قلت: والإِسماعيلي (١) نفسه رواها من طريق مالك بلفظ: "إذا ولغ" فقد رد بنفسه على نفسه. الرابع: الأمر بغسل ما ولغ فيه الكلب أو شرب ظاهر في تنجيس الماء، وأقوى من هذا [في] (٢) الدلالة على ذلك الرواية الثانية: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" (٣) والمصنف ذكر منها القطعة الأخيرة فإن لفظة (طهور) تُستَعمل إما عن حدثٍ أوخَبث، ولا حدث على الإِناء [بالضرورة] (٤) فتعين الخَبثُ، وفي هذا شيء سيعرف في التيمم إن شاء الله، ويبعد الحمل على الطهارة اللغوية؛ لأن الشرعية مقدمة عليها. [وحمل] (٥) مالك ﵀: هذا الأمر على التعبد؛ لاعتقاده طهارة الماء والإِناء، وربما رجحه أصحابه بذكر هذا العدد

стр. 293

المخصوص وهو السبع؛ لأنه لو كان للنجاسة لاكتفى بما دون السبع فإنه لا يكون أغلظ من نجاسة العذر وقد اكتُفي فيها بما دون السبع، والحمل على التنجيس أولى؛ لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبدًا أو معقول المعنى كان حمله على [كونه] (١) معقول المعنى أولى؛ لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى، وأما كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذر فممنوع عند القائل بنجاسته، نعم ليس [بأقذر] (٢) من العذر ولكن لا يتوقف التغليظ على زيادة الاستقذار، وأيضًا إذا كان أصل المعنى معقولًا [قُلنا به] (٣) وإذا وقع في التفاصيل ما لا يعقل سقناه في التفصيل ولم ينقض لأجله التأصيل، نبه على ذلك الشيخ تقي الدين (٤)، قال وله نظائر في الشريعة، ولو لم [يظهر] (٥) زيادة التغليظ في النجاسة لكنا نقتصر [في] (٦) التعبد على العدد ونمشي في الأصل على معقولية المعنى. الخامس: إذا ظهر أن الأمر بالغسل للنجاسة: فقد استدل بذلك على نجاسة عين الكلب، وهو مذهب الشافعي والجمهور، ولهم في ذلك طريقان:

стр. 294

الأول: أنه إذا ثبتت نجاسة فمه من نجاسة لُعَابه فإنه جزء من فمه، وفمه أشرف ما فيه فبقية بدنه أولى. الثانى: أن لعابه نَجِس واللُّعاب عرق الفم فعَرقُ فمه نجس فعرق كله نَجِس، فتبين بهذا الحديث إنما دل على النجاسة فيما يتعلق بالفم وأن نجاسة بقية البدن بطريق الاستنباط. قال الشيخ تقي الدين (١): وفيه بحث وهو أن يقال: الحديث إنما دل على نجاسة الإِناء بسبب الولوغ، وذلك قدر مشترك بين نجاسة عين اللعاب وعين الفم (٢)، وتنجيسهما باستعمال النجاسة غالبًا، والدَّالُ على المشترك لا يدل على أحد الخاصين، فلا يدل الحديث على نجاسة عين الفم أو عين اللعاب، فلا تتم الدلالةُ على نجاسة عين الكلب كله، وقد يعترض على هذا بأن يقال: لو كانت العلة تنجيس الفم أو اللعاب كما أشرتم إليه لزم أحد أمرين وهو: إما وقوع التخصيص في العموم، أو ثبوت الحكم بدون علته؛ لأنا إذا فرضنا سلامة فم الكلب من النجاسة الطارئة إما بالتطهير منها أو بأي وجه كان، فولغ في الإناء فإما أن يثبت وجوب غسله [أو لا] (٣) فإن لم يَثْبت وَجَبَ تخصيص العموم [وإن ثبت لزم ثبوت الحكم بدون علته، وكلاهما على خلاف الأصل] (٤).

стр. 295

والذي يمكن أن يجاب عن هذا السؤال أن يقال: الحكم منوط بالغالب، وما ذكرتموه من [الصورة] (١) نادر لا يلتفت إليه، وهذا البحث إذا انتهى إلى ها هنا يقوي قول من [يرى] (٢) أن الغسل لأجل قذارة الكلب. وعن مالك ثلاثة أقوال في الكلب: أحدها: نجاسته، كمذهب الجمهور. وثانيها: طهارته، وإليه ذهب أهل الظاهر، وقالوا: غسله تعبد، وتقدّم فساده. وثالثها: طهارة الماء دون (٣) غيره. وحكى [الخطابي] (٤) عنه قولًا رابعًا: أنه إذا لم يجد ماءً غيره توضأ به، [وبه] (٥) قال الثوري، لكن قال: ثم يتيمم بعده، جعله كالماء المشكوك فيه. وقال عبد الملك بن الماجشون المالكي: كلب البدوي كثير نجس وكلب الحضري نجس، والأظهر العموم؛ لأن الألف واللام

стр. 296

إذا لم يقم دليل على صرفها [إلى] (١) المعهود المعين فهما للعموم، ومن يرى الخصوص يصرفه عنه بقرينة أنهم نُهوا عن اتخاذ الكلاب إلَّا لوجوه مخصوصة، والأمر بالغسل مع المخالطة عقوبة تُناسبها الاختصاصُ بمن ارتكب النهي في اتخاذها، [وأما] (٢) من اتخذ ما أبيح له اتخاذه فإيجاب الغسل عليه مع المخالطة عسر وحرج، ولا يناسبه الاذن والإِباحة في الاتخاذ، وهذا يتوقف على أن تكون هذه القرينة موجودة عند الأمر بالغسل، ونقل الطحاوي (٣) عن الأوزاعي: أن سؤر الكلب في الإناء نجس، وفي الماء المستنقع ليس بنجس. السادس: قدمنا عن مالك ﵀ (٤) أن غسل الإناء تعبد وأن أصحابه رجحوه، وعندهم قول آخر: أنه معقول المعنى، واختلف فيه عندهم على أقوال: فقيل: لنجاسته [وهو قول عبد الملك وسحنون. وقيل: بل لاستقذاره لكرة ملابسة النجاسة] (٥) ولأن في اتخاذه مخالفة [دأب] (٦) [أهل] (٧) المروءات لما فيه من الترويع للمسلمين.

стр. 297

وقيل: تشديدًا للمنع. وقيل: نهوا فلم ينتهوا، حكاه ابن الحاجب. وقيل: خشية أن يكون الكلب كلِبًا فيؤذي بسُمه، واحتج على ذلك بذكر السَّبع والسبُعُ، وردت كثيرًا في الشرع في أسباب العلاج والمداواة [واعترض على هذا القول بأن الكلب الكلِب لا يرد المياه] (١) (٢). وأجيب عنه: بأنه إنما يمنع من ورود الماء بعد استحكام ابتداء فيه، وأما في أول الأمر فإنَّه يردها. قالوا: فإن قلنا: العلة النجاسة، فلا يجب الغسل إلَّا على من أراد استعمال ذلك الإِناء كالوضوء للنافلة.

стр. 298

وإن قلنا: علته غيرها أو هو تعبد فهل الغسل واجب أو مستحب؟ فيه قولان عندهم منشأهما الاختلاف الأصولي [في] (١) أن صيغة الأمر المطلقة تحمل على الوجوب أو على الندب؟ (٢) وهل يفتقر الغسل إلى نية؟ فمن قال بالتعبد اعتبرها ومن قال بالتعليل لم يعتبرها. السابع الحديث نص في اعتبار السبع في عدد الغسلات، وهو مذهب الشافعي وأحمد [ومالك] (٣) والجمهور [وهو] (٤) حجة على أبي حنيفة في قوله: يُغْسلُ ثلاثًا، كما نقله عنه النووي في شرح مسلم (٥) وهو خلاف ما نقل عنه في شرح المهذب (٦) أنه لا يعتبر عدد، بل يغسل حتى يغلب على الظن نقاؤه من النجاسة كسائر النجاسات، وهذا مناقض [لظاهر] (٧) هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة الدالة على وجوب اعتبار العدد، وكأنها لم تبلغه، فإن استدل بحديث الدارقطني (٨) وغيره عن أبي هريرة

стр. 299

مرفوعًا "في الكلب يلغ في الإِناء أنه يغسل ثلاثًا أو خمسًا أو [سبعًا] (١) [فهي] (٢) ضعيفة باتفاق الحفاظ، وقد بين البيهقي ضعفها واضحًا في سننه (٣) وخلافياته، وعلى تقدير الصحة "فأو" تحتمل الشك والتخيير ولعلها من الراوي، فيجب التوقف عن العمل به، وإن احتج بالقياس على سائر النجاسات فلا تصح؛ لأنه قياس مع وجود النص وهو قياس شبه، وفي قبوله خلاف، وإن قبلناه فخبر الواحد مقدم على القياس المظنون، وإن كان جليًا كما صححه الأصوليون (٤) وادَّعى الأمام أبو المعالي الإِجماع فيه، فإن احتج بأن راويه [أبو] (٥) هريرة كان يغسل ثلاثًا والعبرة بما رأى الراوي لا بما روى.

стр. 300

فالجواب: أن الصحيح عند الأصوليين أن العبرة بما رواه، بل قال النووي في شرح المهذب (١): هذا ليس بثابت عنه بل نقل ابن المنذر عنه وجوب الغسل سبعًا (٢). ومن الغرائب ما نقله الرافعي في [الشرح] (٣) الصغير عن الروياني أنه اختار الاكتفاء فيه بمرة. الثامن: هل يلحق الخنزير بالكلب أم لا؟ قولان منشأهما: هل الغسل تعبد فلا يقال على الكلب غيره، أو معلل بالإبعاد [أو] (٤) التنجيس فالخنزير بذلك أولى؟ والأظهر عندنا الإِلحاق وهو رواية (٥) مطرف عن مالك، والمشهور من مذهب مالك عدم الإلحاق، وهو القوي من جهة الدليل وهو قول أكثر العلماء، كما عزاه النووي في شرح مسلم (٦) إليهم، والخلاف جارٍ في [المتولدة] (٧) منهما [أو من أحدهما] (٨). التاسع: هل يختص وجوب غسل الإناء بالكلب المنهي عن

стр. 301

اتخاذه، أم هو عام في جميع الكلاب؟ فيه قولان لمالك منشأهما التعبد أو التعليل، فعلى التعبد هو عام وهو [على] (١) المشهور عندهم، وهو مذهب جمهور العلماء، وعلى التعليل بالإبعاد يخرج منه المأذون في اتخاذه، وهو قول أحمد بن المعذل (٢) منهم، وفيه نظر؛ لأنه يؤدي إلى تخصيص العموم بالمعنى المستنبط من محل النص، والأكثرون على المنع منه. العاشر: في الحديث دليل على عموم الإِناء والأمر بغسله للنجاسة وذلك لتنجيس مافيه، فيقتضي المنع من استعماله، والمشهور من مذهب مالك أنه يغسل إناء الماء دون إناء الطعام؛ لأن الطعام مصون عنها بخلافه، فيفيد اللفظ بذلك الأمر ولأنه ورد الأمر بإراقته كما سيأتي، والطعام لا تجوز إراقته؛ لحرمته ولنهيه ﵇ عن إضاعة المال، قال في المدونة (٣): ورآه عظيمًا أن تعمد إلى رزق من رزق الله فيراق لكلب ولغ فيه، ورَوى عنه ابنُ وهب أنه يُؤكل الطعام ويغسل الإِناء، ورجح القاضي عبد الوهاب واللخمي (٤)

стр. 302

أن يغسل إناء الطعام والماء منه، لعموم الحديث، ويجوز أن يُبنى ذلك على الخلاف الأصولي وهو: تخصيص العموم بالعادة؛ لأن الغالب عندهم وجود الماء لا الطعام، لكن من عادتهم أنهم لا يضعون في أوانيهم التي تصل إليها الكلاب إلَّا الماء. قال القرافي: والظاهر انعقاد الإجماع في [أنه لا يخصص] (١) بالعادة الفعلية. فرع: هل يغسل الإناء بالماء الذي ولغ فيه؟ قولان في مذهب مالك حكاهما ابن بشير، منشأهما التعليل بالنجاسة [فلا] (٢) يغسل به، أو التعبد فيغسل به. الحادي عشر: في صحيح مسلم (٣): الأمر بإراقة ما ولغ فيه، ولفظه: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع [مرار] (٤) ". قال ابن منده: هذه الزيادة وهي (فليرقه) تفرد بها علي بن مسهر (٥)، ولا تعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه إلَّا من هذه الرواية.

стр. 303

قلت: لا يضر تفرده بها فإن علي بن مسهر إمام حافظ متفق على عدالته والاحتجاج به، ولهذا قال الدارقطني (١) بعد أن رواها: إسناده حسن [ورواتها ثقات] (٢)، ورواها إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في صحيحه (٣) ولفظه: "فليُهْرِقْهُ" وظاهر هذه الرواية: وجوب إراقة الماء والطعام، وهو مبني على التعليل بالنجاسة، وهو مذهبنا وقول في مذهب مالك. وفي قول آخر: لا يراقان، وبنوه على التعبد فالإراقة مندوبة، وكأنه لما اعتقد طهارة الكلب بالدليل الذي دل عليه جعله صارفًا له من الوجوب إلى الندب، والأمر قد يصرف عن ظاهره بدليل. وقول ثالث: أنه يراق الماء لتيسره دون الطعام لحرمته وماليته، وصوبوه. وقول رابع: إن شرب من لبن وكان بدويًا أُكل، وإن كان حضريًا طُرح، بخلاف الماء فإنه يطرح مطلقًا، فإن عجن به طعام تنجَّس؛ لأنه أذن للبدوي في اتخاذه دون الحضري، وهو قول عبد الملك، واستشكلوه بأن الكلب عنده نجس فكيف يبيح للبدوي

стр. 304

أكل لبن فيه نجاسة؟ إلَّا أن يكون راعَى الخلاف في [البدوي في الطعام؛ لماليته والضرورة إليه. وعندهم قول خامس: عزوه إلى مطرف أن] (١) البدوي والحضري سواء، إن كان الطعام كثيرًا أكل، وإن كان قليلًا طرح؛ إذ لا ضرورة في القليل بخلاف الكثير. الثانى عشر: إذا تعدد الولوغ من كلب واحد أو من كلاب: هل يغسل للجميع سبعًا، أو يتكرر الغسل يتكرر الولوغ فيه؟ [فيه] (٢) وجهان عندنا وقولان في مذهب مالك، منشأهما أن الألف واللام في الكلب جنسية أو عهدية أي الإشارة إلى كلب واحد، والمشهور عندهم الأول وهو الأصح عندنا، ويعتضد بأن الأسباب إذا اتحد موجبها تداخلت وكانت كالسبب الواحد، وعندنا وجه ثالث: أنه إن تكرر من كلب كفى سبع، أو من كلاب فلكل كلب سبع. الثالث عشر: لو لم يرد استعمال الإناء سُنَّت إراقته على [الأصح] (٣) عند الشافعية، وقيل: يجب؛ لظاهر الرواية التي أسلفناها، لأن الأمر المطلق يقتضي الوجوب على المختار وهو قول أكثر الفقهاء، والأول قَاسَهُ على سائر النجاسات فإنه لا يجب إراقَتُها بلا خلاف. وقد يجاب من ذلك: بأن المراد في الإراقة الزَّجرُ والتغليظ والمبالغة في التنفير عن الكلاب.

стр. 305

وقال المازِريُّ (١) المالكي: الجمهورُ على أن غسله عند إرادة الاستعمال، وذهب بعض المتأخرين إلى غسله وإن لم يُرِد استعماله، أي بناءًا على أن الأمر المطلق يقضي [الفورية] (٢). الرابع عشر: لم يرو مالك ﵀ رواية زيادة "التراب" [فلذلك] (٣) لم يقل بها، وقد رواها مسلم كما ذكره المصنف، وهي [من] (٤) طريق ابن سيرين عن أبي هريرة، وهي زيادة من ثقة فقبلت، لا جرم قال بها الشافعي وأصحاب الحديث. قال القرافي: والعجب من المالكية في ذلك مع ورود الأحاديث الصحيحة به. قلت: لكن هذه الرواية هي من طريق ابن سيرين (٥) كما

стр. 306

أسلفناه واختلف عنه، فرواية (١) هشام (٢) وحبيب بن الشهيد (٣): "أولاهنَّ بالتراب"، ورواية حمَّاد بن زيد عن أيوب عنه بدون ذكر التراب (٤)، ورواية قتادة عنه: "السابعة بالتراب" (٥)، ورواية خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة: "أولاهن بالتراب" (٦)، قال البيهقي (٧): وهو حديث غريب (٨)، إن كان حفظه معاذ عن أبيه عن قتادة عن خلاس فهو حسن؛ لأن التراب باقي هذا الحديث لم يروه ثقة غير ابن سيرين عن أبي هريرة، وإنما رووه عن هشام عن قتادة عن ابن سيرين. ورواه ابن أبي عروبة عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة: "أولاهن"، وفي رواية أبان وغيره عن قتادة عنه: "السابعة"، وفي رواية يزيد (٩) بن إبراهيم عن ابن سيرين: "إحداهن".

стр. 307

قلت: قوله "لم يروه عن أبي هريرة ثقة غير ابن سيرين" فيه نظر، فقد رواه الحسن (١) عنه مرفوعًا: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب" رواه الدارقطني وفي سماعه من أبي هريرة خلاف، قال أبو حاتم: لا، وقال جماعات: نعم. فرع: هل الأمر بالتراب تعبد محض لا يعقل معناه، [أو] (٢) معلل بالاستطهار بغير الماء ليكون فيه زيادة كلفة وتغليظ، أو معلل بالجمع بين نوعي [الطهور] (٣)؟ فيه معان استنبطها أصحابنا وليس فيها سوى مجرد مناسبة ليس بأمر قوي، فإذا دخلها الاحتمال رجع إلى النص. وأيضًا فالمعنى المستنبط إذا عاد على النص بإبطال [أو تخصيص] (٤) مردودٌ عند جمبع الأصوليين (٥)، [فإن] (٦) عاد بالتخصيص ففيه نظر، [كذا قاله الشيخ تقى الدين، وقال غيره: إنه

стр. 308

مردود أيضًا عند جميعهم] (١). وتظهر فائدة هذه المعاني في مسائلَ محلُّ الخوض فيها كتب الفقه، وقد ذكرتها في شرح المنهاج وغيره، منها: أن الصابون والأشنان وكذا النخالة -كما قال الروياني- هل تقوم مقام التراب؟ فيه أربعة أقوال: أصحها: لا، وثانيها: نعم، وثالثها: تقوم عند عدم التراب دون وجوده. ورابعها: تقوم فيما يفسده التراب كالثياب دون الأواني [وغيرها] (٢). الخامس عشر: [اختلفت] (٣) الروايات في غسله [بالتراب] (٤)، ففي مسلم: "أولاهن" كما تقدم، وفي أبي داود (٥) بإسناد كل رجاله ثقات: "السابعة بالتراب"، وفي رواية للشافعي (٦): "أولاهن أو أخراهن"، وفي الدارقطني (٧) وغيره: "إحداهن". قال الشيخ تقي الدين (٨): والمقصود عند الشافعي وأصحابه حصول التتريب في مرة من المرات، وقد يرجح كونه في الأولى فإنه إذا تربّ أولًا فعلى تقدير أن يلحق بعض المواضع الطاهرة رشاش بعض الغسلات

стр. 309

لا يحتاج إلى تتريبه، وإذ أخرت غسلة التتريب احتيج إليه، فالأُولى أرفق بالمكلف [فكانت] (١) أَوْلى، وكذا قال النووي: إن [في] (٢) هذه الروايات دلالة على أن التقييد بالأُولى [وبغيرها] (٣) ليس على الاشتراط، بل المراد: [إحداهن]. وقال القرافي: [سمعت] (٤) قاضي القضاة [صدر] (٥) الدين الحنفي يقول: إن الشافعية تركوا أصلهم لغير موجب؛ لأن رواية "إحداهن" مطلقة، ولم يحملوها على المقيد وهي "أولاهن وأخراهن". فقلت له: هذا لا يلزم؛ لقاعدة أصولية وهي أن المطلق إذا دار بين مقيدين متضادين وتعذَّر الجمع فإن اقتضى القياس تقييده بأحدهما [قيده، وإلَّا سقط اعتبارهما معًا وبقي المطلق على إطلاقه، فكذا هنا دار الأمر المطلق بين مقيدين ولم يقتضِ القياس تقييده بأحدهما] (٦) فبقيت الرواية المطلقة على إطلاقها، فبقي على إطلاقه وهو أن ينزّل اللفظ على واحدة منهن بتراب مع الماء. قلت: لكن نص الشافعى في البويطي على أنه يتعين الأولى

стр. 310

أو الأخرى، فقال: وإذا ولغ الكلب في الإِناء غسل سبعًا أولاهن أو أخراهن بالتراب، ولا يطهره غير ذلك، وكذلك روي عن النبي ﷺ وفي الأم نحوه، وجزم به المرعشي في [ترتيب] الأقسام (١) ونحوه في الرونق. وهذا نص غريب لم ينفله أحد من الأصحاب فيما علمت (٢)، وعن نصه في حرملة أن الأُولى أَوْلى، ونقل ابن الرفعة (٣) عن بعضهم أن الأَوْلى أن تكون في الثانية. السادس عشر: الأصح عندنا في قدر التراب ما يعم [على] (٤) المحل، وقيل: ما ينطلق عليه الاسم. السابع عشر: [رواية] (٥) مسلم التي فيها: "وعفروه الثامنة بالتراب" تقتضي زيادة مرة ثامنة، وبه قال الحسن البصري قال أبو عمر (٦): [و] (٧) لا أعلم أحدًا أفتى بذلك غيره، وتبعه الشيخ تقي الدين، فقال: قيل: لم يقل به غيره، ولعل المراد بذلك:

стр. 311

[من] (١) المتقدمين [أي لأنه رواية عن مالك وأحمد بن حنبل] (٢) والحديث قوي فيه، ومن لم يقل به احتاج إلى تأويله بوجه فيه استكراه. قال الفاكهي: لم أدر الاستكراه الذي أراده، ولعله أراد قول من ترك استعمال التراب في غسلة من الغسلات بمنزلة غسلة أخرى. قلت: هو كذلك [و] (٣) قد صرحوا به وجمعوا بذلك بين الأخبار. وقال العجلي (٤) من متأخري أصحابنا في "شرح الوسيط": الأولى أن يغسل ثمان غسلات إحداهنَّ بالتراب لهذا الحديث، وأما البيهقي فإنه أجاب عن هذه الرواية بأن قال: أبو هريرة [أحفظ] (٥) من روى الحديث في دهره [فروايته] (٦) أَوْلى. قلت: وقد يقال: بل رواية ابن مغفل أولى؛ لأنه زاد الغسلة

стр. 312

الثامنة والزيادة مقبولة خصوصًا من مثله. وقد قال ابن منده لما أخرجها: إسنادها مجمع على صحته. فائدة: هذه الرواية من أفراد مسلم كما [أسلفه] (١) المصنف، ووقع في كتاب التحقيق في أحاديث التعليق لابن الجوزي الحافظ أنها من أفراد البخاري [وهو] (٢) سبق قلم، فتنبه [له] (٣). فرع: لو غسل ثامنة بالماء وحده فأصح الأوجه عندنا: أنه لا يقوم مقام التراب بالحديث المذكور وغيره. وثانيها: يقوم، لأنه أبلغ منه، وشذ المتولي من أصحابنا فصححه. وثالثها: يقوم عند عدم التراب لا عند وجوده. الثامن عشر: التعفير: التمريغ ومعناه: مرغوه بالتراب. وقال صاحب المطالع: عفروه اغسلوه بالتراب، أي مع الماء يقال فيه: [عفره] (٤) مخفف الفاء [يعفره] (٥) عفرًا [وأعفره] (٦) تعفيرًا أي مرغه تمريغًا.

стр. 313

فائدة: التراب معروف وهو اسم جنس لا يثنى ولا يجمع، وقال المبرد: هو جمع واحدته ترابة، وله من الأسماء نحو خمسين اسمًا ذكرتها مفصلة في "الإشارات إلى ما وقع [في] (١) المنهاج من الأسماء والمعاني واللغات" فمن أراد راجعه منه، واقتصر النحاس منها على خمسة عشر، وتبعه النووي وغيره، فسارع إلى استفادة ذلك. التاسع عشر: فيه دلالة على أن ذر التراب على المحل لا يكفي، بل لا بد من خلطه بالماء ثم إيصاله إلى المحل من إناء أو ثوب، ووجه الدلالة أنه جعل مرة التتريب داخلة في مسمى الغسلات، وذر التراب لا يسمى غسلًا، وفيه احتمال كما قال الشيخ تقي الدين (٢) من حيث إن ذر التراب على المحل وإتباعه الماء يصح أن يقال: غسل بالتراب، ولا بد من مثل هذا [في] (٣) أمره ﵇ في غسل الميت بماء وسدر عند من يرى أن المتغير بالطاهر غير طهور، وإن جرى [على] (٤) ظاهر الحديث في الاكتفاء [بغسلة] (٥) واحدة، إذ بها يحصل مسمى الغسل [وهذا جيد] (٦)، إلَّا أن قوله: "وعفروه" قد يشعر بالاكتفاء بالتتريب بطريق ذر التراب

стр. 314

على المحل، فإن كان خلطه بالماء لا ينافي كونه تعفيرًا لغة فلا ينافي ما قالوه (١)؛ لأن لفظ التعفير حينئذ يطلق على ذر التراب على المحل وعلى إيصاله بالماء إليه، والحديث الذي دلَّ على اعتبار مسمى الغسل دل على خلطه بالماء وإيصاله إلى المحل به، فذلك أمر زائد على مطلق التعفير على تقدير شموله للصورتين: ذر التراب وإيصاله. العشرون: فيه دلالة على أن الماء القليل إذا حلت فيه نجاسة يفسد. الحادي والعشرون: فيه دلالة أيضًا على تحريم بيع الكلب إذا كان نجس الذات، كما قررناه فيما سلف كغيره من النجاسات. الثاني والعشرون: لا فرق عند الشافعية بين ولوغ الكلب وغيره من أجزائه كدمه وبوله وروثه وعرقه وشعره ولعابه وعضو من أعضائه، إذا كان رطبًا [و] (٢) أصحاب شيئًا طاهرًا في حال رطوبته ويبوسة أجزائه في وجوب الغسل سبعًا مع التعفير بالتراب، وحكوا وجهًا أنه يكفي غسله في غير الولوغ مرة كسائر النجاسات، ووصفه النووي في الروضة بالشذوذ، ومراده: من حيث المذهب؛ لأنه قال في شرح المهذب: إنه القوي والمتجه من حيث الدليل اقتصارًا على محل النص لخروجه عن القياس.

стр. 315

الثالث والعشرون: الأرض الترابية إذا تنجست بلعاب الكلب ونحوه هل يحتاج في طهارتها إلى تتريب؟ فيه وجهان لأصحابنا: [أحدهما] (١) [لا] (٢)؛ لأن استعمال التراب في التراب لا معنى له، [وظاهر] (٣) الحديث قد يُخرج هذه [الصور] (٤)؛ لذكر الإِناء فيه. الرابع والعشرون: سؤر الهر سائر الحيوان [الطاهر] (٥) طاهر عندنا ولا كراهة، ورواية الغسل من ولوغها مرة موقوفة كما قاله أبو داود، أو مدرجة من بعض الرواة كما قاله البيهقي، وأما الترمذي فصححها (٦). فروع متعلقة بالولوغ: لو وقع في الإِناء المولوغ فيه نجاسة

стр. 316

أخرى كفى غسله سبعًا. ولو [ولغ] (١) في ماء كثير بحيث لم ينقص بولوغه عن قلتين لم ينجسه. ولو ولغ في [ماء] (٢) مائع أو ماء قليل أو كثير متغير بالنجاسة فأصاب غيره؛ غسل سبعًا، أو في جامد؛ ألقى ما أصابه والباقي طاهر. ولو كانت نجاسة الكلب عينية كدمه وروثه فلم يزل إلَّا بست غسلات مثلًا فهل يحسب ذلك غسلةً أم ستًا أم لا يحسب شيئًا؟ فيه أوجه: أصحها في الروضة وغيرها أولها، وأصحها في الشرح الصغير ثانيها. وفروع الباب كثيرةٌ محلٌ الخوض فيها كتب الفروع، وقد بسطناها فيها ولله الحمد.

стр. 317

الحديث العاشر (١) ١٠/ ١٠/ ١ - عن حمران مولى عثمان بن عفان: أنه رأى عثمان دعا بوَضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كلتا رجليه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ نحو وُضوئي هذا وقال: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" (٢). الكلام عليه من سبعة وثلاثين وجهًا: وهو أصل عظيم في صفة الوضوء:

стр. 318

الأول: في التعريف براويه: أما عثمان فهو ابن عفان بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يجتمع [مع النبي ﷺ ] (١) في عبد مناف. في كنيته ثلاثة أقوال، أشهرها: أبو عمرو، وثانيها: أبو عبد الله، وثالثها: أبو ليلى. وقال ابن الأثير في جامعه: كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو، فلما ولدت له رقيةُ عبدَ الله؛ كني به، قال: وكان إسلامه في أول الإسلام على يد الصديق. ولد في السنة السادسة من عام الفيل وهاجر الهجرتين وتزوج بنتي رسول الله ﷺ رقية وأم كلثوم، زوجه الله أم كلثوم بمثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها، لهذا سهمي ذو النورين، ولم يعرف أحد من لدن آدم ﷺ ، تزوج [ابنتي] (٢) نبي غيره (٣). وهو أول من خرج إلى الحبشة وهاجر إليها وسائر من هاجر إليها تبع له. وكان ﷺ يستحي منه أكثر من غيره (٤)، وهو أكثر أمته حياء، وأخبر أن الملائكة تستحي منه (٥)، وجمع القرآن بعد الاختلاف فيه وجمع الناس عليه، وشهد له [النبي ﷺ ] (٦) بالجنة، واشترى موضع

стр. 319

خمس سوار فزاده في المسجد، وجهز جيش العسرة (١) بتسعمائة وخمسين بعيرًا وبخمسين فرسًا وذلك في غزوة تبوك، وقيل: بألف بعير وسبعين فرسًا، فدعا له ﷺ بالمغفرة ما أسر وما أعلن وما أبدى وما أخفى وما هو كائن إلى يوم القيامة، وقال: "ما يبالي عثمان ما عمل بعدها"، واشترى بئر رومة بعشرين ألفًا وسبلها للمسلمين (٢)، وكان ﵇ قال قبل ذلك: "من يشتريها ويجعلها للمسلمين وله بها مشربة في الجنة"، وتخلف عن بدر لتمريض رقية فضربَ له منها بسهمه وأجره، وبايعَ عنه في بيعة الرضوان؛ لأنه بعثه إلى مكة في أمر الصلح. وكان يحيي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن، وكان يصوم الدهر، وكان من الذين: ﴿اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ (٣) الآية، كما قاله علي ﵁، وافتتح نوابه إقليم خراسان والمغرب، قال ابن سيرين: وكثر المال في زمنه حتى بيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف درهم ونخلة بألف درهم، [قلت] (٤): وشبهه ﷺ بإبراهيم خليل الرحمن، وهو أحد العشرة [المشهود] (٥) لهم بالجنة كما تقدم، وأحد الذين كانوا معه بأحد فارتج فقال: "أثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان"، وثالث الخلفاء الراشدين، وأكبرهم سنًا،

стр. 320

وأكثرهم إقامة في الخلافة، بويع له بها أول [سنة] (١) أربع وعشرين بعد دفن عمر بثلانة أيام، وقتل شهيدًا مستسلمًا للقتل صبرًا وهو صائم في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين عن ست وثمانين سنة، فكانت مدة خلافته ثنتي عشرة سنة إلَّا أيامًا عشرة أو نحوها، وصلى عليه جبير بن مطعم، ودفن بالبقيع ليلًا، ومناقبه ومآثره أكثر من أن تحصى، وقد بسطت ترجمته فيما أفردته من الكلام على رجال هذا الكتاب فراجعها منه، وقد أفردته بالتصنيف أيضًا. واسم أمه: أروى بنت كريز، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، قال البيهقي: والذي حُفظ عنه نحو من أربعين حديثًا. وقال أبو نعيم: أسند ستًا وستين [سوى] (٢) الطرق، وقال عبد الغني: روى مائة وستة وأربعين حديثًا، اتفق على ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بخمسة. وكان في يده خاتم رسول الله ﷺ نحوًا من سنتين ثم سقط في بئر أريس بقباء، فاتخذ خاتمًا من فضة ونقش عليه "آمنت بالذي خلق فسوى"، قال سهم بن [حبيش] (٣): لما حملنا نعشه غشينا سواد من خلفنا، فهبناهم، فنادى مناديهم: أن لا روع عليكم اثبتوا فإنا جئنا نشهده، وكان [ابن] (٤) حبيش يقول: هم ملائكة الله تعالى.
следующие страницы →