← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فرع: المراد بالإيتار: عندنا أن يكون عدد المسحات ثلاثًا أو خمسًا أو فوق ذلك من الإِيتار (١)، [ومذهبنا] (٢) أنه فيما زاد على الثلاث سُنة، فإن حصل الإنقاء بثلاث فلا زيادة وإن لم يحصل وجبت، ثم إن حصل بوتر فلا زيادة، وإن حصل بشفع كأربع أو ست استحب الإِيتار. وقال بعض أصحابنا: يجب الإِيتار مطلقًا لظاهر هذا الحديث، وحجة الجمهور الحديث السالف: "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" (٣). حملًا له على ما زاد على الثلاث جمعًا بينه وبين حديث نهيه ﵇ عن أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار. التاسع: فيه دلالة على أن شرعية غسل اليدين وكراهة غمسهما في الإناء في الوضوء ليس مختصًا بنوم الليل، بل لا فرق فيه بين نوم الليل والنهار ولإطلاقه ﵇ النوم من غير تقييد. وقال أحمد: يختص بنوم الليل دون نوم النهار؛ لقوله: "أين باتت يده"، والمبيت لا يكون إلَّا بالليل، وقد صح أيضًا مقيدًا بالليل، فقال ﵇: "إذا قام أحدكم من الليل". رواه أبو داود وصححه الترمذي (٤)، وعنه رواية أخرى [ووافقه] (٥) عليها أبو داود أن

стр. 247

كراهة الغمس إن كانت من نوم اليل فهي للتحريم، وإن كانت من نوم النهار فهي للتنزيه، لكنه محمول على الغالب لا للتقييد، كيف وقد علل بأمر يقتضي الشك وهو "فإنه لا يدري أين باتت يده"، فدلَّ على أن اليل والنوم ليس مقصودًا بالتقييد. وقال الرافعي في شرحه للمسند (١): يمكن أن يقال: الكراهة في الغمس إذا نام ليلًا أشد من نوم النهار؛ لأنَّ احتمال التلويث أقرب لطوله. العاشر: فيه دلالة على كراهة غمس اليد في الإناء قبل [غسلها] (٢) ثلاثًا إذا قام من النوم، وأما غير المستيقظ فيستحب له غسلها قبل إدخالها في الإناء؛ لأن صيغة النهي تقتضي الكراهة على أقل الدرجات، ولا يلزم من الكراهة في الشيء الاستحباب في غيره؛ لعدم التلازم بينهما، بدليل عكسه في صلاة الضحى وكثير من النوافل، فان [غسلها] (٣) مستحب وتركها غير مكروه كما صرح به الشيخ تقي الدين (٤). فلذلك غسلهما للمستيقظ قبل إدخالهما الإناء من المستحبات وتركه له من المكروهات، وبذلك فرق أصحابنا بين المستيقظ وغيره، وظاهر كلام المالكية بل صريحه أنه لا فرق بينهما وإن كانوا يفرقون بين المكروه وترك الأولى.

стр. 248

الحادي عشر: قال جماعة من العلماء: [يجب] (١) غسل اليدين قبل إدخالهما الإِناء في إبتداء الوضوء عند الاستيقاظ من النوم؛ أخذًا من الأمر لظهوره في الوجوب. وقال مالك والشافعي والجمهور: لا يجب والأمر أمر ندب؛ لقوله ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمر (٢) الله". حسنه الترمذي وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وليس فيه غسل اليدين في ابتداء الوضوء، ولأن الأمر يُصرف عن الوجوب عند الإطلاق؛ لقرينة ودليل، وهي هنا تعليله ﵇ بما يقضي الشك في نجاسة اليد. وقواعد الشرع (٣): تقضي أن الشك لا يقضي وجوبًا في الحكم إذا كان الأصل فلتستصحب على خلافه موجدًا، والأصل الطهارة في اليد والماء، فلتستصحب، ودليلهم على ندبيته في ابتداء الوضوء مطلقًا وروده في صفة وضوئه عليه أفضل الصلاة والسلام،

стр. 249

من غير تعرض لسبق نوم، والمعنى المعلل به في الحديث هو جولان اليد حال اليقظة فيعم الحكم لعموم علته (١). فرع: لو خالف وغمس يده لم يأثم الغامس ولم يفسد الماء (٢)، وحكي عن الحسن (٣) البصري أنه ينجس الماء في القيام من

стр. 250

نوم الليل، وهو رواية ضعيفة عن أحمد، ونقل عن إسحاق بن راهويه (١) ومحمد بن جرير الطبري (٢)، وهو ضعيف جدًا. الأصل طهارة الماء وعدم التنجس بالشك، ولا يمكن أن يقال: الظاهر في اليد النجاسة، وقال ابن حبيب المالكي (٣): يفسد الماء، وأطلق، قال سند (٤): ويستحب إراقة ذلك الماء؛ لأن قوله ﵇: "لا يدري أين باتت يده" يقتضي كراهة ذلك الماء إن لم يغسلهما، وقد طرح سؤر الدجاج -وإن لم يتيقن نجاسته- وقال بإراقته الحسن البصري وأحمد (٥).

стр. 251

قلت: إنما قالاه في نوم الليل كما علمته، وروى ابن عدي الأمر [بإراقته] (١). وقال: إنها زيادة منكرة. وفي "شرح الموطأ لابن حبيب": إذا نام جنبًا فإنه لا يدري: أوضع يده على الجنابة أم لا، فأما من بات على غير جنابة فيستحب له الغسل، فإن أدخلها قبله فليس يفسد وضوءه. فرع: ما أسلفنا من الكراهة هو فيما إذا شك في نجاسة يده، فإن تيقن طهارتها فقيل: يكره أيضًا؛ لأن أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فيجري عليه حكمه؛ لئلا يتساهل فيه من لا يعرف، وصححه الماوردي (٢) ونسبه إلى الجمهور الإِمام (٣)، والأصح أنه لا يكره ونقله النووي في شرحه عن المعظم (٤)، بل هو بالخيار بين الغمس أو لا والغسل؛ لأنه ﵇ ذكر النوم ونبه على العلة وهو الشك فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة، ولو كان النهي

стр. 252

عامًا لقال: إذا أراد أحدكم استعمال الماء فلا يغمس يده حتى يغسلها، وكان أعم وأحسن. قال النووي في تصحيحه: ولا استحباب أيضًا في تقديم غسلها قبل الغمس على الصحيح. قال ابن الصلاح: وما أوهمه كلام الوسيط وصرح به مجلي (١) من حكاية الوجهين في أصل غسل اليد فهو غلط، واستحباب غسل اليد ثلاثًا والحالة هذه ثابت قطعًا. فرع: عند المالكية [حكاية] (٢) خلاف في أن هذا الغسل: هل هو تعبد [أو] (٣) معلل؟ فمن نظر إلى العدد قال بالتعبد؛ لأن هذا الغسل إما للنجاسة وإما للشك في وجودها، وكلاهما لا يقتضي حصرًا مخصوصًا، ومن نظر إلى قوله ﵇: "فإنه لا يدري أين باتت يده". قال بالتعليل، قالوا: وتظهر فائدة هذا الخلاف في موضعين: الأول: من انتقض وضوءه وهو قريب عهد بغسل يديه، فعلى التعبد يعيده، وعلى الآخر لا (٤).

стр. 253

الثاني: من قال بالتعبد قال بغسلهما متفرقتين؛ لأن صفة التعبد في غسل الأعضاء أن لا يشرع في عضو حتى يكمل غسل ما قبله، قال [المازري] (١) وهو ظاهر حديث عبد الله بن زيد؛ لأنه ذكر في صفته لوضوئه ﵇ أنه غسل [يده] (٢) مرتين مرتين، وإفراد كل واحدة بالذكر يدل على إفرادها بالغسل، ومن قال بالتعليل قال: يغسلان مجتمعين؛ لأنه أبلغ في النظافة. وعلى القولين جميعًا: فالغسل ليس بواجب، وهل هو سنة أو فضيلة؟ قولان عندهم. وهل يفتقر غسلهما إلى نية؟ قال الباجي (٣) ما معناه: أن من جعلهما من سنن الوضوء -كابن القاسم- اشترط النية في غسلهما، ومن رأى النظافة فيهما -كأشهب ويحيى بن يحيى- لم يشترطها. الوجه الثاني عشر: قال الشافعى في البويطي: وتبعه الأصحاب، لا تزول الكراهة إلَّا بغسل اليدين ثلاثًا قبل الغمس؛ لرواية المصنف، لكن ينبغي أن يعلم أنها من أفراد مسلم لا كما أوهمه إيراد المصنف أنها من المتفق عليه. وقال ابن خزيمة في صحيحه بعد أن ساقه بدون (ثلاثًا): [لا أدري هذه اللفظة في الخبر أم لا؟ ثم ساقه بعد ذلك بأوراق

стр. 254

بالسند المذكور وفيه لفظ (ثلاثًا)] (١)، وفي رواية للترمذي والنسائي "مرتين أو ثلاثًا" قال الترمذي: حسن صحيح (٢) وقال الدارقطني في علله: رفعه صحيح. الثالث عشر: قوله ﵇: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" هو بيان (٣) [لسبب] (٤) الأمر بالغسل عند استيقاظه من النوم، وحكمه ومعناه: أنه لا يأمن نجاسة يده بطوافها حال نومه على بدنه فتصادف بثرة أو قتل قملة أو قذرًا أو نحو ذلك. قال الشافعي وغيره: وأهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار غالبًا، وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم عرق، فلا يأمن أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس، فإذا وضعها في الماء القليل نجسته، والماء غالبًا إنما يكون في الأواني والغالب فيها القلة (٥). الرابع عشر: فيه استعمال الكنايات فيما يستحى من التصريح به، فإنه ﵇ قال: "لا يدري أين باتت يده". ولم يقل: فلعل يده وقعت على دبره أو على ذكره أو على نجاسة أو نحو ذلك، وإن كان هذا في معنى قوله عليه [أفضل الصلاة] (٦) والسلام، ولهذا نظائر

стр. 255

كثيرة في القرآن (١) والأحاديث الصحيحة، وهذا إذا علم أن السامع يفهم بالكناية المقصود، فإن لم يكن كذلك فلا بد من التصريح لينفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء في ذلك مصرحًا به. فائدة حديثية: روى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما (٢) في هذا الحديث زيادة "منه" ولفظهما: "فإنه لا يدري أين باتت يده منه" (٣). وأخرجها البيهقي من جهة ابن خزيمة وقال: قوله: "منه" تفرد بها محمد [بن] (٤) الوليد البسري وهو ثقة. وقال الدارقطني في علله: تفرد بها شعبة.

стр. 256

وقال ابن منده: فهذه الزيادة رواتها ثقات، ولا أراها محفوظة. الخامس عشر: الفائدة في قوله: "من نومه" فإن من المعلوم أن الاستيقاظ لا يكون إلَّا من النوم، أنه لا ينحصر الاستيقاظ [من] (١) النوم لمشاركة الغفلة والغشية في ذلك، ألا ترى أنه يقال: استيقظ فلان من غشيته ومن غفلته، وفائدة إضافة النوم إلى ضمير "أحدكم" ولم يقل من النوم أو [من] (٢) نوم، وإن كان من المعلوم أن أحدًا لا يستيقظ من نوم غيره، أن فيه التنبيه والإِشارة على أن نومه ﵇ مغاير لنومنا "إذ كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه" نبه على ذلك الفاكهي ﵀، ثم قال: فإن قلت قوله: "أحدكم" يعطي هذا المعنى المذكور؟ قلت: أجل [ولكن] (٣) جاء على طريق المبالغة والتأكيد وربما سمى أهل علم البيان هذا نظرية، وهو أن يكون المعنى [مستقبلًا] (٤) بالأول [ويؤتى] (٥) بالثاني لما ذكر. السادس عشر: في (٦) الحديث دليل على الفرق بين [ورد] (٧)

стр. 257

الماء على النجاسة وورودها عليه، فإذا ورد عليها الماء أزالها وإذا وردت عليه [نجسته] (١) إذا كان قليلًا؛ لنهيه ﵇ عن إيرادها عليه وأمره بايراده عليها، وذلك يقتضي أن ملاقاة النجاسة إذا كان الماء واردًا عليها غير مفسدٍ له وإلَّا لما حصل المقصود من التطهير. السابع عشر: فيه دليل على أن الماء القليل ينجس بملاقاة النجاسة ووقوعها فيه، فإنه ﵇ إذا منع من إدخال اليد فيه لاحتمال النجاسة فمع تيقنها أولى، لكن قد يعترض على هذا بأن [مقتضى] (٢) الحديث: أن ورود النجاسة على الماء تؤثر فيه، ومطلق التأثير بالمنع لا يلزم منه التأثير بالتنجيس، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص المعين، [فإذا] (٣) سلَّم الخصم أن الماء القليل [ينجس] (٤) بوقوع النجاسة فيه يكون مكروهًا، [فقد] (٥) ثبت مطلق التأثير ولا يلزم ثبوت خصوص التأثير بالتنجيس، نبه [عليه] (٦) الشيخ تقي الدين ثم قال: وقد يورد عليه أن الكراهة ثابتة عند [التوهم] (٧) فلا يلزم أن يكون أثر اليقين هو للكراهة، قال: ويجاب عنه بأنه يثبت عند اليقين زيادة في رتبة الكراهة.

стр. 258

الثامن عشر: فيه دليل على كراهة غمس اليدين في الإِناء قبل غسلهما ثلاثًا سواءً كان في الإِناء ماء قليل أو طعام أو غيره من الأشياء الرطبة، لكن جاء في رواية ابن حبان: "قبل أن [يدخلهما] (١) في وضوئه" (٢)، وهو يشعر بأن السياق له، نعم الحكم لا يختلف. التاسع عشر: فيه دليل على استحباب التثليث في غسل النجاسة؛ لأنه أمر به في المتوهمة ففي المتحققة أولى. العشرون: [فيه دليل أيضًا على رد ما يقوله أحمد أن الغسل سبعًا عام في جميع النجاسات؛ لتنصيصه ﵇ في التثليث، والتسبيع خاص في ولوغ الكلب. الحادي والعشرون] (٣) فيه دليل أيضًا على أن النجاسة المتوهمة يستحب الغسل فيها دون الرش؛ للأمر بالغسل دون الرش، فإنه في بول الرضيع الذي لم يطعم غير اللبن، وفي اللباس ونحوه إذا توسوس فيه. الثاني والعشرون: فيه دليل أيضًا على العفو عن أثر النجاسة في محلها وإذا انتقل منه لم يعف عنه. الثالث والعشرون: فيه أيضًا دلالة على استحباب الأخذ

стр. 259

بالاحتياط في العبادات [وغيرها] (١) عند الإشتباه والشك ما لم يخرج إلى حد الوسوسة. الرابع والعشرون: قوله ﵇: "فليستنشق بمنخريه من الماء". تمسك به من قال بوجوب الاستنشاق وهو رواية عن أحمد، وقال مالك والشافعي وغيرهما بعدم الوجوب، وحملوا الأمر على الاستحباب؛ بدليل حديث الأعرابي السالف فإنه أحاله على الآية وليس مذكورًا فيها، ولأن المأمور به حقيقة إنما هو الانتثار وليس بواجب اتفاقًا (٢).

стр. 260

الخامس والعشرون: الاستنشاق (١) تقدم بيانه في الانتثار. قال القاضي عياض: وهما عندنا سنتان، وقيل: واحدة (أي) لأنهما وسيلتان إلى تطهير عضو واحد. السادس والعشرون: ذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور إلى وجوب الاستنشاق في الوضوء والغسل [دون المضمضة، بدليل هذا الحديث، وأكثر العلماء على الندب فيهما، وملخص ما في المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل] (٢) مذاهب أربعة: أحدها: السنية فيهما، وإليه ذهب مالك والأوزاعي وربيعة الشافعي والجمهور. ثانيها: الوجوب فيهما، وإليه ذهب ابن أبي ليلى وغيره وهو المشهور عن أحمد.

стр. 261

ثالثها: وجوبهما في الغسل دون الوضوء، وإليه ذهب الكوفيون. رابعها: وجوب الاستنشاق فيهما دون المضمضة، وهو رواية عن أحمد [كما أسلفناه] (١)، قال ابن المنذر (٢): وبه أقول. قال ابن حزم (٣): وهو الحق؛ لأنه لم يصح عن النبي ﷺ في المضمضة أمر، وإنما هي فعل فعله، وأفعاله ليست فرضًا وإنما [هي] (٤) فيها التأسي به. وفيما قاله نظر؛ فقد صحَّ الأمر بها على شرطه من حديث لقيط بن صبرة مرفوعًا: "إذا توضأت فمضمض" رواه أبو داود (٥). السابع والعشرون: قوله ﵇: (بمنخريه) هو بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وبكسرهما جميعًا لغتان معروفتان، وهو نقب الأنف، والكسر على الاتباع، لكسرة الخاء كما قالوا مِنْتِنٌ، وهما نادران كما قال الجوهري؛ لأن مفعلًا ليس من الأبنية،

стр. 262

والمنخور لغة في المنخر، قال الشاعر (١): من لد لحييه إلى منخوره ومثله فيما كسر للاتباع قولهم: المغيرة (٢) ورغيف، بكسر أولهما. تنبيه: الاستنشاق لا يكون إلَّا في [المنخرين] (٣) فما فائدة ذكرهما؟ وليس لقائل أن يقول: إن ذلك من أسباب قوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (٤)؛ لأن ذلك جاء لدفع المجاز كما قيل، أو كما يقال: فلان يطير في جناحك ونحو ذلك، وقد استغني عن ذكرهما [في الرواية] (٥) الأخرى وهي: "من توضأ فليستنشق" (٦). الثامن والعشرون: أنه لا يصير الماء مستعملًا إذا أدخل يده وأراد بذلك غسلها، كذا رأيت هذا الوجه في كتاب "الخصال" لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا، فإنه قال: إن حديث "لا يدخل يده في الإناء"، فيه ستة دلائل: التفرقة بين إيراد النجاسة

стр. 263

على الماء (١) وعكسه، وأن القليل من الماء ينجس، وأنه لا يصير مستعملًا إذا أدخل يده وأراد بذلك غسلها، وأنه على وجه الاستحباب، لقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده"، وأنه إذا درى أين باتت يده فلا غسل عليه، وأن الأصل إذا لم يكن واجبًا فالأعداد ليست واجبة. هذا ما ذكره ومنه نقلته، وقد منَّ الله وله الحمد بأكثر من ذلك في الحديث المذكور كما قررته لك، ونسأل الله الزيادة من فضله العميم، والنظر إلى وجهه الكريم.

стр. 264

الحديث السابع (١) ٧/ ٧/ ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" (٢). ولمسلم: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" (٣) الكلام عليه من خمسة عشر وجهًا:

стр. 265

الأول: هذا النهي حمله مالك على الكراهة؛ لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلَّا بالتغيير (١)، وحمله غيره على التحريم تارةً، والتنزيه أخرى، وسيأتي ذلك بعد. الثانى: الدائم: الراكد الساكن، من دام يدوم دَوْمًا إذا سكن، وأدمته: سكنته، يقال للطائر إذا صف جناحيه وسكنها ولم يحركها: قد دوم الطائر يديمًا، وجاء في رواية: "الماء الراكد" رواها ابن ماجه (٢)، ورواها أحمد أيضًا بزيادة: "ثم يتوضأ منه" (٣)، وأصله من الاستدارة، وذلك أن أصحاب الهندسة يقولون: إن الماء إذا كان في مكان فإنه يكون مستديرًا في الشكل. قلت: والدائم أيضًا الدائر، قيل: هو من الأضداد (٤)، ويقال له: دوام بالضم أي دوار وهو من دوران الرأس، قال الجوهري: وتدويم الطير: تحليقه، وهو دورانه في تحليقه (٥) ليرتفع إلى السماء، وقال بعضهم: تدويم الكلب: إمعانه في الهرب. الثالث: قوله ﵇: "الذي لا يجري" فيه قولان: أحدهما: أنه تأكيد لمعنى الدوام وتفسير له، وبه جزم الشيخ

стр. 266

تقي (١) الدين وغيره، وفي رواية الحاكم في تاريخ نيسابور: "الماء الراكد الدائم". الثاني: أنه للاحتراز من المياه التي تجري بعضها دون بعض كالبرك ونحوها، وأوضح من هذا أن يقال: لا يمتنع أن يطلق على البحار والأنهار الكبار التي لا ينقطع ماؤها أنها دائمة، بمعنى أنها غير منقطع ماؤها، والإجماع [على] (٢) أنها غير مرادة في هذا الحديث، فيكون قوله: "لا يجري" مخرج لها من حيث وإن يطلق عليها أنها دائمة بالمعنى المذكور، وهذا أولى من حمله على التأكيد [الذي] (٣) الأصل عدمه، ولأن حمل الكلام على فائدة [جديدة] (٤) أولى من التأكيد، لا سيما كلام الشارع (٥)، بل

стр. 267

[لو] (١) لم يأت قوله الذي لا يجري لكان مجملًا بحكم الاشتراك بين الدائم والدائر، فلا يصح العمل على التأكيد. الرابع: أصل الماء: موه، بدليل مُوَيْه وأمواه تصغيرًا وتكبيرًا، فحركنا الواو وانفتح ما قبلها فقلبت الفًا، فاجتمع خفتان الألف والهاء، فقلبت الهاء همزة. والماء ممدود، وحكى ابن سيده عن (٢) بعضهم (اسقني ما) مقصورًا وهو غريب. الخامس: الألف واللام فى الماء لبيان حقيقة الجنس، ويقال فيهما أيضًا للمح الحقيقة، كما يقال ذلك فى نحو: أكلت الخبز، وشربت الماء، وليست للجنس الشامل، إذ لا ينهى الإنسان عن البول في جميع مياه الأرض إذ النهي إنما يتعلق بالممكن دون المستحيل، ويجوز أن تكون للعهد الذهني. واعلم أن الألف واللام لها تسعة أقسام: الأول: للجنس، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣).

стр. 268

ثانيها: للعهد، نحو قوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ (١). ثالثها: لبيان حقيقة الجنس وللمح الحقيقة كما قدمناه. رابعها: للحضور، نحو "يا أيها الرجل"، و"خرجت هذا الوقت". خامسها: للمح الصفة، كالفضل والحارث. سادسها: بمعنى [الذي] (٢)، نحو الضارب (٣) والمضروب، أي الذي ضرب والذي ضُرب. سابعها: للغلبة، كالعقبة. ثامنها: للتزين، في نحو الذي والتي على الصحيح عند النحاة، لا للتعريف، وهي كذلك عند بعض الأصوليين في قولهم: دل الدليل على كذا. تاسعها: زائدة، كقولهم، أدخلوا الأول فالأول، وزيادتها على ضربين: لازمة وغير لازمة، ومحل الخوض في ذلك كتب العربية. السادس: قوله ﵇: "ثم يغتسل منه". كذا أخرجه مسلم (٤). وللبخاري (٥) "فيه" بدل "منه" ومعناهما مختلف، يفيد كل منهما حكمًا بطريق النص وآخر بطريق الاستنباط، ولو لم يرد لاستويا لما ستعلمه على الأثر. السابع: النهي عن الاغتسال لا يخص الغسل بل الوضوء، كذلك كما أسلفناه عن رواية الإمام أحمد، ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما بلفظ: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم

стр. 269

يتوضأ منه أو يشرب" (١). ولو لم يرد لكان معلومًا قطعًا استواؤها في هذا [الحكم] (٢) لفهم المعنى المقصود وهو التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات. الثامن: قوله: "ثم يغتسل". الرواية فيه بالرفع كما قاله النووي. وقال القرطبي (٣) أيضًا: إنه الرواية الصحيحة أي هو يغتسل فيه أي شأنه الاغتسال منه، ومعناه النهي عن البول فيه سواء أراد الاغتسال منه أم لا. وقال ابن مالك (٤): يجوز جزمه على النهي، ونصبه على [تقدير] (٥) "أن"، وتكون "ثم" بمعنى [الواو للجمع] (٦). كقوله: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن"، أي لا تجمع بينهما. وقال النووي: الجزم ظاهر، وأما النصب فلا يجوز؛ لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما ولم يقله أحد، بل

стр. 270

البول (١) منهي عنه سواء اراد الاغتسال فيه أو منه أو لا (٢). أي والاغتسال فيه منهي عنه على انفراده وهذا التعليل الذي علل به النصب ضعيف؛ لأنه ليس فيه أكثر من كون هذا الحديث لا يتناول النهي عن البول في الماء الراكد بمفرده، وليس [بألزم] (٣) أن يدل على الأحكام المتعددة بلفظ واحد فيؤخذ النهي عن الجميع من هذا الحديث، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر، ومثل هذا الحديث على القول بجواز النصب قوله تعالي: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ (٤) على أحد الوجهين وهو النصب لا الجزم، فإن النهي في الآية أيضًا عن شيئين: أحدهما: لبس الحق بالباطل وهو زيادتهم في التوراة ما ليس فيها. والثاني: كتمان الحق وهو جحدهم ما فيها من نعوته ﵇ وغير ذلك، حتى يقال في الآية أيضًا على وجه النصب: إنه يؤخذ منها النهي عن الجمع ويؤخذ النهي عن الإِفراد من دليل آخر، وقد صرح بذلك ابن يعيش (٥) في (شرح المفصل) (٦)، قال: وجرت

стр. 271

هذه المسألة يومًا في مجلس قاضي القضاة بحلب، فقال أبو الحزم الموصلي: لا يجوز النصب في الآية؛ لأنه لو كان منصوبًا لكان من قبيل لا تأكل السمك وتشرب اللبن. [وكان مثله في الحكم يجوز تناول كل واحد منهما كما يجوز ذلك في: لا تأكل السمك وتشرب اللبن] (١) فقلت: يجوز أن يكون منصوبًا ويكون النهي عن الجمع بينهما [و] (٢) كون كل واحد منهيًا عنه بدليل آخر، ونحن إنما قلنا في قولهم "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" إنه يجوز تناول كل واحد منهما مفردًا؛ لأنه لا دليل إلَّا هذا، ولو قدرنا دليلًا آخر للنهي عن كل واحد منهما مفردًا لكان كالآية، فانقطع الكلام عند ذلك. واعلم أن القرطبي (٣) في (المفهم) (٤) منع رواية النصب أيضًا في هذا الحديث فقال: لا يجوز النصب، إذ لا ينصب بإضمار "أن" بعد "ثم"، وهي الجزم الذي ادَّعى النووي ظهوره، فقال: وبعض الناس قيّده بالجزم على العطف [على] (٥) (يبولن)، وليس بشيء، إذ لو أراد ذلك لقال: "ثم لا يغتسلنَّ"، لأنه إذ ذاك عطف فعل [على

стр. 272

فعل] (١) لا عطف جملة على جملة، وحينئذٍ يكون الأصل مساواة الفعلين في النهي عهما، وتأكيدهما بالنون المشددة، فإن المحل الذي تواردا عليه هو شيء واحد، [و] (٢) هو الماء، [فعدوله] (٣) عن ثم [لا يغتسل] (٤) دليل على أنه لم [يرد] (٥) العطف، وإنما جاء "ثم يغتسل" على التنبيه على الحال، ومعناه: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله؛ لما أوقع فيه من البول، وهذا مثل قوله ﵇: "لا يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجحها" (٦) برفع يضاجعها، ولم [يروه] (٧) أحد [بالجزم] (٨) ولا تخيله [فيه] (٩)؛ لأن المفهوم منه إنما نهاه عن ضربها؛ لأنه يحتاج إلى مضاجعتها في ثاني [حال] (١٠) فيمتنع عليه بما أساء من معاشرتها ويتعذر عليه المقصود لأجل الضرب، وتقدير اللفظ: ثم هو يضاجعها، وثم هو يغتسل ..

стр. 273

فائدة أصولية (١): النهي المعلق بعدد تارةً يكون عن الجمع، أي الهيئة الاجتماعية دون المفردات على سبيل الانفراد، كالنهي عن نكاح الأختين، وتارةً يكون عن الجمع أي عن كل واحد (٢)؛ كالزنى والسرقة، وهذا الحديث يحتمل أن يكون من الأول وأن يكون من الثاني كما أسلفنا. ورواية أبي داود (٣) والدارقطني (٤) وابن حبان: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل [فيه] (٥) من الجنابة" ظاهرة في الثاني، وهذه الرواية تقتضي عموم النهي في القليل والكثير؛ لكن في الكثير للتنزيه، وأما القليل فستعلم ما فيه، وعبَّر بعضهم عن هذه القاعدة بعبارة أخرى، فقال: النهي [عن] (٦) شيئين: تارةً يكون على الجمع وتارةً يكون عن الجمع، فأما الأول: فيقتضي المنع من كل واحد، وأما الثاني: فمعناه المنع من فعلهما معًا، قال: وهذا الحديث من الثاني أي لا يجمع بين البول في الماء والاغتسال منه، يؤيده الرواية المذكورة. التاسع: هذا النهي في بعض المياه للتحريم وفي بعضها

стр. 274

للتنزيه، ويؤخذ ذلك من حكم المسألة، فإن كان الماء كثيرًا جاريًا لم يحرم البول فيه؛ لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتنابه، وإن كان قليلًا جاريًا، فقال جماعة من أصحابنا: [يكره] (١)، والمختار [كما] (٢) نبه عليه النووي (٣) أنه [يحرم] (٤)؛ لأنه [يقذره] (٥) وينجسه (٦)، [و] (٧) إن كان قليلًا راكدًا [فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه] (٨)، [والصواب المختار كما نبه عليه النووي التحريم، لأنه ينجسه ويغر غيره باستعماله] (٩)، وإن كان كثيرًا راكدًا فقال أصحابنا يكره، ولو قيل: يحرم، لم يبعد؛ فإن النهي يقتضي التحريم على المختار عند المحققين والأكثرين من الأصوليين، فالمختار في هذه المسألة: التحريم في القليل وإن لم يتغير جاريًا كان أو راكدًا، والكراهة في الكثير البخاري إن لم يتغير، فإن تغير حرم، وفي الكثير الراكد ما أسلفته لك. فرع: الكراهة في البول الراكد ليلًا أقوى؛ لأنه قيل: إن

стр. 275

الماء بالليل للجِنِّ، فلا ينبغي أن يبال فيه ولا يغتسل خوفًا من أن يصاب من جهتهم (١). فرع: التغوط في الماء كالبول فيه وأقبح، وكذا إذا بال في إناء ثم صبه فيه، خلافًا للظاهرية [فيهما] (٢) كما ستعلمه بعد (٣). فرع: يكره البول والتغوط بقرب الماء وإن لم يصل إليه؛ لعموم النهي عن البراز في الموارد. فرع: انغماس المستنجي في القليل حرام لتنجسه، فإن كان كثيرًا جاريًا فلا، وكذا إن كان راكدًا فلا يكره؛ لأنه ليس في معنى البول ولا يقاربه، ولو تركه فحسن، قاله النووي في شرح مسلم (٤). العاشر: يقتضي الحديث تحريم البول في الراكد مطلقًا كما قررناه، وبه استدلَّ أبو حنيفة على تنجيس الغدير الذي يتحرك طرفه بتحرك الآخر [بوقوع] (٥) النجاسة فيه، فإن الصيغة عموم، وهو عند الشافعية وغيرهم مخصوص، والنهي محمول على ما دون القلتين وعدم تنجيس القلتين، (فما) (٦) زاد إلَّا بالتغير مأخوذ من حديث القلتين وهو حديث صحيح كما شهد له بذلك الأئمة كابن معين وابن

стр. 276

خزيمة وابن حبان والحاكم (١) وغيرهم؛ جمعًا بين الحديثين، فحديث القلتين خاص وهذا الحديث مقتضاه العموم، والخاص مقدم على العام. ولأحمد ﵀ طريقة أخرى وهي الفرق بين بول الآدمي: [وما في معناه من العذرة المائعة وغير ذلك من النجاسات، فأما بول الآدمي] (٢) وما في معناه فينجس الماء، وإن كان أكثر من قلتين، ما لم يكثر كالمصانع التي بطريق مكة، وأما غيره من النجاسات فتعتبر فيه القلتان، وكأنه رأى أن الخبث المذكور في حديث القلتين عام بالنسبة إلى الأنجاس وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول الآدمي، فيقدم الخاص على العام بالنسبة إلى النجاسات الواقعة في الماء الكثير، ويخرج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلتين؛ لخصوصية تنجيس الماء دون غيره من النجاسات، ويلحق بالبول المنصوص [عليه] (٣) ما يعلم أنه في معناه.

стр. 277

ومالك ﵀ حمل النهي على الكراهة للتنزيه مطلقًا؛ لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلَّا بالتغير بالنجاسة كما هو مذهب بعض الصحابة والأوزاعي وداود، وقول لأحمد نصره بعض المتأخرين من أتباعه، واختاره الروياني من أصحابنا، [فخرج] (١) الحديث عن الظاهر عند الكل بالتخصيص أو التقييد؛ للإِجماع على أن الماء الكثير المستبحر [لا تؤثر فيه النجاسة، وأنه إذا غيرته النجاسة ولو كان يسيرًا امتنع استعماله، ولأصحاب أبي حنيفة أن يقولوا: خرج عنه المسبحر الكثير] (٢) بالإجماع فيبقى فيما عداه على حكم النص؛ فيدخل تحته ما زاد على القلتين. ولأصحاب الشافعي أن يقولوا يقول أبي حنيفة في خروج المستبحر بالإِجماع [ويخرج] (٣) القلتان فما زاد بمقتضى حديث القلتين، فيبقى ما نقص عنهما داخلًا تحت مقتضى الحديث. ولأصحاب أحمد أن يقولوا: خرج ما ذكرتموه، وما دون القلتين داخل تحت نص الحديث، وما زاد عليهما عام في الأنجاس فيخصص ببول الآدمي، ولمخالفهم أن يقول: معلوم جزمًا أن النهي إنما هو [لمعنى] (٤) النجاسة وعدم التقرب إلى الله تعالى بما خالطها؛ وهذا المعنى يتجه فيه سائر الأنجاس [فلا] (٥) يتجه فرق بين بول

стр. 278

الآدمي وغيره في هذا المعنى، ولا يقال: إن بول الآدمي أشد استقذارًا من غيره من سائر النجاسات فيكون أوقع وأنسب في المنع، فإنه ليس كذلك بل قد يساوي غيره أو يرجح عليه غيره في الاستقذار والنفرة منه، فلا يبقى لتخصيصه معنى في المنع دون غيره، فحينئذٍ يحمل الحديث على أنه ورد من باب: [التنبيه] (١) على ما يشاركه في معناه من الاستقذار، واذا وضح المعنى شمل الكل، والجمود عل خلافه، ظاهرية محضة. وللمالكية أن يقولوا: وجب إعمال الحديث فيما يمكن إعماله فيه من كراهة التنزيه في القليل والكثير، مع وجود الإِجماع على تحريم الاغتسال بعد تغير الماء بالبول، وذلك [يلقيك] (٢) إلى مسألة أصولية: وهي جواز حمل اللفظ [الواحد] (٣) على معنيين مختلفين، فإذا جعلنا النهي للتحريم كان استعماله في كراهة التنزيه والتحريم من باب استعمال اللفظ الواحد في حقيقته [ومجازه] (٤)، والأكثرون -كما نقله الشيخ تقي الدين- على منعه، والشافعي وغيره يقولون بجوازه، وقد يقال: حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ ولا يلزم استعمال اللفظ في معنيين مختلفين، وهو ظاهر، إلَّا أنه يلزم [منه] (٥) تخصيص الحديث بمجرده ولا بدَّ في الحديث من التخصيص كما أسلفناه.

стр. 279

[الحادي عشر] (١): ارتكبت الظاهرية الجامدة [ههنا] (٢) مذهبًا شنيعًا واخترعوا في الدين أمرًا فظيعًا، منهم ابن حزم القائل: إن كل ماء راكد قل أو كثر من [البرك] (٣) العظام وغيرها بال فيه إنسان لا يحل لذلك البائل خاصة، الوضوء منه ولا الغسل، إن لم يجد غيره، وفرضه التيمم، وجائز لغيره الوضوء منه والغسل وهو [طاهر] (٤) [مطهر] (٥) لغير الذي بال فيه، قال: ولو تغوط فيه أو بال خارجًا منه [فسال] (٦) البول إلى الماء الراكد، أو بال في إناء وصبه في ذلك الماء ولم يغير له صفة: فالوضوء منه والغسل جائز لذلك المتغوط فيه والذي سال بوله [ولغيره] (٧). وهذا [مما] (٨) يعلم بطلانه قطعًا [واستشباعه] (٩) واستشناعه عقلًا وشرعًا لا جرم أخرجهم بعض الناس من أهلية الاجتهاد ومن اعتبار الخلاف في الإجماع، بل من العلم [مطلقلًا] (١٠)، ووجه بطلان ما ادعوه -وهو من أجمد ما لهم- استواء الأمرين في الحصول في الماء وأن

стр. 280

المقصود اجتاب ما وقعت فيه النجاسة من الماء، وليس هذا من محال الظنون، بل هو مقطوع به، وما أحسن كلام الحافظ [أبي] (١) بكر [بن] (٢) مُفَوَّز (٣) في تشنيعه على ابن حزم، حيث قال بعد حكاية كلامه: (تأمل أكرمك الله ما جمع في هذا القول من السخف وحوى من الشناعة، ثم يزعم أنه الدين الذي شرعه الله تعالى وبعث به رسوله [ ﷺ ] (٤)، واعلم أكرمك الله أن هذا الأصل الذميم مربوط على ما أقول، ومخصوص على ما أُمثل: أن البائل على الماء الكثير ولو نقطة أو جزء من نقطة فحرام عليه الوضوء منه، وإن تغوط فيه حملًا أو جمع بوله في إناء شهرًا ثم صبه فيه فلم يغير له صفة جاز له الوضوء منه، فأجاز له الوضوء [منه] (٥) بعد حمل [غائط] (٦) أنزله به أو صب من [بول] (٧) صبه فيه، وحرمه عليه لنقطة بول بالها فيه، جل الله تعالى عن قوله وكرَّم دينه عن إفكه).

стр. 281

الثاني عشر: يكره الاغتسال في الماء الراكد قليلًا كان أو كثيرًا، وكذا العين الجارية، كما نص عليه البويطي، ولفظه: أكره للجنب أن يغتسل في البئر معينة كانت أو دائمة، وفي الماء الراكد وسواءً قليل الراكد وكثيره، أكره الاغتسال فيه. انتهى. وهذا كله على كراهة التنزيه لا [التحريم] (١). فرع: في حكم الماء الذي انغمس فيه الجنب بعد إنفصاله منع، وفيه تفصيل: فإن كان قلتين فصاعدًا لم يَصِرْ مستعملًا، سواء اغتسل فيه واحد فيكرر، أو جماعات في أوقات، وإن كان دون [قلتين] (٢) فإن نوى [تحته] (٣) ارتفعت جنابته وصار مستعملًا في حق غيره على الصحيح، وقيل: لا، حتى ينفصل (٤)، وفيه إشكال للرافعي، وإن نوى قبل تمام الانغماس ارتفعت جنابة الجزء الملاقي قطعًا، ولا يصير الماء مستعملًا بل له أن يتم الانغماس ويرتفع عن الباقي على الصحيح، والمسألة مبسوطة في شرح المنهاج وغيره فليراجع. الثالث عشر: استدل بعض الشافعية بالرواية الثانية التي ذكرها المصنف على خروج المستعمل عن التطهير به، إما لنجاسته كما نقل عن أبي حنيفة ونقل عنه الرجوع عن ذلك، وإما لعدم طهوريته

стр. 282

وهو القول الجديد للشافعي؛ لأن النهي وارد على مجرد الغسل فدل على وقوع المفسدة بمجرده، وهي خروجه عن كونه أهلًا للتطهير، ومع هذا فلا بدَّ من التخصيص فإن الماء [الكثير] (١)، أما القلتين فما زاد على مذهب الشافعى، أو المستبحر على مذهب أبي حنيفة: لا يؤثر فيه الاستعمال. ومالك ﵀ لما رأى أن الماء المستعمل طهور غير أنه مكروه حمل هذا النهي على الكراهة، وقد يرجحه أن وجوه الانتفاع بالماء لا تختص بالتطهير، والحديث عام في النهي، فإذا حمل على التحريم لمفسدة خروج الماء عن طهوريته لم يناسب ذلك؛ لأن بعض مصالح الماء يبقى بعد كونه خارجًا عن الطهورية، وإذا حمل على الكراهة كانت المفسدة عامة؛ لأنَّ الماء يستقذر بعد الاغتسال فيه، وذلك ضرر بالنسبة إلى من يريد استعماله في طهارة أو شرب، فيستمر النهي بالنسبة إلى المفاسد المتوقعة، إلَّا أن فيه حمل اللفظ على المجاز، أعني حمل النهي على الكراهة، فإنه حقيقة في التحريم، [وما أسلفناه] (٢) عن [مالك] (٣) هو المشهور من مذهبه، وكرهه لأجل اختلاف العلماء [فيه] (٤) أو لشبهه بالماء المضاف، وإن كانت الإضافة لا تغيره إذ الأعضاء في [الأغلب] (٥) لا تخلو عن

стр. 283

الأعراق والأوساخ، لا سيما أعضاء الوضوء؛ لأنها بارزة للغبار غالبًا فتخالط الماء. وقال أصبغ: إنه غير طهور، كقول الشافعي (١) الجديد، وقيل: مشكوك فيه، فيتوضأ به ويتيمم. وما أسلفناه عن أبي حنيفة هو إحدى الروايتين عنه، فقيل: إنه نجس نجاسة مخففة، وقيل: مغلظة، إلَّا أنه يقول على هذا أن [ما يترشرش] (٢) منه على الثوب وما يعلق بالمنديل عند التنشف من بلله طاهر، وإنما يحكم بنجاسته عند استقراره متصلا إلى الأرض [و] (٣) إلى الإِناء. والرواية الثانية: أنه طاهر غير مطهر، والخلاف عند أحمد أيضًا في طهارته وطهوريته فقط. الرابع عشر: مادة الجنابة: البعد، هذا أصلها في اللغة. وهي في عرف حملة الشرع: تطلق على إنزال الماء والتقاء الختانين أو ما يترتب على ذلك. قال الراغب في مفرداته (٤): وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٥)، أي أصابتكم الجنابة [وذلك] (٦) بإنزال الماء أو بالتقاء

стр. 284

الختانين، قال: وسميت الجنابة بذلك [لكونها] (١) سببًا [لتجنب] (٢) الصلاة في محكم الشرع أي والقرآن. قلت: [ولما] (٣) بعد عنهما أمر بالإِبعاد عن الماء الدائم؛ لئلا يقذره [كما] (٤) يقذره البول، ويقال للرجل: جنب، وللمرأة وللاثنين والجمع كله بلفظ واحد، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٥)، وسيكون لنا عودة إلى ذلك أيضًا في أسباب الجنابة. الخامس عشر: يؤخذ من الحديث أن حكم البخاري يخالف حكم الراكد؛ لأن الشيء إذا ذكر بأخص أوصافه كان حكم ما عداه بخلافه، والمعنى فيه أن الجاري إذا خالطه النجس دفعه الجزء الثاني الذي يتلوه منه، فيغلبه فيصير في معنى المستهلك الذي لم يخالطه النجس، والماء الراكد القليل لا يدفع النجس عن نفسه إذا خالطه، لكن يداخله [فمهما] (٦) أراد استعمال شيء منه كان النجس فيه قائمًا والماء في حد القلة، وهذا يقوي ما أسلفناه [في] (٧) تحريم البول فيه.

стр. 285

الحديث الثامن والتاسع ٨، ٩/ ٨، ٩/ ١ - عن أبي هريرة [﵁] (١) أن رسول الله ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا" (٢). ولمسلم: "أولاهن بالتراب" (٣).
следующие страницы →