الثالث بعد العشرين: قوله ﵊: "ما يبلغ ثمن العبد" يقتضي تعليق الحكم بمال يبلغ ثمن العبد [فلو] (١) كان المال لا يبلغ كمال القيمة، ولكن قيمة بعض النصيب، ففي السراية وجهان، ولأصحابنا فيمكن أن يستدل به من لا يرى السراية بمفهوم هذا اللفظ، ويؤيده أن في السراية بعيضًا لملك الشريك عليه، والأصح عندهم السراية إلى القدر الذي هو موسر به، تحصيلًا للحرية بقدر الأمكان، والمفهوم في مثل هذا ضعيف.
الرابع بعد العشرين: إذا ملك ما يبلغ كمال القيمة إلَّا أن عليه دينًا يساوي ذلك أو يزيد عليه فهل يثبت الحكم في السراية والتقويم؟ فيه الخلاف [(٢)] في منع الدين الزكاة، والأصح الثبوت ووجه الشبه بينهما اشتراكهما في كونهما حقًّا لله تعالى، مع أن فيهما حقًّا [للآدمي] (٣)، ويمكن أن يستدل بالحديث من لا يرى الدين مانعًا ها هنا، أخذًا بالظاهر [ومن يرى الدين] (٤) مانعًا يخصص هذه الصورة بالمانع الذي يقيمه فيها خصمه، والمالكية على أصلهم في أن من عليه دين بقدر ماله فهو معسر.
الخامس بعد العشرين: [مقتضى الحديث] (٥) أنه مهما كان للمعتق ما يفي بقيمة نصيب شريكه فيقوم عليه، وإن لم يملك غيره.
стр. 5042
هذا هو الظاهر، والشافعية أخرجوا قوت يومه، وقوت من تلزمه نفقته ودَسْت ثوب، وسكنى يوم. والمالكية اختلفوا فقيل: باعتبار قوت الأيام، وكسوة ظهره، كما في الديون التي عليه، ويباع منزله الذي يسكن فيه وشِوارُ بيته. وقال أشهب منهم: إنما يُترك له ما يواريه لصلاته.
السادس بعد العشرين: اختلف العلماء في وقت حصول العتق عند وجود شرائط السراية إلى الباقي. وللشافعي ﵀ ثلاثة أقوال: أصحها: أنه يحصل بنفس الإِعتاق، وهي رواية عن مالك. وثانيها: أنه لا يحصل إلَّا بأداء القيمة، وهو ظاهر مذهب مالك.
وثالثها: أن يتوقف، فإن أدى القيمة بأن حصول العتق من وقت الإِعتاق، وإلَّا بأن أنه لم يعتق، وألفاظ الحديث المذكور مختلفة عند الرواة. ففي بعضها قوة لمذهب مالك. وفي بعضها ظهور لمذهب الشافعي، وفي بعضها احتمال متقارب وألفاظ هذه الرواية تشعر بما قاله مالك، وقد استدل بها على هذا المذهب، لأنها تقتضي ترتيب التقويم على عتق النصيب، وتعقب الإِعطاء وعتق الباقي للتقويم [(١)]، فالتقويم أما أن يكون راجعًا إلى ترتب في الوجود أو إلى ترتب في الرتبة. والثاني باطل، لأن عتق النصيب الباقي -على قول السراية- بنفس أعتاق الأول: إما مع إعتاق الأول، أو عقيبه.
стр. 5043
فالتقويم إن أريد به الأمر الذي يقوِّم به الحاكم والمقوم فهو متأخر في الوجود عن عتق النصيب، والسراية معًا، فلا يكون عتق نصيب الشريك مرتبًا على التقويم في الوجود، مع أن ظاهر اللفظ يقتضيه.
وإن أريد بالتقويم وجوب التقويم مع ما فيه من المجاز، فالتقويم بهذا التفسير مع العتق الأول يتقدم على [الإِعطاء وعتق الباقي، فلا يكون عتق الباقي متأخرًا عن التقويم على هذا التفسير] (١)، لكنه متأخر على ما دل عليه ظاهر اللفظ. وإذا بطل الثاني تعين الأول. وهو أن يكون عتق الباقي راجعًا إلى الترتيب في الوجود، أي يقع أولاً التقويم، ثم الإِعطاء، وعتق الباقي. وهو مقتضى مذهب مالك، إلَّا أنه يبقى على هذا احتمال أن يكون "وعَتَقَ عليه العبد" معطوف على "قوم قيمة عدل" لا على "أعطى" فلا يلزم تأخر عتق الباقي [عن] (٢) الإِعطاء, ولا كونه معه في درجة واحدة فعليك بالنظر في أرجح الاحتمالين، أعني عطفه على "أعطى" أو عطفه على "قوّم".
وأقوى منه رواية عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه إذ فيها "وكان موسرًا فإنه يقوم عليه بأعلى القيمة -أو قال: قيمة- لا وكس ولا شطط، ثم يقوم لصاحبه حصته ثم يعتق". فجاء بلفظة "ثم" المقتضية لترتيب العتق على الإِعطاء والتقويم.
стр. 5044
وأما ما يدل ظاهره للشافعي فرواية حمّاد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عصر: "من أعتق نصيبًا له في عبد، وكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل فهو عتيق". وأما ما في رواية بشر بن المفضل عن عُبيد الله فمما جاء فيها: "من أعتق شركًا له في عبد فقد عتق كله، إن كان للذي أعتق نصيبه من المال ما يبلغ ثمنه، يقوم عليه قيمة عدل، فيدفع إلى شركائه أنصباءهم ويخلي سبيله"، فإن في أوله ما يستدل به لمذهب الشافعي، لقوله: "فقد عتق كله"، فإن ظاهره يقتضي تعقيب عتق كله لإِعتاق النصيب، وفي آخره ما يشهد لمذهب مالك، فإنه قال: "يقوم قيمة عدل فيدفع [إلى شركائه أنصباءهم ويخلي سبيله" تفسير كونه عتق كله بأن يقوم عليه قيمة عدل فيدفع] (١)، فأتبع [الإِعتاق] (٢) النصيب للتقويم ودفع القيمة للشركاء عقيب التقويم، وذكر تخلية السبيل بعد ذلك "بالواو". قال الشيخ (٣) والذي يظهر في هذا أن ينظر إلى هذه الطرق ومخارجها، فإذا اختلفت الروايات في مخرج واحد أخذنا بالأكثر فالأكثر، أو بالأحفظ فالأحفظ، ثم نظرنا إلى أقربها دلالة على المقصود، [فيعمل] (٤) بها.
وأقوى ما ذكرناه لمذهب مالك لفظة "ثم" وأقوى ما ذكرناه لمذهب الشافعي رواية حمّاد [وقوله: "من أعتق نصيبًا له في عبد
стр. 5045
وكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل] (١) فهو عتيق لكنه يحتمل أن يكون المراد أن مآله إلى العتق، أو أن العتق قد وجب له وتحقق.
وأما قضية وجوبه بالنسبة إلى تعجيل السراية، أو توقفها على الأداء [المحتمل] (٢)، فإذا آل الحال إلى هذا، فالواجب النظر في أقوى [الدليل، (٣) وأظهرهما دلالة. ثم على تراخي العتق عن التقويم والإِعطاء، أو دلالة [لفظة] (٤) "عتيق" على تنجيز العتق. هذا بعد أن يجري ما ذكرناه من اعتبار اختلاف الطرق، واتفاقها.
السابع بعد العشرين: يمكن أن يستدل به من يرى السراية بنفس الإِعتاق، على عكس ما قدمناه في الوجه قبله.
وطريقه أن يقال: لو لم تحصل السراية بنفس الإِعتاق، لما تعينت القيمة جزاء للإِعتاق لكن تعينت، فالسراية حاصلة بالإِعتاق، بيان الملازمة أن إذا تأخرت السراية عن الإِعتاق، وتوقفت على التقويم. فإذا أعتق الشريك الآخر نصيبه نفذ، وإذا نفذ فلا تقويم، فلو تأخرت السراية لم يتعين التقويم، لكنها متعينة [بالحديث] (٥).
الثامن بعد العشرين: اختلف الحنفية في تجزئ الإِعتاق, بعد اتفاقم على عدم تجزئ العتق، فأبو حنيفة: يرى التجزىء فيه وصاحباه لا يريانه.
стр. 5046
وانبنى على مذهب أبي حنيفة أن للساكت أن يعتق إبقاء للملك، ويضمن شريكه؛ لأنه جنى على ملكه بالإِفساد، واستسعى العبدَ لأنه ملكهُ، وهذا في حال يسار المعتق، فإن كان في حال إعساره سقط التضمين وبقي الأمران الآخران.
وعند أبي يوسف ومحمد لما لم يتجزأ الإِعتاق عتق كله، ولا يملك أعتاقه. ولهما أن يستدلا بالحديث من جهة ما ذكرناه من تعين القيمة فيه، ومع تجزئ الإِعتاق لا تتعين القيمة.
التاسع بعد العشرين: الحديث يقتضي وجوب القيمة على المعتق للنصيب: إما صريحًا كما في [(١)] الروايات " [قوِّم] (٢) عليه قيمة عدل" وإما دلالة سياقه فلا يشك فيها، كما في رواية أخرى. وهذا يرد مذهب من يرى أن باقي العبد يعتق من بيت المال، وهو مروي عن ابن سيرين، ومقتضاه التقويم على الموسر.
وذكر بعضهم قولًا آخر: أنه ينفذ عتق من أعتق ويبقى من لم يعتق على نصيبه، يفعل فيه ما يشاء.
وروي في ذلك عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان بيني وبين الأسود غلام شهد القادسية وأبلى فيها، فأرادوا عتقه -وكنت صغيرًا- فذكر ذلك الأسود لعمر، فقال: اعتقوا [(٣)] [ويبقى
стр. 5047
نصيبه] (١) حتى يرغب في مثل ما رغبتم فيه، أو يأخذ نصيبه". وفي رواية عن الأسود قال: "كان ليس ولإِخوتي غلام أبلى يوم القادسية، فأردت عتقه لما صنع. فذكرت ذلك لعمر فقال: لا تفسد عليهم نصيبهم حتى يبلغوا. فإن رغبوا فيما رغبت فيه، وإلَاّ لم تفسد عليهم نصيبهم" (٢). فقال بعضهم: لو رأى التضمين لم يكن ذلك إفساد لنصيبهم. والإِسناد صحيح. غير أن في إثبات قولِ بعدم التضمين عند اليسار بهذا نظر ما. وعلى كل تقدير، فالحديث يدل على التقويم عند اليسار المذكور فيه.
الثلاثون: فيه العمل بالظنون في باب القيم: وهو محل اتفاق لامتناع النص على الجزئيات من القيم: في مدة اليسار.
الحادي بعد الثلاثين: استدل به على أن ضمان المتلفات التي ليست من ذوات الأفعال بالقيمة، لا بالمثل صورة.
الثاني بعد الثلاثين: اشتراط قيمة العدل يقتضي اعتبار ما تختلف به القيمة عرفًا من الصفات التي يعرفها الناس.
الثالث بعد الثلاثين: فيه الرد على ربيعة حيث قال إذا أعتق أحدهما نصيبه من العبد فإنه مردود. وصريح الحديث والإجماع يرده. وقد حمل قوله على منع عتق المشاع.
стр. 5048
الرابع بعد الثلاثين: تعليق العتق بإعطاء الشريك حصصهم. حيث رتب على العتق التقويم بالفاء. ثم على التقويم بالفاء الإِعطاء والعتق، وعلى قوله: إنه يسرى بنفس العتق، لا يتوقف العتق على التقويم والإِعطاء. وقد أسلفنا في ذلك ثلاثة أقوال: ثالثها: التوقف ولا ينافي هذا القول لفظ الحديث.
الخامس بعد الثلاثين: قوله عليه الصلاةوالسلام: "وإلَّا فقد عتق منه ماعتق" فهم منه: "عتق منه ما عتق" ففط، لأن الحكم السابق يقتضي عتق الجميع، أعني عتق الموسر، فيكون [عتق] (١) المعسر لا يقتضيه.
نعم، يبقى ها هنا: أنه هل يقتضي بقاء الباقي من العبد على الرق، أو يستسعى العبد؟ فيه نظر. والذين قالوا بالاستسعاء منع بعضهم أن يدل الحديث على بقاء الرق في الباقي، وأنه إنما يدل على عتق هذا النصيب فقط، ويؤخذ حكم الباقي من حديث آخر، وسيأتي الكلام في ذلك عقب هذا الحديث الثاني إن شاء الله تعالى.
[السادس بعد الثلاثين: قال المازري: اختلف هل الأفضل عتق الذكور أو الإِناث؟ وهذا الحديث يدل على فضل عتق الذكور, لكن الحديث الآتي يرده، وهذا بناءً منه على أن الحديث لا يتناول الأمة، وهو قول إسحاق بن راهويه لكنه قول مردود وقد
الحديث الثاني
٤٣٥/ ١٢/ ٨١ - " عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: من أعتق شقصًا من مملوك فعليه خلاصه [كله] (١) في ماله، فإن لم يكن له مال، قُوِّم المملوك قيمة عدل، ثم استسعى [العبد] (٢) غير مشقوق عليه" (٣).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: لفظ "الاستسعاء" مختلف فيه بين الرواة، فمنهم من فصله من الحديث، وجعله من رأي قتادة.
قال الدارقطني: رواه شعبة وهشام عن قتادة، وهي أثبت فلم يذكرا فيه الاستسعاء، ووافقهما همام ففصل الاستسعاء من الحديث،
وجعله من رأي قتادة. قال: وعلى هذا أخرجه البخاري وهو الصواب.
стр. 5051
قال الدارقطني (١): وسمعت أبا بكر النيسابوري يقول ما أحسن ما رواه همام، وضبطه، [بفصل] قول قتادة عن الحديث.
ونقل القاضي (٢): عن الأصيلي وابن القصار وغيرهما أن من أسقط السعاية من الحديث أولى ممن ذكرها, ولأنها ليست في الأحاديث الأخر من رواية ابن عمر. وقال ابن عبد البر (٣): الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها. وقال غيره (٤): قد اختلف فيها عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ذكرها، وتارة لم يذكرها، فدل على أنها ليست عنده من متن الحديث كما قال غيره.
وقال الشيخ تقي الدين (٥): هذا الحديث قد أخرجه الشيخان في صحيحيهما، وحسبك بذلك، فقد قالوا: إن ذلك أعلى درجات الصحيح، والذين لم يقولوا بالاستسعاء تعللوا في تضعيفه بتعللات، لا تصبر على النقد، ولا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث، يرد عليهم فيها مثل تلك التعللات.
стр. 5052
ثانيها: "الشقص" بكسر الشين وفتحها. والشقيص بزيادة ياء ثلاث لغات: النصيب، سواء كان قليلًا أو كثيرًا. وصوّب بعضهم زيادة الياء، وكلاهما صواب.
ثالثها: "المملوك" يتناول الذكر والانثى وقد يتعسف متعسف، ويقول: لا يطلق على الأنثى. نعم هو أولى من لفظ "عبد"، على أن بعض الناس (١) أدعى أن لفظ "العبد" يتناول الذكر والأنثى، وقد نقل "عبد وعبده".
رابعها: قوله ﵊ "فعليه خلاصه"، قد يشعر بأنه لا يسرى بنفس العتق, لأنه لو أعتق بنفس العتق سراية لتخلص على هذا التقدير بنفس العتق. واللفظ يشعر باستقبال خلاصه، إلَّا أن يقدر محذوف أي: فعليه عوض خلاص, ونحوه.
خامسها: قوله "فعليه خلاصه" كل هذا يراد به: الكل من حيث هو كلُّ، أعني لكل المجموعي لأن بعضه قد تخلص بالعتق السابق، والذي يخلصه كله من حيث هو كل هو تتمة عتقه.
سادسها: قوله: "في ماله" يرد به على من يقول: إنه يعتق من بيت مال المسلمين، وهو ابن سيرين، فإن إضافة المال إلى السيد المعتق ينافي بيت مال المسلمين.
سابعها: قد يستدل به من يقول: إن الشريك الذي لم يعتق أولًا ليس له أن يعتق بعد [عتق] (٢) الأول إذا كان الأول موسرًا, لأنه
стр. 5053
لو [أعتقه] (١) ونفذ، لم يحصل الوفاء يكون خلاصه من ماله. لكن يرد عليه لفظ [(٢)] الحديث [الذي قبله] (٣) [فإنه] (٤) من لوازم عدم [صحة] (٥) عتقه [في] (٦) أنه يسري بنفس العتق ويبقى النظر في الترجيح بين هذه الدلالة والتي قدمناها من قوله: "قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاؤه حصصهم، وعتق عليه العبد" فإن ظاهره ترتيب العتق على إعطاء القيمة، فأي الدليلين كان أظهر عُمِلَ به.
ثامنها: قوله "فعليه خلاصه كله في ماله" يقتضي عدم استسعاء العبد عند يسار المعتق.
تاسعها: قوله: "فإن لم يكن له مال" ظاهره: النفي العام للمال، والمراد به المال الذي يؤدي إلى خلاص المملوك.
عاشرها: معنى الاستسعاء عند [جمهور]. القائلين به: أن العبد يكلف الاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة نصيب الشريك الآخر، فإذا دفعها إليه عتق.
فمعنى قوله: "استسعى" ألزم السعي فيما يَفُك به بقية رقبته من الرق. وقال بعضهم: هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ماله فيه من الرق. وتتفق الأحاديث على هذا.
стр. 5054
الحادي عشر: قوله: "غير مشقوق عليه" أي لا يكلف المملوك ما يشق عليه في السعابة.
الثاني عشر: فيه جواز عتق العبد المشترك من بعض الشركاء.
الثالث عشر: أنه إذا كان له مال يلزم خلاص باقيه من ماله.
الرابع عشر: أنه إذا لم يكن له مال واستسعى العبد فيما يفك به رقبته أنه لا يكون سعيًا شاقًا على العبد، بل يعمل فيه بالاجتهاد والظن الراجح، كما قلنا في القيمة.
الخامس عشر: تعظيم حق العتق، وأنه مطلوب مؤكد للشرع.
السادس عشر: استسعاء العبد عند عسر المعتق، وتقدم الاختلاف فيه في الحديث قبله. والمخالفون في الاستسعاء يعارضونهم بالحديث السالف "وإلَّا فقد عتق منه ما عتق". قال الشيخ تقي الدين (١): والنظر بعد الحكم بصحة الحديث منحصر في تقديم [أحد الدليلين] (٢) على [الآخر] (٣) أعني دلالة قوله: "عتق منه ما عتق" على رق الباقي. ودلالة ["الاستسعاء"] (٤) على لزومه في هذه الحالة، والظاهر ترجيح هذه الدلالة على الأولى.
стр. 5055
[. . .] (١)
الحديث الثالث
٤٣٦/ ٣/ ٨١ - عن جابر عن عبد الله ﵄ قال: "دبر رجل من الأنصار غلامًا له.
-وفي لفظ- بلغ النبي - صلي الله عليه وسلم -: أن رجلًا من أصحابه أعتق غلامًا له عن دبر لم يكن له مال غيره. فباعه [رسول الله ﷺ ] (٢) بثمانمائة. درهم، ثم أرسل ثمنه إليه" (٣).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا العبد المدبر اسمه يعقوب القبطي، والسيد أبو مذكور. وقيل: بذكور. حكاه أبو نعيم (٤)، والذي اشتراه نعيم بن
стр. 5056
عبد الله النحام [بنون ثم حاء مهملة قال الجوهري (١): يقال نحم الرجل ينحم بالكسر فهو نحام مأخوذ من النحم وهو التنحنح
والزحير.
ثانيها: جاء في بعض طرق هذا الحديث في غير الصحيح: أن الذي دبر هذا الغلام مات، فباعه النبي - صلي الله عليه وسلم - بعد موته. ولا يصح ذلك، وجاء في بعض طرقه أيضًا: أنه إنما باع صدقة المدبر لا نفسه. ولا يصح أيضًا. وقد أوضحت ذلك في "تخريجي لأحاديث الرافعي" فسارع إليه.
ثالثها: معنى "دبر وأعتق عن دبر" أعتقه بعد موته أي قال: أنت حر بعد موتي. فكأنه علق عتقه بموته، والموت دبر الحياة، وبه سمى التدبير في غير الرقيق كالخيل وغيره مما يوصي به. وقيل: سمى تدبيرًا, لأنه دبر أمر دنياه باستخدامه واسترقاقه، وأمر آخرته بإعتاقه وهو مردود إلى الأول أيضًا, لأن التدبير في الأمر مأخوذ من لفظ الدبر أيضًا، لأنه نظر في عواقب الأمر وإدباره.
رابعها: فيه جواز التدبير وصحته وهو إجماع، ثم ذهب الشافعي ومالك والجمهور أنه يحسب عتقه من الثلث. وخالف الليث وزفر، فقالا: هو من رأس المال.
خامسها: جواز بيع المدبر قبل موت سيده، لهذا الحديث قياسًا على بيع الموصى بعتقه فإنه جائز إجماعًا وهو مذهب الشافعي وأصحابه. وممن جوّزه عائشة وطاوس وعطاء والحسن
стр. 5057
ومجاهد وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود. وكما يجوز بيعه يجوز هبته، والوصية به وغيرهما من التصرفات المزيلة للملك، سواء كان التدبير مطلقًا أم قصدًا، خلافًا لأبي حنيفة في المطلق. ولمالك في المطلق والمقيد معًا. وعن أحمد روايتان: إحداهما كمذهبنا والأخرى أن له بيعه للدين فقط، ويمتنع بيع المدبر. قال جمهور العلماء والسلف من الحجازيين والشاميين والكوفيين ومنهم أبو حنيفة ومالك وتأولوا معه على أنه ﵊ إنما باعه في دين كان على سيده، كما رواه النسائي والدارقطني (١). وروي أنه ﵊ باعه وقضى عنه دينه، ودفع الفضل إليه. وروي عن عائشة (٢) ﵂ أنها باعت مدبرة لها سحرتها ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ولا خالفها، وهذا يدل على جواز بيعه مطلقًا قالوا: ولأنه تعليق للعتق بصيغة انفرد السيد بها، فيتمكن من بيعه كالمعلق عتقه بدخول [الدار] (٣).
وتأوله بعض المالكية: على أنه لم يكن له مال غيره فرد تصرفه. قال: هذا القائل وكذلك برد كل من تصدق بكل ماله. وهذا واه، والصواب نفاذ تصرف من تصدق بكل ماله.
ومنهم من يقول: أنا أقول بجواز بيعه في صورة كذا وفي صورة كذا، والواقعة واقعة حال لا عموم لها، فيجوز أن يكون في الصورة التي أقول بجواز بيعه فيها، فلا تقوم على الحجة في المنع
стр. 5058
من بيعه في غيرها، كما يقول مالك في جواز بيعه في الدين على التفصيل المذكور في هذهبه. قال القاضي عياض (١): والأشبه عندي أنه ﵊ فعل ذلك نظرًا له إذ لم يترك لنفسه مالًا. والصحيح ما قاله أصحاب الشافعي ومن وافقهم: أن الحديث على ظاهره، وأنه يجوز بيع المدبر بكل حال ما لم يمت السيد.
سادسها: نظر الإِمام في مصالح رعيته وأمره إياهم بما فيه الرفق لهم، وبإبطال ما يضر من تصرفاتهم التي يمكن فسخها [(٢)].
стр. 5059
آخر كتاب شرح العمدة للشيخ الإِمام العالم العلَاّمة أبي حفص عمر بن الشيخ الإِمام العالم العلَاّمة أبي الحسن علي بن الشيخ الإِمام العالم العلَاّمة أبو العباس أحمد الشافعي الشهير بابن أبو الحسن النحوي. غفر الله ذنوبه وستر عيوبه، والله الموفق للصواب وإليه وجميع المسلمين بمحمد (١) وآله. المرجع والمآب به الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وذكر مؤلفه المذكور عفا الله عنه أن هذا الشرح نجز مساء يوم السبت ثاني عشر من شهر الله المحرم سنة ست وستين وسبعمائة أحسن الله تقضيها وما بعدها في خير وعافية، وقد اشتمل بحمد الله ومنه على فنون من هذا العلم كعلم العربية واللغة والأحكام الشرعية وأسماء الصحابة والتابعين وما تيسر من مآثرهم ومناقبهم وبيان مبهماته ومهماته، والجمع بين المختلفات، ومذاهب علماء الإِسلام والأماكن العظام، فله الحمد على تيسير ذلك وأمثاله وأفضاله، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين اللهم انفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه، والناظر فيه وجميع المسلمين ... آمين.
وعلقه لنفسه أجمع فقير رحمة ربه المعترف بذنبه محمَّد بن سليمان عوض بن سليمان البكري الشافعي في مستهل ربيع الآخر من شهور سنة ست وستين وسبعمائة غفر الله له ولوالديه وبجميع المسلمين وكتبه أجمع من خط مؤلفه اللهم صلِّى على محمَّد وآله.
стр. 5060
تم الكتاب بمعونة الملك الوهاب سائلًا الله أن يجعله ذخرًا يوم القيامة ووالديّ، ولمؤلفه ووالديه، وناسخيه ووالديهم، وجميع المسلمين وأن يمنحنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، وأن يغفر لنا زلاتنا ويستر عوراتنا ويكشف كربتنا وأن يصلح لي نيتي وذريتي وأن يجعلهم هداة مهتدين وأن يجعلنا ممن إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر وإذا أذنب استغفر، وأن يصلح حال أمة محمَّد ﷺ وأن يغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات، كما أسأله أن يجعله خالصًا لوجه الكريم وأن ينفع به ممن اطلع عليه وقرأه وكتبه وسعى في نشره تعلمًا وتعليمًا وطباعة. وصلَّي الله وسلَّم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. تم كتابته والتعليق عليه وتصحيحه في مدينة بريدة حرسها الله من كل سوء وديار المسلمين.
أبو أحمد/
عبد العزيز بن أحمد بن محمَّد بن حمود المشيقح
١٥/ ١٢/ ١٤١٥ هـ