← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تقديم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه. وبعد: فقد اطَّلعتُ على عمل الشيخ عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح، في إخراجه لكتاب "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لسراج الدين عمر بن علي ابن الملقن " وتحقيقه له، فوجدته عملًا جيدًا في جملته. قد بذل فيه مجهودًا يشكر عليه، فجزاه الله خيرًا وأثابه على ما قام به من خدمةٍ لهذا الكتاب الجليل. وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وآله وصحبه. كتبه صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان ٢٤/ ٥/ ١٤١٦ هـ

стр. 2

تقديم الحمد لله ناصر عباده الصالحين ولو بعد حين، موفِّق من شاء منهم لنصرة هذا الدين، كُلٌّ بما فتح الله عليه في حراسة ثغر من ثغوره على مَرِّ السنين، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى صحابته، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أمَّا بَعْدُ: فهذان عالِمان محدِّثان، حافظان، مَشرِقِيَّان، بَيْن وَفَاتَيهِما قَرْنَانِ من الزمان وأربعة أعوام؛ أحدهما: دمشقي حنبلي، هو الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (ت ٦٠٠ هـ). والثاني: مصري شافعي، هو الحافظ أبو حفص عمر بن علي ابن الملقن الأنصاري (ت ٨٠٤ هـ)، توافرت همتهما على خدمة هذه الشريعة المباركة في ينبوعها الحديثي. فالأول هُنَا: مَاتِنٌ في كتابه: "عمدة الأحكام فيما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلما" إذ جمع فيه (٤٢٧) حديثًا، رَتَّبها على أبواب الفقه؛ وفق ترتيب الحنابلة، ولعله أول مَنْ نَزَعَ إلى هذا النوع من التخريج , المجرد عن الأسانيد، المقتصر على أحاديث من

стр. 3

الصحيحين في أحكام أفعال العبيد، ثم قَفَاهُ الناس بالتأليف على منواله، وتنافس الأعلام على شرح كتابه. وكانت الإلتفاتة بتصحيح ألفاظه، وعزوه، من نصيب العلامة الزركشي، وهذا الحافظ -رحمة الله عليه- صاحب مبادرات موفقة، حديثية جليلة، ولو لم يكن منها إلَاّ أنه أول من أَلَّف في رجال الكتب الستة مجتمعين في كتابه: "الكمال ... "، والناس بعده عليه عيال. والثاني: شارح له وهو ابن الملقن، أعجوبة عصره في كثرة تصانيفه، ومنها شرحه هذا: "الإِعلام بفوائد عمدة الأحكام"، وهو شرح نفيس جِدًّا، حافل بالفوائد واللطائف، وتحرير الأحكام، وَفَكِّ المبهم، وكشف المهمل، وقد نزع في العرض طريقة مفصلة، لم نرها في شُروح من تقدمه. وعلى بابته، جَرَى عَصرِيُّهُ، وَبَلَدِيُّهُ، الحافظ في بدر الدين العيني الحنفي (ت ٨٥٥ هـ) -رحمه الله تعالى- في كتابه: "عمدة القاري" لا سيما في المجلدات الأربعة الأولى فَلَعَلَّهُ استفادها منه، كما استفاد من شرحه دون عزوٍ إليه، فالله يغفر لنا وله. كما شاركه في الإستفادة من هذا الشرح: تلميذه الحافظ شهاب الدين ابن حجر الشافعي (ت ٨٥٢ هـ) في شرحه الفائق: "فتح الباري" فإنه اتَّكَأَ على شرح شيخه هذا في الأحاديث التي تناولها بعزو على ندرة، وبدون عزو بكثرة؟؟ أقول: كيف وَقَعَ هذا مع جلالة البدر، والشهاب، يا ليتني ما دريته، لكن معاذ الله، أن نتَّبع إلَّا من وجدنا متاع ابن الملقن عنده

стр. 4

-رحم الله الجميع- وجزاهم خيرًا على جهودهم الفائقة في حراسة هذا الدين. وإذا كان هذا الكتاب، يحتل هذه المكانة العالية، والمنزلة الرفيعة، وتميزه بطريقة العرض في تنظيمها الدقيق المناسب لأهل عصرنا، علمت مقدار ما منحه الله -تعالى- من التوفيق، لمحقق هذا الكتاب: فضيلة الأخ في الله الشيخ عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح، فإنه -بحمد الله- قد وُفِّقَ بِحُسْن الاختيار، وحُسن الإخراج، وبَذْل الجهد في المقابلة، والتخريج، وتَوثيق النقول، والأقوال، كما ظهر لي ذلك من قراءة جُلِّ النص المحقَّق في الجزء الأول، فجزاه الله خيرًا، وشكر سعيه. والحمد لله رب العالمين. وكتب بكر بن عبدالله أبو زيد ٢٢/ ٥/ ١٤١٧ هـ

стр. 5

مُقَدّمة المحقق إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾. وبعد: فإنه لما كان العلم أشرف ما يُتَحَلَّى به في الوجود، وأحسن ما يتفضل الله به على عباده ويجود، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ فَفَضَّلَ مَنْ مَنَّ عليهم بهذا وزينهم بلباس التقوى والوقار، لمَّا تزين غيرهم باللباس الفاني، وأَكرمهم بخاصية أن قرن ذكرهم بذكره وأشهدهم على وحدانيته،

стр. 6

قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، فهم أهل الخشية والشكر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فبهم يسترشد المسترشدون وبنورهم يستضيء المهتدون ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ليرشدوهم إلى سبيل الحق، والواجب لله على الخلق، وأَراد بهم خيرًا حيث فقههم في الدين، "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" فجميع الخلائق مأمورون بالاهتداء بهديهم، والرجوع إليهم في دينهم، إذا تمسكوا بحبل الله القويم وسلكوا صراطه المستقيم، فهم المكرمون بوراثة النبيين. إن العلماء ورئة الأنبياء، ففضَّلهم في الدنيا بأن يستغفر لهم كل حي وبأنهم كالقمر ليلة البدر لشدة الإِضاءة لأحوال العباد في العبادة، وفي الأخرى الحشر في زمرة الأنبياء والرسل، فهذا هو العلم النافع الذي يورث خشية الله ويبلغ رضاه، والذي يستفيد منه العالم مع القليل من العمل. فإن من عرف هذا فعليه بالاجتهاد لينال ما يرجو من النجاة في يوم المعاد، حيث قلة بضاعة كثيرين من الناس -في هذا الزمن- ممن ينتسبون إلى العلم الشرعى -أمثالي- من الأحاديث النبوية الصحيحة، والناس عيال في العلم على من قبلهم من أئمة أهل العلم. فالتمست خدمة هذا الفن بحسب الحال، فألزمت نفسي بالبحث والتفتيش فيما وقعت عليه يدي من فهارس الكتب المطبوعة والمخطوطة بحثًا عن كتاب نافع أصيل في هذا الشأن رجاء أن يحقق الله لي به تلك الأمنية، فهداني الله وله الحمد والمنة إلى مخطوطة كتاب"الِإعلام بفوائد عمدة الأحكام" وهو شرح نفيس لكتاب "عمدة

стр. 7

الأحكام"، فلما قرأت ما تيسر لي منها واطلعت على بعض كلام أهل العلم في الإحالة عليها والثناء عليها وعلى مؤلفها ﵀ ولا سيما الأئمة المعتبرين شرح الله صدري لتحقيق مخطوطته وطباعته ليكون في متناول الراغبين في الإطلاع عليه والاستفادة منه من أهل العلم؛ لأن ذلك من الإعانة على البر والتقوى والنصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فاستعجلت ذلك لعدة أمور، منها: أولًا: خشية تعرض المخطوطة للتلف أو النسيان. ثانيًا: الإسراع في تحقيق الاستفادة منها خدمة لطلبة العلم وليحوز مؤلفه ﵀ عظيم الأجر، قال ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاث ... " ثم قال: "علم ينتفع به". ثالثًا: كون هذا الشرح من أنفس الشروح لكتاب عمدة الأَحكام الذي نفع الله به علماء المذاهب في سائر العصور. رابعًا: كثرة المعتنين بحفظ متنه والمشتغلين بتدريسه وشرحه من أهل العلم فأحببت أن يكون هذا الشرح في متناول أيديهم تتميمًا للفائدة، وإعانة على الخير. وبعد: فهذا واحد من كتب الأكابر من أهل العلم المغمورة التي كادت أن تدخل في طي النسيان بعد غياب طويل، وقد بذلت غاية الجهد -حسب الحال- و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ في إخراجه بصورة علمية أحسبها تتناسب مع مكانة الكتاب والمطلعين عليه، فإن أصبت فمن توفيق الله ، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم.

стр. 8

وأشكر الله العلي القدير أن يسر مقابلته وتصحيحه، والتعليق عليه وتخريج أحاديثه -حسب الاستطاعة-، وأن شرفني بخدمة هذا الكتاب ومؤلفه، وأسأله سبحانه أن يرزقني الإخلاص في القول والعمل والسر والعلن، وأن يجعله في ميزان حسناتي ومؤلفه ومَنْ كتبه، ومن اطَّلع عليه وقرأه، ومن ساهم في نشره وتوزيعه، وأن يعم بنفعه جميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يغفر لي ولوالديّ ومن قَرَأْنا عليه، وأن يصلح لنا النيات والذريات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله الطيبين وأزواجه أمهات المؤمنين.

стр. 9

ترجمة موجزة للحافظ عبد الغني صاحب "العمدة " أولًا- مصادر الترجمة على حسب تواريخ وفيات مؤلفيها: ١ - ياقوت الحموي (ت ٦٢٦) معجم البلدان (٢/ ١٦٠) جماعيل. ٢ - ابن نقطة (ت ٦٢٩) التقييد (٢/ ١٣٨). ٣ - ابن الدبيثي (ت ٦٣٧) في تاريخه (انظر: المختصر المحتاج إليه من تاريخ ابن الدبيثي) انتقاء الذهبي (٣/ ٨٢، ٨٣). ٤ - ابن النجار (ت ٦٤٣) المستفاد من ذيل تاريخ بغداد لابن الدمياطي (ص ١٦٧، ١٦٩). ٥ - المنذري (ت ٦٥٦) في التكملة لوفيات النقلة (٢/ ١٧) رقم (٧٧٨). ٦ - أبو شامة (ت ٦٦٥) في الذيل على الروضتين (ص ٤٦، ٤٧). ٧ - الذهبي (ت ٧٤٨) في تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٧٢)، وفي سير أعلام النبلاء (٢١/ ٤٤٣، ٤٧١)، وفي العبر (٣/ ١٢٩)، وفي

стр. 10

دول الإسلام (٢/ ١٠٧)، وفي المعين لطبقات المحدثين (ص ١٨٦). ٨ - ابن كثير (ت ٧٧٤) في البداية والنهاية (١٣/ ٣٨، ٣٩). ٩ - ابن رجب (ت ٧٩٥) في الذيل على طبقات الحنابلة. ١٠ - جمال الدين بن تغرى بردى (ت ٨٧٤) في النجوم الزاهرة (٦/ ١٨٥). ١١ - السيوطي (ت ٩١١) في طبقات الحفاظ (٤٨٥، ٤٨٦)، وفي حسن المحاضرة (١/ ٣٥٤). ١٢ - ابن طولون (ت ٩٥٢) تاريخ الصالحية (٢/ ٤٣٩). ١٣ - حاجي خليفة (ت ١٠٦٧) في كشف الظنون (١٠١٣، ١١٦٤، ١٥٠٩، ٢٠٥٣) ١٤ - ابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩) شذرات الذهب (٤/ ٣٤٥، ٣٤٦). ١٥ - صديق خان (ت ١٣٠٧) في التاج المكلل (٢١٣). ١٦ - إسماعيل باشا (ت ١٣٣٧) ذيل كشف الظنون (٢/ ٦٩، ١٤٨، ١٩٦، ٢٩٦، ٣٠٨، ٣١٨، ٤٩٣). ١٧ - الكتاني (ت ١٣٤٥) الرسالة المستطرفة (٤٩). ١٨ - بروكلمان (ت ١٣٧٦) تاريخ الأدب العربي (٦/ ١٨٥، ١٩٢). ١٩ - الزركلي (ت ١٣٩٦) الأعلام (٤/ ٣٤).

стр. 11

٢٠ - كحَّالة في معجم المؤلفين (٥/ ٢٧٥). ٢١ - ترجمته في التنبيه للزركشي في مجلة الجامعة الإسلامية تح: د. الزهراني. ٢٢ - ترجمته في كتاب عقيدة الحافظ عبد الغني تح: د. البصيري. وقد استفدت منهما كثيرًا في الترتيب مع شئ من الاختصار والتصرف بما يناسب الكتاب فجزاهما الله خيرًا. ... ثانيًا- ترجمته: اسمه ونسبه: هو الإمام الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر، الجماعيلي، ثم الدمشقي المنشأ، الصالحي الحنبلي. مولده ونشأته: ولد بجماعيل من أرض نابلس سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، ونسب لبيت المقدس لقرب جماعيل منه؛ ولأن نابلس وأعمالها جميعًا من مضافات بيت المقدس، ثم انتقل مع أسرته من بيت المقدس إلى مسجد أبي صالح خارج الباب الشرقي لمدينة دمشق أولًا، ثم انتقلت أسرته إلى سفح جبل قاسيون فبنوا دارًا تحتوي على عدد كبير من الحجرات دعيت بدار الحنابلة، ثم شرعوا في بناء أول مدرسة في جبل قاسيون وهي المعروفة بالمدرسة

стр. 12

العمرية، وقد عرفت تلك الناحية التي أسسوها بالصالحية فيما بعد نسبةَ إليهم، لأنهم كانوا من أهل العلم والصلاح، ومما زاد في تقوية نشأته الدينية والعلمية وجود نِدٍّ له يماثله في السن والطلب هو ابن خالته موفق الدين ابن قدامة صاحب "المغني"، حيث صاحبه في طلبه للعلم كما سيأتي في رحلته العلمية. بدايته العلمية: نشأ عبد الغني ﵀ في بيت علم وتقى وصلاح، فاتجه إلى طلب العلم في سن مبكر فتتلمذ في صغره على عميده أسرته العلامة الفاضل الشيخ محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو عمر والد صاحب "المغني"، ثم تتلمذ على شيوخ دمشق وعلمائها فأخذ عنهم الفقه وغيره من العلوم ومنهم: أبو المكارم بن هلال. رحلاته: كانت له رحلات علمية جاب خلالها كثيرًا من البقاع، وسمع فيها بدمشق والإسكندرية وبيت المقدس ومصر وبغداد وحِرَّان والموصل وأصبهان وهَمَذان وغيرها، وسافر إلى بغداد مرتين الأولى سنة ٥٦١، ومصر مرتين، وكان ارتحاله إلى دمشق وهو صغير بعد سنة خمسين وخمسمائة فسمع بها من أبي هلال، وسلمان بن علي الرحبي وأبي عبد الله محمد بن حمزة القرشي، وغيرهم. ثم رحل إلى بغداد سنة إحدى وستين وخمسمائة مع ابن خالته الشيخ الموفق فأقاما ببغداد أربع سنين، وكان الموفق ميله إلى الفقه والحافظ عبد الغني ميله إلى الحديث، فنزلا على الشيخ عبد القادر الجيلاني،

стр. 13

وكان يَرْعَاهُمَا ويحسن إليهما، وقرأوا عليه شيئًا من الحديث والفقه، وحكى الشيخ الموفق أنهما أقاما عنده نحوًا من أربعين يومًا ثم مات، وأنهما كانا يقرآن عليه كل يوم درسين من الفقه، فيقرأ هو من الخرقي من حفظه، والحافظ من كتاب الهداية. قال الضياء: وبعد ذلك اشتغلا بالفقه والخلاف على ابن المنى وصارا يتكلمان في المسألة ويناظران، وسمعا من أبي الفتح ابن البطي وأحمد بن المقرئ الكرخي وأبي بكر ابن النقور وهبة الله بن الحسن بن هلال الدقاق وأبي زرعة وغيرهم، ثم عادا إلى دمشق. ثم رحل الحافظ سنة ست وستين إلى مصر والإسكندرية وأقام هناك مدة سمع فيها من السِّلفي، ثم عاد إلى دمشق، ثم رحل أيضًا إلى الإسكندرية سنة سبعين وأقام بها ثلاث سنين وسمع بها من الحافظ السلفي، وأكثر عنه حتى قيل: لعله كتب عنه ألف جزء، وسمع من غيره أيضًا، وسمع بمصر من أبي محمد بن بري النحوي وجماعة، ثم عاد إلى دمشق، ثم سافر بعد السبعين إلى أصبهان وكان قد خرج إليها وليس معه إلَّا قليل فلوس، فسهل الله له مَنْ حَمَلَهُ وأنفق عليه حتى دخل أصبهان وأقام بها مدة وسمع بها الكثير، وحصّل الكتب الجيدة ثم رجع. وسمع بهمذان من عبد الرزاق بن إسماعيل القرماني، والحافظ أبي العلاء، وغيرهما، وبأصبهان من الحافظين: أبي موسى المديني وأبي سعد الصائغ وطبقتهما، وسمع بالموصل من خطيبها أبي الفضل الطوسي، وكتب بخطه المتقن ما لا يوصف كثرةً، وعاد إلى دمشق.

стр. 14

ولم يزل ينسخ ويصنف ويُحَدِّثُ، ويفيد المسلمين، ويعبد الله حتى توفاه الله على ذلك. وقد جمعت فضائله وسيرته، وممن أعدها: ضياء الدين، في جزئين، وذكر فيها أن الفقيه مكي بن عمر بن نعمة المصري جمع فضائله أيضًا. وهكذا قطع الفيافي وجاب الأمصار بحثًا عن العلم وجهادًا في سبيله. عصر المقدسي: وُلد المقدسي ﵀ في خلافة المقتفي لأمر الله (محمد المستظهر باللهِ). وهو عبارة عن رمز للخلافة وليس بيده من أمور الدولة شيء، ويعتبر هذا التاريخ عمق ضعف الدولة العباسية، فقد انفرط عقد الخلافة العباسية وبدأتْ في الانحدار من أوج قوتها بعد موت المعتصم، وأن كان ابنه المتوكل جعفر أصلح ما أفسده جده المأمون وأخوه الواثق هارون من أمر العقيدة، فأمات بدعة القول بخلق القرآن، وهذا العمل أبرز حسناته، ومنذ ذلك الوقت والمسلمون يعانون من الضعف السياسي وشتات الأمر، وكان ظهور الدويلات والممالك الإِسلامية وبالًا على وحدة المسلمين وإضعافًا لقوتهم، فسادت الفوضى السياسية واندلعت الحروب بين المسلمين وأُضْرِمَت نار الهلاك، وكثر النهب والسلب، ووجد الإفرنج فرصة سانحة لضرب المسلمين في عقر دارهم، ونشطت الفرق الهدامة. كما عاصر المقدسي ﵀ خلافة المستنجد بالله ابن

стр. 15

المقتفي، ولم يكن أحسن حالًا من أبيه، فكان من أبرز أعماله في بداية عهده الاشتغال بالصيد في الوقت الذي كانت الممالك نشطة في الغارات والحروب والاستنجاد بالفرنج! وقد عايثى المقدسي ﵀ خلافة المستضيء بأمر الله (الحسن بن المستنجد) كان خيرًا من أبيه، ومما حدث وجَدَّ في عهده: إبطال مظالم كثيرة، وانقطاع الدعوة العبيدية، والحمد لله. وعاصر المقدسي ﵀ أحداث الملك نور الدين صاحب الشام، وكان ملكًا مجاهدًا، محاسنه جمة في دينه وشجاعته، وغزواته وفتوحاته، ومساجده ومدارسه، وبره وعدله، وقد أبطل المكوس، وأبلى بلاء حسنًا في دك حصون الفرنج والاستيلاء عليها، وله وقائع قتالية واسعة جرت أحداثها سجالًا بينه وبين الفرنج. وعاصر المقدسي ﵀ صلاح الدين الملك الناصر، الذي رفع راية الجهاد مؤيدًا منصورًا بجيوش المسلمين. وشهد المقدسي ﵀ عصر خلافة الناصر لدين الله (أحمد بن المستضيء) وقد تميّز عصره لقوة صلاح الدين الملك الناصر (يوسف بن الأمير نجم الدين أيوب) الذي كان سلطان زمانه، له السيادة والقيادة، أذاق الفرنج الذل والهوان، وهو بحق السلطان المجاهد في سبيل الله، افتتح بسيفه وبإخوانه بلادًا من الموصل إلى اليمن، ومن أسوان إلى طرابلس، فارتفع به المسلمون، ودك حصون الكفرة وأَرْغَمَ أنوفهم في أراضيهم فعز الله به الإسلام والمسلمين، ولا يزال المسلمون إلى الآن ينظرون إلى عصره أنه من العصور

стр. 16

الإسلامية الزاهرة فلا تكاد ترى مسلمًا إلَّا وهو يتمنى عودة مثل هذا العصر الزاهر. أهم الأحداث التاريخية في عصره: ١ - موقعة الزلاقة في الأندلس: كان جيش المسلمين فيها يقدر بمائتي ألف ما بين فارس وراجل، واجه جيش الفرنج المقدر بمائتين وأربعين ألفًا، وكانت الدائرة في هذه الموقعة على الأعداء ونصر الله جيش المسلمين، فقتلوا مائة وأربعين ألفًا من الفرنج وأسروا منهم ثلاثين ألفًا وغنموا ثمانين ألف فرس ومائة ألف من البغال حتى بخست أثمانها عند بيعها (١). ٢ - ما حَلَّ ببلاد مصر من القحط والوباء المفرط، فخربت الديار وجلى عنها أهلها، كان ذلك في سنة ست وتسعين وخمسمائة، وفي التي تليها اشتد البلاء حتى أكلوا لحوم الآدميين، وأكثر القرى لم يبق بها آدمي، وكان يخرج من القاهرة في اليوم نحو خمسمائة جنازة حتى سجل في ديوان الهالكين نحو مائة وأحد عشر ألف في نحو سنتين (٢). ٣ - وقوع زلزلة بالشام كان من هولها ما لا يوصف، كادت لها الأرض تسير سيرًا، والجبال تمور مورًا، وما ظن الناس إلَّا أنها القيامة جاءت دفعتين، دامت الواحدة مقدار ساعة أو أزيد، وقيل:

стр. 17

إن صفد لم يبق بها سوى رجل واحد، ونابلس لم يبق بها حائط، ومات بمصر خلق كثير تحت الردم. ٤ - ماجت النجوم في بغداد في أول سنة تسع وتسعين وخمسمائة وتطايرت شبه الجراد، ودام ذلك إلى الفجر وضجّ الخلق بالابتهال إلى الله تعالى (١) حالة المجتمع في عصره: كما تقدّم لنا ذكر شيء من الحالة السياسية في وقته، والحالة السياسية في كل زمان ومكان تنعكس آثارها على الحالة الاجتماعية سلبًا وإيجابًا؛ لأن السياسة هي البنية الأولى للمجتمع، ولكن في كل زمان لا تخلو طائفة على الحق قائمين يدعون إلى دين الله ويعلمونه وينشرونه في أرجاء المعمورة، وما وَصلَنَا إلَّا بتوفيق الله ثم حماية الأجيال المتوارثة خلفًا عن سلف والجهود الذاتية التي يقوم عليها رجال مخلصون. الحالة التعليمية: من المعلوم أن النبي ﷺ قال: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ... " الحديث، وقد تكفّل الله بحفظ دينه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فيقيض الله في كل زمان جهابذة يتفانون في خدمة دينه ونشره بين البرية، وسواء كان هؤلاء من العلماء العاملين المخلصين، أو الملوك أو التجار، وذلك بقيام العلماء بالتعليم،

стр. 18

والملوك والتجار بالبذل والدعم المادي، ولذلك نلاحظ انتشار المدارس في كثير من الأقطار الإسلامية وكثرة الأوقاف عليها، فكان العلماء في الجانب العلمي رؤوسَ خير، وأعلامَ هدى، وحُرَّاسًا للإسلام من التبديل والتحريف الذي يطرأ عليه من أيدي أعدئه. مكانته العلمية: إن إمامنا المقدسي ﵀ بدأ بتكوين نفسه منذ حداثة سنه كما مر علينا في بدايته العلمية ورحلاته، فبدأ أولًا بالأخذ عن علماء بلده، ثم اتجه إلى الأخذ عن علماء الأقطار في زهرة شبابه لينال ما لم يجده عند علماء بلده، ثم بعد هذا ساعدت بعض الأحداث الجسام التي عاصرها وحدثت في وقته فساعدت على صقل شخصيته فانجبت عالمًا فذًّا كما سنتحدث عنه في ألقابه العلمية وثناء العلماء المعاصرين عليه، وتصانيفه من أكبر الأدلة على علمه، فرحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا. ما قيل عنه في حفظه: قال الحافظ الضياء: كان شيخنا الحافظ لا يكاد أحد يسأله عن حديث إلَّا ذكره له وبينه وذكر صحته أو سقمه، ولا يسأله عن رجل إلَّا قال: هو فلان بن فلان الفلاني، ويذكر نسبه، وأنا أقول "أي الضياء": كان الحافظ عبد الغني أمير المؤمنين في الحديث. قال الضياء: وشاهدت الحافظ غير مرة بجامع دمشق يسأله بعض الحاضرين وهو على المنبر: اقرأ لنا أحاديث من غير أجزاء، فيقرأ الأحاديث بأسانيدها عن ظهر قلب.

стр. 19

ألقابه وثناء العلماء عليه: إن كل عالم مخلص سيذكر ما شاهده في شخصية عاصرها وذلك حفظًا للأمانة وخدمة لمن سيأتي بعد هذا الزمن، وكذلك العلماء العاملين يهتم الناس المعاصرون لهم بدراسة أحوالهم واعطاء صورة واضحة لمن يجهلها في الأجيال المعاصرة والقادمة، وممن نال نصيبًا وافرًا من ذلك: الإِمام المقدسي، فقد لُقِّبَ بألقاب علمية مع ملازمة ثناء العلماء عليه. فقد وُصف بالحفظ والتصنيف، وفي هذا دلالة على فهمه وذكائه، كما اهتم مَنْ كتب عنه بذكر جانب كبير يحتاج إليه العلماء في كل زمان ومكان، وهو محاربة البدع والقيام على أهلها بالإِنكار، حتى ثارت عليه المبتدعة وأهدروا دمه، فلم يكترث بشئ من ذلك ولم يقم له إحساس بهم، ولا زال على ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فكان لا يرى منكرًا إلَّا غَيَّرَهُ، وهذا يدله على شجاعته وصلابة شخصيته، ولا ننسى مع هذا أنه كان سمحًا متواضعًا وكريمًا لا يدخر شيئًا من ماله، حتى قيل: كان يخرج في الليل بقُفّة الدقيق ويتجه بها إلى بيوت المعوزين، ويطرق الباب، فإذا فتحوا ترك ما معه ومضى؟ لئلا يعرف، وربما كان عليه ثوب مرقع ومع ذلك فكان ملازمًا للصيام والصلاة فقد قيل: إنه كان يصلي الفجر ويلقن القرآن، وربما لقن الحديث، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي ثلاثمائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبيل الظهر فينام نَوْمَةً، فيصلي الظهر ويشتغل بالتسميع أو النسخ إلى المغرب فيفطر إن كان صائمًا ويصلي إلى العشاء، ثم ينام إلى نصف الليل ثم يصلي إلى الفجر.

стр. 20

قال ابن النجار في تاريخه: حدث بالكثير وصنف في الحديث تصانيف حسنة وكان غزير الحفظ من أهل الإِتقان والتجويد ... إلخ. وقال ابن الدبيثي في تاريخه: وكان زاهدًا عابدًا أمارًا بالمعروف نهّاءً عن المنكر، أثنى الحفّاظ والأئمة على فهمه وحذقه وحفظه، وأثنى الذهبي عليه، فقال: الإمام العالم الحافظ الكبير الصادق العابد الأثري المتبع. المحنة التي مرَّ بها الحافظ: قال ابن كثير في البداية والنهاية (١٣/ ٣٩) في ترجمته: (ثم رحل إلى أصبهان فسمع بها الكثير ووقف على مصنف للحافظ أبي نعيم في أسماء الصحابة فأخذ في مناقشته في أماكن من الكتاب في مائة وتسعين موضعًا، فغضب بنو الخجندي من ذلك وأرادوا هلاكه، فخرج منها مختفيًا في إزار، ولما دخل الموصل في طريقه سمع بها كتاب العقيلي في الجرح والتعديل فثار عليه الحنفية بسبب أبي حنيفة، فخرج منها أيضًا خائفًا يترقب فلما ورد دمشق كان يقرأ الحديث بعد صلاة الجمعة برواق الحنابلة من جامع دمشق، فاجتمع الناس عليه، وكان رقيق القلب سريع الدمعة فحصل له قبول من الناس جدًّا وانتفع الناس بمجالسه كثيرًا، فوقع الحسد عند المخالفين من أهل دمشق فجهزوا الناصح الحنبلي فتكلم تحت قبة النسر، وأمروه أن يجهر بصوته مهما أمكنه حتى يشوش عليه، فحول عبد الغني ميعاده إلى بعد العصر فذكر يومًا عقيدته فثار عليه القاضي ابن الزكي وضياء الدين الدولعي، وعقدوا له مجلسًا في القلعة يوم

стр. 21

الاثنين الرابع والعشرين من شهر ذي القعدة سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وتكلموا معه في مسألة العلو والنزول ومسألة الحرف والصوت، وطال الكلام وظهر عليهم بالحجة، فقال له برغش نائب القلعة: كل هؤلاء علي الضلالة وأنت على الحق؟ قال: نعم. فغضب برغش من ذلك وأَمَرَهُ بالخروج من البلد، فارتحل بعد ثلاث إلى بعلبك، ثم إلى القاهرة فنزل عند الطحانين، وصار يقرأ الحديث، فثار عليه الفقهاء أيضًا، فكتبوا إلى الصفي بن شكر وزير العادل أنه قد أفسد عقيدة الناس، ويذكر التجسيم على رؤوس الأشهاد، فكتب إلى والي مصر بنفيه إلى المغرب، فمات قبل وصول الكتاب إليه. عقيدته: إن عقيدة المقدسي ﵀ هي عقيدة السلف الصالح، وذلك بوصف الله سبحانه بما وصف به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ دون تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تعطيل، امتثالًا لقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾. ونجملها فيما حكاه الحافظ الضياء قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: إن الحافظ أُمِرَ أن يكتب اعتقاده فكتب: أقول كذا لِقَوْل الله كذا، وأقول كذا لقول رسول الله ﷺ حتى فرغ من المسائل التي يخالفون فيها، فلما وقف عليها الملك الكامل قال: إيش في هذا؟ يقول بقول الله وقول رسول الله ﷺ ، هذا ورب الكعبة هو الحق المبين فالله أعلم بنفسه مِنْ خلْقِهِ ومحمد ﷺ أعرف بربه من الفقهاء، قال: فخلّى عنه.

стр. 22

تلاميذه والآخذون عنه: كما سبق أن الإمام المقدسي ﵀ كان يكثر من التسميع والتدريس وصَرَفَ جُلَّ وقته للعلم والتعليم، فكثر حوله الطلاب والمستفيدون منه من جميع الأمصار فممن تتلمذ عليه: ولداه: أبو الفتح، وأبو موسى، وأخذ عنه موفق الدين ابن خالته عز الدين محمد، والحافظ أبو موسى عبد الله، والفقيه أبو سليمان، والحافظ الضياء المقدسي، والخطيب سليمان بن رحمة الأسعردي، والبهاء عبد الرحمن، وعبد القادر الرهاوي، والفقيه اليونيني محمد بن أحمد. وآخر من أخذ عنه محمد بن مهلهل الجيتي، وبقي بعده بالإجازة أحمد بن الخير شيخ الحافظ الذهبي، وآخرين غيرهم. مصنفاته: ١ - كتاب "المصباح في عيون الأحاديث الصحاح" مشتمل على أحاديث الصحيحين. ٢ - كتاب "الذكر" جزآن. ٣ - كتاب "الفرج" جزآن. ٤ - كتاب "تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين". ٥ - كتاب "الآثار المرضية في فضائل خير البرية" أربعة أجزاء. ٦ - كتاب "الروضة" أربعة أجزاء.

стр. 23

٧ - كتاب " نهاية المراد من كلام خير العباد" لم يبيض كله، في السنن، نحو مائتي جزء. ٨ - كتاب "اليواقيت" مجلد. ٩ - كتاب "الصِلات من الأحياء إلى الأموات" جزآن. ١٠ - كتاب "الصفات" جزآن. ١١ - كتاب "محنة الإمام أحمد" ثلاثة أجزاء. ١٢ - كتاب "الترغيب في الدعاء" جزء كبير. ١٣ - كتاب "فضائل مكة" أربعة أجزاء. ١٤ - كتاب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". ١٥ - كتاب "فضائل رمضان" جزء. ١٦ - كتاب "الأربعين". ١٧ - كتاب "الأربعين" نوع آخر. ١٨ - كتاب "ذم الرياء" جزء كبير. ١٩ - كتاب "الأربعين من كلام رب العالمين". ٢٠ - كتاب "الأربعين" بسند واحد. ٢١ - كتاب "اعتقاد الإمام الشافعى" جزء كبير. ٢٢ - كتاب "الحكايات" سبعة أجزاء. ٢٣ - كتاب "غنية الحفاظ في تحقيق مشكل الألفاظ". ٢٤ - كتاب "من صبر ظفر". ٢٥ - كتاب "الجامع الصغير لأحكام البشير النذير". ٢٦ - "مناقب الصحابة" عدة أجزاء. ٢٧ - جزء في مناقب عمر بن عبد العزيز.

стр. 24

٢٨ - جزء في ذكر القبور. ٢٩ - كتاب "الكمال في معرفة الرجال". ٣٠ - كتاب "النصيحة في الأدعية الصحيحة" جزء. ٣١ - كتاب "الاقتصاد في الاعتقاد". ٣٢ - كتاب "سيرة النبي ﷺ جزء كبير. ٣٣ - كتاب "الأحكام على أبواب الفقه" ستة أجزاء. ٣٤ - كتاب "عمدة الأحكام مما اتفق عليه البخاري ومسلم". إلى غير ذلك من الكتب وقد ذكر هذه المؤلفات وأكثر منها: ابن رجب في الطبقات، والذهبي في السير، ولم أذكر أماكن وجود هذه الكتب؛ لأن الوقت لم يسعفني. وفاته: لم يأته أجله إلَّا وهو يخدم هذه الأمة، ويتحفها بعلمه وعمله، وذلك بكثرة ما خلف من الكتب والرسائل التي تقارب مائة كتاب ما بين كتاب كبير وأجزاء صغيرة -يسّر الله للمسلمين إخراجها- مع صيانة علمه من التدنيس، والاجتهاد في العبادة حتى توفاه الله في يوم الاثنين الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ستمائة للهجرة وله تسع وخمسون سنة، ودفن بمقبرة القرافه بمصر بجوار الشيخ أبي عمرو بن مرزوق، ﵀ وجمعنا وإياه في مستقر رحمته، وقد خلف من الولد ثلاثة: عز الدين أبو الفتح محمد، وجمال الدين أبو موسى، وأبو سليمان عبد الرحمن، وكلهم من العلماء ﵏.

стр. 25

ترجمة المصنف "ابن الملقن " للاستزادة من الترجمة راجع: - الضوء اللامع (٦/ ١٠٠). - إنباء الغمر، وفيات سنة ٨٠٤/ ٥/ ٤١. - لحظ الألحاظ في ذيل تذكرة الحفاظ (ص ١٩٧). - شذرات الذهب (٧/ ٤٤، ٤٥). - طبقات الشافعية لابن هداية الله (٢٣٥). - طبقات الشافعية لابن قاضي شُهْبَه (٤/ ٤٣). - الأعلام (٥/ ٢١٨). - ذيل تذكرة الحفاظ للسيوطي (ص ٣٦٩). - البدر الطالع (١/ ٥٠٨). - حسن المحاضرة (١/ ٢٤٩). - هدية العارفين (١/ ٧٩١). - بروكلمان (٢/ ٩٢). - ذيلة (٢/ ١٠٩). - معجم المؤلفين (٧/ ٢٩٧).

стр. 26

- ترجمته في كتاب تحفة المحتاج تح: د/ عبد الله اللحياني. وقد استفدت منه كثيرًا مع بعض التعديل. فجزاه الله خيرًا. اسمه: هو عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله، سراج الدين أبو حفص الأنصاري الوادي ءاشي الأندلسي التكروري المصري الشافعى ويعرف بابن النحوي؛ لأن أباه عليًا كان نحويًا كما سيأتي. الأصل من وآدي آش بالأندلس وبعدها انتقل أبوه منها إلى بلاد التكرور ثم قدم القاهرة بعد أن ولد له صاحب الترجمة بسنة. لقبه: (ابن النحوي) وقد اشتهر بهذا في بعض البلاد كاليمن، أما ابن الملقن فليست له وإنما تزوجت أمه بشيخ كان يلقن القرآن فنشأ في بيته فعرِفَ بابن الملقن نسبة إليه، وإنما كان يغضب من ذلك ولم يكتبها بخطه، إنما كان يكتب ابن النحوي وبهذا اشتهر؛ لأن الأولى نسبة إلى غير أبيه الحقيقي واسمه الشيخ عيسى المغربي، والأخرى نسبة إلى والده. مولده: كما ذكرنا أن والده انتقل إلى القاهرة وبها وُلِدَ ابنه في الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة كما ذكره السخاوى أنه وجده بخطه.

стр. 27

نشأته الذاتية: كما سبق أن والده توفي بعد ولادته بعام، فنشأ يتيمًا وتربى في حجر والدته التي ما لبثت أن تزوجت برجل صالح كان صديقًا لوالده يسمى الشيخ عيسى المغربي الذي كان متفرغًا لتلقين الناس القرآن بجامع ابن طولون، فعاش أبو حفص في رعايته حتى عُد من أبنائه وكان يدعو الشيخ بوالده، ولقد أحسن في تربيته وحَرِص عليه بالقيام على تعليمه وتأديبه حتى نال هذه المنزلة الرفيعة في ميدان العلم، فغالب الناس لا ينال هذه الرفعة لولا أن هيأ الله له هذا الرجل الصالح الذي قام عليه بالرعاية الكريمة والحفاوة البالغة، فجزاه الله خيرًا على ما قدم له، وأناله موعود نبيه الكريم في كفالة اليتيم. بدايته العلمية: حيث إن الإِمام أبو عمر تربَّى في حجر هذا الرجل الصالح فكان لتوجيهه الأثر الطيب في تحصيله، فقد ابتدأه بتحفيظه للقرآن فحفظه، ثم حفظ عليه عمدة الأحكام وأراد أن يوجهه إلى العناية بمذهب مالك بن أنس ﵀ ولكن ابن جماعة صديق والده أشار عليه بأن يقرئه في مذهب الشافعي، فدرس: "المنهاج" للنووي حتى حفظه، ثم أسمعه من علماء زمانه ومحدثيهم كابن سَيد الناس، والقطب الحلبي، وسمع بنفسه من الحسن بن سديد الدين وأحمد بن كشتفدني ومحمد بن غالي وغيرهم، واتجه إلى علم الحديث فحببه الله إليه منذ صغره، وسمع من عامة شيوخ عصره حتى قال عن نفسه: سمعت ألف جزء حديثية، وقد رزقه الله الحرص

стр. 28

والتحصيل والطلب الذي لا تفتر له عزيمة ولا تنام له عين ولا يهدأ له بال. رحلاته العلمية: إن ما انفرد به علماء الإِسلام، لا سيما أئمة الحديث، الارتحال والتنقل تزودًا للعلم والرواية، وملازمة للأسفار في طلب العلوم الشرعيّة، وخاصة علم الحديث، وكان المقصود من الرحلة كما قال الخطيب: أمران: أحدهما تحصيل عُلُّوِّ الإسناد، وقِدَمِ السماع، والثاني لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة منهم، وقد رحل ابن الملقن لهذا الشأن كما هي عادة المحدثين عدة رحلات شملت بلدان كثيرة، فرحل إلى دمشق، وحماه في سنة سبعين وسبعمائة، وكان في صحبته في هذه الرحلة ابنه علي وتلميذه ابن برهان الحلبي كما ذكره ابن شهاب الدين الحجي، وقرظ له ابن السبكي جزءًا من "تخريج أحاديث الرافعي"، مع التنويه بذكره، وقد كانت لابن الملقن رحلة أخرى إلى بلاد الحرمين سنة إحدى وستين وسبعمائة كما ذكره السخاوي في "الضوء اللامع"، أنه شاهد إجازة كتبها ابن الملقن في هذه السنة. وقد ارتحل إلى بلاد المقدس للقاء الحافظ العلائي وقرأ عليه بها كتابه "جامع التحصيل في أحكام المراسيل" وفيها أثنى عليه العلائي ثناء بالغًا. وقد كانت الرحلة عند علماء الحديث لها شأن عظيم لأنها تدل دلالة أكيدة على مواصلة الطالب فيما ابتدأ به، وعلى تحصيله العلمي

стр. 29

في بلده الذي انتهى منه بشهادة علمائها له، وفيها ملاقاة الشيوخ والأخذ عنهم، وكذا إجازته لمروياته لتلاميذه في غير بلده. شيوخه: في كل زمان يُوجَدُ صفوة ممتازة تكون على جانب كبير من العلم والمعرفة فيتتلمذون عليهم الطلاب ويتخرج على أيديهم نخبة تبلغ مستوى مشائخهم في التبحر في العلم، فينال الطلاب شرف النعليم على هؤلاء، كما يكون للشيخ ذكرًا حسنًا بسبب علو منزلة تلميذه. وفي هذه العجالة نذكر بعض مشائخ ابن الملقن الذي تخرج عليهم ومنهم استفاد: ١ - خليل بن كيكلدي العلائي، صاحب كتاب "جامع التحصيل في أحكام المراسيل" قرأ عليه في بيت المقدس كتابه هذا. ٢ - عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الهادي زين الدين الصالحي. ٣ - عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي شيخ الشافعية في وقته. ٤ - عبد الله بن يوسف بن عبد الله جمال الدين أبو محمد النحوي المشهور بابن هشام. ٥ - علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الأنصاري. ٦ - عمر بن حمزة بن يونس العدوي الإربلي، أجاز له ولولده. ٧ - محمد بن يوسف بن علي الغرناطي أثير الدين أبو حَيَّان

стр. 30

الأندلسي، صاحب "البحر المحيط" في التفسير قرأ عليه في العربية. ٨ - يوسف بن الزكي بن عبد الرحمن بن يوسف، الحلبي الأصل، المزِيِّ، أبو الحجاج جمال الدين. ٩ - عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم عز الدين أبو عمر الكناني المصري المعروف بابن جماعة، من أعلام الشافعية في عصره، أخذ عنه الفقه. ١٠ - إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم شرف الدين المناوي. للاستزادة من مشائخه ينظر ما جاء في كتاب "الضوء اللامع" (٦/ ١٠٠)، و"الدرر الكامنة". تلاميذه: عادة ما تكون شهرة العالم سببًا كبيرًا في كثرة التلاميذ ورحلتهم إليه من أقطار كثيرة، وقد حظي ابن الملقن بالشيء الكثير من ذلك، فترجع كثرة طلابه لأسباب: ١ - شهرة ابن الملقن، فكانت شهرته وعظمته من اسباب إقبال الطلاب عليه. ٢ - دماثة أخلاقه ورحابة صدره. ٣ - كثرة مصنفاته واشتهارها في زمن مبكر من عمره، حيث اشتغل بالتصنيف وهو شاب. ٤ - رحلاته إلى الشام وبلاد الحرمين وغيرها فاشتهر أمره.

стр. 31

فمنهم على سبيل المثال لا الحصر: ١ - إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي المعروف بسبط ابن العجمي، حافظ بلاد الشام، كتب عنه شرحه للبخاري. ٢ - ابن الحافظ العراقي أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي الولي أبو زرعة الحافظ المشهور. ٣ - أحمد بن عثمان بن محمد الشهاب الريشي القاهري، المعروف بالكوم الريشى، عرض عمدة الأحكلام على ابن الملقن. ٤ - أحمد بن علي المقريزي، تقي الدين، الإمام المؤرخ المشهور. ٥ - أحمد بن علي الكناني العسقلاني الشهير بابن حجر، الإمام الكبير، خاتمة الحفاظ ت ٨٥٢، تفقه على ابن الملقن، وقرأ عليه في الحديث أيضًا، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ما قرأه على شيخه في معجمه فقال: "قرأت على الشيخ قطعة كبيرة من شرحه الكبير على المنهاج وأجاز لي، وقرأت عليه الجزئين السادس والسابع من أمالي المخلص" ثم قال: "وسمعت منه المسلسل بالأولية والجزء الخامس من مشيخة النجيب تخريج أبي العياش بن الطاهري". وقد استفاد منه ابن حجر من دروسه وانتفع بكتبه و"فتح الباري" مليء بالنقول والاستشهادات من كلام شيخه.

стр. 32

٦ - ابنه: علي بن عمر بن علي بن أحمد نور الدين أبو الحسن بن السراج أبي حفص القاهري، وهو الابن الوحيد له، توفي بعد أبيه بثلاث سنوات ٨٠٧. ٧ - محمد بن علي التقي أبو عبد الله الحسني الفاسي المكي، شيخ الإِسلام، وصاحب الكتاب المشهور "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام". ٨ - محمد بن موسى بن عيسى الكمال أبو البناء الدميري صاحب كتاب: "حياة الحيوان". وغيرهم من التلاميذ والمشاهير الذين حملوا عنه العلم ورووا عنه بعض مؤلفاته. جمعه للكتب: ابن الملقن كغيره من العلماء المتقدمين في شغفهم بالكتب ولكن مما ينفرد به سعة حاله وكثرة ماله وقلة العيال، يقول ابن حجر عن شيخه: إنه حضر في الطاعون بيع كتب أحد المحدثين، فكان الوصي لا يبيع إلَّا بالنقد الحاضر، فتوجه ابن الملقن إلى منزله وأحضر كيسًا من الدراهم ودخل الحلقة فصبه، فصار لا يزيد في الكتاب إلَّا قال الوصي: بع له، وكان مما اشتراه مسند الإمام أحمد بثلاثين درهمًا وكانت هذه المكتبة كبيرة وفيها نفائس الكتب وللشيخ عيسى المغربي زوج أمه اليد الطولى في تأسيس هذه المكتبة، فقد أحسن تنمية ماله فأنشأ له ريعًا أنفق عليه قرابة ستين ألف درهم.

стр. 33

قال المقريزي: فكان يتحصّل له من ريع الربع كل يوم مثقال ذهب، مع رخاء الأسعار وقلة العيال. قال ابن حجر: لم أر عند أحد بالقاهرة أكثر من كتبه. مصير هذه المكتبة: تحدثنا عن كثرة كتبه وأسبابها فكان من المناسب أن نذكر مآل هذه المكتبة العامرة التي جمعت من جهات شتى وكانت مصدر خير وبركة على صاحبها وعموم المسلمين بما خلف من مصادر في جميع العلوم والمعرفة لطلاب العلم، حيث حصل عليها حريق عام جاء على جميع محتويات هذه المكتبة من المراجع ومصنفاته مما كان له الأثر الكبير في فقدان مسودات ومصنفات ابن الملقن فقد فُقد مؤلَّفه الضخم "جمع الجوامع"، فحزن ابن الملقن عليها أشد الحزن وتأسف غاية التأسف، مما كان سببًا في تغير حاله وقلة تعليمه وتدريسه في آخر عمره، ونلاحظ مشهدًا رائعًا يصوره ابنه في هذا الحريق معزيًا له حيث يقول: لا يزعجنك يا سراج الدين أن ... لعبت بكتبك ألسن النيران لله قد قربتها فتُقُبِّلت ... والنار مسرعة إلى القربان فبعد الحريق ساءت حال ابن الملقن، وأصيب بالذهول، وحجبه ابنه ولم يلبث إلَّا يسيرًا ثم توفي بعدها. عقيدته، وصوفيته: عاصر ابن الملقن ﵀ عصر دولة المماليك، وكانت لهم

стр. 34

راعية هذه المناهج التي هجرت كتاب الله وسنة نبيه ﷺ في الاعتقاد وبالأخص ما يخالف عقيدة السلف الصالح، وذلك بالتمسك بما كان قد اعتقده أبو الحسن الأشعري قبل انتقاله إلى مذهب أهل السنة والجماعة فقد صاروا على نهجه ونبذوا خلافه وقهروا الناس وامتحنوهم حتى أصبحت لهذا المذهب المكانة في قلوب الناس عامهم وخاصهم، وصار هو الذي يدرس في المساجد ويخطب به على المنابر ويلقن الصغار في بيوتهم ومدارسهم، ويصف المقريزي ذلك في كتابه "الخطط" (٣/ ٣٠٦) بقوله: "حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه، إلَّا أن يكون مذهب الحنابلة، أتباع الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، فإنهم كانوا على ما كان عليه السلف، لا يرون تأويل ما ورد عن السلف" إلخ، وسيمر بك أيها القارئ نماذج من تأويلاته وقد علقت عليه بما قاله علماء السلف. وقد زاد في هذا العصر ما أوحته الشياطين إلى أوليائهم فزينوا لهم التعلق بالقبور وطلب المدد والغوث من أصحابها مما صار سببًا كبيرًا في ضعف العقيدة، وأيضًا ما حصل لهم من التبرك بما يسمونهم أولياء أو صالحين في اعتقادهم كالتبرك بثيابهم أو آثارهم أو ريقهم ونحو ذلك، وسيمر بك شيء من هذا في هذا الكتاب. أما صوفيته فيكفي فيه أنه له مؤلف سماه "طبقات الأولياء" ساق فيه العجب العجاب من الاطلاع على المغيبات وإحياء الموتى، وإظهار ما غيب في النفوس. فكل هذا أثر من آثار دولة المماليك التي اهتمت بهذا حتى أنشئت لهم الزوايا تقديسًا لهذه الطائفة، حمانا الله وجميع المسلمين من فتنة القول والعمل.

стр. 35

مناصبه: لم يكن ابن الملقن قَدْ نال مناصب كبيرة مع شهرته العلمية؛ لأن جل وقته كان مصروفًا إما للتعليم أو التأليف والنسخ، وقد ولي مناصب في فترات بسيطة نذكر منها: ا- تولى قضاء الشرقية ثم تركها بعد لابنه علي. ٢ - تولى الميعاد بجامع الحاكم في سنة ستين وسبعمائة. ٣ - رئاسة أمر دار الحديث الكاملية خلفًا للزين العراقي. ٤ - ترشيحه لقضاء القضاة الشافعية فحصل له محنة بسببها. ابتلاؤه: قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. فالابتلاء اختبار للعبد عن قوة إيمانه وصدق عزيمته، وهي محنة للعبد حتى يَلْقَى الله وليس عليه خطيئة، مقابل ما حصل له من هذه المحنة، وقد حصل للعلماء مِحَنٌ كثيرة فمنهم من كانت تجدد له على مدار عمره ومنهم من ختمت بها حياته، وقد أصاب ابن الملقن شيء من هذه المحن ونترك المجال للسخاوى يحدثنا عن ذلك فقد حكى أن برقوقًا عزم على ولاية ابن الملقن منصب قضاء القضاة الشافعية، فعلم بعض الناس بذلك فزوّر ورقة على لسان ابن الملقن بدفع أربعة آلاف دينار إلى أحد الأمراء حتى يتم الأمر، ووصلت إلى برقوق فجمع العلماء وسأل ابن الملقن: هذا خطك؟ فأنكر وصَدَق في إنكاره، فغضب برقوق وزاد حنقه، وأهانه وسجنه ثم خلصه الله تعالى بعد مدة يسيرة بشفاعة البلقيني وطائفة من العلماء وقد كانت هذه المحنة سنة ثمانين وسبعمائة.

стр. 36

ثناء العلماء عليه: كان القدماء يعظمونه وقد ترجمه جماعة من أقرانه الذين ماتوا قبله: ١ - وصفه الحافظ العلائي: الشيخ الإمام العالم المحدث الحافظ المتقن سراج الدين، شرف الفقهاء والمحدثين، فخر الفضلاء. ٢ - وصفه العلامة ابن فهد: بالإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام، وعلم الأئمة الأعلام، عمدة المحدثين وقدوة المصنفين. ٣ - ووصفه الحافظ العراقي بالشيخ الإمام الحافظ. ٤ - وقال عنه العثماني قاضي صفد وهو من أقرانه، في "طبقات الفقهاء": بأنه أحد مشايخ الإِسلام، صاحب التصانيف التي ما فتح على غيره بمثلها في هذه الأوقات. ٥ - وقال البرهان الحلبي: كان فريد وقته في كثرة التصانيف، وعباراته فيها جلية، وغرائبه كثيرة. ٦ - وقال عنه السيوطي: الإمام الفقيه ذو التصانيف الكثيرة، برع في الفقه والحديث. مؤلفاته: من المعروف أن ابن الملقن بدأ في التأليف وهو في سن الشباب وانتشرت في حياته، وقرظ الكبار عليها كابن السبكي، والعماد ابن كثير رحمهما الله.

стр. 37

قال العلامة ابن فهد: وفد صار بجملة منها رواة الأخبار واشتهر ذكرها في الأقطار، وكان رحمه الله تعالى عليه له فوائد جمة، ويستحضر غرائب، وهو من أعذب الناس لفظًا وأحسنهم خلقًا وأجملهم صورة وأفكههم محاضرة، كثير المروءة والإحسان ... إلخ. وقال تلميذه البرهان الحلبي: إنه كان فريد وقته في التصنيف، وعبارته فيها جلية جيدة. أقوال العلماء فيما انفرد به: قال ابن حجر: إن العراقي والبلقيني وابن الملقن كانوا أعجوبة ذلك العصر: الأول: في معرفة الحديث. والثاني: في التوسع في مذهب الشافعى. والئالث: في كثرة التصانيف. وكل واحد من الثلاثة ولد قبل الآخر بسنة ومات قبله بسنة فأولهم ابن الملقن ثم البلقيني ثم العراقي. وقال البرهان الحلبي: حفاظ مصر أربعة أشخاص وهم من مشايخي: البلقيني هو أحفظهم لأحاديث الأحكام، والعراقي أعلمهم بالصنعة، والهيثمي وهو أحفظهم للأحاديث من حيث هي، وابن الملقن هو أكثرهم فوائد في الكتابة على الحديث. وقال السيوطي: قال بعضهم: تفرَّد على رأس الثمانمائة خمسة

стр. 38

بخمسة: البلقيني بالفقه، والعراقي بالحديث، والغماري بالنحو، وصاحب القاموس باللغة، وابن الملقن بكثرة التصايف. نذكر من مؤلفاته ما يلي: ١ - إرشاد النبيه إلى تصحيح التنبيه. ٢ - الإرشاد إلى ما وقع في المنهاج من الأسماء والمعاني واللغات. ٣ - الأشباه والنظائر. ٤ - الإشراف على الأطراف. ٥ - إكمال تهذيب الكمال. ٦ - أمنية النبيه فيما يرد على التصحيح والتنبيه. ٧ - البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير. ٨ - البلغة في أحاديث الأحكام. ٩ - التذكرة في علوم الحديث، رسالة صغيرة مطبوعة. ١٠ - التذكرة في الفقه الشافعي، مطبوعة. ١١ - رجال الكتب العشرة. ١٢ - رسالة في تتبع أوهام ابن حزم. ١٣ - شرح الألفية. ١٤ - شرح المنتقى في الأحكام. ١٥ - طبقات القراء. ١٦ - طبقات المحدثين. ١٧ - طبقات الأولياء. ١٨ - عدد الفرق.

стр. 39

١٩ - رسالة في الكلام على تشبيك الأصابع ذكرها في الجزء الثالث ص ٢٨٩ من هذا الكتاب. ٢٠ - العدة في معرفة رجال العمدة، قال عنه مؤلفه: في مجلد، غريب في بابه، وأشار إليه المؤلف في خطبة الإعلام. ٢١ - الإعلام بفوائد عمدة الأحكام - وهو كتابنا هذا: شرح لعمدة الأحكام لتقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد الجماعيلي المتوفى سنة ٦٠٠، والإِعلام من أهم كتب ابن الملقن وأكبرها وهو يقع على حسب تجزئة المؤلف في ستة أجزاء. وقال عنه مؤلفه: عز نظيره. وقال صاحب كتاب طبقات الشافعية: من أحسن مصنفاته. وقد لخص الإِعلام أحد تلاميذه محمد بن عبد الدائم العسقلاني، انظر الضوء اللامع: (٧/ ٢٨٢)، وكان حفيده الجلال عبد الرحمن بن علي يدرس الإعلام. ف سبب تأليف الكتاب: تعليق حال قراءتها عليّ -أي الطلاب- وتردد قاريها إليّ، ويقول: "وخصصت الكلام عليها لإكباب جميع المذاهب عليها". منهجه في الشرح: يقول: حصرت الكلام في خمسة أقسام: الأول: التعريف بمن ذكر من رواة الحديث وبيان حاله وضبط نسبه ومولده ووفاته على وجه الاختصار.

стр. 40

ثانيًا: التنبيه على أحاديث وقعت في الكتاب من أفراد الصحيحين وهو مخالف لشرطه في الخطبة كما ستعلمه عند شرحها. ثالثًا: التنبيه على الأسماء المبهمة. رابعًا: ضبط لفظه وبيان إعراب ما يشكل إعرابه وغريبه. خامسًا: -وهو المهم- الإِشارة إلى بعض ما يستنبط من الحديث من الأصول والفروع الآداب وغيرها حسبما تيسر، والجمع بين مختلف الحديث والناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمجمل والمبين وتبيين المذاهب الواقعة فيه مع ذكر وجهها ... إلخ. أبناؤه: لم يخلف ابن الملقن إلَّا ابنًا واحدًا هو علي ويلقب بنور الدين، ولد في سنة ثمان وستين وسبعمائة ونشأ في كنف أبيه، فحفظ القرآن وكتب وعرض على جماعة، برع في الفقه ودرس بعد أبيه في عدة مواضع، وناب في الحكم عدة أعوام حتى فخم ذكره وتعين لقضاء القضاة الشافعية. وترجم له ابن تغرى بردى في "الدليل الثاني" ووصفه بالعلامة. وقد ألّف من الكتب اختصارًا "للغوامض والمبهمات" لابن بشكلوال مع حذف أسانيده، وقد خلف علي ثلاثة من الولد هم الجلال عبد الرحمن، وأختاه: خديجة، وصالحة.
следующие страницы →