← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13771

انتقاض الاعتراض في الرد على العيني في شرح البخاري

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

انْتِقَاض الاعتِرَاض في الرَّدِّ على العَيْنيِّ في شَرحِ البُخَارِيِّ تأليف شيخ الإسلام الإمام العلّامة الحافظ قاضي القضاة أبي الفضل أحمَد بَن عَلي بَن حَجَر العَسّقَلَاني ٧٧٣ هـ - ٨٥٢ هـ حققه وعلق عليه حمدي بن عبد المجيد السَّلفي وصبحي بن جاسم السامرائي الجزء الأوّل مكتبة الرشد الرياض

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق إنَّ الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونسغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إِلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمَّدًا عبده ورسوله؛ أمّا بعد: فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمَّد ﷺ وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وبعد: فقد ألف الحافظ ابن حجر كتابه فتح الباري في شرح صحيح البخاريّ الذي لم يؤلف مثله إذ لم يترك شيئًا يتعلّق بالجامع الصّحيح إِلَّا وأتى به سواء من حيث المتون والأسانيد والشواهد وفقه الحديث، وكان كل أقرانه ممّن ألف عالة عليه ومن بحره اغترفوا ومنهم، العلَّامة محمود العيني ﵀، فإنّه في كتابه عمدة القاري عالة في كثير من شرحه عليه. ألف العيني كتابه عمدة القاري في شرح صحيح البخاريّ وجعله كأنّه رد على الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وكان يتعقب كلما رأى مجالًا، فنجده كثيرًا ما يبتر عبارة الحافظ أو ينقلها محرفة أو مشوهة ليكون هناك مجال للاعتراض عليه، وقلما يفوته عنوان من عناوينه أو شرح لحديثه إِلَّا وتجد له اعتراضًا أو أكثر، وياحبذا لو كانت اعتراضاته ذات فائدة أو فيها زيادة علم. فانبرى له الحافظ في كتابه انتقاض الاعتراض، وأجاب فيه على تلك الاعتراضات الّتي ساقها العيني في شرحه عمدة القاري، وأجاب عنها إجابة جيدة، ولكنه اقتصر ﵀ على الاعتراضات المهمة منها، إذ لو أجاب عنها كلها لبلغ حجم الكتاب

стр. 3

أكبر من عمدة القاري، وقد لاحظنا أنّ الحافظ تصرف أحيانًا في عبارة الفتح، وأوضح أحيانًا ما أورده. في الفتح بالزيادة والبيان، وقد يذكر الحافظ عبارة الفتح وعبارة العمدة. ولا يعلق على ذلك بل يكل ذلك إلى القارىء الفهم ليكون هو الحكم العدل. منهجنا في التحقيق ١ - وجدنا بعض الأخطاء الاملائية وغير الاملائية كثيرًا ما وقعت في المخطوط فأصلحناها، ورجعنا في ذلك إلى الفتح والعمدة وأكملنا النواقص إن وجدت، وقد أخذت منا جهدًا كبيرًا، ولم نشر بالهامش إلى تلك الأخطاء والتي لا فائدة من ذكرها. ٢ - أشرنا إلى مكان ما ينقله الحافظ من فتح الباري إلى مكان وجوده في الصفحة والجزء، وكذلك بالنسبة لعمدة القارئ، ولم نجعل من أنفسنا حكمًا عليهما إذ لم نرجح قول أحدهما على الآخر بل أحلنا ذلك إلى القارىء. ٣ - ربما نقلنا عبارة من كتاب مبتكرات اللاليء والدرر للبوصيري المتوفى سنة ١٣٥٤ وسيأتي وصفه. كتاب مبتكرات اللاليء والدرر في المحاكمة به العيني وابن حجر تأليف الشّيخ عبد الرّحمن البوصيري. وهذا الكتاب طبع بالمطبعة الحكومية لولاية طرابلس الغرب سنة ١٩٥٩م وهو كتاب نافع وكثير الفوائد ردَّ فيه على العيني، رتبه على شكل محاكمات بلغت ثلاثة وأربعين وثلثمائة محكمة. وهذه ترجمة يسيرة للحافظ ابن حجر. إمام الحفاظ وحافظ الأئمة شيخ الإسلام أحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني، وابن حجر لقب لأحد أجداده. ولقب بأمير المؤمنين في الحديث، والحافظ. لم يقاربه أحد من أقرانه بسعة علمه، اجتمع له من

стр. 4

الشيوخ الأكابر ما لم يجتمع لغيره كالزين العراقي، والعز بن جماعة، والبلقيني، ونور الدِّين الهيثمي، والمجد الفيروزبادي، وسراج الدِّين بن الملقن، والبوصيري والتنوخي .. وتخرج به أئمة كبار كالسخاوي والبقاعي. تصدى ﵀ لنشر حديث رسول الله ﷺ إقراءًا وقراءة وتصنيفًا وإفتاءًا وإملاءًا على تلاميذه، وألف في مختلف فنون العلم وبرع وانفرد بالحديث وعلومه وزادت تآليفه على ١٥٠ تأليفًا ومعظمها في الحديث وعلومه وفنونه وفيها من فنون الأدب والفقه وغير ذلك. وِاستفاد من تصانيفه أقرانه وشيوخه ففي الرجال تهذيب التهذيب الذي زاد فيه على الحافظ المزي في تهذيب الكمال ﵀ فوائد كثيرة، وتقريب التهذيب الذي ابتكر فيه وقسم الرواة إلى طبقات ومراتب ولم يسبقه إلى مثله أحد. وفي التخريج كهداية الرواة في تخريج أحاديث المصباح والمشكاة، وتخريج مختصر ابن الحاجب. وأذكار النووي وغيرها وفي المصطلح كالنكت على مقدمة ابن الصلاح ونخبة الفكر ونزهة النظر، وفي كثير من علوم الحديث له فيه تأليف. ظهر في وقتنا الحاضر جماعة جهال نسبوا أنفسهم إلى العلم وهذه الجماعة لا تعرف قدر نفسها أخذت تتهجم على الحافظ ابن ججر الذي نذر نفسه لإعلاء سنة رسول الله والحفاظ عليها وتدريسها ونشرها وتنقصه وهم. أبعد النَّاس عن العلم بل هم من أدعيائه هذا الإمام الذي ملأت تصانيفه المكتبات يرمونه بالجهل وعدم المعرفة، فبئس الجهال هؤلاء، ولا ينبغي لطلاب العلم ومحبي سنة رسول الله ﷺ الالتفات إلى ذلك والاهتمام بما يكتبه هؤلاء، بل ينبغي الحذر منهم ولَعلَّ هؤلاء ينفذون مخططًا لهدم السُّنَّة وعلومها. رحل الحافظ ابن حجر إلى كثير من البلدان الإسلامية للسماع والقراءة وقرأ واطلع على كثير ممن لم يطلع عليه غيره من أقرانه وكتابه المعجم المفهرس (مخطوط) يدلُّ على سعة اطلاعه وكثرة الكتب التي قرأها سيما فِي الحديث

стр. 5

وعلومه. رحم الله الحافظ ابن حجر وجعلنا من محبيه. توفي ﵀ في القاهرة في ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ ودفن بالقرافة. وأفرد تلميذه السخاوي كتابًا في ترجمته سماه الجواهر والدرر في ترجمه شيخ الإسلام ابن حجر. العلّامة محمود العيني أبو محمد محمود بدر الدِّين العيني نسبته إلى عينتاب. تتلمذ على الحافظ العراقي والحافظ سراج الدِّين البلقيني والحاقظ نور الدِّين الهيثمي وغيرهم وصنف الكثير. ومن مؤلفاته. عمدة القارئ في شرح صحيح البخاريّ (طبع) ونخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار (خط)، وعقد الجمان في تاريخ أبناء الزّمان (خط)، وشرح سنن أبي داود (خط)، والعناية في شرح الهداية في الفقه الحنبلي وغيرها. توفي ﵀ سنة ٨٥٢ هـ -. النسخ المعتمدة في التحقيق: اعتمدنا على ثلاث نسخ: الأولى:- مخطوطة مكتبة الآثار العامة في بغداد كتبها عبد الرّحمن بن عبد العظيم سنة ١٠٨٨هـ وجعلناها أصلًا، وعدد أوراقها ٢٥٠ ورقة وهي نسخة جيدة ورقمها في دار صدام للمخطوطات ٢٩٦٢٠ الثّانية: نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق رقم الثّالثة: نسخة جستربتي. صبحي بن جاسم السامرائي حمدي عبد المجيد السلفي بغداد في ١٠ رجب ١٤٠٧هـ

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي اللَّهُمَّ إنِّي أحمدك في ما ألهمت من المحامد، وأشكرك على فضلك البادي والعائد، وأستنصرك على كلّ معاند ومكائد، وأعوذ بك من شر كلّ باغ وحاسد، وأصلّي وأسلم على نبيك محمَّد وعلى آله وصحبه الصادعين بالحق في جميع المشاهد. أمّا بعد فإني شرعت في شرح صحيح البخاريّ في سنة ثلاث عشرة وثمان مئة بعد أن كنت خرجت ما فيه من الأحاديث المعلقة في كتاب سميته: "تغليق التعليق" وكمل في سنة أربع وثمان مائة في سفر ضخم، ووقف عليه أكابر شيوخي، وشهدوا بأني لم أسبق إليه. ثمّ عملت مقدمة الشرح فكملت في سنة ثلاث عشرة المذكورة، ومن هناك ابتدأت في الشرح، فكتبت منه قطعة أطلت فيها التبيين، ثمّ خشيتُ أنّ يعوق عن تكملتة على تلك الصِّفَة عائق، فابتدأت في شرح متوسط، سميته "فتح الباري بشرح البخاريّ" فلما كان بعد خمس سنين أو نحوها وقد بيض منه مقدار الربع على طريقة مثلي وقد اجتمع عندي من طلبة العلم المهرة جماعة وافقوني على تحرير هذا الشرح بأن أكتب الكراس ثمّ يحصله كل منهم نسخًا، ثمّ يقرؤه أحدهم ويعارض معه رفقته مع البحث في ذلك والتحرير، فصار السَّفر لا يكمل منه إِلَّا وقد قوبل وحرر من ذلك النظر في ذلك الزمن اليسير لهذه المصلحة، إلى أن يسر الله تعالى إكماله في شهر رجب سنة اثنتين وأربعين. وفي أثناء العمل كثرت الرغبات في تحصيله ممّن اطلع على طريقتي فيه

стр. 7

حتّى خطبه جماعة من ملوك الأطراف بسؤال علمائهم لهم في ذلك فاستنسخت لصاحب الغرب الأدنى نسخة ممّا كمل منه، وذلك بعناية الإمام المتقن زين الدِّين عبد الرّحمن البرشْكي بكسر الموحّدة والراء المهملة وسكون المعجمة، وكان ملك الغرب يومئذ عبد العزيز الحوصي المعروف بابن فارس، وكان الذي كمل من الكتاب المذكور حينئذ قدر ثلثيه، واستنسخت لصاحب المشرق نسخة بعد ذلك بعناية العلّامة الحافظ شيخ القراء شمس الدِّين الجزري، والملك يومئذ شاه رخ، وجهزت له من قبل الملك الأشرف، ولم يكن الكتاب كمل ثمّ في سلطته الملك الظّاهر جهز له نسخة كاملة، وكان سبب رغبتهم فيه اشتهار المقدِّمة فصار من يعرف فصولها يتشوق إلى الأصل. وفي سنة اثنتين وعشرين أحضر إليَّ طالب علم كراسة بخط محتسب القاهرة الذي تولى بعد ذلك قضاء الحنفية في الدولة الأشرفية، فرأيت فيه ما نصه: الحمد لله الذي أوضح وجوه معالم الدِّين، وأفضح وجوه الشك بكشف النقاب عن وجه اليقين، بالعلماء المستنبطين الراسخين، والفضلاء المحققين الشامخين، فاستمر في هذا المهيع يذكر من تصدى لجمع السنن النبوية، إلى أن ذكر البخاريّ وذكر فضل كتابه الصّحيح، وأنّه فإن غيره، ولذلك أقبل عليه كبار العلماء وعملوا عليه شروحًا إلى أن قال: لكن لم يقع لي شرح يشفي العليل، ويروي الغليل، لأنّ منهم من طول فأمل، ومنهم من قصر فأخل، على أنّه لم يقصد واحد منهم على كثرتهم لشرحه لما هو المقصود، ثمّ ذكر أنّ الذي دعاه إلى شرح هذا الكتاب أمور: أحدها: أن يعلم أنّ في الخبايا زوايا (١).

стр. 8

وثانيها: قطع حجة من يدعي الانفراد في هذا الباب. وثالثها: إظهار ما منحه الله من العلوم، ثمّ أخذ في ذم أهل زمانه جميعًا، أمّا علماؤهم فلما عندهم من الحسد، وأمّا رؤساؤهم فلما عندهم من الشح والتهاون بالعلماء. ثمّ وصف ما عزم عليه من شرح هذا الكتاب بأن يظهر صعابه، ويبين معضلاته، ويوضح مشكلاته، بحيث أنّ الناظر فيه إن أراد المنقول ظفر بآماله، وإن أراد المعقول فاز بكماله .. إلى أن قال: فجاء هذا الكتاب بحمد الله فوق ما في الخواطر، فائقًا على سائر الشروح بكثرة الفوائد والنوادر. ثمّ ذكر سنده إلى البخاري. ثمّ ذكر مقدمة لطيفة انتزعها من القطعة الّتي كتبها شيخ الإسلام النووي، ولو كان نسخها من نسخة صحيحة ونسبها إليه لاستفاد السلامة ممّا وقع في خطه من التصحيف لكثير من الأسماء والسمات، والتحريف لبعض الكلمات (٢)، وقد تتبعت ما وقع به من ذلك في تلك الكراسة الّتي ابتدأ بها خاصّة، فزاد على ثمانين غلطة، فأفردت كذلك في جزء سميتهُ "الاستنثار على الطاغي المعثار". فكتبت عليها علماءُ ذلك العصر كقاضى القضاة جلال الدِّين البلقيني، ورفيقاه قاضى القضاة علاء الدِّين المغلي، وقاضى القضاة شمس الدِّين بن الديري. ومن المشايخ شرف الدِّين بن التباني، وشمس الدِّين بن الديري، وشمس الدِّين البرماوي، كتبوا كلهم بتصويب ما تعقبته عليه، ومن جملة ما أنكره عليه البلقيني:

стр. 9

قوله ما ذكره في وصف كتابه، قال: وقوله: أفصح لَحْنٌ، فإن الرباعي إنّما استعمل في اللازم مثل أفصح البشر. ومن جملة ما أنكره عليه ابن المغلي قوله: إنَّ علم الحديث استوى فيه النَّاس ممّن لا يفرق بين الأنواع والأجناس، فإنّه ما قارب فيه صوابًا ولا سعد خطابًا. وقوله: ممّن لا يفرق إن أراد أنّ العالم والعامي استوى فيه فهو قول إفك موقع في الهلاك، وإن أراد أنّ أصحاب الحديث لا يفرقون بينهما بحسب الإصطلاح الحادث، فتلك "شكاة ظاهر عنك عارها" لأنّ لهم أسوة بخيار السلف. وأنكر عليه أيضًا أنّ ظاهر الخبر أنّه لشرحه وأوصافه لما اشتمل عليه، يقتضي أنّ أكمله أو أكثره ولم يكن كتبت منه سوى شيءٍ يسير. ثمّ لما مضى من هذه القصة عدة سنوات عاد المذكور لما كان شرع فيه من الشرح بزعمه بعد أن كثرت النسخ بما كمل من شرح كاتبه فاستعار من بعض الطلبة ما حصله منه أوَّلًا فأولًا، وقرأت بخطه أنّه شرع في شرحه في شهر رجب سنة عشرين وثمان مائة، فكتب منه مجلدين في سنة، ثمّ ترك إلى أن أكمل المجلد الثالث في جمادي الأولى سنة ثمان وثلاثين، فلم يعد إلى الكتابة فيه حتّى شارف فتح الباري الفراغ فصار يستعير من بعض من كتب. لنفسه من الطلبة فينقله إلى شرحه من غير أن ينسبه إلى مخترعه. وقد رأيت أن أسوق في ذلك أمثلة كثيرة يتعجب منها كل من وقف عليها، ثمّ أعود إلى إيراد ما أردت منه الجواب من اعتراضاته على فتح الباري. وقد رمزت إلى الفتح بحرف (ح) مأخوذة من الفتح، ومن أحمد وإلى شرحه بحرف (ع) مأخوذه من العيني ومن المعترض.

стр. 10

وسميت هذا التعليق: "انتقاض الاعتراض" وبالله الكريم عوني، وأسأله عن الخطأ والخلل صوني، فمن أراد ما أغار على فتح الباري أول شَيْءٍ فيه وهي التّرجمة من:

стр. 11

١ - باب كيف كان بدءُ الوحي إلى رسول الله ﷺ - قال (ح): قوله: "فَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِيءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا ... الخ" كذا الأصوِل الصحيحة ليس فيه: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" فساق الكلام على ذلك، إلى أن قال: وإن كان الإِسقاط منه فالجواب عنه ما قال الحافظ أبو محمّد علي بن أحمد بن سعيد في أجوبة على البخاريّ ما ملخصه. أحسن ما يجاب به هنا أنّ البخاريّ قصد أن يجعل لكتابه صدرًا يستفتح به على ما ذهب إليه كثير من النَّاس من استفتاح كتبهم بخطبة تتضمن معاني ما ذهبوا إليه من التأليف، فكان ابتداؤه بنية رد علمها إلى الله تعالى، فإن علم منه أنّه أراد الدنيا أو عوض إلى شيءٍ من معانيها فسيجزيه بنيته ونكب عن أحد وجهي التقسيم مجانبة للتزكية الّتي لا يناسب ذكرها في هذا المقام (٣). قال (ع): فإن قيل لم اختار من هذا الحديث مختصره ولم يذكر مطوله هنا قلت: لما كان قصده التنبيه على أنّه قصد به وجه الله وأنّه سيجزيه بحسب نيته ابتدأ بالمختصر الذي فيه إشارة إِلَّا أنّ الشخص يجزى بقدر نيته، فإن كانت نيته وجه الله تعالى [بالثواب] والخير في الدارين، وإن كانت نيته وجهًا من وجوه الدنيا فليس له حظ من الثّواب، ولا من خير الدارين، وحذف الجملة الأخرى فرارًا من التزكية (٤).

стр. 12

قال (ح): في الكلام على حديث عائشة أن الحارث بن هشام سأل هكذا في أكثر الروايات فيحتمل أن تكون عائشة حضرت ذلك، وعلى ذلك اعتمد أصحاب الأطراف فأخرجوه في مسند عائشة ويحتمل أن يكون الحارث أخبرها بذلك بعد ويؤيد هذا الثّاني ما أخرجه أحمد والبغوي من رواية عامر بن سالم الزميري عن هشام، فقال: عن أبيه عن عائشة عن الحارث قال: سألت (٥). قال (ع): قال بعض الشارحين: هذا الحديث أدخله الحفاظ في مسند عائشة دون الحارث. قلت: أدخله الإمام أحمد في مسند الحارث بن هشام، فإنّه رواه عن عامر بن صالح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن الحارث بن هشام قال: سألت. قلت: فأخذ الكلام فبالغ حتّى نسبه إلى نفسه حتّى قال: قلت، ونظيره (٦). قال (ح): في الكلام على حديث عائشة في بدء الوحي يخلو بغار حراء فيتحنث هي بمعنى يتحنف أي يتبع الحنيفية وهي دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامهم. وقد وقع في رواية ابن هشام في السيرة يتحنف بالفاء، أو المراد بقوله يتحنث يلقي عنه الحنث (٧).

стр. 13

وهو الإثم كما قالوا: تأثم وتحرج، أي فعل فعلًا ألقى عنه الفعل والتحرج ونحو ذلك، فقال في كلام طويل نقله من كلام ابن بطّال والكرماني وغيرهما من شراح البخاريّ. وقال التيمي [التميمي]: هذا من المشكلات ولا يهتدي إليه إِلَّا الحذاق. وسئل ابن الأعرابي عن قوله: يتحنث؟ فقال: لا أعرفه إنّما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم. قال (ع): وقع في سيرة ابن هشام يتحنف بالفاء (٨). قوله: وفي حديث ابن عبّاس وكان أجود ما يكون. قال (ح): هو برفع أجود إِلَّا أن قال: ووجه ابن الحاجب الرفع من خمسة أوجه. قلت: ويرجحه وروده بغير لفظة كان عند المؤلِّف في الصوم (٩). قال (ع): بعد أن نقل [من] كلام النووي أنّه سأل ابن مالك ... الخ. قلت: من جملة مؤكدات الرفع وروده بدون كان في صحيح البخاريّ في كتاب الصوم (١٠). قوله في حديث أبي سفيان مع هرقل، قال: أشراف النَّاس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم.

стр. 14

قال (ح): المراد بالأشراف أهل النخوة والتكبر منهم، لا كل الأشراف حتّى لا يدخل مثل أبي بكر وعمر وحمزة وغيرهم ممّن أسلم قبل هذا السؤال، فأمّا ما وقع في رواية ابن إسحاق تبعه منا الضعفاء والمساكين، فأمّا ذو الأنساب والشرف فما تبعه منهم أحد فهو محمول على الأغلب (١١). قال (ع): قال بعضهم: المراد بالأشراف أهل النخوة لا كل الأشراف. قلت: هذا على الغالب وإلا فقد سبق إلى اتباعه أكابر وأشراف منهم الصديق والفاروق وحمزة وغيرهم وهم أيضًا كانوا أهل النخوة (١٢). قلت: فأخذ الكلام فادعاه ثمّ اعترض عليه، فاعتراضه مردود لأنّه حذف من كلامه قوله: والتكبر وبهذه اللفظة يندفع اعتراضه لأنّ أبا بكر ومن ذكر معه وإن كانوا أشرافًا أهل النخوة لم يكونوا أهل تكبر، فالتكبر محطة الفرق بين الفريقين فحذفها المعترض ليعترض، وهذا ذكرته على سبيل المثال وإلا فقد استعمل مثل هذا في بقية هذا الحديث وفي غيره. قوله: فأتوه: قال (ح): فيه حذف تقديره أرسل إليهم يلتمس منهم المجيء، فجاء الرسول بذلك فأتوه ووقع عند المصنف في الجهاد أن الرسول وجدهم ببعض الشّام. وفي الدلائل لأبي نعيم تعيين الموضع وهو غزة، قال: وكانت وجه متجرهم، وكذا رواه ابن إسحاق في المغازي عن الزهري (١٣).

стр. 15

قال (ع): قوله: فأتوه، تقدير الكلام أرسل لي طلب إتيانهم، فجاء الرسول فطلب إتيانهم فأتوه ثمّ قال: فإن قلت: هم في أي موضع كانوا حتّى أرسل إليهم. قلت: في الجهاد ذكر البخاريّ من أن الرسول وجدهم ببعض الشّام، وفي رواية أبي نعيم في الدلائل تعيين الموضع غزة. قال: وكانت وجه متجرهم، وكذا رواه ابن إسحاق في المغازي عن الزهريّ (١٤). تنبيه: بين (ح) اختلاف الرواة في الألفاظ الواقعة في حديث أبي سفيان مع هرقل على ترتيب الحديث من أوله إلى آخره، وبين ما خالف بعضهم بعضًا في الأسماء والزيادة والنقص وغير ذلك، فجمع (ع) ذلك كله في مكان واحد وترجم له بيان اختلاف الروايات فذكرها نقلًا من كلام (ح) موهمًا أنّه من تصرفه وتتبعه، وهكذا يَصْنَع في كثير من الأحاديث وإنّما نبهت على ذلك بطريق الِإجمال لتعسر تتبع ذلك فيحصل الملل، وفي الإشارة ما يغني عن الإِسهاب فيطول الخطب والله المستعان. قوله: وكان ابن الناطور ... الخ. قال (ح): الواو عاطفة، والتقدير أنّه لما انتهى المتن عند قول أبي سفيان حتّى أدخل عَلَيَّ الِإسلام. قال الزهريّ بالسند المذكور إليه، وكان ابن الناطور ... الخ، فقصة ابن الناطور موصولة لا معلقة كما زعم بعض من لا عناية له بهذا الشأن، وكذلك زعم بعض المغاربة فجعلها معطوفة على قول أبي سفيان، والتقدير

стр. 16

قال أبو سفيان: وكان ابن الناطور، وهذا وإن كان محتملًا عقلًا فقد بين أبو نعيم في دلائل النبوة أنّ الزهريّ قال: لقيت ابن الناطور في زمن عبد الملك بن مروان فذكر عنه القصة. ووقع في سيرة ابن إسحاق ما يوهم أنّها من رواية الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس عن ابن الناطور، فإنّه ساق السند إلى ابن عبّاس، قال: افتتح هرقل حيث انفرد فذكر القصة بمعناه، والذي بدأت به هو الذي جزم به الحفاظ، وهو ممّا ينبغي التنبيه عليه (١٥). قال (ع): قوله: وكان ابن الناطور الواوفيه عاطفة لما قبلها داخلة في سند الزهريّ والتقدير عن الزهريّ أخبرني عبيد الله ... الخ، ثمّ قال: قال ابن الناطور فذكر القصة، فذكر قصة ابن الناطور موصولة لا معلقة كما توهمه بعضهم، وهذا موضع يحتاج فيه إلى أبي سفيان عنه، وإنّما هي عن الزهريّ عنه، وقد بين ذلك أبو نعيم في دلائل النبوة أنّ الزهريّ قال: لقيته بدمشق في زمن عبد الملك بن مروان (١٦). قلت: فانظروا وتعجبوا فإن هذا الموضع لم ينبه عليه أحد قبلي وتناوله من كتابي وتصرف فيه بالتقديم والتأخير، وأوهم أنّه من تصرفه وتنبيهه والله المستعان. قوله: رواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر. قال (ح): قال الكرماني: يحتمل ذلك من وجهين أن يروي البخاريّ عن الثلاثة بالإسناد المذكور، كأنّه قال أخبرنا أبو اليمان عن الثّلاثة عن

стр. 17

الزهريّ، وأن يروي عنهم بطريق آخر، كما أنّ الزّهريّ يحتمل أيضًا في رواية الثّلاثة أن يروي لهم عن عبيد الله عن ابن عبّاس، وأن يروي لهم عن غيره، هذا ما يحتمل اللّفظ وإن كان الظّاهر الاتحاد. قلت: هذا الظّاهر كاف لمن شم أدنى رائحة من علم الإِسناد، والاحتمالات العقلية المجردة لا مدخل لها في هذا الفن، وأمّا الاحتمال الأوّل فأشد بعدًا لأنّ أبا اليمان لم يلحق صالح بن كيسان، فإن مولده بعد وفاة صالح، ولا سمع من يونس، ولو كان من أهل النقل لاطلع على كيفية رواية هؤلاء الثّلاثة لهذا الحديث بخصوصه فاستراح من هذا التردد. وقد أوضحت ذلك في كتابي "تغليق التعليق" وأشير إليه هنا إشارة مفهمة، فرواية صالح أخرجها المؤلِّف في كتاب الجهاد بتمامها إِلَّا قصة ابن الناطور وكذا أخرجها مسلم. ورواية يونس أخرجها المؤلِّف في الجهاد من طريق اللَّيث، وفي الاستئذان من طريق عبد الله بن مبارك كلاهما عن يونس عن الزهريّ بسنده بعينه مختصرًا ولم يسقه بتمامه، وساقها الطبراني بتمامها من طريق عبد الله بن صالح عن اللَّيث وفيها قصة ابن الناطور. ورواية معمر ساقها المؤلِّف بتمامها في التفسير. والطرق الثّلاثة عن الزهريّ عن عبيد الله عن ابن عبّاس، كرواية أبي اليمان عن شعيب عن الزهريّ، ولو كان سند الحديث عند هؤلاء عن الزهريّ عن غير عبد الله لأفضى ذلك إلى الشذوذ أو الإِضطراب المانع من الصّحيح، فظهر بطلان الاحتمالات المذكورة والله المستعان (١٧). قال (ع): رواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهريّ، أي

стр. 18

روى هذا الحديث المذكور صالح بن كيسان عن الزهريّ عن عبيد الله عن ابن عبّاس، أخرجه البخاريّ بتمامه في الجهاد، ولم يذكر قصة ابن الناطور، وكذا أخرجه مسلم بدونها. وأخرج رواية مسلم في الجهاد مختصره من طريق اللَّيث. وفي الإِستئذان مختصره من طريق عبد الله بن المبارك، كلاهما عن يونس عن الزهريّ بسنده بعينه ولم يسقه بتمامه. وقد ساقه الطبراني بتمامه من طريق عبد الله بن صالح عن اللَّيث وفيه قصة ابن الناطور. وأخرج رواية معمر بتمامها في التفسير. فقد ظهر لك أنّ روايات هؤلاء الثّلاثة عند البخاريّ عن غير أبي اليمان، وأن الزهريّ إنّما رواه لأصحابه بسند واحد عن شيخ واحد وهو عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس لا كما توهمه الكرماني حيث يقول: أعلم أنّ هذه العبارة تحتمل وجهين، فذكر كلامه ثمّ قال بعده: وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنّ أبا اليمان لم يلحق صالح بن كيسان ولا سمع من يونس. والآخر: أنّه لو احتمل أنّ يروي الزّهريُّ هذا الحديث لهؤلاء الثّلاثة عن شيخ آخر لكان ذلك إختلافًا قد يفضي إلى الإضطراب الموجب للضعف، وهذا إنّما نشأ لعدم تحريه في النقل واعتماده في هذا الفن على العقل انتهى كلامه (١٨). فأخذ الكلام بطوله فقدم فيه وأخر وأوهم أنّه من تصرفه وليس كذلك. قوله: وقال مجاهد ... الخ.

стр. 19

قال (ح): وصل هذا التعليق عبد بن حميد في تفسيره (١٩) والمراد أنّ الذي تظاهرت عليه الأدلة من الكتاب والسُّنَّة هو شرع الأنبياء كلهم. تنبيه: قال شيخنا الِإمام البلقيني: وقع في أصله الصّحيح في جميع الروايات في أثر مجاهد هذا تصحيف قل في تعرض لبيانه، وذلك أنّ لفظ مجاهد (شرع لكم) أوصيناك يا محمَّد وإياه دينًا واحدًا، والصواب أوصيناك يا محمَّد وأنبياءه كذا أخرجه عبد بن حميد والفريابي والطّبريّ وابن المنذر في تفاسيرهم، وبه يستقيم الكلام، وكيف يفرد مجاهد الضمير لنوح وحده مع أنّ في السياق ذكر جماعة انتهى، وإفراد الضمير لا يمتنع لأنّ نوحًا أفرد في الآية فلم يتعين التصحيف، وغاية ما ذكر من مجيء التفسير بخلاف لفظه أن يكون المصنف ذكره بالمعنى (٢٠). قال (ع): أخرج أثر مجاهد عبد بن حميد في تفسيره بسنده عنه، ورواه ابن المنذر بلفظ وصاه، وقوله: وإياه، يعني نوحًا. قال: وقد قيل إنَّ الذي وقع في أثر مجاهد تصحيف، والصواب أوصيناك يا محمَّد وأنبياءه وكيف يقول مجاهد بإفراد الضمير مع نوح وحده، مع أنّ في السياق ذكر جماعة. قلت: ليس بتصحيف بل هو صحيح، ونوح أفرد في الآية وبقية الأنبياء عطفت عليه وهم داخلون فيما وصى به، ونوح أقرب مذكور وهو أولى بعود الضمير. انتهى (٢١).

стр. 20

فأخر جواب الإعتراض فزاد فيه قليلًا وادعى أنّه من تصرفه وليس كذلك. قوله: "دعاؤكم إيمانكم" صنع فيه (ع) نحو ما صنع فيما قبله من أخذه كلام (ح) بحروفه وإيهامه أنّه من تصرفه لكن زاد فيه ونقص. قوله:

стр. 21

٢ - باب أي الإِسلام أفضل ... إلى أن قال: قالوا: يا رسول الله قال (ح): رواه مسلم والحسن بن سفيان وأبو يعلى في مسنديهما عن سعيد بن يحيى شيخ البخاريّ فيه بإسناده هذا بلفظة قلنا. ورواه ابن منده من طريق حسين بن محمَّد القباني أحد الحفاظ عن سعيد بن يحيى هذا ولفظه. قلت: فتعين أنّ السائل أبو موسى ولا تخالف بين الروايات لأنّ في هذه صرح، وفي رواية مسلم أراد نفسه ومن معه من الصّحابة إذ الراضى بالسؤال في حكم السائل. وفي رواية البخاريّ أبهم السائل وهو المراد وقد سأل هذا السؤال أيضًا أبو ذر رواه ابن حبّان، وعمير بن قتادة رواه الطبراني (٢٢). قال (ع) مغيرًا على هذا الفصل: غير مناسب له لمن حرره وتعب عليه فقال: قوله: قالوا: فاعله جماعة، ووقع في رواية مسلم والحسن بن سفيان وأبي يعلى في مسنديهما عن سعيد بن يحيى شيخ البخاريّ بإسناده المذكور بلفظة "قلنا" ورواه ابن منده من طريق حسين بن محمَّد القباني أحد الحفاظ عن سعيد بن يحيى بلفظة قلت.

стр. 22

فتعين من هذا أنّ السائل هو أبو موسى وحده، ومن رواية مسلم أنّ أبا موسى أحد السائلين، ولا تنافي بين هذه الروايات، لأنّ في رواية البخاريّ أخبر عن جماعة هو داخل فيهم، وفي رواية مسلم صرح بأنّه أحد جماعة السائلين. فإن قلت: بين رواية قالوا ورواية، [قلت منافاة]. قلت: لا لإِمكان التعدد وقد سأل هذا السؤال أيضًا إثنان من الصّحابة، أحدهما أبو ذر، وحديثه عند ابن حبّان، والآخر عمير بن قتادة. وحديثه عند الطبراني (٢٣). فلم يزد إِلَّا قوله إمكان التعدد، ويرد عليه أنّه لم ينحصر الأمر في التعدد لأنّ لقائل أنّ يقول: الأصل عدم التعدد والجمع بين الروايتين بغير الرَّدِّ واضح وهو أنّ عادة الجماعة إذا سألوا عن شيءٍ أن يتولى الخطاب عنهم أحدهم، فحاصل الجمع أن جماعة منهم أبو موسى اجتمعوا في السؤال عن ذلك، وكان الذي باشر السؤال لهم هو أبو موسى، فإن كان أبو ذر وعمير ممّن كان مع أبي موسى وإلا فنسبة السؤال إلى كلّ منهم بطريق المجاز مع احتمال التعدد أيضًا.

стр. 23

فصل ما تعمده هذا المعترض ومما استلبه كما هو في قدر ورقة وأكثر ما ساقه (ح) في شرح باب إثم من كذب على النّبيّ ﷺ ونظائر ذلك كثيرة جدًا، وفي باب عظة الِإمام النِّساء فإن فيه تعقب على الكرماني نحو نصف صفحة قائلًا فيه: قلت: ثمّ ساق كلام (ح) بعينه من استلاب فوائد الذي سبقه كما هي موهمًا أنّها من تصرفه وتحصيله واستنباطه لو وقع تتبعه بطريق الإِستيعاب لطال الشرح جدًا، لكن لم أكتب إِلَّا ما طال فيه الإستلاب من غير أن يزيد من قبل نفسه شيئًا إِلَّا ما يستحق الخدش فيه، ووجدته أحيانًا يذكر ما يستلبه في غير المكان الذي استلبه منه لظنه أنّه يخفى كما صنع في الكلام على حديث أنس "لا يُؤْمِنُ أَحَدكُمْ حَتَّى يُحبَّ لَأخِيه مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" فإنّه قال فيه: إنَّ رواته كلهم بصريون فوقع له من الغرائب أن إسناد هذا كلهم بصريون، وإسناد الذي قبله كلهم كوفيون، والذي قبله كلهم مصريون، فوقع له التسلسل في الأبواب الثّلاثة على الولاء انتهى. وهذا الكلام برمته قاله (ح) في الكلام على حديث عبدَ الله بن عمر ذكر باب إطعام الطّعام ما نصه، رواة هذا الإِسناد كلهم بصريون، والذي قبله كلهم كوفيون، والذي بعده من طريقيه كلهم مصريون، فوقع له التسلسل في الأبواب الثّلاثة على الولاء وهو من اللطائف (٢٤). ومن ذلك ما منعه في الكلام على إسناد هذا الحديث، فقد قال (ح): قوله: وعن حسين المعلم هو معطوف على شعبة، والتقدير عن شعبة وحسين

стр. 24

كلاهما عن قتادة، وإنّما لم يجمعهما لأنّ شيخه أفردهما فأورده المصنف معطوفًا اختصارًا، ولأن شعبة قال: عن قتادة. وقال حسين: حدّثنا قتادة، وأغرب بعض المتأخرين فزعم أنّ قوله وعن حسين تعليق وهو غلظ، فقد رواه أبو نعيم في المستخرج من طريق إبراهيم الحربيّ عن مسدد شيخ المصنف عن يحيى القطان عن حسين المعلم. وأبدى الكرماني بحسب التحرير العقلي احتمال أن يكون تعليقًا أو معطوفًا على قتادة، فيكون شعبة رواه عن حسين عن قتادة وذلك ممّا يغفر عنه من مارس شيئًا من علم الإسناد. ثمّ قال: واللفظ الذي ذكر هنا شعبة، وأمّا لفظة حسين فهو فيما أخرجه الحربيّ بلفظ: "لَا يُؤْمِنُ حَتَّى يُحِبَّ لَأخِيهِ وَلجارِهِ" ... إلى أن قال: وأمّا طريق شعبة فصرح أحمد والنسَائي في روايتهما بسماع قتادة له من أنس فانتفت تهمة تدليسه (٢٥). قال (ع): قوله عن حسين، عطف على شعبة، فالتقدير عن حسين وشعبة كلاهما عن قتادة، وإنّما لم يجمعهما لأنّ شيخه أفردهما فأورده معطوفًا اختصارًا، ولأن شعبة قال: عن قتادة وحسين قال: حدّثنا قتادة، وقال بعض المتأخرين طريق حسين معلقة وهو غير صحيح. فقد رواه أبو نعيم في المستخرج من طريق إبراهيم الحربيّ عن مسدد شيخ البخاريّ فيه عن يحيى القطان عن حسين المعلم. وقال الكرماني: قوله: وعن حسين عطف، إمّا على حدّثنا مسدد. فساق كلام الكرماني بطوله ثمّ قال: قلت: وهذا كله مبني على حكم العقل وليس كذلك وليس هو بعطف على مسدد ولا على قتادة، وإنّما هو عطف على شعبة كما ذكرنا.

стр. 25

والمتن الذي ذكر هنا لفظ شعبة، وأمّا لفظ حسين وهو الذي رواه أبو نعيم فذكره ثمّ قال: فإن قيل قتادة مدلس. قلت: قد صرح شعبة عن أحمد والنسائي بسماع قتادة له من أنس فانتفت تهمة تدليسه انتهى (٢٦). فأخذ كلام غيره فنسبه لنفسه من غير اعتذار عنه، وقد صنع في الباب الذي يليه قريبًا من ذلك، وما ظننت أنّ أحدًا يرضى لنفسه بذلك، وإذا تأمل من ينصف هذه الأمثلة عرف أنّ الرَّجل هذا عريض الدعوى بغير موجب متشبع بما لم يعطه منتهب لمخترعات غيره ينسبها إلى نفسه من غير مراعاة عاتب عليه وطاعن ممّن يقف على كلامه وكلام من أغار عليه، ولو حلفت أنّه لم يخل بابًا من أبواب هذا الكتاب على غزارتها من شيءٍ من ذلك لَبَرَرْتُ، وشاهدي على ذلك عدل من كلامه نصًا لا اختصارًا، بل مصالقة ومناهبة، حتّى أنّه يغفل فينقل لفظة قلت الدالة على الإِختراع له والإِعتراض منه، ويكون ذلك كله لمن سبقه، ومن عجائب ما وقع له أنّه بالغ الإِنكار على من يأخذ [مِنْ] من سبقه فيحكيه ولا ينسبه لصاحبه، ثمّ وقع فيما عابه من ذلك وبالغ الإِكثار، وسيأتي قريبًا في باب خوف المؤمّن أنّ يحبط عمله. قال (ع) في من يأخذ كلام غيره ولا ينسبه إليه: ومن عجيب ما وقع له أنّه نقل عن الكرماني شيئًا ولم يرضه، فرد عليه بكلام (ح) قائلًا في أوله: قلت: موهمًا أنّ ذلك من تصرفه وتتبعه واجتهاده (٢٧). قال البخاريّ:

стр. 26

٣ - باب الكفيل في السلم فذكر حديث عائشة اشترى رسول الله ﷺ طعامًا من يهودي نسيئة ورهنه له درعًا من حديد. قال (ع): قيل: ليس في هذا الحديث ما ترجم به، وأجاب الكرماني بأنّه إمّا أن يراد بالكفالة الضمان فلا شك أنّ المرهون هنا من الدين من حيث أنّه يباع فيه وإما أنّ يقيسه على الرَّهْن بجامع كلّ منهما وثيقة، ولهذا كلما صح الرَّهْن فيه صح ضمانه وبالعكس. قال: (ع): قلت إثبات المطابقة بين هذا الحديث وبين التّرجمة، فهذا الكلام إنّما هو بالجر الثقيل، ومع هذا فالجواب الثّاني فيه بعض قرب، والأولى أن يقال: إن عادته جرت أن يشير إلى بعض ما ورد في بعض طرق الحديث. وقد روى في الرَّهْن عن مسدد عن عبد الواحد عن الأعمش قال: تذاكرنا عند إبراهيم الرَّهْن والقبيل في السلف، فذكر إبراهيم هذا الحديث وفيه التصريح بالرهن والكفيل لأنّ القبيل هو الكفيل، وبهذا يجاب عن قول الكرماني ليس فيه ذكر السلم لأنا نقول فيه ذكر السلف وهو السلم (٢٨). وقريب من هذا ما وقع له في باب أحب الدين إلى الله أدومه ذكر كلام (ح) بعينه في قصة الحولاء بنت ثويب قائلًا قلت موهمًا أنّه من تصرفه، ثمّ

стр. 27

لما أمعنت النظر في كتابه رأيته أكثر من مثل هذا لكنه أغنى عن التصريح بقوله، قلت: قليل بالنسبة إلى الأخذ بغير لفظه. قلت: وسيجزي الله تعالى كلا بفعله، وما الله بظلام للعبيد، ومن هنا أشرع في بعض اعتراضاته على ترتيب الكتاب والله الهادي للصواب، من باب كيف كان بدءُ الوحي إلى رسول الله ﷺ (٢٩). الحديث الأوّل قال (ح): قوله: حدّثنا الحميدي .. إلى أنّ قال: كأن البخاريّ امتثل قوله ﷺ : "قَدِّموا قُرَيْشًا" فافتتح كتابه بِالرِّوَايَةِ عنه لكونه أفقه قرشي أخذ عنه، ولأنّه مكي كشيخه فناسب أنّ يذكر في أول ترجمة بدء الوحي لأنّ ابتداءه كان بمكة ومن ثمّ ثنى بالرواية عن مالك لأنّه شيخ أهل المدينة، وهي تالية لمكة في نزول الوحي وفي جميع الفضل، ومالك وابن عيينة قريبان. قال الشّافعيّ: لولاهما لذهب العلم من الحجاز (٣٠). قال (ع): فإن قلت: لم قدم رواية الحميدي على غيره من مشايخه؟ قلت: هذا السؤال ساقط لأنّه لو قدم رواية غيره لكان يقال لم قدم على غيره. وقال بعضهم: قدم الرِّواية عن الحميدي لأنّه قرشي، وساق كلام (ح) ثمّ قال: قلت: وليس البخاريّ هنا في صدد بيان فضيلة قريش ولا مكّة حتّى يبتدىء برواية قرشي مكي، وأيضًا فقوله ﷺ : "قَدِّمُوا قُرَيْشًا" إنّما هو

стр. 28

في الإمامة الكبرى ليس إِلَّا، وفي غيرها يقدم الباهلي العالم على القرشي الجاهل. وقوله: لأنّ ابتداء الوحي ... الخ إنّما يستقيم أنّه لو كان الحديث في أمر الوحي، وإنّما الحديث في النية فلا يلزم من ذلك ما قال (٣١). قلت: أجوبة هذا الفصل ظاهرة لكل من يبتدىء طرفًا من العلم، وما كنت أظن أن العصبية تنتهي به إلى هذه المكابرة، وهب أنّ البخاريّ ليس هنا في صدد فضيلة قريش تمتنع أن تقصد المناسبة المذكورة، وحصره الذي ادعاه في "قَدِّمُوا قَرَيْشًا" مردود، لأنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب، وهو لا يزال يحتج بهذه القاعدةُ، ولما لم توافق هواه ردها وأكد الرَّدِّ. وقوله: يقدم الباهلي ... الخ يفهم منه أنّ القرشي الجاهل في الإِمامة الكبرى يقدم على الباهلي العالم وليس كذلك، لأنّ شرط الإمام الأعظم أن يكون عالمًا، وأمّا رده الأخير فجوابه أنّ الحديث وإن كان في النية لكن المناسبة المذكورة إنّما هي في التّرجمة لأنّها في بدء الوحي فتمت المناسبة. قوله: الحديث الثّاني قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد. قال (ح): موصول بالسند المذكور وإنّما أعاد لفظ قالت ليفصل بين ما نقلته عن النّبيّ ﷺ من قوله، وبين ما حكته عنه من حاله وليس هذا بمعلق، لأنّ الأصل في الكلام أن يكون في حكم ما قبله حتّى يظهر الفاصل (٣٢).

стр. 29

قال (ع): هذا اللّفظ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معطوفًا على الذي قبله بغير أداة عطف ويكون مُسْنَدًا. والثّاني: أن يكون كلامًا برأسه فيكون معلقًا، ونفى بعضهم أن يكون معلقًا ولم يقم عليه دليلًا، فنفيه منفي (٣٣). الحديث الثّالث قوله في الكلام على حديثها: أول ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا ... إلى أنّ قال: فقلت: "مَا أَنَا بقَارِيءٍ" (ما) نافية إذ لو كانت إستفهامية لم تدخل الباء عليها، وإن حكي جوازه عن الأخفش فإنّه شاذ، وإنّما الباء زائدة لتأكيد النفي، وجَوَّز أبو شامة أن تكون (ما) الأولى للإِمتناع، والثّانية للإِخبار، والثالثة للإِستفهام. قلت: ويؤيده أنّ في رواية أبي الأسود عن عروة في مغازيه كيف أقرأ ونحوه من وجه آخر عن الزّهري في الدلائل للبيهقي (٣٤). قال (ع): العجب من هذا الشارح يغلط من قال: إنها إستفهامية، ثمّ يذكر رواية أبي الأسود وهي مصرحة بأنّها إستفهامية (٣٥). قلت: انظر وتعجب. قوله: "فرجع بها".

стр. 30

قال (ح): أي بالآيات أو بالقصة (٣٦). قال (ع): قوله: أو بالقصة لا وجه له أصلًا على ما لا يخفى (٣٧). قلت: من يخفى عليه مثل هذا ما له يعترض على من يفهم. قوله: ويكسب المعدم. قال (ح): بفتح أوله على المشهور، وبالضم وعليها قال الخطابي: الصواب المعدم بضم الميم بلا واو أي الفقير لا يكسب. قال (ح): ولا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم، لكونه كالمعدوم الميِّت الذي لا تصرف له (٣٨). قال (ع): الصواب ما قاله الخطابي، وكذا قال الصغاني في العباب، وتكسب المعدوم أي تعطي العائل وتردفه (٣٩). قال (ح): قوله: "فَحَمِيَ الْوحْيُ" أي قوي وجاء كثيرًا، وفيه مطابقة لتعبيره عن تأخيره بالفتور، إذ لم ينته إلى الانقطاع، فوصف بالمصدر وهو البرد. وقوله: "وتتابع" أي تكاثر وهو تأكيد معنوي، ووقع في الكشميهني وأبي الوقت، "وتواتر" ومعناه مجيء الشيء يتلو بعضه بعضًا من غير خلل (٤٠). قال (ع) قالوا: الشراح كلهم معنى حمى، وتتابع واحد فأكد أحدهما بالآخر.

стр. 31

قلت: ليس معناهما واحد، فإن معنى حَمِيَ النهار اشتد حره، ومعنى تتابع تواتر، فالمراد حَمِيَ الوحي اشتداده وهجومه، وتتابعه تواتره وعدم انقطاعه، وإنّما يكتف بحمي لأنّه لا يستلزم الإستمرار والدوام، فلذلك قال: وتتابع، وهذا من الأسرار الرِّبَانية والأفكار الرّحمانية، والتواتر مجيء الشيء يتلو بعضه بعضًا من غير خلل، ولقد أبعد من قال: وتتابع تأكيد معنوي، لأنّ التأكيد المعنوي ألفاظه مخصوصة، وإن لم يردّ التأكيد الإِصطلاحي فهو ما يكون بين لفظين معناهما واحد، وقد ثبت تغايرهما (٤١). قال (ح): لم يقتصر الجميع على ما ادعاه من وحدة المعنى فيهما بل جوزوا المغايرة، وقد جوزوا رد الأوّل إلى الثّاني، فقالوا: حمي كناية عن مجيئه كثيرًا، ومعنى الكثرة موجود في التتابع أيضًا، وليس هذا بعجيب فإن اللّفظ قد يصير بمعنى اللّفظ بضرب من التّأويل، ثمّ في قوله الشراح كلهم مجازفة عظيمة لأنّه حين كتابته هذا الشرح لم يستمد إِلَّا من الفتح أو الكرماني. ولم يراجع إلى التلويح والتوضيح وكل شيءٍ ينسبه إلى أي مصنف اتفق من شراح البخاريّ إنّما يتلقاه عنه من أحد الشيوخ الثّلاثة، فكيف يتوجه قوله الشراح كلهم؟! والله المستعان. قوله: الحديث الخامس تابعه عبد الله بن يوسف وأبو صالح. قال (ح): هو عبد الله بن صالح كاتب اللَّيث ووهم من زعم أنّه أبو صالح عبد الغفار بن داود الحراني (٤٢).

стр. 32

قال (ع): لم يتبين لي وجهة في الترجيح لأنّ البخاريّ روى عن كليهما (٤٣). قلت: وما علي إذا لم يمكن انتزاع له بأن الذي جزمت به يترجح من أوجه: أحدها: كثرة رواية عبد الله بن صالح عن اللَّيث لأنّه كان كاتبه، واشتهر بملازمته بخلاف عبد الغفار. ثانيها: كثرة إيراد البخاريّ الروايات المعلقة عن عبد الله بن صالح عن اللَّيث، وأخرج عنه مواضع يسيرة موصولة عن خلق في بعضها، وأمّا عبد الغفار فأخرج عنه شيئًا يسيرًا موصولًا، ولم يخرج شيئًا معلقًا في سائر الكتاب. ومنها أنّ رواية عبد الله بن يوسف وجدت عند يعقوب بن سفيان في هذا الحديث بعينه أخرجه عنهما مقرونًا برواية اللَّيث. ذكر صاحب الروض أنّها ثلاثة أحاديث فقط. وقال الكلاباذي: أخرج عنه في آخر البيوع، وفي غزوة خيبر، ولم يرقم المزي في مشايخه رقم البخاريّ إِلَّا على يعقوب بن عبد الرّحمن. قلت: والذي أخرجه عنه في الموضعين حديث واحد وهو حديث عمرو بن أبي عمرو عن أنس في قصة صفية بنت حيي، وتزويجها ووليمته عليها برواية في غزوة خيبر بابن وهب، وأفرده في آخر كتاب البيوع، ولم يخرج عنه عن اللَّيث شيئًا.

стр. 33

الحديث السّادس قوله: ومما يحرك به شفتيه: قال (ح): قال الكرماني: أي كان العلاج ناشئًا من تحريك الشفتين، أو "ما" بمعنى من أي كان ممّن يحرك شفتيه، وقال بعضهم: فيه نظر لأنّ الشدة حاصلة له قبل التحريك (٤٤). قال (ع): في نظره نظر لأنّ الشدة وإن كانت كذلك لكنها ما ظهرت إِلَّا بالتحريك لأنّه أمر يظن فلم يقف عليه الراوي إِلَّا بالتحريك (٤٥). قلت: هذا الحصر مردود، فجائر أن يكون عرفه بإخبار النّبيّ ﷺ عن نفسه، والأحاديث المصرحة بثقل الوحي وشدته شهيرة، ومنها قول زيد بن ثابت: حتّى كاد يرض فخذي. وحديث الناقة عند نزول سورة الفتح. وحديث عائشة الماضي قريبًا، فتفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا، ولم يذكر في شيءٍ منها تحريك الشفتين. الحديث السابع قال (ح): "وكان أجود ما يكون في رمضان" عند الأصيلي "أجودَ" بالنصب على أنّه خبر كان، وتعقب بأنّه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها،

стр. 34

وأجيب بجعل اسم كان ضمير النّبيّ ﷺ وأجود الخبر، والتقدير وكان رسول الله ﷺ مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره (٤٦). قال (ع): هذا لا يصح لأن كان إذا كان فيه ضمير النّبيّ ﷺ لا يصح أن يكون أجود خبرًا لكان، فإنّه مضاف إلى الكون، ولا يخبر بكون عما ليس يكون، فيجب أنّ يجعل مبتدأ وخبره في رمضان، والجملة خبر كان وإن استتر فيه ضمير الشأن (٤٧). قوله: "أَمَّا بَعْدُ". قال (ح): في أمّا معنى الشرط، وهذه الكلمة تستعمل لتفصيل ما يذكر بعدها غالبًا، وقد ترد مستأنفة فلا تفصيل كالذي هنا. وقال الكرماني: هي للتفصيل هنا والتقدير أمّا الإبتداء فهو بسم الله ... الخ، وأمّا المكتوب فهو من محمَّد رسول الله ... الخ (٤٨). قال (ع): هذا تعسف (٤٩). قوله: أَسْلْمِ تَسْلَمْ أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ. قال (ح): يحتمل أن يكون الأمر الأوّل للدخول في الإسلام، والثّاني للدوام عليه كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ ...﴾ الآية (٥٠). قال (ع): الأصوب أن يكون للتأكيد والآية في حق المنافقين، أي:

стр. 35

يا أيها الذين آمنوا نفاقًا آمنوا إخلاصًا، كذا في التفسير (٥١). قلت: في كلامه مع مخالفة القاعدةُ في تقديم التأسيس على التأكيد إن كان المنقول، لأن القولين ذكرا عن أهل التفسير. قوله: إنّه ليخافه. قال (ح): بكسر الهمزة لا بفتحها لثبوت اللام في خبرها (٥٢). قال (ع): بل يجوز فتحها أيضًا على أنّه مفعول من أجله، وقد قرئ في الشاذ ﴿أَلَّا إنَّهُمْ لَيَأْكُلُون﴾ والمعنى على الفتح لأنّ أبا سفيان أراد تعظيم أمر النّبيّ ﷺ لأجل أنّه يخافه ملك الروم (٥٣). قلت: والتعظيم مستفاد من التأكيد في المكسورة وفي اللام معًا، والذي جزم به المعربون في القراءة المذكورة أن اللام زائدة والتقدير ألا إنّهم ليأكلون أي ما جعلناهم رسلًا إلى النَّاس إِلا لكونهم مثلهم في ذلك. قوله هذا ملك هذه الأُمَّة قد ظهر. قال (ح): كذا للأكثر بضم ثمّ سكون، وللقابسي بفتح ثمّ كسر، ولأبي ذر عن الكشميهني وحده يملك بلفظ الفعل المضارع. قال القاضي عياض: أظنها ضمة الميم اتصلت بالميم تصحفت. ووجهه السهيلي في أماليه بأنّه مبتدأ وخبر، أي هذا المذكور يملك هذه الأُمَّة. وقيل: يملك نَعْتٌ، أي هذا رجل يملك. وقال شيخنا: يجوز أن يكون الموصول حذف، أي هذا الذي يملك،

стр. 36

وهو جائز عند الكوفيين، وعندهم أيضًا يجوز استعمال اسم الإشارة بمعنى الاسم الموصول (٥٤). قال (ع): هذه الروايات تحتاج إلى توجيه مرضي، ولم أر أحدًا من الشراح قديمًا وحديثًا شفى العليل ولا أروى الغليل، وإنّما رأيت شارحًا نقل عن السهيلي شيئًا فذكره، ثمّ قال: وهذا فيه خدش لأن قوله: قد يظهر يبقى سائبًا من هذا الكلام. قال: ونقل هذا الشارح عن شيخه أنّه قال فذكره. ثمّ قال: وهذا أيضًا فيه خدش كما في الذي قبله، أيضًا من وجه آخر فنقول بعون الله تعالى: هذا مبتدأ أو جملة من الفعل، والفاعل في محل الرفع، وقوله: هذه الأُمَّة مفعول يملك، وقوله: وقد ظهر جملة وقعت حالًا (٥٥). قلت: إذا فهم المنصف اعتراضه وجوابه عرف قدر فهمه ومبلغ علمه. قوله: البطارق. قال (ح): البطارقة جمع بطريق بكسر أوله وهم خواص دولة الروم (٥٦). قال (ع): هذا التفسير غير موجه، وصدر كلامه بأن قال: البطارقة قواد الملك وخواص دولته، وأهل الرأي والشورى منهم، وقيل: البطريق المختال المتعاظم، ولا يقال للنساء، وفي العباب قال: اللَّيث البطريق العابد انتهى (٥٧)، فلينظر وجه عدم التوجيه.

стр. 37

قوله: إلى حمص. قال (ح): مجرور بالفتحة منع صرفه العلمية والتأنيث، ويحتمل أن يجوز صرفه (٥٨). قال (ع) لا يحتمل أصلًا لأنّه وإن كان ساكن الوسط لكن فيه ثلاث علل، فإذا زالت الواحدة بقيت ثنتان فيمنع الصّرف. انتهى ملخصًا (٥٩). وظنه أنّ (ح) جَوَّزَ الصّرف من أجل سكون الوسط فاسد لأنّه أراد أنّ الذي ينطق به إن أراد البلد صار مذكرًا فيجوز صرفه، ومعنى قوله ثلاث علل: العجمة والتأنيث والعلم، ولكن من جوز فيه الصّرف لا يجعل للعجمة تأثيرًا لأنّها لا تمنع صرف الثلاثي ولا التأنيث إذا قصد البلد فيبقى علة العلمية وحدها. من: كتاب الإِيمان قوله:

стр. 38

٤ - باب قول النّبيّ ﷺ بني الإِسلام على خمس قال (ح): الحديث فيه تسمية الشيء باسم بعضه (٦٠). قال (ع): لا تسمية هنا ولا إطلاق (٦١). قوله:

стр. 39

٥ - باب أمور الإِيمان وقول الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ ... الْمُتَّقُونَ﴾ إلى قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ اْلمُؤمِنُونَ ... الخ﴾ قال (ح): قد ذكر قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ بلا أداة عطف والحذف جائز، والتقدير وقول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ اْلمُؤمِنُون﴾ وقد ثبت المحذوف في رواية الأصيلي، ويحتمل أن يكون ذلك تفسيرًا لقوله: ﴿اْلمُتَّقُون﴾ أي المتقون هم الموصوفون بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ألمُؤمِنُونَ ... الخ﴾ (٦٢). قال (ع): الحذف غير جائز، ولئن سلمنا فذاك في الشعر، وقوله: تفسيرًا لقوله لا يصح لأن الله ذكر من وصف بذلك في الآية، ثمّ قال: ﴿وَأُوِلَئِكَ هُمُ اْلمُتَّقُونَ﴾ فأي شيءٍ يحتاج بعد ذلك إلى تفسير المتقين في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾. ثمّ قال: وكان يمكن صحة هذه الدعوى لو كانت آية ﴿قَدْ أَفْلَحْ﴾ تلو آية البقرة. انتهى ملخصًا (٦٣). وأقول: المراد بالحذف أن بعض الرواة حذف الواو وبعضهم أثبتها، فإنكار هذا القدر بعد تقدّم بيانه عجيب، والمراد بالتفسير أنّ الموصوفين بالتقوى لسبب اتصافهم بما ذكر من الأوصاف أفادت أنّه قد أفلح أنّ ثوابهم على ذلك أنّهم الوارثون الفردوس.

стр. 40

٦ - باب "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانهِ وَيَدِهِ " قال (ح) يحتمل أن يكون المراد بذلك الإِشارة إِلى الحث على حسن معاملة العبد مع ربه، لأنّه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى (٦٤). قال (ع): فيه نظر وخدش من وجهين: أحدهما: في قوله الإشارة ممنوع، لأن الإشارة ما ثبت بنظم الكلام وتركيبه مثل العبارة، غير أنّ الثابت من الإِشارة [غير] مقصود من الكلام، ولا سيق الكلام له، فهل نجد في هذا الكلام هذا المعنى الثّاني؟! قوله: الأولى ممنوع أيضًا، ومن أين الأولوية في ذلك وهي موقوفة على تحقيق المدعى، والدعوى غير صحيحة لأنا نجد كثيرًا من النَّاس يسلم النَّاس من لسانهم ويدهم، ومع هذا لا يحسنون المعاملة مع الله تعالى (٦٥). قلت: لا يمنع ذلك الحث المذكور فطاح الاعتراض والله أعلم. قوله: "والمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ". قال (ح): المراد بالناس هنا المسلمون كما في الرِّواية الموصولة "مَنْ سَلِمَ المُسْلِمونَ" والمسلمون هم النَّاس في الحقيقة، ويمكن حمله على عمومه على إرادة شرط، وهو إِلَّا بحق وإرادة هذا الشرط متعينة على كلّ حال (٦٦).
следующие страницы →