← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13771

انتقاض الاعتراض في الرد على العيني في شرح البخاري

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهو جائز عند الكوفيين، وعندهم أيضًا يجوز استعمال اسم الإشارة بمعنى الاسم الموصول (٥٤). قال (ع): هذه الروايات تحتاج إلى توجيه مرضي، ولم أر أحدًا من الشراح قديمًا وحديثًا شفى العليل ولا أروى الغليل، وإنّما رأيت شارحًا نقل عن السهيلي شيئًا فذكره، ثمّ قال: وهذا فيه خدش لأن قوله: قد يظهر يبقى سائبًا من هذا الكلام. قال: ونقل هذا الشارح عن شيخه أنّه قال فذكره. ثمّ قال: وهذا أيضًا فيه خدش كما في الذي قبله، أيضًا من وجه آخر فنقول بعون الله تعالى: هذا مبتدأ أو جملة من الفعل، والفاعل في محل الرفع، وقوله: هذه الأُمَّة مفعول يملك، وقوله: وقد ظهر جملة وقعت حالًا (٥٥). قلت: إذا فهم المنصف اعتراضه وجوابه عرف قدر فهمه ومبلغ علمه. قوله: البطارق. قال (ح): البطارقة جمع بطريق بكسر أوله وهم خواص دولة الروم (٥٦). قال (ع): هذا التفسير غير موجه، وصدر كلامه بأن قال: البطارقة قواد الملك وخواص دولته، وأهل الرأي والشورى منهم، وقيل: البطريق المختال المتعاظم، ولا يقال للنساء، وفي العباب قال: اللَّيث البطريق العابد انتهى (٥٧)، فلينظر وجه عدم التوجيه.

стр. 37

قوله: إلى حمص. قال (ح): مجرور بالفتحة منع صرفه العلمية والتأنيث، ويحتمل أن يجوز صرفه (٥٨). قال (ع) لا يحتمل أصلًا لأنّه وإن كان ساكن الوسط لكن فيه ثلاث علل، فإذا زالت الواحدة بقيت ثنتان فيمنع الصّرف. انتهى ملخصًا (٥٩). وظنه أنّ (ح) جَوَّزَ الصّرف من أجل سكون الوسط فاسد لأنّه أراد أنّ الذي ينطق به إن أراد البلد صار مذكرًا فيجوز صرفه، ومعنى قوله ثلاث علل: العجمة والتأنيث والعلم، ولكن من جوز فيه الصّرف لا يجعل للعجمة تأثيرًا لأنّها لا تمنع صرف الثلاثي ولا التأنيث إذا قصد البلد فيبقى علة العلمية وحدها. من: كتاب الإِيمان قوله:

стр. 38

٤ - باب قول النّبيّ ﷺ بني الإِسلام على خمس قال (ح): الحديث فيه تسمية الشيء باسم بعضه (٦٠). قال (ع): لا تسمية هنا ولا إطلاق (٦١). قوله:

стр. 39

٥ - باب أمور الإِيمان وقول الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ ... الْمُتَّقُونَ﴾ إلى قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ اْلمُؤمِنُونَ ... الخ﴾ قال (ح): قد ذكر قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ بلا أداة عطف والحذف جائز، والتقدير وقول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ اْلمُؤمِنُون﴾ وقد ثبت المحذوف في رواية الأصيلي، ويحتمل أن يكون ذلك تفسيرًا لقوله: ﴿اْلمُتَّقُون﴾ أي المتقون هم الموصوفون بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ألمُؤمِنُونَ ... الخ﴾ (٦٢). قال (ع): الحذف غير جائز، ولئن سلمنا فذاك في الشعر، وقوله: تفسيرًا لقوله لا يصح لأن الله ذكر من وصف بذلك في الآية، ثمّ قال: ﴿وَأُوِلَئِكَ هُمُ اْلمُتَّقُونَ﴾ فأي شيءٍ يحتاج بعد ذلك إلى تفسير المتقين في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾. ثمّ قال: وكان يمكن صحة هذه الدعوى لو كانت آية ﴿قَدْ أَفْلَحْ﴾ تلو آية البقرة. انتهى ملخصًا (٦٣). وأقول: المراد بالحذف أن بعض الرواة حذف الواو وبعضهم أثبتها، فإنكار هذا القدر بعد تقدّم بيانه عجيب، والمراد بالتفسير أنّ الموصوفين بالتقوى لسبب اتصافهم بما ذكر من الأوصاف أفادت أنّه قد أفلح أنّ ثوابهم على ذلك أنّهم الوارثون الفردوس.

стр. 40

٦ - باب "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانهِ وَيَدِهِ " قال (ح) يحتمل أن يكون المراد بذلك الإِشارة إِلى الحث على حسن معاملة العبد مع ربه، لأنّه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى (٦٤). قال (ع): فيه نظر وخدش من وجهين: أحدهما: في قوله الإشارة ممنوع، لأن الإشارة ما ثبت بنظم الكلام وتركيبه مثل العبارة، غير أنّ الثابت من الإِشارة [غير] مقصود من الكلام، ولا سيق الكلام له، فهل نجد في هذا الكلام هذا المعنى الثّاني؟! قوله: الأولى ممنوع أيضًا، ومن أين الأولوية في ذلك وهي موقوفة على تحقيق المدعى، والدعوى غير صحيحة لأنا نجد كثيرًا من النَّاس يسلم النَّاس من لسانهم ويدهم، ومع هذا لا يحسنون المعاملة مع الله تعالى (٦٥). قلت: لا يمنع ذلك الحث المذكور فطاح الاعتراض والله أعلم. قوله: "والمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ". قال (ح): المراد بالناس هنا المسلمون كما في الرِّواية الموصولة "مَنْ سَلِمَ المُسْلِمونَ" والمسلمون هم النَّاس في الحقيقة، ويمكن حمله على عمومه على إرادة شرط، وهو إِلَّا بحق وإرادة هذا الشرط متعينة على كلّ حال (٦٦).

стр. 41

قال (ع): فيه نظر من وجوه: الأوّل: يلزم أن يكون غير المسلمين من بني آدم ليسوا بإنسان حقيقة وليس كذلك، بل النَّاس تكون من الإنس والجن قاله في العباب. الثّاني: استعمال الإمكان هنا غير سديد بل هو عام قطعًا. الثّالث: تخصيصة الشرط بهذا الحديث غير موجه بل هو عام، فبهذا الشرط يخرج عن العموم، ولما في حق المسلم والذمي فعلى عمومه (٦٧). قلت: أعرضت عن جوابه لوضوحه. قوله:

стр. 42

٧ - باب من الإِيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه قال (ح): أورد الكرماني أنّه قدم لفظه من الإيمان بخلاف الذي قبله حيث قال: حب الرسول من الإِيمان ونحوه، وقال: ذلك إمّا للإِهتمام بذكره وإما للحصر. قال (ح): هو توجيه حسن إِلَّا أنّه يرد عليه أنّ الذي بعده أليق بالإهتمام والحصر معًا، أو هو حب الرسول، فالظاهر أنّه أراد التنويع أو اهتم بحب الرسول فقدمه (٦٨). قال (ع): هذا لا يرد على الكرماني وإنّما يرد على البخاريّ، حيث لم يقل باب من الإِيمان حب الرسول، ويمكن أن يجاب عنه فإنّه إنّما بدل لفظ حب الرسول للاهتمام بذكره والاستلذاذ باسمه. انتهى فانظره وتعجب! (٦٩). قوله:

стр. 43

٨ - باب بغير ترجمة وذكر فيه حديث عبادة بن الصامت في البيعة إلى أن قال (ح): وقال عياض: ذهب أكثر العلماء إلي أنّ الحدود كفارات، واستدلوا بهذا الحديث، ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لا أَدْري الْحُدُودُ كَفَّارَة لِأهْلِهَا أَمْ لَا" لكن حديث عبادة أصح إسنادًا، ويمكن أن يكون حديث أبي هريرة ورد أوَّلًا قبل أن يُعْلِمَهُ الله تعالى أنّ الحدود كفارة، ثمّ أعلمه بعد ذلك انتهى كلامه. وفيه نظر سنذكره وذلك أنّ حديث أبي هريرة الذي ذكره أخرجه البزار والحاكم من رواية معمر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة (٧٠).وهو صحيح أخرجه أحمد عن عبد الرزّاق عن معمرًا (٧١). ورجاله رجال الصّحيح، لكن قال الدارقطني: أنّ عبد الرزّاق تفرد بوصله، وأن هشام بن يوسف رواه عن معمر وأرسله. قلت: وقد وصله آدم بن أبي أياس عن ابن أبي ذئب أخرجه الحاكم (٧٢) أيضًا فقويت رواية عبد الرزّاق وإذا كان صحيحًا فالجمع الذي ذكره القاضي عياض حسن، لكن القاضي ومن تبعه جازمون بأن حديث عبادة هذا كان

стр. 44

بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله ﷺ البيعة الأولى بمنى، وأبو هريرة إنّما أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام حنين، فكيف يكون حديثه متقدمًا؟! وقالوا في الجواب عنه: يمكن أن يكون أبو هريرة ما سمعه من النّبيّ ﷺ وإنّما سمعه من صحابي آخر كان سمعه من النّبيّ ﷺ قديمًا ولم يسمع بعد ذلك من النّبيّ ﷺ الحديث الذي يدلُّ على أنّ الحدود كفارة كما سمعه عبادة. قلت: وفي هذا الجواب تعسف ويبطلة أنّ أبا هريرة صرح بسماعه من النّبيّ ﷺ ، وأن الحدود لم تكن نزلت آنذاك، والحق عندي أنّ حديث أبي هريرة صحيح وهو سابق على حديث عبادة، والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصِّفَة المذكورة إنّما وقعت ليله العقبة، ونص بيعة العقبة هو ما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أنّ النّبيّ ﷺ قال لمن حضر من الأنصار: "أُبَايعُكُمْ عَلى أَنْ تَمْنَعُوني مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبنَاءَكُمْ" فبايعوه على ذلك، وسَيأتي في كتاب الفتن من وجه أخر قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره .. الحديث. وأصرح من ذلك في هذا المراد ما أخرجه أحمد والطبراني من وجه آخر عن عبادة في قصة جرت له مع أبي هريرة عند معاوية بالشام فقال: يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول بالحق ولا نخاف في الله لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله إذا قدم علينا يثرب فنمنعه ممّا نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنَّة، فهذه بيعة رسول الله ﷺ الّتي بايعناه عليها. وعند الطبراني له طرق أخرى وألفاظ قريبة من هذه، فوضح بهذا أن الذي وقع في العقبة ما ذكر.

стр. 45

وصدرت بعد ذلك مبايعات أخرى سيأتي ذكرها في كتاب الأحكام، منها المبايعة على مثل بيعة النِّساء، والذي يؤكد أنّها متأخرة ما جاء في بعض الطرق أنّها كانت في فتح مكّة، وآية النِّساء كانت نزلت قبل ذلك بسنتين بعد الحديبية فسيأتي في الحدود من رواية سفيان بن عيينة عن الزّهريُّ في حديث عبادة هذا أنّ النّبيّ ﷺ لما بايعهم قرأ الآية كلها، وفي تفسير سورة الممتحنة فتلا عليه آية النِّساء ﴿أَنّ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾. وللنسائي من طريق الحارث بن فضيل عن الزهريّ في أول هذا الحديث: "أَلَا تُبَايِعُوني عَلى مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بالله شَيْئًا ... " الحديث. وللطبراني من وجه آخر: بايعنا رسول الله ﷺ على ما بايع عليه النِّساء يوم فتح مكّة ... الحديث. وهذه الطرق يحتمل أنّ تتعلّق بقوله: بايعنا، وبقوله: بايع. ولمسلم من طريق أبي الأشعث عن عبادة: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النِّساء. ففي هذه الطرق كلها دلالة ظاهرة على أن هذه المبايعة بهذه الصِّفَة إنّما صدرت بعد بيعة العقبة بمدة ولا سيما الطريق المفسرة بأنّها كانت في فتح مكّة وذلك بعد إسلام أبي هريرة قطعًا. ويؤيده ما أخرجه ابن أبي خيثمة من طريق أيوب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "أُبَايِعُكُمْ عَلىَ أنّ لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا ... " فذكر نحو حديث الباب ورجاله موثوقون. وقد قال إسحاق بن راهويه: إذا صح الإِسناد إلى عمرو بن شعيب فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر .. انتهى. وإذا كان عبد الله بن عمرو حضر هذه المبايعة وليس هو من الأنصار ولا

стр. 46

ممّن حضر بيعه العقبة ظهر تغاير البيعتين. ومثله ما رواه الطبراني من حديث جرير: بايعنا رسول الله ﷺ على مثل ما بايع عليه النِّساء ... فذكر الحديث، وإسلام جرير متأخر عن إسلام أبي هريرة وإنّما وقع الإلتباس لأنّ عبادة حضر البيعتين، وكانت بيعة العقبة من أعظم ما يمتدح به، وكان يذكرها إذا حدث تنويهًا بسابقتيه كما ذكرها في قصة توبته في الحديث الطويل، ورجح شهودها على شهود بدر، فلما حدث بالبيعة الّتي وقعت على مبايعة النِّساء ذكر أنّه شهد العقبة وبايع فيها فتوهم من لم يقف على حقيقة ذلك أنّهما جميعًا وقعا في ليلة واحدة. ونظير ما وقع من هذا التوهم ما أخرجه أحمد من طريق محمَّد بن إسحاق عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده وكان أحد النقباء قال: بايعنا رسول الله ﷺ بيعة الحرب، وكان عبادة من الإثنى عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى على بيعة النِّساء وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر ... الحديث. ووقع ذكر بيعة النِّساء في ليلة العقبة. وفي رواية أخرى لابن إسحاق من طريق الصنابحي عن عبادة، وهذا ظاهر في اتحاد البيعتين لكن فيه وهم، وسيأتي في كتاب الأحكام من وجه آخر عن يحيى بن سعيد على الصواب ليس فيه ذكر بيعة النِّساء والحرب، وإنّما أذن فيها بعد الهجرة وذلك بعد بيعة العقبة فيحمل الأمر على أنّ عبادة حضر البيعات كلها، وكان يجمعها تارة ويفرد بعضها أخرى، والعلم عند الله تعالى. وحاصل ما تأولته أنّ قول عبادة إنِّي من النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ أي ليلة العقبة على الإيواء والنصر والسمع والطاعة كما تقدّم ثمّ قال: وقال: بايعنا ... الخ أي في وقت آخر وليس ذلك تفسيرًا لبيعة العقبة.

стр. 47

ويؤيده الإتيان بالواو العاطفة في قوله: وقال: بايعناه وقد ارتفع بهذا التفسير الذي نهجت طريقة الإشكال الذي بين حّديثي عبادة وأبي هريرة وأنّه ﷺ كان يقول: "أوَّلا لَا أَدْري الْحُدُود كَفَّارة لِأَهْلِهَا أمْ لَا" حتّى سمعه أبو هريرة منه ثمّ أعلمه الله أنّ الحدود كفارة فسمعه عبادة بسماعه منه بعد ذلك ولم يَسمعه أبو هريرة (٧٣). قال (ع): ويبطله أنّ أبا هريرة صرح بسماعه من النّبيّ ﷺ بعد ما سمعه من صحابي آخر فلذلك صرح بالسماع وهذا غير ممنوع ولا محال (٧٤). قال (ح): هذا لا يغير شيئًا لأنّه يبقى الإِشكال الأوّل على حالة إذا بنينا على أنّ حديث عبادة متقدم وحديث أبي هريرة متأخر. قال (ع): الثّاني يحتمل أنّه صرح بالسماع من النّبيّ ﷺ لتوقفه بالسماع من صحابي آخر فإن الصّحابة كلهم عدول لا يتوهم فيهم الكذب (٧٥). قال (ح): قوله: الصّحابة كلهم عدول مسلم، لكن لا يعرف عن أحد منهم ولا عمن بعدهم من أهل الصدق أن يقول: سمعت النّبيّ ﷺ ، ومراده أنّه سمع ذلك ممّن سمعه منه، ولو وجد ذلك لما بقي معنى ما يفصل المنقطع من المتصل، ولو اطرد هذا التجوز لما تميز حديث المدلس إذا صرح من حديثه وإذا عنعن. قال (ع): وقوله: والحدود لم تكن نزلت إذ ذاك لا يلزم منه أنّ الحدود تكون كفارات في المستقبل (٧٦). قال (ح): فينحل إلى أن التقدير من أذنب ذنبًا بعد أن نزلت الحدود

стр. 48

ثمّ أقيم عليه حده فهو كفارة له، ولا يخفى ما فيه من التعسف. قال (ع): وقوله: الحق عندي أن حديث أن هريرة صحيح غير مسلم، فإن الحديث أخرجه الحاكم وقد علم مساهلة الحاكم في باب التصحيح، وقول الدارقطني أن هشام بن يوسف أرسله، إلى أن قال: وحديث عبادة أصح، فلا يساوي حديث أبي هريرة حتّى يقع بينهما التعارض فيحتاج إلى الجمع (٧٧). قال (ح): لا يلزم من نسبة الحاكم إلى المساهلة في التصحيح أن يكون كلّ حديث صححه تساهل فيه، بل ينظر في السند فإن كان من رجال الصّحيح له ولم يكن فيه علة خفية قادحة فهو صحيح كما قال، والأمر هنا كذلك في الرجال، والعلّة الّتي ذكرها الدارقطني غير قادحة فإن الوصل عند كثير من المحدثين وجميع أهل الفقه والأصول مقدم على الإرسال، سلمنا أن الإرسال مقدم لكنه في رواية معمر وقد ذكرنا أن آدم وصله ولم يعارضه فيه معارض، وأما دعواه أن الجمع لا يكون إِلَّا في المتعارضين وأن شرط المتعارضين أن يتساويا في القوة، فهو شرط لا مستند له فيه بل إذا صح الحديثان وكان ظاهرهما التعارض وأمكن الجمع بينهما فهو أولى من الترجيح. قال (ع): والدّليل على أن عبادة كان ممّن بايع ليلة العقبة، فذكر طرفًا ممّا تقدّم في سياق (ح) وأتعب نفسه في ذلك فإن (ح) ما نفى أن يكون عبادة شهد ليلة العقبة حتّى يستدل عليه. قال (ع): وإستدلاله بقراءة النّبيّ ﷺ آية النِّساء لا حجة له فيه لاحتمال أن يكون عبادة لما صار يحدّث بحديث ليلة العقبة كان يذكر فيه قراءة النّبيّ ﷺ آية النِّساء لأنّه حضر البيعتين (٧٨).

стр. 49

قال: ولا يخفى تعسفه وما تقدّم حمله عليه أقرب فهو أولى. قال (ع): وتمسك هذا القائل بما وقع في حديث الصنابحي في الحديث المذكور من زيادة قوله: ولا ينتهب على أن هذه البيعة متأخرة، لأنّ بيعة الحرب إنّما شرعت بعد ليلة العقبة، والإنتهاب فرع مشروعية الحرب، وهذا التمسك فاسد لأن الإنتهاب أعم من أن يكون في المغانم وغيرها (٧٩). قال (ح) لكنه المتبادر [فالتمسك] وهذا التمسك به صحيح، ولو لم يكن في هذا الكتاب إِلَّا هذا الموضع لكان في غاية الدلالة على التحامل، والتغيير في وجوه المحاسن وطمس معالم الصواب والله المستعان. قوله:

стр. 50

٩ - باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ قال (ح): مُنَوَّن في الرِّواية والتقدير [هذا] بابُ تفسير قوله تعالى ﴿فَإِنْ تَابُوا ... الخ﴾ وتجوز الإِضافة، والتقدير باب تفسير قوله تعالى، وإنّما كان الحديث تفسيرًا للآية، لأنّ المراد بالتوبة في الآية قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ الرجوع عن الكفر إلى الإيمان، وفسره بقوله: "حَتَّى يَشْهَدوا أَنَّ لَا إله إِلَّا اللهُ ... الخ" (٨٠). قال (ع): فيه نظر من وجوه: الأوّل: باب هو منون في الرِّواية دعوى بلا برهان، فمن قال من المشائخ الكبار ممّن يعتمد كلامهم: إنَّ هذه رواية، على أنَّ الرِّواية إذا خالفت الدراية لا تقبل، اللَّهُمَّ إِلَّا إذا وقع نحو هذا في الألفاظ النبوية فحينئذ يجب تأويلها على وفق الدراية، وقد قلنا: إنَّ هذا بمفرده لا يستحق الإِعراب إِلَّا إذا قدرنا [نحو] هذا باب بالتنوين أو بالإِعراب بلا تنوين بتقدير الإِضافة إلى الجملة، ثمّ استمر في المناقشة بمثل هذه الإِيرادات الّتي يمجها سمع كل من له فهم قدر ورقة، فمن أراد أن يضيع الزّمان في غير فائدة فليراجعه من كتابه (٨١). قوله:

стр. 51

١٠ - باب من الدِّين الفرار من الفتن قال (ح): عدل المصنف عن التّرجمة بالإيمان مع كونه يترجم بذلك لأكثر الأبواب مراعاة للفظ الحديث، ولما كان الإيمان والإِسلام في عرف الشّرع عنده مترادفين، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ صح إطلاق الدِّين في موضع الإيمان (٨٢). قال (ع): فإن قلت: لِمَ لَمْ يقل باب من الإيمان الفرار من الفتن كما ذكر في أكثر الأبواب الماضية والآتية. قلت: إنّما قال ذلك ليطابق التّرجمة الحديث بذكره في الباب فإن المذكور فيه الفرار بالدين من الفتن، ولا يحتاج أن يقال لما كان الإيمان والإِسلام عنده مترادفين وقال الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أطلق الدِّين في موضع الإسلام. انتهى (٨٣). فانظر كيف أخذ كلام (ح) الموجز فأسهب فيه ولم يزد عليه من جهة المعنى إِلَّا أنّه أوهم أن المناسبة الأولى من تصرفه، والثّانية من تصرف غيره ولا يحتاج إليها. قال (ح): قوله: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ" يعني أمرني الله لأنّه لا آمر لرسول الله ﷺ إِلَّا الله، وقياسه في الصحابي إذا قال: أمرت، فالمعنى: أمرني رسول الله ﷺ ، ولا يحتمل أن يريد أمرني صحابي آخر لأنّهم

стр. 52

من حيث إنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر، وإذا قال التابعي احتمل. والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الآمر له ذلك الرئيس (٨٤). قال (ع): أخذ كلام الكرماني وقلبه، وذلك أن الكرماني قال: إذا قال الصحابي أمرت فهم منه أن الرئيس أمره، فجعل الكرماني قوله: فإن الرئيس علة لقوله فهم منه وجعله هذا القائل حاملًا وداعيًا. وقوله: من حيث إنهم مجتهدون، لا دخل له هنا لأنّ الحيثية تقع قيدًا، وهذا القيد غير محتاج إليه هنا لأنّ المدعى ههنا أن الصحابي إذا قال: أمرت فمعناه أمرني رسول الله ﷺ من حيث إنّه هو الآمر فيهم والمشرع، وليس المعنى أمرني رسول الله من حيث إنِّي مجتهد. وهذا كلام في غاية السقوط (٨٥). قلت: أقول بالموجب، وقوله: هذا إشارة إلى الكلام القريب ففيه غفلة عن المراد، وهو تقسيم القائل إلى مجتهد وغير مجتهد، فإذا أورد الصحابي

стр. 53

الكلام في مساق الاحتجاج دل على أنّه اجتهد في ذلك الحكم فاحتج له بقوله: أمرت، فلو فرض أن آمره صحابي أخر للزم تقليد المجتهد للمجتهد وهو باطل، فتعين أن يكون آمره الرسول لأنّه المشرع، وإذا لم يورده الصحابي في مقام الاحتجاج جاز أن يكون الآمر به غير الرسول كأبي بكر أو غيره، ممّن له الحكم بطريق الاجتهاد والمأمور مقلد، وإنّما جاء قوله ممّن اشتهر ... الخ تذييلًا للكلام المتقدم وتقوية له فلينظر المتأمل وينصف المناظر. ومن العجائب أن (ع) يعيب على من يأخذ كلام غيره ويتصرف فيه موهمًا أنّه من تصرفه حتّى في هذا الباب بعينه، ولم نسمع بأحد اعتمد ذلك في شرحه غيره حتّى إنّه يزيد على غيره بأن يكتب كلام السابق حتّى قول السابق. قلت، فيكتبها موهمًا أنّه هو القائل، فإن تعمد فهي سرقة قبيحة، وإن غفل عن مثل ذلك فناهيك. وأما قوله: هذا القيد غير محتاج لأنا قلنا: إنَّ الصحابي إذا قال: أمرت فمعناه أمرني النّبيّ ﷺ أن ذلك لم يخف على (ح) وإنّما أراد تنقيح المناط بأن حمل قول الصحابي أمرت على ذلك محله ما إذا أورد الحديث مجيبًا لمن سأله عن الحكم على سبيل بيان مسنده فحينئذ يحمل قوله: أمرت على أن آمره يشرع له تقليده بخلاف إذا كان بصدد الرِّواية خاصّة فإن المجتهد يحق له أن يروي عن مجتهد آخر شيئًا من اختيار ذلك المجتهد ولا يجوز له أن يورد كلامه في مقام الاحتجاج لأنّ المجتهد لا يقلد مجتهدًا آخر، فمن لا يفهم هذا القدر مع وضوحه كيف يدعي أنّه كلام في غاية السقوط فالله المستعان. قوله:

стр. 54

١١ - باب من قال إنَّ الإيمان هو العمل لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال (ح): قال النووي بعد أن حكى ما ذكره البخاريّ في قوله تعالى: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الآية وجه آخر وهو المختار والمعنى: "لَنَسْأَلَنَّهُمْ" عن أعمالهم كلها الّتي يتعلّق بها التكليف، وقول من خصه بلفظ التّوحيد دعوى لا دليل عليها فلا تقبل، وأمّا الحديث الذي أخرجه التّرمذيّ عن أنس فهو ضعيف (٨٦). قلت: لتخصيصهم وجه من جهة التعميم في قوله: "أجمعين" بعد أن تقدّم ذكر الكفار إلى قوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فيدخل فيه الكافر والمسلم، فإن الكافر مخاطب بالتوحيد بلا خلاف، بخلاف باقي الأعمال ففيها الخلاف، فمن قال إنهم مخاطبون يقول إنهم مسؤولون عن الأعمال كلها، ومن قال إنهم غير مخاطبين يقول: إنّما يسأل عن التّوحيد فقط، فالسؤال عن التّوحيد متفق عليه، فهذا دليل التخصيص فحمل الآية عليه أولى بخلاف العمل على جميع الأعمال لما فيه من الاختلاف (٨٧). قال (ع): هذا القائل قصد بكلامه الرَّدِّ على النووي ولكنه تاه في كلامه، فإن النووي لم يقل بنفي التخصيص لعدم التعميم في الكلام وإنّما

стр. 55

قال: دعوى التخصيص بلا دليل خارجي لا يقبل، وإنّما قال ذلك لأنّ الكلام عام في السؤال عن التّوحيد وغيره، فمن خصه بالتوحيد يحتاج إلى دليل، فإن استدلوا بالحديث فهو ضعيف، وهذا القائل فهم أن النزاع إنّما هو من جهة التعميم في قوله ﴿أَجْمَعِينَ﴾ وليس كذلك، وإنّما هو في قوله ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فإن العمل هنا أعم من أن يكون توحيدًا أو غيره، وتخصيصه بالتوحيد تحكم، قوله: فيدخل فيه المسلم والكافر غير مسلم، لأنّ الضمير في قوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ يرجع إِلَى الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ وهم ناس مخصوصون، ولفظ ﴿أَجْمَعِينَ﴾ وقعت تأكيدًا للضمير المذكور في النِّسْبَةِ مع الشمول في أفراده المخصوصين ثمّ تعليل هذا القائل، فإن الكافر ... الخ ليس له دخل في صورة النزاع على ما لا يخفى (٨٨). قلت: لا يخفي ما في كلامه من الخبط والتحامل ودعواه أن الضمير في "لَنَسْألَنهُمْ" للمستهزئين مردود بل هو راجع إلى المشركين المذكِورين في قوله ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ، فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فذكر المستهزئين وقع استطرادًا، وفائدته التحريض على امتثال الأمر بالصدع المأمور به. قوله: سئل أي العمل أفضل؟ قال: "إيمَانٌ باللهِ وَرَسُولهِ" قيل: ثمّ ماذا؟ قال: "الْجِهَادُ في سبيلِ اللهِ" قيل: ثمّ ماذا؟ قال: "حَجٌ مَبرُورٌ". قال الكرماني: الإيمان لا يتكرركالحج، والجهاد قد يتكرر، والتّنوين ليس للإفراد الشخصي (٨٩) والتعريف للكمال لأنّ الجهاد لو وقع مرّة ثمّ احتيج إليه فلم يقع لم يكن أفضل.

стр. 56

قال (ح). فيه نظر لأن من جملة وجوه التنكير التعظيم وهو يفيد الكمال، ومن جملة وجوه التعريف العهد وهو يعطي الإِفراد الشخصي فلم يسلم الفرق، وقد أخرج الحديث الحارث ابن أبي أسامة عن إبراهيم بن سعد بسند البخاريّ فيه ولفظه "ثُمَّ جهادٌ" فوافى بين الثّلاثة في التنكير، فظهر أن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة (٩٠). قال (ع). هذا التعقيب فاسد لأنّه لا يلزم من أن التعظيم من جملة وجوه التنكير أن يكون دائمًا للتعظيم إلى آخر كلامه الذي من تأمله عرف قصوره وإقدامه على الدفع بالصدر إلى غير ذلك (٩١).

стр. 57

١٢ - باب من قال إنَّ الإِيمان هو العمل لقوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ قال (ح): يحتمل أن يكون قائل ذلك المؤمن الذي رأى قرينه ويحتمل أن يكون كلامه انقضى عند قوله: "الفَوْزُ العَظيمْ" والذي بعده ابتدأ من قول الله ، أو بعض الملائكة لا حكاية عن قول المؤمن والاحتمالات الثّلاثة مذكورة في التفسير، ولعلّ هذا هو السر في إبهام المصنف القائل (٩٢). قال (ع): المفسرون ذكروا في قائل هذه الثلاثة أقوالًا: الأوّل: المؤمّن. الثّاني: الله الثّالث: بعض الملائكة. فلا يحتاج أن يقال في هذا يحتمل لأنّه يوهم أنّه من تصرفه ولا يصح ذلك. وقوله: ولعلّ هذا هو السر لا يصح من وجهين: أحدهما: أن البخاريّ لم يقصد ما ذكره هذا الشارح قط لأن دعواه من ذكر هذه الآية بيان إطلاق العمل على الإيمان ليس إِلَّا. والثّاني: ذكر فعل وإبهام فاعله من غير مرجح له ومن غير قرينة على تعيينه غير صحيح (٩٣).

стр. 58

قلت. انظروا واحمدوا الله على العافية، والعجب من جزمه بأن البخاريّ ما أراد ذلك وتأكيده هذه الشّهادة بالنفي بقوله قط، وبقوله ليس إِلَّا، وأمّا وجهه الثّاني فجوابه أن القرينة موجودة قوله:

стр. 59

١٣ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة قال (خ): في قول سعد إنِّي لا أراه مؤمنًا: وقع بضم الهمزة هنا في رواية أبي ذر وغيره، وكذا في الزَّكاة وفي رواية الإِسماعيلي وغيره. وقال القرطبي: جازمًا به، وهو بمعنى أظنه. وقال النووي: بفتحها بمعنى أعلمه، ولا يجوز ضمها لقوله بعد ذلك ثمّ غلبني ما أعلم منه، ولأنّه راجع النّبيّ ﷺ مرارًا، فلو لم يكن جازمًا بإعتقاده لما تكرر. انتهى (٩٤). ولا دلالة فيما ذكر على تعين الفتح لجواز إطلاق العلم على الظن في مثل هذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ لكن لا يلزم من إطلاق العلم أن لا تكون مقدماته ظنية فيكون نظريًا لا يقينيًا (٩٥). قال (ع): بل الذي ذكره يدلُّ على تعيين الفتح لأنّه أقسم وأكد، واللام وصاغة في صور الإسمية، وراجع النّبيّ ﷺ ونسب العلم بنفسه فدل على أنّه كان جازمًا باعتقاده، واللزوم الذي ذكره (ح) لا يساعده لأنّ سعدًا كان وقت الأخبار عالمًا (٩٦). قلت: انظروا في تحامله وأي السبيلين أولى بالقبول من يوصل إلى الجمع بين الأمرين أو من اقتصر على أحدهما، لأنّ محصل الكلام أن سعدًا

стр. 60

ذكر أوَّلًا بأن جزمه هو من أصل ظني لأنّه لا اطلاع له على الباطن ولكنه لما انضمت إلى ظنه القرائن قوي ظنه حتّى صار علمًا، فأطلق قوله لا أعلم منه ولولا أن غير السخط يتغطى لما نازع أحد في أن الآية الّتي استدل (ح) بها مطابقة لقصة سعد لاشتراكهما في المتعلّق وهو الإيمان على أن (ح) أجاب في مكان آخر بأنّه لو ثبت أن الرِّواية بالفتح لأمكن أن يرجع لأنّها من الرأي وهو يشمل ما تهيأ عن العلم وعن الظن لا من الرِّواية، وأمّا احتجاجه بكونه جزم فلا حجة فية لأنّ الجزم لم ينحصر فيما يفيد العلم، ويجوز الجزم بما يغلب على الظن حتّى يسوغَ أن يحلف ولا يحنث. قال (ح): في الكلام على قول المعرور بن سُوَيْد: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، في رواية الإسماعيلي: أَتَيْتُ أبا ذر فإذا حلة عليه منها ثوب وعلى عبده منها ثوب، وهذا يوافق ما في اللُّغة أن الحلة ثوبان من جنس واحد، ويؤيده أن عنده في الأدب فرأيت عليه بردًا وعلى غلامه بردًا، فقلت: لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة. ولمسلم: لو جمعت بينهما. ولأبي داود: لو أخذت هذا الذي على غلامك فجعلته مع الذي عليك لكانت حلة، وهذا أصرح، ولو كان كما في رواية الباب لكان إذا جمعهما يصير عليه حلتان، ويمكن الجمع بين الروايتين بأنّه كان عليه برد جديد تحته ثوب خلق من جنسه، وغلامه كذلك، فكأنّه قيل له لو أخذت البرد الجيد فأضفته إلى البرد الجيد الذي عليك وأعطيت الغلام البرد الخلق بدله لكانت حلة جيدة، فتليتم الروايتين ويكون معنى قوله في الرِّواية الأخرى لكانت حلة: أي كاملة الجودة والتكثير للتعظيم (٩٧). قال (ع): تحمل رواية الباب على أن المجاز باعتبار ما يؤول ويضم إلى

стр. 61

الثّوب الذي كان على كلّ واحد منهما ثوب آخر وباعتبار إطلاق اسم الكل على الجزء وأطلق على البرد حلة باعتبار ما يؤول. ورواية الإسماعيلي أيضًا مجاز لكن في موضع واحد. وفي رواية الباب المجاز في الموضعين، هذا الذي صح لي هنا من الأنوار الإلهية. وما ذكره بعضهم ليس بجمع فإنّه نصّ رواية الباب على حلتين، وفي رواية الإِسماعيلي على حلة واحدة، والتعارض بينهما ظاهر. قال: وقوله: في الرِّواية الأخرى لكانت حلة أي كاملة الجودة، كلام صادر من غير تأمل لأنّه لا فرق بينه وبين رواية الإسماعيلي في المعنى، والتنكير فيه ليس للتعظيم وإنّما هو للإِفراد (٩٨). قلت: اشتمل كلامه على أنّه أبدًا احتمال تمكن قبوله إمّا دعواه أنّه لا يمكن غيره، فدعوى مردودة، وأمّا الاحتمال الأوّل فظاهر فيه التحامل. قال (ح): في الكلام على حديث ابن مسعود لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ استنبط منه المازري جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونازعه عياض فقال: ليس في هذه القصة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخير، واعتقاد التصديق لازم لأول وروده، فما في الحاجة المؤخرة لأول البيان، لكن لما أشفقوا بين لهم المراد انتهى، ويمكن أن يقال: المعتقدات أيضًا تحتاج إلى البيان، فلما أجمل الظلم حتّى تناول إطلاقه المعاصي شق عليهم حتّى ورد البيان فما انتفت الحاجة، والحق أن في القصة بيان التأخير عن وقت الخطاب لأنّهم حيث احتاجوا إلى البيان لم يتأخر (٩٩).

стр. 62

قال (ع): لو فهم هذا القائل كلام القاضي لما استدرك عليه لأنّ القاضي يقول اعتقاده التصديق لازم، فالذي يفهم هذا الكلام كيف يقول فما انتفت، الحاجة (١٠٠). قلت: رمتني بدائها وانسلت. قوله: هذا الناموس. قال (ح): هو صاحب السر كما جزم به المؤلِّف في أحاديث الأنبياء، وزعم ابن ظفر وغيره أن الناموس صاحب سر الخير، والجاسوس صاحب سر الشر، والصّحيح الذي عليه الجمهور الأوّل، وقد سوى بينهما رؤبة بن العجاج أحد فصحاء العرب (١٠١). قال (ع): ليس بصحيح بل الصّحيح الفرق بينهما كما نقله النوويِ في شرحه عن أهل اللُّغة، وكذا ذكر أبو عبيد الهروي. وقال الصغاني في العباب: ناموس الرجل صاحب سره الذي يطلعه على باطن أمره ويخصه به ويستره عن غيره، وأهل الكتاب يسمون جبريل الناموس الأكبر (١٠٢).

стр. 63

قلت: انظرْ وتعجب يورد كلام الصغاني في مقام الإِحتجاج به وهو حجة عليه. قوله: فقالت له خديجة: يا ابن عم، كذا وقع هنا وهو الصّحيح لأنّه ابن عمها، ووقع في رواية لمسلم يا عم. قال (ح): هذا وهم لأنّه وإن كان صحيحًا لإِرادة التوقير لكن القصة لم تتعدد، ومخرجها متحد، فلا يحمل على أنّها قالت له في ذلك المجلس: يا عم يا ابن عم فتعين العمل على الحقيقة (١٠٣). قال (ع): ليس بوهم بل هو صحيح لأنّها سمته عمها مجازًا للإِحترام، وهذه عادة العرب في مخاطبة الكبير، ولا يحصل هذا الغرض بقوله: يا ابن عم، فعلى هذا فتكون تكلمت باللفظين، وكون القصة متحدة لا ينافي اللفظين (١٠٤). قوله: الناموس الذي أنزل على موسى. قال (ح): كذا وقع وتقدم أن ورقة كان قد تنصر فكيف لم يقل على عيسى؟ وأجيب: بأن كتاب موسى يشتمل على الأحكام بخلاف كتاب عيسى فإن أكثره مواعظ وإنّما فيه من الأحكام ما نسخ كما قال تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وكذلك كتاب محمَّد ﷺ يشتمل على جميع الأحكام. وأجيب أيضًا: بأن موسى بعث بمهلكة فرعون ومن معه بخلاف عيسى، وكذلك النّبيّ ﷺ بعث بهلاك فرعون هذه الأُمَّة وهو أبو جهل كما

стр. 64

وصفه بذلك في غير هذا الحديث فحصلت المناسبة من وجهين (١٠٥). قال (ع): هذا بعيد لأنّ ورقة ما كان يعلم في ذلك الوقت بوقوع هلاك أبي جهل كما كان يعلم بوقوع هلاك فرعون حتّى يذكر موسى ويترك عيسى انتهى (١٠٦)، وما نفاه هو البعيد لأنّه مانع من أن يعلم الشيء قبل وقوعه ممّا اطلع عليه من الكتب السالفة، فقد قال الله تعالى في حق عيسى ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ فإذا بشر عيسى بوجوده أيمتنع أن يذكر من صفته ما يستدل به ورقة على ما ذكر من المناسبة كما علم من ما سيأتي من تمالي قومه عليه حتّى قال: لئن أدركني يومك لأنصرنك. قوله: قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة إنّما أتى بحرف العطف في قوله: وأخبرني ليعلم أنّه معطوف على الإسناد السابق إلى ابن شهاب، فكأنّه قال: أخبرني عروة عن عائشة، وكذا وأخبرني أبو سلمة عن جابر بكذا، وعلى هذا فقد أخطأ من زعم أنّه معلق (١٠٧). قال (ع): عرض بهذا الكرماني ولا معنى للإنكار، لأنّ الحديث صورته في الظّاهر صورة المعلق ولو كان عنده مُسْنَدًا من وجه آخر فلا وجه للتخطية يعرف من التعليل الذي ذكر؟ ثمّ قال (ع): فإن قلت: لم قال؟ قال ابن شهاب، ولم يقل روى أو وعن ونحو ذلك. قلت: لأنّ الحديث إذا كان ضعيفًا لا يقال فيه قال بالجزم، بل يقال حكى، أو قيل بصيغة التّمريض انتهى (١٠٨).

стр. 65

ولم تنحصر صيغة الجزم في قال، بل مثلها حكى وروى وذكر ونحو ذلك كلّ ذلك إذا بني للفاعل واما عن فلا يختص بالجزم ولا بالتّمريض بل تستعمل لكل منهما. وكذا قوله: وفي الباب عن فلان، فلو سأل سائل: لم قال ابن شهاب ولم يقل: ذكر ابن شهاب؟ لكان له وجه من جهة أخرى ليس هذا موضع بيانها، بل قد فرغ من بسطها في كتب علم الحديث، ومما أخذه مصالقة أن (ح) ذكر في باب متى يصح سماع الصغير؟ اعترض ابن أبي صفرة على البخاريّ لكونه أورد قصة محمود بن الربيع وهو ابن خمس، وأغفل قصة عبد الله بن الزبير في يوم بني قريظة، وفيها أنّه رأى أباه يختلف إلى بني قريظة وقص قصته تدل على أنّه ضبطها، وسنه يومئذ ثلاث سنين أو أربع، فكان هو أولى بالذكر. ونقلت ما أجبت به عن اعتراضه بأن قصة محمود يستفاد منها سنة مقصودة نقلها عن النّبيّ ﷺ ، ويستفاد منها ثبوت صحبته، وقصة ابن الزبير موقوفة. ثمّ قلت: وغفل الزركشي فقال: يحتاج المهلب إلى ثبوت أن قصة ابن الزبير صحيحة على شرط البخاريّ. انتهي. والبخاري قد أخرج قصة ابن الزبير المذكورة في مناقب الزبير في الصّحيح، فالإيراد موجه (١٠٩). والعجب ممّن يتكلم على كتاب يغفل عما وقع فيه في المواضع الواضحة ثمّ يعترض. قال (ع): في هذا الموضع ناقلًا نصَّ ما لخصه (ح) هنا ناسبًا له لنفسه، ولفظه:

стр. 66

فائدة تعقب ابن أبي صفرة على البخاريّ ذكره حديث محمود ابن الربيع في اعتبار خمس سنين، وأغفل له حديث عبد الله بن الزبير أنّه رأى أباه يختلف إلى بني قريظة في يوم الخندق ويراجعهم فيه، ففيه السمع منه وكان سنه إذ ذاك ثلاث سنين أو أربع فهو أصغر من محمود، وليس في قصة محمود ضبطه لسماع شيء، وكان ذكره حديث ابن الزبير أولى. وأجيب: بأن البخاريّ إنّما أراد نقل السنن النبوية لا الأحوال الوجودية، ومحمود نقل سنة مقصودة في كون النّبيّ ﷺ مج مجة في وجهه لإفادته البركة بل في مجرد رؤيته فائدة شرعية ثبت بها كونه صحابيًا. وأمّا قصة ابن الزبير فليس فيها نقل سنة من السنن النبوية تدخل في هذا الباب. وقال الزركشي في تنقيحه: ويحتاج المهلب إلى ثبوت أن قصة ابن الزبير صحيحة على شرط البخاريّ. قلت: هذا غفلة منه فإن قصة ابن الزبير أخرجها البخاريّ في مناقب ابن الزبير في الصّحيح، فالجواب على ما ذكرناه. انتهى (١١٠). فانظر كيف أخذ ما نقله غيره فلم ينسبه إليه بل أوهم أنّه نقله من موضعه ثمّ زاد بأن ادعى الاعتراض على الزركشي ونسبه إلى الغفلة بصريح قوله قلت ... الخ. ولو لم يكن فيما انتهبه هذا الرَّجل من هذا الشرح إِلَّا هذا الموضع لكانت فيه كفاية لمن تدبر، فإنّه مع استلابه كلام غيره لا يؤدِّيه على جهته بل يتصرف فيه طلبًا لإخفائه حالة، وينشأ من تصرفه غلط لا يهتدي لصوابه، ولفظ الزركشي الذي نقله (ح). هو الموجود في تنقيحه وهو قوله: يحتاج المهلب إلى

стр. 67

ثبوت أن قصة ابن الزبير صحيحة على شرط البخاريّ، فزاد هذا الرَّجل هذا النقل زيادة ليست في كلام هذا القائل ولا في كلام من نقل عنه والله المستعان. ومن ذلك قوله في باب مسح الرّأس كله، وسئل مالك أيجزيء أن يمسح بعض رأسه فاحتج بحديث عبد الله بن زيد. قال (ح): السائل عن ذلك هو إسحاق بن عيسى بن الطباع بينه ابن خزيمة في صحيحه من طريقه ولفظه سألت مالكًا عن الرَّجل يمسح مقدم رأسه في وضوئه أيجزئه ذلك، فقال: حدثني عمرو بن يحيي عن أبيه عن عبد الله بن زبير قال: مسح رسول الله ﷺ في وضوئه من ناصيته إلى قفاه، ثمّ رد يده إلى ناصيته يمسح رأسه كله (١١١). فأخذه هو فقال (ع): السائل عن مالك في مسح الرّأس هو إسحاق، واستمر إلى قوله فمسح رأسه كله انتهى (١١٢). وهذه الفائدة لم يذكرها شيخنا ابن الملقن ولا شيخه مغلطاي ولا شيخه القطب ولا ذكرها ابن بطّال ولا ابن التين وهما أجدر بأمور مالك لكونهما على مذهبه، ولا الكرماني ولا الزركشي وهؤلاء هم الذين يستمد من كلامهم من يتكلم على صحيح البخاريّ لوجود شروحهم بين أيديهم بخلاف كثير من الشارحين ممّن بعد العهد بالوقوف على كتبهم وما ظفر (ح) بها إِلَّا بعد التعب الشديد والبحث الطويل، ولولا أنّه كان أولع بالتعب على تعاليق البخاريّ، ومن وصلها ما تهيأ له أن يعرفها لما شرع في الشرح فجاء هذا المستريح اختطفها بغير شكر ذلك الأثر. وفي باب قول النّبيّ ﷺ : "أنا أعلمكم بالله" إلى أن قال (ح): هذا

стр. 68

الحديث من أفراد البخاريّ عن مسلم وهومن غرائب الصّحيح لا أعرفه إِلَّا من هذا الوجه فهو مشهور عن هشام فرد مطلق من حديثه عن أبيه عن عائشة (١١٣). هذا ما كنت كتبته أوَّلًا فاستلبه (ع) فقال: هذا الحديث من أفراد البخاريّ عن مسلم وهو من غرائب الصّحيح لا يعرف إِلَّا من هذا الوجه فهو مشهور عن هشام فرد مطلق من حديثه عن أبيه عن عائشة (١١٤). قلت: غير من الكلام لا أعرفه فجعلها لا يعرف بضم أوله على البناء للمجهول فوقع مع الإِستيلاب في دعوى لا عذر له فيها كعذر الذي قبله لأنّ المأخوذ منه نفي معرفة نفسه، وهذا نفي معرفة غيره. وقد رجع (ح) عن ذلك واطلع على وجدان متابعته لهشام، ولو كانت غير تامة وقد ألحق هنا ذلك وأشار إلى بيان مكانها من صحيح البخاريّ (١١٥). وقد أشار (ع) على ما ذكره (ح) من الكلام على قوله كان إذا أمرهم أمرهم، ومن رواها بالتكرير ومن أفردها، وتقدير كلّ من ذلك، ومن راجع هذا الموضع من شرحه رأى العجب من إقدامه على أخذ كلام غيره كما هو من غير أن ينسبه إلى قائله بل يوهم أنّه من تصرفه والله المستعان (١١٦). قوله: وفي باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ... الخ﴾. نبه (ح) في السند على وهم الكرماني في نسب أبي روح حرمي بن عمارة بن أبي حفصة وفي اسمه (١١٧).

стр. 69

فقال (ع). وهم الكرماني في موضعين، فذكر ما ذكره (ح) من غير أن ينسبه إليه بل ختم كلامه بأن قال. والصواب ما ذكرنا (١١٨). ثمّ أغار (ع) على ما ذكره (ح) في البحث مع النووي في الاستدلال بحديث الباب على قتل تارك الصّلاة، ومع الكرماني على قتل تارك الصّلاة، فأخذ كلام (ح) في ذلك مصالقة وأسقط منه شيئًا فقوي بحثه والله المستعان (١١٩). وفي قوله:

стр. 70

١٤ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة تكلم (ح) في قول البخاريّ رواه يونس وصالح ومعمر وابن أخي الزّهريّ عن الزّهريّ على من وصل هذه التعاليق وعلى ما وقع في رواية مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة عن الزّهريّ، وأن الصواب أن سفيان هذا أدخل بينه وبين الزّهريّ في هذا الحديث معمرًا فأغار (ع) على جميع ذلك في نحو ورقة يسوق كلام (ح) كما هو موهمًا أنّه الذي تعب على ذلك وحصله وبحث فيه ونقحه والله المستعان (١٢٠). ومن عجيب ما استلبه ما وقع في باب وضوء الرجل مع امرأته وتوضأ عمر بالحميم. نقل (ح) عن الرافعي أنّه قال: إنَّ الصّحابة تطهروا بالماء المسخن بين يدي رسول الله ﷺ ولم ينكر عليهم، وتعقبه المحب الطّبريّ بأنّه لم يره في غير الرافعي. قال (ح): قلت: قد وقع لبعض الصّحابة فيما رواه الطبراني إلى آخر الكلام في نحو صفحة نقلها من كلام (ح) بلفظه مع التعبير بقوله قلت. ولا يستحيي ممّن يطالع شرحه الجديد وينظر في شرح الذي قبله فيجد

стр. 71

نقلا نقل كلام غيره وادعاه لنفسه من غير مبالاة بعيب عائب أو عتاب عاتب والله المستعان (١٢١). ومن عجيب ما استلبه أن يأخذ كلام الشارح ويبسطه يوهم أنّه من تصرفه كما وقع في أثناء الطّهارة.

стр. 72

١٥ - باب من الكبائر أن لا يستبرىء من بوله قال (ح): قوله من النّبيّ ﷺ بحائط أي بستان. وللمصنف: خرج النّبيّ ﷺ من بعض حيطان المدينة، فيحمل على أن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي به مر. وفي الأفراد للدارقطني من حديث جابر أن الحائط كان لأمِّ مبشر الأنصارية، وهو يقوي رواية الأدب أنّه جزم فيها بالمدينة من غير شك [في رواية شريك] (١٢٢). فقال: مر في حائط أي بستان النخل إذا كان عليه جدار ويجمع على جدران. واسترسل في هذا إلى أن قال: فإن قلت أخرج: البخاريّ: هذا من الأدب، ولفظه خرج النّبيّ ﷺ من بعض حيطان المدينة، وهنا مر النّبيّ ﷺ بحائط وبينهما تنافٍ. قلت: ففيه أن الحائط الذي فرج منه غير الحائط الذي مر به. وفي أفراد الدارقطني ... الخ حتّى أن (ح) لما ذكر الجواب عما وقع في مسلم نقل عن النووي أنّه جمع بأن يكون معمر حدث به على الوجهين (١٢٣).

стр. 73

فقال (ع) ما نصه: وأجاب النووي بأنّه يحتمل أن سفيان سمعه من الزّهري مرّة، ومن معمر عن الزّهري فرواه على الوجهين فقال بعض الشراح فيه نظر ولم يبين وجهه ووجهه أن معظم الروايات في الجوامع والمسانيد عن ابن عيينة عن معمر عن الزّهري بزيادة معمر ولم يوجد بإسقاطه إِلَّا عند مسلم إلى آخر الكلام. قوله: إنَّ معظم الروايات ... الخ كلام (ح) بعينه بزيادة أيضًا والله المستعان (١٢٤). ثمّ أخذ كلامه في قصة جعيل الذي قال سعد في حقه إنِّي لأراه مؤمنًا من قوله، فإن قيل: كيف لم تقبل شهادة سعد الجعيل بالإِيمان فكتب من ذلك نحو الصفحة بعضها على الولاء وبعضها يزيد في الكلام حشوًا، ويقدم بعضًا ويؤخره ولا تخفى هذه المصالقة عند من له أدنى حذق والله المستعان (١٢٥). وقد كنت قصدت أن أتتبع جميع ما أخذه بها وأبين كيفية أخذه له على نمط ما قدمته في هذه الأبواب طلبنا أنّه يقع له أحيانًا، فلما أمعنت وجدت الأمر فيه يطول جدًا لأنّه لا يخلو في جميعه عن شيءٍ من ذلك إمّا في الكلام على الإِسناد وإما في الكلام في المتن، وإنّما يخفي عمله في ذلك لا يتبع ما حذفته من كلام الكرماني، ومن كلام ابن الملقن بما أرى منه حشوًا وتكريرًا ومردودًا، فإني اعتقبت في هذا الفتح بالإِيجاز ما وجدت إليه سبيلًا، ثمّ أني لا أحب أن أضيع الوقت في بسط الرَّدِّ على من وهم بل أكتفي بالإِشارة في غالب الأحوال، وكأنّه يظن أني أغفلته سهوًا فيبادر هو إلى إيراده كله وربما

стр. 74

بالغ في بسط الكلام على إعراب جملة أو تصريف كلمة بما لا يستفاد منه كبير أمر كقوله: "آيةُ اْلمُنَافِقِ ثَلَاثٌ". فإن قلت: ما وزان آية؟ قلت: فيه أربعة أقوال. فاستمر يسرد ورقة في النقل عن أهل التصريف، فلو التزم ذلك في جميع أنظاره لكان كتابه أضعاف ما اقتصر عليه، لكنه بحسب ما يجده مسطورًا لغيره فيحب أن يتكثر به ويقع له نحو ذلك إذا وجد مغلطاي قد تكلم على لغات بعض الأسماء فإنّه لما يشرح كلمة الكذب قال: الْكَذِب نقيض الصدْق، كذب يكذب كذبًا وكذبة وكذبة وكذابًا وَرجل كَاذِب وَكَذَّاب وتكذاب وكذوب وكذوبة وكذبان (١٢٦). واستمر في هذا الهذيان ضعفي ما ذكره في تصريف آية. ومما أعتمده في هذا الفتح أن لا أطيله بتراجم الرواة اعتناء بالكتب المؤلّفة في ذلك، لكن إن اتفق التباس الراوي بغيره بينته، وكذا من ليست له رواية في البخاريّ إِلَّا في موضع أو موضعين، وكذا من ذكرنا بالتضعيف فاعتنى بالبحث عن ذلك ويرفع اللوم عن من أورد حديثه في الصّحيح فظن هذا الرَّجل يظن أني غفلت عن هذا الفن مع اشتهار تصانيفي فيه وتحقيقي بمعرفته فرأى مكان القول ذا سعة فبسط قلمه مكثرًا بما هو مستغن عن سياقه، وربما تعرض لإعراض بعض الأحاديث فزل قدمه فيه تارة ويأتي بما لا طائل تحته تارة، فلما رأيت ذلك اقتصرت على هذا العنوان. قال (ح) في الكلام على حديث: "آية المنافق ثلاث": الآية العلامة، وإفراد الآية إمّا على إرادة الجنس، أو أن العلامة إنّما تحصل باجتماع الثلاث

стр. 75

والأول أليق بصنيع المؤلِّف فلهذا ترجم بالجمع وعقب بالمتن الشّاهد بذلك (١٢٧). قال (ع): كيف يراد الجنس والتاء فيها تمنع ذلك لأنّ التاء فيها كالتاء في التّمرة فالآية والآي كالتّمرة والتّمر. وقوله: والعلامة إنّما تحصل باجتماع الثلاث يشعر بأنّه إذا فقدت فيه واحدة من الثلاث لا يطلق عليه اسم المنافق وليس كذلك، بل يطلق عليه اسم المنافق غير أنّه إذا وجد فيه الثلاث كلها يكون منافقًا كاملًا (١٢٨). قلت: وليس في كلام الأصل ما يخالف هذا، ودعوى المنع في الأوّل ممنوعة والله أعلم. قال (ح) في الجمع بين حديث أبي هريرة "آيَةُ اْلمُنَافِق ثلاث" وبين حديث عبد الله بن عمرو: "أًرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فيه كَانَ مُنَافِقًا" فقال: ليس بين الحديثين تعارض لأنّه يلزم من عد الخصلة في النفاق وكونها علامة على أن في رواية لمسلم من طريق العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدلُّ على عدم إرادة الحصر فإن لفظة من علامة المنافق ثلاث، وكذا في الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد، وإذا حمل على الأوّل هذا لم يرد السؤال فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وبعضها في وقت (١٢٩). قال (ع): كيف ينفي هذا القائل الملازمة الظاهرة ولا فرق بين الخصلة والعلامة لأنّ كلا منهما يستدل به على الشيء. وقوله: على أن في رواية لمسلم .. الخ ليس بجواب طائل بل المعارضة
следующие страницы →