← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13782

تقويم الأدلة في أصول الفقه

أبو زيد الدبوسي

Полный текст (460 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

البيان لا يكون حجة وفي مسألة الأولاد سكت المولى عن البيان في وقت الحاجة إليه لأن دعوة الأولاد فريضة عليه متى علم أنهم منه نصاً، لا بناءً على أنهم ولدوا على فراشه لأن في ذلك إثبات النسب على طريق استصحاب الحال. ألا ترى أنه ينتفي بالنفي والواجب علة إذا علم أنهم منه بيان نصاً حتى يصير بحيث لا يحتمل النفي بعده. ولأنه حين الدعوة لم يكن لواحد منهم فراش يغنيه عن النص فلما خص الأكبر بالبيان وسكت عن الأصغرين مع الحاجة لو كانوا منه علم أنهم لم يكونوا منه، ولم يحتج إلى بيان النسب في حقهم ليكون حملاً لحاله على ما يحل له، ألا ترى أنه لو قال: هذا ابني، وأشار إلى الأكبر كان الجواب هكذا وما هنا هنا تخصيص بوصف بل بالإشارة وإنها تجري مجرى اسم العلم ولا إشكال أنه لا يتضمن نفياً. فإن قيل: قد قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في شاهدين شهدا أن هذا الرجل وارث فلان لا نعلم له وارثاً آخر بأرض كذا: إن هذه الشهادة لا تقبل لأن تخصيص بعض الأماكن بالنفي دليل على الإثبات من غيره. قلنا: إنهما قالا إن الشهادة تتم بقولهما إنه وارث فلما زاد لا نعلم له وارثاً آخر وخصا موضعاً اتهما بعلم الوارث في مكان آخر، والشهادات ترد بالتهم. فأما الأحكام فلا تثبت بالتهم، وأبو حنيفة ﵁ يقول: هذه الشهادة مقبولة لأنهما سكتا عن النفي فيما عدا المخصوص من غير حاجة إلى البيان، لأنهما لو سكتا أصلاً عن النفي كانت الشهادة تامة والسكوت في غير موضع الحاجة أن البيان لا يكون حجة فأما التهمة فليست تثبت بالتخصيص لاحتمال أنهما خصا احترازاً عن الكذب بعلمهما بوارث في مكان آخر ويحتمل أنهما خصا احترازاً عن الخبر بغير دليل كأنهما تفحصا عن الوارث في المكان المذكور فلم يقفا عليه ولم يتفحصا عن الوارث في سائر الأمكنة، والنفي لا يعلم علم مثله إلا بدليل التفحص، فإذا احتمل الأمرين جميعاً لم تثبت التهمة بالاحتمال إلا أنهما احتاطا لأمر الشهادة. فصل ومن ذلك الكلام المقرون به الاستثناء، فإن قدر المستثنى من الجملة لا يثبت فيه حكم الجملة بالإجماع، وإنما لا يثبت عندنا لعدم النص الموجب في حقه، والذي يدل عليه مذهب الشافعي- ﵀ أنه لا يثبت بمعارضة نص الاستثناء النص المستثنى منه كما قالوا جميعاً في العام إذا خص منه شيء لم يثبت حكم العام في قدر ما تناوله الخاص لا بعدم العام فيه، ولكن بالنص الخاص الذي ورد مبيناً فالاستثناء عنده بمنزلة

стр. 142

التخصيص إلا أن هذا متصل لفظاً، وذاك منفصل لفظاً. وعندنا لا عمل لنص الاستثناء في الحكم وإنما ينعدم حكم الجملة في قدر المستثنى لتناهي نص الجملة إلى قدر الاستثناء، كالإيجاب إلى غاية ينعدم حكمه إذا انتهى إلى الغاية لا بنص الغاية بل بانعدام الأول إذا جاءت الغاية كالصوم إلى الليل، وإباحة الأكل إلى الفجر ونحوهما. ولنا ولهم مسائل تدل على صحة المذهبين على ما نذكرها بعد ذكر الحجة. أما الشافعي فإنه احتج بكلام أهل اللغة أن الاستثناء من النفي إثبات، والاستثناء من الإثبات نفي، فقد أطبقوا على أن لنص الاستثناء حكم بخلاف حكم الجملة المستثنى منها قال الله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليلاً منهم﴾: أي إلا قليلاً لم يشربوا، إلا أنه لم يقله اختصاراً لدلالة الصدر عليه بدليل عدم ثبوت الشرب صفة لهم بموجب اللغة. وكذلك قوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ أي خمسين عاماً لم يلبث فيهم. وكذلك كلمة الشهادة (لا إله إلا الله)، أي إلا الله فإنه الإله لأنها شرعت لنفي الألوهية عما سوى الله تعالى وإثباتها لله تعالى وحده. وكذلك قول الله تعالى: ﴿لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً* إلا قيلاً سلاماً سلاماً﴾ أي إلا سلاماً، فإنهم يسمعونه وقد نص الله عليه في قوله: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعين إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ ثم قال في قول الله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من﴾ أن ظاهر الاستثناء نص على أن التائبين ليسوا بفاسقين إلا أنهم لم يدخلوا تحت خطاب التفسيق، فكذا يكون نصاً على قبول شهادة التائبين لأنه بيان ورد على الجملة في حق الزمان فينصرف إلى كل ما يتوقت كأن الله تعالى قال: ﴿إلا الذين تابوا﴾ فإنهم بعد التوبة ليسوا بفاسقين وتقبل شهادتهم. وقال في قول النبي ﷺ : "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء" أي إلا سواء بسواء فإنه حلال، فيثبت به حكمان: حرمة البيع بالقدر مطلقاً، وحله إذا جاءت المساواة بالمعيار لا اتصال لأحدهما بالآخر. فقال: إن الحبة بالحبة حرام وإن لم يكن لها حد بالمساواة في حالة بوجه. وأما الحل فيتناول ما له معيار شرعي قال: ومثاله قول الله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون﴾ أي إلا أن يعفون فيسقط الكل فيثبت به حكم مخالف للأول.

стр. 143

فيكون الأول ثابتاً في حق المجانين والصغائر، وحكم العفو ثابتاً في حق الكبائر العاقلات. وقال فيمن أقر وقال: لفلان علي ألف درهم إلا ثوباً إن قدر الثوب من الألف: لا يلزمه لأن معناه: إلا ثوباً فإنه ليس علي من الألف لأنه لا يكون بياناً إلا هكذا ثم عين الثوب لا يمكن أن يجعل بياناً من الألف في أنه لم يدخل تحته فانصرف إلى قدر قيمته ليستقيم. وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف– ﵄ فيما إذا قال: لفلان علي ألف درهم إلا كر حنطة: إن قدر قيمة الحنطة يسقط من الألف عنه. ومتى جعل حكم الجملة ساقطاً عن الاستثناء لعدم النص لم ينتقص من الألف شيء، لأن عدم لزوم الحنطة إياه لمعنى أن الإقرار بالألف لم يتناوله ولا يوجب نقصاناً عن الألف المقر به على ما قاله محمد بن الحسن– ﵀. فجعل الشافعي الاستثناء تعرضاً لحكم النص المستثنى منه كما جعل الشرط تعرضاً لحكم المرسل والله أعلم. أما علماؤنا- ﵏ فإنهم قالوا: إن الكلام إذا اتصل به الاستثناء كان تكلماً بالباقي بعد الثنيا، لأن الاستثناء في اللغة استخراج، ولم يستخرج به بعض حكم الجملة، بل استخرج به بعض نص الجملة على سبيل البيان، وإنما يكون بياناً إذا جعل غير ثابت كما في التخصيص للحكم متى كان تخصيصاً، وبياناً لم يكن من الأصل ثابتاً، وعلم أن المراد به بعضه فكذلك إذا جاء الاستثناء وهو بيان علم أن المراد به ما بقي، إلا أن الاستثناء تعرض للنص فتبين أن بعضه غير ثابت، والتخصيص تعرض للحكم بنص آخر بخلافه. والدليل على أن الاستثناء تعرض للنص قول الله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ فخمسون تعرض للعدد المثبت للألف لا لحكمه مع بقاء العدد، لأن الألف متى بقيت ألفاً لم تصلح اسماً لما دونها. وكذلك قول الله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليلاً منهم﴾ تعرض للشاربين فإن الشاربين هم الثابتين والقليل مستثنى منهم، ولما تعرض للعدد الذي تضمنهم الشاربون فاستخرج عن جملتهم انعدم فيهم حكم النص المتناول للشاربين لانعدام تناول النص إياهم بخروجهم بالاستثناء عن جملتهم. ولما كان الانعدام فيهم لعدم تناول نص الشرب لم يحتج إلى أن يسقط الشرب عنهم بمعارضة الاستثناء. وهو كمن قال: لفلان علي ألف درهم إلا مائة لم يلزمه المائة لعدم الإقرار لا لسبب

стр. 144

مسقط وتبين أن الاستثناء يصير بمعنى الحد والغاية للمستثنى منه لانعدامه عنده في نفسه ثم انعدام حكمه لانعدامه. وهذا على مثال الشرط فإن الإيجاب متى علق به صار متعرضاً لنفس الإيجاب بأن أعدمه عن محله للحال فانعدم الحكم قبل وجوده، لانعدام الموجب لا لنفي الشرط الحكم بعد وجود علته. فالخصم مال إلى الظاهر في الفصلين فإن الإيجاب لولا الشرط موجب للحال وجاء الانعدام ظاهراً بالشرط فجعله نافياً. وكذلك النص العام لولا الاستثناء لأوجب عاماً وإنما سقط حكم العموم في البعض بالاستثناء. إلا أنا قلنا انعدم الحكم بالشرط والاستثناء بواسطة انعدام العلة بهما من الوجه الذي بينا فلا يكون انعدام الحكم بعد عدم العلة بعلة نافية للحكم. وإذا كان كذلك صار الحكم الثابت بنص قرن به الاستثناء واحداً وهو الثابت بالمستثنى منه. وما للاستثناء في نفسه حكم غير حكم انعدام بعض ما نطق به. بخلاف التخصيص لأنه لا يكون تخصيصاً إلا بنص آخر معارض للأول في حكمه مبين أن العام لم يرد به ما يتناوله الخاص من غير تعرض للفظ العام، بل مغير للحكم. فأما قول أهل اللغة: الاستثناء من النفي إثبات، فإطلاق على ظاهر الحال مجازاً لا حقيقة لأنك إذا قلت: لفلان علي ألف درهم إلا عشرة لم تجب العشرة كما لو نفيتها، ولكن عدم الوجوب على المقر ليس بما ينافي الوجوب عليه بل لعدم دليل الوجوب. وكما قالوا ذلك فقد قالوا: أنه تكلم بالباقي بعد الثنيا فلا بد من الجمع بينهما فيجعل الأول مجازاً، وهذا حقيقة حتى قالوا بأن الاستثناء ضربان: حقيقة واستثناء مقطوع وهو بمعنى "ولكن"، ثم قالوا: ما يكون من جنس الأول لم يكن استخراجاً لأنه لم يكن داخلاً تحته فكان كلاماً مبتدأ حكمه بخلاف الأول فلا يتغير به أصل الثبوت بالأول، وإنما يتغير بقاؤه. فإن قيل: إذا قيل: لا عالم إلا زيد، كان نصاً على أن زيداً عالم، وكذلك قول الناس: لا إله إلا الله ولو جعل الاستثناء تكلماً بالباقي بعده لكان زيد مسكوتاً عن صفته. قلنا: قول القائل: لا عالم لنفي صفة العلم أصلاً، فلما قال: إلا زيداً صار توقيتاً

стр. 145

لنفي الصفة به وقد ذكرنا أن الاستثناء بمعنى الغاية فإنا متى لم نجعل هكذا لم يكن بياناً لتقدير النفي بما قدر وقد قدره لما استخرج بعض ما نفي نصاً، ولما صار توقيتاً دل ضرورة على سقوطه بوقته وإنما يسقط نفي العلم بالعلم ضرورة كالحركة لا تزول إلا بالسكون فيما يقبل الحركة والسكون، والليل لا يزول إلا بالنهار، وكذلك كل ما يوقت ولا انعدام له إلا بضده دل ضرورة أن وقته ضده، وعلى هذا كلمة التوحيد. ولأن الآدمي لا يخلو إما أن يكون عالماً أو غير عالم ما بينهما ثالث. فإذا استثنى زيداً عمن ليس بعالم تعين عالماً ضرورة لا بالنص. وكذلك الموجود اسم لما هو مخلوق أو إله ما هناك ثالث فإذا استثنى الله عما ليس بآله تعين إلهاً بالضرورة، فإذا عرفنا ما هذه الجملة لم يلزم آية القذف لأنا ذكرنا أن حقيقة الاستثناء لبيان أن المستثنى لم يدخل تحت خطاب المستثنى منه إلا أن لا يمكن فيجعل استثناء مقطوعاً. ولا يمكن حمل الاستثناء على الحقيقة في آية القذف لأن التائبين هم القاذفون فهم الذين كانوا فسقة فجعل استثناء مقطوعاً وصار بمعنى "ولكن إن تابوا فالله يغفر لهم" فلا يتغير من ثبوت حكم الصدر شيء، وإنما يتغير بقاء ما تنفيه التوبة، وهو الفسق لا على سبيل بيان أنه لم يدخل تحت الصدر، وليس تحت التوبة قبول الشهادة لا محالة فالعبد العدل التائب لا شهادة له. وكذلك آية العفو ﴿إلا أن يعفون﴾ استثناء مقطوع لا يبين أن التصنيف لم يكن إذا جاء العفو فكان مقطوعاً بمعنى ولكن إذا جاء العفو سقط الباقي بتصرف طارئ، والاستثناء المقطوع بمنزلة نص آخر يعمل به بنفسه والأول بنفسه كما قاله الشافعي ﵀، وإنما خالفناه في الاستثناء حقيقة كقول النبي ﷺ : "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء" فنقول: إن حكم هذا النص واحد لأن الاستثناء استثناء على الحقيقة حتى يقوم الدليل على مجازه، فيكون بياناً أن بيع الحنطة بالحنطة متساويين لم يدخل تحت النهي لأن النهي لما تناهى إلى الاستثناء ولتناهيه سقط حكمه لا بمعارض مع حال قيامه عاماً فكذا حكمه يثبت متناهياً إلى حين التساوي، لأن الحكم يثبت بقدر سببها، فيثبت به حرمة مؤقتة إلى حين التساوي كيلاً والحكم بهذا الوصف لا يثبت إلا في محل قابل لصفة التساوي وعدمه. فأما محل لا يقبل صفة التساوي الذي بها وقتت الحرمة فلا يكون محلاً لحرمة مؤقتة بالتساوي كالحبة من الحنطة بالحنطة فإنهما بنفسهما لا يقبلان صفة التساوي التي بها تزول الحرمة، وإنما يقبلان بحبات أخر تنضم إليهما.

стр. 146

وكل ما لا ينهض لإفادة حكم إلا بما يوجد معه لم يسم بنفسه علة ولا محلاً ولا شرطاً. وكان كقوله: "لا تنكح الثيبة حتى تستأمر" فإنه نص واحد أوجب حرمة إلى غاية، وهي حرمة نكاح امرأة تزول باستئمارها فلا يدخل تحته إلا امرأة صالحة للاستئمار، وأما من لا تصلح إلا بوصف آخر لم يوجد بعد وهو البلوغ أو العقل فلا تكون صالحة قبل ذلك على ما مر فلا يكون محلاً لهذا الحكم المؤقت بالاستئمار، إلا أن يحمل حتى تستأمر على البلوغ فيصير مجازاً. وكذلك قوله: إلا كيلاً بكيل حتى يصير كيلاً بكيل فيكون مجازاً. وكذلك إذا قال: لفلان علي ألف درهم، إلا ثوباً. لم يتعرض لما وجب بالجملة لأنه استثناء مقطوع فلا يكون بياناً في حق ما دخل تحت الأول بل يكون معمولاً به بنفسه على حدة، فإن أوجب العمل به معارضة الأول في حكمه تعرض بحكم المعارضة على ما مر وإلا سقط حكم البيان من كل وجه. وههنا إذا جعل مقطوعاً وجعل كأنه قال: لكن لا ثوب له علي لم يصر متعرضاً نفي الثوب حكم الوجوب الثابت بالإقرار فبقي هذا منفياً بنصه. والأول ثابتاً بنصه ولو أوجب دفعه لم يقدر لأنه يكون بمنزلة الرجوع بعد الإقرار. ولهذا قال محمد ﵀ في قوله: لفلان علي ألف درهم إلا كر حنطة-: إنه لا ينقص من الألف شيء، إلا أن أبا حنيفة ﵁ يقول: إلا كر حنطة إن لم يكن من جنس الألف تسمية فهو من جنسها في حكم الوجوب في الذمة لأن المكيلات تجب في الذمة مطلقة بكل سبب كالأثمان، والثابت بالإقرار ألف درهم واجب في الذمة فتعرض الاستثناء للوجوب إن لم يتعرض عن الدراهم فصار بياناً إن قدر المستثنى غير واجب من الألف. فأما الثوب فليس من جنس الدراهم تسمية ولا وجوباً لأن الثوب لا يجب في الذمة مطلقاً بكل سبب لا يثبت إلا سلماً أو ثمناً مؤجلاً، فأما استهلاكاً واستقراضاً وثمناً حالاً فلا. فإذا لم يكن من جنس الدراهم اسماً ولا حكماً لم يصر بياناً في حق الحكم، ولا الاسم، فبقي كلاماً مبتدأ وأوجب نفياً مبتدأ. وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة ومحمد فيمن حلف: لا يكلم فلاناً إلا أن يأذن له

стр. 147

فلان، فمات فلان قبل الإذن بطلت اليمين لأن الإذن بمنزلة التوقيت، كأنه قال: حتى يأذن له فلان فيوجب اليمين حظراً مؤقتاً بإذنه فلا يبقى به حظر مطلق، ولو بقي الحظر بعد موته لبقي حظر مطلق. فإن قيل: لو حلف لا يخرج من الدار إلا بإذني فأذن مرة لم تبطل اليمين، ولو قال: حتى آذن لك بطلت اليمين إذا أذن مرة ففرقوا بين الغاية والاستثناء. قلنا: لأنهما لم يتناولا محلاً واحداً لأن قوله: "حتى" دخلت على الحظر الثابت باليمين فتوقف الحظر به "وإلا" دخلت على المصدر إي إلا خروجاً بإذنه فالخروج محظور بيمينه مطلقاً، فلما استثنى خروجاً بإذنه بقي ما عداه تحت اليمين، كذلك فصار الاستثناء نهاية للخروج المحظور، وحتى غاية للحظر الثابت باليمين لنفس الفعل لا للاسم والمصدر. ومن هذا القبيل قول الشافعي إن الأمر بفعل رفع لضده، والنهي عن الفعل رفع للأمر به، وهذا عندنا حكم السكوت على ما مر ذكره في أبواب الأوامر والنواهي. ومن ذلك قول بعض أهل النظر إن العام يخص بسببه وهذا عمل بالسكوت على الإطلاق، وإنه على أقسام أربعة: نص نقل معه سببه، كما روي: زنى ماعز فرجم، وسهى رسول الله ﷺ فسجد، وكقوله: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه﴾ الآية. ومنها ما لا ينقل معه سببه وإنه على أوجه ثلاثة: ما لا يستقل بنفسه حتى يربط بسببه كقوله تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ قوله: بلى لا يستقل بنفسه فلا بد ا، يربط بسببه. - ومنها ما يستقل وهو على ضربين: ما خرج جواباً للسؤال وكان السؤال سبب خروجه ما فيه زيادة على حرف الجواب فيختص بالسبب كالرجل يقول لآخر: إنك لتغتسل هذه الليلة في هذه الدار عن جنابة، فقال: إن اغتسلت فعبدي حر. فإنه يختص بما تقدم حتى إذا اغتسل لا عن جنابة لم يحنث. والوجه الآخر ما فيه زيادة يستغني عنها الجواب فلا يقتصر على السبب بل يعم وفيه الخلاف كما لو قيل له: إنك لتغتسل الليلة في هذه الدار عن جنابة فقال: إن اغتسلت الليلة فعبدي حر كان عاماً حتى يحنث عن أي سبب اغتسل. وأما الأول فلأنه لما نقل معه السبب صار النص حكماً لذلك السبب، وحكم العلة مخصوص بها لا يبقى بدونها مضافاً إليها بحال ولا بد للبقاء دونها من علة أخرى.

стр. 148

وكذلك النوع الثاني لأنه متى لم يستقل بنفسه حتى يربط بما قبله من السبب صار كبعض الكلام من جملة فلا يجوز تفصيله للعمل به. وأما إذا استقل بنفسه فإن خرج مخرج الجواب وقت الحاجة إليه، وما فيه زيادة على الجواب ابتنى على السؤال لأنه جواب عنه، وصار بمنزلة الحكم للعلة- على ما مر- وبعض الكلام من الجملة فصار مقتضياً حكاية ما في السؤال أي: إن اغتسلت عن ذلك السبب الذي قلته فعبدي حر. وكمن إذا قيل له: تعال فتغد، فقال: والله لا أتغدى. اختص بذلك الغداء في ذلك الفور. فأما إذا كان فيه زيادة فتعم لأنا متى جعلناها جواباً لغت الزيادة فجعلناها ابتداء لتصير معمولاً بها وصار إلغاء الحال أولى من إلغاء الكلمة في نفسها، لأن السبب ساكت عن إيجاب القصر عليه، والزيادة ناطقة بالعمل بها بلا تخصيص. وعلى هذا القول جمهور العلماء نزلت آية الظهار بسبب خولة ولم يقتصر عليها لعمومها في نفسها وخلوها عن دلالة التخصيص. ونزلت آية حد القذف بسبب عائشة- ﵂ فكانت عامة. ونزلت آية اللعان بسبب سعد بن معاذ وكانت عامة. ودخل رسول الله ﷺ المدينة فوجدهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: "من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" ولم يختص الخطاب بمن يسلف إلى أجل مجهول فيلزمه الخطاب إعلام الأجل دون غيره، وإن كان سبب الخطاب إسلافهم إلى آجال مجهولة لأن النص مستقل بنفسه خال عن قيد الخصوص غير سببه فلم يكن السبب بنفسه مخصصاً. ومن ذلك قول بعض أهل النظر ممن لا تبع له من نحارير الفقهاء: أن الاتفاق في النظم يدل على الاتفاق في الحكم كقول الله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ هذه كلمات نفي اتفقت نظماً، ومعنى الاتفاق نظماً ان يكون الكلام جملاً تامة لو فصل بعضها عن بعض أفاد كما لو وصل فوصل بينهما تكلماً بواو فهذه تسمى واو نظم فقد حسن بها نظم الكلام، وإن كان جملاً كقولك: جاء زيد، وتكلم عمرو. فأما واو العطف فما دخلت بين جملتين إحداهما ناقصة فتمت بحكم تلك الواو العاطفة على الولى حتى تصير بحكم الانعطاف مثل الأولى فيما تمت به الأولى كقولك:

стр. 149

جاء زيد وعمرو، فعمرو إنما يتم بخبر زيد، هذا حر وهذا، فهذا يتم بخبر الأول، فهذا تفسير واو العطف. وأما الذين قالوا؛ هذه الواو تدل على الاتفاق حكماً، فشبهوا هذه الواو بواو العطف، وقالوا: إذا تحقق العطف صار الكل كلاماً واحداً كما لو تكرر الخبر لكل اسم فيصير خبر الأول خبر بعينه للثاني ألا ترى أن خطاب الشرع محمول على المتفاهم من مخاطبة العرب بينهم، والواحد منا إذا قال: عبده حر، وامرأته طالق إن كلمت زيداً تعلق الأمران بالشرط وكل واحد جملة تامة فلو اعتبرا منفصلين لما تعلق الأول بالشرط. إلا أن نقول هذه الواو ساكتة عن جعل الجمل كلاماً واحداً، وجعل خبر الأولى خبراً للأخرى. لأن الخبر منصوص عليه بالأخرى فاستغنى عن خبر الأولى. ولأنا متى جعلنا ذلك صار خبر كل جملة خبراً للجميع كما لو لم يوجد إلا خبر واحد فإنه يكون خبر للجملة، وإنه ساقط بإجماع أهل اللسان. فأما الواو فقد استعملت لا للعطف قال الله تعالى: ﴿لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء﴾ ﴿وريشاً ولباس التقوى﴾ فلباس ابتداء لولا ذلك لما استقام مخالفة المعطوف المعطوف عليه إعراباً، وكانت الواو لتحسين نظم المتكلم لا غير فمن جعل واو النظم لإثبات الشركة بين الجمل فقد أثبت بها بما ليس بموجبها لغة وعمل بما سكتت عنه وغنما يجب ذلك بدلالة أخرى توجب الوصل أو الاشتراك. ومن ذلك قول الله تعالى في آية القذف: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ فهذه الواو عندنا واو النظم لا واو العطف فتبقى هذه الجملة مفصولة عن الأولى فلم يلتحق الاستثناء بالأولى. وعند الشافعي هذه واو العطف وإنما واو النظم ما قبلها: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ فهذا حكم مفصول عنده عن الجلد موصول بالفسق فانصرف الاستثناء إليه، ولم ينصرف إلى الجلد ثم هذا من الشافعي عمل بالسكوت لأن كل واحدة من الجملتين تامة خبر وجواب متى اعتبر ابتداء وإنما ينتقص إذا اعتبر جزاء عن القذف وقوله: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة﴾ يصلح جزاء دون الفسق لأن ظاهر الآية شاهد بكون النصين جزاء ﴿فاجلدوهم﴾ ﴿ولا تقبلوا﴾ فإنه خطاب راجع إلى الأئمة معطوفاً على خطاب الجلد والأول جزاء فكان الثاني جزاء لأن النص وإن فهم بنفسه فقد نقل معه سببه، وهو القذف فيجب ربط كل ما يصلح جزاء له به وجرح العدالة يصلح جزاء كالجلد لأنه ضرب عقوبة إذا قوبل بقبول القول منه فبهذه الدلالة جعلنا الواو الأولى للعطف. فأما الفسق فلا يصلح جزاء فإن الفسق في اللغة الخروج، وفي الشرع الخروج عن

стр. 150

أوامر الله تعالى بمعصية يرتكبها فلا يقع الفرق بين قولنا: فسق، وبين قولنا: عصى فيكون الفسق عصياناً لا بياناً لجزائه. وكذلك النظم دليل عليه، لأنه لم يخاطب الأئمة، والأئمة هم المخاطبون بإقامة الحدود كما في الزنا والسرقة بل أخبر عن صفة القاذف كما قال: ﴿فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ أي: القذفة وإن كان خبراً يحتمل الحسبة لإقامة الحد والمعصية لقصد هتك الستر فإنه متى عجز عن الشهود حتى حد صار معصية وفسقاً فأخبر الله بذلك لتزول عنها شبهة الاحتمال، وشبهة إيجاب الحد عليه بما فعله محتسب ومتى لم يصر الفسق جزاء وهو كلام تام بنفسه صار ابتداء فالشافعي متى قطع: ﴿ولا تقبلوا﴾ عن قوله: ﴿فاجلدوهم﴾ صار قاطعاً بلا دليل من النص ونحن متى قطعنا الفاسقين عما قبله قطعنا بدليل من النص نفسه فلم يلتحق الاستثناء بما تقدم. فأما قول الرجل: عبده حر، وامرأته طالق إن كلمت زيداً، فإنما التحق الشرط بهما لأنه بين بأجزاء الكلام أنه حلف ولم يرسل الإيجاب، والحلف غير الإرسال وتمام الحلف بالشرط والجواب فصارت الجملة الأولى ناقصة على اعتبار الحلف لأنه لا شرط لها، فصارت الواو واو العطف كما لو كان إرسالاً فقال: هذه طالق، وهذه فإنهما تطلقان لأن الثانية ناقصة إرسالاً فانعطفت على الأولى وشركتها في خبرها، وصارت جملة واحدة فكذلك هذه اعتبرت يميناً، ونظير ما نحن فيه قوله: لفلان علي ألف درهم ولفلان علي ألف درهم إلا عشرة فإن الاستثناء يقتصر على الثاني. ومن ذلك الجمع المضاف إلى جماعة كقول الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ فمن الناس من قال: حقيقة هذا الجمع تتناول جماعة أموال كل واحد من الجملة لأنها اسم جمع لولا الإضافة، ومع الإضافة يمكننا العمل بحقيقة موجبها مطلقة فلا نخصها بغير دليل، وهذا عند عامة العلماء عمل بلا دليل. قال علماؤنا فيمن قال لامرأتين له: إن ولدتما ولدين او دخلتما دارين فأنتما طالقان، فولدت كل واحدة ولداً أو دخلت داراً واحدة طلقتا جميعاً. لأن هذه جماعة مضافة إلى جماعة فيجب تحقيق الجماعة المضافة بسبب الإضافة حتى لا تصير الإضافة لغواً اعتبراها في الجماعة المعرفة بالإضافة، فإن الإلغاء لا يجوز إلا بدليل، واعتمادهم على الجماعة ليس بدليل، لأن الجماعة مقيدة بالإضافة ونحن نحققها كذلك. فأما المطلقة فمعدومة كالإيجاب المعلق بشرط يكون سكوتاً عما عداه، وعلى هذا تفاهم الناس من خطابهم: لبس القوم ثيابهم ونعالهم وحلقوا رؤوسهم ومشطوا لحاهم، ويقول الشاعر:

стр. 151

وإنا نرى أقدامنا في نعالهم ... وآنفنا بين اللحى والحواجب ولا يكون لكل واحد إلا أنف، والله تعالى يقول: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ ولن يكون لواحد إلا قلب، وقال: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ الآية، ولم يجب بالسرقة الواحدة من السارق والسارقة إلا قطع يد واحدة من كل واحد منهما. ولو اوجب هذا الاسم جماعة الأيدي؛ في حق كل واحد منهما لوجب قطع الأيدي جملة منهما بالمرة الواحدة، لأن الله تعالى جعل جزاء سرقة واحدة قطع أيديهما. فلما لم يجب إلا قطع يد واحدة، علم أن الجمع المضاف إلى جماعة، آحاد في حق الآحاد. وقال الله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ والمحظور على كل واحد منهم حلق رأس نفسه بهذا الخطاب حتى لو حلق رأس غيره لم يلزمه الدم المتعلق بحلق رأسه، وقال ﷻ : ﴿جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم﴾. ومن ذلك قول بعضهم: إن العام يخص بغرضه ولا يكون حجة فيما عداه وانه بمنزلة التخصيص بسببه لأن المتكلم إنما يتكلم لغرضه فذلك الغرض سبب خروج الكلام من المتكلم، ومن ذلك قولهم: إن كلام المدح والذم والثناء، والاستثناء لا عموم له. وذلك قول بالتشهي لأن العام حيث قيل بعمومه، فإنما قيل به لأن الوضع للعموم وإنه قائم مع كونه ذماً أو مدحاً أو استثناء، لأن العرب تمدح العام بوصف عام، وقد تذم كذلك وقد تستثني كذلك فلا تدل هذه الصفات على التخصيص وترك الحقيقة. فهذه جملة ما ذكرنا من فنون الأقوال في هذا الباب فإن شذ عنا شيء فليقس بما ذكرنا، فقد حددنا للعمل باللفظ حداً لا يعدوه، وهو العمل بنصه وإشارته ودلالته ومقتضاه، وحددنا كل قسم بحد يمتاز به عن غيره، ليعلم أن ما لا يدخل تحت الحد أنه عمل لا بالنص فلا يبقى إلا الرأي والقياس، غير أن الحدود التي قلناها متقاربة، يشبه بعضها بعضاً، لا يثبت قدم سالكها على الحد إلا بحد التأمل. فليشمر المهتدي لما أشرنا إليه أذيال خاطره، ثم ليستعن بالله فلا يضل، فإن التخريج على هذه الحدود ورد كل نوع إلى نظيره أصعب انقياداً للقلب من معرفة الأقسام بحدودها، وما التوفيق إلا بالله تعالى.

стр. 152

باب القول في إبانة طريق المراد بمطلق الكلام قد ذكرنا فيما مضى أن الكلام ضربان: حقيقة ومجاز، فإن المجاز لا يصل إليه إلا بدلالة وربما يشكل على السامعين مجاز الكلام من حقيقته، وربما يشكل أيضاً المراد من النوعين ولا يمكن التبين إلا بروية فيقع فيه الاختلاف بين أهل الروية فيحتاج إلى معرفة طريق التبين عند الإشكال ليمكننا الوصول إلى المراد بالكلام. وطريقته بالنظر في السبب الداعي إلى ذلك الاسم من تعريف الأسماء في باب الوضعيات التي لا معنى لها، أو تعريف المعنى في المعنويات فما كان أكثر إفادة كان أحق بالإرادة. وظهور ذلك من أحد طريقين: أ- إما بمحل الكلام. ب- وإما بنفس الكلام في نوعي الكلام جميعاً: حقيقته ومجازه، فصير أربعاً. أما من حيث المحل فنحو اللفظ العام فقد اختلف أهل العلم فيه. فقال بعضهم: مطلقه ينصرف إلى الخصوص. وقال بعضهم: إلى العموم. وهذا أحق لأن بعض المحل الذي وضع الاسم علماً عليه يبقى غير مراد به إذا انصرف إلى الخصوص. ولأنا لو جعلنا المراد به الخصوص، وقد وجدنا لذلك الخاص اسماً خاصاً، لصار لمسمى واحد اسمان لغرض واحد، فيكون تكراراً فتقل فائدة أصل الاسم لأنه لأجل الإعلام وضع. والإعلام حاصل قبل الاسم المكرر وإنما يحصل بالتكرار التأكد وتوسعة البيان فيكون دون فائدة أصل الوضع فلا يجوز ترك إكمال الفائدة إلى البعض إلا بدلالة، فهما معنيان يدلان على ما قلناه مأخوذان من محل الكلام، وهو ما يدخل تحته مسمى به لا من نفس الكلام، فإنه متى حمل على الخصوص صار تناوله قدر ما تناوله تناولاً بحقيقته كما لو عم.

стр. 153

وأما ما يعرف من نفس الكلام وهو أقوى البابين وأكثر فقهاً فنحو قول الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ فقد اختلف أهل العلم في تفسير معنى اللغو؟ قال علماؤنا- ﵏: لغو اليمين ما لا يفيد فائدتها المطلوبة منها شرعاً ووضعاً، وهو تحقيق الصدق من الخبر الذي عقد عليه اليمين وإنما تنعدم هذه الفائدة إذا كان الخبر غير محتمل للصدق. وقال الشافعي: لغو اليمين ما جرى على اللسان من غير قصد. وإجماع منا على جواز الإطلاق على كل واحد من المنعيين فنقول: ما ذهبنا إليه أولى لأنا وجدنا للخارج من غير قصد اسماً موضوعاً له. وهو الخطأ الذي هو ضد العمد. والسهو الذي هو ضد التحفظ. فمتى حملنا اللغو عليه كان تكراراً. فأما الكلام الذي لا يفيد فائدته لانعدام شرط صحته لا لحال المتكلم فما له اسم سوى اللغو قال الله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾ أي الكلام الفاحش الذي هو خلو عن الفائدة المطلوبة منه في الحكمة، ليس الكلام الخارج من غير قصد فإن ذلك عفو لا عنت فيه وقال الله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه﴾ أي عارضوا بالتعنت، وما ليس بصحيح في الحكمة فلعلكم تغلبون بالمغالبة إن لم يكن بالمحاجة الصحيحة ولم يرد به: تكلموا من غير قصد، فإن الأمر به لا يستقيم. وكذلك الرجل إذا تكلم بالخنا قيل له: ألغيت: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كراماً﴾ أي صبروا عن الجواب، دل عليه أنه متى حمل على ما قالوا كان الفساد لمعنى في القلب؛ الذي هو سبب التكلم فيصير لغواً لفساد السبب، وعلى ما نقوله نحن يصير لغواً بنفسه لكونه غير مفيد وضعاً ولا شرعاً. وكذلك العلماء اختلفوا في العقد؟ فقال بعضهم: هو القصد. وعندنا: العقد هو ربط اللفظ باللفظ لإيجاب حكم نحو: ربط اليمين بالخبر المضاف إليه لإيجاب الصدق منه وتحقيقه، وربط البيع بالشراء لإيجاب الملك، وهذا أقرب إلى الحقيقة لن العقد حقيقته؛ من حيث عقد الحبل إذا شددت بعضه ببعض لأمر تريده لا يتم إلا به وضده الحل.

стр. 154

تقول العرب: يا عاقد اذكر حلاً. ثم استعير للألفاظ إذا عقد بعضها ببعض لإيجاب حكم. ثم استعير للقبل إذا عقد عزمه لأمر ما فصار عقد اللفظ أقرب غلى الحقيقة بدرجة. ولأنا متى حملنا على عقد اللفظ بالإضافة إلى خبر يحتمل الصدق لينعقد لإيجابه كان الانعقاد صفة لليمين نفسها. ومتى حمل على القصد لم يصر صفة لليمين نفسها، لأن اليمين لا تكون بالقصد حتى يتكلم بها وإنما القصد سبب خروج الحلف فتصير اليمين معقودة بسببه لا بنفسه، ألا ترى ان ضد العقد الحل، فما ينعدم بالحل يكون عقداً حقيقة. على ما نفسره نحن ينعدم بالحل فإن اليمين تنحل بالحنث فتنعدم، وضد العقد الذي هو قصد القلب السهو لا الحل فلما لم ينعدم العقد بشرط الحنث الذي هو حل، علم أنه حين وجد لم يكن عقداً حقيقة بل كان مجازاً، وكان غيره حقيقة. ومن ذلك اختلاف الناس في القرء؟ قال بعضهم: حيض. وقال بعضهم: إطهار. فالقول بالحيض أقرب إلى الحقيقة لأن القرء: اسم معنوي للحيض أو الطهر بلا اختلاف فلئن أخذ الاسم لهما من معنى الاجتماع كما في قول الله تعالى: ﴿فإذا قرأناه﴾ أي جمعناه، ويقول الشاعر: هجان اللون لم تقرأ جنيناً أي لم تجمع إلى رحمها ولد فالحيض أولى بهذا المعنى من الطهر لأن الحيض: اسم لدم مجتمع في نفسه، فإن نفس الدم لا يكون حيضاً حتى يدوم مدة وإن اختلف الناس في تلك المدة. وأما الطهر فليس بشيء مجتمع ولكنه حال لاجتماع دم الحيض بأن كان يجتمع وقت الطهر ثم يدر. ولئن أخذ هذا الاسم من الوقت المعتاد كما يقول الشاعر: إذا هبت لقارئها الرياح أي لوقتها المعلوم، ويقول آخر: يا رب ذي ضغن وضب فارض .... له قروء كقروء الحائض

стр. 155

أي أوقات معلومة، فالحيض أولى بهذا الاسم لأن الوقت المعلوم نصب للحيض لنفس الحيض، ونصب للطهر لا لنفس الطهر، بل للحيض فإن النصب احتيج إليه لإقامة الأحكام، والحكام تتغير بالحيض لا بالطهر. وكذلك القروء: اسم جمع وأقل الجمع الصحيح ثلاثة كوامل والبعض مجاز على ما نذكره، ولن يكمل الأطهار ثلاثة قروء قط للطلاق المشروع لن الطلاق شرع في الطهر فيكون الجزء الماضي قبل الطلاق والمقارن إياه غير محسوب من العدة. ومن ذلك اختلاف العلماء في (النكاح المطلق) أنه ينصرف إلى الوطء أو العقد فالقول بالوطء أقرب إلى الحقيقة لأنه اسم معنوي مأخوذ من الظن يقول الشاعر: أنكحت ضم صفاها خف يعملة ... تغشمرت بي إليك السهل والجبلا أي: ألزمت وضممت، والضم إنما يتحقق بالجماع. فأما العقد فسبب للضم فكان للوطء حقيقة وللسبب مجازاً. ومن ذلك اختلاف العلماء في ان أقل الجمع الصحيح للثلاثة أو للاثنين بعد وجود الإطلاق عليهما جميعاً. والقول بأنه اسم للثلاثة حقيقة وللاثنين مجازاً أولى لأن العرب فصلت بين علامة الاثنين وعددهما، وعلامة الثلاث وعددها، كما فصلت بين الاثنين والواحد فقالت: رجل واحد، ورجلان اثنان، ورجال ثلاثة فما فوقهم. فعلم أنها على الحقيقة أسماء لمسميات ثلاثة، وفي جعل الجمع اسماً للاثنين إثبات تكرار فيكون رجلان ورجال اسمين للاثنين ثم يجب على قياد هذا أن يكون اسم رجلين اسماً لثلاثة أيضاً لما صارا واحداً. وقد قال علماؤنا- فيمن حلف لا يكلم رجالاً-: أنه على الثلاثة، وكذلك إذا أقر بدراهم، لزمته ثلاثة، وكذلك الجمعة لا تصح إلا بالجماعة، ثم كان الشرط ثلاثة من الجماعة فعلم انه أقل الجمع. وقالوا- في سائر الصلوات-: أن الإمام إذا صلى بواحد قام بحذائه لأنهما ليسا بجماعة والاصطفاف بعد الإمام من حكم الجماعة، ولو كان سوى الإمام رجلان قاما خلفه صفاً لأنهما جماعة مع الإمام والإمام منهم في حق الجماعة، لأن صلاة الإمام تصح بلا جماعة، ولكن أمرنا ان تكون الصلاة بجماعة والصلاة حصلت بثلاثة فكانت بجماعة. فعلى هذا مسائل علمائنا إلا باب الوصايا فإنهم جعلوا الاثنين في حكم الثلاثة في استحقاق الوصية المضافة إلى جماعة لأنها أخت الميراث، وقد قام الدليل في المواريث ان الاثنين في حكم الثلاثة لا من جهة النص، فإن النص قوله: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين

стр. 156

فلهن ثلثا ما ترك﴾ والنساء فوق الثنتين لا يتناولن الثنتين بلا إشكال، ولكن من جهة دليل آخر تبين لنا ان فوق مؤخر والمراد به نساء اثنتين فما فوقهما فلما ثبت ذلك في باب المواريث ثبت في الوصايا استدلالاً بها، ولهذا كان أقل الاسم على ثلاثة أحرف في أصل الوضع، لأن الكلام حروف مجموعة فكان أقلها ثلاثة أحرف. ومن ذلك موجب الواو فقد قيل: إنها للترتيب والإشراك، والجمع. والصحيح ان الواو تقتضي مشاركة المعطوف والمعطوف عليه في خبره كأن الخبر كرر في حقه شركة مطلقة من غير وصف المقارنة أو الترتيب أو غيرهما ذلك لأنا وجدنا كلمة "مع" توجب المقارنة. و"الفاء" توجب الترتيب بلا فصل. و"ثم" توجب الترتيب بفصل. فلو حملت الواو على أحد هذه المعاني لصار الاسم لذلك المعنى مكرراً. ولو حملت على شركة بصفة متعينة محتملة للقرآن والفصل والترتيب صار لها فائدة جديدة، ألا ترى انك إذا قلت: جاء زيد وعمرو وكنت أخبرت عن مجيئهما جميعاً مطلقاً، وكنت صادقاً في الخبر، جاءا معاً أو متفرقين او متعاقبين. وقد يراد بها معنى بعينه بدلالة توجب زيادة الوصف كالاسم المطلق قد يختص بقيد بدلالة، ولهذا قال علماؤنا: إن الواجب من غسل الوضوء غسل الأعضاء مطلقاً بلا تعيين وصف، من ترتيب أو مقارنة أو تفريق. وإذا قال لعبيده- وهم ثلاثة-: هذا حر أو هذا وهذا عتق الثالث وله الخيار في الأولين. وقال الفراء: له الخيار بين أن يعتق الأول او الآخرين لأن الواو للجمع فيصير قوله أو هذا وهذا، كقوله: أو هذان كما إذا قال: هذه الألف لفلان وفلان، كان بينهما كما لو قال لهما. إلا انا نقول: الواو لا توجب صفة الجمع والمقارنة على ما قلنا، فلا يصير الثالث داخلاً تحت العتق مع الثاني بكلمة الواو وقد فرق بينهما لفظاً فبقي داخلاً وحده كما تكلم وبقي الخيار بين الأول والثاني ويصير الثالث معطوفاً على الذي عتق لما بقي وحده إذ لا يصح العطف على الذي لم يعتق لن المراد بالجملة الأولى الذي عتق فإن قوله هذا حر أو هذا كقوله: أحدهما حر، ولو قال: أحدهما حر وهذا، عتق الثالث عيناً لأنه لا جهالة فيه وقد عطف على حر مجهول ألا ترى أن المعطوف يدخل تحت خبر المعطوف عليه كأنه كرر في حقه ومتى جعلا مجموعين لم يستقم فإنه لا يستقيم أن تقول هذا حر وهذان حر بل يجب أن يقال هذان حران.

стр. 157

فثبت أن الصحيح أن يجعل كأنه قال: هذا حر أو هذا حر وهذا حر. ولا يلزم مسألة الإقرار فإنا حملناه على الشركة على سبيل المقارنة بدلالة، وهو أن أول الكلام موقوف على آخره فيما يخرج بياناً وهو بذكر فلان وفلان يبين من يستحق المال ولا يستقيم البيان على معنى أن يجعل الكل للأول ثم للثاني، وإنما يستقيم على سبيل الشركة على المساواة. فإن قيل: أليس الرجل إذا قال لامرأته ولم يدخل بها: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق، فدخلت، لم تطلق إلا واحدة عند أبي حنيفة- ﵁ لأن التطليقات تعلقن مرتبة بحرف الواو، وعندهما: تقع جملة لأن الواو للجمع فكأن قولك: هذا مما يخالف الأصلين؟ قلنا: ما هذا الاختلاف من هذا الجانب بل أبو حنيفة ﵁ يقول: إن الطلاق الأول تعلق بالشرط بلا واسطة، والثاني تعلق به بواسطة بينهما، وهو الطلاق الأول لأن كل واحد منهما تعلق حين ما تكلم به، وقد تكلم بهما في وقتين فبالواو لا يجتمعان لأن الواو لا توجب الجمع وهما يقولان: تفرق أوقات تعلق الطلاق بشرط لا يوجب تفرق الوقوع كما لو تكرر الشرط فلا يتفرق بالواو، لأن الواو لا توجب التفريق. ومن ذلك كلمة "أو" فقد زعم عامة الناس أنها للتخيير في الإثبات وللنفي في النفي محتجين بقول الله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾ وكان للتخيير، وقال: ﴿ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً﴾ أي: ولا كفوراً. والصحيح عندنا أن كلمة "أو" كلمة تشكيك لأنا متى جعلناها للتخيير مرة وللنفي مرة أخرى كان كلاماً محتملاً. والأصل أن الاسم له معنى واحد، ويدل عليه أنك إذا قلت: رأيت زيداً أو عمراً أخبرت عن رؤية كل واحد منهما على سبيل الشك، واحتمال أنك لم تره لا يفهم غير ذلك حتى تصير كاذباً إذا رأيت أحدهما بعينه وأنت تعلمه أو رأيتهما جميعاً. ولأنك إذا قلت: رأيت زيداً وعمراً أوجب الواو رؤيتهما. وإذا قلت: رأيت زيداً بل عمراً فكان "بل" لإقامة عمرو مقام زيد في الرؤية على سبيل استدراك الغلط به. وإذا قلت: رأست زيداً أو عمراً أخبرت أنك لم ترهما يقيناً وإنما رأيت أحدهما، ولكنك شككت في معرفة ذلك منهما حتى احتمل كل واحد منهما ان يكون هو المرئي وأن لا يكون، فتكون لهذه الكلمة فائدة على حدة إلا أنها إذا استعملت في الإيجابات والأوامر والنواهي والإنشاءات لم توجب شكاً لأن الشك إنما يتحقق عند التباس العلم

стр. 158

بشيء وذلك إنما يكون في الإخبارات، وأما الإنشاءات من إيجاب وأمر ونهي وتحريم وهي لإيجاب حكم مبتدأ، فلا يتصور فيهما شك ولا التباس وإذا بطل معنى الشك إذا استعملت في غير الخبر. قلنا: إن دخلت بن أمرين أو إيجابين أوجبت التخيير لما ذكرنا أنها إذا دخلت في الخبر نفت دخول المذكورين جميعاً تحت ما أخبر به وثبت أن المراد به إما هذا وإما هذا لما ذكرنا أن اللفظ يتناول كل واحد منهما على سبيل الشك، وإنهما ليسا بثابتين معاً. وإذا انتفى معنى الشك في الإيجابين بقي المعنى الآخر وهو أن الثابت إما هذا، وإما هذا فأوجب ضرورة التمكن من أداء الواجب لأن الأداء لا يتصور إلا بمعين. وإذا دخلت بين إباحتين كقولك: جالس الحسن أو ابن سرين، وكل هذا الطعام أو هذا، صارا جميعاً مباحين لأن معنى الشك باطل لما قلنا في الأمر. وكذلك معنى الخيار إنما وجب للتمكن من أداء الواجب، على ما ذكرنا ولا وجوب في الإباحة فلم يثبت الخيار. وإذا دخلت بين نفيين أو تحريمين كقول الله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً﴾ صارت بمعنى "ولا"، وكذلك إذا حلف فقال: والله لا أكلم فلاناً، أو فلاناً. لأن معنى الشك ساقط لما ذكرنا في الإيجاب. ومعنى الخيار ساقط لأنه لا فعل عليه في التحريم والخيار كان لضرورة الإمكان من الفعل فبقي معنى دخول كل واحد منهما على الإنفاد بلا خيار. وكذلك إذا قال: ما رأيت زيداً أو عمراً، لو انصرف إلى نفي رؤية أحدهما دون الاخر لصار بمعنى قوله: رأيت زيداً أو عمراً فيكون حينئذ النفي والإثبات واحداً، بل لما ثبت بقوله رأيت زيداً أو عمراً رؤية كل واحد منهما على الشك صار ذلك بعينه منفياً بقوله: ما رأيت زيداً أو عمراً، فأوجب دخول كل واحد منهما تحت النفي على الانفراد وصار كقوله: ما رأيت زيداً ولا عمراً، لا كقوله: ما رأيت أحدهما. وإن كانا يتفقان معنى. وأما إذا دخل بين نفي وإثبات، كقوله: والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار الأخرى. كان بمنزلة "حتى" فإن دخل الدار الأولى حنث وإن دخل الدار الأخرى سقطت اليمين إلى بر لأن عمل "أو" في النفي عمل بلا شك، وعمله في الإثبات بأن لا يثبت إلا أحدهما فاعتبر في حق الدار الأولى بنفيين كأنه قال: والله لا أدخل هذه الدار أو هذه الدار، وفي الدار الأخرى بالإثباتين، كأنه قال: والله لأدخلن هذه الدار أو هذه الدار فإذا دخل في أحدهما بر في يمينه وتمت اليمين براً فكذا ههنا إذا دخل الدار الثانية.

стр. 159

ثم البر بهما وما ينتهي إليه بر اليمين معقودة على النفي كان غاية، قالوا: وإذا قال والله لا أكلم الناس غلا فلاناً أو فلاتاً كان له أن يكلمهما جميعاً لأن الاستثناء من الحظر إباحة، وقد ذكرنا أنها في الإباحة توجب إباحة كل واحد مما دخلت عليه، كقولهم: كل هذا أو هذا، والله أعلم بالصواب.

стр. 160

باب القول في الحجج المجوزة من الشرعيات وهي التي توجب العمل بها دون العلم. فلما أوجبت العمل بها كانت حجة. ولما لم توجب العلم- والعمل بغير علم باطل في الأصل- سميناها مجوزة، حيث جوزت العمل بغالب الرأي في ثبوتها بلا علم حقيقة توسعة علينا. وهي أربعة انواع: الآية المؤولة: لكونها مشكلة قبل التأويل، أو مشتركة، أو مجملة. والعام الذي ثبت خصوصه، على ما مر من الأنواع التي لا توجب العلم قطعاً من كتاب الله تعالى. وخبر الواحد أو خبر الصحابي. والقياس، لأنا ما عرفناها حجة إلا بضرب من الرأي. فالتأويل ما آل إليه أمر النص بالرأي على ما مر. وكذلك خبر الواحد إنما صار حجة بضرب رأي ذكرناه من بعد فإنه محتمل للكذب، وليس بحجة يقيناً. وكذلك خبر الصحابي لأنه ممن يجوز عليه الغلط كما يجوز علينا إلا أنا رجحنا رأيهم على رأينا إما بخبر الواحد أو بضرب اجتهاد. وأما القياس فمحض الرأي.

стр. 161

باب القول في الآية المؤولة وقد مر تفسيرها وإنما أعدنا لبيان جواز التأويل بالرأي، وكونها حجة فقد قال النبي ﷺ : "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنا جوزنا التأويل دون التفسير- وقد يبق الفرق بينهما- فالتفسير: بيان لا يبقى فيه شك وشبهة ويضلل مخالفه، ومن ادعى ذلك برأيه وضلل مخالفه فسق كالخوارج والروافض وكان لهم النار. والثاني: أن هذا الوعيد لمن فسر برأيه، ورأيه على الإطلاق ما استفاد بنفسه دون شرعه، وإنما يستفيد من نفسه رأي الهوى وما فيه مصالح دنياه، وحصول مراده فمن فسر القرآن بهذا الرأي فسق أو كفر كالروافض. وإنما يجوز له التفسير بالرأي الذي أفادته الشريعة بأن عرف أصول الشرع وإشاراته وما يبتنى عليه أمر دينه فأول المشكل على ذلك، ولفق بين المتناقض منه ظاهراً، فيكون هذا تفسيراً برأي الشرع لأنه ما استفاد هذا الرأي إلا من الشرع وقد اشتغل به الصحابة، والسلف الصالحون إلى يومنا هذا ومتى لم نجوز هذا لم يمكننا الخروج عن طعن الملحدين في القرآن، والله أعلم. فإن قيل: كيف تكون الآية المؤولة حجة مع احتمال الغلط والله تعالى يقول: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾؟ قلنا: إن المؤول وإن احتمل الغلط فإنه يجوز العمل به إذا ترجح أحد الوجهين على الآخر، وعند الرجحان يقع بالراجح علم مثله، وهو علم الظاهر دون الإحاطة واليقين لبقاء الوجه الآخر، وعند الرجحان يقع بالراجح علم مثله، وهو علم الظاهر دون الإحاطة واليقين لبقاء الوجه الآخر محتملاً في الجملة توسعة علينا كما جوزوا العمل بالخبر الواحد على ما نذكره، وبالقياس مع احتمال الغلط، وقوله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ ورد فيما لا علم له به أصلاً لأنه نكرة في النفي والعلم له مراتب على ما بينا في آخر الكتاب. وإنما يذم الإنسان إذا قصر في الطلب فاقتصر على أدنى منازل العلم، وقد أمر ببلوغ الأقصى فأما ما دام في الطلب وللعلم درجات فحميد منه سعيه وإن كان قولاً بما لا علم له به يقيناً لأنه لا وسع له إلا ذلك ولا تكليف إلا به، والله أعلم.

стр. 162

باب القول في الخبر الواحد اختلف العلماء في الخبر الواحد على أربعة أقوال؟ فقال جمهور العلماء: إنه حجة، وإن لم يكن المخبر معصوماً عن الكذب. وقال بعضهم: لا يكون حجة حتى يبلغ عدد الشهادة. وقال بعضهم: لا يكون حجة أقصى عدد الشهادة. وقال بعضهم- ممن لا يعتبر خلافه خلافاً-: لا يكون خبر الواحد حجة في باب الدين إلا أن يكون معصوماً عن الكذب أو يبلغ حداً ذكرناه في التواتر لقول الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾؟ والعلم لا يقع بخبر احتمل الكذب وقال: ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ وقال: ولأنا لا نعمل بالنص المحتمل لوجهين، وغن كان كل واحد منهما مما يجوز ان يكون شريعة فلأن لا نعمل بالذي يحتمل الصدق والكذب- والكذب باطل- أولى وأحرى. قال: ولا يلزمنا العمل بالشهادة لأنا تركنا هذا الأصل بكتاب الله تعالى بخلاف القياس فلا نقيس عليها غيرها. ولأن حقوق العباد ليست كأصل الشريعة فإنها باب يثبت بإيجابهم وتصرفهم وبهم ضرورة إليها، ولا يمكنهم إظهارها بدليل لا يبقى فيها شك وشبهة، وأما الدين فحق الله تعالى، والله تعالى قادر على إظهار حقه بما يوجب العلم فلم يجز إثباته بما دونه كما لا يجوز إثبات أصل الدين من التوحيد والنبوة، وصفات الله تعالى بما فيه شبهة. واما جمهور العلماء فإنهم احتجوا بقول الله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ وبقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ الآية، فالله تعالى توعدهم بالكتمان وبترك البيان، وحقيقة هذه الإضافة تتناول كل واحد من آحاد الجمع على ما مر ذكره في الجمع المضاف إلى جماعة. ولأن أخذ الميثاق علينا من أصل الدين والخطاب بأصل الدين، وإن تناول الجماعة فكل واحد منهم مخاطب به على حدة بالإجماع وبالدلائل التي لا شك فيها ولما افترض

стр. 163

البيان على كل واحد من الجملة دل ضرورة أنه مقبول منه ذلك وواجب قبوله كما كان يجب من رسول الله ﷺ وكذلك كل مأمور بشيء إذا أتى به كما أمر كان القبول منه حقاً له، وقال الله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ والفرقة اسم لجماعة أقلها ثلاثة، والطائفة منتزعة منهم فيكون بعضهم وبعض الثلاثة واحد او اثنان وقد يسمى الواحد طائفة قال الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ روي أنهما كانا رجلين، وقد دلت عليه الآية: ﴿فأصلحوا بينهما﴾ إلى قوله: ﴿فأصلحوا بين أخويكم﴾ ولم يقل بين إخوتكم. وإن جعلنا الطائفة جماعة فهي إلى العشرة وخبرهم يحتمل الكذب. ولن أحداً لم يقل أن الطائفة او الفرقة اسم جماعة بلغوا عدداً نشترطه في التواتر، والله تعالى أمر الطائفة بالتفقه ثم بإنذار قومهم بما تعلموا، ولو لم يكن قولهم حجة لما وقع به إنذار ولا حذر. فإن قيل: إن الله تعالى أمر به الطوائف أجمع. قلنا: قد ذكرنا أن الجماعة المضافة إلى جماعة حقيقية آحاد في حق كل مضاف إليه كقولنا: لبس القوم ثيابهم، وركبوا دوابهم، ولأنه قال: ﴿إذا رجعوا إليهم﴾ علق الإنذار بالرجوع، ولا يتصور الرجوع من الطوائف كلها إلى قوم واحد منهم لأنه اسم للعود بعد المسير عنهم وإنما يسمى الآتي ابتداء قادماً. ولأن الواجب لو كان اجتماع الطوائف والدوران على الناس لكان أمراً مشهوراً لا يخفى ذلك. ولو كان الحق متعلقاً بذلك لوجب نقل ذلك كما نقلت الطهارة وسائر الفرائض، ولكان لا يندرس أثره فلما لم ينقل علم أنه لم يكن. ولو وجب ذلك لما تركهم رسول الله ﷺ والإعراض عنه. على أن الحجة قائمة مع الاحتمال لأنهم إذا اجتمعوا وداروا وجب الحذر من قولهم وبيانهم بظاهر الآية، وبعد الاجتماع جائز عليهم الاتفاق على الكذب عادة وإنما يصير الخبر حقاً من الجماعة إذا كانت الجماعة جماعة لا يتوهم عليهم الاتفاق يقيناً على الكذب عادة، والاتفاق على الكذب عادة يتوهم على المجتمعين عادة. فإن قيل: إنما يلزم الواحد البيان، ولكن لا يلزم السامع القبول حتى يكثروا كالشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة ولكن لا يجب على القاضي العمل حتى يتم العدد. قلنا: إن الله تعالى ألزم البيان ليحذر الناس ولم يشترط عدداً فمتى لم يلزم العمل

стр. 164

بذلك البيان إلا بعدد لم يقع الحذر إلا بزيادة فيكون نسخاً ولا يكون تأويلاً، ألا ترى ان الله تعالى ما ذكر الشهادة للعمل بها إلا مقرونة بالعدد وما ذكر عدداً في باب الدين، وعلى ان الشاهد إذا علم أنه لا شاهد غيره لا يلزمه الأداء وظاهر الآية يدل على وجوب البيان على الآحاد. وكذلك قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ وإنه يتناول الآحاد فصار الأمر من كل واحد أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر بنص الكتاب فيجب القبول منه. ووجه آخر أنا نعلم يقيناً أن النبي ﷺ ما كان يعيش إلا بأكل، وما كان يزرع بنفسه ليعلم طيبة الخارج يقيناً بل كان يأكل مما يهدى إليه أو يشتري أو يدعى إلى طعام على ما يخبره الخبر من غير نزول وحي في كل ذلك حتى أكل الشاة المصلية فلم يسغها فسأل عن شأنها فأخبروه بالقصة فأمر بالتصدق. ووجه آخر انا نعلم يقيناً أنه كان مبعوثاً إلى الناس كافة، وإنه لم يأت الجميع بنفسه وإنما أرسل إليهم، وكتب وأنه أدى ما حمل من الأمانة فلو لم يكن خبر الواحد حجة أو الكتاب، لما كان ذلك تبليغاً، ولكان تجنب الأمانة وهذا غير جائز. ووجه آخر أنا نعلم يقيناً أن المخدرات ما كن يحضرنه لتعلم الدين وكن يعلمن من جهة أزواجهن، والقوام عليهن، ولو لم يكن خبرهم حجة للزمهن الخروج إلى النبي ﷺ ولو فعلن لاشتهر ذلك كما اشتهر اجتماع الرجال ولم يخف. ووجه آخر هو أن البلاد النائية افتتحت على عهده مثل بلاد اليمن والبحرين وما أتاهم رسول الله ﷺ بنفسه بل بعث إليهم من علمهم، وهداهم من الخلفاء على مثال سير الملوك في ولايتهم اليوم فلو لم يكن خبر الواحد حجة لما جاز ذلك وللزمهم الخروج بأجمعهم إلى رسول الله ﷺ ، ولو وجد ذلك لكان أمراً مشهوراً ظاهراً لا ينكتم على أحد. ووجه آخر ان الله تعالى جعل الشهادات حجة موجبة حتى لو امتنع القاضي عن العمل بها فسق وهي لا توجب علم اليقين فدل على أن العمل واجب بالحجة أوجبت علم يقين أو ظاهر يحتمل غيره. فإن قيل: باب الديانات أعظم من باب معاملات الناس في حقوقهم! قلنا: لزوم القاضي أن يعمل بالشهادة من الدين ويجب حقاً لله تعالى، وفرضاً من فروضه حتى إذا تركه فسق وأثم [برفضه]، ولو لم ير العمل به حقاً كفر، وحق العبد سبب للوجوب حقاً لله تعالى كما تجب الزكاة حقاً لله تعالى بسبب ماله فما بينهما فرق بل هذا فوق ذلك ثبوتاً على ما نذكر بعد هذا، فإنا نشترط العدد في الشهادات دون الأخبار.

стр. 165

على أن خبر الواحد قد يقع في باب الدين وفي غيره كرجل يقول هذا الماء طاهر أو نجس، وهذه هدية فلان بعثها إليك، وأنا وكيل فلان بالتصرف في ماله، والخلاف ثابت في الكل فإن سلموا هذه الوجوه، ولا بد منها لتقوم به مصالحهم إن حقائق الأملاك لا تعرف بأسباب الملك فلعل الذي باعك غاصب، كان الباقي قياساً عليه. لأنك متى صدقته، وعملت به اعتقدت الحل. ومت كذبته اعتقدت الحرمة. واعتقاد الحل والحرمة دين وليس من حقوق الناس في شيء. فإن قيل الكلام في الأحكام الشرعية فإنها تثبت إلا من جهة الرسول، ولم يجز نصبها بعده، وكان معصوماً عن الكذب فلم تقع الضرورة إلى معرفتها بما لا يوجب العلم، فأما ما نحن نضطر إليه مما يحدث كل يوم وكل ساعة، ولا يمكننا البناء على اليقين فجائز العمل بما لا يوجب العلم يقيناً دفعاً للضرورة. قلنا: إن الكلام فيما بلغنا عن رسول الله ﷺ من الأحكام، وحدث لنا من العلم بها وذلك بعد رسول الله ﷺ كحدوث حوائجنا إلى مصالحنا، وطريق اليقين إلى الكل مسدود كما في المعاملات التي تكون منا لأنه لا طريق إليها يقيناً إلا الآيات المحكمة من كتاب الله تعالى وقلما يوجد ذلك، بل أكثرها مؤولة، وعمومات لحقها الخصوص وبقيت غير موجبة يقيناً. وكيف تكون يقيناً وللناس اختلاف في بعض السراق بعينه أيقطع ام لا؟ وكذلك الزاني، فلا يضلل بعضهم بعضاً، على أن النبي ﷺ كان يقضي بالشاهد وباليمين في عصره وكان يقول: "إنما انا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فكأنما أقطع له قطعة من النار" فأخبر أنه يقضي بالظاهر كسائر البشر. فتبين ان الله تعالى شرع لنا وعلينا العمل بما يوجب علم اليقين، وما لا يوجب اليقين توسعة ونفياً للحرج، وغنما يختص باليقين ما يرجع إلى الاعتقاد بلا عمل يلزمنا من معرفة الله تعالى وصفاته وأحكام الآخرة، ومعرفة النبوة، وما هو من أصل الدين الذي بدونه ينهار ركن منه. ووجه آخر أن الأخبار المروية في الباب أن النبي ﷺ كان يحكم بخبر الواحد وكذلك الصحابة، وظاهر مثل الشمس عمل الصحابة بأخبار الآحاد. وكذلك السلف وقد أوردها محمد بن الحسن.

стр. 166

وكذلك أصحاب التصانيف ما يضيق كتابنا عن ذكرها ونحن سكتنا عنها اختصاراً واكتفاء بما فعل الناس وتقرر في قلوبهم، ولعلمنا ان خصومنا متعنتون، وانهم منكرون كل ذلك فاشتغلنا بما لا يمكنهم الإنكار من الأمور التي هي على مثال المحسوسات دل عليه ما بينا بإجماع الصحابة، وبنص الكتاب أن القياس حجة وأنه دون خبر الواحد. فإن قيل: قال محمد بن الحسن ﵀ في كتاب "الاستحسان": إذا تزوج الرجل امرأة فأخبرته امرأة عدل أنها أرضعتهما لم تحرم عليه. قلنا: لأن هذه الحرمة لا تثبت إلا بزوال ملك الزوج، وخبر الواحد ليس بحجة في حقوق الناس، إزالة وإثباتاً، ولهذا لم تفصل المنازعات الجارية بين العباد في حقوقهم بالإخبار. لأن أصل المنازعة لا يثبت فيما بينهما لهما إلا بحقهما حتى يكون شهادة أو يميناً، ففي اليمين زيادة صدق للخبر لا توجبه عدالة المخبر. وكذلك في لفظ الشهادة ثم قصر العدد على أربع وشاهدين، وواحدة في باب النساء أمر عرف شرعاً لا لعلة معقولة، إذ لو كانت معقولة لما اختلف العدد، ولما اختلفت، وقبلت شهادة القابلة وحدها وكانت حجة، وقبلت شهادة خزيمة وحدها، علم ان زيادة العدد ليست لإفادة أصل العلم بل لحكمة اختص الله تعالى بعلمها فلم نقس عليها سائر الأخبار التي ليست من قبيل تلك المنازعة. ويحتمل أن يقال: إن المنازعات في حقوق الناس تجري بينهم لهواء أنفسهم فتكون أشد من باب الديانات فغلظ بتخصيص اللفظ الدال على الوكادة من الحلف والشهادة، وكذلك زيادة العدد، والله أعلم.

стр. 167

باب القول في أقسام المخبرين أقسامهم أربعة: أ- الصبي العاقل والمعتوه بعد البلوغ، ومن بمنزلتهما ممن به نقصان عقل ومعرفة بعد وجود أصل العقل والمعرفة. ب- والعاقل التام العقل الفاسق، ومن بمنزلته ممن انعقد له سبب تهمة الكذب في خبره. ج- والعدل الضابط الذي لا تهمة له سوى أنه غير معصوم عن الكذب. د- ورسل الله وأنبياؤه- ﵈ المعصومون عن الكذب. فأما المجنون ومن بمنزلته كالنائم والمغمى عليه: فلا عبرة بهم لأنه لا معرفة لهم ولا تمييز. والخبر إنما يقبل لما فيه من الإعلام، وكذلك أصل الكلام إنما يصح ممن له معرفة إخباراً كان أو إنشاء لأنه اسم لصوت مفهم وحروف منظمة أعلاماً على أعيان وأفعال. هذا حد الكلام في الشاهد فلا يصير صاحب الصوت من أهله إلا بعد المعرفة والتمييز بين الاسم والاسم لينطق به على وجهه فيصير الكلام قبل المعرفة وسائر الألحان من ألحان الطيور بمنزلة كلام السكران. فإنه إذا أنشأ شيئاً يلزمه واعتبر صحيحاً منه عقوبة له بأن بقي مخاطباً غير معذور بالتباس عقله لسكره لأنه كان منه بفعل هو معصية. فأما إذا أخبر فلا يقبل منه ولا يعمل به لأن حكمه في صدقه لا عينه فالعين وإن صح لقيام الخطاب لم يثبت معنى الصدق، لأنه أمر لا يبنى على الخطاب بل على ما يزيل جهة الكذب، ولم توجد هذه الشريطة فأشبه إقرار المكره. فأما الصبي العاقل ومن بمنزلته فخبره مقبول في البعض دون البعض على ما نبينه في البا الذي يلي هذا الباب لبيان أقسام المخبر عنه لأنه ينطق عن معرفة، وهذا حد صحة الكلام. إلا أنه لا ضابط له لنقصان عقله وغلبة هواه، والخبر صحته من حيث يعمل به في صدقه وتمام ذلك في ضبطه بعد المعرفة فقبل خبره في البعض دون البعض على ما نبين

стр. 168

الحد بينهما، والمعتوه بمنزلته لأنه هو الذي اختلط عقله ولم يزل، وكذلك المغفل هو الذي به غلبة النسيان فلا يبقى له ضبط لما يسمع فيلتحق بغلبة النسيان بالذي انتقص عقله أو به غفلة عن التأمل والتحفظ فليلتحق بالعاجز عن الحفظ بترك استعمال الآلة. وأما العاقل البالغ الفاسق: فقد أخبر عن عقل تام وضبط إلا أنه متهم بالكذب لفسقه، فإن الفسق في ارتكاب الإنسان ما اعتقده حراماً في دينه فأما إذا ظهر منه ذلك وفيه مكابرة لدينه وعقله، فإن عقله يلزمه إقامة دينه اتهم أيضاً بالكذب مكابراً لعقله ودينه. والكافر العدل في تعاطيه بمنزلته فيما يخبر من أمور الدين لظهور العداوة فيه بيننا وبينهم، والعداوة سبب تحمل المرء على مكابرة عقله فيما يضر بعدوه. وكذلك كل من أخبر على عدوه أو أخبر لمن اتهم به كالأب لولده ونحوهم فهؤلاء كلهم متهمون بالكذب بأسباب باعثة على الكذب لا بقلة الضبط وخبرهم مما يجب التثبت فيه، لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبينوا﴾ الآية، إلا في بعض الأحوال على ما يأتيك بيانه في الباب الذي يليه. ولهذا المعنى يجب التثبت في القسم الأول إلا فيما استثنى بدليله لأن التهمة بسبب الغفلة ونقصان العقل تقرب من تهمة قصد الكذب بأسباب باعثة عليه مع كمال العقل. وأما العدل: فخبره حجة لترجح جهة صدقه على جهة كذبه، على ما مر في الباب الأول، ولا يبطل إلا بمعارضة. وأما خبر الرسل: فحجة موجبة علماً يقيناً لقيام الدلالة على عصمتهم عن الكذب كرامة من الله تعالى حتى صلحوا لنقل رسالته، وخبرهم من قبيل ما مضى من الحجج الموجبة.

стр. 169

باب القول في بيان أقسام ما كان خبر الواحد فيها حجة هذه الأقسام أربعة: منها الأحكام الشرعية كلها التي تحتمل النسخ والتبديل، وهي من فروع الدين لأن الأحكام على ما شرعت حق الله تعالى علينا يلزمنا أن ندين الله بها. ومنها حقوق العباد مما يجب لهم وعليهم مما يقوم به مصالحهم العاجلة التي اشترك فيها أهل الملل كلهم. والثالث: المعاملات التي أبيحت لنا وكنا مختارين في إنشائها مما يتعلق بها اكتساب تلك الحقوق. والرابع: حجر يلحقنا لحق الغير فيلزمنا الكف عن ضروب أفعال صيانة للحد الذي بين ما للمرء ولغيره مما ظهر ذلك من الناس أجمع في أملاكهم وولاياتهم وأفعالهم. فأما ما لله تعالى فخبر الواحد فيها حجة ويجب العمل به بلا شرط عدد معلوم ولا لفظ معين بل بشروط تراعي المخبر على ما يأتيك بيانه في بابه. فأما حقوق العباد فلا يكون الخبر حجة لهم ولا عليهم عند المنازعة إلا بعدد معلوم، ولفظ معلوم وشرائط معدودة في المخبر زائدة على شرائط المخبر عن حقوق الله تعالى، وموضع معرفتها كتاب تقسيم فروع الفقه. وأما المعاملات فخبر كل مخبر صحيح العبارة فيها حجة يجوز العمل بها. وأما الحجر فقد شرط أبو حنيفة ﵁ لصيرورة الخبر حجة أحد شرطي الشهادة إما العدد وغما العدالة، وخالفه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وذلك في الوكيل يبلغه خبر العزل، أو العبد المأذون يبلغه خبر الحجر، أو المولى يبلغه أن عبدك قد جنى فإنه يلحقه الحجر عن التصرف فيه إلا باختيار الأرش. أما الفصل الأول: فإنما لم نشترط زيادة عدد ولا تعيين لفظ لأن احتمال الكذب لا يرتفع بنفس زيادة العدد ولا تعيين لفظ فلم نشتغل به ولأن نقل الأخبار كان في زمن النبي ﷺ والصحابة والسلف ولم يبلغنا شرط زيادة عدد ولا تعيين لفظ إلا احتياطاً، فقد روي أن علياً ﵁ كان يحلف الراوي فروى له أبو بكر الصديق فصدقه ولم يحلفه، ألا ترى اللفظ والعدد لما كان شرطاً في باب حقوق العباد كيف ظهر ذلك ولم يختلف باختلاف الشاهدين في العدالة.

стр. 170

وأما القسم الثاني: فإنما شرطنا العدد واللفظ بنص الكتاب لأنها شرعت حجة لفصل منازعة ثابتة بين اثنين بخبرين صحيحين متعارضين من الدعوى والإنكار، فلم يقع الفصل بجنسه خبراً بل بنوع خبر ظهرت مزيته في التأكيد على غيره من يمين أو شهادة ثم ضرب احتياط بزيادة العدد وهذا المعنى معدوم في حق أحكام الله تعالى، فإن الذي لم يبلغه الخبر لم يكن يعمل به لعدم الدلالة لا لدليل موجب عملاً بما كان عليه فكانت الحالة أخف من حال قيام المنازعة بدليلين صحيحين شرعاً، أعني خبر المنكر والمدعي لأن الشرع جعل خبر كل ذي عقل في الأصل حجة وإنما الرد بعوارض. وأما المعاملات: فإنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يدعى إلى الطعام وكان يجيب البر التقي وغيره وكان يشتري من الكافر وكان يصدقه. وكذلك الأسواق القائمة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا قائمة بعدول وفساق، والشراء مباح من الكل إلا أن يقع في القلوب تهمة الكذب بأمارات غير فسقهم بزناهم وشرب الخمر وما لا يتصل بالأموال، وقد نص عليها محمد بن الحسن في كتاب "الاستحسان". ولأن هذا إخبار عن أمر من امور الدين لأن الحل والحرمة دين ولا دليل مع السامع ينازعه به كالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلمبل السامع متمسك بأصل كان لعدم الدليل على زواله فلم يشترط لفظاً عيناً ولا عدداً كما في الخبر عن النبي ﷺ إلا أنه أخف من ذلك. وذلك لأن للناس ضرورة في التصرف مع الناس لإقامة مصالحهم، ومع وكلاء الملاك وأكثر الناس أبداً فسقة فلو لم يجز التصرف إلا مع العدول لانسد باب التجارات وضاق الأمر على الناس والله تعالى ما جعل في الدين من حرج فلم نشترط العدالة لذلك. بخلاف الخبر عن النبي ﷺ فإنه لا ضرورة بنا إلى تصديق الفاسق بعد قيام المعارضة بين صدقه وكذبه، وإن بعدنا عن رسول الله ﷺ فإن حكم الله تعالى في تلك الحادثة ممكن إقامته بالقياس الصحيح الذي شرع حجة بلا معارضة حتى إذا تعارض القياسان حل له العمل بما يقع في قلبه أنه الحق، ولهذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في القسم الرابع: ان خبر الفاسق حجة وإن كان واحداً. واما الحجة لأبي حنيفة ﵁ في القسم الرابع: أن المخبر عنه من جنس الأول لأنه خبر عن تصرف المالك بحكم ملكه فإن له الإطلاق والحجر، إلا أن في هذا إلزاماً عدم في الإطلاق ذلك، فأشبه من هذا الوجه القسم الثاني من حقوق الناس التي تجب لهم وعليهم فصار بينهما، فشرط لصحته أحد شرطي الشهادة من عدد أو عدالة بخلاف الرسول فإن قوله وحده حجة في هذا الباب وإن كان فاسقاً، لأن الموكل قد يبدو له في العزل للوكيل، فلا يجد عدلاً ولا اثنين فلو لم تقبل رسالة الفاسق لضاق الأمر على

стр. 171

الناس ولما أمكن ذا الحق تدارك حقه وهذا المعنى معدوم في حق المخبر لأنه يخبر من عند نفسه وماله حق يفوته إذا كذب، ولو أراد ذو الحق تدارك حقه لأرسله فلما لم يرسله؛ والعزل غير صحيح على غيب، علم أنه ما قصد التدارك. فإن قيل: فما الفائدة في زيادة العدد مع قيام الفسق؟ قلنا: كما قلنا في الشهادة مع قيام العدالة في الواحد والاثنين، وقد نص محمد بن الحسن في كتاب "الاستحسان" في ماء أخبره رجل بنجاسته والآخر بطهارته، وأحدهما فاسق والآخر عدل: أن خبر العدل أولى، وإن كانا فاسقين: توقف، وغن كان أحد الفريقين رجلين: فخبرهما أولى فرجح بالزيادة كما رجح بالعدالة، وكذلك إذا اختلف المزكون في جرح الشاهد وتعديله، ومن جانب رجلان، ومن جانب رجل فقول الرجلين أولى، والله أعلم.

стр. 172

باب القول في أقسام الرواة الذين تقبل روايتهم الراوي إما أن يكون معروفاً بعلمه ونسبه، أو مجهولاً ما عرف إلا بحديث رواه أو بحديثين. ثم كل واحد منهما إما أن يكون ظهر من الصحابة أو السلف ﵃. رد عليه أو قبول منه. فيصيرون أقساماً أربعة. أما المشهورون: فنحو الخلفاء الراشدين، والعبادلة الثلاثة ﵃. وأما المجهولون: فنحو معقل بن يسار، وسلمة بن المحق، ووابصة بن معبد، وسائر الأعراب الذين ما عرفوا إلا بما رووا. ثم خبر المشهور حجة ما لم يخالف القياس الصحيح. فإذا خالف نظر: فإن كان الراوي من أهل الفقه والرأي والاجتهاد رد القياس بخبره. وإن لم يكن من أهل الفقه والرأي رد خبره بالقياس. أما الأول فلأن الخبر أولى في الجملة من القياس، لأن الخبر في الأصل حجة يقيناً، وإنما وقع الإشكال في نقل الناقل والرأي في أصله إشكال في حق الإصابة، ولأن شبهة الرأي من حيث أنه لعله لم يبلغ حيث كان الحق، وشبهة الرواية من حيث قصد الكذب أو اعتراض نسيان، فيكون لا محالة بعارض فكان دون الذي يتوهم من قبل عدم علة الإصابة. ولأن القائس استشهد بوصف هو ساكت عن إيجاب ما ادعى، وإنما جعله شاهداً بضرب إشارة من الشرع والراوي استشهد بكلام مبين. فالرأي للقياس مقام السماع للخبر، وبينهما تفاوت في الإصابة. والوصف الذي به جمع القائس بين الأصل والفرع مقام النص المنقول وبينهما تفاوت في الإبانة وقد اشتهر من الصحابة والسلف ترك الرأي بالخبر الواحد، وإثبات الحكم بخلاف القياس فسموه معدولاً به عن القياس وأبوا القياس عليه. وأما الذي ليس من أهل الفقه، فلأنه قد ثبت ثبوتاً ظاهراً الرد على أبي هريرة بالقياس، وكان ﵁ من المشهورين المعدلين روى أبو هريرة ﵁: "الوضوء مما مسته النار"، فقال عبد الله بن عباس ﵄: أنتوضأ من الماء

стр. 173

السخن أو نتوضأ من دهن ندهن به؟ فرده بالقياس، ولم يشتغل بالسنة ولو كان لا يجوز الرد بالقياس لما احتج به أو كانت عنده سنة لما سكت عن أقوى الدليلين أو لكان يتفحص عن التاريخ ليعمل بالآخر منهما، ولأن السنة المروية بخلاف هذا أن النبي ﷺ أتي بكتف مؤربة فأكلها وصلى، ولم يتوضأ وأنه يوجب تخصيصه في حق اللحم لا رده. فإن قيل: وقد قال له أبو هريرة: إذا رويت لك الحديث فلا تضرب له الأمثال! قلنا: نعم، ولكن أبو هريرة ﵁ وإن جل قدره فلا يعارض مع ابن عباس في الفقه والعلم، فقد ظهر آثار ابن عباس ظهوراً ما يخفى على أحد وما لأبي هريرة إلا الرواية، وكان عمر يستشيره في أكثر الحوادث وكان يقدمه على كبار من الصحابة ﵃، وكان يقول: غص يا غواص، ويقول: شنشنة أعرفها من أخزم، وهو مثل تمثلت به العرب لتشبيه الولد بوالده، وكان يريد به مدحه على رأيه. فقد قيل: لم يكن لقريش رأي مثل رأي ابن العباس ﵁ ألا ترى أن السلف الصالحين عملوا برد ابن عباس دون رواية أبي هريرة فصار إجماعاً. وكذلك روى أبو هريرة أن ولد الزنا شر الثلاثة، فردت عائشة ﵂ بقول الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وإنها عامة تقبل التخصيص. وقال عامر الشعبي: لو كان شر الثلاثة لما انتظرنا بالحامل عن زنا إلى أن تلد، فرده بالقياس. وقال إبراهيم النخعي: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون. وعن عائشة ﵂ أنها قالت، وأشارت إلى أبي هريرة: ألا تعجب من هذا وكثرت حديثه إن رسول الله ﷺ كان يحدث حديثاً لو عده عاد لأحصاه. فثبت أن العدل ممن ترد روايته بالقياس إذا لم يكن ذا فقه، فإن أبا هريرة ما كان يشكل على أحد عدالته وكثرة صحبته مع رسول الله ﷺ حتى قال له رسول الله ﷺ : "زر غباً تزدد حباً" وكذلك حفظه فإنه روي أن رسول الله ﷺ : "دعا له بالحفظ" ومع ذلك رد حديثه بالقياس، لأنه لم يكن من أهل الاجتهاد، ووجه ذلك أنهم كانوا يستجيزون نقل الخبر بالمعنى على ما نذكر. ولما ظهر ذلك منهم احتمل كل حديث أن يكون نصه لفظ الراوي نقلاً لما فقه من المعنى. فإذا لم يكن فقيهاً صار متهماً بالغلط لما خالف معنى لفظه القياس الصحيح فالتحق برواية الصبي والمغفل فرد.

стр. 174

وإذا كان الراوي فقيهاً لم يتهم، وعلم أنه ما نقل بخلاف القياس بالاجتهاد فإنه عليم بطريقه وعامل به، فلا يظن به تركه برأيه بل بمحكم نص ما احتمل الموافقة، ولهذا رد علماؤنا حديث المصراة، وبيع العرية بالقياس فإنهما لم ينقلا عن فقيه. ولما ثبت ما قلنا في رواية أبي هريرة فمن لم يبلغه في المنزلة شهرة وصحبة مع الرسول ﷺ ، وهو مثله في باب الرأي والفقه أولى به إلا أن يكون حديثاً نقل السلف عنهم وعملوا به، لأنهم كانوا أهل فقه وضبط وتقوى وكان ظهر منهم رد ما خالف القياس من روايتهم، فيدل قبولهم الواحد من بين الجملة على عملهم بصحته من طريق آخر. وأما المجهول فخبره حجة إن نقل عنه السلف، وعملوا به لما ذكرنا في الباب الأول. وكذلك إن سكتوا عن الرد وإن لم يظهر العمل به لأن النقل للعمل به في الأصل، ولو كان مما لا يجوز العمل به في الأصل لما كان يحل لهم السكوت عن بيانه والوقت وقت الحاجة إليه. فأما قبل الظهور فيعمل به إن وافق القياس ولا يعمل به إن خالف لأنه في الرتبة دون أبي هريرة بكثير، بدليل ما روي أن معقل بن يسار روى أن النبي ﷺ قضى في بروع بنت واشق الأشجعية بمثل قضاء عبد الله بن مسعود ﵁ بمهر المثل لامرأة كان مات عنها زوجها قبل الدخول بها ولم يكن سمى لها مهراً، فسر عبد الله بذلك وقبله لما وافق رأيه، ورده علي ﵁ لما خالف رأيه. فإن قيل: كيف تقبل روايته وهو مجهول لم تظهر عدالته ولا ضبطه؟ قلنا: رواية المشهور بالعدالة عنه من غير رد عليه تعديل إياه، ولأن الأصل في العقلاء العدالة والضبط حتى يثبت غيره من واحد على الخصوص أو الجنس على العموم فيصير كل واحد منهم متهماً به وهذا المجهول ما عرف بذلك على الخصوص، وكان من قرن كان الغالب عليهم العدالة والضبط، وهو قرن رسول الله ﷺ وعلى هذا أمر التابعين والصالحين على ما قال النبي ﷺ : "خير الناس رهطي الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب" فأما اليوم فرواية المجهول لا تقبل حتى تظهر عدالته لغلبة الفسق. وعلى هذا تأويل قول أبي حنيفة ﵁ في الشاهد أنه يقضى به قبل التعديل، لأنه كان في القرن الثالث.

стр. 175

على أن الخبر المحتمل للكذب والصدق لا يكون باطلاً بل يجب التثبت فيه ليتبين، فإذا وافق القياس ترجحت جهة صدقه فيكون حجة من الكل. ويحتمل أن يقال: أن خبر المشهور حجة ما لم يخالف القياس، وخبر المجهول مردود ما لم يؤيد بالقياس ليقع الفرق بين الذي ظهرت عدالته والذي لم تظهر ليكون رد العدل لعارض تهمة وقبول غير العدل بعارض دليل. قال عيسى بن أبان في حديث عمر ﵁ حين روت فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ لم يقض لها بنفقة ولا سكنى- وكانت طلبت النفقة في العدة عن طلاق بائن- قال عمر ﵁: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت، أحفظت أم نسيت؟ أنه أراد بالكتاب والسنة القول بالقياس فإنه ثابت بالكتاب والسنة على ما نذكر، إذ لو كان عنده خبر يخالفه لروي، ولكان أيضاً يشتغل بالتاريخ ليعمل بآخرهما، وقد قبل هذا الحديث من وافق قياسه هذا الخبر. فإن قيل: عمر ﵁ إنما رد حديثها بتهمة الكذب والنسيان وبهما يرد كل خبر وإن وافق القياس! قلنا: لو أراد به ذلك لقال: لا نقبل، ولما قال: لا ندع كتاب ربنا، فلما ذكر الكتاب- والمراد به القياس- علم أنه رد بسبب مخالفة القياس. ولأنه قال: لا ندري هذا من هذا، وهذا حكم الجهالة بحالها لا حكم العمل بالكذب، والله أعلم.

стр. 176

باب القول في شرائط الراوي الشرائط أربعة: العقل، والضبط، والعدالة، والإسلام. أما العقل: فلأن الكلام اسم في الشاهد لحروف مجموعة وضعت أعلاماً على المسميات، فما لم يعقل، ولم يميز الاسم عن الاسم لم يوجد منه إلا الصورة بلا معنى، فلا يكون كلاماً، كالآدمي لما كان اسماً لصورة لها معنى لم تكن الصورة من خشب آدمياً، فالعقل والمعرفة أصل لصحة الكلام من المتكلم ولهذا لا يعد صياح الطيور كلاماً، وإن انتظم له حروف وسمي ألحاناً، وكذلك الإنسان إذا نظم حروفاً فصاح بها بما ليست بلغة لم يسم متكلماً. وأما الضبط: فلأن الباب لبيان قسم ما هو خبر والصحيح من الخبر الذي يتعلق به موجبه صدقه لا كذبه، والصدق لا يتصور إلا بعد ضبط لما سمع إلى أن نقل، فكان معنى الصدق للخبر ليثبت به موجبه لمعنى المعرفة لأصل الكلام. وأما العدالة: فلأن السامع بعد المعرفة والضبط قد يصدق وقد يكذب، وهذا الباب لبيان خبر من هو غير معصوم عن الكذب فلا يصير خبره حجة على احتمال الكذب والصدق حتى يترجح جهة صدقه على كذبه وذلك بالعدالة، فإن تفسير العدل: من اتقى محظور اعتقاده، والكذب محظور عقده عقلاً وشرعاً، فيكون منفياً عنه بظاهر عدالته فتصير جهة الصدق راجحة، فيجب العمل بها. وأما الإسلام: فلأن الباب لبيان رواية أحكام الشرع، ومن خالفنا ديناً يعادينا على شريعتنا بغير حق، عداوة لا تكون بعدها نهاية، والعداوة بغير حق تبعت العدو على السعي لرده ما أمكن فيصير متهماً بالكذب على شريعتنا ليهدمها بما ليس بشرع. فهذه تهمة كذب لا بنقصان حال ولكن بزيادة حال، وهو العداوة حتى لم تقبل شهادتهم بحق على المسلمين، ولهذا لا تقبل شهادة ذي ضغن بغير حق على أخيه، ولا شهادة الأب لولده لأن شفقة الوالد تبعثه على الكذب لولده كما لا تقبل إذا شهد لنفسه، والله أعلم.

стр. 177

باب القول في حدود هذه الشروط أما العقل: فأصله في نفسه إنما يعرف باختبار الإنسان فيما يأتيه ويذره الخبر الذي لا ينال بالحواس فإن الفعل أو الترك قد يكون بحكمة وعاقبة حميدة، وبغير حكمة كما يكون من البهائم وبالعقل ما يوقف على العواقب الحميدة، والحكم الباطنة التي لا تنال بالحواس فيظهر عقله بوقوع فعله على سنن أفعال العقلاء. إلا أنه في أصله معدوم فينا جبلة ثم يحدث شيئاً فشيئاً، وكان يتعذر علينا ضبطه من كل صبي. فحد الشرع لاعتداله حداً بالبلوغ تيسيراً علينا ونظراً للصبي حتى لا يبقى في عهدة الخطاب لعلم الله تعالى باعتدال العقول بالبلوغ في أغلب العادات، فإنه العلام بما وضع فينا وخلقنا عليه فصار الصبي شرعاً دليلاً. على أنه في حكم من لا عقل له فيما يخاف لحوق عهدة به دون ما لا يخاف، لأن الله تعالى حكم به نظراً له لا عقوبة. لأن الصبا سبب المرحمة دون العقوبة فلم يقبل خبره في نقل الشريعة وفيه أعظم عهدة. ولأن الشرع لما لم يوله أموره في ماله لنقصان عقله فلأن لا يوليه أمر شرعه أولى فصار العاقل المطلق أعنى به حقيقة وشرعاً العاقل البالغ. فأما المجنون بعد البلوغ فضد العاقل حقيقة، والمعتوه بمنزلة الصبي، لأن نقصان العقل بالعته فوق نقصان العقل بالصبا فلا يدخلان تحت اسم العاقل مطلقاً. فصار العاقل نوعين: من عد في العقلاء بظاهر تمييزه كالصبي والمعتوه. ومن عد عاقلاً باعتدال حاله وذلك بزوال سبب النقصان وهو الصبا وانعدام آفة العته، فهذا هو العاقل المطلق. فأما الأول فعاقل من وجه دون وجه لمصاحبته ما ينافيه، والشرط هو العقل المطلق الثابت حقيقة وشرعاً والعقل كالشهاب لبصر القلب، فيرى القلب مع نور العقل ما غاب عن الحواس أي يعلم إذا نظر وذلك بتفكيره وتمييزه. وأما العدالة: فتفسيرها: الاستقامة، يقال: طريق عادل لطريق الجادة، ومنه عدل

стр. 178

العاملين، إذا أتوا بالسيرة على الاستقامة غير ممالة عن سنن الإنصاف والحق. وضد العدل: الجور، وهو الميل، ويقال: طريق جائر إذا كان من البنيات. وضد العدالة الفسق، وهو: الخروج عن الحد الذي جعل له. والعدالة أيضاً قسمان: أ- عدالة ظاهرة يحكم بها للمرء بعقله ودينه فإنهما حجتا الله تعالى عليه فإذا وجدهما المرء دل ظاهر حاله على العمل بهما جميعاً فكان عدلاً ظاهراً. ب- وعدالة باطنة يوقف عليها بالنظر في باطن معاملاته، فإذا وجدناه لا يرتكب ما اعتقده حراماً بدينه وعقله كان عدلاً، لاستقامته على سواء الحجة، وترجح جهة صدقه من خبره لأن الكذب محظور دينه وعقله وقد ظهر منه الانزجار عن المحظور. وبهذه العدالة يصير الخبر حجة لأن الظاهر الأول يعارضه مثله، وهو هوى النفس فإنه الأصل قبل العقل، وحين رزق العقل والنهى ما زايله الهوى، فيصير الرجل عدلاً من وجه دون وجه كالصبي والمعتوه من باب العقلاء فلا يدخل تحت الاسم المطلق حتى يظهر بالتجربة رجحان دليل العقل على الهوى، وذلك بالتأمل في باطن أمره. ثم محمد بن الحسن- ﵀ ذكر في باب الشهادات: أن الرجل إذا ارتكب فاحشة كبيرة ذهبت عدالته بنفس الارتكاب، وإذا لم يكن أمراً فاحشاً لم تذهب عدالته إلا بالإدمان عليه. وهذا لأن الأصل أن الارتكاب قل أم فحش مما يزيل العدالة لأنه خروج عن حده وميل إلى ما ليس له إلا أنه يتعذر عليه الانزجار عن الصغائر أجمع، فلو شرط الانزجار عن الصغائر مطلقاً لإثبات العدالة ما أمكن إثباتها إلا نادراً لأن لله تعالى في كل لحظة أمراً ونهياً فلم يشترط تيسيراً، إلا أن يدوم لأن الرجوع غير متعذر، والدوام لا يقع إلا عن قصد لا عذر فيه فيصير في حكم الفاحش الذي هو في نفسه لا يكثر وقوعه ولا يتعذر الانزجار عنه. ولهذا لا يسلب اسم العدالة من صاحب الهوى في الدين وإن كان ضالاً عندنا، وفسق اعتقاداً لأنه صار إليه لغلوه في طلب الحق وشدة عمله بالحجة، إلا أنه التبس عليه فغلط لا أنه خالف عقيدته، والغلو في الدين يدل على شدة اتباع الحجة، فيدل على تأكد جهة الصدق الذي قامت عليه حجته. وكذلك يجعل الكافر عدلاً لأنه ما خالف عقيدته ولكن لا تقبل على المسلم خبره

стр. 179

لعداوته معنا بغير حق أو لانقطاع ولايته لا لزوال عدالته فيما يظهر من أقواله وأفعاله، ففسق الاعتقاد تديناً لا يدل على فسق لا تدين به بحال. وكذلك لا تسلب العدالة بالرق، ولا بالأنوثة، ولا بالعمى لأن هذه الأوصاف لا تدل على ترك التقوى، والعمل بالهوى بخلاف الهدى، وإنما تدل على الكذب الذي هو خلاف عقده تعاطيه بخلاف ما اعتقده حراماً بدينه وعقله لا غير. وأما الضبط: فعبارة عن حزم في باب العلم، وله طرفان: أ- طرف وقوع العلم له حين السماع. ب- وطرف الحفظ بعد العلم حين التكلم. حتى إذا سمع المرء ولم يعلم لم يكن شيئاً معتبراً كما لو سمع صياحاً لا معنى له فإذا لم يفهم اللفظ بمعناه على الحقيقة كان بين الصحة والفساد ولم يكن ضبطاً وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع لم يكن ضبطاً. ثم الضبط نوعان: ظاهر وباطن. فأما الظاهر: فضبط المتن بمعناه، من حيث اللغة. وأما الباطن: فضبط الشيء بمعناه من حيث نطق به الحكم الشرعي، وهو الفقه، وهذا مما لا يوقف عليه إلا بعد التجربة في مسائل الفقه، ومعاني لسان العرب. ومطلق الضبط الذي هو شرط الراوي هو الضبط ظاهراً وباطناً كالعدالة والعقل وهذا لأنه جائز نقل الخبر بالمعنى على ما يأتيك بيانه فيلحقه تهمة تبديل المتن بلفظه قل فقه المعنى لغة وضبطه فلا تقبل، كما لو لحقه تخمة تبديل المتن بروايته قبل الحفظ أو قبل العلم حين سمع، وأما من حيث فقه الشرع فيوجب ضرب وهن يجب اعتباره إذا خالفه الفقه وهو القياس على ما مر. فإن قيل: أليس القرآن يصح نقله ممن لا يفهم معناه؟ قلنا: لأن القرآن معجزة، وإعجازه في نظمه كذلك فلم يجز نقله بالمعنى، فلم يشترط لصحة نقله علم معناه، وكذلك القرآن له حرمة متعلقة بعين النظم حتى حرمت قراءته كذلك على الحائض والجنب ولم يحرم نقل معناه عليهما، كذلك جواز الصلاة في قول الأكثرين متعلق بالعين دون المعنى، وأما خبر الرسول فحجة بمعناه وجائز نقل الخبر بمعناه فيشترط لصحة نقله ضبط المعنى. وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إن الشهادة لا تصح بالإشهاد حتى يعلم الشاهد ما في الكتاب. ويدل عليه أن من لا يفقه لغة العرب قلما نقل المسموع منها على وجهه فيصير متهماً بالتبديل، ولم يبلغنا أن القرآن أثبت ابتداءً بنقل من لا يحسن لغة العرب.

стр. 180

ولأنه لا يثبت إلا بنقل متواتر يرفع شبهة التبديل بتهمة الجهل بالمعنى. ولأن ناقل القرآن عن جهل لا يقدر عليه إلا بعد الجهد لحفظه سنين كثيرة، ولو ظهر مثله في الحفظ عن رسول الله ﷺ قبل. ولهذا قلت الرواية من كبار الصحابة وكانوا يمتنعون عن كثرة الرواية. قال أبو بكر الصديق ﵁: "إذا سئلتم عن شيء فلا ترووا، ردوا الناس إلى كتاب الله تعالى". وعن عمر ﵁: "لو حدثتم فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم". وكان زيد بن أرقم إذا سئل عن الحديث عن رسول الله ﷺ امتنع وقال: "كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله ﷺ شديد". وعن عمرو بن ميمون: جالست عبد الله بن مسعود سنة فما سمعته يروي عن رسول الله ﷺ إلا مرة واحدة فقال: سمعت رسول الله ﷺ ثم أخذه البهر والعرق- ثم قال: هذا أو نحوه أو قريباً منه أو كما قال. وكان أبو هريرة ﵁ يكثر الرواية وكان يرد عليه به، قالت عائشة ﵂ وأشارت إلى أبي هريرة ﵁: أما تعجب من هذا وكثرة روايته ما تكلم رسول الله ﷺ إلا بكلمات لو عدها عاد لأحصاها. أو نحواً من ذلك. وكانوا يستدلون بكثرة الرواية على قلة المبالاة بموضع التوقف للحزم. وهذا باب معتبر حتى قيل- فيمن يعتاد فعل مباحات بحرم المروءة وآداب النفس نحو الأكل في الأسواق وقضاء حاجته بينهم-: أنه لا تقبل شهادته لقلة مبالاته. وعن عبد الله بن عباس ﵄: "كنا نروي عن رسول الله ﷺ حتى ركب الناس الصعب والذلول فتركنا الرواية". اللفظ كما هو، وقد تكلم أهل الأخبار في هذا الباب فأطالوا واقتصرنا نحن على الإشارة إلى ما فيه الضبط والدين والورع. وأما الإسلام: فاسم لهذه الشريعة وإنه نوعان: أ- ظاهر وهو بالميلاد في المسلمين والنشوء بينهم على طريقهم شهادة عبادة. ب- وباطن لا يوقف عليه إلا باستيصاف الصانع عز ذكره، فإذا وصفه بجميع أسمائه وصفاته التي لا بد من وجودها للألوهية عن علم لا تلقن، كان مسلماً على الحقيقة، وإذا لم يعلم شيئاً منها كان كافراً. قال محمد بن الحسن- ﵀ في المرأة إذا بلغت فاستوصفت فلم تصف أنها تبين من زوجها، وإن كنا حكمنا بصحة النكاح بناء على ظاهر الإسلام، وهذا لأن الشرط
следующие страницы →