Полный текст (460 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
باب
القول في شرائط الراوي
الشرائط أربعة: العقل، والضبط، والعدالة، والإسلام.
أما العقل: فلأن الكلام اسم في الشاهد لحروف مجموعة وضعت أعلاماً على المسميات، فما لم يعقل، ولم يميز الاسم عن الاسم لم يوجد منه إلا الصورة بلا معنى، فلا يكون كلاماً، كالآدمي لما كان اسماً لصورة لها معنى لم تكن الصورة من خشب آدمياً، فالعقل والمعرفة أصل لصحة الكلام من المتكلم ولهذا لا يعد صياح الطيور كلاماً، وإن انتظم له حروف وسمي ألحاناً، وكذلك الإنسان إذا نظم حروفاً فصاح بها بما ليست بلغة لم يسم متكلماً.
وأما الضبط: فلأن الباب لبيان قسم ما هو خبر والصحيح من الخبر الذي يتعلق به موجبه صدقه لا كذبه، والصدق لا يتصور إلا بعد ضبط لما سمع إلى أن نقل، فكان معنى الصدق للخبر ليثبت به موجبه لمعنى المعرفة لأصل الكلام.
وأما العدالة: فلأن السامع بعد المعرفة والضبط قد يصدق وقد يكذب، وهذا الباب لبيان خبر من هو غير معصوم عن الكذب فلا يصير خبره حجة على احتمال الكذب والصدق حتى يترجح جهة صدقه على كذبه وذلك بالعدالة، فإن تفسير العدل: من اتقى محظور اعتقاده، والكذب محظور عقده عقلاً وشرعاً، فيكون منفياً عنه بظاهر عدالته فتصير جهة الصدق راجحة، فيجب العمل بها.
وأما الإسلام: فلأن الباب لبيان رواية أحكام الشرع، ومن خالفنا ديناً يعادينا على شريعتنا بغير حق، عداوة لا تكون بعدها نهاية، والعداوة بغير حق تبعت العدو على السعي لرده ما أمكن فيصير متهماً بالكذب على شريعتنا ليهدمها بما ليس بشرع.
فهذه تهمة كذب لا بنقصان حال ولكن بزيادة حال، وهو العداوة حتى لم تقبل شهادتهم بحق على المسلمين، ولهذا لا تقبل شهادة ذي ضغن بغير حق على أخيه، ولا شهادة الأب لولده لأن شفقة الوالد تبعثه على الكذب لولده كما لا تقبل إذا شهد لنفسه، والله أعلم.
стр. 177
باب
القول في حدود هذه الشروط
أما العقل: فأصله في نفسه إنما يعرف باختبار الإنسان فيما يأتيه ويذره الخبر الذي لا ينال بالحواس فإن الفعل أو الترك قد يكون بحكمة وعاقبة حميدة، وبغير حكمة كما يكون من البهائم وبالعقل ما يوقف على العواقب الحميدة، والحكم الباطنة التي لا تنال بالحواس فيظهر عقله بوقوع فعله على سنن أفعال العقلاء.
إلا أنه في أصله معدوم فينا جبلة ثم يحدث شيئاً فشيئاً، وكان يتعذر علينا ضبطه من كل صبي.
فحد الشرع لاعتداله حداً بالبلوغ تيسيراً علينا ونظراً للصبي حتى لا يبقى في عهدة الخطاب لعلم الله تعالى باعتدال العقول بالبلوغ في أغلب العادات، فإنه العلام بما وضع فينا وخلقنا عليه فصار الصبي شرعاً دليلاً.
على أنه في حكم من لا عقل له فيما يخاف لحوق عهدة به دون ما لا يخاف، لأن الله تعالى حكم به نظراً له لا عقوبة.
لأن الصبا سبب المرحمة دون العقوبة فلم يقبل خبره في نقل الشريعة وفيه أعظم عهدة.
ولأن الشرع لما لم يوله أموره في ماله لنقصان عقله فلأن لا يوليه أمر شرعه أولى فصار العاقل المطلق أعنى به حقيقة وشرعاً العاقل البالغ.
فأما المجنون بعد البلوغ فضد العاقل حقيقة، والمعتوه بمنزلة الصبي، لأن نقصان العقل بالعته فوق نقصان العقل بالصبا فلا يدخلان تحت اسم العاقل مطلقاً.
فصار العاقل نوعين: من عد في العقلاء بظاهر تمييزه كالصبي والمعتوه.
ومن عد عاقلاً باعتدال حاله وذلك بزوال سبب النقصان وهو الصبا وانعدام آفة العته، فهذا هو العاقل المطلق.
فأما الأول فعاقل من وجه دون وجه لمصاحبته ما ينافيه، والشرط هو العقل المطلق الثابت حقيقة وشرعاً والعقل كالشهاب لبصر القلب، فيرى القلب مع نور العقل ما غاب عن الحواس أي يعلم إذا نظر وذلك بتفكيره وتمييزه.
وأما العدالة: فتفسيرها: الاستقامة، يقال: طريق عادل لطريق الجادة، ومنه عدل
стр. 178
العاملين، إذا أتوا بالسيرة على الاستقامة غير ممالة عن سنن الإنصاف والحق.
وضد العدل: الجور، وهو الميل، ويقال: طريق جائر إذا كان من البنيات.
وضد العدالة الفسق، وهو: الخروج عن الحد الذي جعل له.
والعدالة أيضاً قسمان:
أ- عدالة ظاهرة يحكم بها للمرء بعقله ودينه فإنهما حجتا الله تعالى عليه فإذا وجدهما المرء دل ظاهر حاله على العمل بهما جميعاً فكان عدلاً ظاهراً.
ب- وعدالة باطنة يوقف عليها بالنظر في باطن معاملاته، فإذا وجدناه لا يرتكب ما اعتقده حراماً بدينه وعقله كان عدلاً، لاستقامته على سواء الحجة، وترجح جهة صدقه من خبره لأن الكذب محظور دينه وعقله وقد ظهر منه الانزجار عن المحظور.
وبهذه العدالة يصير الخبر حجة لأن الظاهر الأول يعارضه مثله، وهو هوى النفس فإنه الأصل قبل العقل، وحين رزق العقل والنهى ما زايله الهوى، فيصير الرجل عدلاً من وجه دون وجه كالصبي والمعتوه من باب العقلاء فلا يدخل تحت الاسم المطلق حتى يظهر بالتجربة رجحان دليل العقل على الهوى، وذلك بالتأمل في باطن أمره.
ثم محمد بن الحسن- ﵀ ذكر في باب الشهادات: أن الرجل إذا ارتكب فاحشة كبيرة ذهبت عدالته بنفس الارتكاب، وإذا لم يكن أمراً فاحشاً لم تذهب عدالته إلا بالإدمان عليه.
وهذا لأن الأصل أن الارتكاب قل أم فحش مما يزيل العدالة لأنه خروج عن حده وميل إلى ما ليس له إلا أنه يتعذر عليه الانزجار عن الصغائر أجمع، فلو شرط الانزجار عن الصغائر مطلقاً لإثبات العدالة ما أمكن إثباتها إلا نادراً لأن لله تعالى في كل لحظة أمراً ونهياً فلم يشترط تيسيراً، إلا أن يدوم لأن الرجوع غير متعذر، والدوام لا يقع إلا عن قصد لا عذر فيه فيصير في حكم الفاحش الذي هو في نفسه لا يكثر وقوعه ولا يتعذر الانزجار عنه.
ولهذا لا يسلب اسم العدالة من صاحب الهوى في الدين وإن كان ضالاً عندنا، وفسق اعتقاداً لأنه صار إليه لغلوه في طلب الحق وشدة عمله بالحجة، إلا أنه التبس عليه فغلط لا أنه خالف عقيدته، والغلو في الدين يدل على شدة اتباع الحجة، فيدل على تأكد جهة الصدق الذي قامت عليه حجته.
وكذلك يجعل الكافر عدلاً لأنه ما خالف عقيدته ولكن لا تقبل على المسلم خبره
стр. 179
لعداوته معنا بغير حق أو لانقطاع ولايته لا لزوال عدالته فيما يظهر من أقواله وأفعاله، ففسق الاعتقاد تديناً لا يدل على فسق لا تدين به بحال.
وكذلك لا تسلب العدالة بالرق، ولا بالأنوثة، ولا بالعمى لأن هذه الأوصاف لا تدل على ترك التقوى، والعمل بالهوى بخلاف الهدى، وإنما تدل على الكذب الذي هو خلاف عقده تعاطيه بخلاف ما اعتقده حراماً بدينه وعقله لا غير.
وأما الضبط: فعبارة عن حزم في باب العلم، وله طرفان:
أ- طرف وقوع العلم له حين السماع.
ب- وطرف الحفظ بعد العلم حين التكلم.
حتى إذا سمع المرء ولم يعلم لم يكن شيئاً معتبراً كما لو سمع صياحاً لا معنى له فإذا لم يفهم اللفظ بمعناه على الحقيقة كان بين الصحة والفساد ولم يكن ضبطاً وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع لم يكن ضبطاً.
ثم الضبط نوعان: ظاهر وباطن.
فأما الظاهر: فضبط المتن بمعناه، من حيث اللغة.
وأما الباطن: فضبط الشيء بمعناه من حيث نطق به الحكم الشرعي، وهو الفقه، وهذا مما لا يوقف عليه إلا بعد التجربة في مسائل الفقه، ومعاني لسان العرب.
ومطلق الضبط الذي هو شرط الراوي هو الضبط ظاهراً وباطناً كالعدالة والعقل وهذا لأنه جائز نقل الخبر بالمعنى على ما يأتيك بيانه فيلحقه تهمة تبديل المتن بلفظه قل فقه المعنى لغة وضبطه فلا تقبل، كما لو لحقه تخمة تبديل المتن بروايته قبل الحفظ أو قبل العلم حين سمع، وأما من حيث فقه الشرع فيوجب ضرب وهن يجب اعتباره إذا خالفه الفقه وهو القياس على ما مر.
فإن قيل: أليس القرآن يصح نقله ممن لا يفهم معناه؟
قلنا: لأن القرآن معجزة، وإعجازه في نظمه كذلك فلم يجز نقله بالمعنى، فلم يشترط لصحة نقله علم معناه، وكذلك القرآن له حرمة متعلقة بعين النظم حتى حرمت قراءته كذلك على الحائض والجنب ولم يحرم نقل معناه عليهما، كذلك جواز الصلاة في قول الأكثرين متعلق بالعين دون المعنى، وأما خبر الرسول فحجة بمعناه وجائز نقل الخبر بمعناه فيشترط لصحة نقله ضبط المعنى.
وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إن الشهادة لا تصح بالإشهاد حتى يعلم الشاهد ما في الكتاب. ويدل عليه أن من لا يفقه لغة العرب قلما نقل المسموع منها على وجهه فيصير متهماً بالتبديل، ولم يبلغنا أن القرآن أثبت ابتداءً بنقل من لا يحسن لغة العرب.
стр. 180
ولأنه لا يثبت إلا بنقل متواتر يرفع شبهة التبديل بتهمة الجهل بالمعنى.
ولأن ناقل القرآن عن جهل لا يقدر عليه إلا بعد الجهد لحفظه سنين كثيرة، ولو ظهر مثله في الحفظ عن رسول الله ﷺ قبل.
ولهذا قلت الرواية من كبار الصحابة وكانوا يمتنعون عن كثرة الرواية.
قال أبو بكر الصديق ﵁: "إذا سئلتم عن شيء فلا ترووا، ردوا الناس إلى كتاب الله تعالى".
وعن عمر ﵁: "لو حدثتم فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم".
وكان زيد بن أرقم إذا سئل عن الحديث عن رسول الله ﷺ امتنع وقال: "كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله ﷺ شديد".
وعن عمرو بن ميمون: جالست عبد الله بن مسعود سنة فما سمعته يروي عن رسول الله ﷺ إلا مرة واحدة فقال: سمعت رسول الله ﷺ ثم أخذه البهر والعرق- ثم قال: هذا أو نحوه أو قريباً منه أو كما قال.
وكان أبو هريرة ﵁ يكثر الرواية وكان يرد عليه به، قالت عائشة ﵂ وأشارت إلى أبي هريرة ﵁: أما تعجب من هذا وكثرة روايته ما تكلم رسول الله ﷺ إلا بكلمات لو عدها عاد لأحصاها. أو نحواً من ذلك. وكانوا يستدلون بكثرة الرواية على قلة المبالاة بموضع التوقف للحزم.
وهذا باب معتبر حتى قيل- فيمن يعتاد فعل مباحات بحرم المروءة وآداب النفس نحو الأكل في الأسواق وقضاء حاجته بينهم-: أنه لا تقبل شهادته لقلة مبالاته.
وعن عبد الله بن عباس ﵄: "كنا نروي عن رسول الله ﷺ حتى ركب الناس الصعب والذلول فتركنا الرواية". اللفظ كما هو، وقد تكلم أهل الأخبار في هذا الباب فأطالوا واقتصرنا نحن على الإشارة إلى ما فيه الضبط والدين والورع.
وأما الإسلام: فاسم لهذه الشريعة وإنه نوعان:
أ- ظاهر وهو بالميلاد في المسلمين والنشوء بينهم على طريقهم شهادة عبادة.
ب- وباطن لا يوقف عليه إلا باستيصاف الصانع عز ذكره، فإذا وصفه بجميع أسمائه وصفاته التي لا بد من وجودها للألوهية عن علم لا تلقن، كان مسلماً على الحقيقة، وإذا لم يعلم شيئاً منها كان كافراً.
قال محمد بن الحسن- ﵀ في المرأة إذا بلغت فاستوصفت فلم تصف أنها تبين من زوجها، وإن كنا حكمنا بصحة النكاح بناء على ظاهر الإسلام، وهذا لأن الشرط
стр. 181
أن تعلم الله تعالى بأسمائه وصفاته، وحفظ اللغة غير العلم بالمعنى.
وكذلك من آمن برسالة محمد ثم لم يعرفه ولم يدر أي محمد هو فإنه لا يكون مؤمناً به ولا من أمته، وكالنصارى آمنوا بعيسى وهو ولد الله تعالى عندهم فلم يكن إيماناً بعيسى هو رسول الله ﷺ وعبده، وهذا من أهم العلوم فقد استخف الناس به ولا ينبغي ذلك.
فإن كان الرجل ممن له معرفة بالوصف لكنه عاجز عن العبارة عنه إذا سئل كان مسلماً حقيقة فيما بينه وبين ربه، إلا أنا لا نعرف باطنه فنحكم بكفره إذا عجز واستحساناً أن نستوصفه على سبيل التلقين، فنقول له: أليس الله بقادر وعالم أيضاً، وأيضاً حتى يسهل عليه الجواب به إذا وافق استفهامي ما قلبه وعلمه.
فإذا تمت هذه الشروط كان مقبول الرواية وإن كان عبداً، لأن الرق لا يؤثر في شيء من هذه الأوصاف وإنما لم تقبل شهادته لأنها مبنية على الولاية على غيره، والرق يسلب الولاية على الغير وإنما بنيت الولاية على غيره لأن فيها تنفيذ حكم قوله عليه، كما ينفذ بيع ماله وإجارته نفسه.
وأما أخبار الدين فإنها تلزم السامع باعتقاده أن الله تعالى إله تجب طاعته ومحمد رسول الله تجب طاعته وتصديقه وهذا كما يلزم القاضي الاستماع إلى خبر المدعي الكافر إذا ادعى وإلى إنكاره وإلى شهادته على الكافر ويلزمه القضاء به لأنه لا يلزمه بشهادة الشاهد فإن في لفظه إلزام المشهود عليه دون القاضي، وإنما يلزمه بقبول أمانة القضاء من الله تعالى بالشروع فيه.
وكذلك قول النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بقراءة" ما فيه إلزام السامع شيئاً لغة بل فيه إخبار عن صفة تقوم بها الصلاة كما تقول: لا خياطة إلا بإبرة، لم يكن هذا خطاباً يلزم السامع شيئا وإنما يلزمه ما يلزمه لاستعماله الخياطة باختياره فكذا السامع خبر الرسول ﷺ يلزمه بعقد أن ما قاله رسول الله ﷺ فهو حق يدان الله به.
ولما لم يكن فيه إلزام من الراوي لم يشترط قيام ولايته على السامع، ألا ترى أنا نسمع أخبار الحدود من النساء وما لهن من ولاية إقامة الحدود ولا شهادتها، ألا ترى أن كثيراً من الصحابة الذين هم موالي نقلوا أخباراً وتلقتها الأمة بقبولها ولم يتفحصوا عن التاريخ والنقل أنه كان قبل العتق أو بعده.
ولو كانت الحرية شرطاً لما كانت حجة حتى يعلم أن النقل كان بعد العتق.
وكان رسول الله ﷺ يجيب دعوة العبد المملوك، وما كان يجيب إلا بخبره أن
стр. 182
المولى أذن له به ولم يظهر أن رسول الله ﷺ استخبر المولى به ولو كان شرطا لنقل في الحديث ولم يجز الإعراض عنه.
وكذلك بريرة: كان يتصدق عليها وهي تهدى إلى رسول الله ﷺ وكان يقبل ويصدقها على ذلك.
وثبت أن رواية الأعمى مقبولة لأن العمى لا يوجب خللاً في العلم ولا في العبارة، بخلاف الشهادة لأنه يحتاج إلى تمييز المشهود له من المشهود عليه عند الأداء، والعمى يوجب خللاً فيه لأنه حال البصر يميز بالعيان والآن بالاستدلال، والراوي لا يحتاج إلى هذا التمييز.
ولأن باب الشهادة أضيق على ما مر في بيان شرط العدد ولفظ بعينه ليصير حجة، وهذا لأن الشاهد يلزم غيره ولا يلزم نفسه وراوي الخبر يلتزم كما يلزم غيره فجرى التزامه مجرى شاهد آخر معه.
ولأن كثيراً من الصحابة كف بصرهم وقبلت روايتهم بلا فحص عن التاريخ، منهم: عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع- ﵃.
وكذلك رواية النساء مقبولة لأنهن في الشهادات فوق العميان ثم قبلت رواية العميان فالنسوان أولى، ولأن النقصان قيهن في باب الشهادات بشرط زيادة العدد، وزيادة العدد لها عبرة في باب الشهادات، ولا عبرة لها في باب الروايات لأخبار الشرع، ألا ترى أن زيادة العدد شرط في شهادة الرجال وليس بشرط في روايتهم الأخبار.
ولأن شهادة القابلة حجة بانفرادها لضرب عذر، فباب الخبر أولى لأنه أوسع من كل شهادة.
ولأن الصحابة كانوا يسألون نساء النبي- ﷺ ورضي عنهن- فيما يختص بهن وكانوا يعملون بروايتهن وعائشة ﵂ كانت من علماء الصحابة رأياً ورواية، والله أعلم.
стр. 183
باب
القول في الرواية عن الخط وما فيه من بيان الضبط
قال القاضي: إما أن يكون الكتاب تذكرة، والرواية عن علمه بعد ما تذكر بالنظر فيه. أو يكون الكتاب إماماً لا يتذكر ما فيه.
وإذا كان تذكرة لم يخل عن تذكرة سماع أو كتاب إليه من الراوي بالحديث عنه أو رسالة أو إجازة.
فالسماع والإجازة ضرب والكتاب إليه والرسالة ضرب لا سماع فيهما حقيقة.
وإذا كان الكتاب إماماً فهو ضربان أيضاً:
إما أن يكون كتابه بسماعه وخطه أو سماعه بخط غيره والخط معروف، والكاتب ثقة أو سماع أبيه بخط أبيه أو راوي معروف بالرواية معروف الخط، فسماعه نوع وسماع غيره نوع.
أما إذا كان الكتاب للتذكرة قبلت الرواية لأنه لا فرق بين التذكر بالتفكر وبين التذكر بمذكر إذ في الحالين جميعاً روى عن ذكر ولا يمكن اشتراط أن لا ينسى لأن الإنسان لا يمكنه الاحتراز عنه، وكان رسول الله ﷺ مخصوصاً به على ما قال الله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ وعلى أنه قد استثنى ﴿إلا ما شاء الله﴾، وروي أنه كان يقرأ في الصلاة فتردد في آية.
وهذا إذا كان صحيحاً علمه ابتداء بأن كان سماعاً فعلى الحد الذي مر من قبل.
وأما إذا كان علمه بالكتاب إليه.
فإن كان كتاباً على وجهه على رسم الكتب وثبت الكتاب بحجة يثبت بمثله الكتاب وفيه: إذا جاءك كتابي هذا فحدث عني هذا الحديث بهذا الإسناد، حل له الرواية وقبلت منه روايته، وإن علمنا به، لأن الكتاب من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر، ألا ترى أن رسول الله ﷺ كان مأموراً بتبليغ الرسالة إلى الناس كافة، وبلغه مرة بالخطاب، ومرة بالكتاب ومرة بالرسالة، وكذلك اليوم يثبت بالكتاب من السلاطين إلى الرعية ولاية السلطنة والقضاء ويثبت به الوكالات، ويقع به الطلاق، والرسالة بمنزلة الكتاب بل أولى لأن الرسول يضبط كالكتاب ثم ينطق والكتاب لا ينطق.
وأما الإجازة فالرواية بها لا تحل حتى يعلم المجاز له ما في الكتاب ثم يقول الروي: أتعلم ما فيه؟ فيقول: نعم، ثم يجيز له الرواية عنه به.
стр. 184
فأما إذا قال له الراوي: أجزت لك الحديث عني بما فيه، والسامع غير عالم به فلا يحل له، فإنا قد ذكرنا أنه لو سمع، ولم يعلم لم يحل فكيف الإجازة.
وهذا كما قالوا في القاضي يشهد الشاهد على كتابه أو المقر على صك عليه، والشاهد لا علم له بما فيه أن شهادته باطلة.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف: جائز ذلك إذا كان الكتاب معلوماً بنفسه وصورته بحيث يعلم ما يزاد فيه أو ينقص منه، فأما ما كان على غير ذلك ينبغي أن لا يحل بحال لأنه لا يدري عند الشهادة أنه ذلك إلا أن يشهد على كتاب ويسلمه إلى الشاهد فيصير كالمختوم.
والاحتياط فيما قاله أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأنه إذا لم يعلم بما فيه كان الضبط بالخط والختم وكل ذلك يحتمل التغيير فإن الخط يشبه الخط والكتاب يشبه الكتاب وكذلك الختم.
ثم الإجازة إذا صحت كانت كالسماع وحلت الرواية بحدثنا، أو خبرنا جميعاً لأنهما خطاب.
فأما الكتاب والرسالة فإنما نقول: أخبرنا بكذا، ولا نقول: حدثنا، كما نقول: أخبرنا الله بما أنزله من كتاب ورسول، ولا نقول حدث ولا كلم، وكان موسى ﵇ مخصوصاً بالتكليم.
فأما إذا كان الكتاب إماماً فمن أهل الحديث من جعل الكتاب كالسماع، وقال: إذا وقع في علم الراوي أنه كتابه بسماعه وخطه ووثق به أو كتاب أبيه بخطه وله ثقة بعلمه بخط أبيه حلت له الرواية كما لو سمعه، وتذكر سماعه ما فيه، وعلى هذا يجب أن يحل له إذا علم أنه خط راو معروف فلا فرق بين خط أبيه وخط غيره.
وقال أبو يوسف في باب القضاء: إن القاضي إذا رأى خطه بقضاء فلم يتذكر حل له العمل بذلك إذا كان قمطره بخاتمه.
وقال أيضاً- في الشاهد- أنه يحل له أن يشهد بخطه وإن لم يتذكر. فعلى هذا تحل له الرواية بالخط وإن لم يتذكره.
وعلى قياس قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ أنه لا يحل له إلا بعد التذكر ولا تقبل روايته عن الخط بنفسه.
وهذا هو الصحيح لأن الخط في الأصل لم يوضع إلا للتذكرة فما في عينه إعلام وإنما الكتاب للقلب بمنزلة المرآة للعين، وإنه لا عبرة بالمرآة إذا لم تر بها العين وجهه فكذا الكتاب إذا لم يتذكر القلب به علماً.
стр. 185
وعن إبراهيم النخعي: أنهم كانوا يكرهون الكتابة ثم أباحوا بعد ذلك لكسل حدث بالناس، وكذلك القرآن كان محفوظاً بالقلوب ابتداء ثم كتب مخافة النسيان.
فإن قيل: أليس كتب ليحفظ به، فلو لم يكن عينه حجة على القارئ لما كان حافظاً؟
قلنا: التحفظ به على سبيل أنه مذكر كالمرآة على ما قلنا لا أنه حجة بنفسه فإن الخط غير ناطق بنفسه، ولكن مذكر بصورته وقد يشبه الخط الخط شبهاً لا يمكن التمييز بينهما فيقع بالبناء عليه ضرب شبهة يمكن الاحتراز عنه بالجد في الحفظ فلا يلغو اعتبار تلك الشبهة بنسيان يكون بالتقصير في الحفظ وما فسد دين الأديان إلا بالبناء على الصور دون المعاني.
ألا ترى أنا لا نقبل رواية الأخرس وإن كانت له إشارة معلومة معقولة لضرب شبهة فيها يقع الاحتراز عنها بغيره فاعتبرناها، ولم نعتبر فيما يتصرف لنفسه وعليه فيثبت بها النكاح والطلاق والعتاق لأنه لم يمكن الاحتراز عنها في حقه.
ألا ترى أنه لا فرق بين علمه بخطه وخط غيره ثم خط غيره لم يكن حجة فكذا خطه، فعلمنا أن الرواية عن كتاب لا تحل إلا عن ذكر سماع أو ما يقوم مقامه من كتاب إليه أو برسالة أو بالسماع بإجازة صحيحة على الوجه الذي فسرناها أو برواية المحدث له بلسانه أو القراءة عليه وتصديقه القارئ، وروي عن أبي حنيفة ﵁: إن قراءتك على الراوي أضبط من قراءة الراوي عليك فلعله يغفل فيقرأ خطأ وأنت لا تشعر لتداركه وتشعر بخطائك وتداركه بالإعادة.
فإن قيل: إذا قرأت على الراوي لم تأمن غفلة الراوي عن سماعك!
قلنا: الغفلة عن السماع أهون من الخطأ في القراءة فلما يمكن الاحتراز عنهما سقط اعتبار ما لم يمكن ووجب الاحتراز عن الأهم منهما، والله أعلم.
стр. 186
باب
القول في ضبط المتن ونقل الخبر بالمعنى
قال بعض أهل الحديث: ضبط المتن في مراعاة اللفظ ويحل له نقله بالمعنى عنده.
قال القاضي ﵀: وقد رأيت عن بعض أهل النظر أنهم قالوا: لفظ الراوي لا يكون حجة بل يطلب في تلك الحادثة لفظ رسول الله ﷺ فيحمل عليه لفظ الراوي. وهذا قول مهجور.
وقال جمهور العلماء: يجوز نقل الخبر بالمعنى في الجملة لكنه على أقسام أربعة تفصيلاً فتقول:
إن كان الخبر محكماً فإنه يجوز نقله بالمعنى لكل من سمعه من أهل اللسان.
وإن كان ظاهراً يحتمل غيرها ما ظهر لم يحل له النقل بالمعنى إلا للفقيه بعلم الشريعة وطرق الاجتهاد.
وإن كان مشكلاً أو مشتركاً لم يحل لأحد النقل بتأويله.
وإن كان مجملاً فلا يتصور نقله بالمعنى.
أما الأولون فإنهم احتجوا بما روي عن النبي ﷺ قال: "نضر الله وجه امرء سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" فالنبي ﷺ رغب في مراعاة الحفظ ونبه على المعنى وهو اختلاف الناس في معرفة معاني الألفاظ، والفقه الذي يدور عليه أمر الشرع، فإذا صار الأصل هذا ثبت الحجر عاماً، وإن كان من الألفاظ ما لا يتفاوت الناس في معرفة معناه.
وأما عامة العلماء فإنه يحتج لهم بما ظهر من الصحابة ﵃: "نهى رسول الله ﷺ عن كذا، وأمر بكذا، ورخص في كذا". ظهوراً لا يرده إلا متعنت ولو لم يكن حجة لما نقلوا للعمل به ولا للإلزام هكذا، وعن عامر الشعبي وإبراهيم النخعي أنهما كانا ينقلان بالمعنى.
وروينا عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يروي ويقول: هذا أو نحوه. والفقهاء
стр. 187
كلهم في تصانيفهم احتجتوا [احتجوا] بقولهم: وبلغنا نحو من ذلك: ومثل ذلك، وكثيراً ما أورده محمد بن الحسن ﵀.
ولأن اللفظ إنما يجب مراعاته لعينه إذا كان معجزاً أو آية لزوال الإعجاز فإنه يزول الإعجاز بالتبديل أو تعلق بعينه حكم يزول بغيره.
فأما إذا كان اللفظ مما يجب نقله للعمل بمعناه فوقف على معناه حقيقة ثم أداه بلفظ آخر بلا خلل فيه سقط اعتبار اللفظ، ونحن أنما نجوز ترك اللفظ بهذا الشرط.
وأما الجواب عن احتجاجهم بالحديث فإن أكثر ما فيه أن حفظ اللفظ مرغوب فيه في الجملة ونحن هكذا نقول فالنقل باللفظ عزيمة عندنا وبالمعنى رخصة في بعض الأخبار على ما فصلناه.
أما المحكم من الألفاظ فلأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً دائماً على ما مر تفسيره ولما تعين المعنى فيه ولم يقع وهم الخلل في الوقوف عليه ممن عرف اللسان رخص لهم ذلك لحصول الغرض منه بأجمعه بلفظ آخر.
وأما الظاهر فلأن المعنى وإن ظهر منه بظاهره فقد احتمل مجازه، والخصوص من عمومه بدليل موجب فلا يرخص في نقله بالمعنى إلا للعالم بطريق الدين والفقه حتى يؤمن بعلمه عن الخلل بمعناه إذا كساه بلفظ آخر فلعل الجاهل بالفقه يكسوه بلفظ لا يحتمل ضرب مجازه ولا ضرب خصوصه، ويكون المراد باللفظ المسموع مجازه أو خصوصه فتفوت تلك الفائدة، أو ينقله بلفظ أعم من اللفظ الأول لجهله بالفرق بين الخاص والعام فيوجب ما لا يوجبه الأول فيلزمه المحافظة على اللفظ فأما العالم بطريق الدين فخال عن هذه التهمة فأبيح له.
وأما المشكل أو المشترك من الألفاظ فلا يوقف على معناه، والمراد منه إلا بضرب تأويل وتأويل الراوي لا يكون حجة على غيره لأنه يصدر عن رأيه في أصول الشرع فجرى إظهار المعنى بالتأويل مجرى القياس فلا يحل نقله إلا بلفظ مسموع، ولا يظن بالعدل إذا نقل بلفظه إلا أحد الضربين الأولين اللذين يحلان له.
وأما المجمل مما لا يوقف على معناه فلا يتصور نقله بمعناه فيكون الامتناع بذاته لا بدليل يحجر الناقل عنه فيكون ضرباً آخر من الحجر غير الضرب الأول، والله أعلم.
стр. 188
باب
القول في انتقاد خبر الواحد بعد ثبوته عن الرسول ﵇ مسنداً أو مرسلاً
خبر الواحد ينتقد من وجوه أربعة:
العرض على كتاب الله تعالى، ورواجه بموافقته، وزيافته بمخالفته.
ثم على السنه الثانية عن رسول الله ﷺ تواتراً أو استفاضة أو إجماعاً.
ثم العرض على الحادثة فإن كانت مشهورة لعموم البلوى بها والخبر شاذ كان ذلك زيافة فيه.
وكذلك إن كان حكم الحادثة مما اختلف فيه السلف اختلافاً ظاهراً ولم ينقل عنهم المحاجة بالحديث كان عدم ظهور الحجاج به زيافة فيه.
أما الأول: فلما روي عن رسول الله ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإن كان مئة شرط" أي كان حكمه بخلاف ما في كتاب الله تعالى، فإن نفس هذا الحديث ليس في كتاب الله تعالى فيبطل لو أريد به ظاهره.
وكذلك كثير من الأحكام مما يثبت بخبر الواحد والقياس بعد كتاب الله تعالى. وعن النبي ﷺ أنه قال: " إذا روي لكم مني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فما وافق فاقبلوه وما خالف فردوه" ولأن كتاب الله تعالى ثابت يقيناً وخبر الواحد ثابت ثبوتاً فيه شبهة فكان رد ما فيه شبهة باليقين أولى من رد اليقين به.
وسواء عندنا خالف الخبر من الكتاب أصله أو عمومه أو ظاهره بأن حمله على مجازه.
وعند الشافعي جائز تخصيص العموم به.
وكذلك الحمل على المجاز على ما مر أنه جوز مثله بالقياس وبخبر الواحد، إلا أنا لم نجوز لما مر من قبل: أن العام عندنا يوجب العلم بالعموم يقيناً كالخاص.
стр. 189
ولأن متن العام من كتاب الله تعالى ثابت يقيناً ومتن خبر الواحد فيه شبهة وإن كان معنى المتن لا شبهة فيه وفي معنى متن الكتاب ضرب شبهة احتمال الخصوص فكان ترجيح متن الكتاب لقوة ثبوته أولى من ترجيح معنى خبر الواحد لقوة ثبوته، لأن المتن قالب المعنى وقوامه فيجب طلب الترجيح من قبله أولاً إذا استويا فمن جهة المعنى، والله أعلم.
وكذلك السنة الثابتة بالتواتر أو الاستفاضة أو الإجماع لأنها بمنزلة الكتاب في إفادة العلم على ما مر.
والمشهور فوق خبر الواحد وإن كان في ثبوته أدنى شبهة، وفي هذا الانتقاد علم كثير وصيانة للدين بليغة.
فأكثر الأهواء والبدع كانت من قبل العمل بخبر الواحد اعتقاداً أو عملاً بلا عرض على الكتاب أو السنة الثابتة، ثم تأويل الكتاب بموافقة خبر الواحد وجعل المتبوع تبعاً، وبناء الدين على ما لا يوجب العلم يقيناً، فيصير الأساس علماً بشبهة فلا يزداد به إلا بدعة.
وكان هذا الضرر بالدين أعظم من ضرر من لم يقبل خبر الواحد فاضطر إلى القول بالقياس، أو استصحاب الحال، إذا لم يجد الحكم الواقع فى كتاب الله تعالى، لأن هذا الرجل ما أخذ بحكم الكتاب، وجعل أساس دينه ما فيه اليقين إلا أنه رد خبر الواحد لتهمة الكذب وشبهته ثم وقع فيما هو أبلغ منه تهمة من رأيه أو التمسك بأي أصل كان.
والأول جعل خبر الواحد أصلاً فعرض كتاب الله عليه وبنى دينه على ما لا علم له به يقيناً، فكان القول العدل الوسط أن يجعل كتاب الله تعالى أصلاً، وهو الثابت يقيناً، وخبر الواحد مرتباً عليه يعمل به على موافقته أو إذا لم يوجد في الكتاب ما فيه خبر الواحد، ويرد إذا خالف بحكمه حكم كتاب الله تعالى.
ثم القياس بعده مرتباً عليه يعمل به على موافقته أو إذا لم يوجد في الكتاب والسنة ذلك الحكم الثابت بالقياس ويرد إذا خالف الخبر الصحيح بشروطه.
ونظير ذلك عمل مخالفنا بخبر مس الذكر وأنه مخالف لكتاب الله تعالى والسنة الثابتة والإجماع.
فإن الاستنجاء بالماء مشروع بالكتاب في أهل قباء وبالسنة والإجماع.
ولا بد من مس الذكر حال الغسل بالماء على الوجه الذي جعله الخصم حدثاً والاستنجاء طهارة، والطهارة لا تحصل بما هو حدث يضاده.
ومن ذلك خبر القضاء بالشاهد واليمين، فإنه ورد مخالفاً لكتاب الله تعالى والسنة الثابتة.
стр. 190
أما الكتاب فلأن الله تعالى قال: ﴿واستشهدوا شهيدين﴾ الآية أمر بالاستشهاد لإحياء الحق فكان الأمر مجملاً في حق ما هو شهادة كقول القائل: كل مجمل في حق بيان المأكول، فلما قال، ﴿شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ كان بياناً لجميع ما دخل تحت الأمر كقول القائل: كل هذا الطعام أو هذا، وجالس فلاناً، وكقولك للآخر: استشهد زيداً أو بكراً على صفقتك، لم يكن استشهاد غيرهما من المأمور استشهاداً غيرهما من المأمور استشهاداً بحكم الأمر لا محالة، بل يكون زيادة عليه، وكذلك ههنا يكون الشاهد واليمين زيادة، والزيادة على النص في حكم النسخ عندي على ما نذكر فيكون خلافاً على أصلي.
ولأنه قال: ﴿وأدنى ألا ترتابوا﴾ فجعل المذكور أدنى ما تقطع به الريبة من الشهادات فمن جعل الشاهد، واليمين حجة كانت أدنى من المنصوص عليه في الشهادة فيكون خلافاً للنص بعينه.
ولأن الله تعالى بين ما هو المعتاد بين الناس في الشهادة من شهادة الرجال وما لا يوجد عادة من شهادة النساء، فإن النساء لا يحضون مجالس الحكام للشهادات عادة ولو كانت اليمين مع شاهد حجة وهي شهادة تستوفي من الخصم الذي يحضر عادة لم يصلح النقل إلى بيان ما ليس بمعتاد مع ترك ما هو المعتاد ولا كان لائقاً بالحكمة، ولأن النقل إلى غير المعتاد دليل الاستقصاء وحقيقة الاستقصاء في الإتيان على الكل.
وكذلك في آية الوصية أمر بشاهدين منا أو من أهل الذمة وذلك اليوم ليس بحجة فعلم أنه لم يكن بعد الشاهدين منا حجة أولى من شهادة الذميين ولأنه أمر الشاهدين بالقسم لإثبات الحجة وهو اليوم ليس بحجة فلو كان يمين المدعي حجة ثابتة لما عدل عنه إلى يمين الشاهد التي هي أبعد عن الحجة من يمين الخصم.
وأما السنة الثابتة فقوله ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" فهذه السنة نصت على أن اليمين غير البينة لأنها عطفت اليمين على البينة ونصت على أن اليمين على غير من عليه البينة، وخبر الشاهد واليمين يرده من طريقين: فقد جعل اليمين من البينة وعلى من عليه البينة.
ومن ذلك خبر تحريم الرطب بالتمر بعلة أنه ينقص إذا جف لأنه ورد مخالفاً للسنة الثابتة "التمر بالتمر مثلاً بمثل يداً بيد والفضل ربا " لأن الحديث قصر الربا على فضل يضاد المماثلة المبيحة لأن قوله: "مثلاً بمثل " للإجابة وقوله: "والفضل ربا " إشارة إلى
стр. 191
فضل يضادها لا محالة وعليه الإجماع.
وخبر الرطب بالتمر جعل الربا فضلاً يتوهم حدوثه لمعنى طارئ وهو الجفاف، وفضلاً لا يضاد المماثلة المبيحة في الأصل وحرم البيع مع قيام المماثلة كيلاً فالتحريم مع المماثلة خلاف للأول بالرد والوجهان الآخران خلاف بالزيادة بجعل فضل آخر سوى المنصوص عليه فيه ربا.
إلا أن أبا يوسف ومحمداً رحمهما الله قبلا هذا الحديث ميلاً إلى أن الرطب بالتمر لم يدخل تحت قوله: "التمر بالتمر" لأن الرطب لا يسمى تمراً عرفاً حتى إذا حلف لا يأكل تمراً فأكل رطباً لم يحنث، فبقي حكم الرطب بالتمر مأخوذاً من الحديث الغريب.
وأما الوجه الثاني فلأن البلوى بالحادثة متى كانت عامة فلا بد من معرفة حكمها من الحجة، وما كان الراوي يعلم به إلا بعد النص، كان النص يشتهر لديهم لو كان ثابتاً اشتهار حكم الحادثة، لأخذهم الحكم عن النص، ألا ترى أن النص كيف اشتهر اليوم لدينا لما كان ظاهراً في الخلف فصار الخلفاء لديهم وعنايتهم بالحجج أشد من عنايتنا زيافة في ثبوته.
وقال علماؤنا- ﵏ في الشهادة بهلال رمضان: قول الواحد مقبول إذا كان بالسماء علة أو جاء من موضع آخر، وإذا لم يكن بالسماء علة لم يقبل قول الواحد من أهل المصر بالهلال، لأن الناس لما شاركوه في النظر والمنظر والأعين، كان اختصاص الواحد بالرؤية خارجاً عن العادة فأوجب تهمة في خبره.
وكذلك الوصي إذا أخبر بنفقة على اليتيم كثيرة خارجة عن المعتاد لم يصدق، وإن احتمل الصديق للتهمة بتكذيب العادة.
فكذلك خبر الواحد مما سبيله الاشتهار لعموم البلوى مكذب في العادة فيرد بالتهمة.
ومن ذلك خبر مس الذكر، وخبر الوضوء مما مسته النار، وخبر التوضئ عن حمل الجنازة.
وكذلك الحادثة التي ظهر الخلاف فيها من السلف ولم تجز المحاجة بالخبر، لأنه لو كان ثابتاً لما حل لهم الإعراض عن المحاجة به، ولو وقعت المحاجة به لظهر ظهور الفتوى ولوجب الرجوع عن الاختلاف على ما عليه عاده المتدينين، فإذا لم يظهر كذب بخلاف العادة، منها: اختلاف الصحابة في زكاة مال الصبي ورواية عمرو بن شعيب: "ابتغوا في أموال اليتامى خيراً كي لا تأكله الصدقة" فأنهم لم يرد عنهم المحاجة به.
واختلاف الصحابة في عدد الطلاق أنه بالرجال أو النساء والخبر المروي: "الطلاق بالرجال" فإن المحاجة لم تجز به، فثبت أنه مخترع أو تأويله المباشر بالرجال.
стр. 192
فثبت أن الخبر: يصير مزيفاً بالوجهين الأولين بمقابلة ما هو فوقه كنقد بلد رائج يصير زيفاً في مقابلة نقد فوقه ببلد آخر، ويصير مزيفاً بالوجهين الآخرين لتهمة الكذب إما قصداً أو غفلة كالزيف من نقد بلده لزيادة غش وقع فيه، والله أعلم.
стр. 193
باب
القول فيما يلحق الخبر بتكذيب من جهة الراوي نفسه
التكذيب من جهة الراوي يلحق الخبر من جهات أربع:
إنكاره الرواية نصًا وعملًا بخلاف الخبر قبل الرواية أو بعدها, وامتناعه عن العمل به.
فأما الإنكار نصًا: فما اختلف فيه أهل الحديث:
فمنهم من زيف الحديث به ورده.
ومنهم من قبله.
وروى ربيعه عن سهيل عن أبى صالح عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قضى بشاهد ويمين, فسأل سهيل فلم يذكره, فقيل له: إن ربيعة يرويه عنك, فكان يقول بعد ذلك: حدثني ربيعة عني. وعن أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- في قاض ادعى رجل عليه قضاه بحق له على رجل فلم يذكره, فأقام عليه البينة بذلك- قال أبو يوسف: لا يسمع البينة, وقال محمد: يقبلها وهذه شهادة عليه وهو منكر, فتدل هذه المسألة على اختلافهما على ذلك في مسألة الرواية, لأن نفس الرواية في باب الدين كالشهادة في حقوق الناس إلزامًا, ولا يجوز أخذ هذا من الشهادة على الشهادة, فإنها تبطل بإنكار الأصل لأن شاهد الفرع لا يشهد عن علم بل عن تحمل على ما عرف.
ألا ترى أنه لا بحل له أن يشهد بأصل الحق ولا تقبل شهادته حتى يقول, وأمرني أن أشهد على شهادته أو: أشهدني.
فأما الذين قالوا بالقبول فاحتجوا بما روي أن النبي ﷺ : "صلى إحدى صلاتي العشاء فسلم على رأس ركعتين فقال ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيتها؟ " فقال: "كل ذلك لم يكن". فقال: "وبعض ذلك قد كان, فأقبل على القوم وفيهم أبو بكر وعمر ﵄ فقال: أحق ما يقوله ذو اليدين؟ فقالا: نعم, فقام وصلى ركعتين" فقبل روايتهما وهو منكر وهذا ظاهر فيما يتعاطى الإنسان من أمور دينه فقد ينسى عمله ويعمل بخبر غيره.
стр. 194
وأما الذين قالوا بالرد, فاحتجوا بأن خبر الواحد يرد بتكذيب العادة على ما مر في الباب الأول فلأن يرد بتكذيب الراوي نفسه أولى، لأن إنكاره حجة في حق نفسه فسقط روايته: إما بالحجة, وإما بالتناقض فيصير الحديث منقطعًا.
وعن عمر ﵁ أنه كان لا يرى للجنب التيمم, فروى له عمار فقال له: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذا كنا الإبل فأجنبت فتمعكت في التراب ثم سألت رسول الله ﷺ فقال: "كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض فتمسح بهما وجهك وذراعيك" فلم يذكره عمر ولم يعمل به, وعمار كان عدلاً ثقة.
وكذلك لم يعمل أبو حنيفة وأبو يوسف بحديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" لأن ابن جريج سأل الزهري عن هذا الحديث فلم يعرفه.
ولأن خبر الفرع في إثبات الراوية ليس بأولى من خبر الأصل في إنكاره إن لم يترجح الإنكار على الدعوى لأن كل واحد منهما عدل, وكما يحتمل حال المنكر النسيان بعد المعرفة احتمل حال المدعي الاشتباه والغفلة, وأنه قد سمع الحديث غيره فنسي فظن أنه سمع هذا.
وإذا كان كذلك تثبت المعارضة فلم يثبت أحدهما, يدل عليه أن الإنسان كما يعلم بسماعه عن أمر يقين فكذلك يعلم بتركه الرواية عن سبب يقين فلا فرق بينهما بوجه.
وحديث ذو اليدين محمول على أن رسول الله ﷺ تذكر أنه ترك الشفع من الصلاة, أو تذكر غفلته عن حاله يشغل قلب اعتراض له.
وعلى هذا عادات الناس أنهم إذا عملوا من أحوالهم في الغفلة تعرفوا من غيرهم.
وعلى هذا يجوز أن يقال في الخبر أن الراوي الأصلي ينظر في نفسه فإن كان رأيه يميل إلى غلبة نسيان إذا كانت عادته ذلك في محفوظاته قبل رواية غيره عنه, وإن كان رأيه يميل إلى جهله أصلاً بذلك الخبر رده وقلما ينسى الإنسان شيئًا ضبطه نسيانًا لا يتذكر بالتذكير, والأمر يبتنى على الظواهر لا على النوادر.
وأما عمل الراوي بخلاف الخبر:
فإن كان قبل الرواية فلا يكون تكذيبًا بوجه لأن الظاهر أنه تركه لما بلغه الخبر وكذلك إذا لم يعلم التاريخ حمل عليه تحريًا لموافقة السنة.
وأما إذا كان بعد الرواية نظر فيه: فإن كان الخبر يحتمل ما عمل به الراوي بضرب
стр. 195
تأويل لم يكن تكذيبًا لأن باب التأويل في الإخبار غير مسدود, ولكن الخبر لا يترك على ذلك, لأن الحجة هو الخبر لا تأويله لأن تأويله كان برأيه ورأيه ورأي غيره بمنزلة, وظاهر النص فوق رأيه بلا شك.
وأما إذا كان الخبر لا يحتمل ما عمل به فالخبر مردود لأن عمله بخلافه لا يخلو: إما أن يكون عن غفلة أو إنكار أو نسيان, أو علم بانتساخ الخبر أو تقول الراوي عنه كذبًا عليه, ولم يكن عنده ذلك الحديث فلا شك بأنه مردود.
وكذلك إذا ثبت انتساخه فهو مردود في حق العمل به وإن ارتكب خلافه فسق, ورواية الفاسق لا تقبل.
وكذلك إن غفل أو نسي فرواية المغفل أو الناسي ساقطة دل عليه ما ذكرنا في القسم الأول من بطلان الرواية بإنكار الأصل والعمل بخلافه إنكارًا ظاهرًا فيصير الخبر به مردودًا ظاهرًا ما لم يثبت رجوعه إلى تصديق الراوي عنه, والعمل به على قول من يجوز مثله وإن لم يتذكر الحديث.
والوجه في مثل هذا الخبر أن يحمل على الانتساخ فرارًا عن تكذيب الراوي ليكون الإسناد ثابتًا والعمل به ساقطًا على ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج. فدل العمل بخلاف ما روى أنه علم بانتساخه.
وروت عائشة- ﵂ وعن أبيها-: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" ثم زوجت بنت أخيها عبد الرحمن بغير إذنه فدل على أنها عرفت بطلاته.
وروى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ رفع يديه في الصلاة عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع, ثم روي عن مجاهد أنه صحب ابن عمر سنين فلم يره يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة فدل أنه علم بانتساخه.
وعن عيسى بن أبان أن غير الراوي أذا عمل بخلافه من أئمة الدين والحديث ظاهر كان دليلًا على انتساخ الحديث وبطلانه, لأنه يجوز إساءة الظن كان مقتدى به في دين الله وإمامًا يشار إليه بالأصابع.
وهذا كما روي عن النبي ﷺ "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائه ورجم بالحجارة" فدل عمل الأئمة بخلاف ذلك في الثيب بالثيب, على أنه منسوخ.
стр. 196
وكذلك عمر ﵁ نفى رحلًا فلحق بالروم فحلف أن لا ينفي أحدًا بعده.
وقال علي ﵁: "كفى بالنفي فتنة" فدلت فتواهم بخلاف الخبر في النفي على أن خبر النفي غير ثابت على ظاهره.
وعن ابن سيرين في متعة النساء أنه قال: "هم شهدوها وهم نهوا عنها، فما في رأيهم ما يرغب عنه، ولا في نصيحتهم ما يتهم".
وكذلك عمر ﵁ لما فتح سواد العراق وامتنع عن القسمة علم أن القسمة من رسول الله ﷺ لم تكن حتمًا.
فإن قيل: عبد الله بن مسعود- ﵁ كان يرى التطبيق في الركوع سنة، وخبر الأخذ بالركب مشهور، ولم يدل على ضعفه.
قلنا: لأنه كان يحمل الأخذ بالركب على الرخصة لما فيه من الترفيه. وقد ذكرنا أن تأويل الراوي لا يكون حجة، فكذا تأويل السامع. وأما إذا لم يكن الخبر مشهورًا، فخلاف غير الراوي لا يضعفه لاحتمال أنه خالفه، لأنه لم يبلغه، وكذلك إذا امتنع عن العمل به، لأنه حرام مثل العمل بخلافه. والله أعلم.
стр. 197
باب
القول في أقسام جملة الأخبار في حق العمل بها
هي أربعة أقسام:
أ. قسم يحيط العلم بصدقه.
ب. وقسم يحيط العلم بكذبه.
ج. وقسم يحتملهما على السواء لا يترجح أحد احتماليه على الآخر.
د. وقسم يترجح أحد احتماليه على الآخر.
فأما الأول: فأخبار الرسل، لأنه ثبت بالدليل أنهم كانوا معصومين عن الكذب. وحكمها افتراض الاعتماد بصدقها والعمل بها بقدرها.
وأما القسم الثاني: كدعوى فرعون الألوهية مع عياننا آيات الحدث فيه، وخبر الكفار أن الأصنام لآلهة مع عياننا أنها جماد لا قدرة لها بوجه بعد قيام آيات الحدث فيها، وكأخبار مسيلمة، وزرادشت، وماني من المتنبئين كذبًا لظهور آيات الكذب من معاملاتهم الخارجة على سبيل السفه، ولعدم آيات التصديق من المعجزات، فإن النبوة لا تثبي إلا بمعجزة ليمتاز بها الصادق من الكاذب.
وحكمها، وجوب اعتقاد الكذب فيها وردها باللسان، أو بما فوقه بحسب قيام الأمر.
وأما القسم الثالث: فنحو خبر الفاسق، لأن الخبر في أصله يحتمل الكذب والصدق، إلا أنا نرجح من العدل صدقه، لأنه عاقل متدين، وهما يمنعانه الكذب، ولم يظهر منه لما ثبتت عدالته مخالفة المانع، فصار الحكم للجري على موافقة العقل والدين الذي اعتمده، فإذا فسق ظهر منه مكابرة المانع ومخالفته فيما ارتكب من المحظور حتى فسق به، وذلك إنما يكون بغلبة الهوى، ولابد من وقوع ضروب فعل على موافقة العقل من كل عاقل، وإن كان فاسقًا، وذلك يدل على غلبة العقل، فيصير الخبر مشكلًا بينهما في خروجه على حكم غلبة عقلة فيكون صدقًا، أو هواه فيكون كذبًا.
стр. 198
وحكمه التوقف فيه على ما قال الله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ وعلى ما هو الحكم في النص الذي هو محتمل وجوهًا على السواء، وفي الحجج المتعارضة.
وأما القسم الرابع: فنحو خبر العدل، فإن جانب صدقه أرجح لظهور غلبة عقله على هواه، حتى امتنع عما يوجب الفسق من دواعي نفسه، لكنه غير يقين لاحتمال حاله مساعدة هواه.
وحكمه العمل به لا عن اعتقاد بحقيقة ذلك، وكذلك الفاسق، إذا شهد فردت شهادته صار جانب الكذب برد القاضي أرجح، والله أعلم بالصواب.
стр. 199
باب
القول في أقسام الصحيح من الأخبار
الأخبار التي يعمل بها ضربان: مشهور، وغريب.
فالمشهور: ضربان، ما بلغ حد التواتر، وما اشتهر ولم يبلغ حد التواتر.
والغريب: نوعان، ما لم يشتهر، ولكنه لم يدخل في حد الاستنكار، وما دخل في حد الاستنكار.
وأما المتواتر: فحده ما مر في أول الكتاب، وهو أن يتصل بك عن المخبر اتصالًا لا يبقى لك شبهة فيه، كما يتصل بقلبك من طريق السماع من المخبر نفسه، وذلك بأن ينقل إليك قوم لا يتوهم في العادات تواطؤهم على الكذب لكثرتهم، وبعد أماكنهم عن قوم مثلهم، حتى يكون آخر طرفيه كأوله، وأوسطه كطرفيه.
وحكمه: أنه يوجب العلم يقينًا كما يكون بالسماع.
وقال بعض الناس: إن المتواتر من الأخبار لا يوجب علم اليقين، وإنما يوجب علم طمأنينة، وذلك لأن اليهود والنصارى نقلوا قتل عيسى نقلًا متواترًا وإن كان كذبًا، وهم أكثر منا عددًا.
والمجوس نقلوا معجزات زرادشت نقلًا متواترًا وكان كذبًا.
وإذا رجعت إليهم كانوا على طمأنينة القلب بصدق ما عندهم من الخبر كما نحن بما لدينا من الأخبار المتواترة من رسالة محمد ﷺ وآياته ثم إنهم لم يكونوا على يقين. فلم وجب لنا اليقين بمثله.
وكذلك الرجل يعلم بحياة الرجل يقينًا، ثم يمر بداره فيسمع النياح ويرى أعلام الموت، ويرى المأتم، فيقولون: إنه قد مات، فيعزيهم ويعزونه، ويطمئن قلبه إلى العلم الحادث، ويزول الأول على احتمال أنه حيلة وليس بحقيقة.
قال العبد ﵁: وهذا مع الحجة قول رذل. لأنه زعم أنه لم يعرف رسولًا من الرسل، ولا كتاب الله، ولا أباه، ولا أمه، لأنه ما توصل إلى علمهم إلا بالخبر، ولم يعرف أنه مولود، وكان قبله بشر من جنسه. ومن قال: إني لا أعرف ذلك فقد أبطل دينه قبل كل شيء، ثم عقله، لأنا إذا رجعنا إلى قلوبنا التي هي معدن المعرفة، وجدناها عارفة بالآباء والأمهات عن خبر متواتر مثل معرفتنا بالبنين والبنات عن عيان، ووجدناها تعرف
стр. 200
أنهم مولودون عن أصول، كما تعرف أنهم يلدون فروعًا، ويعرف كل مسلم نحو مكة بالخبر المتواتر كما يعرف نحو بيته بالعيان.
وهذا كما عرفنا الله تعالى محدثًا بالاستدلال، كما نعرف أولادنا حادثة بالعيان فيصير إنكاره بعد ثبوت حد المعرفة على الحقيقة كمن أنكر العيان، وشبهه بما يرى النائم في نومه.
وأما قوله: بأن حد المعرفة على الحقيقة لم يثبت بعد، ولكن وقعت الطمأنينة بغلبة دلائل الصدق كما ذكر في المثل، فليس بقوي، لأن الطمأنينة في الأصل دليل على المعرفة حقيقة، وإنما يحمل على الغلبة بلا حقيقة. بدليل تبين الغفلة من القلب عن النظر في باطن الدليل، وإنما يعرف ذلك بإبانة حد آخر وراء ما تراءى له، كما قيل في رؤيا النائم أنها ليست بحقيقة، وإن كان لا يقف على بطلانها حال ما يرى، لأنا وجدنا لرؤيتها حالة في حياته، وتمييزه فوق هذه الحالة وهي حال اليقظة، وكان ما أرى حالة النوم لضرب غفلة، وأبطلنا تلك الحالة وجعلنا الرؤية يقظانًا حقيقية، لأنه لا حالة له فوق هذا للدرك.
فكذلك ما يطمئن القلب إلى علم بالسماع، فإن اطمأن وبحاله ضرب غفلة، كالداخل على المأتم، لأنه لو تأمل حق التأمل لأصاب جهة الكذب، لجواز تواطئهم على ذلك لأمر أرادوه، ما كان يحصل إلا بما تواضعوا عليه لم يكن موجبًا يقينًا.
فأما إذا سمع أقوامًا مختلفين لا يتواطأ أمثالهم على الكذب عادة لكثرتهم واختلاف أمكنتهم، فلم تكن الطمأنينة بحكم الغفلة عن الكذب، بل بقيام الذليل الموجب للصدق الذي باطنه لو تأمله أكد ظاهره.
وذلك لأن الله تعالى خلق الخلق أطوارًا على همم شتى ما يصدر عنهم فعل أو قول بحكم الجبلة على سنن واحد، بل يكون الحدوث على اختلاف بحسب هممهم وهوى نفوسهم، لأن الحوادث عن علل مختلفة لابد أن تكون مختلفة، فلما أخبروا خبرًا واحدًا، علم أن الإخبار لم يكن من قبل اختراعهم، بل عن أصل جمعهم على ذلك، وذلك سماع اتبعوه، أو اتفاق صنعوه، فإذا انقطع وهم الاتفاق، بقي السماع.
فإن قيل: الناس وإن كثروا لم ينقطع وهم الاتفاق على الكذب، لأن شرط التواتر ليس اجتماع أهل الدنيا، بل أهل بلدة أو عامتهم، وما نقل الرسالة عن الرسول ﷺ إلا أصحابه، وكان عسكره وإن كثروا كان يجوز اتفاقهم على ذلك.
قلنا: إن توهم هذا الاتفاق نادر فيما يتوهم كتمان الاتفاق بعد مرور الزمان من جمع عظيم، عشرة آلاف أو عشرين ألفًا فإن الإنسان في نفسه يتعذر عليه كتمان سره حتى يفشيه إلى صديق له ويستكتمه ثم يضيق عنه صدر صديقه فيفشيه إلى ثالث فيصير السر فاشيًا
стр. 201
عن قريب, فلا يتوهم كتمان المواضعة من الجمع على امتداد المدة, وفي الجمع المؤمنون والمنافقون والجواسيس لأهل الكفر هذا مما ترده العقول, ولا تجد لقبوله مساغًا فيها.
فكان الوقوف على بطلان هذا القول أسهل من الوقوف على معرفة الصانع عز ذكره بآيات الحدث في المحسوسات, فإنا نجد الناس مختلفين في معرفة الصانع ولا نجد أحدًا ينكره ميلاده, وكون السماء قبله قرارًا, وكون آدم أبا البشر, وهل عرفت المعجزات آيات يقينًا على الرسالة إلا بخروجها عن حد معتاد البشر, فكذلك مثل هذا الاكتتام خارج عن معاد البشر, فيقطع القول بعدمها منهم, وكما نكذب اليوم رجلًا يخبر عن عروجه إلى السماء, ومسه, وكلامه الملائكة متى شاء قطعًا, وإن جاز مثله في فدرة الله تعالى, لأنه خارج عن معتاد البشر حتى رددنا شهادة شاهدين على رجل بطلاق امرأته بمكة يوم النحر مع الشهادة أخرى بعتاق عبده ذلك اليوم بالكوفة.
وكيف يتوهم إنكتام هذه المواضعة وكانوا يلقون إلى الكفار بالمودة ويفشون أسرار النبي ﷺ في باب الحرب, وكان الكفار يتقولون عليه ما لم يكن منه إطفاء لنوره, وهذا على مثال من زعم أن القرآن ليس بمعجز إلا أن العرب لو تشتغل بمعارضته أو جاؤوا بمثله, ولكن المسلمين أخفوه, فكان هذا قولًا مردودًا, لأن العرب لو قدرت عليه لعارضت ولما صبرت عن فعلها, وفيه ذهاب دينهم ومالهم ونفوسهم وحزمهم, لأنه غير متصور مثل هذا الصبر في العادات إلا عن عجز, ولو عارضت لما صبرت عن الإظهار, فإن الحجة كانت تسقط بالإظهار على سبيل المعارضة ما كان يتصور الاختفاء عادة.
وكيف يتصور وغير المسلمين كانوا أكثر من المسلمين وكانوا ينقلون ذلك مثل نقل المسلمين كلام رب العزة, وكيف يتوهم ذلك, ولم تختفِ كلمات مسيلمة, ومخاريف المتنبئين, وهذا القائل قد قال: بأن القرآن بمعجز, وأن السؤال باطل من هذا الطريق, فيبطل بهذا الطريق أيضًا سؤال من ينكر العلم اليقين بالتواتر بدعوى احتمال أو شبهة تردها عادات النفوس.
وأما الجواب عن تواتر الخبر بين اليهود بقتل عيسى ﵇ فمن وجهين:
أحدهما: أن التواتر غير ثابت, لأن حده أن يساوي الطرف الأول الآخر ولم يوجد, لأن القتل نقل عن الذين دخلوا عليه في بيت للقتل, وقوم يرتدون أن يقتلوا رجلًا في بيت لا بد أن يكونوا بحيث يجتمعون في العادات على الكذب لأنه أيسر من الاجتماع على قتله, وقد روي أنهم كانوا تسعة نفر.
فإن قيل: تواتر الخبر بينهم بالصلب, والصلب مما يعانيه أطوار الناس الذين لا يتواطئون على الكذب عادة.
стр. 202
قلنا: إنهم نقلوا الصلب بعد القتل, والمصلوب بعد القتل لا يتأمل فيه كل التأمل على ما جرت به العادات, بل يكتفي فيه العلم بالأعلام الظاهرة, والتسامع أنه فلان, وهذا معلوم بين الناس بمن يصلب في أزمنتهم, فإن الذين يباشرونه قوم معدودون, ثم ينقل عنهم ويقع العلم للناس بالتسامع أو النظر إليه من غير تأمل, فإن الطباع تنفر عن التأمل والخلق يتغير بالصلب ويشتبه أيضًا ببعد مسافة النظر, وإذا كان كذلك كان العلم به علم طمأنينة لا علم يقين, وروي أن اليهود كانوا لا يعرفونه, وإنما دلهم عليه رجل يقال له يهوذا وبقول الواحد لا يقع العلم.
والثاني: أن تواترهم أوجب العلم بقتل من علموه عيسى ولم يكن وكان شبيهه على ما قال الله تعالى: ﴿ولكن شبه لهم﴾ , وروي أيضًا: أن اليهود لما دخلوا عليه فال عيسى لأصحابه: من يريد أن يلقي الله عليه شبهي فيقتل وله الجنة, فرضي به واحدًا منهم, فقتل ورفع عيسى من بينهم فلم ير.
فإن قيل: هذا أنكر من الأول, فإنه باب يبطل المعارف أصلًا, ويكذب العيان, ويبطل أخباركم المتواترة عن النبي ﷺ لجواز أن يكون قد شبه لهم, ويبطل الإيمان بالرسل لجواز أن غيرهم تشبهوا بهم, وكيف يجوز ذلك والإيمان بعيسى كان واجبًا, وما كانوا يعرفونه إلا بالعيان, فكان يجب بعد التشبيه, الإيمان بالشبه, وأنه كفر, وما جائز من الله إلزام الكفر بالحجة.
قلنا: أما التشبيه من الله تعالى غير منكر قدرة, ولا ينكر أيضًا حكمة إذا ألقى شبهه على غير حال دفع القتل عنه, ففي الدفع حكمة عظيمة, والتشبيه دفع لطيف, ولله تعالى لطائف في الدفاع عن الرسل ﵈ وعنا. وإنما يستنكر هذا حال الإيمان به فيؤدي التشبيه إلى التلبيس, والله تعالى كان علم منهم أنهم لا يؤمنون به, فشبه لهم وزادهم مرضًا وطغيانًا, ودفع عن عيسى ﵇.
وهذا كما تحول إبليس في صور شيخ من نجد مرة, ومرة في صورة سراقة بن جعثم وكلم الناس إغواء للكفرة فلم ينكر, فكذلك تحول عيسى بأقدار الله تعالى عليه.
وكذلك عبد الله بن عباس ﵄ رأى جبريل صلوات الله عليه في صورة دحية الكلبي واعتقده ولم يكن كذلك, وعذر لأنه عمل بما في وسعه ولم يكن كلف غير ما علم حينئذ.
وكذلك الله تعالى قلل المؤمنين في أعين الكفار, وقللهم في أعينهم وصح ذلك للتحريض على القتال, ليقتل المسلمون الكفرة ويشفوا صدورهم منهم فلو كثر المسلمون في أعينهم لرجعوا ما قتلوا, فلما أثبت الله تعالى تقليل المسلمين في أعين الكفار تحريضًا على القتال ليقتلوا, جاز تشبيه غير عيسى به ليصان.
ثم هذا الاحتمال لا يبطل المعارف لأنه يكون معجزة, ونحن خوطبنا بالعمل على ما يكون في العادات الجارية دون البناء على ما يجوز في قدرة الله تعالى وهذا التشبيه كان من قدرة الله تعالى لا من قدرتنا فلا يبتنى عليها الأحكام.
ولأنا لا نجوز هذا الحال الإيمان بالرسول أو النقل عنه فيصير إضلالًا بالحجة, والله تعالى غني عنه.
ولأن الجواب عنه يلزم الجميع فقد سلم لنا مثله فيما نقلنا.
وأما خبر زرادشت فتلك مخاريق أظهرها بحيل على سبيل عرفها المتأملون من ذوي البصائر وقدروا على مثلها إلا ما يحكى أنه أدخل قوائم فرس الملك في البطن ثم أخرج.
стр. 203
وهذا يحكى انه فعله بين يدي الملك في خاصته والنقل عن مثلهم لا يكون حجة متواترًا, فقد روي أن الملك لما رأى شهامته بايعه على أن يظهر الإيمان به فيكون زرادشت اللعين معه برأيه وهو وراءه بسيفه فيملكوا وجه الأرض, فظهر عقيب ذلك مخاريق حكوها عن فعله في مجلس الملك أو كان عن تواطىء منهم على ما حكينا.
فإن قيل: كيف أنكرتم ذلك؟
قلنا: نحن أنكرنا الكتمان من قوم يتعذر تواطؤهم على الكذب والاتفاق عليه عادة لا على ملك بخاصته فإنهم رصد لحفظ الأسرار, وعليه بناء أمر الملك ومن حكمة خلق الله تعالى الخلق أطوارًا على همم شتى, وهي سبب الاختلاف أن يعلم باتفاقهم على نقل الشرائع تواترًا أنها ثابتة كما يكون بالعيان حتى لا تبطل الشريعة بوفاة رسول الله ﷺ بل تبقى بعده على وجهها إذا صار المتواتر كالمسموع من النبي ﷺ فلا يبقى الناس وعقولهم سدى عن عون الشرع فما بالعقل كفاية لتمام الهداية.
فإن قيل: أرأيت القاضي لو بلغه خبر بالتواتر أو شهادة فساق كثيرين بملك في يد رجل أنه لغيره أيقضي به كما لو عاين أم لا؟
قلنا: يجوز أن يقضي به ويحتمله, ويجوز أن لا يقضي, كما لا يقضي بعلم ثبت له عيانًا قبل القضاء فمن شرطّ علمًا بالحادثة بعد القضاء جاز أن يشترط العلم بلفظة: أشهد, دون الخبر, وجاز أن يشترط العلم بخير عدول دون فساق واحتياطًا لأمر القضاء.
وأما المشهور: فحده ما كان وسطه وآخره على حد المتواتر وأوله على حد خبر الواحد.
وقد اختلف العلماء في حكمه؟
قال أبو بكر الرازي: هو أحد قسمي المتواتر, لأنا نجد في أنفسنا العلم بكل واحد منهما بلا اضطرار, إلا أن العلم بالأول يقع عن اضطرار لا مرد له في النفوس, وبالثاني
стр. 204
يقع عن استدلالٍ كما يكون مثله عن العقليات الموجبة للعلم يقينًا فإن العلم بحدوث المحسوسات يقع عن اضطرار يعرفه كل إنسان ذي بال والعلم بالصانع يقع عن استدلال.
قال عيسى بن أبان: الأخبار ثلاثة أقسام:
أقسم يضلل جاحده، كخبر الرجم.
ب وقسم يخشى المأثم على جاحده، ولا نضلله كخبر المسح بالخف.
جـ- وقسم لا يخشى المأثم على جاحده كالأخبار التي اختلف العلماء فيها في مسائل خلافهم.
فلم يكفر عيسى من جحد المشتهر.
ثم جعل المشتهر بعضه فوق بعض في الرتبة وهو الصحيح عندنا.
ويسمى العلم عن الخبر المتواتر علم يقين وعن الخبر المشتهر علم طمأنينة، وعن الخبر الغريب علم غالب الرأي، وعن الغريب المستنكر علم ظن.
فهذه المراتب أربعة للعلوم ثبتت بمراتب الأخبار، والدليل على ذلك: أن المشتهر لما لم يتصل برسول الله ﷺ بالتواتر، ولكن بالآحاد تمكنت الشبهة في الاتصال برسول الله ﷺ على نحو ما ذكرنا في أخبار اليهود والنصارى والمجوس إلا أنها لما اشتهرت في السلف وتواترت ولم يظهر منهم رد اطمأنت النفوس إلى قبولها والعمل بها، لأنها شاهدت قرنهم لا من قبلهم فاطمأنت النفوس إلى ما شاهدت، والعادات تثبت بالحواس لا بالاستدلال، ولهذا تتبدل الشرائع بالبدع إذا اشتهرت في الناس لأن الحواس تشاهدها، ولا يمكن ردها إلا بالاستدلال، ألا أنا جعلنا المشتهر حجة شرعية يجوز بمثلها الزيادة على كتاب الله تعالى، ونسخ الآيات أيضًا لأن السلف كانوا أئمة الدين وكان إجماعهم حجة، وما كان فيهم تهمة فلما تواتر النقل فيهم ولم يظهر رد منهم صار حجة من حجج الله تعالى حتى زدنا على كتاب الله تعالى الرجم.
وزدنا تحريم عمة المرأة على الكتاب.
وزدنا على أعضاء الوضوء الخف بالسنة.
والتتابع على صوم كفارة اليمين.
والزيادة عندنا تجري مجرى النسخ إلا أنا أبقينا مع هذا شبهة الآحاد الثابتة في الطرف الأول فلم نكفر جاحده، وحططنا رتبته عنه رتبة المتواتر، وهذا لأن الله تعالى كما لا يكلفنا ما ليس في الوسع وما جعل في الدين من حرج بنص الكتاب وكما لا نجد في الوسع، رد العلم بالمتواتر يخرج برد المشتهر فإنا لا يمكننا الفرق بينهما على ما عليه الجبلة إلا بحد استدلال.
стр. 205
ثم الاستدلال فيما نحن فيه يوجب القبول فلزم القول به شرعًا ما لزم طبعًا لكن على ضرب شبهة بيناها، وظهرت الشبهة في حق التكفير دون العمل فصار المتواتر موجبًا علمًا يزداد يقينه بالتأمل في سببه الداعي إليه من طريق الضرورة على ما عليه جبلة النفوس، وإنما الشك يعتري القلب بضرب وسواس كما يعتري بعض الناس فيما يدرك بالحواس، وصار المشتهر موجبًا علمًا بمنزلة المتواتر بقلة التأمل، ومتى تأمل السامع حق تأمل، وجد في أوله ما يوجب ضرب شبهة في آخره فيكون العلم به لسكون النفس إلى ما ظهر له به، فلذلك سميناه علم طمأنينة.
فإن قيل: فكيف لم يجب العلم بخبر اليهود، وقد اشتهر؟
قلنا: بمعارضة ما هو فوقه سقط اعتباره، وكذلك سبيل كل حجة.
وأما الغريب المقبول: فما اختلف العلماء خلفًا وسلفًا من أحكام الحوادث على ورود أخبار فيها متعارضة قبلها بعضهم وردها بعضهم بلا إنكار ولا تضليل حسب اختلافهم في مثلها بالمقاييس المتعارضة، فيكون العلم به علم غالب الرأي على نحو ما يقع بالمقاييس المتعارضة.
وأما الغريب المستنكر: فنحو ما ذكرنا من الوجوه التي رد السلف بها الأخبار، وربما نخشى الإثم على العامل كما خشينا الإثم على تارك المشتهر لأنه قرب من اليقين، وهذا قرب من الكذب فيكون العلم به علم ظن على تحري الحق كالذي تشتبه عليه القبلة فيتوجه إلى جهة بتحري قلبه بلا دليل.
стр. 206
باب
القول في بيان المعارضة من تفسيرها وركنها وشرطها وحكمها
أما المعارضة فتفسيرها: الممانعة على سبيل المقابلة، يقال: عرض لي أمر أي استقبلني فمنعني، والعوارض في اللغة الموانع.
وسميت المعارضة بين الحجج معارضة لأنها تقوم متقابلة متمانعة لا يمكن الجمع بينهما.
أما شرط المعارضة: فاجتماع الحجتين المتدافعتين بإيجاب كل واحدة منهما ضد الأخرى في محل واحد ووقت واحد كالتحليل والتحريم والإثبات والنفي، وهما متساويتان في القوة لأن الضعيف لا يقابل القوي.
وإنما قلنا في وقت واحد ومحل واحد لأن الضدين إنما يستحيل ثبوتهما لمحل واحد لتنافيهما بذواتهما.
فأما في محلين فجائز لارتفاع التنافي كالليل جائز في بعض ساعات الزمان والنهار في بعضها.
وكذلك سواد العين وبياضها اجتمعا في العين في مكانين منهما، فاتحاد المحل شرط قيام المعارضة لأنها لا تعمل عملها إلا عند اتحاد المحل، ولا تعمل بالمحل وهذا آية الشرط على ما يأتيك بيانه.
وكذلك اتحاد الوقت شرط لجواز اجتماع الضدين في محل واحد في وقتين على التعاقب كالحياة والممات في شخص واحد في وقتين.
وأما الركن: فالحجتان فيهما تقوم المعارضة وركن كل شيء ما يقوم به الشيء.
فإن قيل: لما كانت المعارضة لا تثبت إلا بالتراد، كيف استقامت في حجج الله تعالى الثابتة يقينًا.
قلنا: لا تثبت بين الحجج الثابتة يقينًا لأن التعارض بين آيتين أو سنتين لا يثبت إلا بحيث لو علم تاريخهما لكان الآخر ناسخًا للأول، والأول منسوخًا به فتكون الثابتة أحديهما إلا أنا جهلنا الآخرة فيثبت التعارض.
وأما القياسان إذا تعارضا فالذي معه الحق عند الله، وحجته على الحق الذي عنده
стр. 207
واحد منهما إلا أنه جوز لنا العمل بما نصيب به الحق عند الله وبما لا نصيب بحكم العجز على ما بينا في باب الاجتهاد فصار أحد القياسين حجة يقينًا، والآخر حجة ظاهرًا في حق جواز العمل به تيسيرًا علينا لا فيما عند الله تعالى فيصير الأول أولى ومتى لم نعلم جاءت المعارضة.
فأما الحكم: فإن كان التعارض بين الآيتين فالميل إلى السنة وإن كان بين السنتين فالميل إلى أقوال الصحابة ثم إلى الرأي لأن التعارض بين الحجتين متى ثبت تساقطا لاندفاع كل واحدة بالأخرى وامتنع العمل بهما، وبأحديهما عينًا لأنها ليست بأولى من الأخرى، فإذا تساقطتا وجب المصير إلى ما بعدهما من الحجة والحجج شرعت على هذا الترتيب.
وأما التعارض: إذا ثبت بين القياسين، فكذا كان يجب أن يتساقطا ويتوقف عن العمل إلا أنه قيل: يعمل المجتهد بأيهما شاء ثم لا يكون له العمل بالآخر إلا بفساد يظهر في الذي عمل به بضرب دليل لأنه اضطر إلى العمل بحكم الحادثة الواقعة، ولا يمكنه إلا بدليل، ولم يشرع الله لنا دليلًا بعد القياس إلا الحال، وأحد القياسين معه الحق عند الله تعالى لا محالة، وحجة يقينًا فكان العمل بأحدهما على احتمال أنه الحجة حقيقة أولى من العمل بالحال، فإنه عمل بلا دليل فجاز له العمل بالمحتمل لهذه الضرورة ولما اندفعت الضرورة به وجعل عمله بما عين صوابًا لم يجز العمل بالآخر إلا بدليل غير محتمل.
ومثاله ما قال علماؤنا ﵏: في إنائين ماء أحديهما نجس، والآخر طاهر فأشكل الأمر علينا فإنه لا يجوز استعمال ماء أحديهما بالتحري لطهارة الصلاة، ويجوز للشرب لأن التراب طهور بيقين خلفًا عن الماء في حق الصلاة فوجب الميل إليه عند التعارض بين الماءين، ولا خلف للماء في حق الشرب فجاز تعيين أحديهما للشرب مع الاحتمال.
وقال علماؤنا في سؤر الحمار: أنه مشكل لتعارض الأدلة، فقالوا: لا ينجس العضو الطاهر باستعماله، ولا يرتفع به الحدث للصلاة لأنه مشكل في نفسه فلا يزول به ما كان ثابتًا قبله من نجاسة أو طهارة، ولم يجوز تعيين أحد الحكمين بلا دليل ولا ضرورة فإنها ارتفعت بهذا التقسيم.
وكذلك قالوا في الخنثى: أنه مشكل أمرها ما لم تترجح إحدى حالتيها بدليل، ومتى لم يتبين لم تترجح بلا دليل بل رد إلى الرجل من بعض الأحكام وإلى المرأة في البعض على حسب الثبوت يقينًا.
ووجه آخر أن النصين لا يتعارضان إلا والأول منهما منسوخ إلا أنا جهلناه، والجهل لا يطلق عملًا شرعيًا والاختيار عمل شرعي.
стр. 208
وأما القياسان فيتعارضان على طريق أن كل واحد منهما صحيح العمل به لأنه جعل حجة يعمل به أصاب المجتهد به الحق عند الله تعالى أو أخطأه، ولما كان كل واحد منهما حجة لم يسقط وجوب العمل، ولكن الحكم عند الله واحد فثبت له تحري الذي الحق عند الله معه لأنه أولى من الآخر لا محالة فإذا تحرى وعمل به، وجعل التحري حجة له ضرورة صار الذي عمل به هو الحق عند الله تعالى بدليل التحري والآخر خطأ فلا يجوز نقضه إلا بدليل فوق التحري.
ومثاله في مسائل الفقه: رجل طلق إحدى امرأتيه فإن له خيار التعيين لأن التطليق كان حقه، وكذلك تعيين المطلقة فإذا لم يعين بقي التعيين ملكًا له فإذا عين لم يبق له الرجوع.
ولو طلق إحديهما بعينها ثم نسيها لم يكن له خيار بالجهل لأن ما كان له خرج من ملكه إلا أنه جهل المحرمة فلم يثبت له خيار شرعي بالجهل.
فإن قيل: لما كان كل واحد من القياسين حجة يجوز العمل به وجب أن يثبت خيار التعيين مطلقًا، لا لضرورة الجهالة فإنه لا جهالة لما صار كل واحد منهما حجة، ألا ترى أن الخيار لما ثبت في تعيين كفارة اليمين لثبوت كل نوع مشروعًا كفارة ثبت مطلقًا ولم يرتفع بتعيين العبد نوعًا مرة.
قلنا: إن القياسين ليسا بحجة في حق ما عند الله تعالى فإن الحق عند الله واحد على ما نذكر، ولكن جعلا حجة في حق جواز العمل لنا بالقياس أخطأنا أو أصبنا لفقد الدليل الذي هو فوقه، والذي هو حق عند الله فوق الذي ليس بحق ولا دليل معه للتمييز إلا التحري بقلبه فأمر بتعيينه بدليل التحري وللقلب فراسة، ونظر بنور الله تعالى على ما جاءت به الأخبار فإذا عين تعين وبقي الآخر خطأ ما لم يتبين خطاؤه بدليل آخر فوق التحري.
قال علماؤنا فيمن أدرك الظهر ومعه ثوبان أحدهما نجس ولا يدريه: أنه يتحرى ويصلي في أحدهما الظهر فيجوز فإن صلى العصر في الآخر لا يجوز حملًا على أنه نجس لأن كل ثوب منهما حال وجوب الظهر مما تجوز الصلاة فيه لوجوب الصلاة وما عنده ثوب طاهر يقينًا وحكم النجاسة سقط بالعجز، والذي هو طاهر منهما هو الحق في الأصل ولا دليل معه عليه غير التحري بقلبه فأمر به فإذا تحراه جعل طاهرًا بدليله فبقي الآخر نجسًا، ولم يتبدل إلا بدليل آخر فوق التحري.
وقولا الصحابة مثل القياسين لأنهما يقولان عن الرأي، ولا يجوز العدول بالرأي عن قولهما جميعًا- على ما نذكر- فحلا محل القياسين اللذين لا حجة بعدهما، والله أعلم.
стр. 209
باب
القول في بيان المخلص من المعارضات بين النصوص
المعارضة إنما تكون بين آيتين، أو آية قرأت بقراءتين، أو آية وسنة ثابتة، أو خبرين رويا عن رسول الله ﷺ عن راويين، أو راوٍ واحد.
لما ذكرنا أن المعارضة بين النصوص إنما تثبت إذا كانا بحيث لو علم المتأخر منهما كان ناسخًا للأول، والنسخ يثبت بهذه الطرق على ما نذكر.
فأما المخلص منها فأول ما يطلب من جهة الحكم لأن التعارض إنما يكون بتدافع الحكمين فلا بد أن يكون المدفوع بالآخر ما كان ثابتًا بالأول لتتصور المعارضة، فإذا أمكنك بيان أن الذي تصور مدفوعًا ظاهرًا غير ثابت بالنص بل هو غيره بطلت المعارضة كما في قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن﴾ فإنه عندنا عبارة عن عقد اللسان دون القلب وقوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ لا يدفع هذا وإن نص على القلب لأن حكم العقد مؤاخذة معجلة في الدنيا، وحكم كسب القلب مطلق المؤاخذة والمطلق ما يكون في الآخرة لأنها خلقت للجزاء الوفاق فأما الدنيا فقد يؤاخذ فيها وقد لا، لأنها خلقت للابتلاء لا للجزاء فيكون الكسب بالقلب علة لحكم لم يتعرض له عقد اللسان فلا يجوز حمل أحدهما على الآخر لما بطل التدافع.
فإن لم يوجد ذلك يتخلص بالحال نحو قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ بالتخفيف ويطهرن بالتشديد والأطهار: الاغتسال، والطهر انقطاع دم الحيض في اللغة، والتحديد بكل واحد غير ممكن فيتخلص عنه بالحال فتحمل الآية المخففة على أكثر أيام الحيض، والمشددة على ما دون أيامها فيبطل التعارض باختلاف الحالين، وصيرورة هذا في حالة غير الأولى فإن لم يوجد ذلك وجب التخلص بالتاريخ إن عرف فيجعل آخرهما أولى لما ذكرنا أن المعارضة إنما تثبت إذا كان الآخر مما ينسخ الأول فإذا عرف الناسخ بطلت المعارضة.
فإن لم يوجد ذلك وجب التخلص بتعيين الناسخ منهما بظاهره نحو أن تثبت إحدى الحجتين حكمًا، كان عرف ثبوته والأخرى رفعًا لذلك الحكم فالرافع يكون أولى ويجعل الذي يبقى ما كان إذا جهل التاريخ متقدمًا والآخر متأخرًا.
стр. 210
لأنا لو لم نجعل هكذا نسخنا الأصل، ثم نسخنا الرافع بما أعاد حكم الأصل ولا يصار إلى النسخ ما أمكن نحو ما روي عن النبي ﷺ أنه أباح الضب، وروي أنه كرهه وروي أنه أباح الضبع وروي أنه نهى عنه، فكان التحريم أولى.
ولأن المحرم بالإجماع ناسخ والآخر احتمل أن يكون ناسخًا لو تأخر وأن لا يكون لو تقدم فلم يقابل المحتمل المحكم فإن لم يكن قامت المعارضة وإن كانت إحدى الحجتين نافية والأخرى مثبتة، ويحكى هذا القول عن عيسى بن أبان، وعن أبي الحسن الكرخي أن المثبت أولى.
وقد ذكر محمد بن الحسن ﵀ في كتاب "الاستحسان" في ماءٍ أخبره مخبره بنجاسته والآخر بطهارته، ولم يترجح قول أحدهما على الآخر في رأي السامع. فقال: إنهما يتساقطان، ويبقى الماء على ما كان قبل الخبرين والنجاسة إثبات حكم جديد.
وعن ابن عمر وابن عباس أنهما سألا عن الفجر فاختلف رجلان فقال أحدهما: طلع، وقال الآخر: لم يطلع فشرب الماء.
وفرع محمد بن الحسن في كتاب "الاستحسان" إذا كان المخبر بأحد الخبرين اثنين عدلين، ومن الجانب الآخر واحد، قال: خبر الاثنين أولى وإن كان من جانب عبدين، ومن جانب حرين فالحران أولى فرجح بمعاني في الحجة لا بالحكم، وهذا لأن الخبر حجة في النفي كما في الإثبات بخلاف الشهادات.
فإن قيل: خبر المثبت أصدق!
قلنا: لا كذلك فإن طهارة الماء تعرف يقينًا كنجاسته باغتراف الماء من وادٍ جارٍ في آنية طاهرة وحفظها كذلك عن النجاسات.
ومثال ذلك ما روي أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حرام، وروي أنه تزوجها وهو حلال، ولا يرجح الحلال بكونه طارئًا فإنهم أجمعوا أن النبي ﷺ ما تزوجها قبل الإحرام وإنما تزوجها بعد الإحرام.
واختلفوا في أنه تزوجها قبل أن يحل أو بعدما حل.
والذي يروي الحل روى أمرًا طارئًا ولم نره ترجيحًا وقد اجتمعا في حادثة واحدة، بل رجحنا الحرام لأن رواية عبد الله بن عباس ﵄ وهو أثبت من يزيد بن الأصم راوي الحلال.
وروي أن بريرة أعتقت وزوجها عبد، وروي: وزوجها حر، وزوج بريرة كان عبدًا ثم أعتق فكانت الحرية طارئة وأخذ بها علماؤنا ﵏ فثبت أنهم طلبوا الترجيح من وجوه أخر لا بالطريان واستصحاب الحال.
стр. 211
وكذلك روي أن النبي ﷺ رد زينب على أبي العاص بالنكاح الأول وروي بنكاح جديد ورجحوا هذا الخبر فلما اختلف عمل علمائنا في هذا الباب علم أنهم رجحوا بوجه آخر غير الإثبات.
والوجه الصحيح في ذلك أنا نستفسر النافي للحادث فإن أخبر عن سبب علمه بالنفي على وجهه صار هو والمثبت سواء.
وإن قال: لم أعلم بما يزيله كان المثبت أولى، لأنه إذا أخبر عن دليل النفي ساوى المثبت في العلم بما أخبر على ما بيناه في مسألة طهارة الماء ونجاسته فإذا لم يخبر عن دليله، ولكن قال لم أعلم بما يزيله فقد أخبر أنه بقي على ما كان يجهله عما يزيله لا بعمله حجة تنفي الثبوت للحال، فلم يصر خبره عن جهل حجة في مقابلة الخبر عن علم، وإنما لا يكون هذا حجة بعذره في التمسك بما كان علم على ما نشرحه في باب استصحاب الحال، ولأن السامع يساويه في ضرب هذا العلم لأن علم بثبوت الأول ولم يعلم بزواله مثل الذي أخبره به.
فلو كان هذا الخبر حجة دافعة لخبر المثبت لصار علمه بنفسه دافعًا، وكانت الأخبار أكثرها تبطل بهذا الطريق لأن أكثر الشرائع مما تبدلت، والتي كانت ثبتت يقينًا قبل التبدل فكان ثبوتها من قبل يعارض ما يرفعها فلا يثبت الرفع، وإلى هذا التفسير أشار محمد بن الحسن ﵀.
وعلى هذا رجح علماؤنا خبر حرية زوج بريرة ونكاح جديد لزينب لأن الذي نفى الحالة الأولى لم يبلغنا منه ما نعلم به سبب شهادته بالحالة الأولى، فقبل التفسير الشهادة بالحادث أولى وبلغهم في خبر نكاح ميمونة بسبب شهادة عبد الله بن عباس ﵄ فإنه نقل القصة على وجهها فتساويا في حق المشهود به، ثم ترجح عبد الله لإتقانه.
ومن أهل النظر من تخلص عن المعارضة بزيادة عدد الراوي وقال: إن خبر الاثنين أولى من خبر الواحد كما قاله محمد بن الحسن ﵀ في باب طهارة الماء ونجاسته لأن في الصحابة من لم يقبل خبر الواحد حتى شهد معه آخر، ولأن القلب أميل إلى خبر الاثنين.
وتخلص أيضًا بحرية الراوي لأن الحرية تجعل خبره حجة في باب الشهادات فيوجب ترجيحًا كزيادة العدد وكما رجح محمد بن الحسن في باب خبر نجاسة الماء وطهارته.
قال القاضي ﵁: والذي ثبت عندي من مذاهب علمائنا أنه لا مخلص بهذا لأن خبر الواحد لما ثبت حجة لم يترجح بزيادة العدد من جنسه كما لا تترجح الشهادة بزيادة الشهود، وإن كان القلب إلى شهادة العشرة أميل وكما لا يترجح بالأربعة،
стр. 212
وهي حجة في باب الزنا دون الاثنين فعلم أن الرجحان لا يطلب لباب بباب آخر، ولا بميل القلب، بل بمعاني في الحجة ألا ترى أن خبر المرأة والرجل سواء، والقلب إلى شهادة الرجل أميل.
وشهادة النساء ليس بحجة في بعض الأبواب بخلاف المشهور لأنا لم نرجح بزيادة العدد بل بدخول الخبر في حد العيان، وصيرورته بابًا آخر حكمًا على ما مر، ولأن المناظرات من لدن الصحابة إلى يومنا هذا جرت بأخبار الآحاد ولم يرو في شيء منها اشتغالهم بالترجيح بزيادة عدد، ولو كان صحيحًا لقالوا، ولو قالوا لنقل كما نقل في ابتداء قبول أخبار الآحاد، والله أعلم.
стр. 213
باب
القول في البيان
البيان في اللغة: عبارة عن الظهور, يقال: بان لي معنى هذا الكلام أي: ظهر بيانًا, وبانت المرأة عن زوجها بينونة أي: حرمت, وبان الحبيب بينًا أي: بعد وكلها ترجع إلى معنى واحد وهو: الامتياز, ولكن على أنحاء مختلفة ففرق بين أنواعها بالمصادر.
وأكثر ما يستعمل البيان في باب اللسان, وأنه على أربعة أوجه:
بيان تقرير, وبيان تفسير, وبيان تغيير, وبيان تبديل.
فأما بيان التقرير: فنحو قول الله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ فقوله تعالى كلهم قرر معنى العموم من الملائكة حتى صار لا يحتمل الخصوص.
وأما بيان التفسير: فنحو بيان المجمل والمشترك والمشكل وما لا يمكن العمل به إلا بدليل, فذلك الدليل بيان تفسير فإنه عبارة عن الكشف, وبه انكشف المعنى لأنه كان معقولاً فتقرر به.
وأما بيان التغيير: فنحو الاستثناء ﴿فلبث فيهم ألف سنه إلا خمسين عاما﴾ لأن قوله إلا خمسين ليس بتفسير للألف بل رد لبعضه فمن حيث قرر البقية كان بيانًا ومن حيث رفع بعضه كان تغييرًا.
وأما بيان التدليل: فكالتعليق بشرط نحو قوله الله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ لأن لا جناح لإزالة الحرج للحال, ولما علق بشرط, تبدل أصله فلم يوجب إزالة حتى يوجد شرطه.
فبيان التقرير والتفسير: بيان محض ما فيه تغيير, ولا تبديل بوجه فيصبح مقارنًا وطارئًا.
فإن قيل: كيف صح تأخير بيان المجمل, ولا يمكن العمل به قبل البيان فيكون تكليف ما ليس في الوسع؟
قلنا: قبل البيان لا يلزمنا العمل بل يلزمنا أن نعتقد أن الله تعالى أراد به حقًا فيكون ابتلاء بمجرد الاعتقاد, وأنه صحيح فإنه أعظم من الابتلاء بالفعل ألا ترى أن من النصوص ما هو متشابه أيسنا عن بيانه, وقد صح وروده لإيجاب اعتقاد الحقيقة في الجملة, قال علماؤنا فيمن اقر أن لفلان عليه شيئًا: إن البيان متصلًا منفصلًا لأنه تكلم بكلام مجمل.
стр. 214
وإذا قال: لفلان علي ألف درهم، وفي البلد نقدي مختلف كان البيان إليه متصلًا ومنفصلًا لأن الاسم يحتمل ضروب دراهم.
وإذا قال لامرأته: أنت بائن فالبيان إليه متصلًا ومنفصلًا لأنه يحتمل ضروب بينونات.
وإذا قال: أنت طالق، وقال: عنيت الطلاق للنكاح كان صحيحًا لأنه تقرير فعلمت أن هذين النوعين يصحان بوصل وفصل.
وأما بيان التغيير والتبديل: فيصح موصولًا، ولا يصح مفصولًا لأنه يتمحض نسخًا للكل أو للبعض مفصولًا والنسخ رفع وليس ببيان على ما نذكر، ولأن حكم الكتاب كان ثابت قبل النسخ فلو كان بيانًا لتأكد ثبوته وما انقطع، وإنما قلنا: أنه يتمحض نسخًا مع الفصل لأن الألف اسم علم لعدد معلومات على سبيل القطع لا احتمال فيه لما دونه، فلا يصير تسعمائة إلا برفع مثة منها وكان نسخًا لبعضها فكان تغييرًا، وإذا قلت: أنه حر، كان إعتاقًا لا يحتمل غيره بوجه، فيكون تعليقه بشرط رفعًا بعد ثبوته لا محالة كالقنديل يوضع ثم يعلق، وكإرسال التوكيل للحال ثم العزل إلى ما بعد شهر فيكون التعليق تبديلًا من الأصل.
ولا يكون بيانًا بوجه إلا أن يكون موصولًا بالكلام الأول لأن الكلام كما لا يتم مفهمًا للغرض منه إلا بنظم الحروف وتأليفه فكذلك الكلمة بنفسها لا تفهم المراد إلا بنظم كلمات أخر إليها، وإذا كان كذلك لم يجز الحكم بأول الكلمة حتى ينقطع النظم بالسكوت أو الانتقال إلى ضرب آخر من الكلام والاستثناء ليس بانتقال، لأنه دون المستثنى منه لا يكون كلامًا مفهمًا، وإذا لم يكن انتقالًا اعتبر جملة واحدة، وإذا اعتبر جملة والاستثناء لو طرأ كان رفعًا للبعض فإذا قارن منع الثبوت بقدره، وكان تكلمًا بما بقي بعده على ما قررنا في مسائل الاستثناء.
وكذلك التعليق بالشرط لو طرأ بعد الثبوت وصح اقتضى انعدام ذلك المرسل قبل الشرط لأن الشيء الواحد لا يوجد ابتداؤه في زمانين، وكما في المحسوس إذا أرسل القنديل استقر بالأرض، وإذا علق انعدم في مقره وإذا قارن التعليق الإرسال منع الوجود بالمقر أيضًا فكانا متصلين بيانًا يمنع اللفظ أن يعمل عمله على حسابه لولا المانع.
فمن حيث ما فيه من المنع لم يكن بيانًا.
ومن حيث لا رفع بعد الثبوت لم يكن نسخًا.
ومن حيث غير الكلام من جهة إلى جهة أخرى بالنظم كان بيانًا لما صار إليه فسميناه بيان تغيير وتبديل لاجتماع المعنيين فيه، وهذا مما لا خلاف فيه.
فإن من قال: لفلان علي ألف درهم إلا مئة، كان بيانًا ولا يلزمه المئة.
стр. 215
ولو سكت ثم قال: إلا مئة كان رجوعًا ويلزمه الألف كلها.
وكذلك إذا قال: لفلان علي ألف درهم وديعة صدق فيما بين إذا وصل، ولا يصدق إذا فصل لأنه بيان تغيير، فإنه غير حكم الالتزام عن الدراهم إلى الحفظ ألا ترى لو سكت على ألف درهم كان المضمون عين الألف لا الحفظ فالصرف إلى الحفظ تغيير، ولكن فيه معنى البيان على معنى التغيير كأنه يقول: لفلان علي ألف درهم، فكان بيانًا من حيث النقل إلى مجازه، وإذا قال: لفلان علي ألف درهم من ثمن جارية باعنيها إلا أني لم أقبضها.
قال أبو يوسف ومحمد: إن صدقه المقر له في الجهة صدق المقر، وصل أم فصل لأن السبب لما ثبت بالتصادق صار القبض محتملًا لا موجب للإقرار فيه فيكون قوله قبضتها أو لم أقبضها بيانًا محضًا.
وإذا كذبه المقر له في الجهة صدق إذا وصل ولا يصدق إذا فصل لأن قوله: لفلان علي ألف درهم إقرار بمال صحيح لو سكت عليه من ثمن جارية باعنيها إلا أني لم أقبضها بيانًا فيه معني الإبطال، لأنه متى ثبت هذا لم يبق للمقر له قبله مطالبة إلا بتسليم الجارية، ولا جارية هناك، ولكن في الجملة يجوز أن يكون الوجوب بهذا السبب فكان بيانًا فيه معنى الإبطال فأشبه الاستثناء.
وقال أبو حنيفة ﵁: لا يصح إن وصل لأنه رجوع عن القبض بعد الإقرار به، وما فيه معنى البيان من وجه لأن البيع يوجب مطالبة المشتري بالثمن حالًا قبل تسليم الجارية لا براءة له عنها إلا بعارض فلا يكون دعوى العارض بيانًا بل البيان بما يكون مقارنًا للعلة على سبيل المنع.
فأما إذا لم يصدق في دعوى العارض المسقط للمطالبة، ولا مطالبة والجارية غائبة إلا بعد القبض صار إقرارًا بالقبض ثم رجوعًا.
وإنما الاختلاف بيننا وبين الشافعي في بيان الخصوص.
قال علماؤنا ﵏: هو من قبيل بيان المحتمل فيصح مقارن وطارئًا.
قال أصحابنا فيمن قال: أوصيت لفلان بهذا الخاتم، ولآخر بفصه بكلام متصل: أن الفص كله لصاحب الفص والتخصيص يصير بيانًا كالاستثناء.
ولو فصل فقال: أوصيت لآخر بفصه، كان الفص بين الأول والثاني ولا يصير بيانًا مع الفصل كالاستثناء.
وإن كان خاصًا فعلم أنهم لم يروا التخصيص بيانًا إلا مقارنًا ولا كلام في المسألة
следующие страницы →