← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13782

تقويم الأدلة في أصول الفقه

أبو زيد الدبوسي

Полный текст (460 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وكذلك روي أن النبي ﷺ رد زينب على أبي العاص بالنكاح الأول وروي بنكاح جديد ورجحوا هذا الخبر فلما اختلف عمل علمائنا في هذا الباب علم أنهم رجحوا بوجه آخر غير الإثبات. والوجه الصحيح في ذلك أنا نستفسر النافي للحادث فإن أخبر عن سبب علمه بالنفي على وجهه صار هو والمثبت سواء. وإن قال: لم أعلم بما يزيله كان المثبت أولى، لأنه إذا أخبر عن دليل النفي ساوى المثبت في العلم بما أخبر على ما بيناه في مسألة طهارة الماء ونجاسته فإذا لم يخبر عن دليله، ولكن قال لم أعلم بما يزيله فقد أخبر أنه بقي على ما كان يجهله عما يزيله لا بعمله حجة تنفي الثبوت للحال، فلم يصر خبره عن جهل حجة في مقابلة الخبر عن علم، وإنما لا يكون هذا حجة بعذره في التمسك بما كان علم على ما نشرحه في باب استصحاب الحال، ولأن السامع يساويه في ضرب هذا العلم لأن علم بثبوت الأول ولم يعلم بزواله مثل الذي أخبره به. فلو كان هذا الخبر حجة دافعة لخبر المثبت لصار علمه بنفسه دافعًا، وكانت الأخبار أكثرها تبطل بهذا الطريق لأن أكثر الشرائع مما تبدلت، والتي كانت ثبتت يقينًا قبل التبدل فكان ثبوتها من قبل يعارض ما يرفعها فلا يثبت الرفع، وإلى هذا التفسير أشار محمد بن الحسن ﵀. وعلى هذا رجح علماؤنا خبر حرية زوج بريرة ونكاح جديد لزينب لأن الذي نفى الحالة الأولى لم يبلغنا منه ما نعلم به سبب شهادته بالحالة الأولى، فقبل التفسير الشهادة بالحادث أولى وبلغهم في خبر نكاح ميمونة بسبب شهادة عبد الله بن عباس ﵄ فإنه نقل القصة على وجهها فتساويا في حق المشهود به، ثم ترجح عبد الله لإتقانه. ومن أهل النظر من تخلص عن المعارضة بزيادة عدد الراوي وقال: إن خبر الاثنين أولى من خبر الواحد كما قاله محمد بن الحسن ﵀ في باب طهارة الماء ونجاسته لأن في الصحابة من لم يقبل خبر الواحد حتى شهد معه آخر، ولأن القلب أميل إلى خبر الاثنين. وتخلص أيضًا بحرية الراوي لأن الحرية تجعل خبره حجة في باب الشهادات فيوجب ترجيحًا كزيادة العدد وكما رجح محمد بن الحسن في باب خبر نجاسة الماء وطهارته. قال القاضي ﵁: والذي ثبت عندي من مذاهب علمائنا أنه لا مخلص بهذا لأن خبر الواحد لما ثبت حجة لم يترجح بزيادة العدد من جنسه كما لا تترجح الشهادة بزيادة الشهود، وإن كان القلب إلى شهادة العشرة أميل وكما لا يترجح بالأربعة،

стр. 212

وهي حجة في باب الزنا دون الاثنين فعلم أن الرجحان لا يطلب لباب بباب آخر، ولا بميل القلب، بل بمعاني في الحجة ألا ترى أن خبر المرأة والرجل سواء، والقلب إلى شهادة الرجل أميل. وشهادة النساء ليس بحجة في بعض الأبواب بخلاف المشهور لأنا لم نرجح بزيادة العدد بل بدخول الخبر في حد العيان، وصيرورته بابًا آخر حكمًا على ما مر، ولأن المناظرات من لدن الصحابة إلى يومنا هذا جرت بأخبار الآحاد ولم يرو في شيء منها اشتغالهم بالترجيح بزيادة عدد، ولو كان صحيحًا لقالوا، ولو قالوا لنقل كما نقل في ابتداء قبول أخبار الآحاد، والله أعلم.

стр. 213

باب القول في البيان البيان في اللغة: عبارة عن الظهور, يقال: بان لي معنى هذا الكلام أي: ظهر بيانًا, وبانت المرأة عن زوجها بينونة أي: حرمت, وبان الحبيب بينًا أي: بعد وكلها ترجع إلى معنى واحد وهو: الامتياز, ولكن على أنحاء مختلفة ففرق بين أنواعها بالمصادر. وأكثر ما يستعمل البيان في باب اللسان, وأنه على أربعة أوجه: بيان تقرير, وبيان تفسير, وبيان تغيير, وبيان تبديل. فأما بيان التقرير: فنحو قول الله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ فقوله تعالى كلهم قرر معنى العموم من الملائكة حتى صار لا يحتمل الخصوص. وأما بيان التفسير: فنحو بيان المجمل والمشترك والمشكل وما لا يمكن العمل به إلا بدليل, فذلك الدليل بيان تفسير فإنه عبارة عن الكشف, وبه انكشف المعنى لأنه كان معقولاً فتقرر به. وأما بيان التغيير: فنحو الاستثناء ﴿فلبث فيهم ألف سنه إلا خمسين عاما﴾ لأن قوله إلا خمسين ليس بتفسير للألف بل رد لبعضه فمن حيث قرر البقية كان بيانًا ومن حيث رفع بعضه كان تغييرًا. وأما بيان التدليل: فكالتعليق بشرط نحو قوله الله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ لأن لا جناح لإزالة الحرج للحال, ولما علق بشرط, تبدل أصله فلم يوجب إزالة حتى يوجد شرطه. فبيان التقرير والتفسير: بيان محض ما فيه تغيير, ولا تبديل بوجه فيصبح مقارنًا وطارئًا. فإن قيل: كيف صح تأخير بيان المجمل, ولا يمكن العمل به قبل البيان فيكون تكليف ما ليس في الوسع؟ قلنا: قبل البيان لا يلزمنا العمل بل يلزمنا أن نعتقد أن الله تعالى أراد به حقًا فيكون ابتلاء بمجرد الاعتقاد, وأنه صحيح فإنه أعظم من الابتلاء بالفعل ألا ترى أن من النصوص ما هو متشابه أيسنا عن بيانه, وقد صح وروده لإيجاب اعتقاد الحقيقة في الجملة, قال علماؤنا فيمن اقر أن لفلان عليه شيئًا: إن البيان متصلًا منفصلًا لأنه تكلم بكلام مجمل.

стр. 214

وإذا قال: لفلان علي ألف درهم، وفي البلد نقدي مختلف كان البيان إليه متصلًا ومنفصلًا لأن الاسم يحتمل ضروب دراهم. وإذا قال لامرأته: أنت بائن فالبيان إليه متصلًا ومنفصلًا لأنه يحتمل ضروب بينونات. وإذا قال: أنت طالق، وقال: عنيت الطلاق للنكاح كان صحيحًا لأنه تقرير فعلمت أن هذين النوعين يصحان بوصل وفصل. وأما بيان التغيير والتبديل: فيصح موصولًا، ولا يصح مفصولًا لأنه يتمحض نسخًا للكل أو للبعض مفصولًا والنسخ رفع وليس ببيان على ما نذكر، ولأن حكم الكتاب كان ثابت قبل النسخ فلو كان بيانًا لتأكد ثبوته وما انقطع، وإنما قلنا: أنه يتمحض نسخًا مع الفصل لأن الألف اسم علم لعدد معلومات على سبيل القطع لا احتمال فيه لما دونه، فلا يصير تسعمائة إلا برفع مثة منها وكان نسخًا لبعضها فكان تغييرًا، وإذا قلت: أنه حر، كان إعتاقًا لا يحتمل غيره بوجه، فيكون تعليقه بشرط رفعًا بعد ثبوته لا محالة كالقنديل يوضع ثم يعلق، وكإرسال التوكيل للحال ثم العزل إلى ما بعد شهر فيكون التعليق تبديلًا من الأصل. ولا يكون بيانًا بوجه إلا أن يكون موصولًا بالكلام الأول لأن الكلام كما لا يتم مفهمًا للغرض منه إلا بنظم الحروف وتأليفه فكذلك الكلمة بنفسها لا تفهم المراد إلا بنظم كلمات أخر إليها، وإذا كان كذلك لم يجز الحكم بأول الكلمة حتى ينقطع النظم بالسكوت أو الانتقال إلى ضرب آخر من الكلام والاستثناء ليس بانتقال، لأنه دون المستثنى منه لا يكون كلامًا مفهمًا، وإذا لم يكن انتقالًا اعتبر جملة واحدة، وإذا اعتبر جملة والاستثناء لو طرأ كان رفعًا للبعض فإذا قارن منع الثبوت بقدره، وكان تكلمًا بما بقي بعده على ما قررنا في مسائل الاستثناء. وكذلك التعليق بالشرط لو طرأ بعد الثبوت وصح اقتضى انعدام ذلك المرسل قبل الشرط لأن الشيء الواحد لا يوجد ابتداؤه في زمانين، وكما في المحسوس إذا أرسل القنديل استقر بالأرض، وإذا علق انعدم في مقره وإذا قارن التعليق الإرسال منع الوجود بالمقر أيضًا فكانا متصلين بيانًا يمنع اللفظ أن يعمل عمله على حسابه لولا المانع. فمن حيث ما فيه من المنع لم يكن بيانًا. ومن حيث لا رفع بعد الثبوت لم يكن نسخًا. ومن حيث غير الكلام من جهة إلى جهة أخرى بالنظم كان بيانًا لما صار إليه فسميناه بيان تغيير وتبديل لاجتماع المعنيين فيه، وهذا مما لا خلاف فيه. فإن من قال: لفلان علي ألف درهم إلا مئة، كان بيانًا ولا يلزمه المئة.

стр. 215

ولو سكت ثم قال: إلا مئة كان رجوعًا ويلزمه الألف كلها. وكذلك إذا قال: لفلان علي ألف درهم وديعة صدق فيما بين إذا وصل، ولا يصدق إذا فصل لأنه بيان تغيير، فإنه غير حكم الالتزام عن الدراهم إلى الحفظ ألا ترى لو سكت على ألف درهم كان المضمون عين الألف لا الحفظ فالصرف إلى الحفظ تغيير، ولكن فيه معنى البيان على معنى التغيير كأنه يقول: لفلان علي ألف درهم، فكان بيانًا من حيث النقل إلى مجازه، وإذا قال: لفلان علي ألف درهم من ثمن جارية باعنيها إلا أني لم أقبضها. قال أبو يوسف ومحمد: إن صدقه المقر له في الجهة صدق المقر، وصل أم فصل لأن السبب لما ثبت بالتصادق صار القبض محتملًا لا موجب للإقرار فيه فيكون قوله قبضتها أو لم أقبضها بيانًا محضًا. وإذا كذبه المقر له في الجهة صدق إذا وصل ولا يصدق إذا فصل لأن قوله: لفلان علي ألف درهم إقرار بمال صحيح لو سكت عليه من ثمن جارية باعنيها إلا أني لم أقبضها بيانًا فيه معني الإبطال، لأنه متى ثبت هذا لم يبق للمقر له قبله مطالبة إلا بتسليم الجارية، ولا جارية هناك، ولكن في الجملة يجوز أن يكون الوجوب بهذا السبب فكان بيانًا فيه معنى الإبطال فأشبه الاستثناء. وقال أبو حنيفة ﵁: لا يصح إن وصل لأنه رجوع عن القبض بعد الإقرار به، وما فيه معنى البيان من وجه لأن البيع يوجب مطالبة المشتري بالثمن حالًا قبل تسليم الجارية لا براءة له عنها إلا بعارض فلا يكون دعوى العارض بيانًا بل البيان بما يكون مقارنًا للعلة على سبيل المنع. فأما إذا لم يصدق في دعوى العارض المسقط للمطالبة، ولا مطالبة والجارية غائبة إلا بعد القبض صار إقرارًا بالقبض ثم رجوعًا. وإنما الاختلاف بيننا وبين الشافعي في بيان الخصوص. قال علماؤنا ﵏: هو من قبيل بيان المحتمل فيصح مقارن وطارئًا. قال أصحابنا فيمن قال: أوصيت لفلان بهذا الخاتم، ولآخر بفصه بكلام متصل: أن الفص كله لصاحب الفص والتخصيص يصير بيانًا كالاستثناء. ولو فصل فقال: أوصيت لآخر بفصه، كان الفص بين الأول والثاني ولا يصير بيانًا مع الفصل كالاستثناء. وإن كان خاصًا فعلم أنهم لم يروا التخصيص بيانًا إلا مقارنًا ولا كلام في المسألة

стр. 216

من حيث المعنى ابتداء بل يبتنى على ما مضى من حكم العموم، فإن حكمه عندنا عموم على سبيل القطع بلا احتمال خصوص كالألف اسم لكل ذلك العدد على سبيل القطع بلا احتمال خصوص لغيره فيكون التخصيص رفعًا للحكم عن بعضه بعد ثبوته كما في الألف مع الاستثناء فيكون بيان تغير. والمذهب عنده أن العام ظاهره التعميم مع احتمال الخصوص. وإذا كان ثبوته على هذا الاحتمال كان التخصيص بيانًا لما كان يحتمله ولم يكن رفعًا، وكان من قبيل بيان المحتمل وقبيل العام الذي ثبت خصوصه. فإن القول بعمومه واجب بعد الخصوص على اعتقاد احتمال الخصوص وجواز الخطأ فيما قال به من العموم، وكآية إحلال البيع فإنها عامة يقال بعمومها وأبواب الربا بيان أنها لم تدخل تحته وكان رسول الله ﷺ يبين الأبواب واحداً بعد واحد. وكما يجب العمل بالقياس على احتمال أنه خطأ وأنه يجوز أن يتبين بالخبر فساد قوله، فثبت أن البيان مما يجوز وروده مقارنًا ومتراخيًا بلا خلاف. وإنما الاختلاف فيما ليس ببيان محض إذا كان مقارنًا، ولكنه تبديل فيكون الاختلاف بعد هذا في تمييز البيان عن التبديل لا في جواز تأخير البيان. واحتج الخصم بنصوص منها قوله تعالى: ﴿فإذا قرأنه فاتبع قرءانه* ثم إن علينا بيانه﴾ ضمن البيان بعد إلزام اتباع الظاهر لأن كلمة ثم للتراخي. وقال: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ وكان المراد بها الأصنام دون عيسى والملائكة عليهم الصلاة والسلام، وإنما يتبين ذلك ببيان متراخ بقوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ فإنها نزلت بعدما عارض الكفرة منهم ابن الزبعرى رسول الله ﷺ بعيسى والملائكة صلوات الله عليهم. وقال الله تعالي: ﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية﴾ والمراد بها غير لوط وأهله. وتأخير البيان إلى أن سأل إبراهيم ﵈ أن فيها لوطًا ﴿قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله﴾. وكذلك قال الله تعالى لنوح: ﴿قلنا أحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك﴾ والمراد غير ابنه، وتأخر البيان إلى أن سأل نوح ﴿إن أبنى من أهلى﴾ فقال الله تعالى: ﴿إنه ليس من أهلك﴾. وقال في خمس الغنائم: ﴿ولذى القربي﴾ والمراد بالقربى بنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم وتأخر البيان إلى أن سال عثمان وجبير بن مطعم، وأمر الله

стр. 217

تعالى بني إسرائيل بذبح بقرة وتأخير بيان أوصافها إلى إن سألوا ولأن البيان مرة يكون بالقول ومرة يكون بالفعل كما قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) والبيان بالفعل لا يكون إلا متراخيًا. وقال الشافعي: الله تعالى أثبت المواريث بين الناس ثم إن النبي ﷺ يبن أن لا ميراث بين أهل الكفر والإسلام، وأثبت الميراث بعد الوصية مطلقًا، ثم بين النبي ﷺ أن المراد به وصية من الثلث فما دونه. فأما الجواب عن الأول: فإنا نجوز البيان متراخيًا كما قال الله تعالى، ولكن نقول: ما فيه رفع أو تغيير لا يكون بيانًا إلا متصلًا وإذا جاء متراخيًا كان نسخًا، والنسخ لا يكون بيانًا ألا ترى أن من الآيات ما هي محكمات كآيات صفات الله تعالى لا تقبل النسخ، وهي قابلة للبيان والتقرير فثبت أنهما مختلفان وعلى ما نبينه بعد هذا في باب النسخ. وعن الثاني: أن عيسى والملائكة ﵈ لو يكونوا دخلوا تحت قوله: ﴿وما يعبدون﴾ بطريقين: أحدهما: أن الله تعالى خاطب قريشًا بذلك وهم كانوا عبدة أوثان. والثاني: أن كلمة ما عام فيما لا يعقل ولا يدخل تحتها من يعقل إلا على سبيل المجاز، وكان الكفر متعينين بمعارضتهم متكلمين بلبس، وكان رسول الله ﷺ يسكت عن جوابهم إعراضًا عن اللغو كما قال الله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه﴾، ﴿وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾ ثم إن الله تعالى تولى الجواب ببيان شاف يرد لبسهم فقال: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ فكان بيانًا زائدًا لا واجبًا كما قال الله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون* إلا إبليس﴾ وهو لم يكن منهم فكان الاستثناء بيانًا صورة، وهو استثناء مقطوع عن الأول معنى. وكذلك قوله: ﴿لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما* إلا قيلا سلاما سلاما﴾ فهذا بيان ما فيه تغيير للأول ولا تقرير بل زيادة حكم على سبيل الابتداء غير متصل بالأول حقيقة وإنما يتصل به صورة فكذا فيما نحن فيه. ونظير ذلك محاجة إبراهيم نمرود اللعين حيث قال: ﴿ربي الذي يحي ويميت﴾ وكان يحاجه بإحياء حقيقي فقال اللعين: ﴿أنا أحى وأميت﴾ وإنما أراد إحياء مجازا بدفع سبب الهلاك عن حي فأعرض إبراهيم عن جوابه وجاء بما يزيل اللبس عن العامة فقال: ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتب ها من المغرب﴾

стр. 218

ولم يكن هذا بيان الأول بوجه بل كان كلامًا مبتدأ جاء به لإزالة اللبس وأعرض عن الأول من غير إفحام. وأما قصة لوط: فكان البيان فيها مقرونًا بالنص: فإن الرسل ﵈ قالوا: ﴿إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين﴾ فأخبروا بالهلاك بسبب الظلم فكان لوط ﵇ وأهله لا يدخلون تحت هذا النص، إلا أن إبراهيم ﵇ اغتم للوط ﵇ وإن لم يدخل تحت النص فإن العذاب قد ينزل خاصًا بالظالمين، كما كان بأصحاب السبت. وقد ينزل عامًا كما قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ولما كان السؤال لإشكال ثبت له باحتمال الحال دون النص صح ورود البيان متراخيًا للحال دون النص، ويحتمل أنه سأل عن حال لوطًا ﵇ وإن علم بنص الملائكة على سبب الهلاك؛ أن لوطًا ﵇ غير داخل تحتهم ليزداد علمًا بنص خاص في لوط ليزداد به طمأنينة القلب كما سأل ريه فقال: ﴿رب أرنى كيف تحى الموتى﴾، وإن كان علم تلك القدرة، ولكن قال ليطمئن قلبه بزيادة البصيرة بالمعاينة على أن الملائكة كانوا نصوا على استثناء لوط إنا لمنجوهم أجمعين* إلا امرأته﴾ إلا أن الله تعالى لم يحك الاستثناء في بعض القصص اختصارًا أو اكتفاء بما دل عليه اللفظ. وأما قصة نوح فكان بيان الابن مقرونًا بالنص فإنه قال: ﴿وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم﴾ فكان استثنى من أهله من سبق عليه القول غير أن نوحًا ﵇ لم يتيقن بالاستثناء بلا نص على ابنه أنه ابنه وظن- والله اعلم- أنه استثنى من سبق عليه القول من الكفرة، فإن الاستثناء يحتمل ما ذهب إليه نوح بين الله تعالى لنوح فقال: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ بل هو ممن سبق عليه القول فكان تقريرًا لظاهر الاستثناء وصح متراخيًا. ويحتمل أن نوحًا ﵇ لما دعاه بعدما نزل العذاب وقال له: ولا تكن مع الكفرين﴾ ظن إجابته بعدما غاب عنه بسبب تلك الأهوال فسأل ربه بناء على ظنه فقال الله تعالى: ﴿إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم﴾ وإنه لم يؤمن وإنه ليس من أهلك معنى، وكان اعتقاد نوح إنه من أهله على ظنه الإجابة لا عن نص الله تعالى على أهله، فإن الله تعالى كان استثنى من النص من سبق عليه القول وكان الجواب من الله تعالى بيانًا لما تخيل لديه لا للنص.

стр. 219

وهذا كما استغفر إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه حتى بين الله تعالى له أنه لم يؤمن فتبرأ منه. وأما قصة بقرة بني إسرائيل فذلك الوصف عندنا زيادة على الإطلاق ولم يكن له حكم النسخ على ما مر بيانه، والنسخ لا يكون إلا طارئًا. وهكذا روي عن ابن عباس: أنهم لو عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لكفاهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. اللفظ كما هو. وأما آية (ذوي القربى) فلا عموم لها، لأن القربى تحتمل ضروب قرب، وضروب قرابات بنفسه وبأبيه وجده وجد جده إلى آدم ﵇ فلا يمكن تعميمها، وكل لفظ لا يمكن إثبات عمومه يجب التوقف فيه كقول الله تعالى: ﴿وما يستوى الأعمى والبصير﴾ فصح البيان متراخيًا فبين رسول الله ﷺ بما قال لهم أن المراد بها القربى بنصرتي لا بنفس النسب، أو المراد بها قربى عمومتي من بني هاشم دون غيرهم إلا أن بني المطلب التحقوا بهم بسبب النصرة. وأما البيان بالفعل متراخيًا فلا يصح بخلاف عموم وجب القول بظاهره، وإنما يجوز على الوجه الذي يجوز بالقول، وإنما لا ننكر تأخير البيان قولًا، وفعلًا على ما بينا وإنما ننكر أن يكون التخصيص الطارئ بيانًا للعموم بل نقول إنه بمنزلة النسخ إلا عمومًا ثبت خصوصه بدليل مقارن، فتكون زيادة التخصيص بعد ذلك بيانًا لما ثبت من التخصيص بالدليل المقارن من حيث إنه يجعله من قبيله، لا أن يكون بيانًا للعموم بحال فإن البيان حده ما ذكرنا من تفسير الكلام على محتمله وضعًا أو معنى أو تقريرًا لما ثبت منه بزيادة بيان فأما معنى لا يثبت منه إلا بدليل يصده عن وجهه إلى غيره، فلا يكون بيانًا إلا على سبيل المقارنة لأن الصاد متى اقترن به منع عمل مطلقه فأما إذا لم يقترن به عمل اللفظ عمله عند عدم المانع فيصير المانع بعده رافعًا لا محالة فلا يكون بيانًا، والله أعلم. وأما الجواب عن فصل الميراث والوصية: أن شرط الإسلام في باب الميراث من باب الزيادة على المطلق، وذلك من النسخ عندنا دون التخصيص، وقد ثبت بخبر اقترن به الإجماع أو بآية قطع الولاية بيننا وبينهم وقد احتمل أن آية قطع الولاية كانت قبل آية المواريث، وأما الوصية فتحتمل أن السنة في الثلث كانت قبل الآية فكان البيان مقارنًا، والله أعلم.

стр. 220

باب القول في النسخ تفسيرًا وجوازًا أما التفسير: فالنسخ هو التبديل والإبطال ونحو ذلك، تقول العرب: نسخت الشمس الظل؛ إذا أبطلته، ونسخت الرياح الديار، إذا أبطلت أعلامها، ونسخت الرسوم؛ إذا بدلت. ومنه مذهب التناسخ وهو: تبديل جسم بجسم آخر بالروح الأول. ومنه انتساخ الكتاب وهو: نقله إلى كتاب آخر نقل مثله، وهو نقل مثل المكتوب الأول لا نقل الأول بعينه إلى الثاني لأنه لا يتصور فسمي النقل بحسب الإمكان انتساخًا مجازًا. ومنه نسخ الشرائع بتبديلها بشريعة أخرى، وقد نطق القرآن بالنسخ ﴿ما ننسخ من اية أو ننسيها﴾، ونطق بالتبديل ﴿وإذا بدلنا أية مكان أية﴾. وأما الجواز: فقد قال به أهل الإسلام إلا قليلًا لا يعتد بهم قالوا: إنه لا يجوز. وقالت اليهود: النسخ باطل إلا أن منهم من أبى جوازه عقلًا، ومنهم من جوزه عقلًا وأبى شرعًا فصاروا فريقين، وكذلك المسلمون فريقان إلا أن من أنكر جوازه قوم لا يعتد. فأما الذين أبوه شرعًا سمعًا فقد احتجوا بأنهم وجدوا في التوراة (تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرضون) فثبت أنه دائم بالنص إلى يوم القيامة، وفي تجويز النسخ ارتفاعه فيكون بخلاف ما نص عليه وفيه تناقض، ولأنه لا خلاف أن وقت الثبوت متى نص عليه لم يجز النسخ فيه قالوا: ولأنه بلغنا بالتواتر عن موسى ﵇ أنه لا نسخ لشريعته كما تدعون أنتم ذلك في شريعتكم وتحتجون له بالتواتر. وأما الذين قالوا: لا يجوز عقلًا، فقالوا: إن الله لا يشرع شريعة إلا لحسنها ولا ينهى عن فعل إلا لقبحه، فلما دل الشرع على الحسن لم يجز النسخ والرفع إلا للقبح، ولا يتصور القبح إلا بتبين الغلط، ولا يجوز ذلك على الله تعالى، ولأن الأوامر المطلقة ثابتة أبدًا ألا ترى أنها تبقى ما لم يظهر نسخها موجبة كذلك كما كانت موجبة ابتداء فصارت بمنزلة ما لو نص على الأبد ولو نص على الأبد فقال: افعلوا كذا أبدًا، لم يجز نسخه فكذلك هذا. وأما الفريق من المسلمين فقوم لا يمكنهم الخروج عما ثبت في القرآن من النسخ

стр. 221

نحو قوله: ﴿ما ننسخ من أية﴾ الآية وقوله: ﴿وإذا بدلنا أية مكان أية﴾ ونسخ بيت المقدس بالكعبة في باب القبلة, ونسخ حد الزنا من الإيذاء والحبس بالجلد, ولا وجه لقولهم مع الإقرار بشريعة محمد ﷺ وانتساخ سائر الشرائع بشريعته. وأما الحجة للمسلمين: فهو أن النسخ عندنا إنما يجوز لأحكام تحتمل أن لا تكون مشروعة ثابتة لولا الشرع, ويرد النسخ علي البقاء ثابتًا فيما يحتمل أن تثبت مؤقتة بالنص وسكت النص عن ذكر المدة على ما بيننا بعد هذا, لأن المدة لما لم تذكر واحتملت البيان. ولما كان بيانًا لما غاب عنها من قدر المدة وهي معلومة عند الله تعالى من الابتداء لم يكن رجوعًا, ولا رفعًا لثابت تبين الغلط فيه, وكان إحياء الله تعالى شريعته بأمره يحتمل التوقت كإحياء الله تعالى إنسانًا أو تكوين العالم ثم كانت الإماتة والإفناء في الحق الله تعالى بيانًا لمدة البقاء ولم يكن فيه بد وغلط فيما أبرم وحكم فكذلك هذا لأن الله تعالى كما لا يأمر إلا لحكمة حسنة فكذلك لا يخلق إلا لحكمة حسنة. فإن قيل: لما لم يوجب شرع الأحكام بقاؤها كيف بقيت اليوم؟ قلنا: إن البقاء بدليل آخر كما في كل العالم, وكما قيل في إحياء الشخص أنه لا يوجب البقاء بل هو بدليل آخر أو بعدم ما يعدمه, وأنه في الجملة في زمان الوحي بمنزلة حي يغيب ولا يدري حاله فإنه في نفسه على الحياة حتى يقوم دليل الممات لأنه في نفسه يحتمل البقاء والموت, والأصل هو الحياة فاستصحبنا تلك الحالة ولم نبدلها بالاحتمال فكذلك ما حسن من الأحكام بالنص احتملت البقاء كذلك حسنة، واحتملت التبدل والزوال, ولا تبدلها بالاحتمال. فإن قيل: فعلي هذا لا يكون نسخًا للأمر. قلنا: نعم ولا يجوز النسخ لأصله لأنه لا يجوز إلا بعد تبيين الغلط فيه, ولكنه نسخ للبقاء في حقنا ظاهرًا لأنه ما ارتفع في حقنا إلا بالناسخ فأما في حق الله تعالى فانتهاء كالقتل يجعل قطعًا للحياة في حق العباد وهو نهاية في علم الله تعالى، وموته بأجله المكتوب له فكان النسخ على الحقيقة بيانًا لمدة البقاء كالموت للحي غير أن قدر المدة لما غاب عنا. ولولا الناسخ لزمنا الحكم بالأول أبدًا, وبالناسخ رفع الحكم فسمي نسخًا, ولا إشكال أن الأخت كانت حلًالا للأخ في شريعة آدم ﵇, وبذلك تناسلوا, وأنه حرام في شريعة موسي ﵇.

стр. 222

وأما الجواب عن السمع فإنه ثبت عندنا بكتاب الله تعالى أنهم حرفوا ما في التوراة فلم يبق نقلهم اليوم حجة دل عليه أن حواء خلقت من آدم وحلت له, واليوم حرام على الأب ما خلق من الإناث, والله أعلم.

стр. 223

باب القول في أقسام النسخ في نفسه أقسام النسخ نفسه في أربعة: نسخ الحكم مع تلاوة نظمه. ونسخ الحكم كله أو بعضه دون تلاوة النص برسمه. ونسخ تلاوة النص دون حكمه. ونسخ بزيادة على النص برسمه. وهذا مذهبنا إذا كان الثابت بالنص سببًا للحكم أو حكمًا. وقال الشافعي: الزيادة على النص بيان, وليس بنسخ. وقال يعضهم: لا يكون النسخ للتلاوة دون الحكم, ولا للحكم بدون التلاوة, لأن النص متلو هو الموجب للحكم, فلا يجوز أن يبقى السبب الموجب بلا وجوب أصلًا لأن الأسباب لا تبقى بدون أحكامها مقصودة, وكذلك الحكم لا يبقى بنفسه بلا سببه. وأما نسخ التلاوة مع الحكم فنحو صحف إبراهيم التي أخبر بها الله تعالى, وما بقي منها أثر, وذلك بأحد طريقين إما بصرف الله تعالى القلوب عن حفظها ورفع ذكرها عن القلوب أو بموت العلماء بلا خلف, وهذا الضرب كان جائزًا على القرآن ما كان رسول الله ﷺ حيًا فأما بعد وفاته فممتنع لأنه لو جاز ذلك في البعض لجاز في الكل والله تعالى يقول: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ ولم يرد الله حفظه لديه فإنه مما لا يجوز أن يتصف الله بنسيان أو غفلة. فثبت أنه أراد حفظه لدينا فإنه مما يحتمل ضياعه بتبديل منا قصدًا كما فعل أهل الكتاب أو بنسيان. ولأن الله تعالى ما أخلى عباده فيما ابتلاهم به من أداء أماناته عن الوحي, وما تركهم ومجرد العقول. ولو احتمل ذهاب القرآن ولا وحي يتجدد بعد رسول الله ﷺ لخلو عن الوحي في مدة الابتلاء, ولم يوجد ذلك من الله تعالى فيما مضى قبلنا, وغير جائز ذلك مع قيام الابتلاء بهذه الحدود من العبادات, لأنا لاننالها بمجرد العقول, ولا انتساخ لهذه الشريعة فعلم ضرورة بقاء الوحي كما أنزل معنا إلى وقت ارتفاع الخطاب بالابتلاء بآيات القيامة

стр. 224

التي ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرًا﴾. والدليل على الجواز نسخ التلاوة دون الحكم, أو الحكم دون التلاوة أن حد الزنا كان هو الحبس والإيذاء باللسان بنص الكتاب ثم نسخا بالجلد والرجم, والتلاوة باقية غير منسوخة, وهذا لأن للتلاوة أحكامًا أخر غير ما يثبت به من حكم عرف لغة نحو تعلق جواز الصلاة بها وثبوت الإعجاز على أن بقاء الحكم لو لم ينسخ ما كان يضاف إلى النص فإن الأمر بفعل مطلق لا يوجب إلا ثبوت ذلك الفعل المأمور به. وأما بقاؤه كذلك ثابتًا فلا يضاف إليه على ما بينا في الباب الأول, بل ما ثبت يبقى كذلك بلا دليل حتى يقوم دليل الزوال. وإذا لم يضف إليه لم يتبدل حكم النص في نفسه بانتساخ الحكم كالبيع يوجب الملك لا دوامه فإن فسخ المشتري ملكه ببيع أو إعتاق لم يتدل به حكم البيع الأول فيما أوجب له من الملك, وإنما يتبدل ما لم يجب به, وإنما يحتج بالآيات للأحكام لبيان ثبوتها بها ابتداء لا لبقائها فينا اليوم. وأما نسخ التلاوة دون الحكم فجائز لما ذكرنا أن التلاوة حكم زائد غير العمل بموجب النص, وذلك لن الأحكام مرة تثبت بوحي متلو كالقرآن, ومرة بوحي غير متلو مما أوحى الله إلى النبي ﷺ لا قرآنًا, فكان وجوب التلاوة للقرآن حكمًا زائدًا مخصوصًا به للتشريف والإظهار من حيث أنه معجز تم البقاء كما ثبت بحكم لا دليل على زواله, فإذا قامت الدلالة زالت وتبين بها مدة البقاء محتملة للثبوت, ولضده. وكذلك التلاوة كانت سببًا لجواز الصلاة فيبقى كذلك سببًا حتى يقوم دليل الزوال. قال علماؤنا: إن صيام كفارة اليمين متتابعة لأن في قراءة عبد الله بن مسعود ﵁ ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعين﴾ فمتتابعات نسخت تلاوتها وبقي حكمها وهذا صحيح. لأن التلاوة متى نسخت بقيت وحيًا غير متلو. فالحكم مما يجب به وقد مر أن نفس التلاوة حكم مقصود, يجوز ثبوتها بنفسها, وانتساخها كذلك. فإن قيل: وبم يعرف الانتساخ للتلاوة فيما ذكرت؟ قلنا: لأن عبد الله كان يرويها وهو عدل, فلا يبقى لتصديقه وجه سوى أنها كانت ثابتة, غير أن الله تعالى لما نسخها دون حكمها, رفع ذكرها عن القلوب إلا عن قلب عبد الله, ليبقى الحكم بقراءته. ولا تثبت التلاوة بروايته. وأما الزيادة على النص فقال الخصم: إنها بيان لآن النسخ تبديل على ما مر, وفي الزيادة تقرير لما كان ثابتًا , وضم آخر إليه. نحو آية الزنا أثبتت الجلد مئة والسنة أثبتت النفي معه حدًا, وآية كفارة اليمين رقبة مطلقًا, والآية المقيدة أثبتت زيادة الإيمان عليه.

стр. 225

ولأن بني إسرائيل أمروا بذبح بقرة فاستوصفوا فوصفت لهم بما لم تكن ثابتة بمطلق البقرة وكان بيانًا. ولأن زيادة القيد على المطلق تجري مجرى التخصيص من العموم لأن الرقبة متى قيدت بالإيمان صارت الكافرة مخصوصة من بين الجملة. ولعلمائنا ﵏ أن الذي ذكرتم صورة, وأن الزيادة نسخ معنى لأن الآية جعلت الجلد مئة حد الزنا, ومتى كان الجلد حدًا مع النفي لم يكن المذكور في الكتاب حدًا بنفسه لأن حقوق الله تعالى من عبادة أو عقوبة أو كفارة لا يتجزأ ثبوتها ولا أداؤها, ومتى عدم شيء منها لم يكن للباقي حكم الجواز بحال, كالركعة من الفجر, والركعتين من الظهر, إذا فصلت عما بقيت لم يكن ظهرًا ولا بعضها. وكذلك صوم نصف يوم, وكذلك من صيام شهرًا عن كفارة القتل ثم مرض, فأراد أن يتمه بالإطعام لم يجز, لأن المشروع كفارة صوم شهرين, فلا يكون لأحد الشهرين قبل الإتمام بما بقي حكم الأداء. وكذلك قال علماؤنا: إن الشهادة في حد القذف تبطل بناء على إقامة الجلد, ولو جلد إلا سوطًا لم تبطل الشهادة, وكانت في أنها لا تتجزأ ثبوتًا بمنزلة العلل. والعلة متى عدم بعض منها لم يكن للموجود منها حكم الوجود بحال. وإذا لم يكن الباقي دون الزيادة حدًا كان نسخًا. وكذلك كفارة اليمين متى جعلت رقبة مؤمنة, لم تبق المطلقة عن هذا الوصف كفارة بوجه. وكذلك ركن القراءة في الصلاة, متى كانت فاتحة الكتاب لم تبق قراءة القرآن مطلقًا على ما قال الله تعالى ركنًا. وكذلك حكم كل علة لا يتجزأ ثبوته فثبوت بعضه دون بعضه لا يكون, إلا بعلة أخرى وإن كان حكمها بعض حكم تلك العلة. وكذلك بقرة بني إسرائيل فقد ذكرنا فيما مضى أن الوصف لم يكن بيانًا بل كان نسخًا بزيادة. وأما التخصيص عندنا فيكون بيانًا إذا جاء مقرونًا بالنص, وأما طارئًا فلا يكون بيانًا ولا تخصيصًا, على أن الزيادة ليست بتخصيص. فإن حكم العموم إذا خص منه بقى الحكم فيما لا يخص بالنص العام بعينه لا بشيء آخر فلم يكن نسخًا, لما بقي من الحكم بقدر ما بقى على ما كان. ومتى زيدت لم يبق للنص الأول حكم. فإن نص الزنا جعل الجلد حدًا ولا يبقى حدًا بنفسه بعد ثبوت النفي حدًا معه. وآية الكفارة جعلت الرقبة بدون صفة الإيمان كفارة, ولا تبقى بعد قيد الإيمان

стр. 226

كفارة, لأن الكافرة تخرج من الجملة والمؤمنة تجوز, لا لأنها رقبة على ما قال الله تعالى, بل للوصف الزائد الذي ليس في الكتاب, وبدونه لا يكون ما يبقى كفارة ولا بعضها, فالزيادة نسخ معنى, وبيان الصورة. ولأن البيان اسم لما يحتمله اللفظ, ولما ينتظم عليه الاسم والرقبة لا تنتظم على الأوصاف. والجلد مئة لا يحتمل النفي فلا يكون إثبات هذه الزيادة بيانًا بل رفعًا لذلك, الحكم عن القدر المذكور, وتعليقًا بالزائد كالتحرير المرسل إذا علق بالشرط تبدل الإرسال ويصير شيئًا آخر معنى, بل يسقط حكم العلة أصلًا إلى أن يوجد الوصف الآخر, فيصير جملته علة فكأن الخصم اعتبره بحقوق العباد, فإن الزيادة من جنسها لا توجب تغيير ما كان, لأنها تتجرأ ثبوتًا وأداء, فيصير بين الزيادة والأصل مجاورة, وبالجوار لا يصير الجار شيئًا آخر. وأما في أحكام الشرع وأسبابها فيصير ما كان مع الزيادة شيئًا واحدًا, إما علة واحدة أو حكمًا واحدًا, وإذا كان يصير شيئًا واحدًا والاسم تعلق بما زيد ذهب ما دونها, ولهذا قال أبو حنيفة, وأبو يوسف: إن الطلاء إذا اشتد لم يحرق قليله, وإن حرم كثيره بصفة الإسكار, لأن القليل غير مسكر وماله حكم السكر بوجه, لأن السكر حكم والشراب بقدر معلوم علته, فلا يكون لبعضه حكم العلة. قال علماؤنا: فيمن وجد ماء لا يكفيه لوضوئه لم يلزمه استعماله ويباح له التيمم, لأن الماء لما لم يجب استعمال لنفسه بل لحكم وهو إباحة الصلاة, والإباحة حكم علق بماء يكفي الأعضاء كلها, فلا يكون لبعضه حكم ذلك القدر بحال, وكان كالنجاسة إذا كثرت منعت الصلاة, فلا يكون لما دون المقدار حكم تلك النجاسة بوجه. والأربع من النساء علة لتحريم النكاح عليهن, ولا يكون للواحدة من الأربع حظ في التحريم, وشطر البيع علة لإيجاب الملك, فلا يكون لأحد شطريه أثر في الإيجاب. ولهذا أبى علماؤنا رحمهم الله تعالى إثبات الفاتحة ركنًا في الصلاة بخبر الواحد لأنه نسخ. وزيادة النفي حدًا في الزنا بخبر الواحد. وزيادة الطهارة شرطًا أصليًا في الطواف يخبر الواحد. وزيادة صفة الإيمان على الرقبة للكفارة بخبر الواحد, أو القياس. وقد قالوا: أن شاهدين لو شهد أحدهما لرجل ببيع عبد له بألف, والآخر بألف وخمسمائة بطلت الشهادة. وكانا غيرين, لأن الشراء جعل سببًا للوجوب بالثمن والمثمن فكان شرطين لصيرورته بيعًا, فيكون زيادة القدر في الثمن بمنزلة زيادة شرط والمعلق بشرطين غير المعلق بشرط والله أعلم.

стр. 227

باب القول في البيان ما يحتمل النسخ من الأحكام وما لا يحتمل وقد ذكرنا أن النسخ بيان لمدة بقاء المشروع مشروعًا, فلا بد أن يكون المشروع مما يحتمل الثبوت مؤقتا بالنص حتى يقبل النسخ. فإما ما لا يحتمل التوقيت بالنص فلا يقبل النسخ. كوجوب الإيمان بالله تعالى, وبصفاته, وبكتبه وبرسله, لأن الله تعالى بصفاته كان لم يزل ويكون لا يزال ومن صفاته أنه مطاع, وأنه صادق. وإنما يجوز فيما لو قال الله شرعت هذا إلى وقت كذا لصح ولم يبق بعده, وهو شرع الفروع التي لم تكن, ثم شرعت وما كانت تكون ثابتة لولا الشرع, لأنها لم احتملت أن لم تكن حقًا لله تعالى احتملت أن لا تبقى ثم هذه الأحكام في ثبوتها في حق الوقت أقسام أربعة: ١ - إما أن تكون ثابتة أبدًا بدلالة موجبة اقترنت به, كشريعة محمد ﷺ بعده ثابتة أبدًا لأنه لا نسخ إلا بخبر عن الله تعالى. وثبت بالنص أنه خاتم الأنبياء فعرف دوامه بدلالة أن لا نبي بعده, وكانت كالمخلوق الذي نص على بقائه أبدًا كالدار الآخرة وقد شرع الله تعالى علينا أن نعتقده كذلك. ٢ - وإما أن تكون ثابتة أبدًا بالنص كقوله تعالى: ﴿وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة﴾. ٣ - أو تكون ثابتة إلى وقت معلوم بالنص كقول القائل: حرمت كذا سنة, أو أحللت سنة, أو جعلت لك كذا أو كذا عملًا تعمله عشر سنين, ومالها مثال من المنصوصات شرعًا. ٤ - أو كان مطلقًا عن ذكر الوقت من حكم وسبب لحكم كالوقت لوجوب الصلاة والصيام, والزنا لوجوب الحد, واليمين لوجوب الكفارة. والنسخ لا يرد إلا على القسم الرابع: أما الذي نص الله عليه وقته أبدًا, أو شهرًا, أو يومًا, فلأن الله تعالى أخبر أنه مشروع في ذلك الوقت كله فلا يجوز أن يصير غير مشروع إلا بغلط, فيما أخبر أو فيما قدر حتى رجع عنه وكلاهما لا يجوز على الله تعالى.

стр. 228

وأما المطلق عن الوقت فلأن المشروع بالشرع هي الأسباب. والأحكام وجبت بناء عليها لما ذكرنا في أول الكتاب في باب بيان أسباب الشرائع, فكان حكم الجعل الذي هو شرع أن تصير تلك الأسباب أسبابًا موجبة. ولا يجوز أن يرد النسخ على أنها لم تكن أسبابًا, وإنما يرد على البقاء سببًا. لأن البقاء كذلك سببًا لم يثبت بنص على البقاء والنص الجاعل سببًا لا يوجب البقاء كالأمر الذي أوجب كون العالم ما أوجب البقاء. وكالإحياء الذي أوجب حياة الأرض بالنبات, وحياتنا بالقدرة على الأفعال الاختيارية لم يوجب البقاء. وكالبيع الذي يوجب الملك لا يوجب البقاء. ولما لم يجب البقاء بما شرعها أسبابًا لم يكن رفع البقاء تعرضًا لما وجب بالأول بل كان بياتًا لمدة البقاء التي كانت محتملة للتوقت والتأبد كإماتة الأحياء. وإفناء العالم يوم القيامة يكون بيانًا لمدة البقاء الثابتة بحكم الله تعالى لما خلقها لعباده, فثبت أن النسخ بيان لمدة البقاء التي كانت مجهولة في حقنا ولم تكن ثابتة بالنص. ثم الحكم بعده يرتفع لزوال سببه كما لا يبقى صوم بمجيء الليل لانتهاء الصوم بالليل. وكذلك جعل الموت سببًا لحرمة ما يؤكل ثم حرمت الميتة بوجود سببه ثم بقاء الموت سببًا لذلك ليس بالنص بل لعدم ما يزيله كبقاء الملك في المبيع بعد الشراء. وكبقاء الدين واجبًا على العبد بعد سبب الإيجاب عليه. وهذا لأن الله تعالى ابتلانا بما شرع لصلاح لنا فيه إما عاجلًا وإما آجلًا, أو لحكمة علم الله تعالى فيها. ثم تلك الحكمة والصلاح مما يختلف باختلاف الأزمنة والقرون فحسن التبديل فيما احتمل التبدل والتوقت بتبدل الحال كالطبيب يأمر المريض بغذاء أو دواء ثم يأمره بغيره بعد حين إذا تبدل حاله بلا غلط ولا مناقضة. وعلى هذا يجب أن يقال: أن الله تعالى إذا أمر بأمر وجعل المأمور به حسنًا منا فعله غير معلق بشرط أن لا يرد عليه نسخ بعينه بحال, لأنه بعينه متى صار حسنًا بالنص لم يجز أن يكون قبيحًا, وهو شيء واحد إلا بغلط من المخبر, وفي النسخ إثبات قبح. فإن قيل: إن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده ثم نسخه, وكان ذبحًا واحدًا ما كان يبقى بعد الامتثال به فثبت أن النسخ فيه جائز والدليل على أنه نسخ أن الذبح بعد الفداء حرم في الولد.

стр. 229

قلنا: الذبيح جعل محلًا للذبح لحكمة أن يصير الذبح قربانًا لله تعالى, والأب متقربًا به بذبحه فصار كذلك ثم حسن ذبحه بأن صار محلًا كما يحسن التضحية بالشاة اليوم, ثم النسخ ورد على بقائه محلًا على صيرورته محلًا فكان من قبيل ما ذكرنا, ولما انتسخ المحل لم يبق الذبح حسنًا في غير محله لأنه لم يحسن ابتداء إلا بمحله فلا يبقى إلا معه. فإن قيل: فما الحكمة في جعله محلًا للذبح سوى إقامة القربة بالذبح فيصير النسخ قبل الإقامة عبثًا بالخلو عن الفائدة. قلنا: إنه لا يجوز النسخ عندنا إلا بعد التمكن من الفعل فإن اشتعل العبد بالإقامة, وعجز لمانع حتى نسخ أثبت على جهاده وإسلامه للطاعة بقدر الوسع وإن أعرض مع التمكن حتى ذهبت مدة بقائه صار آثمًا, وصار بعد النسخ وبعدما ثبت مدة بقائه كما لو وقت الله تعالى في النص. وقال: أوجبت هذا الفعل عليك, وجعلته حسنًا يومًا ثم إنه قبح بعده, ولم يفعل العبد إما معذورًا أو غير معذور لم يكن الشرع عبثًا فحكمة الشرع تنتهي إلى وجوب الجزاء, إما بالجنة أو بالنار أو بالعفو والجزاء وجب, قصر أو لم يقصر. وإن لم يفعل ما أمر. على أن الله تعالى في ذبح الولد ما في نسخ الذبح بل نقله إلى الشاة, وجعله قائمًا مقام الولد فداء عنه محلًا لإقامة ما وجب بإيجاب الذبح المضاف إلى الولد حتى سلم الولد, وصار قربانًا لله تعالى بالشاة والأب متقربًا بذبحها. وهذا كما جعل الأضحية محلًا لإقامة القربة بالذبح أيام النحر ثم تبطل بمضيها, ولا تتأدى القربة إلا بالصدقة بعدها ولا يصير الجعل عبثًا. فكذلك الرمي في الحج لا يقضي بعد أيامها ولم يصر عبثًا. وكذلك إقامة الجلد على الزاني فرض حسن, وإذا مرض مرضًا شديدًا يخاف عليه التلف إن ضرب فيه قبح لتغير صفة المحل لأنه حسن ابتداء لأنه يحتمله فإنه حد زاجر لا متلف, فإذا صار بحيث لا يحتمله قبح. فإن قيل: كيف يستقيم تصوير هذا في وقت الصوم فإنه متى جعلنا السبب رمضان بعينه لم يتصور وجوده بعد مضيه, وإن جعلنا السبب كل شهر هو رمضان كان الكل سببًا بالنص؟ قلنا: أن الله تعالى لم يذكر كل رمضان, فإنه لم يقل: كلما شهدتم رمضان فصوموه, بل قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا لا يتناول إلا واحدًا من سنته, كمن شهد منكم رجبًا فليتصدق يدرهم من ماله, لم يملك إلا مرة واحدة برجب تلك السنة.

стр. 230

فلما تكرر وجوب صوم رمضان علم أنه تكرر لأن الوقت المسمى برمضان جعل سببًا للوجوب باسمه. كما جعل الفعل المسمى بأنه الزنا سببًا للحد ثم بقي كذلك, ولما بقي الاسم سببًا عمل متى وجد, إلى أن تنتهي مدة بقائه بالنسخ, ويصير بعد التبين بالنسخ, كأنه قال حين شرع: أنه سبب إلى وقت كذا. فإن قيل: لو كان البقاء مشروعًا بعدم دليل الزوال لما بقيت الشرائع قطعًا كحياة المفقود. قلنا: بعد رسول الله ﷺ وجب الحكم بالبقاء قطعًا, لتيقننا بأن لا نسخ بعد انقطاع الوحي, فأما زمان الوحي فالبقاء غير يقين حتى كان تركه جائزًا بخبر الواحد, الذي لا يقين فيه كأهل قباء تركوا قبلة بيت المقدس بخبر الواحد وصوبهم الرسول ﷺ , فصار على هذا سقوط الحكم بالنسخ سقوطًا بانتهاء مدة الوجوب في الباطن وبالرفع في الظاهر, والله أعلم.

стр. 231

باب القول فيما يجوز النسخ به قال علماؤنا: يجوز نسخ الكتاب بالكتاب, ونسخ السنة بالسنة, ويجوز نسخ الكتاب بسنة رسول الله ﷺ , ونسخ السنة بالكتاب. وقال الشافعي: القسمان الأخيران لا يجوز. قال الشافعي في كتاب (الرسالة): وسنة رسول الله ﷺ لا ينسخها إلا رسول الله ﷺ , فلو أحدث الله لنبيه في أمر سن فيه غير ما سن رسول الله لبين فيما أحدث الله تعالى إليه, حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها. وبالإجماع لا نسخ بالرأي لما ذكرنا أن النسخ لا يجوز إلا على طريق بيان مدة بقاء الأول حسنًا عند الله تعالى, وهو غيب عنا كمدة حياة الحي. احتج الشافعي لقوله: الكتاب لا ينسخ إلا بالكتاب في كتاب (الرسالة) بقوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا اثبت بقران غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾ والنسخ بالسنة تبديل من تلقاء نفسه. وقد يحتج له بقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ فأخبر الله تعالى أن النبي ﷺ مبين لما نزل إليهم, والنسخ تبديل. ولأنه قال: ﴿ٍولعلهم يتفكرون﴾ أي فيما تبين لهم, والتفكر إنما يقع في معنى ما بين لهم, ولا يقع في مدة الأول بالنسخ لأنه تاريخ, والتواريخ تحفظ لا أن يتأمل تفسيرها. ولأن مدة البقاء لم تنزل إليهم لما ذكرنا أن الثبوت كما بالنص, والتنزيل. فأما البقاء فثابت بلا دليل ويحتج له أيضًا بقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من أية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ والسنة لا تكون مثلًا للآية وقال ﷺ : (إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق فاقبلوه وما خالف فردوه) , والناسخ مخالف لما في الكتاب فيجب رده بهذا الحديث. فتبين بهذه الأدلة أن النبي ﷺ ما كان ينطق من قبله بمخالفة الكتاب, وكان من

стр. 232

شريعته أن الله لا ينسخ الكتاب بلسانه كي لا يظهر عليه ما يؤدي إلى مخالفة الكتاب سدًا لباب الطعن عليه. وأما النسخ السنة بالكتاب: فيحتج له بقوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩] وإذا صار القرآن تبيانًا لكل شيء, والسنة شيء فيكون الناسخ بيانًا لحكم تلك السنة أنه كان غلطًا, كما لو نزل مقارنًا, وما يجوز ذلك إلا حين الوقوع لأن تصديقنا إياه كان يفترض علينا من جهة الله تعالى بعد التمكن فيصير أمره بعد القرار كأمر الله تعالى فلا يجوز الغلط بعد القرار. وما كان جائزًا أن يقر رسول الله ﷺ على خطأ, ولأن الله تعالى أمرنا في غير موضع من كتابه باتباع الرسول. وفي نزول الكتاب بخلاف السنة أمر بمخالفته إما حقيقة وإما ظاهرًا, فيكون فتحًا لباب الطعن على رسول الله ﷺ فسد الله تعالى هذا الباب إكرامًا لرسوله وصيانة لشريعته فلم ينزل كتابًا إلا مصدقًا لما بين رسول الله ﷺ , ولم ينطق رسول الله ﷺ إلا متبعًا لما في الكتاب مبينًا له أو زائدًا ما ليس فيه ليزداد علم ما في الكتاب برسول الله ﷺ وبيانه ويزداد ثبوت صدق رسول الله ﷺ ورسالته بتصديق الكتاب إياه. فتكون السنة مع الكتاب مما يتأيد كل واحد منهما بالآخر إذ كل واحد منهما حجة من حجج الله تعالى, وحجج الله تعالى لا تتناقض ولا تتراد بل تتأيد. وهذا كما قيل: أن الشرع حجة والعقل حجة من حجج الله تعالى, وإنهما لا يستدل بهما إلا على سبيل التعاون والتأييد على ما بيناه في آخر الكتاب. وأما علماؤنا ﵏ فمن مشايخنا من احتج عليهم بآية الوصية "للوالدين والأقربين" حيث نسخت بقوله النبي ﷺ "لا وصية لوارث". فإن قيل: إنما نسختها آية المواريث. قلنا: آية المواريث أوجبت لهم مالًا بسبب آخر, والإيجاب بسبب لا يرفع إيجابًا كان بسبب آخر قبله, ولأن آية المواريث توجب إرثًا بعد وصية أو دين فيوجب تقريرها ولا يوجب رفعها. فإن قيل: يحتمل أن الله تعالى أنزل آية أخرى ناسخه إلا أنها لم تبلغنا لأنها نسخت تلاوتها وبقى حكمها؟ قلنا: لا يجوز الإحالة إلى دلائل محتملة الثبوت لم تظهر, لأنه لو صح هذا الباب

стр. 233

لتطرق به الوقف عن العمل بالكتاب كله لاحتمال كل نص أن يكون منسوخًا بآية أخرى لم تبلغنا أو محمولًا على وجه آخر لم نعقله وعقله رسول الله ﷺ ببيان خفي. وذكر أبو بكر الجصاص: أن استدلالنا بهذه الآية لا يستقيم لأن الله تعالى قال: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ رتب الإرث على وصية نكرة فكانت غير الوصية المعهودة الواجبة للوالدين والأقربين بهذه الوصية فتكون هذه النكرة هذه الوصايا المشروعة اليوم، لا تلك الوصية الواجبة، ولو بقيت الوصية الواجبة لكان الإرث مرتبًا على تلك الوصية أولًا ثم الوصية النافلة. فلما رتب هذه على النافلة كان الترتيب بيانًا على أنه لا يزاد عليه ترتيب آخر أولى منه لأن الزيادة كالنسخ على أصلنا، ودل الإطلاق عن الترتيب على الوصية الواجبة؛ على نسخ القيد كما يدل القيد على نسخ الإطلاق على أصولنا. قال القاضي ﵁: وإني أقول أن الاستدلال بهذه الآية لا يستقيم من وجه آخر، لأن الله تعالى بين أحكامًا ابتداء للشرع، وقد بين أحكامًا على سبيل الإقامة مقام أحكام كانت فتحولت إلى الثانية لقيامها مقامها، وانتسخت الأولى بها على سبيل الإحالة كما شرع الكعبة قبلة فانتسخ بيت المقدس به على جواز أن يكون للصلاة قبلتان، لأن الله تعالى شرع الكعبة قبلة على سبيل حوالة القبلة عن ذلك البيت إلى هذا البيت. وإنه في المعاملات كحوالة الدين توجب براءة الأصيل لأن الذمة الثانية اشتغلت به على سبيل الحوالة إليه. والحوالة توجب البراءة كالعين تحول من مكان إلى مكان فانتسخ الشغل في حق الذمة الأولى مع إمكان الجمع بينهما كما في الكفالة. وكما لو أدان المحتال عليه دينًا مبتدًأ فكان إيجاب الإرث للأقارب والوالدين محتملًا ابتداء حتى أوجب لهم، ومحتملًا نقل ما جعل لهم بالوصية إلى الإرث، ولما احتمل هذا كان قول النبي ﷺ : "إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" بيانًا أن هذا الإعطاء على سبيل التحويل دون الابتداء. ولأن الله تعالى كان فوض ابتداء الإيجاب إلى العباد ثم تولى بيانه بنفسه فبطل ما فوض إليهم فجرت آية الإرث على هذا مجرى تفسير ما أثبت لهم من الحق بالوصية كالرجل يأمر رجلًا بإعتاق عبد له بعينه ثم يعتقه بنفسه فإنه تضمن بطلان تلك الوكالة لحصول ما أمر بتحصيله بتوليه، وإليه وأشار النبي ﷺ بقوله: "أعطى كل ذي حق حقه" أي الحق الثابت بالوصية لهم صار معطى بالإرث.

стр. 234

ومنهم من احتج أن الله تعالى شرع حد الزنا الإمساك بالبيوت، ونسخته سنه الرجم إلا أنه غير صحيح لأن عمر ﵁ أخبر أن آية الرجم كان مما يتلا في القرآن، ولأن الله تعالى شرع الإمساك حدًا إلى غاية وهو أن يجعل الله لهن سبيلًا، وهذه الغاية مجملة لأن السبيل غير معلوم معناه فبينه رسول الله ﷺ بسنته فقال: "خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام والثيب بالثيب رجم مئة ورجم بالحجارة". ومنهم من احتج بقوله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزوجكم إلى الكفار﴾ الآية وهذا الحكم منسوخ اليوم ولم يظهر نسخه بالكتاب. إلا أنه يقال ولم يظهر لها سنة ناسخة أيضًا، فإن جاز لكم الحمل على سنة لم تظهر جاز لنا الحمل على كتاب لم يظهر وإن لم يجز الحمل على دليل لم يظهر حمل على استقرار حكم الاستغنام، فإنه في الابتداء لم يكن على ما عليه اليوم وكان لأموال الكفرة ضرب حرمة ابتداء، ولدمائهم، ورد النفقة عليهم احترامًا لما لهم، ثم استبيحت دمائهم وأموالهم من بعد فانتسخ ذلك فثبت أنه لا يوجد في كتاب الله تعالى ما نسخ بالسنة، ولا في السنة ما نسخ بالكتاب إلا من طريق الزيادة على النص بالسنة، أو السنة بالكتاب كما زاد الشافعي على آية الجلد النفي بالسنة. وزاد تعيين الفاتحة في باب الصلاة على مطلق القراءة التي نص عليها كتاب الله تعالى. وقد ثبت عندنا أن الزيادة في حكم النسخ. وعنده الزيادة في حكم البيان. فاضطررنا بهذا السبب إلى القول بجواز ذلك فتوى فقد صارت المسألة واقعة. ثم الدليل على الجواز ابتداء قول الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ فإذا أنزل الله تعالى نسخ ما في القرآن بحكم آخر بوحي غير متلو في القرآن صار الحكم الثاني مما نزل إلى الناس، ويلزم النبي ﷺ بيانه للناس بحكم هذه الآية فإنه ألزمه بيان ما نزل إلى الناس من الأحكام وصار قوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر﴾ في معنى إنا أرسلنا إلى الناس، وجعلناك رسولًا بما أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم من الأحكام، ولو كان المراد ما قاله الخصم لكان من حق الكلام لتبين للناس ما أنزل إليك. وقوله: ﴿ولعلهم يتفكرون﴾ يعني: يتفكرون فيما تبين لهم من الحكم الثاني فيعرفون الحكمة في التبديل فإنا لا نبدل في الأكثر إلا بخير.

стр. 235

ولأن من تفكر في أحكام الشرع ناسخها ومنسوخها علم يقينًا أن شارعها علام الغيوب لأنه يجدها جامعة لمصالح الدين والدنيا لا يصل إليها العباد باجتهادهم بحال. وقد دلت عليه هذه الآية التي تلاها الشافعي ﵀ فإنه قال في آخرها ﴿إن أتبع إلا يوحى إلى﴾ فإذا أوحى الله تعالى إليه نسخ آية لزمه اتباعه عملًا به وإن لم ينزل قرآنًا وإنما حرم عليه التبديل من تلقائه. وعندنا النسخ ممتنع بسنة من تلقاء رسول الله ﷺ بل بما أوحي إليه مما ليس بكتاب حتى كان اللفظ لرسوله الله ﷺ , والحكم مضاف إلى الله تعالى لا إلى ما أنزل إليه فإنه باطن وإنا لا نضيف إلى ما هو باطن, ولذلك نسميه سنة رسول الله ﷺ لا أن تكون السنة كلها اسمًا لما كان برأيه. ولأن كتاب الله تعالى مع سنة رسول الله ﷺ كما كانا حجتين فكذلك آيات الكتاب كلها حجج الله تعالى ثم جاز التناسخ بها, وكان بيانًا لمدة البقاء لا تناقضًا واختلافًا. فكذلك بين الكتاب والسنة. وجائز أن يتولى النبي ﷺ بيان مدة بقاء ما ثبت بالكتاب بلفظه كما جاز أن يبين مدة حي حيي بإحياء الله تعالى, ويتولى الله بيان مدة بقاء ما سنه بلسان رسول الله ﷺ بكتابه. وقولهم بأن هذا يوهم الاختلاف فغلط فإنه غير جائز ذلك على كتاب الله تعالى بعضه بعضًا بل يوجب قرب المنزلة حيث جوز له نسخ ما ثبت بالكتاب بلسانه من غير إضافة إلى الله تعالى. والذي يوضحه أنه جائز نسخ التلاوة دون الحكم بغير كتاب الله تعالى فإنا قد ذكرنا أن التلاوة لا تنسخ إلا بمحو الحفظ عن القلوب إما رفعًا, وإما بانقراض القوم عن غير خلف علمًا, كما انتسخت تلاوة صحف إبراهيم. وما معنا دليل سوى أنها اندرست ولم يبق آثارها فلما جاز من هذا الطريق جاز بلسان رسول الله ﷺ يوحي الله إليه فإنهما سواء في أن النسخ كان بغير كتاب. وكذلك روي أن النبي ﷺ كان يصلي فنسي آية فلما فزع قال: (ألم يكن فيكم أبي)؟ فقال أبي: نعم, ولكن ظننت أنها نسخت, ولم ينكره عليه رسول الله ﷺ , وإنما ظن نسخها من غير كتاب سمع بترك النبي ﷺ القراءة. ولما جاز ذلك في التلاوة فكذلك في الحكم لأن التلاوة وجوبها حكم مخصوص بالكتاب كسائر الأحكام. فإن قيل: أخبر الله تعالى أن رسوله مبين, ولو جاز النسخ على لسانه لكان مبينًا للحكم الأخير رافعًا للحكم الأول.

стр. 236

قلنا: إنه بين الأول بتأويله وتبليغه. وبين الثاني بتبليغه وتأويله. وإنما رفع بقاء الأول ظاهرًا، وإنه بيان أيضًا لمدة البقاء حقيقة على ما مر وهذا الذي يتصور رفعًا ليس برفع لما ثبت بالنص على ما مر أن البقاء حكم ثبت بلا دليل، فثبت أنه مبين محض لما نزل إلينا. وإنما رفع ظاهرًا ما لم يثبت بالتنزيل. والذي يوضحه أنا وإن سلمنا أن البقاء من حكم الكتاب فالبقاء يكون أبدًا، ويكون مؤقتًا، فيكون بيان الوقت بيانًا لأحد وصفيه، فأما قوله: ﴿ما ننسخ من أيه أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦] فليس فيه أن الله تعالى يأتي بخير، أو بالمثل بوحي متلو أو غير متلو. وعندنا لا يجوز إلا بوحي على ما مر. وقد يكون ما يبينه بوحي غير متلو خيرًا من الأول وأجمع لمصالح الناس، أو أيسر عليهم فعلًا وأكثر أجرًا، وإن لم يكن خيرًا من حيث التلاوة والإعجاز، على أن الخلاف ثابت في نسخ الحكم مع بقاء التلاوة غير منسوخة فيكون ما ثبت بالنسنة مثل الأول أو خيرًا إذ من حيث الحكم لا يفترق المتلو وغير المتلو. فإن قيل: غير المتلو يضاف إلى رسول الله ﷺ . قلنا: يضاف إلى رسول الله ظاهرًا وإلى الله حقيقة، كما قال الله تعالى: ﴿أفرءيتم ما تمنون * ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾. وأما حديث النبي ﷺ : "إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله" فحكم أثبته رسول الله ﷺ عند التعارض والتباس التاريخ والأولى في مثل ذلك ترتيب الخبر على الكتاب، وتقديم الكتاب. فأما إذا ظهر تأخر الحديث فلا كذلك على أن هذا الحديث في خبر الواحد وظاهر النص يدل عليه لأنه قال: "إذا روي لكم عني حديث"، وبنفس الرواية لا يقبل الخبر بخلاف الكتاب بل يرد به ما لم يثبت تواتره ولم يقل رسول الله ﷺ إذا سمعتموني، ليكون بيانًا أنه محجور عن مثله ويدل عليه أن الله تعالى أمرنا بطاعة رسول الله ﷺ على ما أمر ونهى، من غير قيد العرض على كتاب الله تعالى. فثبت أن العرض فيما يروى عنه من طريق الآحاد بعد موته. وقد روى ابن عمر عن عائشة ﵄ أن النبي ﷺ لم يمت حتى أباح الله تعالى له من النساء ما يشاء فيكون نسخًا لما في الكتاب، والناسخ ليس فيه.

стр. 237

وأما قوله: ﴿ونزلنا عليك الكتب تبينا لكل شيء﴾ فحجة لنا على جواز نسخ السنة بالكتاب لأن النبي ﷺ إذا سن سنة ولم ترد عليه كان تقريرًا من الله تعالى عليه كما لو ثبت بالكتاب، فجاز ظهور بيان مدة البقاء بالكتاب لأن بقاءه من جملة الأشياء، ولم يكن بيانًا لغلط رسول الله ﷺ كما في حق الكتاب بالكتاب. ولأن نسخ السنة بالسنة جائز ولا يجوز إلا بوحي غير متلو لما ذكرنا أن انتهاء مدة الحسن عند الله لا يعرفه إلا الله لأن انتهاءها بأن تصير حكمة الشرع في غيرها، وتلك الحكمة مما نقف عليها، ولا نقف، ومما يتعجل، ومما يكون في الآخرة. ولما جاز بوحي غير متلو فالمتلو أولى ولأن الصلاة إلى بيت المقدس ما كان بالكتاب وإنما كان بفعل النبي ﷺ ثم نسخ بالكتاب. ولا يقال إنه كان شريعة من قبلنا لأنه لم يتبين أنه كان شرعًا بكتاب. ولأن المذهب عنده أن شريعة من قبلنا لا تلزمنا إلا بتقرير في شرعنا فيصير ابتداء لا بقاء للأول، وما ثبت التقرير في شريعتنا إلا بفعل النبي ﷺ ولئن كانت القبلة الأولى ثابتة بالكتاب فأهل قباء تركوها بخبر المخبر أنها حولت إلى الكعبة من غير سماع كتاب الله ولم ينكر عليهم رسول الله ﷺ ، وصالح رسول الله ﷺ قريشًا على أن يرد عليهم من جاءه من نسائهم ونسخها قوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾. فإن قيل: يحتمل أن تكون لهذه السنن دلائل من الكتاب لكنا لا نقف عليها. قلنا: قد ذكرنا أنه لا يجوز التأويل بما يجوز مما لا نقف عليه لأنه يؤدي إلى تعطيل الشرائع، وهل يجوز أن يقال أن لكل ملة ودين باطل حجة لكنا لا نقف عليها ومعجزة لكنها باطنة. وأما نسخ الكتاب بالكتاب: فكقول الله تعالى: ﴿فأذوهما﴾ في باب الزنا، ثم قال: ﴿فأمسكوهن في البيوت﴾، ثم قال: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾، وقال: ﴿وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا﴾، ثم قال: ﴿الئن خفف الله عنكم﴾ إلى قوله: ﴿وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله﴾. وأما نسخ السنة بالسنة: فنحو قول النبي ﷺ : "إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرًا، وكنت نهيتكم عن الشرب في الدباء والنقير والحنتم والمزفت فاشربوا ولا تسكروا، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تدخروها فوق ثلاث فكلوا وادخروا ما بدا لكم". فثبت أن نسخ الكتاب بالكتاب جائز وكذلك بالسنة، وكذلك

стр. 238

نسخ السنة بالسنة وبالكتاب، وإنما يجوز نسخ الكتاب بالسنة في زمن النبي ﷺ سواء كانت مسموعة أو مروية من طريق التواتر والآحاد لأن بقاء الثابت في زمنه كان على احتمال الزوال كل ساعة، لأنه زمان نسخ فلما احتمل الثابت البقاء والزوال صلح العمل بخبر الواحد كما في موت المفقود. فأما بعد رسول الله ﷺ فلا يجوز إلا بسنة متواترة أو مشهورة بمنزلتها لأنه لا نسخ على سبيل الابتداء بعد رسول الله ﷺ وشرائعه بعده باقية أبدًا بالنص والإجماع، وإنما يزول هذا اليقين بثبوت ناسخ بزمن النبي ﷺ ، ولا يثبت إلا بالإسناد إلى زمن الوحي كما لم يثبت الأول إلا به، ولما لم يثبت ناسخًا إلا بالإسناد لم يثبت إلا بالإسناد مثل الأول فإنه لا معارضة إلا بعد المساواة ولا نسخ إلا بما لو جهل التاريخ كان معارضًا ولأن النبي ﷺ كما يلزمه تبليغ الناسخ يلزمه تبليغ مثل الأول في الظهور لأن لا يبقى أحد على المنسوخ فيدل خفاء الناسخ على بطلانه، والله أعلم.

стр. 239

باب القول في أفعال النبي ﷺ أفعال النبي ﷺ عن قصد على أقسام أربعة: واجبة، ومستحبة، ومباح، وزلة. فأما ما كان يقع من الأفعال من غير قصد كما يكون من النائم والمخطئ ونحوهما فلا عبرة بها، لأنها غير داخلة تحت الخطاب على ما نذكر. ثم الزلة لا تخلو عن القران ببيان أنها زلة إما من الفاعل نفسه كقول موسى ﵇ حين قتل القبطي بوكزته ﴿هذا من عمل الشيطان﴾، أو من الله تعالى كما قال في آدم ﵇ ﴿وعصى أدم ربه فغوى﴾، وحتى بين الله تعالى ما لولا عصمته لزلوا كما قال: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا﴾ ونعني بالقصد في الزلة قصد الفعل لا قصد العصيان، وإذا لم تخل الزلة عن البيان لم يشكل على أحد أنه مما لا يتبع النبي ﷺ فيها فتبقى العبرة للأنواع الثلاثة. وقد اختلف أهل العلم فيما يلزمنا منها؟ فقال بعضهم: يلزمنا اتباعه فيها ما لم يقم دليل المنع. وقال بعضهم: نقف فيها حتى يقوم الدليل. وقال أبو الحسن الكرخي: نعتقد الإباحة حتى يقوم دليل بيان سائر الأوصاف. وإذا قام الدليل على وصف زائد كان النبي ﷺ مخصوصًا به حتى يقوم دليل المشاركة. وقال أبو بكر الرازي: نعتقد الإباحة ما لم يقم دليل البيان على صفة فعل رسول الله ﷺ ، ثم يلزمنا على ذلك الوصف حتى يقوم دليل اختصاصه به، وهو الصحيح عندنا. فأما الأولون فإنهم احتجوا بالآيات الموجبة اتباع الرسول الله ﷺ وطاعته والاقتداء به، وبقوله: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ فالمراد به السمت كما قال الله تعالى: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾. وأما الفريق الثاني فإنه زعم أن الاقتداء والاتباع والموافقة لا تحصل بنفس الفعل، ألا ترى أنك إذا حصلت مثله على سبيل المعارضة كنت منازعًا كسحرة فرعون مع موسى ﵇ وإذا فعله رسول الله ﷺ نفلًا. وفعلته أنت فرضًا كنت مخالفًا، وإنما الاقتداء في فعلك مثل فعله على صفته طاعة له، والصفة للفعل كانت محتملة فإنه ﷺ كان يفعل

стр. 240

المباح والمستحب والواجب فيجب الوقف فيه حتى يتبين. وأما أبو الحسن فإنه يقول: الإباحة لا بد منها في الأنواع كلها، وأما الزيادة فموقوفة على البيان، وبعد البيان لا يلزمنا إلا بدليل لأنه قد تبين لرسول الله ﷺ خصوصيته في الأحكام، فهذا المطلق من فعله احتمل أن يكون من ضرب الخصوص واحتمل غيره فلا يعمل به إلا بدليل. وأما أبو بكر فإنه يقول: إن الاقتداء برسول الله ﷺ أصل لقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، ولقوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾، وبقوله: ﴿فاتبعوا﴾ ولقوله: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ ولأن تمام الشرف في هذا، والخصوص كان بدليل عارض لمفارقة حال بيننا وبينه صار الصلاح لنا في المفارقة لمفارقة الحال، إلا أنا كنا لا نقف قبل البيان إلا في الإباحة لأن الإباحة ثابتة مع الأوصاف كلها أيها ثبت في وصف بعينه زائد عليها إشكال ولا موافقة إلا بعد الإيقاع بذلك الوصف الذي أوقعه رسول الله ﷺ فإذا أزال الإشكال المانع لزمنا الاتباع. وهذا كما قال علماؤنا ﵏ فيمن وكل آخر في أموال أنه يصير وكيلًا بالحفظ لأنه احتمل أنواع تصرف فلا يثبت شيء بالاحتمال، لكن الحفظ ثابت مع كل تصرف فثبت قدر ما لا شك فيه، فكذلك أفعال رسول الله ﷺ مما ليس بزلة لا بد أن تكون مباحة. وأما فوق الإباحة ففيه احتمال فنعتقد الإباحة لا مقصورة عليها قطعًا، ولكن على احتمال غيرها معنى ما يأتيك البيان، والله أعلم.

стр. 241

باب القول في شرع الرسول ﷺ من تلقائه بالرأي قال بعض العلماء: لم يكن له إلا بالوحي. وقال بعضهم: لم يكن له ذلك إلا بالوحي والإلهام. وقال بعضهم: كان له ذلك بالوحي والرأي جميعًا. والقصد عندنا أن نقول: لم يكن له الشرع بالرأي ابتداء حتى ينقطع طمعه عن الوحي فيما ابتلي به، ثم كان له العمل برأيه بعد ذلك. فأما الأول فاحتج بقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى﴾ وبقوله: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾ ولأنه لا يجوز أن يخالف فيما يشرع من الأحكام، ولو كان يشرع برأيه لكان لا يؤمن من الغلط عليه فكان يجوز خلافه، كما كان يجوز ذلك في رأي الحروب والمعاملات فإن رسول الله ﷺ أراد النزول دون الماء يوم بدر فقال له الحباب بن المنذر: أرأي رأيته أم وحي؟ فقال: "بل رأي" فقال: إني أرى أن تنزل على الماء، ففعل. وأراد رسول الله ﷺ يوم الأحزاب أن يعطي الكفار شطر ثمار المدينة فقالت الأنصار: أرأي رأيته أم وحي؟ فقال: "بل رأي" فقالت: لا نعطيهم إلا السيف ففعل رسول الله ﷺ ذلك. ولما دخل المدينة نهاهم عن تأبير النخل ففسدت فأمرهم بالتأبير فقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم، وأنا أعلم بأمور دينكم" فثبت أنه ﷺ لم يكن معصومًا عن الغلط برأيه. والدين في الأصل لله تعالى فما يجوز شرعه برأي لا يؤمننا عن الغلط إلا عن ضرورة، ولا ضرورة لصاحب الوحي وكان هذا كتحري القبلة بالرأي فإنه جائز لمن نأى عن الكعبة للضرورة، ولا يجوز لمن قرب لقدرته على العيان الذي لا شك فيه، ولأنا نحن اليوم لا ننصب شرعًا مبتدأ بالرأي وما يجوز لنا ذلك وإنما نعدي شرعًا ثابتًا في محل إلى محل آخر.

стр. 242

والخلاف في نصب ابتداء الحكم الشرعي بخلاف أمور الدنيا من الحروب والمعاملات والزراعات فإنها لنا، إما دفعًا عنا كالحروب، وإما طلبًا لما فيه بقاؤنا كاكتساب الأموال. ولما كانت لنا كانت مفوضة إلى آرائنا إلا بما رأى الشرع الحجر ببيان شافٍ تتميمًا لصلاحنا، وأما الأحكام فلله تعالى فلم يكن لنا إثباتها ونفيها. وأما الفريق الثاني فقرب من الفريق الأول لأن الإلهام وحي خفي، ومن له الوحي الجلي يكون له الوحي الخفي. وحد الإلهام أن يؤخذ على قلبه حتى لا يرى إلا شيئًا واحدًا فيعرف صاحبه بقرار القلب عليه أنه من الله تعالى، وقد قال رسول الله ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" وقال الله تعالى في قصة داود وسليمان: ﴿إذ يحكمان في الحرث﴾ إلى قوله: ﴿ففهمناها سليمان وكلًا أتينا حكمًا وعلمًا﴾ غير أن الإلهام أمر خفي ما يبنى الأمر عليه، فإنا كلفنا البناء على الظاهر الذي نقف عليه وسيأتيك بيان الإلهام بعد هذا إن شاء الله تعالى. وأما القول الثالث: فالحجة له قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ من غير تفصيل بين الأمة والنبي ﷺ . وقال تعالى لرسوله: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ ولو لم يكن له فصل الأمر بالرأي لما أمره بالمشورة ولا ينال بها إلا بالرأي، وظاهر هذا الأمر لا يخص بابًا. فإن قيل: يحتمل أنه أمر به تطييبًا لنفوسهم. قلنا: ظاهر الأمر بخلافه، والصحابة ما كانوا يعلمون إلا الظاهر وكانوا يعتقدون ذلك فكان لا يحل لرسول الله ﷺ أن يقرهم عليه ولو بين لهم أنهم يشاورون، ولا يحل العمل برأيهم ما طابت به نفوسهم بل خبثت فإنه من باب الاستهزاء. وقد شاور رسول الله ﷺ في أسارى بدر أبا بكر وعمر وعمل بقول أبي بكر ثم نزل العتاب. وروي أن خولة سألت رسول الله ﷺ عن ظهار زوجها منها؟ فقال: ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت: أشتكي إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى آية الظهار. وسأله عمر عن القبلة للصائم؟ فقال: أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان

стр. 243

يضرك؟ فقال عمر: لا، فقال النبي ﷺ : "ففيم إذًا". وقال للخثعمية وقد سألته عن الحج عن أبيها؟ "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزيك؟ فقالت: بلى. قال: فدين الله أحق" فهذا فتوى بمحض القياس، فلا يجوز أن يحمل على نص لم يظهر لما مر أنه لو جاز ذلك لتعطلت الحجج، ولن نكلف إلى بالأخذ بما ظهر وما ظهر لنا من السبب إلا القياس الذي ذكره. وكذلك رسول الله ﷺ شاور الصحابة في أمر جماعة الصلاة فلم يتفقوا على شيء حتى رأى عبد الله بن زيد الرؤيا وقصها لرسول الله ﷺ فاستحسنها رسول الله ﷺ برأيه وأمر بذلك فصارت شريعة. ولا يجوز أن يحمل على وحي لأنه لم يظهر ذلك. ولأن عمر ﵁ جاء وأخبر أنه رأى مثل ذلك فقال النبي ﷺ "الله أكبر" وذلك أثبت فاستدل برؤيا عمر على الثبوت فلا يتوهم أن يكون عنده نص فيكتمه. ولأن النبي ﷺ كان منهيًا عن كتمان الوحي وأمر بأن يبين للناس ما نزل إليهم. وكذلك سليمان أفتى في غنم القوم بالرأي وداود معه وأصاب سليمان، وقوله: ﴿ففهمناها سليمان﴾ دليل مؤكد على أنه عمل بالرأي. ولكن الصواب كله مضاف إلى الله تعالى وكذلك أفتى داود ﵇ عن سؤال الخصمين في باب النعاج بالرأي فإنه أجاب كما سئل ولم ينتظر وحيًا. وقال الله تعالى لرسوله: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ فتبين أنه كان أذن بالرأي. وكذلك الإجماع قد انعقد على عمله بالرأي في باب الحروب. وكذلك سائر الأبواب لأنه كان يوحى إليه في الأبواب كلها فعلم أن الوحي لا يسد باب الرأي بل يقويه. وباب الحرب أصل الدين لأنا لم نؤمر به إلا لإعلاء كلمة الله تعالى. ولأن كون الرأي حجة لنا في باب الدين والأحكام من أشرف المراتب إذ باب الوحي متناهي وباب الرأي غير متناهي. وفي قصر الأمر على الوحي ضرب حجر، وفي العمل بالرأي ضرب إطلاق فلا يجوز أن يحرم رسول الله ﷺ شرف الإطلاق وعموم الحجة، لكن فيه ضرب نقصان من حيث خوف الخطأ فكان الرسول ﷺ مصونًا عنه فكان لا يقع رأيه الذي يقر عليه خطأ، لأن المشاهدة تحققت له حكمًا بالوحي، وكان هو من الله تعالى مثل صحابي يتكلم

стр. 244

بحضرته فلا يرد عليه فيكون تقريرًا على أنه صواب. وأما قوله: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ فنزل في شأن القرآن، ولأن الهوى عبارة عن هوى النفس الباطل لا عن الرأي الصواب عن عقل، ونظر في أصل الشرع. وأما قوله: الأحكام لله تعالى، فكذلك، ولا يحل لأحد وضعها اختراعًا ومشيئة، وإنما ذلك إلى الله تعالى يحكم ما يريد، وإنما يجوز للنبي ﷺ لعلمه أنه لا يقر على الخطأ فيصير التقرير بمنزلة الوحي. وأما القول الأخير الذي هو الصواب فبناء على أن الرأي كان حجة له، ولكن على الترتيب كما في حقنا نحن يلزمنا أن ننظر في كتاب الله ثم بسنة الرسول ثم بالرأي، إلا أنا إذا علمنا أن الحادثة غير منصوص عليها اشتغلنا بالرأي ولم نقف ورسول الله ﷺ كان يقف متربصًا للوحي لأنه صاحبه، وكان تربصه للنزول بمنزلة تربصنا للتأمل في المنزل. وأما قوله: بأنه كان صاحب الوحي، فلا يحل له العمل بالرأي الذي لا يوجب العلم. فالجواب: أنا لا نبيح ذلك إلا إذا عدم الوحي، ووجب العمل، ولأنه كان يعلم أن رأيه الذي يقر عليه يوجب العلم يقينًا كالوحي بخلاف غيره، والله أعلم.

стр. 245

باب القول في شريعة من قبلنا اختلف أهل العلم في شريعة من قبلنا؟ فقال قائلون: الشريعة إذا ثبتت لنبي ﵇ بقيت له كذلك ما لم تنسخ. وقال بعضهم: تنتهي شريعته إذ بعث نبي آخر إلا فيما لا يقبل النسخ والتوقيت. وقال بعضهم: لا تنتهي وتبقى حقًا، ولكن شريعة للنبي الذي بعث بعده. والقول القصد أن ما حكى الله من شرائع سائر الأنبياء لنبينا ولم يعقب بنسخ بقيت حقًا شريعة لرسول الله ﷺ دون ما لم يحكها، وقد احتج محمد بن الحسن ﵀ بقسمة الشرب بقوله تعالى: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾، وبقوله: ﴿لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾. فأما الأولون فقد ذهبوا إلى أن التوقيت لا يثبت إلا بالنص. وأما الحجة للقول الثاني فإن الله تعالى كان يبعث الرسول إلى قوم دون قوم في زمنه وكانت الرسالة وشريعته تختص بالمكان فجاز مثله في الزمان، فلا تعم شريعته الأزمنة إلا بزيادة دلالة كما لا تعم الأمكنة إلا بزيادة دلالة، ولأنه قد كان في زمان واحد نبيان في مكانين ولم يكن يلزم شريعة كل واحد منهما صاحبه فكذلك في الزمانين قال الله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾، وقال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به﴾ فجعلهم بعد مبعث نبي آخر بمنزلة أمته فثبت أن شريعتهم انتهت به. وروي أن النبي ﷺ رأى صحيفة في يد عمر فقال له: "ما هذه الصحيفة؟ " فقال: التوراة فغضب رسول الله ﷺ وقال: "لو كان موسى حيًا لما وسعه إلى اتباعي" فبين أنه كان يصير بمنزلة واحد من أمته وأن شريعته قد انتهت به. ولأن النبي الثاني يدعو الناس إلى شريعته لا محالة فلم يجز أن تبقى الشريعة الأولى معه، وهو كان يدعوهم إلى نفسه لأنه لا يجوز أن يدعى واحد إلى نبيين مختلفين كل واحد منهم يدعي الاختصاص بالاتباع إياه لما فيه من التعارض ألا ترى أنه لما تصور

стр. 246

نبيان في زمان واحد في مكانين كانت شريعة كل واحد منهما متناهية بمكانه أو كان يكون أحدهما تبعًا للآخر كلوط تبع إبراهيم ﵉ على ما قال الله تعالى: ﴿فآمن له لوط﴾ وكموسى وهارون صلوات الله عليهما فكذلك يجب أن يكون في زمانين. أما القول الثالث: فالحجة له قوله تعالى: ﴿قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا﴾ فثبت بالنص أن هذه الشريعة ملة إبراهيم، وقد امتنع بثبوتها ملة له للحال لما ذكرنا في القول الثاني، فثبت أنها ملته على معنى أنها كانت له فبقيت حقًا كذلك، وصارت لرسول الله ﷺ كالمال الموروث مضاف إلى الوارث للحال، وهو عين ما كان للميت لا ملك آخر لكن الإضافة إلى المالك تنتهي بالموت إلى من خلفه فكذلك الشريعة في حق الأنبياء ودل عليه قوله: ﴿ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به﴾ فقوله مصدق دليل على بقاء تلك الشريعة حقًا وقوله: ﴿لتؤمنن به﴾ دليل على صيرورة الشريعة بالآخر منهم. وقال الله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ والهدى اسم للإيمان والشرائع جميعًا لأن الاهتداء إنما يقع بها كلها. وقال الله تعالى: ﴿الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب﴾ والاتقاء المطلق بالشرائع ما يكون مع الإيمان. ولأنه سمى الكتاب هدى وفيه الإيمان والشرائع وقال: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون﴾ والحكم بالشرائع ما يكون وسأل عبد الله بن عباس عن سجدة "ص" فقال: سجدها داود، وهو ممن أمر نبيكم بأن يقتدي به صلوات الله عليه وقال: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا﴾ والدين اسم لما يدان الله تعالى به من الإيمان والشرائع، وأول ما رجم رسول الله ﷺ رجم بالتوراة. فإن قيل: كيف يستقيم وفيها ناسخ ومنسوخ؟ قلنا: كما استقام في شريعتنا القول ببقائها بعد النبي ﷺ وفيها ناسخ ومنسوخ. فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم﴾ وفيهم من لم يكن نبيًا ولا شريعة له ثم أمرنا بالاقتداء بهداهم، فعلم أن المراد به الإيمان الذي لا يختلف حكمه. قلنا: وليس في الآية أنهم لم يكونوا أنبياء، وقد احتمل ذلك فلم يترك عموم الهدى بكلام محتمل على أنه لم يدخل تحت الآية إلا نبي أو ولي والوالي لا يكون وليًا إلا باتباع شريعة نبي فيجب الاقتداء بهداه، وشريعته التي ثبتت بها ولايته قال الله تعالى: ﴿واتبع سبيل من أناب إلي﴾ وقال: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى﴾ وقال ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة

стр. 247

فيها حكم الله﴾ ولو انتهت بمبعث رسول الله ﷺ لم يكن للحال فيها حكم الله، ولما صاروا كافرين بالتولي عنه إلا أنا نقول أن الصحيح منها هذا القول إلا أن البقاء لا يثبت بعد مبعث رسول الله ﷺ إلا بحكايته أنها ثابتة لأحد طرق: أما لأن الله تعالى أنبأنا أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه وخانوا في النقل فصاروا مردودي الشهادة. أو لأن الرسول ﷺ فيما يحكى لنا منزه عن تهمة الكذب من كل وجه، ولا يخلو نقلهم، وإن كان عن تواتر للحال عن ضرب شبهة حتى يصير متواترًا على حده من الأصل فيجب ترك ما فيه شبهة بما لا شبهة فيه. أو لأن عداوة الدين كانت ظاهرة فاتهموا بالحيل واللبس في إظهار شرائعهم فلم يصر كلامهم حجة علينا إلا ما نقلها رسول الله ﷺ ، وأخبرنا أنها ثابتة بوحي متلو أو غير متلو فثبت أن الشرائع تبقى حقًا في أنفسها لعدم التوقيت من الله تعالى بمبعث نبي آخر. ولكن يجعل للثاني من حيث الإضافة ولا يثبت إلا بنقل الثاني. وفيه كمال شرف محمد ﵇ حيث لم يصدق غيره عليه ولزم الماضين من الرسل اتباعه لو كانوا أحياء، كما قال لعمر، بأن صارت الشرائع كلها له، ثم ختمت عليه حتى لزم الباقين إلى يوم القيامة اتباعه فصار كالقلب يطيعه الرأس وتتبعه الرجل. وأما قوله: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ ففيه دليل على جواز النسخ في الجملة ولا دليل فيه على انتساخ الكل فإن تبدل الطريقة يثبت بتغيير بعض الأحكام ألا ترى أنهم أجمعوا كلهم على طريقة واحدة في الإيمان بالله تعالى والطاعة إياه على أوامره، والله أعلم.

стр. 248

باب القول في تقليد الصحابي والتابعي قال أبو سعيد البردعي: تقليد الصحابي واجب يترك بقوله القياس، وعليه أدركنا مشايخنا. وقال أبو الحسن الكرخي: لا يجوز تقليده إلا فيما لا يدرك بالقياس. وذكر محمد بن الحسن: أن شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن لا يجوز، واحتج بأثر عائشة والقياس يجوزه. وقال بعضهم: لا يقلد الصحابي، وهو قول الشافعي. وقال بعض مشايخنا: يقلد التابعي الذي انتصب مفتيًا في زمن الصحابة. وليس عن أصحابنا المتقدمين مذهب ثابت، والمروي عن أبي حنيفة ﵁: "إذا اجتمعت الصحابة سلمنا لهم، وإذا جاء التابعون زاحمناهم". لأنه كان منهم فلا يثبت لهم بدونه إجماع. وقد ذكر محمد بن الحسن: أن الحامل لا تطلق ثلاثًا للسنة، وروي ذلك عن جابر وابن مسعود، وخالفه أبو حنيفة وأبو يوسف وما لقولهما قول في الصحابة. وقال أبو حنيفة: إعلام قدر رأس المال شرط لجواز السلم، ورواه عن ابن عمر في الأصل. وخالفه أبو يوسف ومحمد بالرأي. وقال أبو يوسف ومحمد: الأجير المشترك ضامن لما ضاع عنده، ورويا ذلك عن علي وخالفهما أبو حنيفة بالرأي. وأما أبو سعيد: فإنه يحتج له بقول النبي ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي" وقوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فقد صار قول الصحابي حجة كرامة له لصحبته رسول الله ﷺ ، وإن احتمل الغلط كما صار إجماع هذه الأمة حجة كرامة لهم بالنص وإن احتمل الغلط على ما مر لولا النص والكرامة. وأما الذين جعلوا قول التابعي حجة فذهبوا إلى أنهم لما قرروه على الفتوى بينهم

стр. 249

صار كواحد منهم بتقريرهم. وأما أبو الحسن فإنه يقول: قول الصحابي ليس بحجة إذ لو كان قوله حجة لدعى الناس إلى قوله كالنبي ﷺ ، وكالأمة لما كان إجماعهم حجة دعوا سائر الأمم إلى ما أجمعوا عليه. وروي عن عمر أنه كتب إلى شريح: "أن اقض بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله ﷺ ، ثم برأيك". ولم يقل بقولي. ولا معنى لقولهم: إن معناه برأيك في أقوالنا، لأنه حمل على زيادة قيد لم يذكر وهذا عندنا نسخ وليس بتأويل. ولأن الرأي واحب استعماله في آيات الكتاب، وأخبار الرسول ﵇ وقد تقدم ذكرهما فصار كأنه قال: برأيك فيهما. ولأنه ظهر من شريح الحكم بخلاف رأي علي ﵁ بين يديه. وعن مسروق أنه أفتى فيمن نذر أن يذبح ولده بذبح شاة، وخالف فيه ابن عباس، ورجع ابن عباس ﵁ إلى قوله. ولأن رأي الصحابة كان حجة بالنظر في أصول الشرع الثابتة بالنص لا بالوحي وكان يحتمل الغلط، ولهذا كان يخالف بعضهم بعضًا ويرجع الواحد منهم عن فتواه إلى فتوى غيره وكان يقول المجتهد منهم: إن أخطأت فمن الشيطان، ولما احتمل الخطأ لم يصر حجة يجب تقليدها لا محالة. ولما ساغ لهم ذلك بالنظر في النصوص وهم وغيرهم إذ بلغهم النصوص وعقلوا معانيها سواء إذا استوت آراؤهم. ألا ترى أنهم إذا اختلفوا في تأويل النص ساوى تأويل غير الصحابي الصحابي لأنه يصار إليه بالوقوف على معنى اللغة وهم وغيرهم فيه سواء. فكذلك إذا اختلفوا في التعليل وذلك يعرف بالوقوف على المعاني التي عرفت بالشرع أعلامًا على الأحكام، ولا معنى لترجيحهم على غيرهم لسبقهم في الفتوى واختصاصهم بزيادة توفيق من الله تعالى لأن مثله ثابت بين التابعي ومن بعده، وللصالحين من بعدهم، وهذا لأنه أمر باطن ولم نتعبد بالبناء على البواطن وإنما تعبدنا بما نقف عليه مما يظهر لنا من علم الرجل بأصول الشرع وحسن قياسه على النظائر بعبارة لسانه، عما أحاط علمه به. ولا يجوز أن يقال إنه كرامة تثبت نصًا على ما رووا لأن النص عم الصحابة، وفيهم من لا يجوز تقليدهم بالإجماع كالأعراب فثبت أنه أراد به أهل البصر منهم، وأهل البصر عملوا بالرأي بعد الكتاب والسنة فيجب الاقتداء بهم في ذلك.

стр. 250

وكذلك قوله: "اقتدوا باللذين من بعدي" أبي بكر وعمر ﵄ في أنهما عملا بالرأي بعد الكتاب والسنة فثبت أن معنى الاقتداء الاهتداء بهم، والاهتداء يكون على معنى طلب الصواب بالرأي من أقوالهم دون التقليد، ألا ترى أنه شبههم بالنجوم وإنما يهتدى بالنجم بعد الاستدلال بالرأي بناء عليه، فكذلك الاهتداء بهم إنما يكون بالرأي بناء على أقوالهم لا بنفس القول. وعن أصحاب عبد الله بن مسعود أن ابن عباس كان يدعونا إلى الطعام وكان يجري المسائل وربما كان يخطئ وما كان يمنعنا من الرد عليه إلا أنا كنا على طعامه ولو وجب تقليده لما كان المانع طعامه إلا ما لا يعرف بالقياس، لأنه لا يظن بهم القول جزافًا، فإذا بطل الرأي لم يبق إلا السماع إلا أنه يشكل عليه قول التابعي بخلاف القياس. وكذلك قول من بعده إذا كان فقيهًا عدلًا وليس هذا كالراوي إذا عمل بخلاف ما روى فإنه يحمل على أنه علم بانتساخ ما روى، وإن لم يرو حملًا لأمره على الصلاح لأنه لو لم يحمل عليه لكنا فسقناه وأبطلنا روايته كما أبطلنا بالوجه الأول فلم نصر إلى التفسيق بلا فائدة. فأما ههنا فنحتاج إلى رد القياس متى حمل قوله عن سماع فلم يجز رد الدليل بموهوم حال. ويمكن أن يقال: قد ثبت بالنص أنهم كالنجوم يهتدى بهم فثبت في الجملة أن قول من هو من أهل الاجتهاد منهم لا يخرج عن الصواب بل يكون بحيث يهتدى به وذلك بقياس أو نص. فإذا بطل أحدهما تعين الآخر بخلاف من بعده لأن الصحابي أصل علمه من صاحب الوحي فلا تجعل فتواه منقطعًا عن السماع إلا إذا ظهر دليل غيره، وهو الرأي ولا يحكم بالانقطاع بالاحتمال فأما غير الصحابي فعلمه منقطع عن السماع إلا بواسطة فلا يحكم بالاتصال مع عدم الواسطة بالاحتمال، أو نقول: معناه أن الصحابة إذا اختلفوا لم يجب الوقوف بحكم التعارض كما في أخبار الرسول ﷺ وآيات الكتاب، بل بأي قول عمل به وقع الاهتداء. [فصل] ولهذا لم تحمل أقوال الصحابة إذا اختلفت بعضها على بعض بخلاف آيات الكتاب لأن الصحابي كان يفتي عن الرأي، وكان يجوز للآخر خلافه برأيه مع علمه بالأول، وكان قول كل واحد منهما حجة يعمل بها فلم يطلب جهة التوفيق بينهما لثبوتهما كالمقاييس اليوم إذا تعارضت عمل بواحد منها ولم يجب الوقف.
следующие страницы →