Полный текст (460 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وكذلك إذا اختلفنا في حكم النكاح المملوك للرجل على المرأة أنه في حكم ملك العين أو المنفعة لم يجز إثباته بالقياس لأنه ملك عرف ثبوته شرعًا بخلاف القياس لأن المرأة بعينها وأجزائها، ومنافعها لها بعد العقد كما كانت قبله فكان إثبات الملك عليها من غير إمكان الإشارة إلى شيء منها شرعًا حكم معدول به عن القياس فلا يعرف بالقياس على ملك ثابت بالقياس لأنهما غيران، وكان بمنزلة إباحة الميتة عند الضرورة من إباحة الذكية ولكن يجب التأمل في الدليل الذي أوجبه.
ولأن من شرطه أن يكون الفرع نظيرًا للأصل في الحكم الذي وقع التعليل له.
والنكاح عقد تمليك لا نظير له من سائر التمليكات لأن سائره ما شرعت إلا في الأموال التي خلقت محلًا لملك الآدمي، وهذه شرعت في الحرة التي خلقت مالكة لا محلًا للملك ولا تباين في حكم الملك أكثر من أن يكون أحدهما محلًا للملك والآخر لا.
وكذلك إذا اختلفنا في حكم الرهن أنه يد تثبت للمرتهن في حكم يد الاستيفاء الحقيقي أو حق بيع بالدين.
واليد شرط لتتميم السبب عاملًا، كاليد في الهبة بها يتم.
وحكمها إيجاب الملك للموهوب له صلة لم يجز إثباته بالقياس لأن العقود ليست بنظائر.
وكل عقد شرع أو وضع لمقصود على حدة شرعًا ولغة فلا يعرف حكمه بالقياس على غيره بل بالتأمل فيه كما لا تعرف معاني اللغة بالقياس الشرعي والتأمل يوجب ما قلناه.
لأنه شرع وثيقة لما لصاحب الدين من حق الاستيفاء دون تأكيد الوجوب لأن الوجوب يختص بالذمم.
والاستيفاء بالمال وهو مشروع في المال الصالح للاستيفاء من ماليته ومعناه فعلم أنه مشروع وثيقة لجانب الاستيفاء.
والاستيفاء مخصوص ثبوته باليد فيزداد بالوثيقة اليد التي تثبت بها الحقيقة لتصير الحقيقة موثقة بما ازداد كالكفالة لما كانت وثيقة لجانب الوجوب ازداد بها شغل ذمة هو في حكم الذمة الأصلية بالمطالبة التي يتوصل بها إلى الواجب في الذمة الأصلية من غير تغير وقع في الأصل فكذلك هذا.
ومنها قولهم: المعتدة عن طلاق بائن لا يلحقها الطلاق لأنها بائنة فأشبهت المنقضية عدتها لأن الخلاف بيننا وبينهم في أنها هل تبقى محلًا للطلاق بالعدة عن النكاح أم لا وقد
стр. 282
عدمت العلة في الأصل المعلل.
وكذلك قولهم: إن إسلام المروي في المروي جائز لأنهما ثوبان فصار كالمروي في الهروي.
لأن الخلاف بيننا وبينهم في أن الجنس علة لتحريم النساء أم لا وقد عدم في الأصل المعلول وكان التعليل لغير ما وقع فيه الخلاف ولأن النافي منكر أن يكون ما ادعاه المدعي مشروعًا وما لم يشرع لا يكون حكمًا شرعيًا ليمكن إثباته بالقياس.
وكذلك قولهم: الطلاق البائن لا يقطع الرجعة قياسًا على الطلاق المطلق لأنه طلاق بلا عوض لأن الخلاف بيننا وبينهم أن صفة الإبانة مملوكة للرجل بالنكاح أم لا؟
عندنا: مملوكة صفة للطلاق.
وعندهم: لا، وهذا الحكم وهو أنه غير مملوك له غير ثابت في الأصل ليصح التعليل لتعديته إلى الفرع بل إنما لم تنقطع الرجعة في الأصل لأنه سكت عن الإبانة القاطعة لا لأنه لم يملكها.
وكذلك الإجارة لا يجوز قياسها على البيع في إيجاب ملك المنفعة للحال لأن محل الملك قائم في البيع قابل للملك فلم يتأخر عنه، والمحل في باب الإجارة معدوم غير متصور ملكه قبل وجوده.
ومنها ما ذكرنا أن المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض فمتى وجدت في الفرع نصًا يمكنك العمل به من غير أن تقيسه على أصل آخر كان القياس فاسدًا لعدم شرطه على ما مر، وقد مرت لها أمثلة ونزيدها ههنا إيضاحًا.
فنقول: لا يجوز قياس القتل عمدًا على القتل خطأ في إيجاب الكفارة لأن كل حادثة منصوص عليها.
ولا قتل المسلم في دار الحرب قبل الهجرة إلينا على المسلم في دارنا في إيجاب ضمان الدية لأن كل حادثة منصوص عليها.
ولم نستجز قياس المحصر على المتمتع في إيجاب الصوم بدلًا عن الهدي عند العدم، لأن كل حادثة منصوص عليها ولم نستجز قياس المطلقة التي لها مهر مسمى على التي طلقت قبل الدخول بلا فرض مهر في إيجاب المتعة لأن كل حادثة منصوص عليها، إلى أمثلة كثيرة لئلا يلتبس الطريق على المتأمل.
وأما الفصل الرابع: فمثاله، ما قلنا إن الماء إنما طهر الثوب النجس لأنه مزيل لما هو نجاسة جاورت الثوب.
والخل بمنزلته فتعدى الحكم إليه وهو إيجاب الطهارة.
стр. 283
ثم قلنا إن الماء طهور لأعضاء المحدث في حق الصلاة دون الخل، لأن هذه الطهارة لم تجب بإزالة النجاسة بل وجب باسم الماء عرف طهورًا في حقها بالنص فلم تتعد إلى الخل.
وتعليلنا بالإزالة لم يوجب قصر الحكم على العلة في النص بل وجب الحكم بالطهارة باستعمال الماء بالماء المنصوص عليه كما قبل التعليل، ووجب في الفرع بالعلة ليعلم أن التعليل ليس إلا لتعدية الحكم إلى ما لا نص فيه، وإنه لغو اعتباره مع النص سواء كان النص في الفرع أو الأصل المعلول.
فإن قيل: أليس عللتم خبر الربا بالكيل وخصصتم به القليل، والنص جاء باسم الحنطة بالحنطة من غير تخصيص.
قلنا: إن النص جاء بالحنطة هي مثل بمثل كيل بكيل لا بحنطة مطلقة لأن قوله: "كيل بكيل" تفسير لما ذكرنا من الحنطة بالحنطة، ولا يتصف بالكيل القليل، وكثير من الإشكالات تزول بمحافظة ما قلنا: إن النص وإن علل بعلة صحيحة فالحكم في الأصل المعلول لا يجب بالعلة بل بالنص كما قبل العلة فيثبت مع انعدامها باسم النص على ما بينا فلا يكون ذلك قدحًا في العلة لجواز بقاء حكم العلة مع انعدامها بعلة أخرى، فكذلك جاز بقيام النص.
بل الممتنع الفاسد ما قاله الشافعي أن خبر الربا معلول بالطعم، والربا في النص ففضل ذات بقدر الكيل لأنه قال ﷺ : "الحنطة بالحنطة مثل بمثل كيل بكيل والفضل ربا" والفضل بعد المساواة كيلًا بكيل لا يكون إلا بفضل أحدهما على الآخر بكيله أو نقصانه عنه وبعلة الطعم يحرم فضل من حيث أجزاء الذات والصورة لأنه يتعدى إلى ما لا يكال فلا يتصور فيه فضل ذات بقدر الكيل.
وما روي أنه نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا سواء بسواء تحريم يسقط بالتسوية بينهما والتسوية بين الشيئين إنما يكون بالتصرف في أحدهما لأن المفاضلة بين الشيئين في قدر الكثرة لا تكون إلا بزيادة أحدهما على الآخر.
فالتسوية لا تقع إلا برفع تلك المفاضلة، وذلك بنقص الزائد أو زيادة الناقص فصار الحكم وهو الحرمة حرمة تزول بالتصرف في أحد العوضين بنقصان أو زيادة، وهو بالتعليل بالطعم يعدي حرمة إلى فروع لا تزول بالتصرف في أحدهما فلم يعد حكم النص بعينه بل غير وصفه وأنه فاسد بلا خلاف فثبت أن النظر في شروطه صحة التعليل وخاصة في الحكم باب عزيز الوجود كثير الفقه وإن من وفق للنظر في هذه الشروط وسبر العلل بها وجد أكثر علل الأحداث هباء، والله أعلم.
стр. 284
باب
القول في ركن العلة
ركن العلة: ما جعل علمًا على حكم النص من جملة ما اشتمل عليه اسم النص، وجعل الفرع نظيرًا له في حكمه بوجوده فيه كما وجد في الأصل.
لأن العلة به تقوم فكان ركنًا.
وإنه يجوز أن يكون وصفًا لازمًا أو عارضًا أو اسمًا أو حكمًا.
ويجوز أن يكون عددًا واحدًا أو عددين وأعدادًا لا تعمل حتى ينضم البعض إلى البعض.
ويجوز أن تكون العلة في النص وفي غيره، وذلك لأن العلة إنما تصير علة بدلالة أثرها في الحكم على ما نبين، والتأثير متى ثبت لضرب من هذه الضروب كان علة ويجب العمل بها ولأن النبي ﷺ قال للمستحاضة: "إنه دم عرق انفجر، توضئي لكل صلاة" فقوله إنه دم عرق انفجر تعليل، والدم اسم علم وانفجر صفة عارضة، وقال للتي سألته عن الحج عن أبيها: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزيك؟ فقالت: نعم. فقال: فدين الله أحق" علل بحكم آخر لحكم سئل عنه لأن قولنا دين عبارة عن ثابت في الذمة وذلك بالوجوب وإنه حكم.
وقال علماؤنا: بيع المدبر باطل، لأن عتقه تعلق بمطلق موت المولى فأشبه أم الولد والتعلق حكم.
وقالوا: الزكاة تجب في الحلي لأن الذهب والفضة أثمان وله وصف لازم لا عارض لأنهما لم يخلقا إلا أثمانًا. وأما قولنا بجواز أن يكون في النص فظاهر لأن النص هو المعلول.
وأما قولنا: يجوز أن يكون في غيره فنحو ما روي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم" فالرخصة معلولة بإعدام العاقد وإنه غير مذكور في الرخصة، ونهى عن بيع الغرر لعجز البائع عن تسليمه أو جهالة المبيع ولا ذكر لهما، وقال: "لا تنكح الأمة على الحرة".
стр. 285
وعلل الشافعي لتحريم نكاح الأمة على الحرة بتعريض الحر جزءًا منه للرق على غنية، ولا ذكر للزوج وهذا لأنه لا بد للنكاح من الزوج وللبيع من البائع والمبيع، فصار ما لا بد منه كالمذكور فيه فصح التعليل بمعنى فيما ثبت مقتضى به كما صح بمعنى في النص وكذلك النهي عن صوم يوم النحر معلول بدعوة الله العباد إلى الفطر بقرابينه، وكذلك كل أمر أو نهي جاء لمعنى في غيره كان معلولًا بمعنى في الغير لا في المذكور نفسه، والله أعلم.
стр. 286
باب
القول في حكم العلة
قال القاضي ﵁: هذا باب سهل على القلوب علمه، صعب استعماله لشدة ما ثبت من عادات المناظرين بخلافه، ليروض مريده قلبه بالصرف عن العادة إلى الحجة ثم يستعمله، وما التوفيق إلا بالله.
اختلف العلماء في العبارة عن حكم العلة التي نسميها قياسًا، أو نسميها معلومة بالنظر والرأي؟
وقال علماؤنا: حكم هذه العلة تعدية حكم النص المعلل إلى فرع، ولا نص فيه، ولا إجماع، ولا دليل فوق الرأي.
وقال قائلون: حكم العلة؛ تعلق حكم النص بالوصف الذي تبين علة.
وإنما يتبين هذا الجواب بقول علمائنا: إن العلة متى لم تكن متعدية كانت فاسدة، ومتى تعدت إلى فرع منصوص عليه كانت باطلة أيضًا، وقد مر فصل الفرع المنصوص عليه، وإنما هذا الباب لبيان نفس حكم العلة الصحيحة.
فأما الذين قالوا: إن حكم العلة هو تعلق الحكم بها، فقد شبهوا هذه العلة بالعلل العقلية، فإنها لا تعرف عللًا إلا بتعلق وجود أحكامها بها.
وكذلك العلل الشرعية إذا كانت منقولة عن صاحب الشريعة فالأحكام تصير متعلقة بها.
وكذلك أسباب وجود العبادات والكفارات والعقوبات ونحوها علل شرعية للوجوب وقد تعلقت بها.
والجواب عنه وهو الطريق في الباب: ما ذكرنا أن هذه العلة التي نحن فيها صحتها منوطة بشرط أن تكون بعد النص على ما قال النبي ﷺ ، فإن لم تجد في سنة رسول الله فبالرأي على ما مر في باب إثبات القياس، وبالإجماع يجب عليه طلب الحكم بكتاب الله تعالى ثم بالخبر ثم بالرأي، وكذلك ثبت بالإجماع على ما مر في الباب الأول أن النص لا يجوز تعليله بعلة تغيير حكم النص في نفسه.
وإذا كان كذلك وجب أن يبقى الحكم بعد التعليل على ما كان مضافًا وجوبه إلى النص دون العلة، فإنك متى قصرت الإضافة إلى العلة كنت غيرت حكم النص عما كان
стр. 287
قبل التعليل، وأخرجت سائر أوصافه عن تعلق الحكم بها، وكما لم يجز أن يخرج بالتعليل بعض المحال التي تناولها النص عن حكم الجملة لم يجز كذلك في حق الأوصاف.
ولأن هذه العلة لما لم تشرع علة إلا بعد النص صار لغوًا مع النص، وإذا صار لغوًا لم يجز التعليق بها كما إذا عارضها نص آخر مخالف لم يجز اعتبارها حجة معارضة بل سقطت، وتبين لنا أنها ليست بحجة وإنما تظهر حجة في الفرع، ولن يوجد فيه حكم الأصل إلا بالتعدية إليه فصار حكم العلة التعدية لا غير، ونظيره من العقود الحوالة ما لها حكم تعلق وجوب الدين بها بل التحويل عن ذمة إلى ذمة لأنها لا توجب أصل الدين بل تنقل من ذمة إلى ذمة، ولأنا ذكرنا أن العلة اسم لما يتغير به حكم الحال، والذي يتغير من حكم النص بالتعليل بأن كان الحكم مقصورًا عليه فتعدى بالتعليل.
وإذا ثبت هذا علمت بفساد ثلاثة أرباع المقاييس جملة بل حجة لكل فرع على حدة، ولا لكل قياس، وسقط عنك أعباء حفظها وفهمها والعمل بها.
وبيان ذلك أن جملة أقسام ما يختلف فيها الفقهاء ويتناظرون فيها من الشرعيات أربعة أنواع:
الاختلاف في الموجب للحكم أو صفته أهو مشروع أم لا؟
أو في شرط العلة أو صفته؟
أو في حكم من الأحكام أو صفته؟
أو في حكم مشروع معلوم بوصفه بلا منازعة في محل هل هو مقصود عليه أو هو متعدي عنه إلى غيره؟
والقياس لم يشرع حجة إلا لهذا النوع لما ذكرنا أنه لا حكم له غير التعدية، والتعدية لا تتصور إلا في هذا القسم الرابع ففسد فيما عدا هذا القسم لانعدام حكمه، ولأنه لم يصادف محله فمحله أصل فيه حكم مشروع ليمكن التعدية فيما ليس بموجود لا يمكن تعديته كالحوالة حيث لا دين يلغو.
ولأن الاختلاف متى حصل في الموجب للحكم أو شرطه، أو نفس الحكم فقد وقع الاختلاف في أصل الشرع أكان أم لم يكن؟ لأنا أجمعنا أنه ليس إلينا نصب الأحكام الشرعية ولا رفعها بالرأي، ولا نصب أسبابها وفي نصب الأسباب نصب للأحكام، ولا شروطها، ففي نصب الشروط المانعة رفع للأحكام، وإذا لم يكن إلينا ذلك بالرأي بطل تعليل مدعيها لأنه يعلل للنصب، لأن الآخر منكر أن تكون هي مشروعة، وبطل تعليل منكريها لأنهم يقولون هي لم تشرع أصلًا إذا أنكروا الثبوت.
стр. 288
وما لم يشرع لا يكون حكمًا شرعيًا ليمكن إثباتها بالقياس.
وإذا ادعى الارتفاع بعد الثبوت فكذلك لأن النسخ لا يثبت بالقياس، فإذا عرفت هذه الجملة عقدًا خرجت على كل قسم ما يخرج عليه مما غلط غير المتأملين فيه.
أما القسم الموجب: فنحو اختلافنا في الجنس بانفراده أهو علة محرمة للبيع نسيئة أو لا؟ وهذا مما لا يجوز فيه التكلم بالقياس، بل يجب على مدعيها إقامة الدلالة على صحة ما ادعاه من نص أو دلالة نص أو إشارته أو اقتضائه، على ما مر أن الثابت بها ثابت بالنص لا بالقياس، وعلى المنكر الامتناع عنه لعدم دليل الصحة.
كما نقول فيمن ادعى أن الوتر فرض عملًا زائدًا على الخمس، وأنكره آخر لم يكن على المنكر إلا التمسك بعدم قيام الدليل، ولزم المدعي إقامة الدليل سوى القياس وكان بمنزلة من يدعي أن فرض الفجر أربع ركعات وأنكر الآخر.
وكذلك إذا اختلفنا أن السفر أهو سبب مسقط لشطر الصلاة بنفسه أو لا؟ لم يستقم التكلم فيها بالقياس بل الذي يدعيه مسقطًا لزمه إثباته وإنما يظهر الفقه في مثل هذه المسائل بإفساد أدلة الخصم، لأنه لا يمكنه إفسادها إلا بفقه طرق الأدلة حتى علم بها أن هذه الأدلة جائزة وليست بعادلة، وكذلك إذا اختلفت في الخف هل هو سبب مانع من سريان الحدث إلى القدم؟ لم يصح الكلام فيه بالمقايسة نفيًا ولا إثباتًا.
وكذلك إذا اختلف في الحربي يسلم، أهو سبب موجب لجعل نفسه وماله مضمونين قبل الإحراز بالدار أم لا؟ لم يعرف بالقياس.
وكذلك إذا اختلفنا في أن العقل قبل الشرع أهو حجة قاطعة لعذر الكفار أم لا؟. وخبر الواحد أهو حجة يجب العمل به أم لا؟
والقياس أهو حجة يجب العمل به في الأحكام الشرعية أم لا؟
وأما صفته فنحو اختلافنا في المال الذي هو سبب الزكاة، أهو سبب بصفة النماء أم دونها؟
واليمين بالله سبب للكفارة بصفة أنها مقصودة أم معقودة؟
وقتل النفس بغير حق سبب للكفارة بصفة الحرمة وحدها أم بصفة الإباحة مع الحرمة؟
والإفطار سبب لكفارة باسم الجماع، أم باسم اقتضاء إحدى الشهوتين؟
وهذا لأن وصف الشيء منه، فما لم يكن أصله مما يثبت بالقياس لم يكن وصفه كذلك من قبيل ما يثبت به.
وأما أصل الشرط فنحو الاختلاف في شهود النكاح لا يثبت بالقياس أنهم شرط أم لا؟ وكذلك الولي.
стр. 289
فأما ثبوت الولاية للمرأة على نفسها فمما يعرف قياسًا، لأنا وجدنا الثبوت حكمًا ثابتًا مع البلوغ والحرية في أصل مجمع عليه فيصح القياس لتعديته إلى المرأة.
وكذلك إذا اختلفنا في الزكاة أن التسمية شرط أم لا؟ لم يجز التكلم فيه بالقياس، وكذلك إذا قلنا شرط نفوذ الطلاق على المرأة من جانبها النكاح أو العدة عنه.
وقال خصمنا: العدة ليست بشرط النفوذ وبها وحدها لا تصير محلًا، وكذلك إذا اختلفنا في البلوغ عن عقل أهو شرط لوجوب حقوق الله تعالى التي تحتمل النسخ والتبديل كالزكاة والصلاة والكفارات ولزوم الإحرام، وكذلك وجوب العقوبات كحرمان الإرث بالقتل والحدود؟ لم يكن للقياس فيه مدخلًا، وكذلك إذا اختلفنا في البلوغ بعد العقل أهو شرط لصحة أداء ما لا يحتمل النسخ من أصل الدين أم لا؟
فإن قيل: أليس اختلفنا في بيع الطعام بالطعام إن القبض في المجلس شرط أم لا، وتكلمتم فيها بالقياس؟
قلنا: البقاء على الصحة بلا شرط قبض حكم ثبت في أصل منصوص عليه من البيوع، وهو بيع العبد بدراهم وكل ما عدا الطعام بالطعام من السلع، فيصح التعدية بالتعليل إلى الفرع المختلف فيه ما لم يمنعنا عنه نص بخلافه، فيجب على مدعي الفساد بمعارضة النص إقامته.
ومتى أمكن المعلل في ما مضى من الأمثلة أن يبين لقياسه مثل هذا المحل صح، فإنا ما أنكرنا الصحة إلا لتعليله لنفي ما لم يشرع أو إثباته.
ومن أنكر شرط الشهود في النكاح لا يجد جوازه بدونه إلا في نكاح أهل الذمة.
لأن أحكام شرعنا لا تلزمهم إلا ما يدينون بها أو استثني عليهم، فلم يستقم القياس عليهم، والمسلمون يلزمهم أحكام الشرع.
وكذلك من أنكر التسمية في الزكاة لم يجد حل الزكاة بدونها إلا إذا تركه ناسيًا.
على هذا الأصل القياس صحيح بصورته لكنا لم نقبل، لأنا أحللنا زكاة التارك ناسيًا بناء على أنه في حكم المسمى بدلالة النص، كما نجوز صوم الآكل ناسيًا، بناء على أنه في حكم من لم يأكل، بخلاف القياس بدلالة النص.
ثم لا يجوز القياس عليه إذا ترك عمدًا، لأنه معدول به عن القياس، وبمثل هذا يظهر الفقه في بيان طرق القياس.
وأما صفة الشرط: فكشهود النكاح أنهم رجال، أو نساء ورجال، وصفة الطهارة للصلاة أمرتبة أم غير مرتبة؟ ما يصح إثباتها من الشروط. أو نفيها بالقياس، وإنما يصح تعريفها بالنظر في النصوص الموجبة للشرط، وإلى ما خص منها بزيادة وتكون المقايسة
стр. 290
بعد ذلك لمعرفة حادثة اختلف فيها أنها في العموم أو الخصوص.
وأما الحكم: فنحو اختلافنا في الركعة الواحدة أمشروعة صلاة أم لا؟.
والأربع مشروعة على المسافر أم لا؟ والسمح بالخف مشروع أم لا؟.
وكذلك بالعمامة؟ وصوم بعض اليوم مشروع أم لا؟.
والقراء تسقط بالاقتداء أم لا؟.
والصوم يسقط بالجنون أم لا؟.
وإنما يتكلم في مثل هذه المسائل بالنص وبدليله على ما ذكرنا.
فإن قيل: اختلافنا في صوم يوم النحر أمشروع أم لا؟ وتكلمتم فيه بالقياس!
قلنا: لا كذلك، فإن كون اليوم سببًا لصيرورة الصوم مشروعًا ثابت أصلًا، ووقع الاختلاف في انتساخه بصفة أنه يوم عيد فأنكرناه، لا أنا أثبتنا كون اليوم سببًا بالقياس.
وأما وصف الحكم: فنحو اتفاقنا على أن القراءة مشروعة في الشفع الثاني واختلفنا أنها فرض أم لا؟ وأنها فرض في الأول واختلفنا أنها فاتحة أم لا؟ واتفقنا أن من حكم النكاح أن يملك الرجل طلاق امرأته واختلفنا في وصفه أنه يملكه مباحًا، والكراهة بعارض أو يملكه مكروهًا، والإباحة بعارض وهو مذهبنا على ما بيناه في موضعه.
وكذلك يملك الطلاق مبينًا قصدًا إليه عندنا، وعنده لا يملك، لا يعرف بالقياس فإنا لا نجده بعينه أصلًا آخر لنعديه إلى الفرع.
وكذلك إذا اختلفنا في ملك النكاح في حق المتعة أهو خاص للرجل على المرأة أو مشترك بين الزوجين؟ لا يعرف بالقياس لأنه غير موجود في أصل آخر لنعديه إليه بل يعرف بالاستدلال بما ثبت بالنصوص.
وكذلك إذا اختلفنا في حكم خبر الربا وهو قوله: "والفضل ربا" إنه فضل ذات الحنطة أو فضل كيل؟ لم يجز إثباته بالعلة لما قلنا، ولا جاز الاشتغال بعلة الحكم قبل إثبات الحكم على الخصم إذا أنكره.
وكذلك إذا اختلفنا في حكم الرهن الثابت للمرتهن إذا تم العقد بالتسليم إليه أنه في حكم يد الاستيفاء الذي يتم بالتسليم إليه، أم هو حق بيع بالدين إذا تم العقد باليد كما يتم عقد الهبة باليد.
وحكمه وقوع الملك للموهوب له لم يجز إثباته بالقياس لأنا لا نجد حكم الرهن في عقد آخر لتعديه إليه بالقياس.
وكذلك النفي لأن الانتفاء من حيث لم يكن لا يكن حكمًا شرعيًا يمكن تعديته إلى غيره بالقياس على ما ذكرنا.
стр. 291
وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المهر بالنكاح بلا تسمية؟ لم يكن للقياس فيه مدخل لأنا لا نجده في غيره لنعديه إليه.
وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المتعة بعد الطلاق بعد الدخول؟ لأنا اختلفنا فيه لاختلافنا في المتعة بأصله على وحشة الفراق، أم عوض عن ملك النكاح؟ واجب بالعقد مقام المهر الساقط بالطلاق، لا يمكن إثباته بالقياس.
وهذا لأن أحكام الشرع بصفاتها لا تثبت ابتداء إلا بالشرع فلا يمكن معرفتها مشروعة بصفاتها إلا بالنظر في المنصوص، حسب المعاني التي تثبت بالأسامي الغريبة لا يمكن معرفتها إلا بالنظر في كلام العرب والتعرف من قبلهم.
وأما القسم الرابع: فنحو قولنا: إن المسح في الوضوء لا يسن تثليثه لأنه مسح قياسًا على مسح الخف لأنل وجدنا مسحًا في الوضوء، وله فرض وسنة ووجدنا حكم إقامة سنته بإفراده لا بتثليثه فعديناه إلى الفرع.
وكذلك قولهم: الرأس عضو من أعضاء الوضوء فيسن تثليث وظيفته قياسًا على الوجه، فكان في محليهما فيجب طلب الفساد بطريق آخر.
وكذلك قولنا: صوم رمضان صوم عين، فيتأدى بنية مطلق الصوم كالنفل في غير رمضان، وقولهم: إنه صوم فرض فيشترط عليه نية الفرض قياسًا على القضاء.
وكذلك قولنا: المديون لا زكاة عليه لأن الصدقة تحل له فلا تجب عليه الزكاة كالمكاتب، والذي له دار يسكنها تساوي كثيرًا، وقوله: إن ملكه كامل فيلزمه الزكاة كغير المديون.
فإن قيل: إنا نقول في النكاح أنه عقد معاملة فيصح بلا شهود كالبيع، كان هذا فاسدًا بطريق آخر لأنا نقول: من حيث أنه عقد معاملة لا يفسد عندنا بعدم الشهود، وإنما فسد من حيث أنه عقد لم يشرع إلا للتناسل فخص بالشهود.
فالشهود ثبت عندنا شرعًا لهذا الوصف الخاص إظهارًا لكرامة بني آدم، ولا نجد جوازًا مع هذا الوصف بدون الشهود لتعدي ذلك الجواز إلى ما ها هنا بالمعلل في أمثالها.
أما أن ينقطع بوضعه العلة في غير محلها أو يميل إلى محلها بأن وجده فتقوم المناظرة ببيان الصحة والفساد بطريق آخر، والله أعلم.
стр. 292
باب
القول في أسماء لا بد للقائس منها نحو أسماء الأدوات
لكل صناعة وأسماء السنجات والميزان للوزن
قال القاضي ﵁: لا بد للقياس من أصول تعلل، وهي شهود الله تعالى على أحكامه فيما لا نص فيها.
ولا بد من معنى جامع بين الأصل والفرع وهو الشهادة.
ولا بد من قائس، وهو طالب معرفة الحكم المحتاج إليه بشهادة، وهو المعنى الجامع بين الأصل والفرع.
ولا بد من حكم يثبت لديه فيحكم به وهو القلب.
ولا بد من مشهود به وهو الحكم المطلوب.
ولا بد من صلاح الشاهد للشهادة كما في شهود المعاملات من حرية وعقل وبلوغ، فكذلك الأصل يجب أن يكون صالحًا للتعليل.
ولا بد من اعتبار الوصف صالحًا كما يعتبر لفظ الشاهد.
ولا بد من اعتبار العدالة كما في الشاهد فلا بد من مشهود عليه وهو البدن، فاللسان يلزمه الإقرار بحكم تلك الشهادة والبدن يلزمه العمل به، هذا إذا حاج نفسه، فأما إذا حاج غيره فمثال المتناظرين مثال المتخاصمين في حقوق الناس، والمجيب بمنزلة المدعي، والسائل بمنزلة المنكر.
والقياس شهادة، والأصل شاهد والمجيب مستشهد، والحكم مشهود به، والسائل بلسانه وبدنه مشهود عليه، والقلب منه حاكم عليه، وتأثير الوصف عدالة ظاهرة فهذه جملة لا بد للقياس منها.
وقد خالفنا الشافعي في بعضها على ما نذكر في تفاصيل هذه الجملة إن شاء الله .
стр. 293
باب
القول في الأصول في أنها معلولة أم غير معلولة
قال بعض مثبتي القياس: الأصول ليست بمعلولة في الأصل إلا بدليل.
وقال بعضهم: هي معلولة بكل وصف منها واجب العمل به إلا بدليل.
وقال الشافعي: على ما دلت عليه مسائله، ولست أحققه مذهبًا له: إن الأصول معلولة، ولكن لا يجب العمل بما جعل علة إلا بدليل يميز بينها وبين غيرها.
وقال علماؤنا كذلك وزادوا فقالوا: لا يجب العمل بها إلا بدليل يدل على كون الأصل شاهدًا للحال.
فأما الأولون فاحتجوا بأن الأصول هي النصوص، والنص حجة يجب العمل بها على موجب اللغة في الأصل، فلا يجب العدول عنه إلى العلل الشرعية التي لا تنبئ عنها اللغة إلا بدليل.
وكان ذلك بمنزلة ترك الحقيقة إلى مجازه بل أبعد، لأن المجاز أحد أنواع اللسان وهذا لا يعرف لسانًا بحال.
ولأن التعليل ببعض الأوصاف بعد ظهور الحكم عقيب الكل تخصيص فلا يثبت إلا بدليل.
ولئن سلمنا أن كل وصف يجوز علة فلا يثبت الترجيح للبعض على البعض إلا بدليل إذ كل وصف، وإن صلح علة احتمل أن لا يكون علة فلا يصير علة مع الاحتمال.
وأما الفريق الثاني فقالوا: إن الدلائل التي جعلت القياس على النص حجة جعلت النص معلولًا في أصله لأنه لا قياس إلا بعلة، وجعلت كل وصف علة لأن القياس لا يتصور بكل الأوصاف، فصار كل وصف علة إلا بمانع، وهذا كما أن دلائل الشرع جعلت الأخبار حجة، وإنما تثبت بالرواة ولا يمكن شرط الكل لأنه يتعذر، فصار كل واحد بروايته حجة إلا بمانع.
فأما الجواب عن قولهم أن في التعليل تركًا لحقيقة النص، فلا كذلك لما مر أن من شرط صحة التعليل بالرأي أن يبقى حكم الأصل فيه، كما كان قبل التعليل معمولًا به في النص بنصه لا بالعلة، ولما صار كل وصف علة بانفراده لم يترجح واحد إلا بدليل، وإنما لم نجعل كل الأوصاف علة لأنها لا تتعدى حينئذ فلا يمكن المقايسة لها.
стр. 294
وأما الاحتمال فنعم ثابت، ولكن لما ثبت الوصف علة بدلائل صحة القياس لم يبطل بالاحتمال كما لا يثبت ابتداء بالاحتمال.
وأما الفريق الثالث: فيقول إن الدلائل الموجبة للقياس على النص جعلت النص معلولًا ليمكن القياس، ولا قياس إلا بتعليل، والإمكان يثبت بوصف من الجملة فلا يجب بتلك الدلائل أن يجعل كل وصف علة بل صار البعض من الجملة علة.
واحتمل الزيادة على الواحد، فلا تثبت الزيادة على الواحد إلا بدليل.
وهذا الواحد مجهول من بين الجملة فلا يمكن العمل به حتى يمتاز عن الكل، ولا يثبت الامتياز إلا بدليل.
وأما علماؤنا فإنهم ذهبوا إلى أنه لا بد من دليل يميز الوصف الذي هو علة عن غيره كما قال الشافعي ﵀.
وسنذكر شرح ذلك في باب: صيرورة الوصف علة يجب العمل بها بعد هذا الباب.
وقبل هذا الدليل نحتاج إلى دليل يدل على كون الأصل شاهدًا يعمل بشهادته، لأن الأصول وإن كانت معلولة في الأصل بالدلائل الموجبة للقياس فقد احتمل واحد بعينه من الجملة أن لا يكون معلولًا فبالإجماع نصوص من بين النصوص غير معلولة، فلم يخرج في نفسه من أن يكون شاهدًا بالاحتمال بعدما صار الأصل للشهادة.
ولكن لا يبقى حجة على غيره، وهو الفرع مع قيام الاحتمال حتى يقوم دليل يدل على كونه شاهدًا للحال كالرجل المجهول الحال إذا شهد قبلت شهادته.
وإذا طعن الخصم في حريته لم يصر حجة عليه بكونه حرًا في الأصل، إلا بدليل يوجب حريته للحال في حقه لأنه احتمل التغيير بعارض، فلم تبطل حريته في نفسه بالاحتمال، ولم يبق حجة على غيره مع الاحتمال على ما بينا في باب استصحاب الحال؛ أن الاستشهاد بأصل ثابت احتمل التغير لا يكون حجة ملزمة، وإنما يكون حجة دافعة.
فإن قيل: أليس النبي ﷺ قدوة أمته فيما كان له وعليه، وقد احتمل أن يكون مخصوصًا كما ظهر في أحكام، ومع ذلك كان حجة على غيره؟
قلنا: إن الحجة لوجوب الاقتداء به كونه نبيًا، وما اختلف الحال في كونه مقتدى به، والخصوص من ثبت بدليله في بعض أفعاله وأحكامه فيبقى في الباقي على عمومه كالنص العام إذا خص منه شيء ولم ينسخ ولا احتمله، فإن الباقي يبقى على عمومه فأما فيما نحن فيه فالنص المعلول هو الشاهد بعلته فاحتمل في نفسه أن لا يكون معلولًا بعارض كالشاهد هو الحجة بشهادته، فاحتمل أن لا يكون حجة بعارض رق فيصير احتمالًا في نفس ما هو حجة، وفي الفصل الأول كان الاحتمال في العمل بما ثبت حجة.
стр. 295
ومثال ذلك: أنا متى عللنا حرمة الفضل من الذهب بالذهب بكونه موزونًا.
وقيل لنا: أنه مخصوص بعلة الثمنية، ومعدو لبه عن سنن قياس غيره عليه احتجنا نحن إلى بيان أنه معلول بهذا الوصف بدليل موجب له غير الدلائل المصححة للقياس.
فنقول: إن كون الذهب ثمنًا ليس بمسقط صفة أنه معلول بعلة يتعدى حكمه إلى غيره، ولا بموجب له صفة الخصوص بحكمه، ألا ترى أن من حكمه وجوب القبض في المجلس، وقد تعدى هذا الحكم إلى عقد السلم.
وكل عقد بيع كان دينًا بدين بعلة الدينية فكذا لا تصير الثمنية مانعة مما نحن فيه، وصحت التعدي بعلة الوزنية، وهذا كالشاهد يطعن فيه بجهل فلا يكون طعنًا لأن الجهل لا يسقط ولايته، والشهادة من جملة الولاية، وإنما يكون طعنًا ذكر الشاهد بوصف مسقط للولاية كالصبا والرق والكفر في حق المسلم ونحوها، فكذلك ههنا.
إنما يكون طعنًا إذا أشير إلى وصف مانع من ولاية الشهادة بحكم الفرع جملة.
فأما إذا وجدناه مع الوصف الذي طعن به شاهدًا في موضع فيعلم أن ذلك الوصف ليس بطعن، ولا هو بمبطل عليه صفة الشهادة فمرة ثبتت صفة الشهادة للشاهد بسبب ثبوت الولاية من الأسباب الموجبة للحرية، ومرة بحكم شهادته فإذا وجدناها مقبولة في حادثة على وجه الصحة صارت حجة.
فكذلك الأصل إنما يصير من جملة ما يعمل بعلته إذا وجدناه عمل به في حادثة، أو وجدناه من النبي ﷺ نصًا على كونه معلولًا بعينه، أو دليلًا من النص مما يثبت به الأحكام من استدلال ونحوه، والله أعلم.
стр. 296
باب
القول في الوصف وثبوته علة يجب العمل بها
قالت الحشوية من جملة هذا القياس: كل وصف وجد الحكم معه حجة يجب العمل به إلا بمانع.
وقال بعضهم: لا يجب العمل به، ولا يصير حجة إلا بدوران الحكم معه وجودًا وعدمًا، والنص قائم في الحالين ولا حكم له.
وقال بعضهم: بدوران الحكم معه وجودًا وعدمًا لا غير وشرط قيام النص، ولا حكم له شرط مفسد للقياس.
وقال جمهور العلماء: عدم الحكم عند عدم العلة لا يدل على الصحة، والوجود عند العدم لا يدل على الفساد ولا يجب العمل بهذا الدليل، ولكن بدليل يدل على صلاحه علة ثم عدالته، وعدم ما يرفعه.
ثم اختلفوا في تفسير الصلاح؟
قال بعض مشايخ الشافعي ﵀: تفسير الصلاح أن يكون مخيلًا.
وقال بعضهم: أن يكون ملائمًا غير ناب، وتفسير الملائمة: أن يكون على موافقة ما جاء به الشرع من المقاييس المنقولة عن السلف وعن الرسول ﷺ .
ثم العدالة بالعرض على الأصول، فإن لم يرده أصل ناقض صار معدلًا ثم يوقف عن العمل به احتياطًا، ويعرض على الأصول فإن لم يرده أصل معارضًا عمل به حينئذ.
وقال بعضهم: العرض على الأصول احتياط، والعمل به صحيح قبل العرض، والنقض جرح والمعارضة دفع.
وقال علماؤنا: ما لم يقم الدليل على أن الوصف الملائم لا يقبل التعليل به، ولا يلتفت إليه، وإذا صار ملائمًا بدليل لم يعمل به إلا العدالة، وذلك بكونه مؤثرًا في ذلك الحكم هذا هو الواجب، وإن عمل به قبل التأثير صح.
وأما قبل الملائمة فلا يصح العمل به كالشاهد إذا شهد لم تقبل حتى يأتي بلفظة أشهد أو بما يماثله بلغة أخرى، ولا يصح العمل به قبل ذلك وإن عمل به قاض، وإذا جاء بلفظة أشهد لم يجب العمل به حتى يعدل، وإن عمل به صح ونفذ إذا كان مستورًا بلا خلاف، والاطراد بوجود الحكم معه أينما وجد لا يكون دليل الصحة عندنا، ولا وجود
стр. 297
الوصف ولا حكم معه دليل الفساد بنفسه.
فأما الأولون: فهم القائلون بقياس الشبه بلا معنى، وأنهم حشوية غير معدودين في الفقهاء، فقد أقروا بما قاسوا بالصورة بلا معنى أنهم لم يفقهوا المعنى.
واحتجوا لذلك بالظواهر التي جعلت القياس حجة.
وقالوا أنها لم تخص وصفًا دون وصف.
وقالوا في علل الشرع إمارات على الأحكام، وليست من قبيل العلل العقلية فصح التعليق بالصور، كما صح الحكم بنصوص لم يعقل لها معنى، إلا أن تلك النصوص لم يعقل فقهها تعلق بها أحكام، وهذه نصوص لم يعقل فقهها تعلق بها كينونة كل وصف علة، وأنه ضرب حكم أيضًا.
وأما الفريق الثاني: فزعموا أن حد العلة ما يتغير به حكم الحال على ما مر في صدر الكتاب، وذلك المغير الذي هو علة قط لا يخلو عن موجودات جمة معه اتفاقًا لا علة، فلا تمتاز العلة عن الاتفاقية إلا بأن يعدم التغير عن عدمه دون سائر الموجودات الاتفاقية، ولأن الوجود لما كان بالعلة لم يجز البقاء بعد ارتفاعها ألا ترى أن الملك الواقع ببيع لا يبقى مع فسخه، وكذلك كل حادث تعلق بقاؤه بسبب لا يبقى بدونه هذا لا شك فيه، قال: واشترطت قيام النص في الحالين، ولا حكم له ليتبين بذلك أن الحكم متعلق بالعلة لا بالنص، كما إذا صار النص مجازًا بدليل كانت علامة أن لا يبقى للحقيقة حكم بوجه.
ألا ترى أن آية الوضوء لما عللت بالحدث دار وجوب الطهارة معه لا مع القيام إلى الصلاة.
وكما علل قول النبي ﷺ : "لا يقض القاضي حين يقضي وهو غضبان" لشغل القلب دار المنع معه لا مع الغضب، حتى إذا كان به وجع شاغل للقلب، أو خوف حرم القضاء عليه، وإذا كان به أدنى غضب لا يشغل قلبه حل له القضاء.
ولما علل خبر الربا بالكيل دار الحكم معه حلًا مع التساوي كيلًا دون سائر الوجوه، والحرمة مع التفاضل كيلًا دون سائر الوجوه والنص "مثلًا بمثل والفضل ربا" قائم ولا حكم له.
فأما الجواب عن قول الحشوية: فإن النصوص الموجبة للقياس على الأصول دلت على أنها معلومة يقاس عليها، وذلك يتأدى ببعض الأوصاف فلا يصير الكل علة إلا بدلالة أخرى، ثم البعض عن البعض لا يمتاز إلا بدلالة، ألا ترى أن النصوص قد جعلت الأمة شهداء فدلت على أنهم شهود في الأصل، ولم تدل على أن كل لفظ منهم شهادة بل دلت
стр. 298
على أنه يتأدى منهم الشهادة، وذلك يحصل ببعض الألفاظ، ولم يميز ذلك عن غيره إلا بدليل، ولما ذكرنا في الباب الأول أن هذه النصوص جعلت القياس حجة أصلية فجعلت الشهادة للأصول أصلًا، ولكن ما أثبت لكل أصل بانفراده.
واحتملت التغير بالعوارض فكذلك الأوصاف فلا تصير حجة على الغير مع الاحتمال، ولأن كل وصف لو صلح علة، والأوصاف محسوسة مسموعة لشرك السامعون وأهل اللغة كلهم الفقهاء في المقايسات، ولما اختص بها الفقهاء علم أن المقايسة مبنية على معاني تفقه لا أوصاف تسمع.
وأما الجواب عن قولهم: إن علل الشرع إمارات، فليست كذلك على التمحض على ما مر في أول الكتاب.
وسنذكر بعد هذا أن علل الشرع إمارات على معنى أنها لم توجب بذواتها بل بجعل الشرع إياها موجبة.
وقد مر أن حكم القياس تعدية حكم النص إلى الفرع وهذا الحكم مما لا يحس، ولكنه يعقل كقولنا: رجل عالم لا يعرف له هذا الوصف بكونه رجلًا وبأن نحسه، بل بمعنى عقلي يستدل عليه به، وليس ثبوت العلل بأعيانها بالنصوص كثبوت الأحكام بالنصوص، لأن النص عين الحكم وهو موجب بنفسه لغة.
والنص ما عين الوصف من الجملة علة ليجب القول به بل صير الأصل معلولًا، فهذا الواحد الذي لم يتعين بالنص لا يتعين إلا بالرأي، فما لم يعقل معناه بالرأي لا يصير الرأي عليه حجة فالدرك بالرأي من طريق العقل وبظاهر البدن من طريق الحس، ولن عين اللفظ لا يكون حجة إلا من صاحب الشرع، والحجة من غيره استنباط معنى النص بالرأي لا تخصيص بعضه.
وأما الفريق الثالث: فقد زعم أن قيام النص ولا حكم له آية الفساد لا آية الصحة، ولما ذكرنا في باب شروط القياس أن من شرط صحة تعليل النص بالرأي أن يبقى حكم النص على ما كان قبل التعليل.
وأما آية الوضوء فغير معلومة بالحدث عندنا، والوضوء إنما يجب للصلاة على ما بينا في أول الكتاب، ولكن لا يجب إلا على محدث، والحدث شرط زيد في الآية لا بالرأي، ولكن بدلالة النص فإنه تعالى قال: ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾ وقال في الاغتسال: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ وقال في بدل الوضوء: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ وإنما تعلق وجوب التيمم الذي هو بدل بما يجب به الأصل فتبين أن المراد بصدر الآية: إذا قمتم
стр. 299
وأنتم محدثون، ولكن سقط ذكر الحدث اختصارًا لما في الآية ما يدل عليه على ما عليه لسان العرب، ونحن لم ننكر الاختصار والوقوف عليه، والزيادة بدلالة النص وإنما أنكرنا الزيادة بالرأي فإنها تجري مجرى النسخ لا مجرى التخصيص، على أن التخصيص عندنا لا يجوز ابتداء الرأي.
وكذلك قول النبي ﷺ : "لا يقض القاضي حين يقضي وهو غضبان". كناية عن القضاء وهو مشغول القلب عرف ذلك بدلالة الإجماع كما صار قوله: "فلا تقل لهما أف" كناية عن الإيذاء حتى صار الشتم بمنزلته، عقل ذلك بدلالة محل الخطاب ما هو من التعليل بالرأي للقياس في شيء.
وكذلك خبر الرسول ﷺ إنما جعلنا قوله "مثلًا بمثل" عبارة عن قوله: "كيلًا بكيل" بنص آخر فقال: "كيلًا بكيل"، وبالإجماع لا بالرأي، وإذا صار هذا كيلًا بكيل صار قوله ﷺ : "والفضل ربا" فضل من حيث الكيل الذي كان المساواة به ضرورة ما عقل شيء من ذلك بالرأي، والتعليل، وإنما التعليل بالكيل لبيان علة الحكم، وهو أن المماثلة كيلًا بأي علة وجبت شرطًا لجواز قفيز حنطة بحنطة والفضل بأي سبب حرم، وهذا التعليل ليس يغير حكم النص على ما نبين في موضعه.
وأما قول عامة العلماء فلأن دوران الحكم معه وجودًا وعدمًا لا يدل على الصحة، لأن الحكم كما يدور وجوده مع العلة فيدور مع الشرط، ألا ترى أن من قال لعبده: أنت حر إن كلمت زيدًا، دار وجود العتق مع الكلام، وهو شرط كما دار مع قوله أنت حر، وهو علة فلا بد من شيء زائد يميز بين العلة والشرط.
فإن قيل: إن أصل الدوران مع العلة دون الشرط فالشرط لا يصير شرطًا إلا بتعليق به.
قلنا: إن العلل الشرعية ما صارت عللًا إلا بتعليق الشرع الوجوب بها، فكانت كالشروط في هذا المعنى.
ولأنا وإن سلمنا هذا لكم فقد احتمل الدوران أن يكون مع الشرط دون العلة، ولما احتمل لم يصر حجة موجبة مع الاحتمال على ما مر في أصل الباب، وكذلك وجود الحكم مع انعدام الوصف لا يدل على الفساد لجواز أن يكون بقي لعلة أخرى فجائز بالإجماع وجود الحكم بعلل كثيرة، ولا ينعدم إلا بزوالها كلها، وما بقيت واحدة بقي الحكم حسب البقاء بالكل، ويدل عليه أن حد العلة ما يتغير به حكم الحال فيكون التغير موجب تلك العلة وأثرها فيستدل بذلك الأثر على كون الحال علة، لأن كل وصف لا يحس لا يستدل عليه إلا بأثره.
стр. 300
وكذلك كل فاعل لا يحس لا يعرف إلا بآثار محسوسة تدل عليه، وهذا كصفة العلم لكل شخص لا يوقف عليها إلا بآثار فعله.
ولهذا كان طريق معرفة الله تعالى من الوجه الذي كلفنا، ولزمنا بالحجة الاستدلال بالعالم الكائن بخلقه، وعدم الحكم عند عدم العلة في الحسيات والعقليات والشرعيات جميعًا ليس بأثر العلة بل كان هذا قبل العلة، وإذا عدمت العلة عاد الأمر إلى ما كان من قبل العلة، وإذا لم يكن أثر العلة لم يصح الاستدلال به على كونه علة.
قال القاضي ﵀: وبلغني عن الرجل الذي شرط لصحة القياس دوران الحكم معه، والنص قائم في الحالين ولا حكم له أنه قال: إن العموم لا يكون حجة يعمل بها إلا بدليل آخر، وكذلك الأمر والنهي فلم يبق لنفسه حجة من السمعيات، ثم شرط للقياس شرطًا لا يكاد يجده بالرأي وحده بل يأبى الرأي صحته، فبقي بلا دليل فاحتج الأحكام المسائل بلا دليل على ما بيناه في باب لا دليل، فوجدته رجلًا قد غلب عليه السوداء بطول الفكرة حتى توقف عن العمل بالأدلة من النصوص والقياس لا بشروط احتياطًا ثم عمل بلا دليل، وما موجب لا دليل إلا الجهل.
فأما العلم فلا يثبت إلا عن دليل فجهل مع الأدلة، وعلم عند عدمها، ومع فحش هذا المقال لم يعرف أنه ناقض به ما قال فقد جعل حد صحة الاعتلال، دوران الحكم معه على كل حال، والعلم حكم حجته ثم أثبته بلا حجة.
وهكذا تبين عوار من زاغ عن طريق الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ ولما ثبت أن الدورات لا يدل على الصحة، ولا عدمه يدل على الفساد سقط اعتبار هذا الدليل أصلًا، وقد بينا أنه لا بد من دليل يميز بين العلة وبين ما ليس بعلة فوجب المصير إليه، وبيننا وبين الشافعي خلاف في تحديده على ما بينا من الرواية.
وأما الذين قالوا: إن الوصف إنما يصير علة بكونه مخيلًا أي موقعًا في القلب خيال القبول وأثر الصحة فاحتجوا في ذلك بأن الأثر معنى من الوصف لا يحس على ما مر ذكره، ولكنه مما يعقل فيجب الرجوع إلى القلب، وتحكيمه عليه كما قيل في أمر القبلة إذا اشتبه ولم يبق عليها دليل محسوس: وجب الرجوع إلى القلب وشهادته والعمل به، فإذا أشهد القلب بصحته قبلت، وكذا قال رسول الله ﷺ لوابصة: "الإثم ما حاك في قلبك، وإن أفتاك الناس".
وقال بعضهم: لا يشترط هذا فإنه أمر باطن لا يمكن إثباته على الخصم، ولكنه
стр. 301
يعرض على العلل المنقولة فإن كانت مجانسة لها كانت ملائمة، وقبلت، وإن كانت بخلافها، وكانت ثابتة لذلك الحكم عند المقابلة بالأصول ردت، وإذا قبلت بالملائمة أو بالإخالة لم يجب العمل بها بصفة العدالة واليأس من الرفع، وذلك في الاطراد من غير أن يرده أصل ناقصًا ولا معارضًا لأن الوصف مع الملائمة احتمل أن لا يكون علة، لأن الملائمة لا تجعلها علة ولا تنفي عنها احتمال ما يجرحها ويبطل شهادتها فيجب عرضها على المزكين، أو بعضهم تيسيرًا، وهي سائر الأصول فإنها شهود الله تعالى خلقًا عن الرسول ﷺ .
فإذا عرضت على البعض فلم ترد بنقض ولا معارضة ثبتت العدالة بدليلها، وصارت بمنزلة ما لو عرضت على النبي ﷺ فسكت عن الرد فكان السكوت عن الرد بمنزلة التقرير والشهادة بالصحة.
ومثال ذلك ما قيل في الشاهد، لا تقبل شهادته حتى يأتي بلفظ ملائم لفظة أشهد، وإن كان بلغة أخرى ثم لا يعمل بها حتى تثبت العدالة وذلك بالعرض على بعض المزكين الذين لهم علم بباطن أحواله وصاروا حجة في الباب، وتثبت هذه الحجة بالبعض دون الكل فإذا أثنوا عليه وصار عدلًا صار حجة، وإن توهم رد من جرح يأتي من معدلين سواهم أو معارضة وكان الوقف للدفع بعده حسنًا.
فإذا لم يظهر الدفع عمل بها، وإن لم ينقطع الوهم قالوا: وكما استجزتم ثبوت العدالة للشهود بقول بعض المزكين، وعدم الوقوف على الأفعال الجارحة من غيره فاستجيزوا ثبوت العدالة للوصف بتعديل بعض الأصول وعدم الوقوف على ناقص آخر أو معارض فليس بين الأمرين فرق.
وأما الذين قالوا: إن الوصف يصير حجة يعمل بها بالملائمة ثم العرض يصار إليه ليعرف ما يجرح أو يدفع، فذهبوا إلى أن عدالة الوصف في صلاحه لا غير.
فأما الشاهد فعدالته في طاعة ربه أمرًا ونهيًا لأن العبد مؤتمن عدالته في أداء الأمانة، وهو ممن يؤدي الأمانة ولا يؤدي فكانت الحال محتملة فلم يزل الاحتمال إلا بدليل.
فأما الوصف فما عنده أمانة ولا يوصف بخيانة تثبت عدالته بالتعرف للرد، ولكن الرد موهوم من سائر الأصول كشاهد عدل بمعدلين لا يؤمن من رد يرد عليه من معدلين آخرين، أو من شهود بالمعارضة فلا يتسارع إلى القضاء احتياطًا فعلى هذا لا يصير الإطراد دليل صيرورته حجة، بل الانتقاض يصير جرحًا بعد الصحة كتوهم الرد في الفصل الأول بعدما أطرد في بعض الأصول.
وتبين على اختلاف الأقوال أن الشافعي ما دل على صحة العلة بالإطراد في كل الأصول كما ذهب إليه كثير من شيوخنا، وشيوخه، فإنه متى دل عليه به لم يمكنه إثبات
стр. 302
الاطراد في الكل إلا بقوله لا دليل على نقضه أو معارضته.
وإنما قلنا: لا يمكنه إثبات الإطراد في الكل لأنه وإن اجتهد كان للسائل أن يقول: ولم قلت أنه ليس وراء ما قلته أصل آخر يرده بنقض أو معارضة فيضطر إلى أن يقول: لم يثبت عندي أصل ناقضًا ولا معارضًا.
فإن قالوا: إن المعجزة إنما صارت آية لعدم ما يعارضها!
قلنا: لا كذلك بل لوقوعها على حد فوق معتاد البشر، إما محسوسًا وإما معقولًا، وبذلك الأثر ثبتت آية، إلا أن الكفار تعنتوا وقالوا أنه في مقدور البشر عادة، فقيل لهم: ائتوا بمثلها لينقطع تعنتهم فإنهم لو قدروا لما أمكنهم الصبر عن فعله، وفي الترك ذهاب دينهم ونفوسهم وحرمهم وأموالهم.
وأما علماؤنا ﵏ فإنهم قالوا: إن الإطراد ليس بتعديل ولا عدم الحكم مع وجود الوصف جرح.
أما الاطراد فلأنه إنما ثبت بكون الوصف شاهدًا أينما وجد في كل أصل على العموم فلا يكون عموم شهادته دليلًا على عدالته بمنزلة شاهد كرر شهادته في كل مجلس قضاء فلا يصير التكرار منه والثبات على الأداء تعديلًا.
أو نقول: كل أصل شاهد بنفسه بذلك الوصف فيه فيكون بمنزلة شهود أو رواة يكثرون فلا تصير الكثرة تعديلًا لمن لم يكن عدلًا قبل الكثرة.
وأما قولنا: عدم الحكم مع وجود الوصف لا يدل على الفساد.
فلأن العلة قد توجد صحيحة دون الحكم لمانع أو نقصان شيء ليس في ركن العلة نحو البيع بشرط الخيار للبائع موجود علة ولا حكم للمانع.
والطلاق بعد الدخول موجود ولا حكم في الإبانة إلا بعد العدة، كخيار الرجعة.
والنصاب موجود ولا حكم قبل الحول، والحول ليس بركن العلة ولا مانع، ولكن النصاب بصفة البقاء حولًا صار علة تامة عاملة فبدون صفة البقاء لا يعمل مع وجود ما هو ركن العلة تامًا حتى صح تعجيل الأداء قبل الحول، وأنه لا يجوز قبل تمام الركن كما لو عجل قبل النصاب، وهذا أيضًا كالشاهد إذا شهد مرة ثم استشهد فامتنع، أو الراوي روى ثم امتنع لم يكن ذلك جرحًا بنفسه حتى ينظر إنه لأي معنى امتنع، فإن كان لمعنى خاف على نفسه، أو لم يكن مجلس قضاء، أو ما أشبهه لم يكن جرحًا، وإنما يدل على عدم الحكم مع وجوده على الفساد إذا وجدت العلة بالمعنى الذي هو معه فيصير عاملًا بلا مانع من العمل، وذلك لا يعرف إلا بالرواية في الحدود والشروط، ولما سقط اعتبار هذا المعنى دليلًا على الفساد أو الصحة كما سقط اعتبار الدوران اضطررنا إلى دليل آخر.
стр. 303
أما الدليل على الملائمة فالحد فيه ما قال الشافعي ﵀ وسنأتي بأمثلة ذلك من علل الرسول ﷺ والسلف ﵏ ليتضح لك الطريق في هذا إن شاء الله تعالى.
وأما الإخالة فشرط فاسد في المناظرة لأنه إشارة إلى ما يقع في القلب، وما لا يطلع عليه فلا يصير على غيره كما قيل في باب القبلة إذا اختلفت به الجهات لم يصر قول بعضهم على البعض حجة.
ولأن كل معلل يمكنه أن يقول: قد وقع في قلبي خيال صحته فيصير معارضًا إياك، وإنه من باب الإلهام وقد بينا في موضعه بطلان ذكره على سبيل الاحتجاج به، فثبت أن الصحيح أن تصفه بصفة الملائمة للقبول ليكون من باب ما يمكن إثباته على الخصم بدليل يمكن الوقوف عليه والوصول إليه بالتمسك بالعلل المنقولة، ولا يجوز العمل به قبل الملائمة لأنه أمر شرعي لا عقلي فما لم يكن من قبيل ما جاء به الشرع لم يصر حجة كالشهادة لا تصير حجة إذا قال: أخبر أو أعلم ولم يجز العمل به.
وإذا ثبتت الملائمة لم يجب العمل به قبل العدالة كما قاله الشافعي ﵀ فيما مضى.
وكما لا نعمل بشهادة الشاهد إلا بالعدالة والفرق الذي ذكره بعض أصاب الشافعي بين الشاهد والوصف ليس بشيء لأن حال الشاهد إن احتلمت خيانة فيما ائتمن على ما قال، فصار الكذب محتملًا خبره فلم يصر حجة إلا بدليل يقطع الاحتمال ظاهرًا بقدر الإمكان، فكذلك حال الوصف في نفسه مع صلاحه احتمل أن لا يكون علة لأن العلة في كونها موجبة، وما لنا عليه دليل الموجب سوى الاستشهاد بأصل ثابت احتمل وجود الحكم فيه مع هذا الوصف اتفاقًا لا علة.
ألا ترى أنه لا يكون علة إذا قام دليل الرد كاحتمال الشهادة الكذب ما بينهما فرق إلا من حيث أن احتمال الكذب من الشاهد في أداء الشهادة، وههنا من المعلل في تعيينه ذلك وصفًا احتمل أن لا يكون واجب العمل به فثبت أنه لا بد من دليل يرجح احتمال الصواب على الغلط، وذلك في بيان التأثير لما ذكرنا أن ما لا يوقف عليه من طريق الحسن وجب الاستدلال عليه بأثره، وكذلك العلل الحسية إنما عرفت بآثارها.
ألا ترى أن الحد فيه ما يتغير به حكم الحال، والتغير أثر العلة لا محالة.
ألا ترى أن عدالة الشاهد إنما تثبت بأثر دينه في منعه عن ارتكاب ما اعتقده حرامًا بدينه، فاستدل به على منعه عن الكذب الذي هو حرام في دينه فتعرفنا العدالة بأثر ظهر من دينه فيما وقفنا عليه من أفعاله لا بعدم، فكذلك عدالة الوصف إنما تثبت بأثره في إيجاد مثل هذا الحكم في موضع آخر بالإجماع ليصير الأثر الموجود دليلًا على نظيره، ويكون استدلالًا بوجود معلوم لا بعدم ولا بشيء لا يطلع عليه ولا تجوز المحاجة به.
стр. 304
ولأنا ذكرنا أن الحكم يوجد مع العلة ويطرد معها.
وكذلك يطرد مع الشرط ويوجد معه فلا بد من دليل آخر غير الوجود يميز بين الشرط والعلة، وذلك في الأثر فإنه لا أثر للشرط في إيجاب الحكم وللعلة أثر، قالوا: ولأن رأس الحجج معجزات الأنبياء ولم تعلم إلا بآثارها في الوقوع فوق معتاد البشر فتبين بتلك الزيادة أنها من الله تعالى ومضافة إليه لا إلى العبد.
وأما الجواب عن قوله: إن الأصول مزكون كالرسول ﷺ ، فلا كذلك بل هم شهود مثل الأصل المعلل أو كالرواة للخبر، وصحة الوصف كصحة متن الخبر وصحة المتن لا تثبت بكثرة الرواة فكذلك صحة الوصف لا تثبت بكثرة الأصول والشاهد لا يكون معدلًا لشاهد وكيف يعدل الأصل الأصل، وما له علم بأثر الوصف في نظير ذلك الحكم، وليس للمعدل في باب الشهود أن يعدلهم إلا بعد الوقوف على أثر دينهم في منعهم عن الحرام مثل حرمة الكذب، ولهذا جوزنا الخصوص على العلل بأن توجد، ولا حكم لأنا لم نجعل دليل صحتها اطرادها لتفسد بزوال الإطراد بل جعلنا دليل الصحة معنى هو مؤثر في الحكم صار وصفًا لما هو ركن العلة فيجوز وجود الركن بدون ذلك المعنى.
ولا حكم له معه كما جاز وجود النصاب قبل الحول.
ولا وجوب معه فتبين بانعدام الحكم عند انعدام المعنى المؤثر، إن هذه الحالة لم تدخل تحت التعليل، بل دخل تحته ما تناوله المعنى المؤثر له كما تناوله الوصف الظاهر ولهذا أسميناه خصوصًا.
فالخصوص بيان أن المخصوص لم يدخل تحت جملة العموم ابتداء بدليل مقارن بخلاف النقض فلا نقض إلا بعد الثبوت.
ألا ترى أنه يمكنه أن يقول: ما ادعيت سوى أن قلت أن هذا الوصف علة وأنه فيما ذكرت علة أيضًا لكن لم يعمل المانع وهو كذا، وقد عدم المانع فيما نحن فيه أو لم يعمل لعدم المؤثر وهو كذا وقد وجد في مسألتنا هذه وأنا لم أدع العمل به إلا مع المؤثر حال عدم المانع.
وزعمت الطردية أن العلل القياسية لا تقبل الخصوص، وسموا الخصوص نقضًا لزعمهم أن الحكم متعلق بعين الوصف فلم يجز وجوده بلا مانع ولا حكم معه وهذا غلط منهم لغة، وشريعة، وإجماعًا، وفقهًا.
أما اللغة: فلأن النقض: اسم لفعل يرد فعلًا سبق على سبيل المضادة كنقض البنيان، ونقض كل مؤلف، ونقض العقد، ونقض كل قول بخلافه والخصوص بيان أنه لم يكن في العموم ألا ترى أن نقيض الخصوص العموم، ونقيض النقض البناء والتأليف.
وأما الشريعة: فلأن التناقض غير جائز على الكتاب والحجج كلها، والخصوص
стр. 305
جائز على عموم النص فتبين به أنه لم يكن داخلًا تحت الجملة، ولم يرد به من الابتداء إلا ما بقي بعد الخصوص لا أن نقض بعد الثبوت.
وأما الإجماع: فإن القائسين أجمعوا أن من الأحكام ما ثبت بالنص بخلاف القياس، فخصت بالنص عن موجب القياس لولا النص لكان الحكم بالقياس بخلاف ذلك، والشافعي يسميها مخصوصة عن القياس ونحن نسميها معدولًا بها عن القياس.
وأما الفقه: فلما ذكرنا أن المعلل ما ذكر شيئًا غير أنه سماه علة، ويمكنه الثبات عليه من غير رجوع مع انعدام الحكم بأن نضيف العدم إلى مانع على ما ذكرنا دون فساد اللغة.
فإن قيل: لو جاز تخصيص العلل لما اشتغل أهل النظر بالجواب كما في العمومات، ولا اكتفي منهم بقولهم: كانت علتي توجب ذلك إلا أني خصصته بدليل ولا يكتفى به بالإجماع.
قلنا: إنما لم يكتف منهم بهذا القدر لأن دعواهم أن هذا الوصف علة قول بالرأي، ويحتمل الغلط فإذا وجدنا الوصف ولا حكم معه واحتمل العدم لفساد العلة، واحتمل لمانع من الصحة لم تثبت جهة الانعدام بمانع بنفس الدعوى حتى يقيم الدلالة عليه بإزاء المانع في تلك الحادثة دون هذه، وكذلك إن أحال على عدم المؤثر.
فأما النص: فلا يحتمل الغلط فلا يبقى لانعدام الحكم مع وجوده النص إلا الخصوص الذي يليق بكلام الشرع فلم يحتج إلى إثبات هذا الوجه بدليل ما فرق بيننا وبينه في الخروج عن المناقضة، إلا أنا خرجنا لمعنى فقهي وهم خرجوا عنه بلفظ سمعي، إلا أن الدفع باللفظ أيسر فإنه محسوس وبالمعنى عسير لأنه باطن معقول فمالت النفوس بهواها إلى الظاهر اليسير فغلبت.
ولعمري لو أنصفوا وعذروا أنفسهم على ترك المعنى الفقهي بسبب الحرج الذي يلحقهم لشكروا من تحقق المشقة، وجاهد هواه حتى وصل إليه ولما صار الظاهر فقهًا، والصورة معقولة بل لأقروا بالخطأ على أنفسهم.
لأن عين الكلمة إنما تكون حجة من صاحب الشرع فأما من غيره فلا، وإنما إلينا استخراج الفقه من كلمات الشرع، وذلك معنى يعقل بلا كلام يسمع إلا أنا لا يمكننا تحقيق المعنى عند السامع إلا بكلام فاضطررنا إليه فصح منا ما يشير إلى معنى ما يعقل دون غيره.
فإن قيل: إن الإحالة إلى المؤثر إحالة إلى ما لا يعقل حده فلم يصح الاحتجاج به، كما قلتم أنتم في الإحالة التي شرطنا نحن.
قلنا: لا كذلك بل الأثر من حيث اللغة محسوس كآثار المشي على الأرض، وأثر الجرح بالأعضاء، وأثر الدواء المسهل من الإسهال ومن حيث الشرع معقول أيضًا على ما
стр. 306
بينا في عدالة الشاهد أنها تعرف بأثر دينه في منعه عن تعاطي ما اعتقده حرامًا في دينه كحرمة الكذب فالأثر وهو الامتناع معقول، وقد دلت عليه العلل المنقولة.
قال النبي ﷺ : "الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات عليكم" علل لسقوط النجاسة بضرورة الطواف علينا، فللضرورات أثر في إسقاط حكم الخطاب.
وقال للمستحاضة: "إنه دم عرق انفجر، توضئي لكل صلاة"، علل للوضوء انفجار الدم لأن انفجاره مؤثر في إثبات حكم النجاسة وإيجاب حكم الطهارة.
وقال لعمر وقد سأله عن القبلة وهو صائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء مثل مججته أكان يضرك؟ فقال: لا، قال: ففيم إذًا" علل لعدم الفطر بوصف مؤثر وهو المضمضة بالماء من غير ابتلاع لأن الفطر نقيض الصوم، والصوم بالكف عن اقتضاء شهوة البطن والفرج، والمضمضة خالية عن الاقتضاء صورة ومعنى، وكذلك القبلة.
والصحابة اختلفوا في ميراث الجد مع الإخوة وشبهوهم بفروع الشجرة وشعوب الوادي، وتلك معاني محسوسة مؤثرة في معنى القرب فعللوا بمؤثرات وبأوصاف غير مردودة إلى أصل، والوصف بنفسه لا يكون حجة إلا بأن يشهد له الأصول أو واحدًا، ويكون مؤثرًا فلما لم يشتغلوا باستشهاد أصل علم أنهم اعتمدوا التأثير.
وعلى هذا النمط عللنا في الفروع، فقلنا: لا يثلث مسح الرأس لأنه مسح فأشبه مسح الخف. وقال الشافعي: إنه ركن في الوضوء فأشبه الغسل، فكان الصحيح ما قلناه لأن المسح في ذاته أخف من الغسل ويلحق الناس في الغسل من المشقة ما لا يلحقهم في المسح، ولأن صفة المسح قد أثرت في إيجاب تخفيف هذا الركن متى قوبل بالغسل في حق استعمال محله، لأن الغسل لا يتأدى إلا باستعمال كل المحل، والمسح يتأدى بالبعض وكونه ركنًا لم يؤثر في التسوية ذاتًا وقدرًا.
ولأن السنة التي نختلف فيها شرعت مكملة لهذا الركن صفة له كتطويل القراءة في الصلاة والقيام، ولهذا شرعت في موضع الفرض بحيث يتأدى بها الفرض لو ابتدئ بها فيجب أن يؤثر صفة المسح في تخفيف إكماله في حق استعمال محله فيكمل باستعمال المحل مرة واحدة كما أثر في حق الفرض، ولا يكمل الغسل إلا بالاستعمال ثلاثًا وصفة الركنية ما أثرت في التسوية بينه وبين الغسل في حق أصل الفرض فكذلك في حق الإكمال.
وكذلك إذا اختلفنا في صوم رمضان إن نية الفرض شرط أم لا؟
فقلنا: الشرط نية الصوم.
стр. 307
وقالوا: الشرط نية صوم الشهر.
فعللنا نحن: بأنه صوم عين فأشبه النفل، وعللوا بأنه صوم فرض فأشبه القضاء والكفارة فكان المؤثر ما قلناه لأن أصل النية ما شرعت إلا لنفس العمل المأمور به، والمأمور به صوم فرض وليس في رمضان صوم غير فرض فكان عينًا فيه لاسم الصوم فأصابه بعينه بمطلق الاسم واستغنى عن الوصف الذي هو للتمييز بين أنواعه، وأما كونه فرضًا فلا أثر له في شرط نية فوق إصابة المأمور به.
وكذلك متى قلنا: إن الصرورة إذا حج نفلًا كان عما نوى، لأن عمل الحج معلوم باسمه لا بوقته فأشبه الصلاة فكان تعليلًا بوصف مؤثر لأن الوقت محل لأداء الواجب فمتى علم الفرض مسمى باسمه لا بوقته بقي الوقت خلوًا عن تسمية الفرض عند الإيجاب فبقي على ما كان قبل الإيجاب على ما مر في باب الأوقات، وقبل الفرض كان النفل مشروعًا كما في حق الصبي والعبد.
ومتى عللنا خبر تحريم ربا الفضل بالكيل والجنس كان تعليلًا بوصف مؤثر لأن الفضل لا يصير ربًا إلا في مالين صارت المساواة بينهما شطرًا للجواز، والمساواة قدرًا لا تصير شرطًا للجواز في الأموال المتفاوتة خلقة كالثياب والعبيد، فثبت ضرورة شرطها في المتساوية من الأموال كالفلوس الرائجة لا يجوز بيه واحد باثنين، ويجوز بيع واحد بواحد لتساويهما في الرواج، ولما وجب إحالة وجوب المماثلة إلى التماثل وجب التعليل بالوصف المؤثر في التماثل، وهو الجنس ليرتفع به تفاوت المعاني دون الطعم الذي لا أثر له في جعل المطعوم أمثالًا، وإلى الكيل ليرتفع به تفاوت القدر إذا استويا مكيالًا، ويدل عليه أن شرط التماثل فيما لا يقبله محال، ولا يصير المال قابلًا للتماثل حتى يكون في إعداده أمثالًا متساوية.
وكذلك متى قلنا: إن الثيب الصغيرة تزوج كرهًا لأنها صغيرة فأشبهت الذكر والبكر، والبكر البالغة لا تزوج كرهًا لأنها بالغة فأشبهت الذكر والثيب كان تعليلًا بوصف مؤثر لأن الصغر له أثر في إثبات الولاية مالًا، وهذه الولاية من جنسها لأنها من المصالح التي تعلق القوام بها على ما بينا في النكاح، وكذلك قد أثر في حق البكر والذكر.
وكذلك البلوغ له أثر في قطع ولاية الغير في حق المال، وفي حق الذكر والثيب فكذلك في حق النكاح لأن الجنس واحد.
وكذلك متى قلنا: إن نكاح الحر الأمة مع طول الحرة يجوز لأنه معنى يجوز معه هذا النكاح للعبد فيجوز للحر.
قياسًا على جميع ما لا يمنع العبد عن نكاح الأمة من جب وعنة.
وقياسًا على القدرة على الحرة بلا مهر بأن رضيت بغير مهر فإنه لا يمنع نكاح
стр. 308
الأمة، وإن قدر على الحرة لأن الشرع بنى جواز النكاح على الحل ونصف حكمه بالرق حتى جاز للحر أربع نساء ولم يجز للعبد إلا امرأتان فبقي العبد على ما كان في الحرية في حق النصف الباقي لنكاحه، فلا يفارق العبد الحر فيما بقي بل يستويان فيه، وتعليلنا هذا يوجب المساواة.
وكذلك متى قلنا: نكاح الحر المسلم الأمة الكتابية جائز قياسًا على نكاح الحرة الكتابية كان مؤثرًا.
لأنا قد بينا أن الرق لا يفرق بين الحر والرقيق في أصل النكاح كما في جانب الرجال، فإنما يفرق في تنصيف القدر فإن الحر يتزوج أربعًا والعبد ثنتين، فكذلك في جانب النساء يفترقان في تنصيف القدر، ولا عدد لنكاح المرأة لأنها لا تتزوج برجلين فلا يمكن تنصيف القدر من هذا الوجه فأظهر من وجه آخر يشبهه.
فقيل: الحرة تنكح قبل الأمة وبعدها، والأمة تنكح قبل الحرة لا بعدها فأما أن يحرم أصل نكاح الأمة إلا بشرط زائد لا يشترط للحرة فلا وجه لها لأنها في النصف الباقي وهو حال عدم الحرة باقية على ما كانت.
وقد وجدنا ما علل الأئمة من السلف ﵏ على هذا النحو فهذا محمد بن الحسن ﵀ ما علل "لمسائله" إلا بوصف ذكره من غير رد إلى أصل.
والوصف إذا لم يرد إلى أصل لا بد من كونه مؤثرًا حتى يصير حجة.
فقال: إذا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا، ثم طلقها ثلاثًا، ثم عادت إليه بعد زوج، ثم دخلت الدار: لم تطلق لأنه حين طلقها ثلاثًا فقد ذهبت طلاق ذلك الملك كله، وتأثيره أن اليمين بالطلاق إذا لم يضف إلى حدوث الملك لم ينعقد إلا على الطلاق المملوك للحال.
والطلاق الثلاث كل الطلاق المملوك بالملك القائم فلا ينعقد اليمين إلا عليها فإذا أرسلها، فقد فات كل ما انعقد عليه فلا يبقى لأن اليمين لا تبقى صحيحة إلا بتعلق الجزاء بالشرط، فإذا فات الجزاء ولم يبق متعلقًا بطلت اليمين.
وقال في غير موضع: العبد المحجور إذا استودع فاستهلك الوديعة لا يضمن إلا بعد العتاق، لأنه لما أودعه فقد سلطه عليه والتسليط مؤثر في إسقاط ضمان الإتلاف لا محالة متى ثبت فنحتاج إلى الدلالة لإثباته.
وقال أبو حنيفة ﵀ فيمن اشترى نصف ابنه: يعتق عليه، ولا يضمن للبائع شيئًا لأنه أعتقه برضاه، والرضا مؤثر في إسقاط الضمان وإنما يحتاج إلى إثباته بدليله.
وقال: المديون لا يلزمه الزكاة لأنا لو أوجبنا الزكاة على المديون لزكي مال واحد
стр. 309
مرارًا في سنة واحدة، وللسنة تأثير في نفي الثناء عن مال واحد بالإجماع، وإنما يحتاج إلى بيان أن القول بإيجاب الزكاة على المديون قول بالثناء.
وهكذا علل الشافعي فقال: لا تقبل شهادة النساء مع الرجال في النكاح ولا في الطلاق لأنه ليس بمال ولم يرده إلى أصل بل أشار إلى وصف مؤثر، وهو أن المال خلق بذله وتكثر المعاملة من الناس في بابه فلو لم تقبل شهادة النساء لأدى إلى الحرج، وقد عدم هذا المعنى فيما ليس بمال.
وقال: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنه فعل رجمت عليه، والنكاح فعل حمدت عليه، ففرق بينهما بوصفين مؤثرين في الفرق بينهما.
ولم يرده إلى أصل وفي هذه العلل دليل على أنهم رأوا خصوص العلة.
فإن قول الشافعي ليس بمال ينتقض بالولادة والبكارة فإنهما يثبتان بشهادة النساء، وليسا بمال، ولكن بدلالة التأثير تبين أن فصل البكارة لم يدخل لأنه قال: إنما قبلت شهادة النساء في الأموال لضرب ضرورة وبكثرة المعاملات فيه، وقد اشتدت الضرورة في باب الولادة، وإن كانت لا تكثر لأن الرجال لا يحضرونها.
وكذلك الوطء الذي رجم عليه والذي حمد عليه يستويان في إيجاب المهر والغسل على أصله، وقد علل بهما للتفرقة، ولكن بدلالة التأثير تبين أن هذا الحكم لم يدخل تحته لأنه يقول.
أن حرمة الصهرية نعمة علقت بنكاح حمدنا عليه، فلم يجز إثبات هذه النعمة بزنا رجم الإنسان عليه، والرجم دليل على أن سببه عدوان محض لأن الحد يسقط بالشبهات فلا يدخل تحته إلا حكم ليس بنعمة بل محنة من غسل ومهر.
وكذلك تعليل محمد بن الحسن ﵀ للعبد المحجور إذا استهلك الوديعة فإنه سلطه يبطل بالمأذون، فإن الإيداع لو كان تسليطًا لأسقط الضمان أينما وجد لكن تبين بدلالة التأثير على أن المأذون مخصوص منه، وذلك لأن التسليط غير ثابت نصًا بلا دلالة، وذلك لأن الإيداع إثبات يده للمودع ويد المالك مسلطة على الاستهلاك إلا أنه بشرط الحفظ يحجره عن سائر أحكام اليد، وشرط الحفظ باطل على الصبي أصلًا وعلى العبد ما لم يعتق فبقيت العبرة ليد الملك بلا شرط فلا يدخل المأذون عليه، لأن شرط الحفظ عليه صحيح.
وكذلك التعليل بذهاب كل الطلاق يبطل ظاهره بمن استولد أمته فأعتقها فارتدت –والعياذ بالله- ولحقت بدار الحرب ثم سبيت فملكها الأول عتقت بموته وبالإعتاق ذهب عتاق ذلك الملك كله، والتعليق بالموت قد بقي، ولكن بدلالة التأثير يتبين أنه لم يدخل تحته لأنا أبطلنا بإرسالك الكل التعليق لأنه لا يصح إلا فيما ملك إذا لم يكن مضافًا إلى ملك.
стр. 310
والاستيلاد في غير ملك يوجب العتق إذا مات، وهي في ملكه نحو أن يستولد أمة بنكاح ثم اشتراها ففوت العتق المملوك لا يوجب فوات المعلق بالموت، لأن العتاق المعلق بالموت عتاق عن رق قائم عند الموت وهي في ملكه لا العتاق المملوك قبل ذلك على أن الاستحقاق الأول قد بطل وتجدد لها حق ببقاء النسب حين ما اشتراها ثانيًا، لأن بقاء النسب بنفسه علة عتق من غير اعتبار الاستيلاء السابق، والبقاء شيء يتجدد كل ساعة فيعتبر بيمين تتجدد بعد الملك فيوجب عتاقًا آخر أيضًا.
وبعض مسائل الشافعي على ما نذكر في باب، لا دليل يدل على أنه لا يشترط التأثير.
وقال محمد بن الحسن ﵀: الوصي إذا أذن لليتيم في التجارة ثم اشترى منه شيئًا لم يصح لأنه هو الذي أذن له.
وهذا يبطل بالأب فإنه يأذن لابنه ثم يشتري منه فيصح وهو الذي أذن له ولكن بدلالة التأثير يتبين أن فصل الأب لم يدخل تحته، وهو أن الصبي إنما ينفك الحجر عنه بالإذن، والإذن إنما يصح بقدر ماله من الولاية، وما للوصي ولاية شراء مال اليتيم لنفسه فلا يثبت الفكاك عنه بإذنه وللأب هذه الولاية فيثبت الفكاك عنه بإذنه.
فإن قيل: قد ذكرت أن من شرط صحة القياس وجود أصل وفرع، ثم صححته بلا أصل!
قلت: إن أمكنني التصحيح بلا أصل لم أسمه قياسًا وسميته علة ثابتة بالرأي كالقياس، كما قلته أنت في تعليل الأصل بما لا يتعدى، على أن التأثير إشارة إلى الأصل لأني إذا قلت: الصبي المودع لا يضمن إذا استهلك لأنه سلط عليه فمتى أنكر الخصم أن يكون التسليط علة رددته إلى المأذون بالاستهلاك نصًا، وإنما لم نذكره للاستغناء عنه فثبت أن الصحيح هو القول بالمؤثر، وأن العلل بظاهر أوصافها تقبل الخصوص بدلائلها المؤثرة باتفاق من السلف والخلف جميعًا، وأن الاستدلال بصلاح الوصف أو بالعدم استدلالًا بلا دليل، والله أعلم.
стр. 311
باب
القول في الاحتجاج بلا دليل
قال بعض الفقهاء: لا دليل حجة للنافي على خصمه ولا يكون حجة للمثبت، وكان أبي ﵀ على هذا يحكيه عن مشايخ العراق.
وقال بعضهم: لا دليل، حجة دافعة لا موجبة.
وقال بعضهم: لا دليل، حجة على الخصم لإبقاء ما ثبت بدليل، لا لما لم يصح ثبوته بدليل، وقد دلت عليه بعض مسائل الشافعي.
وقال بعضهم: هذا الذي قاله الشافعي يكون حجة له في حق الله تعالى، ولا يكون حجة على خصمه بوجه وقد دلت عليه مسائل علماؤنا على ما نذكر.
فأما الأول فاحتج بأن أقول الخصومات الخصومة في النبوة والنبي ﷺ كان مثبتًا، والقوم نفاة وكانوا لا يطالبون بحجة سوى أن لا دليل على النبوة.
ولأن معنى قولنا: لا دليل على النافي لا دليل على المتمسك بالعدم لأن العدم ليس بشيء والدليل يحتاج إليه لشيء هو مدلول عليه، والتمسك به واجب ما لم يقم عليه دليل الوجود، ولهذا كان القول قول المنكر في الشرع.
وأما الآخرون فيقولون: أن عدم الدليل لا يوجب عدمًا، ولا أثر له في العدم على ما مر في باب الوصف الذي هو علة، ولكن يكن دلالة عليه لتعلق الحدث بمحدث ضرورة، فيدل عدم المحدث أصلًا على انعدام الحدث، وعدم الدليل ثابت في حق هذا القائل دون خصمه.
فإن خصمه يدعي قيام الدليل عنده، وقول المنكر ليس بحجة عليه فجائز العلم بالدليل لبعض دون البعض، وجائز الغلط على الذي يدعي قيام الدليل عنده، فلا يثبت الدليل بقوله على النافي ولا يثبت العدم على المدعي بإنكار النافي، فكما جاز الغلط أو الكذب على المدعي جاز الكذب أو الجهل على المنكر فصح إنكاره الدليل للدفع عن نفسه حتى لا يلزمه كلام خصمه، ولم يصلح للإلزام والإيجاب.
وأما الفريق الثالث فيقول: لا دليل لا يكون دليلًا بنفسه، كما أن لا حجة لا تكون حجة بل تكون نفيًا له، ولا زيد لا يكون زيدًا هذا مما لا شك فيه، فلا يمكن أن يدعي أنه حجة أو دليل على شيء ففيه تناقض بين، لكن إذا استند إلى دليل صار ذلك الدليل
стр. 312
دليلًا في الباب للبقاء لأن الثابت بدليله مستغنٍ عن الدليل للبقاء إذا كان في نفسه مما يبقى كالأحكام والجواهر والعلل كالعدم قبل الوجود كان بقاؤه مستغنيًا عن الدليل، وإنما الأعراض هي التي لا تبقى زمانين، وإنما تبقى بالترادف والتوالي فيكون كل جزء منه حادثًا ابتداء فيحتاج إلى علة حسب حاجة الأول إليه في عموم الأزمنة.
وهذا كالنكاح إذا صح، وأوجب الملك بقي بلا دليل، وإذا طلقها فبانت منه بقيت الحرمة بلا دليل، وإذا كان كذلك صار الدليل الموجب للعدم أو للوجود دليلًا على البقاء في عموم الأزمنة محتملًا لخصوص بعض الأزمنة بدليل يغيره كالنص العام دليل على العموم محتمل للخصوص بدليل يخصه، فيكون دليلًا على العموم حال عدم دليل الخصوص.
فكذلك ما نحن فيه يكون الدليل المثبت دليلًا على الثبات في عموم الأزمنة حال، لا دليل على ما ينفيه بعد الوجود أو يوجده بعد العدم قال الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾ الآية علمنا الله تعالى الاحتجاج بلا دليل لأن الحل يثبت بدليله في الجملة.
وقال الشافعي: الصلح على الإنكار فاسد لأن المنكر متمسك بأصل ثابت بدليله، وهو براءة ذمته في أصل الخلقة عن الديون، فكان إنكاره دليل الوجوب عليه حجة له على خصمه في إبقاء تلك البراءة، فلما ثبتت البراءة على الخصم لم يصح الصلح كما بعد الحلف، وبمثله لو شهد رجل على رجل بأنه أعتق عبده، وأنكر الآخر ثم باعه من الشاهد صح البيع لأنه متمسك بأصل ثابت له بدليله، وهو الملك فصار لا دليل على الزوال حجة له على خصمه فصح البيع منه لزوال سبب الفساد من الجانبين جميعًا بدليل الصحة، كما أفسد في الفصل الأول لقيام دليل.
ثم هذه المسألة تدل على أن الشافعي لم يشترط لصحة العلة التأثير، فقد ألزم الخصم حكم الفساد أو الجواز بقوله: لا دليل عندي على زوال ذلك الأصل، ولا أثر لعدم الدليل عنده على العدم عند خصمه بوجه، بل الانعدام في حق كل إنسان يكون من قبل جهله بالأدلة، وتركه طلبها من طرقها.
وأما الرابع: فمذهبنا، فإنا جوزنا الصلح على الإنكار، لأن قول المنكر ليس بحجة على المدعي، كقول المدعي على المنكر، ولا دليل على شغل الذمة لا يكون حجة للمنكر على المدعي كقول المدعي: المال ثابت بدليله، لم يكن حجة على المنكر فبقي المال ثابتًا في حق المدعي في ذمة المنكر أو يده.
والبراءة ثابتة في حق المنكر على حسب قيام الدلالة عندنا، وهو خبر كل واحد منهما فإنه حجة في حق نفسه دون خصمه، ولما كان المال في حقه ثابتًا يكون خبرة حجة في حقه شرعًا صح اعتياضه وإن عارضه خبر المنكر، لأن ذلك المعارض ليس بحجة في
стр. 313
حق المدعي فبقي الأمر على ما كان قبل المعارضة، كما صح شراء من شهد بالعتق، ثم اشترى وإن كان العتق ثابتًا في حقه، ولهذا يؤاخذ به بعد الملك لأنه غير ثابت في حق البائع فصح بيه البائع، واعتياضه من عبد هو عبد له بخبر هو حجة في حقه لا غير، وإن عارضه خبر المشتري لأنه ليس بحجة عليه.
وهذا لأن لا دليل وإن استند إلى أصل ثابت بدليل، فذلك الدليل الذي أوجب ثبوته لا يوجب بقاءه، بل البقاء لاستغنائه عن الدليل على ما مر في باب النسخ، لكونه مما يبقى أزمنة غير أنه لما لم يكن واجب البقاء.
وكان مما يجوز زواله بما ينفيه احتمل كل ساعة تأتي طريان ما يزيله فيصير قول القائل: قد طرى ما يزيله محتملًا للصدق، كقوله: لم يقم الدليل، فلا يصير حجة على واحد منهما، ولأن الذي اعتمد عدم الدليل لبقائها ثبت بدليله، اعتمد معنى لا يمكنه الإثبات على خصمه فلا يصير حجة عليه.
وإنما قلنا: لا يمكنه لأنه جائز بالاتفاق تفاوت الناس في العلم بالأدلة، وإن يعلم خصمه دليلًا لم يبلغه، ومن ادعى أنه قد علم كل شيء لم يناظر وكان متعنتًا، ولأن دعواه العدم لا يكون حجة على خصمه، كما أن دعواه الدليل لم يصر حجة على هذا نحو ما ذكرنا في الدعوى والإنكار، وهذا كما كان يجوز في زمن الرسول ﷺ أن يثبت حكم بدليله ثم ينسخ بدليل آخر فيبلغ الناسخ أقوامًا دون أقوام، فيكون من لم يبلغه الناسخ معذورًا في العلم بالمنسوخ، ولا يكون جهله بالناسخ حجة على الذي بلغه الناسخ، فكذلك الحجج اليوم.
فإن قيل: يكون حجة له في أن لا يلزمه ما يدعيه الآخر ما لم يبرزه.
قلنا: نعم حجة له لا على خصمه، ولهذا صح من الله تعالى الاحتجاج بعدم التحريم على إبقاء الحل لأن الله تعالى هو المحرم، ولا يخفى عليه العدم كما لا يخفى عليه الوجود، فيثبت العدم على السامعين أجمع بقوله تعالى فيلزمهم البقاء على الحكم الأول الثابت بدليله عند ثبوت العدم عليهم بدليله.
وليس هذا من قبيل الاحتجاج بالعموم لأن العمل بعمومه واجب بحقيقة النص، وحقيقته لا تحتمل الخصوص بل توجب العموم على احتمال جواز تركها بدلالة تحمله على المجاز والخصوص فلا يترك حكم الدليل إلا بدليل.
وأما الموجب لثبوت الحكم من نفي أو إثبات لا يوجب بقاءه لأن الإيجاب لم يتناول الأزمة، بل يتناول ما وضع الاسم له، وإنما يبقى لاستغنائه في البقاء عن دليل على ما بينا في باب النسخ، وإذا لم يكن معه دليل على البقاء لم يمكنه إلزامه خصمه بلا دليل إذا ادعى خصمه أمرًا محتملًا، وهو الزوال بدليله دل عليه أن دخول الأعيان تحت النص العام بحكم
стр. 314
النص فلا يخرج إلا بنص، والأزمنة تدخل تحت النص بحكم لا دليل على الانتساخ، لأنه إذا ثبت دام لا بالنص ولكن لعدم ما يزيله إلا بثبوت العدم.
فإن قيل: قال محمد بن الحسن رحمه الله تعالى في كتاب الزكاة حاكيًا عن أبي حنيفة ﵁: لا خمس في العنبر لأن الأثر لم يرد به.
قلنا: وليس فيه أنه احتج به على من يدعي دليلًا، بل قاله لإبلاء عذره من الكف عن إيجاب الخمس، على أن أبا حنيفة ﵁ قال: لا خمس في العنبر لأنه بمنزلة السمك.
قال محمد: فقلت ما بال السمك لا يجب فيه الخمس؟ فقال: لأنه بمنزلة الماء، وهذا قياس مؤثر لأنا أخذنا خمس المعادن من خمس الغنائم، ولا نخمس الماء في الغنائم فذكر أن القياس لا يوجب الخمس، ولم يرو أثر بخلاف القياس ليعمل به ويترك القياس.
قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: مجهول النسب حر في حق نفسه فإذا ادعى عليه الرق كان القول قوله، وإذا جني عليه لم يجب على الجاني أرش الحر إلا ببينة تقوم على الحرية، لأن الحرية أصل ثابت بدليلها لبني آدم ﵇، ولكنها لا توجب البقاء، وإنما تبقى بعدم ما يزيلها من أسباب الرق، والعدم في نفسه محتمل للحال فلم تسقط الحرية في حقه بالاحتمال، ولم يصر حجة على غيره مع الاحتمال.
وقالوا: المفقود لا يرث ولا يورث لأن الحياة أصل، واحتمل الزوال بالموت فلم يسقط حكم الحياة في حقه بالاحتمال فلم يورث، ولا يثبت على غيره مع الاحتمال فلا يرث.
وإذا ادعى الرجل شفعة في دار اشتريت بدار هي في يده، وأنكر المشتري أن تكون الدار له، وادعاها لنفسه لم يثبت للمشتري ما في يد المنكر، ولا تثبت الشفعة للمنكر، لأن المالكية أصل لما استولت اليد عليه وتحتمل الزوال بدليله، فلم تزل المالكية عنه بالاحتمال ولا صار حجة على غيره مع الاحتمال.
وإذا قال لعبده: إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر فمضى اليوم وقال لم أدخل الدار لم يعتق، وإن كان العدم أصلًا لأنه احتمل التغير بالدخول فلم يصر العدم حجة على المولى مع احتمال الزوال بالدخول وهذا لا خلاف فيه.
فإن قيل: إن عدم الدخول غير مقصود حقًا للعبد حتى يقال أنه ثابت بدليله فيصير حجة على غيره، بل المقصود هو العتق، وإنه غير ثابت والملك للمفقود غير ثابت في مال الأب أصلًا لنبقيه بعدم الدليل والمقصود هو الإرث.
وكذلك اليد أصلها يكون بملك، وبغير ملك فلم تصر حجة على الشفيع.
стр. 315
فأما براءة الذمة للمنكر فهو الحق المقصود للمنكر، وقد ثبت بدليله فاستقام إبقاؤها بلا دليل، وهذا كما إذا ثبت الدار ملكًا لإنسان بشراء أقر به المشتري للشفيع ثم أنكر البقاء للحال، وامتنع عن التسليم بالشفعة لم يلتفت إليه لأن الملك ثبت بدليله فبقي حجة للشفيع على المشتري عند عدم يزيله.
والجواب عنه: أن المقصود من الإنكار إذا جاء الصلح عن الدين فساد الصلح وإنه غير ثابت بدليله.
فأما الشفعة فلا تلزم لأن الشفعة من حقوق الملك كالثمرة من حقوق ملك الشجرة، وعند الاحتمال تبقى صفة الملك كما كان في حقه، فكذلك في حقوقه لأنها تبعة.
والذي دل على صحة ما قلنا: أن المدعي بالدعوى يستحق حضور الخصم للجواب ولا يبطل هذا الحق بالإنكار، فإنه لو أنكر مرة ثم غاب، فادعى ثانيًا استحضر ثانيًا فثبت أن الإنكار لا يكون حجة على الخصم حتى يقرنه بدليله، وهو اليمين كالدعوى.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى﴾ إلى قوله: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ فطولبوا بالدليل على نفي الدخول ولم يكتف منهم بعدم الدليل على الاستحقاق، فعلم أن لا دليل ليست بحجة على النفي.
فإن قيل: الأصل في الناس استحقاق الجنة وكان الحرمان حادثًا!
قلنا: لا كذلك فالجنة خلقت جزاء العمل، ولا تكون حقًا ابتداء كالدنيا، ثم لم يكن لا دليل حجة على عدم الاستحقاق، وأما الجواب عن إنكار النبوة، فإن ذلك الإنكار ما كان يصير حجة على الأنبياء صلوات الله عليهم بل كان عذرًا لجهلهم بالنبوة قبل الدليل عليها، والله أعلم.
стр. 316
باب
القول في جملة القائلين بلا دليل مع اعتقادهم بطلان الاحتجاج به
هؤلاء الرهط أربعة أقسام:
أ- المحتجون باستصحاب الحال.
ب- المحتجون بتعارض الأشباه.
ج- المستدلون باطراد الوصف بلا مناقضة على صحة العلة.
د- والمستدلون بعدم الحكم عند عدم العلة على صحة العلة.
أما استصحاب الحال: فنحو قول جماعة؛ لا زكاة في مال الصبي لأن الأصل هو العدم فنستصحبه إلا بدليل، والحقتان قد وجبتا في مائة وعشرين فنستصحب هذا الوجوب بعد الواحدة إلا بدليل.
ونحو قول الشافعي ﵀، فيمن اشترى أخاه: أنه لا يعتق عليه لأن الشراء أوجب الملك له فيه فنستصحبه إلا بدليل.
وهذا لأن ثبوت العدم لا يوجب بقاءه ولا ينفي حدوث علة موحدة ولا ثبوت الوجود بعلة توجب بقاءه ولا ينفي قيام ما يعدمه، ألا ترى أن عدم الشراء منك لا يمنعك عن الشراء، ولا يوجب أيضًا دوام العدم بل يدوم لعدم الشراء منك للحال لا بحكم العدم فيما مضى، وإذا اشتريت فهذا الشراء أوجب الملك فلا يوجب بقاءه، وإنما يبقى بعدم ما يزيله، ولا يمنع حدوث ما يزيله.
وحياة الإنسان بعلتها لا توجب البقاء، ولا يمنع طريان الموت ما في هذه الجملة إشكالًا فإذا أراد إثبات دوام الحالة الثابتة في المستقبل بكونه ثابتًا، وهو ما يوجبه بل يبقى لاستغنائه عن الدليل في بقائه كان محتجًا بلا دليل.
ولأن الإجماع ثابت. إن الثابت لا يزول إلا بدليل فكان الاختلاف في الزوال اختلافًا في دليله، فالذي يدعي الزوال يدعي دليلًا والآخر ينكره فلا يكون إنكاره حجة على غيره كدعوى غيره عليه، وهذا كالبعير الزائد على المائة والعشرين.
قال خصمنا: إنه نصاب آخر على عفو الحقتين فيتغير الواجب به.
وعندنا: هو عفو مبتدأ فلا يتغير به الواجب، فلا يكون كينونة المائة والعشرين عفوًا
стр. 317
دليلًا على إبطال الواحدة أن تكون نصابًا، فثبت أن مستصحب الحال متشبث بإنكاره لا بدليل، وإنه من الباب الأول.
وكذلك المحتج بتعارض الأشباه نحو قول زفر: إن المرافق لا تغسل في باب الوضوء لأنه غاية، والغايات قد تدخل وقد لا تدخل فلا يجب الغسل بالشك الثابت بتعارض الأشباه، لأن الشك أمر حادث بين العلم والجهل فلا يثبت إلا بدليل.
وقوله: إن الدليل يعارض الأشباه والأدلة فهذا أيضًا أمر حادث فلا يثبت إلا بدليل.
وقوله: إن الدليل عليه أن الغاية قد تدخل وقد لا تدخل فغير مسلم له فإن جعل بعد الغايات ووجد منها ما يدخل ومنها ما لا يدخل قيل له: أفتعلم أن هذه من أي الجملتين؟
فإن قال: نعم، فقيل له: فلا تشك فيها ولكن ألحقها بنظائرها.
وإن قال: لا أعلم، فقد أقر بالجهل وأنه لا دليل معه فيقال له: فلا تجعل جهلك حجة على غيرك وإن كان ذلك عذرًا لك إلى ربك، وحجة للتمسك بما كنت عليه كما قلنا في لا دليل.
وأما المحتج بالطرد من غير شرط ملائمة الوصف ولا تأثيره فكذلك، لأنه جعل صحة وصفة وجود الحكم معه على الإطلاق في كل أصل لأنه لا يرى الخصوص فالوجود فيما علل لا يكون دليلًا على غيره فإن اجتهد وعد الأصول كان لخصمه أن يقول: عندي أصل آخر يعارضه أو يناقضه.
كما يقول لمستصحب الحال: عندي دليل إزالة وبالاجتهاد قط لا يبلغ منزلة لا تحتمل حقًا ما ينقضه أو يعارضعلته.
وكذلك المحتج لصحة الوصف بالعدم لما ذكرنا في بابه أن العدم لا يوجب أمرًا، وأعدنا القول ثانيًا في هذا الباب وفي الوقوف على هذه الجملة أمر عظيم لا بد للفقه منه، فإن جهل الإنسان بجهله أذم من جهله، فالجاهل متعلم أو معرض، والآخر محاج أو معلم.
فإن قيل: إن الاحتجاج بالأخبار والنصوص صحيح، وثبوت النص حجة لا يوجب البقاء ولا يمنع الانتساخ بنص آخر.
قلنا: أما بعد رسول الله ﷺ فلا يحتمل الانتساخ، وعدم ما يوجب نسخًا مبتدأ متحقق فيستقيم دليلًا على بقاء ما كان ثابتًا.
وأما في زمن الرسول ﷺ فحكم بقائه ثابتًا، على نحو بقاء حكم أصل ثبت اليوم بدلالة استصحاب الحال على ما مر بيانه في باب النسخ فلا جرم لا يكون حجة على من أنكر بقاءه بناسخ.
стр. 318
وكلامنا فيه فمستصحب الحال متمسك بما كان لعدم الدليل على زواله لا لدليل أوجب بقاءه.
والواقف بتعارض الأشباه واقف لعدم الدليل المبين أن الحادثة التي فيها نزاع فرع لما ذكر لا لقيام الدلالة على أنه محتمل في نفسه.
وكذلك المستدل بالوجود على صحة العلة لأنه شرط له وجودًا مطلقًا في كل حادثة، والوجود في الأصل المعلل ليس بسبب للوجود في غيره كوجود الحكم في وقت لا يكون موجبًا للبقاء، وكذلك المستدل بالعدم لما ذكرنا أن العلة إذا عدمت عاد الأمر إلى ما قبلها، وذلك الحكم قبل العلة كان بلا دليل وموجب يتصل بهذه العلة، والله أعلم.
стр. 319
باب
القول في بيان الاعتراضات الصحيحة على العلل المؤثرة من الفاسدة
الاعتراضات الصحيحة أربعة أوجه من الممانعة، ثم أربعة أوجه من المعارضة.
وأما الفاسدة فالمفارقة بين الأصل والفرع بعلة أخرى تذكر في الأصل لا توجد في الفرع.
ووجود الحكم في حادثة عدمت العلة فيها.
ووجود العلة ولا حكم، وكذلك الاعتراض ببيان فساد الوضع فاسد على العلل المؤثرة.
أما الممانعة فصحيحة لأن المجيب إذا ادعى الحكم فلم يسلم له فافتقر إلى دليله فادعى أن الوصف الذي ذكره هو العلة في ذلك فلا بد من إثباته بدليل، وسنذكر وجوهها في باب على حدة.
فإذا ذهبت الممانعة وصحت العلة مؤثرة ثبتت حجة بدليلها المجمع عليه فلا يبقى بعد ذلك إلا الاعتراض بقلب مبطل أو عكس كاسر أو معنى مانع من العمل أو معارضة بقياس آخر على ما نذكرها من بعد.
فأما الترجيح بعد المعارضة من السائل فلإلزام الخصم حجته لا لدفعه عن نفسه ويأتيك لبيان وجوه الدفع فإنها تنتهي بالمعارضة فلا يبقى بعد المعارضة للمجيب على السائل إلزام.
وإنما قلنا: إن المفارقة اعتراض فاسد وقد سماها أهل الطرد "مفاقهة"، وكل المفاقهة في الممانعة حتى يبين المعلل تأثير الوصف فكل الفقه فيه.
فالفقه حكمة باطنة والوصف ظاهر، والأثر باطن فإنه حكم شرعي ثابت به.
فالمفارقة ليست بفقه بل هو جدال ومراء، وذلك لأن ذكر السائل علة أخرى تعدم في الفرع لا تدفع علة المجيب في الأصل لجواز أن يكون الأصل معلولًا بعلتين فإذا لم يدفع لم يقع بذكرها ممانعة.
ولم يقع الاختلاف في حكم علة ذكرها السائل ليسمع منه لإلزام حكمها فيصير ذكرها لغوًا لا فقهًا.
стр. 320
ولأنه لم يصنع شيئًا بما ذكر في الفرع المختلف فيه إلا إن أرانا عدم علة ذكرها في الفرع.
والعدم لا يوجب عدم الحكم على ما مر ولا يكون حجة موجبة وإنما يكون دليلًا على عدم حكمها حال عدم سائر الحجج.
فأما حال قيام حجة أخرى فلا وقد ذكر العدم ههنا حال قيام حجة أخرى فهذا الرجل بهذه المفارقة أراد دفع الحجة بعدم الحجة وإنه غاية في الجهل، وسلم ابتداء أن ما احتمل لا يكون حجة بالدعوى وإنه غاية في الغباوة.
وكذلك بيان فساد الوضع اعتراض فاسد على العلل المؤثرة.
لأن التأثير لا يثبت إلا بدليل مجمع عليه ودعوى فساد الوضع دعوى أن الوصف نابي عن هذا الحكم ودعوى النبوة بعد ثبوته مؤثرًا لا يتصور.
وكذلك دعوى المناقضة لأن المناقضة حدها أن توجد العلة على الوجه الذي جعلت علة بلا مانع ولا حكم معها فيكون بمنزلة إنكار الشاهد شهادته، وهذا لا يتصور بعد ثبوت التأثير بدليل مجمع عليه لأن الإجماع أو النص لا يرد عليه نقض، ولكن قد يمتنع عن العمل به لمانع، وكذلك الاعتراض بوجود الحكم ولا علة لما مر أنه جائز ذلك بعلة أخرى، وأن عدم العلة قط لا يوجب عدمًا، والله أعلم.
следующие страницы →