Полный текст (460 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
باب
القول في جملة القائلين بلا دليل مع اعتقادهم بطلان الاحتجاج به
هؤلاء الرهط أربعة أقسام:
أ- المحتجون باستصحاب الحال.
ب- المحتجون بتعارض الأشباه.
ج- المستدلون باطراد الوصف بلا مناقضة على صحة العلة.
د- والمستدلون بعدم الحكم عند عدم العلة على صحة العلة.
أما استصحاب الحال: فنحو قول جماعة؛ لا زكاة في مال الصبي لأن الأصل هو العدم فنستصحبه إلا بدليل، والحقتان قد وجبتا في مائة وعشرين فنستصحب هذا الوجوب بعد الواحدة إلا بدليل.
ونحو قول الشافعي ﵀، فيمن اشترى أخاه: أنه لا يعتق عليه لأن الشراء أوجب الملك له فيه فنستصحبه إلا بدليل.
وهذا لأن ثبوت العدم لا يوجب بقاءه ولا ينفي حدوث علة موحدة ولا ثبوت الوجود بعلة توجب بقاءه ولا ينفي قيام ما يعدمه، ألا ترى أن عدم الشراء منك لا يمنعك عن الشراء، ولا يوجب أيضًا دوام العدم بل يدوم لعدم الشراء منك للحال لا بحكم العدم فيما مضى، وإذا اشتريت فهذا الشراء أوجب الملك فلا يوجب بقاءه، وإنما يبقى بعدم ما يزيله، ولا يمنع حدوث ما يزيله.
وحياة الإنسان بعلتها لا توجب البقاء، ولا يمنع طريان الموت ما في هذه الجملة إشكالًا فإذا أراد إثبات دوام الحالة الثابتة في المستقبل بكونه ثابتًا، وهو ما يوجبه بل يبقى لاستغنائه عن الدليل في بقائه كان محتجًا بلا دليل.
ولأن الإجماع ثابت. إن الثابت لا يزول إلا بدليل فكان الاختلاف في الزوال اختلافًا في دليله، فالذي يدعي الزوال يدعي دليلًا والآخر ينكره فلا يكون إنكاره حجة على غيره كدعوى غيره عليه، وهذا كالبعير الزائد على المائة والعشرين.
قال خصمنا: إنه نصاب آخر على عفو الحقتين فيتغير الواجب به.
وعندنا: هو عفو مبتدأ فلا يتغير به الواجب، فلا يكون كينونة المائة والعشرين عفوًا
стр. 317
دليلًا على إبطال الواحدة أن تكون نصابًا، فثبت أن مستصحب الحال متشبث بإنكاره لا بدليل، وإنه من الباب الأول.
وكذلك المحتج بتعارض الأشباه نحو قول زفر: إن المرافق لا تغسل في باب الوضوء لأنه غاية، والغايات قد تدخل وقد لا تدخل فلا يجب الغسل بالشك الثابت بتعارض الأشباه، لأن الشك أمر حادث بين العلم والجهل فلا يثبت إلا بدليل.
وقوله: إن الدليل يعارض الأشباه والأدلة فهذا أيضًا أمر حادث فلا يثبت إلا بدليل.
وقوله: إن الدليل عليه أن الغاية قد تدخل وقد لا تدخل فغير مسلم له فإن جعل بعد الغايات ووجد منها ما يدخل ومنها ما لا يدخل قيل له: أفتعلم أن هذه من أي الجملتين؟
فإن قال: نعم، فقيل له: فلا تشك فيها ولكن ألحقها بنظائرها.
وإن قال: لا أعلم، فقد أقر بالجهل وأنه لا دليل معه فيقال له: فلا تجعل جهلك حجة على غيرك وإن كان ذلك عذرًا لك إلى ربك، وحجة للتمسك بما كنت عليه كما قلنا في لا دليل.
وأما المحتج بالطرد من غير شرط ملائمة الوصف ولا تأثيره فكذلك، لأنه جعل صحة وصفة وجود الحكم معه على الإطلاق في كل أصل لأنه لا يرى الخصوص فالوجود فيما علل لا يكون دليلًا على غيره فإن اجتهد وعد الأصول كان لخصمه أن يقول: عندي أصل آخر يعارضه أو يناقضه.
كما يقول لمستصحب الحال: عندي دليل إزالة وبالاجتهاد قط لا يبلغ منزلة لا تحتمل حقًا ما ينقضه أو يعارضعلته.
وكذلك المحتج لصحة الوصف بالعدم لما ذكرنا في بابه أن العدم لا يوجب أمرًا، وأعدنا القول ثانيًا في هذا الباب وفي الوقوف على هذه الجملة أمر عظيم لا بد للفقه منه، فإن جهل الإنسان بجهله أذم من جهله، فالجاهل متعلم أو معرض، والآخر محاج أو معلم.
فإن قيل: إن الاحتجاج بالأخبار والنصوص صحيح، وثبوت النص حجة لا يوجب البقاء ولا يمنع الانتساخ بنص آخر.
قلنا: أما بعد رسول الله ﷺ فلا يحتمل الانتساخ، وعدم ما يوجب نسخًا مبتدأ متحقق فيستقيم دليلًا على بقاء ما كان ثابتًا.
وأما في زمن الرسول ﷺ فحكم بقائه ثابتًا، على نحو بقاء حكم أصل ثبت اليوم بدلالة استصحاب الحال على ما مر بيانه في باب النسخ فلا جرم لا يكون حجة على من أنكر بقاءه بناسخ.
стр. 318
وكلامنا فيه فمستصحب الحال متمسك بما كان لعدم الدليل على زواله لا لدليل أوجب بقاءه.
والواقف بتعارض الأشباه واقف لعدم الدليل المبين أن الحادثة التي فيها نزاع فرع لما ذكر لا لقيام الدلالة على أنه محتمل في نفسه.
وكذلك المستدل بالوجود على صحة العلة لأنه شرط له وجودًا مطلقًا في كل حادثة، والوجود في الأصل المعلل ليس بسبب للوجود في غيره كوجود الحكم في وقت لا يكون موجبًا للبقاء، وكذلك المستدل بالعدم لما ذكرنا أن العلة إذا عدمت عاد الأمر إلى ما قبلها، وذلك الحكم قبل العلة كان بلا دليل وموجب يتصل بهذه العلة، والله أعلم.
стр. 319
باب
القول في بيان الاعتراضات الصحيحة على العلل المؤثرة من الفاسدة
الاعتراضات الصحيحة أربعة أوجه من الممانعة، ثم أربعة أوجه من المعارضة.
وأما الفاسدة فالمفارقة بين الأصل والفرع بعلة أخرى تذكر في الأصل لا توجد في الفرع.
ووجود الحكم في حادثة عدمت العلة فيها.
ووجود العلة ولا حكم، وكذلك الاعتراض ببيان فساد الوضع فاسد على العلل المؤثرة.
أما الممانعة فصحيحة لأن المجيب إذا ادعى الحكم فلم يسلم له فافتقر إلى دليله فادعى أن الوصف الذي ذكره هو العلة في ذلك فلا بد من إثباته بدليل، وسنذكر وجوهها في باب على حدة.
فإذا ذهبت الممانعة وصحت العلة مؤثرة ثبتت حجة بدليلها المجمع عليه فلا يبقى بعد ذلك إلا الاعتراض بقلب مبطل أو عكس كاسر أو معنى مانع من العمل أو معارضة بقياس آخر على ما نذكرها من بعد.
فأما الترجيح بعد المعارضة من السائل فلإلزام الخصم حجته لا لدفعه عن نفسه ويأتيك لبيان وجوه الدفع فإنها تنتهي بالمعارضة فلا يبقى بعد المعارضة للمجيب على السائل إلزام.
وإنما قلنا: إن المفارقة اعتراض فاسد وقد سماها أهل الطرد "مفاقهة"، وكل المفاقهة في الممانعة حتى يبين المعلل تأثير الوصف فكل الفقه فيه.
فالفقه حكمة باطنة والوصف ظاهر، والأثر باطن فإنه حكم شرعي ثابت به.
فالمفارقة ليست بفقه بل هو جدال ومراء، وذلك لأن ذكر السائل علة أخرى تعدم في الفرع لا تدفع علة المجيب في الأصل لجواز أن يكون الأصل معلولًا بعلتين فإذا لم يدفع لم يقع بذكرها ممانعة.
ولم يقع الاختلاف في حكم علة ذكرها السائل ليسمع منه لإلزام حكمها فيصير ذكرها لغوًا لا فقهًا.
стр. 320
ولأنه لم يصنع شيئًا بما ذكر في الفرع المختلف فيه إلا إن أرانا عدم علة ذكرها في الفرع.
والعدم لا يوجب عدم الحكم على ما مر ولا يكون حجة موجبة وإنما يكون دليلًا على عدم حكمها حال عدم سائر الحجج.
فأما حال قيام حجة أخرى فلا وقد ذكر العدم ههنا حال قيام حجة أخرى فهذا الرجل بهذه المفارقة أراد دفع الحجة بعدم الحجة وإنه غاية في الجهل، وسلم ابتداء أن ما احتمل لا يكون حجة بالدعوى وإنه غاية في الغباوة.
وكذلك بيان فساد الوضع اعتراض فاسد على العلل المؤثرة.
لأن التأثير لا يثبت إلا بدليل مجمع عليه ودعوى فساد الوضع دعوى أن الوصف نابي عن هذا الحكم ودعوى النبوة بعد ثبوته مؤثرًا لا يتصور.
وكذلك دعوى المناقضة لأن المناقضة حدها أن توجد العلة على الوجه الذي جعلت علة بلا مانع ولا حكم معها فيكون بمنزلة إنكار الشاهد شهادته، وهذا لا يتصور بعد ثبوت التأثير بدليل مجمع عليه لأن الإجماع أو النص لا يرد عليه نقض، ولكن قد يمتنع عن العمل به لمانع، وكذلك الاعتراض بوجود الحكم ولا علة لما مر أنه جائز ذلك بعلة أخرى، وأن عدم العلة قط لا يوجب عدمًا، والله أعلم.
стр. 321
باب
القول في بيان صحيح الممانعة من فاسدها
قال القاضي ﵁: الممانعة أساس المناظرة من جانب السائل وبها يتبين الحوار والمجيب من السائل والملزم من الدافع.
وإن السائل ما دام في حد السؤال فلا تستقيم المحاجة منه إلا بما يدفع المجيب عن نفسه، ويمتنع به عن الإلزام لأن السائل هو الجاهل في الأصل مسترشد بدليل يلزمه.
وعلى هذا يتبين المحاجة بين المدعي والمنكر في حقوق الناس، المنكر دافع ولا يقبل منه إلا ما يدفع المدعي عن نفسه حتى قالوا جميعًا: إن بينة المنكر لا تقبل على إنكاره وإنما تقبل حيث تقبل إذا جعل نفسه مدعيًا ملزمًا، فكذلك السائل متى ادعى الحكم، وسمع منه سمعت حجته المثبتة كما يسمع من المجيب.
فنحتاج إلى بيان أقسام الممانعات الصحيحة وهي أربعة:
الممانعة في نفس الحجة التي يذكرها المجيب أهو حجة أم عدم حجة في نفس الوصف الذي يدعيه المجيب حجة أموجود هو أم لا؟
ثم في شروطه.
ثم في كينونته واجب العمل به.
ثم بعد ذلك يحتاج إلى مدافعة الحجة لا الممانعة.
أما الممانعة في نفس الحجة فلما مر من قبل أن كثيرًا من وجوه حجج الناس ترجع إلى لا دليل فإذا ثبت أنه من جملة ما هو صالح دليلًا فلا بد من إثبات الوصف في الأصل والفرع جميعًا لأنه ركنه.
ثم شروط الصحة لما مر أنها سابقة على دليل وجوب العمل به، ثم دليل التأثير الذي يجب العمل به فتتم العلة عاملة عندها، وكل هذه الممانعات تتم بالإنكار ومطالبة الدليل.
فأما إذا اختلطت بدعوى أمر خرجت عن حد الممانعة إلى حد المعارضة، ولن يكون ذلك إلا بعد ترك الإنكار إلى الدعوى، وتسليم حجة الخصم فيكون ذكره فاسدًا في جملة الممانعات، ومثال ذلك أن السائل متى قال للمجيب بعد التعليل: إن الذي ذكرته ليس بعلة كانت ممانعة.
стр. 322
وإذا قال: إن العلة في الأصل غير الذي ذكرتها كانت دعوى، وكانت فاسدة لأنه لا معارضة فيها ولا مدافعة على ما مر.
وكذلك إذا قال: إن العلة ما ذكرته ولكن بزيادة وصف لأنه لما زعم أنها ذات وصفين فقد أنكر أن يكون الوصف الواحد علة، وإنه يستغني عن ذكر وصف آخر لتصحيح إنكاره، ثم العبرة في هذا الباب للدعوى، والإنكار حكمًا لا لفظًا لأن الألفاظ قوالب، وإنما اعتبرت شرعًا وعقلًا لما فيها من أحكامها ومثال ذلك: البكر إذا تزوجت، ثم اختلفوا؟ فقالت البكر: بلغني الخبر فرددت، وقال الزوج: سكتت، فالقول قول المرأة عندنا.
وقال زفر: القول قول الزوج لأنه ينكر الرد والمرأة تدعي الرد، إلا أنا نقول هذا صورة فأما من حيث الحكم فالملك يثبت عليها بسكوتها ويمتنع الثبوت بردها، فهي تنكر الملك عليها بدعوى الرد فكانت منكرة حكمًا، والله أعلم.
стр. 323
باب
القول في القلب والعكس
القلب عند أهل النظر على وجهين، وكذلك العكس فيكون وجوهًا أربعة:
أما القلب فتفسيره لغة: جعل الأعلى أسفل أو البطن ظهرًا، يقال: قلبت الإناء؛ إذا نكسته، وقلبت الجراب: إذا جعلت باطنه ظاهره.
والعرب تقول: قلبت الأمر ظهرًا لبطن، وقلب العلة مأخوذ من هذين المعنيين، وهو نوعان:
أحدهما: جعل المعلول علة من قلب الإناء، وهذا مبطل للتعليل لأن العلة موجبة، والمعلول هو حكمة الواجب به كالفرع من الأصل لم يجز أن تكون العلة حكمًا، والحكم علة فلما احتمل الانقلاب دل على بطلان التعليل.
ومثاله: تعليل مخالفنا لإيجاب الرجم على الكفار بأنهم جنس يجلد بكرهم مئة فيرجم ثيبهم قياسًا على الأحرار من المسلمين، وعكسهم العبيد لما لم يرجم ثيبهم لم يجلد بكرهم مئة، فيقال لهم: إن المعنى في الأصل أنهم جنس رجم ثيبهم فجلد بكرهم مئة.
ولذلك قالوا: إن القراءة لما تكررن فرضًا في الأولين تكررن في الآخرين كالركوع.
فيقال لهم: لا بل لما تكرر الركوع فرضًا في الآخرين تكرر في الأولين، وهذا القلب إنما يتحقق فيما إذا جعل الحكم علة لحكم أن كل واحد منهما كما استقام علة، استقام حكمًا.
فأما إذا جعل الوصف علة، فلا يحتمل القلب لأن الوصف لا يصلح أن يكون حكمًا بوجه.
ثم المخلص عن هذا القلب بأن يجعل أحد الحكمين دليلًا على الآخر لا علة له، وهذا إنما يستقيم إذا ثبت أنهما نظيران شرعًا فيدل ثبوت أيهما كان على الآخر، كتوأمين عتاق أيهما كان من الأصل يدل على عتاق الآخر، ورق أيهما كان من الأصل يدل على رق الآخر.
كقولنا: كل عبادة تلتزم بالنذر التزمت بالشروع لأنهما سببا تحصيل قرب زوائد شرعًا سواء.
стр. 324
والقربة لله تعالى لا تحصل إلا واجب الإمضاء قربة، ولذلك لا يحل الرجوع فيها بعد الأداء.
وكذلك من ولي عليه في ماله ولي عليه في نفسه، ومن يول عليه في ماله لم يول عليه في نفسه لن كل واحد من الولايتين نظير الأخرى ثبوتًا على ما بينا في كتاب النكاح.
ولا كذلك جلد البكر مئة فإنه ليس بنظير للرجم لتعلق الرجم بشروط لا يتعلق بها الجلد فلم يكونا نظيرين وكيف؟ وهما لا يجبان إلا في حالين متضادين.
وكذلك القراءة ليست بنظير الركوع في الأصل المعلل لأن الركوع ركن أصلي والقراءة ركن زائد، ولم تكن ثابتة أصلية، وبعد الزيادة لم تشرع كالركوع فإنها تسقط بالاقتداء وبخوف فوت الركعة وسقط شطرها، وهو السورة في الأخرين، وكذلك الركعتان ليستا مثل الأولين في حق القراءة بالإجماع.
وأما القلب الآخر: بأن تقلب الشهادة على خصمك لك من قلب الجراب، فإنها كانت لخصمك عليك ظاهرًا فانقلبت وصارت لك على خصمك، وكان ظهرها إليك فصار الآن وجهها إليك، وأنه يبطل بحكم معارضة فيها مناقضة لأنه لما شهد لك وعليك بحكم واحد فقد عارض بهذا ذاك، بل نقض كل واحد منهما صاحبه فبطلا أصلًا بخلاف المعارضة بقياس آخر، فإنها تخلو عن المناقضة فلا يبطلان ولكن يمنع الحكم بها للاشتباه.
ومثال ذلك قولهم: إن صوم رمضان فرض فيشترط لصحته نية التعيين قياسًا على صوم القضاء.
فنقول: لما كان صوم فرض لم يشترط له نية التعيين بعد التعين إلا أنه إنما يتعين بعد الشروع، وهذا متعين قبل الشروع.
وقالوا أيضًا: إن مسح الرأس ركن في الوضوء فيسن تثليثه قياسًا على الغسل فنقول: لما كان ركنًا في الوضوء لم يسن تثليثه بعد إكمال الفرض بزيادة يجوز بدونها في محل الفرض قياسًا على الغسل، فإنه متى أكمل فرضه بما ليس بفرض في محل الفرض لم يثلث فإن أكمل الغسل بمحل الفرض بالتثليث وبعده لا تثليث، والمسح قد أكمل بالسنة في محل الفرض بالاستيعاب مرة، وأنت تثلثه بعد ذلك.
فإن قيل: إنكم زدتم على وصف الحكم فلم تستقم المعارضة.
قلنا: إنا بالزيادة فسرنا الحكم الذي فيه النزاع، فإن النزاع في التثليث بعد الاستيعاب دون تثليث قدر المفروض من المسح، وفي رمضان كان الخلاف في فرض عين شرعًا ما معه في وقته غيره لا فرض مطلقًا، وإذا كانت تفسيرًا لم يوجب تغييرًا بل أوجب تقريرًا.
стр. 325
وأما العكس لغة فتفسيره: رد حكم الشيء عن سننه، من عكس المرأة إذا نظرت إليها، فإنها ترد حكم نظرك عن سنن مقابلتك إليك حتى ترى بارتداد رؤية عينيك عليك وجهك، كان لك عينًا في المرآة.
وعكس الماء نور الشمس حتى يظهر شعاعه لو كان مقابلة الماء جدار كان في الماء شمسًا.
وهو على وجهين في النظر عكس حكم العلة بقلبها، وهو ضد الطرد نحو قولنا: الصوم عبادة تلتزم بالنذر فتلتزم بالشروع طرده الحج.
وعكسه الوضوء لما لم يلتزم بالشروع لم يلتزم بالنذر، فعكست الحكم بقلب الوصف.
وهذا مما يقوي حكم الاستدلال بالحكم لحكم هو نظيره حيث استويا ثبوتًا طردًا وسقوطًا عكسًا.
وأما الآخر فرد الحكم إلى خلافه لا على سننه بل بسنن غير سننه كقولهم: الصوم نفل قربة فلا يمضي في فاسدها فلا يلتزم بالشروع كالوضوء، وعكسه الحج فيعكس فيقال: لما كان بهذا الوصف وجب أن يستوي عمل النذر والشروع فيه قياسًا على الوضوء، فإن الشروع فيه لا يلزم لما لم يلزم نذره وههنا يلزمه النذر، فكذلك الشروع وهذا عكس ضعيف في الاعتراض لأنه قلب في الحقيقة بحكم آخر نصًا.
والقلب بحكم آخر باطل نظرًا لأنه لا مناقضة إذا اختلفا، ولأنه جاء بحكم مجمل لا يتصل بالمسألة إلا بعد البيان وليس ذلك للسائل، ولأن الحكم المفسر أولى من المجمل ولأن الاستواء بين الحكمين في الأصل من حيث سقوطهما، وفي الفرع من حيث ثبوتها، والحكم هو المقصود من إثبات الاستواء المجمل لا عين الاستواء، ومتى فسر الحكم كان على التضاد، والله أعلم.
стр. 326
باب
القول في الموانع
الموانع أربعة:
أ- مانع يمنع انعقاد العلة.
ب- ومانع يمنع تمامها.
ج- ومانع يمنع أصل الحكم.
د- ومانع يمنع تمام الحكم.
والوجوه كلها تتبين حسًا في الرمي فإنه قتل إذا أصاب، والرامي يلزمه أحكام القتل، والرمي عبارة عن فعل الرامي، وله حد معلوم وهو إغراق القوس بسهمه وإرساله.
ثم انقطاع الوتر أو انكسار القوس مانع يمنع انعقاد العلة حتى إن شيئًا من حكم الرمي لا يظهر مع هذا المانع من مضي السهم، أو إصابته شيئًا بقوته، وجدار في مسافة مرور السهم يعارض السهم فيمنعه من المرور.
ومانع يمنع تمام العلة لأن الفعل انعقد رميًا لكن الرمي إنما يكون قتلًا إذا أصاب المرمى بامتداد السهم إلى المرمى بقوته.
وهذا المانع منع تمام الامتداد إليه فيمنع تمام العلة والدرع.
والترس على المرمي مانع أصل حكم العلة لأن السهم لما امتد إليه فقد تمت العلة، وكان من حكمه الجرح الذي هو قتل وهذا المانع منع أصل الحكم.
والمداوات بعد الجرح حتى التئام الجرح مانع يمنع تمام حكم العلة فالجرح إنما يتم قتلًا إذا سرى ألمه إلى الموت فما يقطع السراية يكون مانع تمام حكم العلة.
ومثاله من العلل الشرعية الإبل السائمة جعلت علة لوجوب الزكاة والصرف عن جهة الأسامة إلى وجه آخر عند التملك يمنع انعقاد العلة وهلاك السائمة في أثناء الحول يمنع تمام العلة.
وكذلك زوال صفة السوم في أثناء الحول والدين يمنع أصل حكم العلة، وغيبة المالك عن ماله تمنع تمام حكم العلة فإن الزكاة لا تجب ولا يطالب بالأداء حتى يصل إلى ماله.
стр. 327
وكذلك البيع علة لإيجاب الثمن والمثمن.
والإضافة إلى الحر يمنع أصل الانعقاد عليه والإضافة إلى مال الغير تمنع التمام فإنه في حق المالك كأنه لم ينعقد لعدم ولاية العاقد عليه.
وشرط الخيار يمنع أصل الحكم فالبيع قد انعقد في حقهما على التمام، وإنما امتنع الحكم بالخيار لتعلق الثبوت بسقوطه وخيار الرؤية والعيب يمنع تمام الحكم فإن الحكم وهو الملك يجب غير لازم.
وكذلك الأجل فإن الثمن يملك مع الأجل، ولكن لا يجب المطالبة به.
فهذا باب لا بد للفقيه منه فإن الحكم ينعدم بهذه الوجوه المختلفة والعدم لعدم العلة أو لنقصانها غير العدم لمانع، فلا يمكن رد الفروع إلى نظائرها إلا بعد معرفة حد العلة شرعًا ثم الموانع الطارئة عليه.
ألا ترى أنهم قالوا أن ابن السبيل إذا عجل الزكاة قبل أن يصل إلى وطنه صح لأنه لا مانع عن أصل الحكم، وهو الوجوب فصار أداء بعد الوجوب فصح.
ولو عجل وعليه دين لم يكن زكاة بل كان نفلًا لأنه منع أصل الوجوب فلا يصح الأداء قبل الوجوب.
وكذلك لو عجل الزكاة قبل حولان الحول وهلك المال قبل المضي، لم يكن زكاة لأن الحول منع أصل الوجوب، ولو عجل العبد الصلاة لأول الوقت وحده، ولم ينتظر الجماعة كما أمر بالتأخير إليها صح لأن الوجوب قد حصل، وإنما أمر بالتأخير إلى جهة هي أفضل، والله أعلم.
стр. 328
باب
القول في أقسام المعارضات الصحيحة والفاسدة
قد مر تفسير المعارضة فيما مضى وحدها، وهذا الباب لبيان أقسامها في باب المقاييس وتمييز الصحيح من الفاسد منها.
المعارضة نوعان: نوع في علة الأصل، والثاني في حكم الفرع.
فأما الذي في حكم الفرع: فأنواع خمسة:
معارضة بضد ذلك الحكم نصًا في ذلك المحل.
أو بضرب تغيير تفسير للحكم المختلف فيه وتقريره إياه.
أو بضرب تغيير فيه إخلال بالحكم المختلف فيه.
أو نفي لما لم يثبته الأول.
أو إثبات لما لم ينفه الأول.
ولكن تحته معارضة للأول.
أو إثبات للحكم الأول في غير محل الأول.
والمعارضة في علة الأصل أنواع ثلاثة:
معارض بعلة أخرى غير متعدية.
أو متعدية إلى فروع اختلف في الحكم بها.
أو متعدية إلى فروع اتفق على حكمها، فتصير الجملة ثمانية أنواع، خمس منها صحيحة أو فيها معنى الصحة، وهي التي تكون في حكم الفروع، وثلاث منها فاسدة أصلًا، وهي التي تكون في علة الأصل.
فأما الصحيح بأصلها فالنوعان الأول نحو قولهم: المسح ركن من الوضوء فيسن تثليث وظيفته كالغسل.
وقولنا: أنه مسح فلا يسن تثليثه كالمسح على الخف فيكون نفيًا لما أثبته الأول بعينه في محله.
وقولنا: إنه ركن من الوضوء فلا يسن تثليثه بعد إكمال الفرض في محله قياسًا على الغسل معارضة بزيادة هي تفسير للحكم المتنازع فيه فيكون صحيحًا.
стр. 329
وأما النوعان اللذان بعدهما: فالتي فيها منافاة لما أثبته المجيب بضرب تغيير فصحيحة من وجه نحو قولنا: اليتيمة تزوج لأنها صغيرة فيولى عليها نكاحًا قياسًا على التي لها أب.
فيقولون هي يتيمة فلا يولى عليها بقرابة الأخوة قياسًا على ولاية المال، فزاد زيادة فيها إخلال بالمتنازع فيه.
لأن النزاع بيننا وبينه في إثبات أصل الولاية على اليتيمة لا في تعيين مستحق الولاية فنحن أثبتنا أصل الولاية، وانه نفى أصل الولاية بسبب خاص فلم يعارض تلك الجملة.
ولكن قد عارض البعض فإن الخلاف ثابت في ولاية الأخ وغيره.
ولأنه يقول تحت ثبوت هذا نفي لما تقولونه لأنا بهذا نفينا ولاية الأخ، وولاية من وراءه منفية بالإجماع بالأخ.
وأما النوع الرابع فالعكس الذي ذكرناه نحن قولنا: أن الكافر يملك بيع العبد المسلم فيملك شراءه قياسًا على المسلم.
وقولهم لما ملك بيعه وجب أن يستوي حكم الشراء والتقرير عليه كالمسلم ثم هذا لا يقر على الملك بل يرد عليه.
فكذلك يرد شراؤه وهذه فاسدة لأنا لم نعلل للتفرق بينهما لتكون التسوية معارضة بل حكم علتنا جواز الشراء.
والتسوية بين الشراء والإدامة حكم آخر لم نتعرض له، غير أنه تجنب هذه التسوية دفعًا للحكم الأول من وجه على سبيل البناء [وليس للسائل البناء]، فتصلح مثل هذه المعارضة لترجيح العلة التي لا تنعكس على التي انعكست هكذا. وأما المعارضة ابتداء فلا على ما مر في باب العكس.
وأما النوع الخامس فنحو قولهم، في امرأة لها زوج غائب فنعي إليها فتزوجت، وولدت من الثاني، فحضر الأول، فإن أبا حنيفة يقول: الولد للأول لأن فراشه صحيح، وقد ولدت على فراشه فيقول الخصم للحاضر فراش بالنكاح الفاسد وقد ولدت على فراشه لأن المحل.
وإن اختلف فيجب إثبات النسب في محل آخر، وهو نسب واحد نفي للأول لأن الشيء الواحد لا يكون في محلين وهذا كالخارج وذي اليد يقيم كل واحد منهما بينة أن هذا الشيء نتج في ملكي يثبت بينهما معارضة وترجحت بينة ذي اليد.
ولو قال الخارج: هو عبدي ولد في ملكي ودبرته أو أعتقته صار أولى من ذي اليد. .
стр. 330
وأما المعارضات في علة الأصل بعلة أخرى فلغو من الكلام: لأنه جائز اجتماعهما جميعًا علتين في الأصل.
وإذا جاز الاجتماع بلا تدافع لم تقع بينهما معارضة.
ولأن ما لا تتعدى من العلة فباطلة بنفسها عندنا على ما مر وما يتعدى فعدمها لا يوجب عدم الحكم ليثبت بالعدم معارضة في حكم الفرع.
والتعليل كان لإثبات حكم الفرع فالمعارضة إنما تصح بما ينفيه الكلام فيما مضى في باب أن العدم شرط لصحة العلة أم لا وفي غيره، وكذا ما يتعدى إلى فرع مختلف في حكمه نحو قولنا فيمن باع قفيز جص بقفيز جص: أنه ربا لأنه باع مكيلًا بجنسه متفاضلًا فلا يجوز قياسًا على الحنطة.
فيقولون: المعنى في الأصل أنه باع مطعومًا بجنسه، قالوا: وتتعدى علتنا إلى فروع لا يقولون بها كالتفاحة والحبة فمن الناس من زعم أنه ممانعة حسنة لأن المسلمين أجمعوا على ترك القول بهما فصارتا متدافعتين إجماعًا.
والجواب: أنا جمعنا على جواز الجمع بينهما من حيث ذاتيهما فيكون الكيل علة والطعم علة، وغنما نفى كل واحد منهما علة خصمه بدليل قام على فسادها لا بصحة علتها فتكون ممانعة بصحة علته فاسدة بالإجماع، والله أعلم.
стр. 331
القول في بيان الترجيح
أما تفسير الترجيح لغة فإظهار الزيادة لأحد الممثلين على الآخر وصفًا لا أصلًا من قولك: أرجحت الوزن إذا زدت جانب الموزن حتى مالت كفته، وطفت كفة السنجات ميلًا لا يبطل قيام كفتي الوزن، فيكون الوزن باقيًا. ولكن وزن راجح أي مائل بزيادة لو أفردت الزيادة عن الأصل لم يقم بها الوزن في مقابلة الكفة الأخرى، فكان الرجحان عبارة عما يغير صفة الوزن لا عما يقوم به الوزن على سبيل المقابلة.
وضد أرجحت: طففت، فكذلك رجحان العلة على علة يكون من هذا الطريق بما يغير صفة القياس إلى قوة لو انفردت عن العلة لم تكن حجة [مقابلة بما تكون حجة] بنفسها مقابلة للأولى لو انفردت عن أصل علتها. وهذا كالشهادتين إذا تعارضتا وإحداهما مستورة والأخرى عادلة، ترجحت العادلة لأنها صفة الشهادة.
ولا تترجح بزيادة عدد الشهود ولأنها ليست بصفة لما هو حجة من الشهادة بل مثلها، وشهادة كل عدد ركن مثل شهادة الأخرى لا يكون بعضها صفة للبعض.
وكذلك الخبر لا يترجح بخبر آخر يروى، ولا الآية بآية أخرى ويترجح الخبر بكثرة الرواة لأن الحجة هو الخبر المنقول عن النبي ﷺ ، والاشتهار في النقل [وجب قوة ثبوت في النقل الذي به يثبت الخبر عن النبي ﷺ ويصير حجة ويصير] وصفًا للرواية، لأنا نقول رواية مشهورة ومتواترة وشاذة بخلاف الشهادة لأن الحجة قول الشاهد: أشهد، وكلام كل واحد ركن مثل الآخر لا أن يكون وصفًا له، وإنما يترجح بمعنى يرجع إلى الشاهد فيقوى الصدق من قوله: أشهد، فلا جرم أنه يختلف بها أمر الشهادة نحو شهادة الفاسق، والمستور والعدل.
ولهذا لا يترجح القياس بالنص لأن النص متى شهد بصحة القياس صارت العبرة للنص.
وسقط القياس في أن يضاف الحكم إليه في المنصوص نفسه على ما مر أن تعليل النص بعلة لا تتعدى ساقط.
وكذلك لا يترجح الخبر بالكتاب، ولن النص فوق قياس آخر.
وقد مر أن القياس لا يترجح بآخر لأنه لا يصير تبعًا له فبالنص أولى.
ولهذا قالوا: لو أن رجلًا جرح رجلًا جرحًا وآخر جراحات فمات من ذلك، استويا في تحمل ضمان النفس لأن كل جرح علة كاملة لإضافة الموت إليه فلا يكون لزيادة العدد عبرة.
стр. 332
وقد قال علماؤنا ﵏ في شقص دار بيع وله شفعاء بأنصباء متفاوتة: كان الشقص المبيع بينهم على عدد رؤوسهم، لأن النصيب وإن قل علة لاستحقاق كل المبيع، فتضاعف ذلك النصيب لا يوجب زيادة إضافة إليه كتضاعف عدد الجرح.
وكذلك قال الشافعي: أن صاحب النصيب الكثير لا يكون أولى فلا تترجح شركته على شركة الآخر إذ لو ترجح لصار الكل له، ولكن قال: يزداد له الاستحقاق كرجلين اشتريا عبدًا بثلاثة آلاف درهم على أن على أحدهما ألفًا وعلى الآخر ألفين كان العبد بينهما أثلاثًا أيضًا كالثمن.
فهذا ليس من باب الترجيح ولكن من باب من يستحق شيئًا بطريقة، والآخر بطريقتين.
وكامرأة ماتت وتركت ابني عم أحدهما زوج فإن الزوج يرث النصف بالزوجية والربع بالعصوبة.
ولا تترجح عصوبته على الآخر بالزوجية لأنها ليست بصفة للعصوبة بل هي علة أخرى فعلمت أن الاتفاق جاري على أن الترجيح لا يقع بمثل العلة الأولى، ولا بما فوقها بل بما يكون وصفًا لها وتبعًا.
والاختلاف في مسألة الشفعة في أن زيادة النصيب هل يعتبر علة أخرى للاستحقاق أم لا؟ فثبت أن حد الترجيح ما يزيد قوة لما جعل حجة ويصير وصفًا له.
وجملة أقسامه في المقاييس تنتهي إلى أربعة:
أ- قوة تأثير الوصف.
ب- وقوة ثباته على الحكم المشهود به.
ج- وكثرة أصوله.
د- وانعدام الحكم لعدمه.
أما قوة التأثير: فإنه صار حجة يعمل بها بتأثيره، فيترجح معنى الحجة برجحان هذا الوصف كالخبر لما صار حجة بالثبوت عن النبي ﷺ وذلك باتصال الرواية عنه إليه، وهذا الاتصال يزداد قوة بحال الراوي في صلاحه وضبطه، وباتصال الإسناد وانقطاعه وجب الرجحان بما قوى به الاتصال بالنبي ﷺ .
فإن قيل: أليست الشهادة جعلت حجة بسبب العدالة ثم لا تترجح بقوة العدالة، فإن بعض الشهود يكون أعدل من بعض؟
قلنا: إن العدالة بالتقوى، والتقوى ليست بأنواع بعضها فوق بعض ليمكن التمييز بينها بأنواعها كأحوال الرواية فإنها متصلة ومنقطعة.
стр. 333
وكذلك أحوال الرواة في الضبط وغيره، والرواية في تواترها وشذوذها طرق شتى ليست من جنس واحد على ما بينا في أبوابها.
وكذلك تأثير العلة إنما يكون بأدلة معلومة متفاوتة الأثر بعضها فوق بعض ممكن العمل بها، ومثال ذلك اختلاف العلماء في طول الحرة هل يمنع الحر نكاح الأمة؟
قال الشافعي: يمنع لأنه استغنى به عن تعريض جزء منه للرق فلم يحل نكاح الأمة لما فيه من إرقاق ولده وهو جزء منه، والإرقاق كالهلاك حكمًا حتى يخير الإمام في الكافر المغنوم بين القتل والإرقاق، فكان حرامًا إلا لضرورة ما، وهو أن لا يجد طول الحرة ويخاف الزنا أو فساد أمر المعيشة، ويقيس بهذا المعنى على من تحته حرة.
ونحن نقول: الطول لا يمنع لأنه يجوز معه نكاح العبد بالإجماع. فإن المولى إذا دفع إليه مالًا يجد به الحرة فتزوج به الأمة يجوز بالإجماع.
ولما جاز معه نكاح العبد الأمة جاز نكاح الحر كذلك قياسًا على وجود الحرة في دار الدنيا، وهذا لأن العبد ما فارق الحر إلا بتصنيف حاله في المعنى القابل لعدد الأنكحة، حتى حل للحر أربع نسوة حرائر ولم يحل للعبد إلا نصفها فأما سائر شروط النكاح من المهر والولي والخلو عن العدة فقائمة، والنصوص لا توجب التفرقة بينهما.
وإذا بقي العبد فيما بقي من النكاح الحلال على ما كان بحكم تنصف السبب لم يجب التفريق بينه وبين الحر في ما بقي من الشروط المانعة المبيحة، وكان هذا الأثر أقوى من أثرهم لأنه أشار إلى إرقاق مائه، وفيه هلاك حكمًا.
والحر له أن يعزل مختارًا بلا ضرورة وفيه تضييع مائه وهلاك حقيقة، فلما لم يحرم السعي إلى الهلاك الحقيقي بلا ضرورة فلأن لا يحرم السعي إلى الهلاك الحكمي بلا ضرورة أولى، فضعف أثر وصفهم بنظيره من الهلاك الحسي الحقيقي فقد شهد عليهم.
وكذلك نكح الأمة الكتابية عندنا حلال للمسلم، وعنده حرام لأنها أمة كافرة فأشبهت المجوسية.
قال: لأن للرق أثرًا في التحريم وكذلك الكفر فإذا اجتمعا التحقا بالكفر الغليظ، أو لأن طول الأمة [من أهل الكتاب والإسلام سواء، ونكاح الأمة] جائز لدفع ضرورة الزنا فإذا وقعت الغنية بالمسلمة لم تحل الكافرة، ولهذا قال: لا يجوز أن تنكح الأمة على الأمة لأن الضرورة اندفعت بالواحدة.
إلا أنا نقول: نكاح الحرة يجوز له مع هذا الدين فكذلك نكاح الأمة قياسًا على دين الإسلام، وهذا لما ذكرنا أن الرق لا يحرم أصل النكاح بل ينصف بقدر الإمكان فلا يتغير حكم أصل النكاح لما بقي النصف على ما كان، وإنما يظهر أثره في القدر ولا قدر لنكاحها من حيث التزوج برجال، كما يتزوج الرجال بنساء ليظهر حكم التصنيف في ذلك
стр. 334
القدر فظهر الأثر فيما يتعدد ويتقدر من حال وقوع نكاحها فإن الوقوع قد يكون ابتداء وقد يكون على حرة.
ولا يلزم نكاح الأمة على الحرة فإن نكاح الحرة لا يمنع نكاح الحرة.
ويمنع نكاح الأمة لأن الامتناع بحكم فوات نصف الحل كما في جانب العبد.
وبيانه: أن التصنيف يثبت في جمع يقبل التجزيء، ولا جمع لنكاح المرأة من حيث الرجال فإنها لا تتزوج برجال، وإنما الجمع من حيث الاجتماع مع الضرة فينصف بالرق فجاز للحرة في الأحوال كلها مع الأمة قبلها أو بعدها، ولم يجز للأمة إلا النصف وهو أن يكون قبل الحرة.
وأما إذا جمع بينهما معًا، وكان عددًا وسطًا فكان يجب أم يتنصف الجواز لو قدرنا، إلا أنه يشيع لأن النكاح لا يتجزأ صحته فشاع كمان طلق امرأته تطليقة ونصفًا يقع اثنتان والأمة تعتد بنصف ما تعتد به الحرة.
وإذا كانت بالقرء اعتدت الأمة بقرءين والحرة بثلاثة لأن القرء لا يتجزأ في تعلق العدة به.
والحر عندنا ينكح الأمة على الأمة لأن العبد يحل له ذلك.
فكذلك الحر فالأثر الذي اعتمدناه في تنصيف ما يبتنى عليه جواز النكاح بالرق من حيث يمكن أثر قوي لم يحتمل بوجه فإن كل شيء يقبل التنصيف بقي النصف منه على ما كان عليه حكم الكل.
وكذلك قولنا: إن الرق سبب منصف للحل مؤثر، فالحرية لها شرف في مقابلة الرق وقد وجدنا لشرف النبوة أثرًا في زيادة إطلاق لعدد النكاح فصح إضافة زيادة الإطلاق، فيما نحن فيه إلى الحرية إظهارًا لشرفها في مقابلة الرق، وقد بينا ضعف أثر في اعتبار الضرورة.
وكذلك بيان الأثر لضم الرق إلى الكفر ضعيف لأنا لا نسلم أن للرق أثرًا فى تغيير شرط الجواز.
وأصل النكاح إنما أثره في قدر ملك النكاح من الوجه الذي يتعدد، ولا عدد إلا في النساء يجتمعن عند رجل فلا يظهر أثر الرق إلا في حال اجتماعهن من الجانبين جميعًا على وجه يظهر به شرف الحرية في زيادة إطلاق.
ولأن منع الكفر النكاح بطريقة غير طريقة منع الرق والعلتان لحكمين مختلفين تمامًا إذا اجتمعتا لم تقو إحداهما بالأخرى.
وكذلك اختلفنا فى إسلام أحد الزوجين وردة أحدهما؟
стр. 335
قال علماؤنا ﵏: إن الفرقة بالردة تقع بنفسها، وفى الإسلام لا تقع إلا بالقضاء إذا أبى الآخر والإسلام لا عبرة للدخول بها.
وقال الشافعي: إن للمرأة تبين بنفس الاختلاف إذا كان قبل الدخول، وتبين بالعدة بعد الدخول لأن الطارئ وهو اختلاف الدينين سبب تعلق به الفرقة بالإجماع، لا على سبيل منافاة أصل الملك حكمًا، فإذا أجمعنا على أنهما إذا ارتدا بقيا على النكاح وردة أحدهما موجودة ويعد الإسلام بعد الدخول الملك قائم لو أسلم الباقي منهما بقيا على النكاح، وما ينافي في أصل الملك حكمًا لا يتصور مع بقاء الملك كالمحرمية وملك اليمين، فصار من هذا الوجه نظير الطلاق فإنه غير مناف لأصل الملك حكمًا، فإنه يراجعها ويبقى الملك مع الطلاق وتتعلق به الفرق فتعلق بالخلو عن العدة.
وقلنا نحن فى إسلام أحدهما: أن الطارئ من السبب وهو الإسلام لا يُضاف إليه الفرق لأنه سبب لعصمة الأملاك دون إزالتها.
ولأن القرار يتوقف على إسلام الآخر لا زوال هذا الإسلام.
وقرار العقد لا يتوقف على قرار ما يوجب قطعه وهذا أثر قوي معقول.
ولا يجوز أن يضاف إلى كفر الباقي لأنه غير حادث، ولكنه دوام لما كان ودوام ما لم يكن قاطعًا لا يوجب قطعًا ضرورة.
فإن قيل: إنما لم يكن كفر هذا قاطعًا مع كفر الآخر دون إسلامه، ألا ترى أنه لم يكن مانعًا لابتداء العقد مع كفر الآخر والآن هو مانع.
قلنا: نعم [يمنع ولا يقطع والنزاع وقع في القطع كأن الحالة لم تتبدل] بأن صار مانعًا يتبدل الحال لا يدل على أنه يصير قاطعًا فإن كثيرًا من الأشياء يمنع ولا يقطع، والنزاع وقع في القطع فصار في حق القطع كأن الحالة لم تتبدل.
فالشافعي أضاف فرقة وجبت عقيب الاختلاف إلى الاختلاف وبين أثره بمنع ابتداء العقد وحرمة الوطء، وإنه ضعيف لأن العدة تمنع الابتداء وتحرم الوطء ولا توجب الفرق.
ونحن قلنا: إن الاختلاف ليس بسبب يوجب الفرقة لما ذكرنا من الدليل، وإنه قوي الأثر مجمع عليه على ما مرَّ، ولما لم يكن الحادث سببًا وجب عليه طلب سبب آخر تحته له أثر في إيجاب الفرق، وما ذلك إلا فوت غرض النكاح فإن هذا الاختلاف يحرم الوطء ويجعلها معلقة، والله تعالى حرم التعليق وجعله ظلمًا يقع على النكاح بانعدام الغرض الذي شرع النكاح له، وأمر بالإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان.
وهذا كما قال الشافعي في الإيلاء بعد المدة: إن الزوج يصير ظالمًا ظلم التعليق
стр. 336
فيوجب التفريق إذا أصر على الظلم، فكذلك ههنا وإذا كان كذلك صار مفوضًا إلى القاضي لأنه فرقة لإزالة الظلم والقاضي ولي لإزالة الظلم عن الناس.
فأما ردة أحدهما فسبب مناف للملك حكمًا فيتعجل الفرقة كملك أحد الزوجين صاحبه أو المحرمية.
وإنما قلنا: إنه مناف حكمًا لأن الردة ليست لقطع ملك النكاح، ولا تملك بملك النكاح وتصح قبل الملك بل لتبديل الدين فإذا وجبت الفرق عقيبها ولها أثر فى إزالة العصمة أضيفت إليها، ولما أضيفت إليها ولم تكن الردة موضوعة لها علمنا أنها وجبت حكمًا أي الشرع حكم بالمنافاة بينهما كملك اليمين مع ملك النكاح، والمتنافيان حكمًا لا يتغير حكم المنافاة بها بالدخول وعدم الدخول.
وقول الشافعي: إنها ليست بمنافية حكمًا لأنهما إذا ارتدا معًا بقي النكاح غير قوي أثره، لأن الردة إن لم تناف حال اتفاقهما في الكفر لم تدل على عدم المنافاة حال الاختلاف ألا ترى أن اتفاقهما في الكفر الأصلي لا يمنع ابتداء العقد، ولا يقطع وحال الاختلاف يمنع بلا خلاف ويقطع عنده فلم تكن إبانة التأثير دليلًا على إفساد ما قلنا بحال الاتفاق قويًا، لما بينا أن لحال الاختلاف أثرًا في إعمال العلل المحرمة حكمًا.
وكذلك إذا قلنا إن عدد الطلاق بالنساء وقالوا: إن العدد بالرجال، لأن الملك لهم فيعتبر بحالهم كابتداء الملك عدد المنكوحات اعتبر بحال الرجل دون المرأة لأن الملك صفة المالك فيعتبر بحاله.
وكملك اليمين يعتبر بحال المالك فيملك إذا كان حرًا ولا يملك إذا كان عبدًا.
وقلنا نحن: الطلاق لقطع الملك الثابت على المرأة فيعتبر عدد القاطع بمحل الملك قياسًا على عدد العتاق يعتبر بعدد ملك اليمين في المماليك لا بالمالك، وهذا أولى لأن الملك يزداد بزيادة المحل المملوك بالمالك والقطع بناء على الملك فإنما يزداد بما يزداد به الملك.
فإن قيل: هذا فيما يتصور الازدياد بالمحل وذلك بزيادة عدد النساء لا بالحرية والرق فملك الرجل في الحرة والأمة واحد.
قلنا: لا كذلك بل ملكه في الحرة ضعف ملكه في الأمة من حيث الحكم، ألا ترى أن القسمة إذا وجبت بين الحرة والأمة بحكم هذ الملك كان للأمة ليلة وللحرة ليلتان فنزلت الحرة منزلة أمتين.
وكذلك العدة التي تجب قضاء لحق هذا الملك على ما بينا في موضعه: يجب على الحرة ضعف ما يجب على الأمة إلا أن التضعيف لا يتبين في أصل الاستحلال لأنه مما لا يتجزأ، ولكن يظهر فيما يتجزأ من الأحكام التي تتفرع من هذا الملك من العدة، والقسم،
стр. 337
فكان الأثر الذي صرنا إليه أقوى من أثره بالملك بل أثر الملك في إطلاق التصرف والحجر لا في قدر عدد المملوك من التصرف المزيل للملك، وإنما الأثر للمحل على ما بينا.
وكذلك مسح الرأس لا يثلث استدلالًا بمسح الخف لأن هذا الوصف يفرق بين جنس الغسل، والمسح في حكم التخفيف فإن المسح أخف منه في نفسه، وكذلك في حكمه حتى تأدى الفرض منه ببعض محله فصار وصف المسح مؤثرًا وضعًا وشرعًا في الفرق بينه وبين الغسل.
وقولهم: إنه ركن فصار نظير الغسل لا أثر له في جعل الركن بابًا واحدًا فيما هو تغليظ لا من حيث نفسه ولا من حكمه.
وكذلك صوم رمضان عندنا يتأدى بمطلق نية الصوم لأنه صوم عين أي ليس معه غيره في وقته فأشبه صوم النفل في سائر الأيام فإنه لم يشرع معه غيره في أصل الشريعة، وإنما يثبت بعوارض وتأثيره أن النية ما شرعت أصلًا إلا لتعيين العبادة عن العادة فلا يشرع زيادة الوصف عليه إلا لتعيين عبادة عن عبادة أيضًا، فإذا لم تشرع العبادة وكانت الواحدة عينًا لم يفتقر إلى التعيين.
وقال الشافعي ﵀: إنه صوم فرض فيكون تعيين نية الفرض شرطًا قياسًا على القضاء، لأن للفرضية أثرًا في تغليظ حكمها متى قوبل بالنفل، وإنه ضعيف لأنه أشار إلى أثر مجمل مع اتفاقنا على المساواة بينهما في كثير من الأحكام، واختلافنا في شيء بعينه وهو النية، ونحن بيّنا الأثر في نفس النية فهذا أقوى وجه يجب اعتباره.
وأما الوجه الثاني: وهو قوة ثباته على الحكم المشهود به فلأنه جعل علة لإيجابه فيكون زيادة وجوب الحكم بها رجحانًا من حيث الوصف، مثال ذلك أنا قلنا: إن المنافع لا تضمن بالإتلاف لأن ضمان مثل، والمثل بنبئ عن المساواة إما مطلقة صورة ومعنى أو معنى بالإجماع، والمنافع لا مثل لها فلم يجب ضمان المثل للعجز عن الوصول إليه، كما لا يجب ضمان المثل صورة فيما لا مثل له من صورة، وكذلك المنافع لا تضمن بمنافع مثلها لعدم المماثلة، فكذلك لا يجب من حيث القيمة لأنه لا مماثلة بينهما أيضًا، فإسقاطنا ضمان المثل للعجز عن المثل إسقاط بمعنى مؤثر لأن التكليف مبني على الطاقة في جميع أنواع التكليف.
فحكم هذه العلة يتبعها في جميع أنواع التكليف، ودلالة أنه لا مثل لها أن القيمة دراهم أو دنانير، وهما جواهر والمنافع أعراض.
والجوهر في ذاته خير من العرض لأنه يقوم بنفسه والعرض يقوم بغيره فكان كالتبع له بل وصفًا للجوهر، لأن الجوهر مما يبقى زمانين والعرض مما لا يبقى صفة ذات،
стр. 338
والاتصاف بالبقاء معنى منبئ عن الجودة بل تفاوت ما بين التبع والمتبوع أكثر مما يكون بين الجيد والرديء.
وقال الشافعي: تضمن بالإتلاف لأن المنافع مما تقوم بالعقد، فكذلك بالإتلاف قياسًا على عين المال وأوجب المماثلة بقدر الإمكان.
فإذا لم يمكن إلا بأدنى تفاوت تحمل كما تجب القيمة عن الأعيان وإنما يستدرك بالظن.
والحرز لما لم يمكن إيجاب المثل صورة، وكان هذا التفاوت أولى بالتحمل من إسقاط حق المتلف عليه أصلًا ورأسًا، وهذا حكم لازم فإنا أمرنا بدفع الضرر ما أمكن.
فإذا دار الأمر بين أن يسقط الضمان فرارًا عن إيجاب زيادة متيقن فيها على المتعدي على أضرار بالمتعدي عليه بإبطال أصل حقه، وبين أن يتحمل الزيادة لحق المتلف عليه بعذر العجز كان الأولى ما صرت إليه فالمظلوم أولى بالنصرة ودفع الضرر عنه، وأكثر الضررين أولى بالدفع عند المقابلة.
وقلنا نحن: حكم علتنا من حيث نفي الزيادة عن المتعدي أثبت لأنا وجدنا في أصول الشرع إتلاف مال متقوم لا يوجب ضمانًا كإتلاف الباغي أموالنا ونفوسنا في حال المتعة، وإتلاف الكفار كذلك، ولم نجد تعديًا أوجب الزيادة على المثل بعذر من الأعذار في الدنيا لا في الآخرة بل الزيادة جور لا وجه إليه بحال فكان حكم علتنا ألزم من حكم علتهم.
وهذا لأن في الزيادة جورًا وفي الإسقاط تأخير الانتصاف إلى الآخرة فكان التأخير أهون من إبطال حق المتعدي في الزيادة.
ولأن الزيادة راجعة إلى ما يتبين من حكم الله تعالى، وحكم الله تعالى مصون عن الجور، وأما الضرر فيبقى غير مجبور للمظلوم لعجزنا عن الخبر والعجز عذر لنا.
ثم الظالم مساو للمظلوم في احترام حقوقه إلا من حيث الانتصاف منه له بالمثل والكلام في الزيادة فسقط أثر التعدي فيها، وليس هذا كضمان القيمة عن العين لأنا لا نوجب زيادة بالفتوى بحال، بل نوجب قيمة عدل على الحقيقة فلكل عين متقوم قيمته مثل على الحقيقة عند الله تعالى وإنما يقع التفاوت بقدر ما يقع في استيقاء الواجب لأنه لا يقع مثلًا على الحقيقة، وذلك عمل بما وجب والعمل يلزمنا بقدر الوسع فسقط اعتبار ما ليس في وسعنا دفعه فثبت أنا ما أوجبنا بالشرع زيادة على المثل في موضع.
وكذلك قلنا: ملك النكاح لا يضمن بالإتلاف، وكذلك ملك القصاص، حتى لو شهد شاهدان بالطلاق بعد الدخول أو العفو عن القصاص، وقضى القاضي ثم رجعا لم يضمنا لأن المال ليس بمثل لهذين الملكين لا صورة ولا معنى لأن معنى المال غير معنى ملك النكاح، وملك الحياة.
стр. 339
وكان القياس أن لا تجب الدية مثلًا عن الآدمي بالقتل خطأ إلا أنا أوجبناها بالنص معدولًا به عن القياس فلا يقاس عليه غيره.
وكذلك إذا غصب ساحة فبنى عليها لا ينقض عليه لأن في النقص إبطال ملك قائم بعينه للغاصب بلا عوض وفي الإبقاء إتلاف ملك المغصوب منه بعوض، وهو مالك من وجه على ما بينا في موضعه فكان هذا أهون، ويكون الغاصب متعديًا لا يستوجب زيادة غرْم على مثل ما تعدى، ولا تبطل حرمة ماله بوجه وراء الانتصاف منه.
وكذلك إن صوم رمضان صوم عين من بين سائر الصيام فلا يشترط تعيينه عن سائر أنواعه قياسًا على النقل في غير رمضان.
وقولهم: أنه صوم فرض فأشبه القضاء لأن سقوط التعيين فيما هو عين حكم لازم موجود في المعاملات وسائر الفرائض من الزكوات، وكل عين يتصف بالتعيين وحكم علتهم يختص بصوم فرض لا يدور مع كل فرض على ما بينا أن فرض الزكاة يتأدى بلا تعيين نية الزكاة.
وكذلك فرض الإيمان والشهادة باللسان.
وكذلك فرض الحج على أصله يتأدى بلا نية التعيين فهو قريب من الباب الأول.
ومنه قولنا: إن ربا الفضل حرام للكيل والجنس فيحرم بهما فضل القدر كيلًا، وقولهم حرام للطعم، والحرام فضل القدر ذاتًا في الحبة بالحبة، فإن أجزاء الخلقة على التفاوت كانت علتنا أولى لأن حكمها، وهو حرمة فضل القدر كيلًا لازم معها أبدًا، وحكم علتهم يزول إذا جاءت المساواة كيلًا فإنه حلال مع تيقننا بتفاوت الأجزاء بينهما ذاتًا، والله أعلم.
وأما النوع الثالث: فبكثرة الأصول لما مرَّ أن الوصف هو الحجة بأثره في الحكم لا الأصل فيكون في كثرة الأصول زيادة لزوم الحكم معه من وجه آخر غير ما مرّ، كزيادة صحة الخبر بزيادة الرواة حتى يصير مشتهرًا ومتواترًا، وقلما يوجد نوع ترجيح من هذه الأنواع إلا ويتبعه الآخران.
وأما الرابع: فأخف الوجوه ترجيحًا، وهو العدم لما مرّ أن العدم لا يوجب عدمًا ولكن لما عدم الحكم بعدمه بعدما صار علة بدليله أوجب زيادة علم بتعلق الحكم به يفوت ذلك إذا نفي الحكم مع عدمه من حيث الظاهر.
ومثال ذلك: إنا نقول في من اشترى طعامًا بعينه بطعام أن القبض ليس بشرط في المجلس لأنه مثمن عين فأشبه الثياب.
وقالوا: القبض شرط لأنه من أموال ربا الفضل مع الجنس فأشبه الذهب والفضة.
стр. 340
قلنا لهم: إن علتنا أولى لأن الحكم ينعدم بعدمها، وهو صرف الدراهم بالدراهم أو إسلام الدراهم في الحنطة لما كانا دينًا بدين أو ثمنًا بثمن شرط القبض في المجلس كي لا يكون كيلًا يكون كاليًا بكالي، لأن الأثمان لا تتعين بحال بيعًا.
وعلتهم لا توجب العدم لعدمها فإن القبض شرط في المجلس في باب السلم، وإن لم يشتمل على أموال الربا.
وكذلك إذا قلنا: إن الرجل إذا ملك أخاه عتق عليه لأن بينهما قرابة محرمة للنكاح فأشبه الأب والابن كان أولى من قولهم: لا يعتق لأنه يحل له وضع الزكاة فيه فأشبه ابن العم، لأن علتنا تنعدم لانعدامها في ابن العم وعلتهم لا توجب العدم فإن الكافر يحرم وضع الزكاة فيه، ولا يعتق على المسلم إذا ملكه.
وأما الترجيحات الفاسدة فما عدا هذه الأقسام.
منها ترجيح القياس بالقياس لما ذكرنا فيما مضى، وقد أجمع المسلمون في ابني عم أحدهما زوج ورثا امرأة أن الزوجية لا توجب ترجيحًا للعمومية لأنها علة بانفرادها، ولو كانا أخوين لأب أحدهما أخ لأم يرجح بالأم الأخوة لأب لأن هذه الوصلة رجعت إلى الأولى فصارت وصفًا له، فصار كعلة ثبتت بأصلين، وخير ثبت برواة كثيرة، وقال عامة الصحابة رضوان الله عليهم في ابني عم أحدهما أخ لأم: أن ابن العم الذي ليس بأخ يرث.
وقال بعضهم: لا يرث لأن الكل قرابة، إلا أنا نقول: الأخوة غير العمومة فلا يصيران علة واحدة بل كان كل واحدة علة منفردة فأشبه ابني عم أحدهما: زوج.
ومن الترجيح الفاسد: غلبة الأشباه، كقولهم: إن الأشباه بين الأخ وابن العم أكثر من حيث جريان القصاص في الطرفين وحرمان الإرث بالأولى وحلّ وضع الزكاة وقبول الشهادة لصاحبه، ولا شبه بينه وبين الأب إلا المحرمية بالرحم، وذلك لأن هذه الأشباه أوصاف أو أحكام تجعل عللًا، وكثرة العلل لا توجب ترجيحًا ككثرة الأخبار، وكثرة الآيات فلا فرق بين أوصاف تستنبط من أصل، أو من أصول ولو كانت من أصول شتى لم توجب ترجيحًا فكذا هذا بل أولى لما ذكرنا أن زيادة الأصول ترجيح للوصف الواحد.
ومن الترجيح الفاسد قول بعضهم: إن علتي أعم لأن العلل خلف النصوص، والنقض لا يترجح بعمومه فكذا العلة بل الخاص من النص أولى عند الخصم فيجعل العلة الخاصة أولى.
ومن الترجيح الفاسد: أن تكون إحدى العلتين بوصف، والأخرى بوصفين فيقال: إن التعليل بوصف أولى لأنها خلف النص، والنصان إذا تقابلا لم يترجح أحدهما بكونه أوجز عبارة.
فهذه وجوه أربعة متداولة بين أهل النظر.
стр. 341
باب
القول فى المناقضة
قد ذكرنا أن المناقضة لا ترد على العلل المؤثرة لأن تأثيرها لا يثبت إلا بدليل مجمع عليه، ومثل هذا الدليل لا ينقض، وإنما تجيء المناقضة على الطرد لأنهم جعلوه حجة باطراده، وربما لا يطرد، فإنه دليل ما ثبت إلا بحسن الظن أو غالب الرأي، وهما لا يوجبان علمًا لا يحتمل الغلط، إلا أنا أثبتنا بالباب لنبين لك بالأمثلة أن المؤثرة لا يرد عليها نقض، ولكن يرد عليها الخصوص على سبيل أن الذي جاء ناقضًا ظاهرًا غير داخل تحت ما جعله المعلل علة معنى.
وبيان ذلك بطرق أربعة.
من حيث اعتبار معنى الوصف الذي هو ركن العلة.
ثم اعتبار معنى دلالة التأثير الذي به صار الوصف حجة يجب العمل بها.
ثم باعتبار الحكم الذي وقع التعليل لإثباته.
ثم بالغرض الذي قصد المعلل التعليل لأجله وأثبت الحكم بقدره.
أما الوصف فنحو قولنا: إن وظيفة الرأس مسح فلا يثلث كوظيفة الخف.
فلا يلزم الاستنجاء بالحجارة لأن تلك الوظيفة ليست بمسح بل هي إزالة للنجاسة الحقيقية، ألا ترى أن الإزالة بالماء أفضل لأنها أتمّ، ولو كانت الوظيفة مسحًا لكره التبديل بالغسل كما في وظيفة الرأس.
وكذلك إن الدم السائل عن الجرح حدث لأنه نجس خارج فأشبه البول، ولا يلزمنا الدم إذا لم يسل عن رأس الجرح لأنه ظاهر وليس بخارج، لأن الخروج بالانتقال عن مكان باطن إلى مكان ظاهر، وتحت كل جلد ورطوبة وفي كل عرق دم، فالذي هو على رأس الجرح ظهر بزوال الجلدة التي كانت سترة له، ولم ينتقل عن مكانه إلى مكان ظاهر من بدنه خلقة فهو كرجل في البيت ظهر بفتح الباب أو بنقض البناء، والآخر ظهر بالخروج عن الباب لم يكن الظاهر في محله الباطن في أصله بزوال البناء، أو الستر خارجًا دلّ عليه أنه لا يجب غسله في نفسه إذا لم يسبل، وهذا حكم النجاسة الباطنة لا الخارجة.
وأما التأثير: فلأنا نقول: إن صفة المسح إنما صار علة لمنع التثليث، لأنه قد ظهر أثره في نفسه من حيث التخفيف في مقابلة الغسل فعلًا وذاتًا، وكذلك قدرًا من حيث
стр. 342
التأدي ببعض المحل، وهذا المعنى معدوم في الاستنجاء، لأن أصل المأمور هو مسح موضع النجاسة ولا يتأدى ببعض محل النجاسة فكان نظير الغسل في محله سنة من مضمضة، أو فريضة من غسل وجه.
وكذلك النجاسة الخارجة إنما كانت حدثًا لأنها أوجبت تطهيرًا في نفسها، فإنه يجب غسلها إذا سالت عن رأس الجرح كما أوجب خروج البول، فلما ساوته في إيجاب الحقيقة ساوته في إيجاب الحكمية بل أولى لأنها دون الطهارة الحقيقية، وأخف منها من حيث أنها طهارة.
ولا يلزم التي لم تسل لأنها لم تصر كالبول في إيجاب الطهارة في محلها فكذا في غير محلها فتبين بدلالة التأثير أنها لم تدخل تحت التعليل بل تزيد قوة في انعدام الحكم إذا انعدم دلالة التأثير، وإن بقي الوصف.
وأما الحكم: فنحو قولنا، فيمن نذر صوم يوم النحر: إنه صحيح لأنه يوم فلا يفسد النذر بالإضافة إليه كسائر الأيام، ولا يلزم إذا نذرت المرأة صوم يوم حيضها لأن الفساد بالإضافة إلى الحيض فالحيض صفة لها لا لليوم.
وقولنا: إن الغصب سبب ملك بدل أصل المال فيكون سببا لملك الأصل قياسا على البيع، ولا يلزم غصب المدبر لأنا عللنا لنجعل الغصب سبب ملك ولم نعلل لبيان المحل الذي يعمل فيه، وفي المدبر الغصب سبب ملك، إلا أن التدبير منع عمله كما لو باعه.
وكذلك الكتابة عقد يحتمل الفسخ فلا يوجب ما يمنع التكفير به كالبيع والإجارة، ولا يلزم إذا أدى بعض بدل الكتابة لأن المانع أخذ بعض العوض عن العتق لا الكتابة، وهو معنى قول أهل النظر: إن المعلل للجملة لا يناقض بالإفراد.
وأما الغرض: فنحو قولنا: إن التأمين يخافت به لأنه ذكر، ولا يلزم التكبيرات من الإمام لأن غرضنا أن نجعل كونه ذكرًا علة لشرع المخافتة، وأنه كذلك في التكبيرات فإن أصل الشروع فيها المخافتة بها وإنما وجب الجهر بعلة أخرى، وهي إنما شرعت إعلاما، والعلة مع كونها علة قد تجب ضد حكمها بمعارضة علة أخرى أولى منها.
كذلك نقول: إن الدم السائل حدث لأنه نجس خارج فأشبه البول ولا يلزم دم الاستحاضة لأن غرضنا أن نسوي بين الخارجين في كونهما حدثًا ناقضًا للطهارة وقد استويا لأن السيلان متى دام منها لم يكن حدثًا ناقضًا إلا بخروج الوقت.
ولأن الغرض أن نجعله علة ناقضة للطهارة وهو علة في الاستحاضة بعد الوقت.
ولكن امتنع النقض للحالة لعلة أخرى مانعة وهي أنها مخاطبة بالأداء فيجب أن تكون قادرة، ولا قدرة إلا بسقوط حكم الحدث فسقط ومنع العلة أن تعمل عملها لدفع ضرورة العجز عن الإمكان، فلا يخرج عن كونه علة بتأخر العمل إلى حين كالبيع بشرط
стр. 343
الخيار ثلاثة أيام، وأهل النظر لقبوا هذا الدفع بأنه لا يفارق حكم أصله ونحن لقبنا بالغرض لأن الغرض أوجب القصر على تلك الجملة وبين أن العموم لم يدخل تحت التعليل.
وجملة الحد في الخروج عن المناقضات أن المعلل متى أمكنه الجمع بين حكم علته، وهذا الذي جاء مناقضا لم يكن نقضا، ومتى لم يمكنه كان نقضا كما في تناقض الدعاوي وهذا لأن الجمع بين النقيضين لا يتصور.
وبهذه الوجوه من البيان يمكنه الجمع بينهما من غير رجوع عن الأول أو ترك.
وبهذه الوجه يتبين الفقه: فإنه اسم لضرب معنى ينال بالتأمل والاستنباط.
وفسرت الحكمة في القرآن بالفقه، لأن الحكمة هي المعنى الباطن في المصنوع لأجله كان الصنع، فكذلك المعنى الباطن في النص الذي شرع لأجله الحكم هو العلة.
والحكمة والفقه هو الوقوف عليها، فالدافع على طرف الفقه هو أن يكون بوجه لا ينال إلا بضرب تأمل، فأما الدفع بألفاظ ظاهرة فمما يقع بها الاحتراز عن النقوض بالسماع، فلا يكون فقها.
إلا أن أهل الطرد لما كلت أفهامهم عن الفقه، وطمعوا في اكتساب اسم الفقه أبدلوا المقاييس المعنوية بمقاييس لفظية تشهيا ولم يدروا أنهم لما اعتمدوا الألفاظ، فالأولى بهم أن يقولوا بظاهر النصوص ويكونوا مع أصحاب الظواهر مع ما أطلقوا على أهل التوحيد والسنة أهل الإلحاد ببنائهم أحكام الشرع على ألفاظ ودعاويهم، وبالله نعوذ من الخذلان والكسل والعجب، ونسأله التوفيق للإصابة والجد.
وقد زاد مشايخنا من أصحاب الطرد في هذه العلل المؤثرة فعللوا لمسح الرأس بأنه مسح بالماء فأشبه مسح الخف احترازا عن الاستنجاء بلفظ ظاهر.
وعللوا للدم السائل بأنه نجس خارج إلى موضع يلحقه حكم التطهر في نفسه احترازا عن غير السائل بنص ظاهر.
وعللوا لإيجاب الملك في المغصوب بالغصب عند أداء الضمان أنه سبب أوجب ملك البدل عما يحتمل التمليك والتملك فيوجب ملك الأصل احترازا عن المدبر، وأنه سمع سماعًا ولغوًا ذكرًا لوقوع الغنية عنه بما دونه، والله أعلم.
стр. 344
باب
القول في صحيح الاعتراضات على العلل الطردية التي لا يضلل القائل بها ويجوز العمل بها بالإجماع
مما مر بيانه في التعليل بوصف ملائم القول بموجب العلة، ثم الممانعة، ثم بيان فساد الوضع، ثم المناقضة، فهذه وجوه أربعة تلجأ أصحاب الطرد إلى القول بالتأثير ضرورة.
وسنذكر كل قسم في باب على حدة ليكون أبين للمقصود، فقد أولع أهل زماننا لكسلهم في الدين بطريقة الطرد، وصار القول به عادة راسخة، وطبيعة خاصة وانتزاع الناس عن العادة أمر صعب وخطر هائل، ما قدر النبي ﷺ على ذلك عموما بقوة الحجة، حتى انضم إليها قوة السيف، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 345
باب
في القول بموجب العلة
أما تفسير القول بموجب العلة: فهو التزام ما أوجبته العلة، وأنه سبب عجب لإلجاء أهل الطرد إلى القول بالتأثير، وذلك في قولهم: إن المسح بالرأس ركن في الضوء فيسن تثليثه كالغسل. فنقول: عندنا يسن تثليثه لأن قدر الفرص يتأدى بالإجماع ببعض الرأس، ويسن الاستيعاب بالإجماع، وفيه تثليث قدر المفروض من المسح لأن الباقي بعد الفرض من فعل المسح يكون مثلي قدر الفرض وزيادة فيكون تثليثا للفعل، ولكن في أمكنة فالغسل تثليث في مكان واحد، ألا ترى أنك تقول: دخلت ثلاث دخلات في ثلاث دور، ودخلت ثلاثا في دار واحدة فإن غير موجب العلة، وقال: وجب أن يسن تكراره.
قلنا: ولا نسلم هذا الحكم في الأصل، فإن تكرار الغسل غير مسنون في أصله، بل المسنون إطالته في محله ليكون إكمالا له كإطالة القراءة والركوع، إلا أن الفرض منه لما استوعب المحل لم يمكن الإطالة في المحل إلا بالتكرار، ويمكن في المسح الإطالة من غير تكرار فلم يجب التكرار.
أو نقول: إن الغسل لما كان ركنا وجب إكماله سنة، والغسل موضوع للتنقية، وإكمال التنقية في تكراره ليزداد المحل به طهارة، وأما المسح بالماء فلا يفعل في أصله لتنقية المحل، بل المتعلق به طهر حكمي تعلق بعينه فكان تكميل عينه في تطويله كالقراءة والركوع في الصلاة فيضطر إلى النظر في أثر الركنية، إذا قوبلت بالرخصة من مسح الخف في الفرق بينهما في إكمال قدر المفروض بالسنة فلا يجد أثرا، لأن قدر المفروض من الغسل شرع إكماله بمثليه في محله، ومسح الخف يساويه فيه، وإن لم يكن ركنا بل شرع رخصة فإن قدر المفروض منه مثل قدر المفروض من الرأس، وقد شرع إكماله باستيعاب ظاهر الخف بمثلي قدر المفروض في محله أو بأكثر.
ثم ننظر إلى المضمضة التي شرعت سنة فنجدها ثلاثا وأصل المشروع سنة بالمرة وكمالها بالثلاث، فيعرف أن وظائف الوضوء أركانها وسننها ورخصها سواء في إكمال قدر أصل المشروع لا عبرة للركنية فيها فيستوي مسحها وغسلها وركنها وما شرع رخصة.
وكذلك ننظر إلى سائر المشروعات من أركان الصلاة وغيرها فنجد الإكمال مسنونا، والإكمال أبدا يكون بزيادة من
стр. 346
جنس الأصل لا بالتكرار وقد تصور الإكمال بالزيادة من جنس الأصل بغير تكرار في باب الممسوحات فلم يجب التكرار بعينه، ولم يمكن في باب المغسولات الإكمال بزيادة من جنس الأصل فوجب التكرار ضرورة.
وكذلك إذا قالوا: إن الصوم نفلا قربة لا يمضي في فسادها فلا يجب القضاء بإفسادها قياسا على الوضوء.
قلنا لهم: لا يجب القضاء بإفسادها وإنما يجب الشروع.
فإن قال: ولا يجب بالشروع، ولا الإفساد قياسا على الوضوء!
قلنا: ولا يجب بالشروع المضاف إلى عبادة لا يمضي في فسادها، لكن بالشروع في عبادة تلتزم بالنذر، ولابد من اعتبار إضافة الحكم إلى ما ذكر من الوصف لأن الأوصاف تذكر عللا، وبما ذكر من الوصف لا تصير العبادة محلا لا يلتزم بالشروع فيها، بل وصف آخر فلابد من رجوعه إلى نصب العلة لبيان أن الشروع ليس بسبب للالتزام الذي فيه النزاع.
وكذلك قولهم، في إسلام المروي بالمروي: أنه جائز، لأنه أسلم مذروعا في مذروع فيجوز كالهروي في المروي.
فنقول: من حيث أنه مذروع في مذروع يجوز العقد، وتعلق الجواز بهذا الوصف لا ينفي تعلق الفساد بأمر آخر، ألا ترى أنه لو شرط شرطا فاسدا، ولم يقبض رأس المال في المجلس كان فاسدا فكذا عندنا بصفة الجنس لأنه علة مفسدة كالشرط الفاسد، فيلزمه الرجوع إلى بيان أن الجنس ليست بعلة محرمة الذي فيه الخلاف.
وكذلك قولهم: إن المطلقة طلاقا رجعيا حرام لأنها مطلقة، فأشبهه المطلقة بمال.
فنقول: من حيث أنها مطلقة محرمة، ولكن من حيث أنها منكوحة محللة كما لو أبانها ثم تزوجها، وكان قيام النكاح مع الطلاق المحرم محللا فيضطر إلى الرجوع إلى بيان خلل في النكاح أوجب التحريم الذي هو حرف المسألة.
وكذلك قولهم في المبتوتة: لا يلحقها الطلاق في العدة لأنها منقطعة النكاح.
لأنا نقول: إن الطلاق لا يلحقها من حيث انقطاع النكاح، ولكن من حيث العدة عن النكاح التي هي أثره.
وكذلك إذا قالوا: لا يجوز تحرير الكافرة عن كفارة اليمين لأنه تحرير في تكفير فأشبه كفارة القتل.
قلنا: وعندنا لا يجوز لأنه تحرير في تكفير، ولكن من حيث أنه ائتمر بالأمر كما يجوز إذا كسا مساكين، ولا يجوز في كفارة القتل فيضطر إلى الرجوع إلى بيان أن المطلق يحمل على المقيد أم لا؟
стр. 347
وكذلك إذا قالوا: إن السرقة توجب الضمان لأنه أخذ لمال الغير بلا تدين كالغصب.
لأنا نقول: إنها موجبة للضمان إلا أن القطع ينفيه كما ينفيه الإبراء فيضطر إلى بيان أن القطع لا ينفي الضمان الذي هو حرف المسألة، وقد يجيء هذا الاعتراض على أكثر العلل الطردية لمقايستهم بأوصاف صالحة محتملة أن لا تكون عللا، وإنما قدمنا هذا لأن المنازعة إنما تجب إذا لم يمكن الموافقة، والله أعلم.
стр. 348
باب
القول في الممانعات
الممانعات على هذا الطريق أربعة:
ممانعة في نفس الوصف.
والأخرى: في صلاحه للحكم.
والثالثة: في الحكم.
والرابعة: بالحكم مضافا إلى الوصف لأنهم يشترطون الصلاح، وتعلق الحكم بالعلة وجوبا.
أما الوصف: فنحو قولهم في كفارة الإفطار: أنها عقوبة متعلقة بالجماع فلا يشاركه غير الجماع كالحد.
لأنا نقول: أنها غير متعلقة بالجماع بل متعلقة بالإفطار، لكن إذا كمل تعديا.
وكقولهم، لمسح الرأس: أنه طهارة مسح فيثلث كالاستنجاء.
لأنا نقول: في الأصل هي طهارة عن النجاسة الحقيقية لا طهارة مسح فيضطر إلى بيان أن الكفارة غير متعلقة بالإفطار الذي هو حرف المسألة فإنها تجب بالفطر عندنا، والفطر سواء بالأكل والشرب والجماع، ويضطر في الأخرى إلى الرجوع عن صفة المسح الدال على التخفيف إلى صفة أخرى يرده بها إلى الغسل الذي هو حرف المسألة في التسوية بين المسح والغسل فيما هو سنة أو التفرقة بينهما فيما يوجب خفة في المسح.
وكقولهم: بيع تفاحة بتفاحة حرام لأنه باع مطعوما بجنسه مجازفة فأشبه بيع صبرة حنطة بصبرة حنطة.
لأنا نقول: ما تعنون بقولكم: مجازفة، أتريدون مجازفة ذات أم وصف؟ فلابد من القول بمجازفة الذات.
ثم نقول: أتعنون بمجازفة ذات من حيث صورته التي بها عرفت تفاحة؟ أم من حيث المعيار الذي وضع لبيان القدر منه؟
فلابد من القول بمجازفة من حيث المعيار، فإن بيع الحنطة بالحنطة كيلا بكيل حلال، وإن كان ذات أحدهما من حيث الصورة عددا أكثر، ولأن الجوار يتعلق بالمساواة كيلا، وبها يقع الخلص عن فضل كان ربا ولا يزول بالمساواة كيلا إلا فضل من حيث
стр. 349
الكيل، فثبت أن الحرمة متعلقة بالمجازفة كيلا لا بمجازفة مطلقة.
وإذا فسروا بالمجازفة كيلا لم يجدوها في التفاحة لأن المجازفة كيلا فيما لا كيل له محال، فيضطرون إلى الرجوع إلى قولهم: إن الطعم علة تحريم البيع في الجنس إلا بزيادة شرط وهو المساواة كيلا وهو حرف المسألة فإن الحرمة عندنا متعلقة بالفضل كيلا، وقد حرم الفضل كيلا بصفة الكيل والجنس على ما بينا في موضعه.
ومن ذلك قولهم، للثيب الصغيرة: أنها ثيب يرجى مشورتها فلا تزوج كرها قياسا على البالغة.
لأنا نقول: يرجى مشاورتها برأي قائم، أو برأي مستحدث، أم بأيهما كان.
إن قلت: بأيهما كان فبطل بالمجنونة فإن حدوث رأيها غير مأيوس عنه.
وإن قال برأي قائم لم نجده في الفرع، وتبين حرف المسألة، وهو أن القاطع لولاية الغير رأي قائم لا رأي سيحدث، فإن ما سيحدث من علة أو مانع لا يوجب حكما قبل الحدوث، والرأي هو القاطع فلم يجز أن يتعجل القطع على الرأي ولأن رأيا سيحدث لو قطع الولاية لما ثبتت الولاية على صبي ولا صبية، ولما لم يلتفت للحال إلى طلبها ورضاها وردها علم أن الرأي ساقط العبرة شرعا دون رأي الولي فلم يجز أن يبطل به حكم رأي الولي، ورأيها ساقط العبرة دون رأيه، وعلى هذا الوجه يتبين عوار من دخل في الأمر على حسن الظن بلا رؤية تميز له الصواب من الخطأ.
وأما الحكم: فنحو قولهم: إن المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه قياسا على الغسل، لأنا لا نسلم أن سنة الغسل في التثليث بل في الإكمال كما يكمل القراءة والقيام، والإكمال صفة الأصل فلا تثبت إلا بما هو جنس الأصل، والأصل لم يتصور إلا في محل مخصوص، فكذلك الإكمال كإكمال القراءة لا يكون إلا بالقرآن الذي يتأدى به أصل الفرض في القيام.
ولما استوعب الفرض كل محل لم يمكن إكمال فعل الغسل في ذلك المحل إلا بالتكرار، فكان التكرار لضرورة ضيق المحل لا لكونه ركنا، وقد أمكن الإكمال في المسح بغير تكرار فلم يجب فيضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة، فإنا أسقطنا التثليث لأن المرة المستوعبة من المسح كالغسل بالتثليث.
ولا يلزم على ما قلنا إكمال مسح الرأس بمسح الأذنين، ولا يتأدى الفرض بهما لأن الأذنين صارا من الرأس بالسنة إكمالا للرأس الذي هو محل ثم المسح شرع في المحل لأن المسح بهما شرع إكمالا بنفسه لمسح الرأس.
وكقولهم: إن صوم رمضان صوم فرض، فوجب أن يشترط لصحته نية تعيين الفرض قياسا على القضاء.
стр. 350
لأنا نقول: أيشترط تعيين النية قبل تعينه، أم بعد تعينه أم مطلقا في الحالين جميعا؟ فلابد من أن يقول: قبل تعينه فلا يجد في صوم رمضان لأنه متعين، ويضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة فإنا أسقطنا نية التعيين لتعينه.
وكقولهم في بيع تفاحة بتفاحة: أنه باع مطعوما بجنسه مجازفة فوجب أن يرحم قياسا على الصبرة بالصبرة.
لأنا نقول: أتعنون حرمة مطلقة أم حرمة تزول في هذا المحل بالمساواة كيلا؟ فإن قالوا: حرمة مطلقة، لم نسلم لهم لأن الحرمة في الأصل تزول بالمساواة كيلا، وإن قالوا: حرمة تزول بالمساواة لم يجدوا في الفرع إذ ما للتفاحة بالتفاحة حال مساواة يجوز البيع معها عند الخصم، فتبين به حرف المسألة فإن الحكم عندنا حرمة نزول بالمساواة، لا حرمة مطلقة فلا يثبت إلا في محل قابل لمفاضلة محرمة، ومساواة مبيحة في نفسه.
وكقولهم للثيب الصغيرة: إنها ثيب يرجى مشورتها فلا تزوج كرها.
لأنا نقول: ما تعنون بقولكم: كرها فلابد أن تقولوا بدون رأيها إذ ليس ههنا إكراه تخويف، فنقول: بدون رأيها، ولها رأي معتبر شرعا أو غير معتبر، فلابد من قولهم معتبر لأن ما لا يعتبر شرعا لغو اعتباره، ومتى قالوا: معتبر لم يجدوه في الفرع وتبين به حرف المسألة.
وكذلك إذا قالوا: إن الحيوان يثبت دينا في الذمة مهرا فيثبت سلما قياسا على المكيل.
قلنا: أيثبت دينا مهرا معلوما بالوصف أم بالقيمة؟
فإن قالوا: بالوصف، لم نسلم لهم بالمهر.
وإن قالوا: بالقيمة، لم يجدوه في الفرع.
وإن قالوا: بنا غنية عن هذا التفسير.
قلنا لهم: لا غنية لكم لأنكم جعلتم أحد الدينين نظيرا للآخر، وإنما يكونا نظيرين إذا كان طريق ثبوتهما واحدا، وإنهما مختلفان عندنا فالسلم لا يثبت إلا معلوما بوصفه، والحيوان لا يصير معلوم المالية بالوصف، وأما المهر فيثبت بالتسمية مطلقا، وكينونته معلوم المالية بالوصف ليس بشرط لدليل، قام لنا فيه فيظهر حرف المسألة.
وكذلك إذا قالوا: إن الطعام بالطعام جمعهما علة ربا الفضل فيشترط القبض في المجلس كالثمن بالثمن.
قلنا لهم: إن القبض عينه ليس بشرط فيما هو ثمن، إنما الشرط هو التعيين حتى لا يكون دينا بدين لأن الأثمان لا تتعين، وإن عنيت إلا بالقبض، والطعام مما يتعين فيظهر به
стр. 351
حرف المسألة، وهو أن القبض في الصرف أمشروط لدفع الدينية أو لزيادة صيانة؟
وكذلك إذا قالوا: إذا اشترى إياه ناويا عن الكفارة لا تجوز لأن العتيق أب فأشبه الإرث.
لأنا نقول: ما حكم علتكم؟
فإن قلتم: وجب أن لا يجوز عتقه نسلم لكم.
وإن قلتم: وجب أن لا يجوز إعتاقه فغير موجود في الإرث، فيظهر به حرف المسألة وهو أن الشراء إعتاق أم لا.
وكذلك إذا قالوا: إن التفكير بإطعام الإباحة لا يجوز لأنه ضرب تكفير يقبل التمليك فلا يجوز بدونه قياسا على الكسوة.
لأنا نقول: فلا يجوز بدون التمليك مع الائتمار بما أمر أو قبل الائتمار به.
فإن قال: أنا مستغن عنه لم ينفعه لأن سقوط الفرائض كلها متعلق بالائتمار بما أمر فلابد أن يقول بدون الائتمار فلا نسلم له، لأنه إذا أطعم طعام الإباحة فقد ائتمر بالأمر فيرجع إلى حرف المسألة، وهو أن تفسير الإطعام هو التغذية والتعشية أم التمليك.
وأما الحكم مضافا إلى الوصف فما مر من القول بموجب العلة، فإن الأحكام في العل الطردية مما لم تقم الدلالة على وجوبها بتلك الأوصاف وإن وجدت معها، وجملة العلل التي ركبت من نفي تبطل بهذا الاعتراض كقولهم لا يعتق الأخ على الأخ لأنه لا بعضية بينهما كابن العم فإنا نقول: عدم عتاق ابن العم ليس لعدم البعضية، فإن العدم لا يوجب حكما على ما مر بيانه.
وكذلك قولهم: الوكالة لا تثبت بشهادة النساء مع الرجال لأنها ليست بمال كالحد، لأنا لا نرد شهادة النساء في الحد لعدم المالية.
وكذلك قولهم: لا إحصار بالمرض لأنه لا يفارق الحال بالإحلال، والمبتوتة لا يلحقها الطلاق لأنها ليست بمنكوحة، والله أعلم.
стр. 352
باب
القول في بيان فساد الوضع
وإنه من باب الشهادة يجري مجرى فساد الأداء، وإنه فوق النقص لأنه إنما يشتغل بإطراده بعد صحته علة، كالشهادة إنما تشتغل بتعديل الشاهد بعد صحة الأداء، وإنه أقوى من النقض لأن الوضع متى فسد لم يبق إلا الانتقال، والنقض خجل مجلس يمكن الاحتراز عنه بمجلس آخر.
وبيان ذلك أن الشافعي ﵀ متى علل لوجوب الفرقة بعد إسلام أحد الزوجين بأنها فرقة وجبت لاختلاف الدينين فأشبهت الفرقة بالردة، كان فاسد الوضع.
لأن الاختلاف إنما يثبت فيما نحن فيه بإسلام المسلم منهما فقد كان الاتفاق ثابتا قبله، وإنما حدث الاختلاف بالحادث من الدين وهو الإسلام، والإسلام في الشرع جعل عاصما للأملاك لا مبطلا فكان الوصف ثابتا.
وكذلك متى علل لمسح الرأس بأنه ركن في الوضوء فيثلث كالغسل، كان فاسد الوضع لأن الشرع بنى المسح على التخفيف في مقابلة الغسل، وهو سعي ليزيد غلظا على الغسل، فإنه أوجب تثليث المسح بعد إكمال الفرض بما فوق قدر الجواز.
وكذلك قولهم: الصرورة إذا حج نفلا كان عن الفرض، لأن نية مطلق الحج تقع عن الفرض، فكذلك نية النفل كما لو تصدق بالنصاب ينوي الصدقة مطلقا، أو ينوي النفل لأنه قصد أن يحمل المفسر على المجمل والمقيد على المطلق وإنه فاسد وضعا، لأن المجمل مما يحمل على المفسر، وكذلك المطلق يحمل على المقيد على أصل الشافعي ﵀.
وكذلك عندنا إذا كان حكما واحدا كما في كفارة اليمين حملنا مطلق الكتاب بثلاثة أيام على مقيده بقراءة عب الله بن مسعود ﵁ "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" ألا ترى أن مطلق تسمية الدراهم ينصرف إلى نقد البلد، ومفسره بنقد آخر لا ينصرف إليه؟
وعلل خبر ربا الفضل بالطعم، قال: لأن الطعم يتعلق به القوام فكان له زيادة حرمة على غيره، فعلق جواز البيع فيه بشرط زائد وهو المساواة إظهارا لحرمته، وإنه فاسد وضعا لأن المال خلق بذلة لحاجتنا إليه، وأشد الحاجات حاجة البقاء فزيد هذا المعنى في ابتذاله وتوسع أمر كسبه لا أن يزيد تضيقا، حتى حل أكل طعام الغنيمة قبل أن تخمس بخلاف سائر الأموال.
стр. 353
وعلل لحرمة نكاح الأمة بالطول بأن الحر يستغني بطول الحرة عن تعريض جزء منه للرق، فلا تحل له الأمة كما إذا كان تحته حرة، وهذا فاسد وضعا لأنه يثبت حجرا عن النكاح بسبب الحرية، والشرع جعل الحرية مؤثرة في الإطلاق فإن الحر تحل له أربع وللعبد ثنتان.
وكذلك قولهم: إن الجنون إذا تم وقت الصلاة في بعض اليوم، أو يوم من الشهر أسقط الفرض، قياسا على الجنون المطبق، وهذا فاسد وضعا لأنه ليس تحت الجنون إلا العجز عن تفهم الخطاب والائتمار به.
فأما المجنون في نفسه فأهل للعبادات فإنه لو كان صائما فجن يبقى صائما ومؤديا ومؤمنا، كذلك فإن الإيمان رأس العبادات، ويبقى في عباداته كالنائم والمغمى عليه مستحقا بحكم حاله كما يستحق أملاكه.
ثم النوم أثره في تأخير لزوم الفعل حتى لا يأثم دون أصل الإيجاب، فكذا الجنون فجعل ما يسقط الخطاب بالفعل علة لإسقاط أصل الإيجاب حكم بخلاف النص والإجماع فيكون فاسدا.
ولأن الائتمار لا يتصور إلا عن اختيار وتمييز فسقط بفوت شرطه.
وأصل الإيجاب في الذمة يكون جبرا وإلزاما من الله تعالى فيكون شرطه الذمة لا غير.
فأما إذا طال الجنون فالسقوط بحكم الضرورة والوقوع في الحرج، إذ لو ألزمناه تضاعفت عبادات تلك المدة، وهذا معنى مسقط للإيجاب أصلا لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ ولقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ ألا ترى أن الصلاة تسقط بالحيض لدفع الحرج من حيث أن الحيض يصيبها كل شهر عادة، والصلاة تجب كل يوم فلو ألزمناها قضاء أيام الحيض لتضاعف الوجوب عليها ولحرجت فيها، فسقط الإيجاب به لا لمنافاة الحيض للإيجاب، ألا ترى أن قضاء الصيام يلزمها لأنه لا حرج في إيجاب قضاء الصيام.
وكذلك خطاب تتابع صيام كفارة القتل يسقط بالحيض، لأنها تقع في الحرج لو ألزمناها التتابع لأنها قلما تجد شهرين لا تحيض فيهما في العادات الغالبة، ولا يسقط في صيام كفارة اليمين أو نذر بصوم عشرة أيام متتابعة لأنها تجد هذا القدر عادة بلا حيض فلا تحرج، فكان إضافة سقوط الإيجاب إلى الحرج أمرا مجمعا عليه، والإضافة إلى العجز عن الفعل أمر بخلاف الإجماع وقياس الأصول فكان فاسدا.
وكيف يسقط إيجاب العبادة والأداء منه صحيح، والأداء قبل الإيجاب لا يصح.
ولا يقال إن الصائم إذا جن بطل صومه لأن الجنون آفة سماوية تعجزه عن إقامة فعل المميزين وبقاؤه صائما ليس من فعل المميزين فلا يبطل صومه، ولا يخرجه عن جملة المؤمنين بحكم حاله، ألا ترى أنه يرث بحكم اتفاق دين الإسلام؟
стр. 354
وكذلك المحرم إذا جن لا يبطل إحرامه، فكان من قبل الإغماء والنوم وصحة أداء الصوم بعد صحة الشروع لا يبتنى إلا على ترك المفطرات، وما في الترك فعل فذهاب شرط صحة الفعل لا يمنع تأدية، وإنما يشترط كونه من أهل العبادة لا غير لأن ما يحصل يحصل له عبادة، فأحسن ما قالوا قولهم: إن الجنون يسقط الخطاب، وبهذا التفحص يتبين لك أن لا يسقط الإيجاب، وإن سقط الخطاب بالفعل عن المجنون.
ومن ذلك قولهم: إن الأثمان أموال تتعين في التبرعات، فكذلك في المعاوضات قياسا على الحنطة وسائر السلع، وهذا فاسد وضعا لأن التبرعات ما شرعت لإيجاب الأموال في الذمم بل للإيثار بعين ماله، والمعاوضات شرعت لإيجاب الأثمان في الأمم لأن مطلق المعاوضات المتعارف بين الناس عقدها بلا إشارة إلى الأثمان بل بتسمية مطلقة، وإنها توجب في الذمة، ولما كانت للإيجاب في الذمة كانت الذمة محل هذا الإيجاب فلم تصح الإضافة إلى العين كما لو أضاف هبة الألف إذا ذمته فإنه لا يصح.
وكما لو أضاف بيع المبيع إلى الذمة فإنه لا يصح إلا سلما رخصة بخلاف القياس لضرب من العذر لأن البيع شرع لإيجاب العين لغيره.
وإنما تصح الإشارة إلى عين الثمن على معنى بيان نوعه وقدره فأما استحقاقا فلا، فصار جعل التعيين في الهبة والعين محل الهبة علة لتعين الثمن في البيع، ومحل الثمن في البيع الذمة فاسدا وضعا.
وكذلك قولهم: إن البائع يثبت له خيار الفسخ بإفلاس المشتري لأن الثمن أحد عوضي البيع فالعجز عن قبضه يوجب خيار الفسخ، كالعجز عن قبض المثمن، نحو أن يأبق العبد أن يكون السلم رطبا فيذهب حينه هذا فاسد وضعا لأن القدرة على تسليم المبيع شرط لجواز البيع ابتداء.
والقدرة على تسليم الثمن ليس بشرط للجواز ابتداء، لأن البيع وضع لإيجاب الملك، واليد في العين للمشتري، ولإيجاب ملك الثمن ابتداء في الذمة على المشتري للبائع.
ولما كان البيع لإيجاب الملك واليد في العين للمشتري كان شرطه قيام الملك واليد للبائع ليعمل العقد عمله فلم يصح قبل أن يقدر ملكا ويدا.
ولما كان الشراء لإيجاب ثمن ابتداء في ذمة المشتري لا غير اشترط لصحته قيام ذمة قائمة لثمن يجب فيها بحيث يقبل القبض بمثلها، من غير شرط القدرة على التسليم بالمثل، لأنه لا قدرة إلا بملك ولم يشترط للجواز قيام ملك ولا يد في عين مثله.
ولما لم تكن قدرة التسليم شرطا للجواز ابتداء لم يوجب العجز عن التسليم خللا فصار فاسدا وضعا، لما فيه من اعتبار ما لم يجعل شرطا بما جعل شرطا.
стр. 355
هذه الجملة أحسن عللهم وأظهرها للقلوب صحة وأبينها فقلها، ليعرف بهذه الجملة أن أكثر عللهم لا يخلو عن فساد الوضع، وتبين بهذا أنه لابد من القول بالتأثير الذي كان عليه السلف بلا خلاف، والله أعلم.
следующие страницы →