← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 13782

تقويم الأدلة في أصول الفقه

أبو زيد الدبوسي

Полный текст (460 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقيل: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلا يجوز أن يفسد على الصبي عباراته بعد إصابته شرط الصحة إلا على سبيل النظر له وذلك في دفع ما يتعلق به من المضار عنه كما قاله الخصم وكما سبق القول في باب حقوق الله تعالى. وإذا ثبت هذا الأصل قلنا: لا ضرر عليه في صحة قبول الهبة والوصية والصدقة فتصح كما قاله الخصم في صحة وصيته بالصدقة. فأما قوله: إن كونه مولياً عليه ينافي ثبوت الولاية له فليس كذلك لما مر في باب بيان حقوق الله تعالى، ولا تصح هبته ولا صدقته لأنهما من المضار، وكذلك بعد الموت لما مر في ذل الباب، وكذلك لا يصح اختياره في باب الحضانة لأنه يتردد بين نفع وضر، ولربما يختار الذي يضره لعاقبة أمره بل يميل إليه لا محالة فإن الطبع ينفر عمن يؤدبه، ويحمله على التخلق بأداب الشرع والمروءة إلى من يدعه للهو وارتكاب الهوى فكانت عباراته في هذا الباب كعباراته في باب التجارات التي تتردد بين ضر ونفع فلا يجب العمل به. وقال علماؤنا: يصح إسلامه لأنه نفع محض فإن العصمة في الدارين لحق الإسلام وكرامات الآدمي كلها لحق الدين وتأهله لذلك، وإن لم يقبل ولا شك أن الخير فيه فوق ما في نقل العبادات. فإن قيل: وربما يبتنى عليه حرمان الإرث وفساد النكاح! قلنا: لا عبرة لزوائد هذه الأحكام التي ليست بأحكام أصل الدين بل تثبت بواسطة أخرى، وحالة تتفق لما مر أنه لا عبرة في هذا الباب للتغير بالحال ولأنك تفسد إسلامه وإن تعلق بها الإرث وصحة النكاح نحو إن كانت أسلمت امرأة الصبي الكافر، وعمه ولا وارث للعم غيره فإنه بالإسلام يعصم ملك نكاحه، ويرث عمه على أن حرمة النكاح والإرث حيث ثبتت ثبتت مضافة إلى كفر الكافر منهما على ما بينا في موضعه. وقالوا: تنعقد التصرفات كلها بعبارته، كما تنعقد بعبارة البالغ، وتنفذ إذا كان وكيلاً عن أهلها لأنه لا ضرر عليه في انعقاد التصرف بحق الوكالة لأن العهدة لا تلزمه ونفس فساد العبارة ضرر على ما مر فلا يثبت الحجر في حقها، وإذا ثبت أنها تصح في مال الغير بإذن الولي صحت كذلك في مال نفسه بإذن الولي من طريق الأولى لأنهما لا يفترقان إلا فيما يلزمه إذا كان في ماله. وهذا اللزوم جعل من المصالح إذا حضره رأي الولي بدلالة أن الولي لو فعله بنفسه

стр. 422

أو أمر غيره به صح وما أثبت له ذلك إلا مصلحة للمولى عليه نظراً له. وقد مر أن الفساد لا يجوز أن يثبت من طريق أنه مولى عليه بل لما جعل مولياً عليه لما له من النفع في تصرف الولي عليه بذلك، ولا ضرر في صحة عبارته في ماله مع ذلك عليه كان تمام النظر في أن تبقى صحته مع ثبوت الولاية للولي ليثبت له نفعها من طريقين فيثبت أن ما قلناه أولى الوجهين، والله أعلم. فإن قيل: لو شهد الصبي لم تقبل شهادته وكانت العبارة فاسدة وإن لم يلزمه بها حكم. قلنا: العبارة صحيحة ولكن مع ذلك لا تكون حجة على غيره كما لو شهد العبد أو شهد الكافر على مسلم، وهذا لأن الشهادة بمنزلة الولاية على غيره، وإنها تتعلق بكمال الحال في ولاية نفسه بعد صحة العبارة، والله أعلم.

стр. 423

باب القول في حين لزوم ما يتجدد بالشرع من الأحكام حكم هذا الشرع إنما يلزمنا بعد بلوغه إيانا لما مر أن الله تعالى لم يكلف نفساً إلا وسعها، ولا وسع على العمل إلا بعد العلم فسقط أصلاً ضرب ما يحتمل النسخ لقصور الخطاب دفعاً للحرج كما سقط بالصبا. وقد روي أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعدما حولت القبلة إلى الكعبة فأتاهم آت وهم في الصلاة فأخبرهم أن القبلة قد حولت فاستداروا كهيئتهم، ولم ينكر عليهم رسول ﷺ . وقد شرب جماعة الخمر بعد التحريم قبل العلم به فأنزل الله تعالى: ﴿ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ وهذا فل لا خلاف فيه. ثم البلوغ نوعان: حقيقة بسماع الخطاب، وحكماً بشيوعه في قومه، لأن النبي ﷺ أمر بتبليغ القرآن الناس كافة وما أمكنه التبليغ إلى كل نفس، وإنما بلغ أكابر كل قوم في جماعتهم، وكان مؤدياً بذلك حكم الأمر ليكون الأمر بقدر الوسع وعلى سبيل لا حرج فيه. ولأن الخطاب متى شاع أمكن كل إنسان العمل به متى لم يقصر في طلب الحجة من قومه فمتى لم يطلب حتى جهل كان ذلك بتقصير منه فلم يصر ذلك الجهل له عذراً، وصار كأنه علم ثم لم يعمل ألا ترى أن الواحد منا لو لم يتعلم الشرائع وجهلها لم يعذر، ولزمه كلها لشيوعها في دار الإسلام. وكذلك الذمي إذا أسلم ولم يعلم بالصلاة لزمته ولو أسلم الحربي في دار الحرب ولم يعلم بها لم يلزمه قضاء ما فات منها لأن الخطاب فيها غير شائع. وهذا لما قال علماؤنا-﵏-فيمن أذن لعبده في التجارة وشاع إذنه، ثم حجر عليه: لم يثبت الحجر في حق أهل السوق حتى يحجر عليه حجراً عاماً في أهل سوقه، وإذا أشاعه ثبت الحجر في حق من سمع ومن لم يسمع. ولهذا قالت الأئمة في الحربي تزوج أختين معاً، أو على التعاقب، ثم فارق إحديهما، ثم أسلم: بقي نكاح الباقية صحيحاً، وإن بقيت الأخيرة. لأن خطاب التحريم قاصر عنهم فبقوا على الحل الثابت قبل الخطاب.

стр. 424

وكذلك لو تزوج خمساً ثم فارق الأولى منهم ثم أسلم بقين على الصحة. ولو وقع فاسداً من الأصل لما انقلب صحيحاً بالإسلام بل كان يتأكد، وكذلك لو تزوج في عدة من كافر أو بغير شهود. وقال أبو حنيفة ﵁: لو تزوج الكافر محرماً ودخل بها لم يسقط إحصانه، وكان بمنزلة ما لو تزوج مجوسية. كذلك علل في الكتاب الجواب في أهل الذمة في مسائل الجمع والنكاح بغير شهود بلا خلاف، لأن أهل الذمة وإن كانوا في دار الإسلام فالخطاب قاصر عنهم لأن الخطاب إنما يصح بعد ثبوت الرسالة وهم ينكرون الرسالة فلا تصر حجة عليهم بحق الشرع بل بقدر ما عوهدوا عليه. ولأن الخطاب من الله تعالى أن أمر رسوله بدعوة الكفار إلى الإيمان بالله وبرسوله فإن أبوا فإلى الذمة فيمن جعل لهم الذمة، وإلى أن يتركهم وما يدينون به إلا ما استثني عليهم فإذا دعاهم إلى الذمة بشرطها فقد بلغهم الخطاب الشرع في حقهم فلا يلزمهم ما تبدل من أحكام الله تعالى بهذا الشرع إلا ما استثنى عليهم، لأن الخطاب الأصلي قصر عنهم إلى خطاب الذمة فيبقون فيها على ما كانوا عليه قبل شرعنا، وإن كانت فاسدة كالكفر. وما لا يحل بحال كانوا فيها على الفساد وإن كانت صحيحة عند الله تعالى كحل أنكحه حرمت بشرعنا، وشرب الخمر ونحوها بقيت كذلك صحيحة، ولهذا لا يحدون على شرب الخمر، وإذا تبايعوا فيما بينهم ثم أسلموا على تلك الأيمان وأقروا بها لا تنتزع من أيدي مشتريها، ولم تنقض تلك البيوع، ولو وقعت فاسدة لأبطلت عليهم بعدها أسلموا وصاروا بحيث لا يقرون على الفساد كما لو زنوا ثم أسلموا. وقالوا علماؤنا ﵏: إذا أتلف مسلم عليهم الخمر ضمن لهم كما لو أتلف الخل لبقاء الخمر في حقهم على ما كان قبل التحريم. وإنما قال الشافعي: لا يضمن لأن الحرمة ثابتة في حق المسلم وديانتهم لا تكون حجة على المسلم ولا قصور الخطاب في حقهم يبدل حكم الخطاب في حق من بلغه. وكذلك إذا أتلف ذمي على ذمي ثم اختصموا إلى قاضينا لا يلزم قاضينا الحكم بما عندهم وجوابنا أنا نحكم بما عندنا، وعندنا أنه مال متقوم في حقهم. وقال أبو حنيفة ﵁: لا نفسد نكاحهم المحرم بمرافعة أحدهما لأن ديانة المرافع لا تكون حجة على الآخر، وشبه هذه الفصول مذكورة في كتاب (الأسرار)، والله أعلم.

стр. 425

باب القول في الأعذار المسقطة للوجوب بعد البلوغ هذه الأعذار أربعة أنواع: أ-الجنون والعته نوع: وهو عذر عدم العقل ونقصانه. ب-والنوم والإعماء نوع: وهو العجز عن استعمال نور العقل بفترة عارضة مع قيام أصله كاملاً. ج-والنسيان والخطأ والكره والجهل بأسباب الوجوب ونحوها من الأعذار الطبيعية نوع: فإن الفعل ينعدم معها مع قيام القدرة بسبب الترك مختاراً. د-والرابع: قسم الحيض والرق فإنه مما ينعدم به شرط بعض العبادات حكماً فيثبت العجز شرعاً لا طبعاً. فأما الجنون: فبمنزلة الصبا قبل أن يعقل الصبي إذا طال الجنون، وبمنزلة النوم إذا قصر على ما مر. والعته بمنزلة الصبا بعدما عقل الصبي لأن المعتوه هو الذي اختلف كلامه فصار بعضه ككلام العاقل، وبعضه ككلام المجنون فكان ذلك الاختلاط لنقصان عقله، كما يكون في الصبي فيكون حكمه حكم الصبي إلا في حق العبادات فإنا لم نسقط به الوجوب احتياطياً في وقت الخطاب وهو البلوغ، بخلاف الصبا لأنه وقت سقوط الخطاب على ما مر بيانه. وأما السفه بعد البلوغ، فلا يوجب الحجر عند أبي حنيفة ﵁ وكذلك عند غيره، لأن ظهاره وطلاقه وما لا يبطله الهزل ينفذ منه. لأن السفه ليس بعبارة عن نقصان العقل بل عن مكابرة العقل بغلبة الهوى، وقد نهانا الشرع عن اتباع الهوى فلا يصير اتباعه الهوى بخلاف موجب العقل عذراً له يوجب الحجر نظراً له، وبالإجماع لم يوجب سقوط الخطاب نظراً، ولم يجعل السفيه وإن كان مغلوب هواه كالمكره الذي هو مغلوب بغيره لأن ذلك عذراً عند الله تعالى وهذا لم يجعل عذراً عند الله تعالى لقدرته لا محالة على الدفع لو لم يساعد نفسه، وإنما يصير مغلوباً بالمساعدة مختاراً. وأما النوم والإغماء: فنوع واحد فترته تعارض منع استعمال العقل مع قيامه، وحكم

стр. 426

النوم تأخير حكم الخطاب في حق العمل به لا سقوط الوجوب أصلاً على ما قال النبي ﷺ :"من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها"ولما ذكرنا أن نفس العجز لا يسقط الوجوب أصلاً وإنما يسقط وجوب العمل به إلى حين القدرة إلا أن يطول فيسقطه دفعاً للحرج. والنوم لا يمتد عادة بحيث يحرج العبد في قضاء ما يفوته في حال نومه لأنه عادة لا يمتد مع الليل يوماً كاملاً لا يستيقظ فيه وإنما يكون بالليالي. والإماء بمنزلته إلا في حق الصلاة فإنه إذا كان مدة ست صلوات سقط القضاء لأن الصلاة تتكرر بست، وفي ذلك حرج. والإغماء في العادات يمتد هذا القدر من المدة فجعل مسقطاً لوجوب الصلاة دفعاً للحرج بمنزلة الجنون فكان الإغماء كالنوم في حق الصوم والزكاة لأنه لا يمتد في العادات شهوراً وسنين. فإن قيل: إن السكر بمنزلة الإغماء ولم يتأخر به حكم الخطاب. قلنا: السكر إنما يحصل بسبب هو معصية وهو شرب المسكر، واجتماع ذلك الحرام في معدته فلم يجعل عذراً شرعاً على ما عرف في غير هذا الوضع. وأما باب النسيان: فيتعلق به انعدام فعل ما أمر به لعدم القصد إليه بسبب النسيان لا للعجز، إلا أن القصد لا يتصور منا إلى فعل بعينه قبل العلم به، كقصد زيارة زيد، لا يتصور بدون زيد، وقصد صوم رمضان قبل العلم به لا يتصور، وكذلك قصد استعمال الماء لا يتصور إلا بعد العلم به، فصار في حكم العجز وإن بقيت القوى الغريزية معه فصار في حكم النوم، لأنه آفة مخلوقة فيه جعلته كالنوم، وقد قرن رسول الله ﷺ بين نسيان الصلاة والنوم عنها على ما مر ذكره. إلا أن يكون نسياناً عن لهو أو لعب فيؤاخذ به، كالنوم عن سكر. ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إن من نسي الماء في رحله وهو مسافر فتيمم أجزأه، لأنه يعجز عن استعماله بالنسيان، كما يعجز بعدم الماء فيسقط به خطاب استعمال الماء فيسقط إلى خطاب التيمم. إلا أن أبا يوسف لم يجوزه، لأن رحل المسافر معدن الماء، فلا يعذر في ترك الطلب فيه، وإن لم يتذكر، كما لو كان بقرية عامرة وعدم الماء مكانه، ونسي أن يطلب وتيمم، فإنه لا يجوز، لأنها معدن الماء، فلما كان العجز بسبب هو مقصر فيه لم يجعل عذراً كعجز عن السكر.

стр. 427

ولهذا قلنا: إن كلام الناسي يبطل الصلاة، لأن أصل وجوب الحظر لا يرتفع بالنسيان، وإنما يرتفع وجوب الكف عن الحرمة، فلا يأثم، وبقي الكف شرطاً لصحة الصلاة لما بقي الوجوب فلا يتأدى بدونه، كما إذا نسي الطهارة فصلى بدونها لم يأثم، ولا تجوز. وقلنا أيضاً: القياس أن يفسد الصوم بأكل الناسي، وكذلك الخطأ في حكم النسيان، بدليل أن المخطئ لا يأثم إذا ترك خطأ أو ارتكب خطأ، كأن الحظر لم يبق معه، ولهذا استثنى الله تعالى الخطأ من الحظر، فقال: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطئاً﴾ وما كان للتحريم، وقد استثنى منه ما يكون خطأ فثبت أنه في حكم المباح في حق الفاعل، ولهذا لم يأثم إذا لم يكن خطأ عن تلهي وتلعب، بل كان خطأ بعد تحري الإصابة، وهذا لأن المخطئ حده: من قصد فعلاً على تحري الصواب فأخطأ فوقع غير صواب بلا قصد منه إلى الخطأ، ولهذا كان الخطأ ضد العمد، فهو كالناسي الذي لم يقصد ترك ما أمر به، بل ترك على تحري أنه لم يؤمر به لنسيانه المأمور به، فصار تاركاً ما أمر به بغير قصد، فهما باب واحد. ولهذا قلنا: إن كلام المخطئ صحيح حكماً، ككلام العامد، فإن يمين المخطئ صحيحة توجب الكفارة، كيمين العامد وتفسيره؛ من أراد أن يسبح فسبق لسانه يمي، وكذلك نكاح المخطئ، وطلاقه، وعتاقه، ونذره، وكل ما لا يبطله الهزل لم يبطل بالخطأ، لأن الموجب بصحة كلامه شرعاً قائم أصلاً مع الخطأ، فأما البيع خطأ، فلا ينبغي أن يلزم كما لا يلزم مع الهزل والكره وشرط الخيار لنفسه، لأن الشرع بنى لزومه على التراضي بعد صحة المعاقدة، ولا رضاء إلا بعد قصد صحيح فأما عقد يلزمنا حكمه بلا شرط رضا فلا يبطل لعدم القصد، كما لا يبطل باستثناء الخيار، فإن مستثنى الخيار غير راض بلزومه بنص الخيار لنفسهن فكان فوق الذي لم يرض وبقي الخيار بعدم الرضا لنفسه. وأما إذا سلم الشفعة خطأ بطلت شفعته لا بالتسليم، فإنه مخطئ غير راض به، ولكن بترك الطلب، كما لو سكت ولم يسلم، ولهذا يلزم القاتل خطأ الكفارة، ويحرم الإرث، ولو سقط بالخطأ حرمه القتل أصلاً لما لزمه حكم القتل المحظور. وكذلك الكره بمنزلة الخطأ أو دونه، لأن المكره مختار لما فعله قاصد إياه، لأنه عرف الشرين فاختار أهونهما عليه عن علم وقصد، إلا أنه قصد فاسد، لأنه قصد راضياً به ومريداً إياه، بل لدفع الشر عن نفسه فلحق بحكم الفساد بعدم القصد فلا يقع هدراً، وإنما يبطل به ما يتعلق لزومه بالرضا، كالبيع، والإجارة، وما لا يلزم مع استثناء الخيار أو مع الهزل.

стр. 428

وأما يمين المكره، ونذره، ونكاحه، وطلاقه، وعتاقه، فلازم، وكذلك الكلام مكرهاً في الصلاة يبطلها، وكذلك الأكل في الصوم مكرهاً، أو سبق الماء حلقه خطأ يفسده، وكذلك من ارتكب محظوراً من محظورات الحج مكرهاً أو مخطئاً لزمته الكفارة. فإن قيل: أليس المكره على القتل لا يقتل عندكم ولا يضمن شيئاً، وكان فعله هدراً؟ قلنا: لم يهدر حكم الفعل فإن القصاص واجب به، لكن لم يجب على الفاعل كرهاً بحكم انعدام الفعل منه بأن جعل آلة للذي حمل عليه كأن قبض على يديه فقتل بيده إنساناً على ما بينا في موضعه، ولذلك وجب على الذي أكرهه لأن الفعل أضيف إليه. ومتى انعدم الفعل لم يكن عدم حكمه بالكره لكن بعدم الفعل كما لو لم يفعل بغير كره. فأما فعل لا يستقيم أن يجعل المكره المباشر آلة للآمر فالفعل لا ينتقل عنه ويبقى مقتصراً عليه على ما بين في موضعه، فإذا بقي وصار فاعلاً لزمه حكمه إلا ما يبطله الهزل فالأقوال كلها لا يمكن أن تجعل الفاعل عن كره آلة فيها للآمر إذ الرجل لا يمكنه التكلم بلسان غيره وكذلك الأكل والزنا ونحوهما. فأما القتل فممكن بيد غيره وكذلك الإتلافات كلها ولهذا قرن النبي ﷺ بينهما فقال:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وأما الجهل: فمثل الخطأ والنسيان لأن الجهل بالحق لا يكون إلا للجهل بدليله، وسبب وجوبه فيكون الإعراض عن إقامته لا عن قصد العصيان والخلاف بل كما يكون من المخطئ والناسي فيكون الجاهل عاجزاً حكماً كالناسي فيكون الجهل عذراً يؤخر حكم الخطاب ولا يسقط الوجوب أصلاً كالخطأ والنسيان، ولهذا قيل: إن العبد إذا عمل باجتهاده في حادثة لا نص فيها عنده ثم بلغه نص بخلاف رأيه لم يأثم على ما مضى ولزمه نقض ما أمضى باجتهاده ولو سقط أصلاً بالجهل لما لزمه النقض كما لو نزل النص بعد رأيه في زمن الوحي. وأما باب الحيض والرق: فإنا نقول إن الحيض لا يوجب عجزاً من حيث ذهاب قدرة البدن أو قدرة القلب بعلمه وعقله، ولكن يوجب عجزاً حكمياً من حيث فوت شرط الأداء من حيث الظهر عن دم الحيض في حق الصوم أو عدم الطهارة في حق الصلاة ونحوها فإنه دون العجز الذي يثبت بالنوم فكان القياس أن لا يسقط أصل الوجوب بل يؤخر حكمه إلى حين القدرة، إلا أنا تركنا هذا القياس في باب الصلاة فأسقطنا به

стр. 429

الوجوب لشرع ورد فيه، وذلك لعلة الحرج فإن الحيض يصيبها في كل شهر عادة والصلاة تتكرر في كل يوم فلو أمرنا بالإعادة لتضاعف الوجوب عليها ولحرجت في ذلك فيسقط بسبب الحرج كما يسقط بالجنون الممتد وبالصبا، وهذه العلة معدومة في حق الصوم فلم يسقط. وكذلك وجوب التتابع في باب الصيام لا يسقط إذا كان الصوم عشرة أيام أو ثلاثة وما يوجد عادة بلا حيض لأنها لا تحرج في إقامة هذا الشرط، وإذا كان شهرين سقط الوجوب أصلاً لأنها لا تجد شهرين لا تحيض فيهما عادة إلا نادراً أو بعد اليأس وربما لا تبلغ اليأس والنادر لا عبرة له فلو ألزمناها الإعادة بسبب الحيض متتابعاً لحرجت أو عجزت وسقط الوجوب دفعاً للحرج. والرق من هذا القبيل لأنه ربما ينعدم به شرط بعض العبادات كالكفارات المالية فإن ملك المال شرط لأدائها وإنه لا يملك المال ما دام رقيقاً. وكذلك وجوب الحج يسقط عنه أصلاً لا لعدم ملك الزاد والراحلة فإن الفقير الذي لا يملكهما إذا أدى جاز وكان فرضاً بخلاف العبد ولكن لعدم ملك المنافع التي يتأدى الحج بها فإنه عبادة بدنية ومنافعه صارت لمولاه إلا ما اسثتنى الله تعالى في باب الصوم والصلاة ولم يستثن في باب الحج لأنه لا وجوب بلا زاد ولا راحلة ولما لم يستثن صارت للمولى فلا تعود إليه بتمليك المولى كما لا يملك منافع غيره، ولا سائر الأموال بتمليك المولى فلا يصح الأداء بمنافع المولى كما لا يصح التكفير بمال المولى. وكذلك يسقط بالرق إباحة نكاح الأربع من النساء إلى النصف، وكذلك الحدود التي تحتمل التنصيف تنتصف وكذلك العدة والتطليقات وحق القسم ونحوها ويبطل الولاية، وما يبتنى على الولاية من الإرث والشهادة. فإن قال قائل: الكفر قسم خامس لم تذكره. قلنا له: إن الكفر ليس من جملة الأعذار ثم إنه غير مسقط للخطاب عند أهل الكلام وهو مذهب الشافعي من الفقهاء، ومذهب عامة مشايخنا من أهل العراق لأن الكفر رأس المعاصي فلا يستفيد به حفة سقوط الخطاب كما لا يستفيد بالسكر وبالجهل إذا كان عن تقصير من قبله. ولأن النبي ﷺ بعث إلى الناس كافة فخطابه يعمهم إلا حيث خص بدليل، ألا ترى أنهم يخاطبون بأحكامنا في المعاملات والعقوبات والإيمان فكذلك العبادات. وقال الله تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين﴾ فأخبروا أنهم استحقوا النار بترك الصلاة لما ذكر أن الإنسان يصير أهلاً للإيجاب عليه بالذمة ولخطاب الأداء بالعقل والكافر له ذمة

стр. 430

وله عقل مثل المسلم إلا أنهم لا يؤاخذون بالقضاء إذا أسلموا لأن الله تعالى وعدهم المغفرة بقوله: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين﴾ ترغيباً إياهم في الأيمان وقوله: ﴿يغفر لهم ما قد سلف﴾ دليل على أنهم كانوا مؤاخذين به وإنما غفر لهم بالإسلام. ومن يقول أنهم غير مخاطبين، يقول إنهم لم يكونوا مؤاخذين فلا تتصور المغفرة. ولا معنى بأن يقال: إن الكافر عاجز لأن عجزه بسبب كفره فلا يعتبر عذراً كعجز السكران، ولأنه قادر على أن يسلم فيصلي، كالجنب عاجز في حال جنابته ومخاطب لأنه قادر على أن يتطهر فيصلي. وقال مشايخنا ببلادنا: إن الكفر يسقط الخطاب بالديانات في الشرائع التي تحتمل السقوط في الجملة وليست عن أصحابنا المتقدمين رواية وإنما استدلوا بمسائل منها أن المرتد إذا أسلم لا يقضي ما فاته لسقوط الوجوب عنه، وعند الشافعي: يقضي. والثاني: أن المسلم إذا صلى وحج ثم ارتد-والعياذ بالله-ثم أسلم في الوقت. لزمه عندنا قضاء الصلاة والحج لأن الخطاب انقطع بالردة فصار حال الإسلام ثانياً حال ابتداء الخطاب بعبادة الوقت. وعند الشافعي لا يقضي لأن الخطاب لم ينقطع وقد أدى الواجب بالخطاب الأول إلا أن شيئاً من هذه المسائل لا يدل على سقوط الوجوب فإن المرتد كافر، والله تعالى وعد المغفرة للكافر إذا أسلم. وقال النبي ﷺ :"الإسلام يجب ما قبله"ولم يفصل وأما إذا كفر بعدما صلى فإنما لزمه ثانياً لأن الأول قد بطل لقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ فيصير ما مضى كصلاة أداها مع الكفر. ومنهم من جعل هذه المسألة فرعاً لمسألة الإيمان أنه قول وعمل أو قول بلا عمل فمن جعله قولاً وعملاً جعل الكل من الإيمان، وهو مخاطب بالإيمان فيكون مخاطباً بالعبادات أيضاً. ومن جعله قولاً بلا عمل لم يخاطبه بها إلا أنه ساقط بأن سائر المعاملات والعقوبات ليست من الإيمان بالله تعالى، والكافر مخاطب بها ابتداء لا تبعاً للإيمان. وقد ذكر محمد بن الحسن ﵀ أن من نذر بصوم ثم ارتد والعياذ بالله ثم أسلم لم يلزمه قضاؤه لأن الشرك أبطل كل عبادة وإنما أراد وجوبها لأنه لم يؤده بعد، ولما كان منافياً للوجوب وثبت فيه نص الرواية ثبت المذهب.

стр. 431

ولم أر لهذا القول حجة يعتمد عليها وقد تفكرت في ذلك فلم أنل إلا واحداً وهو أن الكافر ليس بأهل لأداء العبادة لأن أداء العبادة لاستحقاق ثواب الآخرة بحكم الله تعالى، والكافر ليس بأهل له حكماً من الله تعالى على سبيل العقوبة، كما مل نجعل العبد أهلاً لملك المال والمرأة أهلاً لملك المتعة على الرجل بملك اليمين أو النكاح. ولما لم يكن من أهل هذا العمل لم يكن من أهل الخطاب بالعمل لأن الخطاب بالعمل للعمل كالعبد لا يخاطب بالعبادات المالية من الكفارة وغيرها. فتبين بهذا أن الكافر ما له ذمة الجنة والعبادات ثمن الجنة، فأشبه في حقه من لا ذمه له أصلاً من البهائم بخلاف الإيمان لأنه ثبت له به ذمة الجنة والكافر أهل أن يكتبه فصح الخطاب باكتسابه. فإن قيل: هو من أهله إذا أسلم، والله تعالى خلقه على طلبه الإسلام منه. قلنا: لا يجوز أن يخاطب بناء على طلبه الإسلام منه لأنه في حالة ليس بأهل لعمل يثاب عليه ولا أعد للإسلام مآله فيعطى حكم مآله بالإعداد له، كما قلنا في المني في الرحم والطفل وبيض الحرم، فإن الكافر مآله مآل الإسلام جبلة من الله تعالى ولا عادة منهم بل العادة في الكافر التمسك به كالمسلم وإنما يختار الإسلام نادراً كالمسلم يختار الكفر نادراً. وليس الكافر كالجنب فإن الجنب يخاطب بالصلاة لأنه أهل بنفسه لعمل يثاب عليه غير أنه لا يصلح للصلاح لفقد شرطه، وهو الطهارة، كما لا يصلح لصلاة مع استدبار الكعبة مختاراً فهذا شرط لصحة الأداء ليصير أهلاً لعمل يثاب عليه في الآخرة فصح الخطاب به على أن يفعله بشرطه. فأما الكافر فليس بأهل لعمل يثاب عليه في الآخرة وسبيله سبيل المولى يقول لعبده: أعتق عن نفسك عبداً أو كفر عن يمينك بالمال، كان لغواً لأن ملك المال شرط التصرف بهذا الخطاب والعبد ليس من أهل ملك المال. وبمثله لو قال لآخر: اعتق عبدك عني بألف درهم فأعتق صح عنه لصحة الأمر به لأنه أهل للإعتاق إلا أنه فقد للحال شرط الأداء وهو الملك فصح الأمر به على ما يؤدي عنه المأمور به. فإن قيل: العبد الماذون أو المكاتب يشتري فيصح منه تملك المال وهو ليس بأهل له! قلنا: إنما يصح على معنى أن المولى يقوم مقامه في الملك أو يعتق بنفسه فيملك بذلك السبب إن كان مكاتباً، ولأن للعبد ضرب ملك، وكذلك للمكاتب على ما بينا في موضعه، وهو ملك التصرف بحكم ملكه ذلك المال يداً إن لم يملك رقبة فلا يخلو في

стр. 432

الأحوال كلها خطاب التمليك صحيحاً لأحد عن رجاء الملك له أو لمن يقوم مقامه، والكافر يخلوا أداؤه للعبادة عن ثواب يكون له أو لغيره على طريق القيام مقامه. والأسباب إذا خلت عن أحكامها لغت الإيمان لأنه من أهل أن يؤمن للحال فيثاب به عليه بخلاف المعاملات لأنه إنما يخاطب بما يتأهل لاستحقاق حكمها. وبخلاف العقوبات لأنه أهل للإقامة عليه حتى لم يكن عندي خطاب الكفارة ثابتاً في حق الكفار، لأنه لا يخلو عن معنى العبادة واستحقاق الثواب، كالعبد لا يخاطب بالتكفير بالمال لأنه ليس من أهل ملك المال. فأما الجواب عن قولهم: إن الكفر معصية فلا يجعل عذراً فكذلك، ولسنا نسقط الخطاب مرحمة ليكون بسبب العذر بل أسقطنا الخطاب نقمة ليكون بسبب المعصية. وإنما قلنا: يسقط نقمة، لأنه سقط لخروجه عن صلاحه للجنة وهذا نقمة. فإن قيل: إذا لم يخاطب بها لم يؤاخذ بتركها. قلنا: إن الخطاب للأداء لا للإثم بالترك فلو لم يجز التصحيح لكان الإثم بالترك على أن الكافر يترك الطاعات مستحلاً، وكذلك يرتكب المعاصي مستحلاً فيكون ذلك كفراً على كفر، وتزداد العقوبة بذلك كله على أنه إن لم يكن من أهل فعل العبادة لأنها من ثمن الجنة فلم يخاطب فهو من أهل المعصية التي هي سبب النار فيستقيم إثبات الخطاب في حقها، ولهذا نجدهم على المعاصي في الدنيا وهي عقوبة. ولأن إخراجهم أنفسهم بالكفر عن أهلية الخطاب في إيجاب الإثم عليهم فوق تركهم ما يلزمهم بالخطاب فلا يكون فيه خفة كالذي يقتل نفسه لا يؤاخذ بما يفوته من العبادات بعده، وإن كان القتل معصية لأن إثمه في قتله نفسه يربى على ذلك كله. ومعنى قول الله تعالى: ﴿لم نك من المصلين﴾ [المدثر: ٤٣] أي المسلمين فسمى الإسلام باسم شريعة منه كما سمى الصلاة باسم الركوع والسجود، لأنهم لم يكونوا من المصلين مستحلين وبهذا يؤاخذون. ولأنا لا نسقط الخطاب بالكفر، ولكنا لا نوجب لفقد الشرط الذي يصح معه الخطاب وهو الأهلية لحكمه، وهذا كما لا يخاطب بعد ما قتل نفسه. والذي يدل عليه أن هذه الأعمال للفكاك عن قيد الاستعباد كمال الكتابة يؤديه العبد للفكاك عن قيد الرق، وقبل الإيمان بالله تعالى لا يتصور منه أعمال يتعلق بها الفكاك ويتعلق بنفس الإيمان الفكاك أو يثبت به عقد الكفاك فاستقام الخطاب بالإيمان دون الأعمال. ألا ترى أن المولى يستقيم منه خطاب العبد بعقد الكتابة ولا يستقيم الخطاب بأداء

стр. 433

مال الكتابة لأن ما لا يتعلق به الفكاك لا يتصور قبل العقد وعقداً يتعلق به الفكاك يتصور مع الرق ثم سقوط المطالبة بمال يتعلق به الفكاك عن العبد القن لا يكون خفة إذا قوبل بمطالبة المكاتب بمال الكتابة، لأن ما تحت سقوط هذه المطالبة من ذل الرق فوق هذه المطالبة وما تحت المطالبة بالكتابة من العتاق والنفع الذي فيه فوق نفع سقوط المطالبة فيصير عند اعتبار العاقبة. والمعنى توجه الخطاب بأداء الكتابة ضرب كرامة وكان من تعاطي أمور الدنيا نظير شرب الدواء للمريض في مقابلة مريض بمريض لا دواء له فلم يسق فلا يكون حطاب المريض الذي يرجى شفاؤه بسقي الدواء تشديداً. ولا سقوط الخطاب عن الذي لا يرجى شفاؤه تخفيفاً متى تؤمل في معنى السقوط والثبوت بل كان السقوط شدة لأنه سقط ليأس الطبيب عن حياته وكأس المنية أمر من كأس الدواء والذي خوطب بالدواء خوطب للشفاء، ومرارة الدواء تسقط متى قوبلت بحلاوة الشفاء. فعلى هذا الكافر سقط عنه خطاب الله تعالى بالعبادات ليأسه عن الجنة على كفره، وخوطب المؤمن لاستحقاقه الجنة وشدة النار فوق ثقل الخطاب، وراحة الجنة فوق تعب أداء ما خوطب العبد به، وهذا كما يسقط عن الكفار خطاب الإيمان بعد البعث إذ لو بقي لقبل منهم إذا أجابوا، ولم يكن هذا السقوط تخفيفاً بل تنكيلاً وهذا كما لا يخاطب البهائم والجمادات وليس ذلك لإرادة التخفيف عليها بل لأنها ليست بأهل فكان للإزراء. ولهذا قال علماؤنا ﵏: بأن من صلى فرض الوقت ثم ارتد ثم أسلم في الوقت أعاد الفرض، وكذلك يعيد الحاج إن كان حج قبل الردة لأنه بالردة صار غير أهل والعبادة كما لا تصح إلا من أهل لا تبقى لغير أهل كملك المال لما لم يثبت للعبد لا يبقى لمن استرق. وكذلك ملك الأربع من النساء كما لا يثبت للعبد لا يبقى له إذا استرق، ولكن مع هذا كله لم نعد الكفر في ما بيننا مسقطاً لأنه ليس من جملة الأعذار والخطاب ما سقط به تخفيفاً فأما سائر الأعذار فمما يكون بآفات أصلية جبلية أو شرعية فاستقام أن يكون سبب تخفيف، والله أعلم.

стр. 434

باب القول في الحجج العقلية قد أجمع العقلاء على إصابة المطلوبات الغائبة عن الحواس بدلائل العقول، كإجماعهم على إصابة الحاضر بالحواس، حتى إنك لا تكاد تجد أحداً خالياً عن الاستدلال لمصالحه برأيه عن عقله، وحتى لم تكن الحجج السمعية حججاً إلا باستدلال عقلي، ولا يقع الفرق بين المعجزة وبين المخرقة، والنبي والمتنبئ إلا بنظر عن العقل، وكذلك تعرف النار مرة ببصرك ومرة بدخانها مستدلاً عليها بعقلك، لا طريق للعلم إلا طريق الحواس أو الاستدلال بنظر عقلي في المحسوس ليدرك لما غاب عنها. [قالوا: ولا خلاف في هذا بين العقلاء]. وإنما اختلفوا بعد هذا؟ فقال بعضهم: لا يعرف الله بمجرد دلائل العقول حتى تتأيد بالشرع. وقال بعضهم: يعرف ولكن لا يجب الاستدلال إلا بالشرع. وقال بعضهم: يعرف ويجب الاستدلال قبل الشرع. وقال بعضهم: لا نشتغل بهذا لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول، فلا معنى للاشتغال بشيء لم نبتل به. وقد قال علماؤنا: لا يقاتل من الكفار من لم يبلغه دعوة إلا بعد الدعوة، وإن قوتلوا وقتلوا لم يضمن لهم شيء. وقال الشافعي: يضمن، وقال أيضاً: إنهم يعذرون في الآخرة فجعلهم كأطفال المسلمين. ولا نص عن علمائنا في"المبسوط"إلا ما ذكرنا من هدر الدماء، وإنه لا يدل على إلزام الكفر بترك الاستدلال حكماً فإن المسلم منهم عندنا هدر دمه ما لم يحرز نفسه بدار الإسلام. وقد قال علماؤنا في الصبي إذا عقل وأسلم: صح إسلامه ولو لم يستدل بعقله، ولم يجز كلمة الشهادة على لسانة لم نحكم بكفره وإن امتنع بعد الاستيصاف بل كان في حكم المسلم ما لم يبلغ، ولو امتنع بعد البلوغ كفر بالله لأن خطاب الشرع بالأداء ساقط قبل البلوغ فصار معذوراً، وإن عقل فاحتمل مثله بعد البلوغ قبل أن يبلغه دعوة أحد فلا

стр. 435

يحكم بكفره بجهله بالله وغفلته عن الاستدلال بالآيات. ويحكى عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال: لا عذر لأحد في الجهل بالخالق، لما يرى في العالم من آثار الخلق. ويحتمل أن يكون المراد به: بعد إمهال الله تعالى لا لابتداء العقل فقد حكينا عنهم أنهم عذروا الصبي بجهله، والتحديد بالبلوغ ثبت شرعاً فلا يلزم إلا بعد السماع. فأما الذين قالوا: إن الله تعالى لا يعرف بدون الشرع فقد ذهبوا إلى أن الفقهاء أجمعوا على أن الأداء لا يجب إلا بعد خطاب الشرع. ولو كان العقل حجة كافية لوجب قبل الشرع. ولأنا نرى العقلاء مختلفين في إثبات القديم مع شدة تأملهم واشتهارهم بالحكمة، ولا نقف على أحد منهم إصابة ما تبين بالشرع، ولو كان بالعقل كفاية لما اختلفوا كما لم يختلف الأنبياء ﵈ ومن سلك طريقهم. وأما الذين قالوا: إن الكفاية تقع بالعقل فذهبوا إلى أن إبراهيم صلوات الله عليه قال لأبيه: ﴿إني أراك وقومك في ضلال مبين﴾ ولم يقل أوحي إلي فثبت أن العقل بنفسه مما يهدى. وكذلك الله تعالى أخبر عن إبراهيم أنه استدل بالنجوم فعرف ربه وكان حجة على قومه فقال: ﴿وتلك حجتنا ءاتينا إبراهيم على قومه﴾ وليس في الآية من باب الوحي ذكر، وقال: ﴿سنريهم ءاياتتا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ ولم يقل نسمعهم أو نوحي إليهم. وقال: ﴿ومن يدع مع الله إلهاً ءاخر لا برهان له به﴾ الآية، ولم يقل: بعدما أوحي إليه، أو بلغته الدعوة فثبت أن العذر ينقطع بالعقل وحده ولو لم يكن به كفاية المعرفة لما انقطع به العذر. ولأن المعجزة بعد الدعوة لا تعرف إلا بدليل عقلي وآيات الحدوث في العالم أدل على المحدث من علامات المعجزة، على أنها من الله تعالى فلما كان بالعقل كفاية معرفة المعجزة والرسالة كان به كفاية معرفة الله تعالى من طريق الأولى.

стр. 436

فصل ولما ثبت أن بالعقل كفاية كان بنفسه حجة بدون الشرع، ولزم العمل به كما يجب بالشرع وبسائر الحجج إذا قامت. والجواب عن قولهم: إن الله تعالى لم يدعنا والعقول، فإن ذلك من الله رحمة أو لبيان ما لا ينال بالعقول من أنواع العبادات والحدود التي بها تتمة الدين أو كان أمر البعث والجزاء مما يشكل مع العقل وحده إلا بجد تأمل، فيه حرج يعذر الإنسان بمثله ولا إيمان بدونه فكان حقاً على الله تعالى بعث الرسل لبيان ما به تتمه الدين لا لمعرفة الخالق. وقال بعضهم: بعث الرسل رحمة أو نقول: إن الله تعالى لم يدعنا ورسولاً واحداً من أوله إلى آخره، والحجة كانت قائمة بالواحد كما بقي لمحمد ﷺ إلى يوم القيامة ورب قوم بعث الله إليهم رسلاً فلم يدعهم ورسولاً واحداً ولم يدعنا الله، والبيان بآية واحدة بل بآيات متكررة فلا يدل أن الآية الواحدة لم تكن كافية. على أن نصور المسألة في رجل نشأ في شعفة من الجبل لم يسمع من أمر الرسل شيئاً، وبلغ مبلغ العقلاء والجواب عن قولهم لو كان بالعقل كفاية لما اختلف العقلاء فيه أن ذلك الاختلاف لاختلافهم في جهة الاستعمال كما اختلفوا بعد دعوة الرسل. وكما اختلف الأطباء في الأدوية فالمقتصر في اجتهاده لا ينال الحقيقة. وكذلك الغالي يتعداها فإذا جاء الوحي والعصمة عن التقصير والغلو صار الدين واحداً، وكما اختلفوا في معرفة الرسل والعذر ينقطع بهم. فصل وأما الذين قالوا: إن الاستدلال لا يجب قبل الشرع فاحتجوا بالشرع والعقل. أما الشرع: فلأن الاستدلال ليس يدوم وجوبه شرعاً فإنه ساقط شرعاً عن الطفل والمجنون ومن لا يهتدى إليه لأنه ليس في وسعه فجاز كذلك السقوط حال عدم الشرع، فالهوى غالب في الإنسان وطرق الدين مختفية تحت غلبة الهوى، ومنام القلب بالغفلة عن دلائل العقل وفي تنبيهه عن نوم الغفلة بلا شرع حرج عظيم أكبر مما يحرج الصبي العاقل بسبب نقصان عقله لإدراك ما يدركه البالغ من الخطاب المسموع، وقد أخبر الله تعالى بأن لا حرج في الدين وإن الخطاب ساقط عن الصبي.

стр. 437

وكذلك الاستدلال على الله تعالى بآيات الحدوث على ما مر وكذلك بعد البلوغ لأنه لا تفرقه بين الحالين من حيث العقل ألا ترى أن العبادات كما سقطت بعذر الصبا سقطت بعذر الجهل عمن أسلم في دار الحرب، ولم يعلم بالعبادات. فأما إذا اعتقد إلهاً آخر أو ما يكون كفراً من وصفه ربه بما لا يليق به، فلا يكون معذوراً فيه كالصبي إذا فعل ذلك على ما مر بيانه لأنا إنما عذرناه في جهله لسقوط وجوب الاستدلال عنه، ولا معرفة بدونه كما عذرنا النائم والصبي فاعتقاد أمر لا يكون إلا بضرب استدلال وحجة فلم يعذر فيما أحدث من اعتقاده إلا بحجة كما في حق الصبي، ولهذا صح الاحتجاج من إبراهيم عليه السالم بما استدل قبل الوحي. والدليل على أنه معذور وأن ترك الاستدلال قول الله تعالى حكاية عن خزنة النار لأهلها: ﴿قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا﴾. وفي موضع آخر حكاية عن نفسه: ﴿ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليك ءاياتي﴾ فألزمهم استيجابهم النار بالرسل لا بالعقول وحدها، ثم قال بعد ذلك: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون﴾ أخبر أن الإهلاك قبل الرسل كان يكون ظلماً وإنهم معذورون بغفلتهم وإن عقلوا لولا تنبيه الرسل. وقال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ والعذاب المطلق هو النار. وقال: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ فكان حقاً على الله بعث الرسل لقطع حجة الناس. وقال: ﴿وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم﴾ الآية إلى أن قال: ﴿أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك ءاباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ فلولا أنهم كانوا معذورين بسبب جهلهم وإلا لم يكن قطع الحجة بخطاب ﴿ألست بربكم﴾ ابتداء ثم إعلامهم بذلك انتهاء. ولأن النفس بهواها غالبة لأنه لا عقل لأول الفطرة وإذا أحدث حدثاً مغلوباً به إلا من شاء الله من الخواص. وإذا كان مغلوباً بقيت العبرة للراجح وبقي الحكم على ما كان قبل العقل حتى يتأيد العقل بالوحي فيترجح على الهوى حينئذ فيجب العمل فلن يجوز في الحكمة إلزام العمل حساً، والعامل مغلوب بالمانع حساً. فكذلك لا يحسن إلزام العمل بالحجة والحجة مغلوبة مدفوعة بغيرها. والجواب عن قولهم: إن الشرع لا يعرف إلا بدليل عقلي فكذل، ولكن إنما يجب

стр. 438

النظر في المعجزة بعد دعوة الرسول بكلام لا تميل في موجبه بحيث يقف على موجبه إذا سمع ببديهة عقله بلا حرج نظر فيصير ذلك الخطاب منبهاً قلبه عن نوم الغفلة إلى التأمل فيما سمع أصدق هو أم كذب. فأما الآيات الدالة على الله تعالى فساكنة لا تعرف آيات بالحواس، وإنما تعرف بالاستدلال ولا استدلال مع غفلة القلب. والغفلة بغلبة الهوى والهوى مخلوق من الله تعالى فلا يلزمه الاستدلال ما لم يأت ما ينبهه للنظر والاستدلال من أمر محسوس، وذلك دعوة الأنبياء ﵈ فصار هذا القول قولاً بين القولين بين التقصير والغلو فمقصر من أنكر معرفة الله تعالى بدلالات العقول وحدها وغالي من ألزم الاستدلال بلا وحي ولم يعذره بغلبة الهوى وهو من الله تعالى. وقرب من الإنصاف قال إن الله تعالى يعرف بدلالات العقول وحدها ولكن لا يجب فعل الاستدلال إلا بشرع وألحقه بالصبي. ونفس العقل لا يفرق بني امرأة عقلت وحاضت لتسع سنين وصبي عقل وبلغ أربع عشر سنة ونصفاً، بل حال الصبي أكم من حال البالغة بحيضها لتسع سنين. إلا إن في هذا القول ضرب تقصير في إيلاء عذر كهل بلغ أشده وأدرك غامضات أمور الدنيا برأيه وهي لا تنال إلا بجد تأمل ولم يعرف لنفسه خالقاً، وإنه ينال ببداهة العقول فإنه لا يرى بناء إلا وقد عرف له بانياً، ولا نقشاً إلا وقد عرف له نقاشاً ولا صورة جماد إلا عرف له مصوراً فكيف يعذر بعذر رؤيته صوراً حسية في جهله بمصورها وإذا لم يعذر ولا بد أن تقع المعرفة بفاعل الصورة فقد تنبه بعقله للنظر فيلزمه من النظر ما تتم به المعرفة. وأشبه تنبه ببديهة عقله التنبيه بدعوة النبيصلى الله عليه وسلمالتي هي كلام نص على التنبه فكيف ينكر هذا والله تعالى يحكي عن الكفرة: ﴿ولئن سألتم من خلقهم ليقولن الله﴾ وكذلك لا نرى نحن أحداً من الكفار إلا ويخبر عن الصانع وإنما كان كفرهم بوصفهم الله تعالى بما لا يليق به من الولد والشريك وغل الأيدي ونحوها مما حكى الله تعالى عنها، والعذر بلا خلاف منقطع عن مثله أو كان الكفر بإنكارهم البعث للجزاء. وكلامنا في نفس الجهل بالصانع عن ذكره وكيف يعذر والجهل جاء من قبل استخفافه بالحجة بعدما لاحت له بلا تميل فالبناء شاهد على الباني بلا تميل في العقول والاستخفاف بالحجة فوق الغفلة عن سكر يقع بالخمر، وإنه لم يعذر به فبهذا أولى بخلاف أول حال العقل لأنه لأول أمره لا ينتبه له كما لا ينتبه له الكبير إلا بجهد وحرج لنقصان العقل وقيام فترة حال الغفلة كالنائم يتنبه فلا يدرك لأول أمره ما يدركه بعد مدة فاستقام أن يعذره الله تعالى برحمته ثم قدر مدة العذر إلى الله تعالى ما يعرف بالعقل.

стр. 439

وكلامنا فيمن لم يبلغه شرع على أن حد الشرع بالبلوغ لبيان أحكام الدنيا وكلامنا في حق الآخرة، وإنهما مختلفان على ما بينا في باب الخطاب وصحة تصرفات الصبي وردته، والدليل عليه قول الله تعالى: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم﴾ ولم يذكر الوحي، وقال: ﴿وجاءكم النذير﴾ وقيل: إنه الشيب، وقال: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلف الله السموات﴾ ولم يذكر الوحي بل عاتبهم على ترك التفكر وقال: ﴿سنريهم ءاياتنا في الأفاق﴾ الآية. أخبر أنه يريهم الآيات حتى يتبين لهم أنه الحق فثبت أن اللبس لا يقع إلا لاستخفاف بالحجة كما يكون بعد دعوة الرسل وعن احتجاجهم بقول الملائكة: ﴿أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات﴾ أنه كلام توبيخ فيكون بأظهر الأمور وأعلاها وتأويل هلاك القرى في الدنيا لأنه لا قرى في الآخرة، وعذاب الدنيا جزاء على تكذيب الرسل زاجراً لا جزاء نقمة على الكفر على ما بينا في مسألة قتل المرتدة ونحوها، ولأنا نسميه غافلاً بسبب فقد الحجة والذي معه عقله غير فاقد الحجة على ما بيناه. وقوله: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ أي حجة تقال لا حجة تقبل وكذلك آية أخذ الميثاق لقطع حجة تقال على حسن الظن بحالة على تقدير أنه حجة تقبل منه، والله أعلم. وتأويل قوله:"بظلم"أي بظلم من الكفرة أي لم نهلكهم بظلمهم حتى أرسلنا الرسل وظهر تعنتهم، ولو أهلكنا لكان عدلاً، لكنا أمهلنا إلى حين الرسل فضلاً وبهذا التأويل يخرج عذاب الآخرة أي أخرنا عنهم العذاب إلى بعث الرسل تأكيداً عليهم كما جعلناه بعد الحساب والشهود.

стр. 440

باب القول في أقسام دلائل العقل الموجبة منها ما يدل عليه ببداهة العقول كحدوث العالم ودلالة البناء على الباني. ومنها ما لا يكون دلالة إلا بجد تأمر ونظر كدلالة العالم على صانع هو الله تعالى، ولهذا اختلف العقلاء في ذلك لاختلافهم في استعمال النظر ولم يختلفوا في حدوث العالم المحسوس ووجوب القول ببانٍ للبناء. ومنها ما لا يكون دلالة إلا بالتجربة كمعرفة الأدوية والأغذية، ولكن إذا دق المطلوب اختلف فيه للشبهة. ومنها ما لا يكون دلالة إلا بمعونة الحس كالنجوم على الطريق والجبال والأميال حتى شاركت البهائم العقلاء في هذه المعرفة لمشاركتها إيانا فيما ينال بالحواس، والله أعلم.

стр. 441

باب القول في مباحات العقول للحياة الدنيا لا للدين قطعاً واجب القول بالإباحة وهذه المباحات قطعاً أربعة أقسام: فعل ما تقوم به النفس من حيث التنفس والأكل والشرب بقدر ما لا يحيى بدونه يجب أن يكون مباحاً أصله. وفعل ما يدفع عن نفسه أسباب التلف من آفات خارجة، وفعل ما يقوم به الجنس نحو الجماع. وفعل ما تقوم به التربية بعد الوجود في نحو الحضانة إلى أن يستغنوا، لأن العقل يستحسن السعي لإبقاء نفسه بقدر الإمكان فالبقاء رأس المال إلا بدليل يبين له خيراً في هلاكه، والبقاء فيما يجلب له القوى التي فيها حياته وفيما يدفع عنه ما يقطع عليه حياته بعد وجود العلل، فلا بد أن يقال بحسنها وأدنى درجات الحسن أن يقال بإباحتها له ليفعله. وكذلك فعل ما يتفرع عنه من يبقى بعده لأنه لا يمكنه السعي لإبقائه بعد موته إلا بفرعه، والعقل يستحسن السعي للإبقاء بقدر المكنة ثم السعي بحضانته لأن قوامه بعد موته بفرعه فيلزمه لفرعه ما يلزمه لنفسه ما لم يستغن عنه بنفسه، ولهذا ركب الله تعالى في الطباع دواعي إليها من الشهوات وغيرها حتى شاركت البهائم العقلاء في فعل هذه الأمور بحكم الطباع ولأنا لما وجدنا هذا مما يدعو إليه الطبع والطباع رأس مال الحياة لم يجز القول بحرمة دواعيها إلا بعارض يغير حكم الحال فصارت الإباحة أصلاً والحرمة عارضة إلا أن ما يجعل حقاً لنا ينافي الوجوب علينا، فلذلك وصفنا بالإباحة، ولهذا لم يبح الزنا وإن كان التناسل به أكثر لأن التربية في بني آدم أكثر ما يكون بالرجال حتى تكون نفقة النساء على الرجال. وكذلك نفقة الأولاد شرعاً، والآباء يشتهون بالزنا فتوف تربية الرجال والنساء لا يمكنهم التربية بأنفسهم فيضيع الأولاد وينقطع النسل إلا نادراً ويدل عليه أن شهوة الجماع

стр. 442

مخلوقة والخلق لغير حكمة عبث ولا حكمة إلا في الاقتضاء لما فيه من التلذذ وشفاء الصدر إذ في كف نفسه عن ذلك طاعة لربه فيثاب عليه كما يجب عن الزنا فتكون الحكمة أمراً من أمور الآخرة وكلامنا في الحكمة العاجلة قبل أن يأتي أمر الدين والآخرة، ولأن في الكف عن اقتضاء الشهوة بعد الحاجة إليه ضرراً ومكروهاً ولا يجب تحملها إلا بدليل يلزمنا لنفع العاقبة فثبت أن الإباحة أصل والحرمة بدليل عارض، والله أعلم.

стр. 443

باب القول في موجبات العقول الواجبة ديناً نعني بالوجوب الوجوب في الذمم حقاً لله تعالى بوقوعه علينا لا وجوب الأداء والتسليم إلى الله تعالى فقد ذكرنا أن الأداء لا يجب قبل الشرع، هذه الواجبات أربعة: معرفة نفسه بالعبودية. ومعرفة الله بالألوهية. ومعرفة العبيد للابتلاء إلى حين الموت بطاعة الله تعالى على أوامره ونواهيه للجزاء الوفاق خالدين. ومعرفة الدنيا وما فيها للعبيد المبتلين لضرب نفع يعود إليهم منها. ونعني بموجب العقل ما دل عليه العقل قطعاً إذا استدل به العبد إلا أن ما يكون منه ديناً يجب فعله لله تعالى لأنه مبتلى به، وما يجب للحياة الدنيا فلا نصفه بالوجوب عليه بحق الدنيا لأنه فيها كالبهائم وإنما فارقناها في حق الدين، ولهذا بنينا الباب الأول على إثبات الإباحة قطعاً وههنا على الوجوب. وقد يقال بالوجوب في الباب الأول أيضاً للدين إذا كان قوامه للتدين ما تقوم به الحياة الدنيا فيجب الأكل والشرب تديناً، وكذلك التنفس، والتحصن عن شر الأعداء وشر البرد والحر ولو ترك حتى قتل أثم. فأما الجماع فحظ الدين فيه بقاء الجنس إلى يوم القيامة، لأن الله تعالى حكم ببقائه إلى تلك المدة وعلقه بالجماع، وفرض علينا ديناً السعي لإقامة حكم الله تعالى فإنه لا تبديل لحكمة غير أن هذا الحكم يتأدى بجماع البعض فلم يجب على كل واحد بخلاف الأكل فإن الله تعالى حكم ببقاء كل شخص إلى حين، وعلق بأكله لا بأكل غيره فتعين كل شخص لوجوب الأكل عليه ديناً قطعاً ثم إثماً. قلنا: إن هذه الأحكام الأربعة واجبة بالعقل ديناً لله تعالى أما معرفة نفسه بالعبودية لأن قوامه باجتماع أجزاء، والاجتماع عرض يضاد القدر فيلزمه القول على نفسه بالحدث ثم يرى نفسه بفوته محاباة مما أصابه مع شدة حرصه على إمساكه، وبفوته أغراضه مما يطلب مع شدة عزمه على الإصابة، ويجد نفسه تعيش بما ليس له من قوت يخرج من الأرض بماء وطبائع هواء ليست في يده فيعلم أنه مقدور عليه وله.

стр. 444

وإذا علم هذه الأوصاف علم أنه مملوك لأن المملوك لغة ما قهر بيد الاستيلاء وإنه مقهور بالتكوين والإنشاء. وإذا عرف أنه مملوك عرف أنه عبد لأن العبد اسم خاص للملوك من العقلاء الصالح لفعل العبادة وهو صالح لها ومملوك فإذا علم نفسه بهذه الصفات عرف ربه ضرورة لأن كونه محدثاً لا يخلو عن محدث، وكونه مقدوراً عليه لا ينفك عن قادر، والمضروب لا يخلو عن ضارب وكونه مملوكاً لا يخلو عن مالك، وكونه عبداً لا يخلو عن إله العبد اسم لمن خلق للعابد ولا بد للعباد من معبود. الإله لغة: اسم لمن يستحق العبادة، ولهذا سمت العرب الأصنام: آلهة فيعرف بضرورة هذه الصفات التي ظهرت عليه من حيث لا شك فيه أن له إلهاً مالكاً قادراً محدثاً، ولهذا قال النبيصلى الله عليه وسلم:"من عرف نفسه فقد عرف ربه"، وإذا عرف أنه خلق لعبادة ربه، ولا يجوز في الحكمة خلو الصنع عن عاقبة حميدة، وعاقبة الصنع لدى العقلاء. أحد أمرين: فائدة تعود إليهم من جلبة نفع أو دفع ضر أو ظهور الفاعل بعظمته وجلالته وكرمه وصفاته الحسنى بذلك الصنع لدى غيره. وتعالى الله عن الحكمة الأولى فإن الله غني عن العالمين فتعينت الأخرى وهي ظهور عظمته وقيام الثناء والحمد منهم إياه بالإحسان إليهم ولما وجب أن يكون الخلق لهذه الحكمة وهو أن يعرفوه ويشكروه. ثم وجدنا الناس بين شاكر وكافر علمنا أن الله تعالى خلقهم ليعبدوه بأمره إياهم على ذلك لا بجبره. وقد جعلهم مختارين في الإباحة مبتلين بشهوات معلومة فيهم تصدهم عن الإجابة. ولأن الأحياء يجدون من أنفسهم في أفعالهم حد الاختيار ضرورة ويجدون في أنفسهم ما يصدهم عن طاعة الله تعالى ضرورة ويدعوهم إلى خلافها. وفي ذلك ما يفوت هذه العاقبة وفوت العاقبة من الصنع دليل على عجز الصانع وتعالى الله عن ذلك فعلمنا أن تعليق وجوب الطاعة بالاختيار من العبد مع خلق الله الهوى والشهوات الصادة عن الإجابة، كان لحكمة أخرى هي فوق حصول الطاعة بلا فوت وهو أن خلقهم لهذه الأعمال ليجازيهم عليها بوفاق أعمالهم. الإحسان بالإحسان، والسيئة بالسيئة، وما كان يجب الجزاء مع الجبر فالفعل من المجبر غير مضاف إليه بل إلى الذي أجبره فكانت الدار تصير داراً واحدة، وهي الدنيا فكان لا يتم للعبيد من الله نعمة لكونهم مبتلين بالعبادة، والكف عن اقتضاء الشهوات متصرفين تحت الأمر والنهي وكان لا يصفو عن الشبهة

стр. 445

علمهم بصفات الله تعالى فالدنيا على ما نراها ما فيها آيات قاهرة للحق على المعرفة. ولأن لله تعالى صفتين عدل وفضل، ولو كان التخليق على سبيل لا يكون فينا ما يصدنا عن الطاعة لكان لا يقع منا معصية، والله تعالى لا يعذب أحداً ابتداء فكان لا تعرف صفة عدله بدلالة صنعه وصفات الله تعالى مما وجب القول بها بدلائل صنعه عليها فخلق الخلق على هذا الوصف ليصير الناس بين شاكر وكافر ليجازيهم على ذلك في دار أخرى ذات آيات قاهرة لا يبقى فيها أحد منكراً له عاصياً لأمره جاهلاً بصفات بدلالات صنعه لتحصل العاقبة المطلوبة من المعرفة والطاعة بآثار صنعه فيعرفه أهل الجنة بصفة إحسانه بآثار صنعه بمكانهم، وأهل النار بصفة عدله وغضبه وانتقامه بآثار صنعه بمكانهم. فتكون المعرفة بجميع صفاته بأبلغ أسباب المعرفة تعالى الله من حكيم لا يحاط بحكمته ولما وجب القول بدار أخرى، وهي دار الجزاء على هذه الأعمال وجب البقاء والخلود لأنا أثبتنا هذا الترتيب، لأن تناهي الحكمة المطلوبة من الصنع فيه وكان الخلق بدونه عبثاً فلم يجز أن يفوت فيصير عبثاً. ألا ترى في الشاهد كما لا تفوت العاقبة المطلوبة من الصنع عن الصانع إلا لعجزه، كذلك لا تفوت بعد الوجود إلا لعجزه وتعالى الله عن ذلك، وبذلك نطق كتاب الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ وقال: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ أي حسبتم أنا عبثنا بخلقكم، ثم نفى صفة العبث بحكم الرجوع إليه، فبين أنه لا يجوز أن تكون الدنيا بلا دار جزاء. وقال: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية فبين أن التسوية بين الكافر والمؤمن حكم سيء والكافر والمؤمن سواء في حظوظ الدنيا، وأخبر الله تعالى أنه غير حق والله تعالى خلق بحق، وأخبر أن الحق في المجازاة على وفاق العمل. وقال: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض﴾ الآية فأخبر أن الآدمي حملها عن اختياره لعاقبة تعذيب المشتركين ومغفرة المؤمنين وهما في دار أخرى للجزاء. وقال: ﴿خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾. وقال: ﴿وليبتلى الله ما في صدوركم﴾ والابتلاء لا يتصور إلا بفعل يكون الفاعل مختاراً فيه، وقال الله تعالى في حكاية تمام الإيمان: ﴿ءامن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ فثبت أنه لا تتمه إلا بالمصير إليه وليس التتمة بالفناء. ولما ثبت أن الصنع من الله تعالى لا يجوز إلا لعاقبة الاستعباد للجزاء وما سوى

стр. 446

الإنسان من المحسوسات لا يصلحون للعبادة ولم يخاطبوا بها علم أنهم خلقوا لفائدة تجلب منهم أو ضر يدفع بهم، وتعالى الله عن ذلك فعلم أنه خلقها لعود ضرب هذه الفائدة إلى عبده المبتلى بعبادته وإنه حسن في الشاهد فعل شيء لفائدة تعود إليه أو إلى عبده. وبذلك نطق الكتاب وقال: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه﴾ وقال: ﴿وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر﴾ وقال: ﴿فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم﴾ وقال: ﴿فأنبتنا به حدائق ذات بهجة﴾ وقال: ﴿الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً﴾ الآية، إلى آيات كثيرة.

стр. 447

باب القول في محرمات العقل قطعاً للدنيا هذه المحرمات أربعة: الجهل، والظلم، والعبث، والسفه. أما الجهل: فإنه يكون بترك الاستدلال بنور عقله والعاقل ما ركب فيه العقل إلا ليقف به على مصالح غائبة لا تنال إلا بالحواس، وبه غلب ما في البر والبحر وسخرها، وادعى لنفسه كل شيء منها، فمتى لم يستدل بنور عقله لم ينل شيئاً مما تمنى لنفسه من هذه المطالب فيحرم عليه بالعقل ما تفوت به أغراض العقلاء كما يحرم به ترك الأكل الذي فيه حياته، وكما يحرم بالعقل ترك النظر بالعين عند إرادة المشي إلى الموضع احتاج إليه أو إطفاء السراج ليلاً مع إرادته السلوك في مضائق لا يهتدى فيها إلا بسراج. ولما حرم الجهل قطعاً حرم الظلم من طريق الأولى، لأن الظلم تفسيره: وضع الشيء في غير موضعه فيصير فعله فعل جاهل بعد المعرفة، فيكون الظلم مكابرة لما رأى بنور عقله. والأول تركاً للرؤية كالذي لم يفتح عينيه حتى وقع في بئر فيقبح منه ذلك. والذي فتح فرأى البئر ثم أوقع نفسه فيها قصداً كان الفعل منه أقبح. ومثاله في باب الشرع: من بلغته الدعوة والمعجزة فلم يتأمل وكفر كان قبيحاً. والذي تأمل وعرف ورد تعنتاً كان أقبح نحو كفر إبليس وفرعون عليهم اللعائن حيث جحدوا واستيقنت أنفسهم ظلماً. أما العبث: فحرام عقلاً لأنه اسم لفعل يخلو عن الفائدة لأن نفس الفعل وإن قل ففيه أدنى مشقة، فلا يتحمل عقلاً إلا لفائدة أولى منها. والسفه: اسم لما يوجب مضرة فكان أقبح من الأول لوجود معنى الأول فيه من فوت الفائدة وزيادة من ضرر، فكان السفه من العبث كالظلم من الجهل ففي الجهل، والعبث حرمان الفائدة، وفي الظلم والسفه قبح العاقبة، والله أعلم.

стр. 448

باب القول في محرمات العقل قطعاً للدين هذه المحرمات أربعة: أ-الإيمان بالطاغوت. ب-وكون الخلق للحياة الدنيا واقتضاء الشهوات فيها. ج-والإنكار بالصانع. د-والإنكار بالبعث للجزاء. فهذه محرمات لقبح فيها لا لأنها أضداد الواجبات التي مر ذكرها في باب: موجبات العقل للدين وأما للإيمان بالطاغوت: فإنه اسم لما عبد دون الله أو سمي قديماً دونه، أو أولاً على حسب اختلاف المشركين والملحدين، وذلك لأن ما دون الله لا يخلو عن صفات الحدث كما هو نفسه لا يخلو عنه فلما حرم على نفسه القول بأنه الإله المعبود فليحرم القول به لغيره من طريق الأولى، وإلى هذا أشار الله تعالى فقال: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ يعني من حيث أنها مخلوقة، ثم قال: بل هي دونكم فقال: ﴿ألهم أرجل يمشون بها﴾ الآية. وأما القول بأن الدنيا مخلوقة لاقتضاء الشهوة: فحرام لأنك كما لا تجد نفسك، ومن دون الله إلا وأمارات الحدث فيه ظاهرة فلا تجد شهوة إلا مشوبة بما لا يشتهى، فإن الحياة رأس مال الحي، وقد ابتلي الحي بالموت. والشهوة شهوتان: شهوة بطن، وشهوة فرخ وما سواهما أتباع في حق الحياة. وشهوة البطن في الأكل والأكل لا ينال أصله إلا بضرب كسب، ويحتاج بعده إلى قضاء الحاجة التي لو تأمل في قبحه ما باشر العاقل سببه مع الإمكان بدونه، ألا ترى أن الأكل في الآخرة كيف يخلو عن الكسب وعن قضاء الحاجة لما كان لاقتضاء الشهوة، والجماع لا ينال إلا بطلب وغرامة ثم لا تقضى الشهوة إلا بذهاب القوة، وقد تقصينا الكلام فيه في كتاب"الأمد الأقصى"، حتى خلا جماع الآخرة عن طلب السبب وعن الإنزال الذي فيه ضعف فيحرم القول بأنه خلق لاقتضاء الشهوات فيها، ولا تنال شهوة خالية عما لا يشتهى. وأما الكفر بالله: فحرام لأنه من حيث عرف نفسه مخلوقاً يعرف الله تعالى خالقه

стр. 449

والمنعم عليه، والكفر بمن أنعم عليه حرام لأنه من فعل اللسان بمنزلة ذم من أحسن إليه فيكون كذباً وظلماً وسفهاً، فقد وضع الشيء في غير موضعه ولما حرم الكفر بالله حرم إنكار البعث للجزاء لأن خلق الدنيا بدون البعث للجزاء يكون عبثاً من الله تعالى على ما مر، وفي وصف الله تعالى بالعبث كذب عليه كالكفر كذب على الله تعالى فكانا باباً واحداً، والله أعلم.

стр. 450

باب القول في مباحات العقول الجائزة للدنيا هذه المباحات أربعة أقسام، ونعني بالجائزة: ما يجوز أن يكون مباحاً عقلاً، ولا يجب حتى يجوز القول بحرمتها إذا قام دليل الحرمة شرعاً أو عقلاً. فأما الأقسام: فنحو مباشرة أسباب البقاء فوق ما تندفع به الضرورة، وجمع المال فوق الحاجة من نوع واحد، أو من الأنواع كلها، والتزين بأنواع ما يتجمل به على وج لا يتعلق به القوام، والجماع لا لطلب الولد، أو فوق ما يكتفى به للود من النساء فهذه إباحات غير واجبة بالعقول، ولهذا جاء الشرع بالتحريم فيها مرة وبالإباحة أخرى. وقد مر أن موجبات العقل لا يرد الشرع بخلافها لأن الشرع والعقل حجتان من الله تعالى على عباده. وحجج الله تتأيد ولا تتناقض فمجيء الشرع بالتحريم دليل على أن العقل جوز تحريمه. وإنما كانت الإباحة لظاهر دليل يحتمل أن لا يكون دليلاً أو لانقطاع دليل كالعمل بدليل القياس جائز ويجوز ورود الشرع بخلافه فيبطل، وقد اختلف العلماء في حكم هذه الأقسام بمجرد العقول؟ فقال بعضهم: لا نشتغل بها لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول. وقال بعضهم: بالحرمة حتى تثبت الإباحة بدليل شرعي. وقال بعضهم: بالوقف. وقال علماؤنا: بالإباحة حتى يقوم دليل الحظر. أما الأول فقد مضى. وأما الثاني: فنقول إن الإنسان عبد الله والدنيا كلها لله تعالى. والأصل في ملك الغير حرمة التناول حتى يبيحه المالك وكما في عبيدنا معنا، ولا دليل فيما وراء ما يتعلق به أصل البقاء من حيث الضرورة وضرورة الحاجة كانت مبيحة فبقي ما وراءها تحت الحرمة. وأما الثالث فنقول: إن دليل العقل فيها يحتمل الإباحة والحظر، ولهذا جاء الشرع بالحظر تارة وبالإباحة أخرى والشرع لا يأتي بمخالفة دليل العقل ولكن قد يتبين به ما يدل عليه العقل مما كان قد يخفى قبل الشرع لقلة التأمل أو لاحتمال دليل العقل أو لتعارض

стр. 451

دقة الأصول عند الله تعالى. والقول الرابع: قول علمائنا: والحجة فيها ما ذكرنا من الآيات المثبتة أنها خلقت لنا ولما ذكرنا أن الخلق لا لهذه الحكمة عبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وبدليل أن الله تعالى ما حرم شيئاً من أنواع هذه المتناولات إلا لمصالح تعود إلينا في الحرمة. فحرم الزنا لما فيه من ضياع النسل لعدم التربية في ذلك. وحرم الإسراف في الأكل لما فيه من الضرر. وحرم تضييع الأموال لما فيه من السفه. وحرم الخمر لما فيها من نقص العقول والصد عن ذكر الله تعالى وأفعال المجانين. وحرم القمار لما فيه من البغضاء والعداوة وفساد الأموال. وحرم الخنزير لما فيه من عدوى طبعه إلى الأكل وكذلك سائر السباع الناهشة. وحرم ما حرم باسم الخبائث ليدلنا على حكمة التحريم أنه ما حرم على سبيل الابتلاء بالتحريم لكن حتى لا يعدو إلينا الخبث الذي فيها. وأباح عند الضرورة لأن ضرر الهلاك فوق ضرر عدوى الخبث، ونقضان العقل بالخمر إلا الزنا لأنه لا يتصور فيه ضرورة مهلكة، لأنه حرم لصلاح النسل وحقهم مثل حقه فلا يسقط حقهم بحقه كما إذا أكره عن القتل، ولو كان التحريم لحق الله تعالى لما سقط بضرورتنا كحرمة الكفر وحرمة الفطر عن الصوم، فإنه وإن هدد بالقتل لم تسقط الحرمة حتى إذا صبر وقتل كان مأجوراً لأن الحرمة ثبتت حقاً لله تعالى، فلم تسقط بحقنا فصار العبد في طاعة الله بالانتهاء عما حرمه عليه. ولو هدد على أكل الميتة بالقتل فصبر حتى قتل أثم لأن الصلاح لما تعين في التناول سقطت الحرمة لأنها ثبتت لمال فيها من الصلاح، فلما تبدل الصلاح وصار في الإباحة سقطت الحرمة، ولما سقطت الحرمة لم يكن الامتناع عنه طاعة لله تعالى فصار بالامتناع موقعاً نفسه في الهلكة لا على سبيل طاعة الله تعالى فأخذ به. فثبت أن التحريم من الله تعالى كان على سبيل نهي الطبيب المريض عن بعض الأغذية لصلاح المريض في الامتناع عنه لحاله ثم يبيحه له إذا صار الصلاح في التناول، والنهي عن شرب الدواء في بعض الأحوال، والأمر به في البعض من غير تبدل حال المشروب في نفسه بل لتبدل حال الشارب. وقد يبيح الطبيب شيئاً لإنسان دون إنسان مع اتفاق حالهما، وإن كان لهما جميعاً صلاح في التناول لأن الصلاح في الكف أتم فنهى عن التناول أحدهما ليظهر له زيادة عناية بمكانه، وإن كان التناول صالحاً.

стр. 452

والذي دل على أن التحريم من هذا الطريق وأن الأصل هو الإباحة قول الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحى إلى محرماً على طاعم يطعمه﴾ الآية فعلم رسول الله الاحتجاج بلا دليل على أن التحريم من طريق الشرع، وعدم الدليل لا يكون حجة للإباحة فعلم أن الإباحة فوق الحاجة أصل ثابت بدليل العقل ظاهرًا لا قطعًا، وإنه حجة يجب العلم به حتى يتبين بالشرع أن الحق في خلاف ذلك الظاهر الذي كان يحتمله الدليل فيصير دليل الشرع كالمخصص لدليل العقل، ويكون حكمه حكم الخاص يرد على العام فيبقى العام حجة فيما لم يرد الخصوص فيه. فأما الجواب عن قولهم: إن العبد والدنيا لله تعالى فهذا استدلال واهي، لأن ملك الغير لا يحرم تناوله لمعنى في المتناول بل صيانة لحق المالك، فإن حقه ثبت لما يعود إليه من الفائدة بتملكه حتى إذا مات وصار بحيث لا يحتاج سقط ملكه. ولما ثبت الملك لحاجته إليه في الجملة وجب الصيانة عليه حتى لا يتضرر بالائتلاف عليه. فإن الإضرار ظلم فنهى الغير عن تناوله كما نهى عن شتمه وسائر وجوه الإضرارات إلا أن يوجد إذنه فيباح لسقوط حقه بإذنه، وسقط معنى الضرر، إذا جاء الرضى فإن الإباحة إحدى جهات التصرف من المالك فلا يكون نفاده من الملك ضرراً يلحقه. وأما الملك لله تعالى فليس يثبت من هذا الطريق-تعالى الله عن ذلك-بل لأنه خلقه وكونه وليس يجب الصيانة عليه لدفع الضرر عنه-تعالى الله عن ذلك-بل خلقه للحكمة التي قلناها وذلك في أن تكون هذه الأشياء مخلوقة لبني آدم فيصير الأصل هو الإباحة كالمولى جعل شيئاً لمكاتبه فإن الحظر الذي يكون من جهة المالك يزول بهذا الجعل. ولما صارت هذه الأشياء بحيث لا يتضرر المالك بتناولها، ولا ينتفع ببقائها أشبه من أموال الناس ملا ينتفع به من حبة سمسم وقطرة ماء ونحوها، وهذا القدر مباح التناول إذا وجدت ساقطة على الطريق. فإن قيل: إنما جعلنا هذه الأشياء مخلوقة لنا حتى لا يخلو الصنع عن العاقبة الحميدة، وهذه الحكمة تثبت بأن يجعلها لنا من حيث نستدل بها على الصانع. قلنا: قلنا: فائدة الاستدلال بها من قبيل فائدة الاستدلال بنفسه من حيث الاستدلال بأمارات الحدث بل في الفلك ما يوجب الشبهة، ويدل على الإنسان حتى لم يختلف الحكماء في حدث الإنسان. وقال بعضهم بمن ينسب نفسه إلى الحكمة: بقدم العالم العلوي، أو الطباع على حسب اختلافهم

стр. 453

ألا ترى أن إبراهيم فيما حكى الله عنه من الاستدلال عليه لم يبدأ بنفسه، ولم يقل: أنا رب، ولم يشكل عليه حدثه، ولم يكن أيضاً مشكلاً على غيره إذ لو كان لبدأ بها ليزيل الإشكال عن غيره بأمارات الحدث. وبدأ بدعوى الربوبية للنجم والقمر والشمس لإشكال كان على القوم، فأزال الإشكال بذكر أمارات الحدث لتقع البراءة عنها إلى الله تعالى فثبت أن الفائدة ما قلناه. ولأن حرمة التناول لم يجز إثباتها لحق الله تعالى على ما بينا، ولا لحق هذه المخلوقات في أنفسها لأنه لا حق لها على ما بينا علم أنها خلقت لنا. والخلق لنا يوجب الإباحة عامة لا أن يثبت مقتضى ثبوت الحكمة للخلق فإن الحكمة ثابتة في أن خلقت لنا ثم الإباحة بحكم أنها خلقت لنا، والله أعلم.

стр. 454

باب القول في المشروعات الدينية الجائزة بالعقول ثبوتها وسقوطها وظهر التناسخ فيها شرعاً ولم يدم وجوبها اختلف العلماء في حكم دلالات العقول على هذه المشروعات الدينية لولا الشريعة على أقوال أربعة: فقال قائلون: الاشتغال به لغو لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول بمجردها. وقال بعضهم: هذه المشروعات كلها تكون حسنة بالعقول لولا الشريعة لا تزيد على صفة الحسن بدلالة العقل. وقال بعضهم: أما العبادات فكانت تجب دائمة لولا الشرع لا راحة عنها إلا عند عدم الإمكان كالإيمان بالله تعالى وإنما سقط لا لضرورة بالشرع تيسيراً، وإليه ذهب بعض الصوفية. وأما العقوبات المعجلة فما وجبت إلا شرعاً. والمختار عندنا أن على العبد بمجد العقل أن يؤمن بالله تعالى ويعتقد وجوب الطاعة على نفسه لله تعالى على أوامره ونواهيه وإنه خلقه لعبادته لكنه يقف نفسه للبدار إلى ما يأمره وينهاه من غير أن يقدم على شيء منه بالاستباحة تعظيماً لله تعالى، لا لقبح هذه المشروعات قبل الأوامر بل مع معرفة حسنها بدلالات العقل، وهو مذهب علمائنا-﵏-ولهذا كان بعث الرسل-صلوات الله عليهم-على الله تعالى حقاً واجباً ليمكنهم الإقدام على العبادة، الوقف للطاعة ضرب عبادة ما فيها تميل للعقل فكان يلزمه ذلك بمجرد العقل مع اعتقاد أنه مخلوق للعبادة المطلقة فإنها مجملة وأن الله تعالى يبين له ذلك. أما القول الأول فعلى ما مر. وأما الثاني: فلأن العبادة اسم لما حسن فعلها في الشاهد تعظيماً للمعبود فليزمه اعتقاد فعلها على أنها حسنة، وسأتي بها على هذا الوصف. وأما الوجوب فلا يثبت إلا بالشرع. وأما الثالث: فلأن العبد لله تعالى بنفسه ومنافعه، وقد علم بدلالة عقله أنه مخلوق لعبادته فيصير صرف نفسه ومنافعه إلى العبادة أصلاً دائماً، كما في الإيمان إلا إذا لم يمكنه.

стр. 455

وأما الرابع؛ فلأنا نقول: إنه ثابت بدلالة العقل أنه مخلوق لعبادته، كما ثبت أن الدنيا مخلوقة له فيلزمه اعتقاد وقف نفسه للعبادة، كما لزمه اعتقاد أن الدنيا خلقت لمصالحه. فأما عبادة معتادة عبادة في الشاهد فلا يأتي بها إلا بعد الأمر لأن الإتيان به. وإن كانت عبادة فالكف عنها هيبة، واحتشاماً إلى أن يؤمر عبادة أيضاً، فإنه ما من فعل يكون عبادة إلا وفيه ضرب بسوطه، وطلب قرب منزلة فإن رأس العبادات الصلاة، وإنها بمنزلة المناجاة مع الملك في الشاهد، وفي لمصير إلى مكان الخلوة للخدمة. والمناجاة ضرب بسوطة وطلب منزلة واقتضاء مراد وكانت قرة عين رسول الله ﷺ في صلاته فلما كانت مشوبة ما عليه بما له لم يقدم على ما له بمجرد العقل واقتصر على مجرد ما عليه من وقف نفسه، ولو عن الحركة حتى يأتيه الأمر. ولهذا قال علماؤنا-﵏:إن الأصل في الدعوات والعبادات كف اليد عن الرفع إلا حيث أذن، وكف البصر عن الشخوص وخفض الصوت بالدعاء إلا حيث أذن به، وبه نطق كتاب الله تعالى: ﴿أدعوا ربكم تضرعاً وخفية﴾، وقال الله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾. والجملة فيه: أنا عرفنا بدلالة العقل أن الله تعالى خلقنا لنؤمن به ونعبده كما نطق به كتاب الله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ وسائر الآيات لكن العبادة مجملة فيجري مجرى خطاب الله إيانا بالصلاة فما يلزمنا من أمره بالصلاة بالوحي قبل البيان يلزمنا من أمره بالعبادة الثابتة بدلالة العقل فرأس الإسلام التعظيم، وهو الكف عن كل فعل على اعتقاد الطاعة حتى يأتينا البيان مخافة أن نقع بما يتصور عندنا حسناً فيما ليس بحسن مرضي لله تعالى تعظيماً له. ألا ترى أن بعد الشرع كانت الصلاة بلا طهارة قبيحة ومكروهة في بعض الأوقات وترددت بين فاسدة وجائزة. وهذا كما قلنا في الدنيا إنا نعلمها بدلالة العقل مخلوقة لنا ولضروب فوائد تعود إلينا، ولكن الانتفاع بعين منها لعين منفعة لا يكون إلا ببيان أن ذلك العين يصلح لتلك المنفعة غير أن الصلاح لنا مما يعرف بدلائل غير دلالة الوحي وأن يكون مرضياً لله تعالى لا يعرف إلا بدلالة الوحي، والله أعلم. ولهذا المعنى كان ترك اعتقاد وجوب الطاعة فراراً لأنه من الإيمان فأما الطاعة نفسها فتركها فسق وفعلها فيه زيادة فضيلة ودرجة، فكان أمراً زائداً على الإيمان من جملة ما يحتمل قبحاً في الجملة. ويدل عليه أن هذه العبادات علقت بأسباب شرعاً لا تدرك بالعقول كزوال الشمس والبيت وخمس من الإبل السائمة.

стр. 456

والإيمان بالله علق وجوبه بآيات الحدث فينا وهي معروفة بدلالات العقل فقام العقل في إيجاب الإيمان مقام الشرع في العبادات ولهذا قلنا: إن الله تعالى لا يخاطب الكافر بالعبادة إبانة لهوانه وعدم أهليته لا نظراً ومرحمة، ولما كان مشوباً بالكرامة لم يكن للعبد المصير إليها إلا بأمر لما فيه من الترقي إلى درجة الكرامة. قال القاضي أبو زيد-﵀:انتهى كلامي في ذكر الحجج والخطاب إلى ما ختمت عليه الكتاب ليفارق الآدمي البهيمة في علمه، ويفرق بين حفظه وفهمه. ولما كان ذكر الحجج لإفادة العلم، والعلوم أنواع لم يكن بد من ذكرها وذكر أضدادها، وما يختلف عليه أحوال قلب الآدمي فيه، وأنا استوفق الله تعالى وأستهديه ليعنني على كشف ما أنا فيه، والله أعلم.

стр. 457

باب القول في أحوال قلب الآدمي قبل العلم، وأحواله بعد العلم قال القاضي-﵀:يولد الإنسان وهو نظير المجنون في عدم العقل، ليس معه قدرة التمييز التي بها خوطب الإنسان بهذه العلوم، وضده العاقل لا العالم ثم يصير عاقلاً. والعقل: عبارة عن نور في الصدر به يبصر القلب إذا نظر في الحجج كالشهاب للعين، ومع هذا النور يبصر القلب الأمور الغائبة عن الحواس إذا نظر في الحجج، كما أن العين إنما تبصر مع نور الهواء إذا نظر فيصير الإنسان إذا عقل قادراً على النظر لكنه على جهل ما لم ينظر، وضد الجهل العلم. ثم ينظر نظراً ضعيفاً فيصير شاكاً، والشك ضد اليقين، وذلك كالشيء يبدو للعين إذا نظر إليه بدواً غير قوي فلا يميز الناظر إليه بين حقيقة وجود لا شيء، وبين جبال تمثل للعين، أو علم بحقيقة الوجود، ولكن احتمل أن يكون زيداً أو عمراً فيشك فيما رأى ولن يكون الشك إلا بإحتمال الأدلة، ونظيره الريب. ثم ينظر نظراً فوق ذلك غير تام فيصير ظاناً، والظن في اعتقاد القلب أحد وجهي الشك برجحانه على الآخر بهوى النفس، لا بدليل هو دليل على الحقيقة كظن الكفرة الأصنام آلهة، والملائكة بنات الله ونحوها من اعتقادات كانت لهم بلا دليل. قال الله تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئاً﴾ ولهذا صح استعارة الظن للعلم فإن مثل تلك الرؤية للقلب إذا كان عن دليل كان علماً وحقاً على ما نذكره. وضد الظن الحق كما قال الله تعالى: ﴿وإن الظن لا يغنى من الحق شيئاً﴾. فهذه أحوال أربعة للقلب قبل العلم، وقبل النظر في الحجج نظراً على وجهه، فإذا صار النظر على الوجه وميز بين الدليل وما ليس بدليل وطلب الرجحان لأحد وجهي الشك بالحجة وترجح ومال القلب إليه من غير يقين فذلك مبدأ العلم بغالب الرأي؛ كالعلم الذي يقع بالمقاييس والاجتهادات التي تحتمل الخطأ وأخبار الآحاد ونحوها من الأدلة المجوزة على ما مر القول في بيانها. وهذه الحالة تسمى علماً لكنه على سبيل المجاز لقيام شبهة الخطأ واحتمال مع هذا الدليل.

стр. 458

واسمه على الخصوص الحق لأنه ثبت بدليله. وضده الظن إذا ثبت لا عن دليل لكن بهوى النفس. ثم إذا جد في النظر وفوق للإصابة وزالت الشبهة من كل وجه عن تبدي الحق للقلب صار علماً الذي ضده الجهل. فصار حد العلم رؤية القلب المنظور فيه كرؤية العين المنظور إليه فالعلم للقلب صفة خاصة كالرؤية للعين. وقد تستعار الرؤية عن العين للقلب لأن العلم بمعناه. والرؤية إنما تكون بتبدي المنظور إليه للعني، فكذا العلم بتبدي المنظور فيه للقلب. والاعتقاد عندنا صفة زائدة للقلب بعد العلم بعلم ثم يعتقد أي: يعقد الإنسان قلبه على ما رأى، وإنما يتبين الشيء بضده فضد العلم الجهل وضد العقد الحل، وحتى أضيف العقد إلى كل شيء، يقال: عقد الحبل فانعقد، كما تقول في ضده: حللته فانحل، والعقد والعزم والقصد في صفات القلب نظائر بعضها فوق بعض، وذلك كله بعد العلم أي بعد رؤية ما يعتقده ويقصده ويعزم عليه. وكان إبليس على هذا عالماً بالله تعالى غير معتقد أي: غير مؤمن ولا مصدق ولا عامل بعلمه، فإنه للقلب كالطاعة للبدن يعلم بوجوب الصلاة ثم يعمل به فيكون تصديقاً لقلبه على ما علم، وإن ترك كان تكذيباً لقلبه بفعله واسم هذا العلم على الخصوص اليقين الذي هو ضد الشك على الخصوص، وهو ضرب من الجهل. ثم العلم الأول ما يقع للقلب لا يخلو عن ضرب اضطراب بحكم ابتداء الوقوع كالرجل يدخل داراً أول ما يدخل فيكون على اضطراب بحكم ابتداء الصحبة. والعين ترى الشيء لأول ما ترى فإذا دامت الرؤية وزال اضطراب البدو صار العلم معرفة؛ كالغريب إذا دخل بلدة وصحب أهلها تثبتت بينهم المعرفة، وإن كان يثبت العلم بأول الرؤية، ولهذا يقال للبهائم: عرفت كذا، ولا يقال علمت لأنها لا تعرف شيئاً إلا بالعيان الذي يزيل كل اضطراب. والعلم ما يكون بنظر القلب والاستدلال الذي هو دون العيان حتى إذا زال الاضطراب بدوام الصحبة قيل: معرفة، وضد المعرفة الفكرة. وضد العلم: الجهل. ثم النكرة بعد المجهول بدرجة فإنك إذا قلت: أعط زيداً درهماً من غير إشارة إلى أحد كنت أمرت بإعطاء رجل مجهول لا نكرة. فزيد معرفة لغة إلا أنك جهلته للتعارض فإن الزيدين كثيرة.

стр. 459

وإذا قلت: أعط رجلاً درهماً، كنت أمرت بإعطاء رجل نكرة فرجل منكور لأنه مجهول بعدم دلالة المعرفة لا للتعارض وزيد جهل بعد قيام اسم المعرفة بحكم التعارض فتكون النكرة من الجهل كالجهل من الشك. فتقول: فلان جهل ربه إذا لم يعلمه، وفلان أنكر إذا زاد على الجهل التكذيب والجحد. ويقال: علمت فلاناً لكنه ليس من معارفي، إذا لم يكن بينكما صحبة. فعلمت أن المعرفة فوق العلم بزيادة صفة الصحبة للقلب لا بزيادة درجة الثبوت، فإنهما سيان في اليقين. ثم العلم بعدما يصير معرفة ينقسم إلى ضربين: علم الظاهر دون المعنى الباطن الذي فيه الحكمة، وعنده يلتذ القلب به ويصير معقولاً له ويجري مجرى الطبيعة فإن العقل مما خلق فينا ورأيه بمنزلة رأي هوى النفس في القبول وسكون الإنسان، فمتى نظر بدلالة عقله ووقف على المعنى الباطن والتذ القلب به بعدما اطمأن إليه صارت المعرفة فقهاً. والفقه: اسم لضرب علم أصيب باستنباط المعنى. وضد الفقيه صاحب الظاهر وهو الذي يعلم بظاهر النصوص من غير تأمل في معانيها ولا يرى القياس حجة. ولو كانا لعلم والفقه سواء لم يكن ضد الفقيه نوعاً من العلماء بل كان ضده الجاهل. وإلى هذه تناهى حد العلم فيرى القلب أول ما يرى بغالب رأيه من غير يقين فيميل إليه، ثم تزول الشبهة فيصير علماً حقيقة ثم يقر عليه فيصير معرفة ثم ينظر في معناه وحكمته فيقف عليهما فيصير فقهاً وقد فسر عبد الله بن عباس ﵁ الحكمة بالفقه في جميع القرآن. ولهذا خص بهذا الاسم العلماء الذين يرون القياس حجة لأن القياس لا يكون حجة إلا بالوقوف على المعاني الباطنة. غير أن الله تعالى يوصف بالعلم وال يوصف بالمعرفة والفقه، لأن العلم يتبدى المعلوم للعالم على حقيقته، والله تعالى لا يخفى عليه شيء فكان عالماً. والمعرفة والفقه اسما حالي العلم على ما مر، وليس لله تعالى أحوال في صفاته وأسمائه تعالى عن ذلك علواً كبيراً فلا علم لنا إلا بديل. والدليل قد يكون حسياً وقد يكون عقلياً أي لا يعرف دليلاً إلا بدلالات العقول كالآيات على الله والمعجزات على الرسل ﵈. فالحسيات مما يشارك البهائم الآدميين في المعرفة الواقعة بها، فإنها تعرف أولادها

стр. 460

وأجناسها ومراحها ومسرحها لأن لها حواساً كالآدميين، وإنما يفارق الآدمي غيره في ما لا يعرف دليلاً إلا بدلالات العقول. ثم الدليل قد يفهم، وقد يحفظ. والحفظ مما تشارك البهيمة الآدمي فيها فإنها حفظت الأدلة الحسية من ضروب الأشباه والأعلام وهو كالصبي الصغير يحظ القرآن ولا يفهمه. والعجمي يحفظ القرآن ولا يفهمه. الحفظ طبيعي للقلب والفهم عقلي. وضد الحفظ النسيان وما هو بضد للفهم، يقال: فهم وعقل بمعنى واحد لا يكون إلا بدلالة العقل فاستعير لفظة عقل لفظة فهم. وقد يكون العلم بحفظ الأدلة التي هي تصورها حجة كالنصوص عن صاحب الشرع، ولا يكون الفقه إلا بالفهم وبالله التوفيق. فلهذا لا يلتذ الإنسان بعلمه حتى يفقه، لأن العلم يقع بسماع النصوص الموجبة للعلم انقياداً للشرع، واستسلاماً لما عرف من عصمة الرسول ﷺ عن الكذب فكان انقياداً، بخلاف طبعة كرهاً إسلاماً لأمر الله تعالى، فإذا فهم المعنى وصار العلم فقهاً كان علماً على موافقة طبيعة العاقل، فإن المعقول للعقلاء طبيعي عقولهم كالمحسوس للبهائم فيصير لذيذاً لا يصبر عنه ساعة، ولا تقابله لذة يشار إليها من أنواع اللذات إلا لذة العمل بالعلم من أنواع العبادات لأنه لا تخلو عبادة عن منزلة قرب وكرامة، وإلى ذلك يتناهى ما يتحقق لذة في الدنيا، ولهذا قال النبي عليه:"وجعلت قرة عيني في الصلاة"، وبالله التوفيق.