Полный текст (460 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الكذب بعجزهم عن إظهار الحجة فالإلهام حجة باطنة لا يمكن إظهارها.
وقال تعالى: ﴿ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه﴾ وبجهنم بدعوى إليه غير الله لا برهان لهم به، ولو كانت شهادة قلوبهم لهم حجة لما لحقهم التوبيخ فثبت أن الحجة التي يصح العمل بها ما يمكن إظهاره من النص والآيات التي عرفت حججا بالنظر التي يمكن إظهارها وكانت الحكمة من قيد لا برهان به وإن كان الشرك باطلا أصلا ليشتغل السامع بالبرهان نفيا للتوبيخ عن نفسه فيدله البرهان الصحيح على بطلان الشرك وحقية أن الله تعالى خالق لا شريك له.
وقال الله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ فالله تعالى جعل تبين أن الله تعالى حق غاية لرؤيتهم الآيات فثبت أن العلم بالله تعالى لا يكون بدون الآيات، والآيات لا تدلنا إلا بعد الاستدلال بها عن نظر عقلي.
فإن قيل فيه: إن الله تعالى هو الذي يرينا الآيات بلا صنع منا فيلهم العبد حدوث العلم، وأن له محدثا هو الله تعالى.
قلنا: لو كانت المعرفة صحيحة على ما ابتلينا بها بدون صنع منا لأوقعها الله تعالى بلا واسطة الآيات.
والآيات مما تدلنا على الله تعالى من طريق النظر والاستدلال كالبناء على الباني، والحدث على المحدث وإنما تأويل الإضافة إلى الله تعالى على معنى أن الله تعالى هو خالق الآيات للنظر والاستدلال، وهو الموفق لعبده، والملقي في قلبه سمة التفكر في الآيات ومرينا أفول الشمس بلا صنع منا لنستدل بانعزالها على أنها ليست برب.
وكذلك فسر الله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فلما أفل قال لا أحب الآفلين﴾ إلى أن قال: ﴿إني برئ مما تشركون﴾ ثم قال الله تعالى: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ ثم دلت هذه الآية أن لا حجة فوق هذه، فلو كانت لما حرم إبراهيم ﵇ وهو خليل الله.
ثم قال: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين﴾ فأخبر أن الإراءة ما كان من إراءته إياه انعزالها عن سلطانها بالأفول حتى تيقن به على أنه مخلوق وأن الله تعالى من خلقها، وأخبر أن الإيقان بالله تعالى متعلق بالوقوف على الآيات الدالة على حدوث العالم ليتبرأ منه أولا ثم يوقن بالله تعالى كما قال إبراهيم ﵇: ﴿إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا﴾.
وقال تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾ وكانت كلمة التوحيد لا إله إلا الله فالله تعالى يرينا بفضله الحجج الدالة على حدوث العالم حججا
стр. 387
يمكننا التكلم بها، والمناظرة بها وإلزام الخصوم فنتبرأ منها إلى خالق ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وإنما الاختلاف في المعرفة بلا حجة يمكن المناظرة بها.
وأخبر الله تعالى في غير موضع أن القرآن هدى.
وكذلك الآيات لقوم: يتفكرون، يتذكرون، يعقلون، يفقهون، لوم يقل في موضع: لقوم يلهمون، ولو كان الإلهام أحد طرق العلم لبينه الله تعالى في كتابه فإنه أنزل تبيانا لطرق العلم وقال: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض﴾ وقال: ﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف﴾ الآية.
ولو كان الإلزام بالإلهام لما عوتبوا على ترك النظر والسير وقال النبي ﷺ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد فيه رأيي، فقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله" ولم يقل: بالإلهام ولم يأمره به رسول الله ﷺ .
وقد استقصينا هذا الباب في أبواب القياس. وقال ﷺ : "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" وأنه جائز برأي النظر والاستدلال بأصول الدين بالإجماع.
فثبت أن المراد به الرأي بلا نظر له، ولأن الرأي بلا نظر لو كان حجة يجب العمل بها كالوحي لحل لكل إنسان قبل الوحي أن يدعو الخلق إلى ما عنده بل كما يجب على نفسه العمل به.
وكما كان يجب على النبي ﷺ ذلك، ومن قال هذا فقد كفر.
ولأنا نقول له الإلهام حجة على الحق بخلاف الشرع أم بموافقته، فإن قال بخلافه كفر، وإن قال بموافقته فلا تثبت الموافقة إلا بعد النظر في أصول الشرع، والاستدلال كما يكون بالقياس.
ولأنا نقول: إن هذا الإبهام قد يكون من الله تعالى، وقد يكون من الملك، وقد يكون من إبليس على ما قال الله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾، ومن نفسه على ما قال: ﴿ونعلم ما توسوس به نفسه﴾، ولن يقع التمييز بينهما إلا بعد نظر واستدلال بأصول الدين.
ولأنا نقول: لو سلمنا أن الإلهام ثابت بمنزلة الوحي فبماذا يعرف النبي ﷺ نفسه أنه موحى إليه، وأن ما تراءى له وحي من الله تعالى وبماذا يلزم الناس إتباعه فلا يجد فيمن مضى وظهر منهم إلا بحجة وآية ظهرت للنبي ﷺ في نفسه عرف بها أنه من الله تعالى، وإنما عرف هذه الآية أية بنظره واستدلاله.
стр. 388
وكذلك لا يلزم الناس إتباعه ولا يحل إلا بعد ظهور الآية لأن النبي ﷺ كان يقول برأيه وكان ينزل الوحي بخلافه، وكان يرجع عنه بقول الصحابة فلما جاز الغلط على الرسول إلا فيما أقر عليه لكونه معصوما عن شرع ما لا يحل كان على من دونه أجوز وقد أمر الله تعالى رسوله بمشورة الصحابة ولم يأمره بالرجوع إلى قلبه في فصل المهمات.
ولأن الخصم يقول له إنك مبطل لأني ألهمت ذلك وأنه حجة فلا يمكنه الخروج عنه إلا بأن يقول: إنك لست من أهله فيقابله خصم بمثله ثم لا يمكنه التمييز بين الأهل وغيره إلا ينظر واستدلال.
ثم نقول: إن الإنسان مبتلى بكسب العلام كما ابتلي بالعمل بالعلم قال الله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ بل كسب العلم هو الأصل، وكسب العلم عمل القلب، وكل عمل ابتلي الآدمي به فهو عمل يأتي الآدمي على سبيل الاختيار عن تمييز عقلي فلو كان العلم يقع بالإلهام جبرا من الله تعالى لم يكن مما ابتلينا به ولم يكن عليه ثواب، ولا على تركه عقاب على مثال معرفة البهائم والطيور ربها تعالى فلما كان الثواب مشروعا على العلم بالله تعالى علم أنه لا يحصل إلا عن عمل منا وما ذلك إلا النظر والتمييز سواء سمعنا رسولا يتكلم به أو لم نسمع فإنا لا نعرفه رسولا ولا كلامه حقا إلا بعد النظر فيما معه من الآية الدالة على الرسالة.
قال العبد ﵀: وقد ابتليت بقوم قد زعموا أن العب يرى ربه بقلبه فيعرفه بلا نظر ولا استدلال بالآيات، فكأنه قل لم يكن في السلف، فإن القلب بضعة لحم ما لها حاسة رؤية كسائر الأعضاء، دون العين فلا يقع الفرق بين قولهم هذا.
وقول من يقول: رأيت الله بأذني أو بيدي معرفته، إنما رؤية القلب علمه بنظره، ونظره التفكر فيما أحس لا يتصور غير ذلك لإفادة علم، ولهذا قال الرسول ﷺ : ﴿تفكروا في الآيات ولا تتفكروا في الذات﴾ لأن الآيات محسوسة فالتفكر فيها يدلنا على الله تعالى والتفكر في الذات يوجب التعطيل كنظر العين إلى ما لا يرى.
وإنما مثاله نجار في بيت لا يرى ويخرج منه الخشب المنجورة فيفيد نظر الناظر إلى الخشب المنجورة العلم بالنجارة، والنظر إلى النجار نفسه يجهله بحاله.
وحكي لنا عن محمد بن زكريا ﵀؛ أنه قال لأصحابه: إذا كلمكم الموحدون في الآيات فكلموهم في الذات، وإليه دس فرعون في محاجته موسى ﵇ فقال: ﴿وما رب العالمين﴾ فأعرض موسى عن جواب المحال، وأجاب بالوصف فقال: ﴿رب السموات﴾. وما كفر حكماء الزنادقة إلا بتفكرهم في الذات والمائية.
стр. 389
ولأن التفكر في الشيء قبل الوقوف عليه لا يتصور والتفكر للوجود لا يتصور إلا في موجود يدل عليه، على أن التفكر نفسه نظر واستدلال وما دعوناك إلا إليه، وإنما أنكرنا كينونة الرأي حجة بلا نظر أصلا.
فأما الجواب عن تمسكه: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾: أن تأويله، والله أعلم عرفها بطريق العلم، وهو الآيات والحجج على ما فسر في قوله: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق﴾ الآية.
وكذلك شرح الصدر بنور التوفيق حتى ينظر في الحجج.
وكذلك أحياه بالأدلة وبما أراه من الآيات فلا اهتداء للعبد إلا بعد هداية الله تعالى، وذلك بطريقين بالهداية بعد جهاد العبد كما قال الله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ وقال: ﴿ويهدي إليه من ينيب﴾ هو أدنى الدرجتين والأعلى بالاصطفاء والاجتباء، كما قال الله تعالى: ﴿يجتبي إليه من يشاء﴾ وقال: ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾ ولم يذكر جهاده والله تعالى يجتبي إليه من يشاء بروح القدس، وكمال نور العقل وذكاء الطينة والتوفيق.
وإراءة الحجج كرامة ابتداء حتى يصير موكلا على النظر في الآيات فيتبين له أنه الحق كما يتبين للكافة يوم القيامة، وهم رهط الأنبياء والصديقين ويهدي من يجاهد في سبيله إليه بإراءة الآيات والتوفيق رحمة وجزاء، حتى ينظر فيها فيعرفها آيات، فهذا تأويل الإضافات إلى الله تعالى.
وأما الفطرة: فتأويلها أن الآدمي يخلق، وعليه أمانة الله التي قبلها آدم ﵇ فيكون على فطرة الدين ما لم يخن فيما عليه من الأمانة، وكان على عذر في ترك الأداء عن عجز على ما بينا في باب: حمل الأمانة.
وأما وحي النحل: فما هي بمستنكر في نفسه، وإنما أنكرنا ذلك في علم خوطبنا بكسبه وابتلينا به.
وأما وحي أم موسى ﵇: فأمر نقول به، وبيانه أن أم موسى خافت على موسى القتل من فرعون على ما ظهر من سنته، ومن خاف على نفسه الهلاك حل له إلقاء نفسه في البحر أن رجى فيه النجاة بوجه وراكب السفينة إذا ابتلى بالحريق حل ركوب لوح في البحر، وأنه من باب ما لزمنا العمل به عند الضرورة بلا علم.
ولأن من ابتلي بشرين لزمه اختيار أهونهما لديه عقلا وشرعا، على أنها ما عرفت أن الإلقاء في البحر أهون إلا بنظر فقد كانت عرفت بطريق النظر أن راكب اللوح ممن ينجو برأسه غالبا.
وكان الوليد لا ينجو في الأغلب من فرعون فلم تعرفه بإلقاء الله تعالى علم ذلك في
стр. 390
قلبها بلا نظر، ولكن كان إيحاء الله تعالى أن ذكرها هذه الطريقة لطلب حياة موسى.
وكذلك من اشتبهت عليه القبلة سقط عنه الأمر عندنا بإصابة جهة الكعبة على الحقيقة، إلى جهة هي جهة الكعبة بتحري قلبه للضرورة، على ما بينا في موضعه.
وكذلك من أخبرك بخبر في المعاملات وأنت لا تعرفه فإنك تحكم قلبك وتعمل به، لأن في العمل بأخبار الناس في باب المعاملات عدلهم وفاسقهم ضرورة لا يستقيم أمر الناس دونه فسقط الأمر بالعمل بها بشرط إصابة الصدق حقيقة دافعا للحرج، وآل الشرع إلى قدر الممكن من الصدق وهو بما يشهد لك قلبك به.
وكذلك الحلال إذا اختلط بالحرام والحلال غالب لأن أموال الناس قلما تخلو عن الحرام فلو لم يبح إلا بشرط الحلال لا محالة لضاق الأمر على الناس فسقط الأمر عند غلبة الحلال بالتجنب عن الحرام إلا بقدر ما لا يخرج فيه من شهادة القلب بأنه حلال إذا لم يجد حجة أخرى تميز بينهما، والخلاف فيما نحن فيه في حال قيام سائر الحجج، والباب الذي لا يجوز العمل به بدون العلم به على الحقيقة نحو معرفة الله تعالى بصفاته عند ذكره.
وأما حديث وابصة: فقد ورد في باب يحل فعله وتركه فيجب ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه احتياطيا لدينه، على ما شهد له قلبه به، فأما ما ثبت حله بدليله فلا يجوز تحريمه بشهادة القلب، وكذلك ما ثبتت حرمته فلا يحل تناولها بشهادة القلب.
وأما حديث عمر ﵁: ففيه أنه كان مخصوصا به، ونحن لا ننكر هذه الكرامة، وإنما ننكر إثبات الشرع به، وعمر ﵁ ما كان يعمل في المشروعات إلا بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ثم رأي نظر واستدلال، وما كان يدعو الناس إلى ما في قلبه.
وأما كرامة الفراسة: فلا ننكرها أصلا، ولكنا لا نجعل شهادة القلب حجة لجهلنا أنها من الله تعالى أو من إبليس أو من نفسه.
وأما أقوال الصحابة: فقد ذكرنا تأويلها فيما مضى ولم يثبت منهم قول إلا عن نظر واستدلال.
وأما الجواب عن العصمة: فإنها لم تثبت لغير الأنبياء ﵈ على البتات فلا يمكن البناء عليه، ولا تتصور العصمة لمن لم يعرف الحجج ولم يستدل بالآيات.
وزعم بعض الناس أن العامة لم تعرف ربها إلا بالإلهام، وأنه غلط فما من عامي إلا وهو مستدل بالآيات، ويسبح ربه إذا رأى كسوفا أو أمرا هائلا يعجز عنه البشر إلا أنه لا يهتدي إلى المحاجة بها ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ لمعرفتهم بعجز الأصنام عن التخليق يعرفون أن الخالق هو الله تعالى.
стр. 391
قال القاضي ﵁: خلق الله تعالى بني آدم على الفطرة وإنما استدرجهم إبليس إلى الضلال بطرق الحق، ورأس الطرق التقليد فقلد العالم عالما اهتماما لرأيه، وإتباعا لفقهه وظنه دينا، وما دعاه إليه إلا الكسل فإنه لو اجتهد لوفق لمثله فرآه الجاهل فقلد عالما سمعه بغير استدلال على فقهه، فإذا قد قلد جاهلا فضل ثم قلد أباه وأهل زمانه حتى عبدوا الأحجار، وما تبدلت الأديان إلا بتقليد العامة علماء السوء فإنهم لما قلدوا وأحبوا الرياسة مباراة علماء الحق أبدعوا ما حسن لدى العامة وطعنوا في متبعي السنة حتى تبدل الدين بأصله.
فالتقليد رأس مال الجاهل وسببه جهل المرء بقدره حتى اتبع رجلا مثله بلا حجة ثم الذي يليه الإلهام فصاحبه اتبع قلبه وقلده بلا حجة له بناء على أنه خلق على نور الفطرة وجهلا بهوى نفسه حتى ادعى رتبة الأنبياء ﵈ لنفسه، واتخذ إلهه هواه، كما اتخذ المقلد آلهة خشبا فهذا رفع قدره جهلا والأول وضع قدره جهلا فهلكا وما هلك امرئ عرف قدره فمن رام الاحتراز عنهما فليبن أمره على الكتاب، والخبر ثم الاستدلال والنظر وما التوفيق إلا بالله.
وكان الناس في الصدر الأول أعني الصحابة والتابعين والصالحين رضوان الله عليهم أجمعين يبنون أمورهم على الحجة، فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة ثم من أقوال من بعد رسول الله ﷺ ما يصح بالحجة فكان الرجل يأخذ بقول عمر ﵁ في مسألة، ثم يخالفه بقول علي في مسألة أخرى وقد ظهر من أصحاب أبي حنيفة ﵁ أنهم وافقوه مرة وخالفوه أخرى على حسب ما يتضح لهم بالحجة.
ولم يكن المذهب في الشريعة عمريا ولا علويا بل النسبة إلى رسول الله ﷺ فقد كانوا قرونا أثنى عليهم النبي ﷺ بالخير، فكانوا يرون الحجة لا علمائهم ولا نفوسهم فلما ذهبت التقوى من عامة القرن الرابع، وكسلوا عن طلب الحجج جعلوا علمائهم حجة واتبعوهم فصار بعضهم حنفيا، وبعضهم مالكيا وبعضهم شافعيا يبصرون الحجة بالرجال ويعتقدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب ثم كل قرن بعدهم اتبع عالمه كيف ما أصابه بلا تمييز حتى تبدلت السنن بالبدع وضل الحق بين الهوى، ونشأ قوم من الحبية فزعموا أنهم أحباء الله عجبا بأنفسهم، وأن الله تعالى يتجلى لقلوبهم ويحدثهم، فرأوا لذلك حديث أنفسهم حجة واتخذوا أهواءهم آلهة فلم يبقى عليهم سبيل للحجة، والعياذ بالله.
стр. 392
باب
القول في أقسام استصحاب الحال
قد مر في ما مضى أن استصحاب الحال قول بلا دليل، وأنه من باب الجهل بالأدلة، وباب الجهل لا يكسب العلم فلابد أن يكون مدرجا إلى الضلال، وإن كان ابتداؤه حسنا وهو التمسك بما كان حتى يزول بالبرهان، وأنه أقرب إلى الحق من التقليد والإلهام.
لأن الملهم رجع إلى قلبه، وجهل الأدلة وأعرض عنها، وما القلب بحجة بل الحجة رأيه، وهذا علم الدليل ورجع إلى رأيه إلا أنه لم يفرق بين الثابت بالحجة وبقائه كذلك ثابتا، فظن أن الحجة المثبتة حجة مبقية ولم يدر أن البقاء محكوم به لعدم الدليل المزيل لا بوجود الدليل المثبت، أو لم يفرق بين حكم وجود العلة وحكم عدمها.
وأقسامها أربعة:
أ. استصحاب حكم الحال لضرورة عدم ما يزيله، وثبوت العدم بطريق أوجب العلم به كالخبر به من جهة صاحب الوحي، أو من طريق الحس إذا كان الشيء مما يعرف به.
ب. واستصحاب حكم الحال لعدم الأدلة من طريق النظر في الأدلة برأيه بقدر وسعه مع احتمال قيام الدليل من حيث لا يشعر هو به.
ج. واستصحاب حكم الحال قبل النظر والاستدلال.
د. واستصحاب الحال لإثبات حكم مبتدأ.
أما الأول: فصحيح وقد علم الله تعالى الاحتجاج به فقال: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلى محرما﴾ الآية وهذا لأن العدم لما ثبت يقينا انعدم حكم العلة أيضا ضرورة على ما مر من قبل كما أن العدم كان ثابتا أصلا قبل الإحداث لما سوى الله تعالى.
وأما الثاني: فصحيح إبلاء للعذر لا احتجاجا على غيره لاحتمال قيام العلة عند غيره على ما مر.
وأما الثالث: فجهل محض والجهل لا يكون حجة، ولا يكون عذرا عند إمكان طلب الدليل كالجهل بالشرائع عذر في دار الحرب، لمن أسلم ولم يهاجر إلينا. ولم يكن عذرا لذمي أسلم في درانا.
стр. 393
وأما الرابع: فضلال محض لأن استصحاب الحال كاسمه وهو التمسك بما ثبت حتى يقوم دليل الزوال، وما لم يكن لا يمكن التمسك بوجوده بل يحتاج إلى إثباته فلا يثبت لعدم الدليل كالمفقود أصله حي فيتمسك به حتى يقوم دليل الموت، وكذلك ملكه ثابت فيتمسك به حتى يقوم دليل الموت وملك أبيه لم يكن له فإذا مات أبوه لم يثبت له، لأن التمسك بالحال التي كانت توجب أن لا يثبت له ملك أبيه بل يبقى على ما كان حتى يقوم دليل الثبوت.
وقد جعله بعض شيوخ الشافعية حجة لإثبات الإرث على ما مضى من قبل، لكنه قال به من حيث لم يشعر به لا قصدا إليه فإنه استصحب الحياة له بحكم التمسك بها وإذا بقي حيا انتقل الإرث إليه فلم يثبت الإرث باستصحاب الحال في الإرث نفسه ولكن بواسطة بقاء الحياة له.
وأبينا نحن ذلك لأن الحياة ثابتة له بلا دليل فيبقى ثابتا دفعا عن نفسه، فأما استحقاقا بها لما لم يكن ثابتا فلا على ما مر في بابه، وعلى هذا اختلافهم في شاهدين شهدا أن الملك كان لأب المدعي والأب ميت فإنه لا يقبل عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ويقبل عند أبي يوسف ﵀: لأن الملك ثبت لأبيه بهذه الشهادة فيبقى بلا دليل وملك الوارث هو ذلك الملك بعينه.
ولهما: إن البقاء بعد الثبوت إنما يكون باستصحاب الحال فثبت دفعا عن المشهود عليه بحق الشهادة، لأنه كان لهذا المدعي فأما لإيجاب حكم لم يكن فلا وملك الوارث حكم لم يكن فإن الملك وإن كان ذلك الملك بعينه، فالمالك مالك آخر كما قلنا في المفقود أنه لا يرث أباه، وإن كان الملك ذلك الملك بعينه يبقى للوارث لأن المالك غير الأول، والله أعلم.
стр. 394
باب
القول في أقسام الطرد
حد الطرد ما قد مضى ذكره، وإنما أعدناه لنبين كيف يؤول إلى الضلال أمره، وأنه على الحقيقة قول استصحاب الحال إلا أنه أقرب إلى الحق من الأول.
فإن الأول استصحاب حكم الحال الثابت بالدليل والعلة الموجبة للثبوت لا توجب البقاء، فكان استدلالا لعدم العلة، وهذا استصحب صحة الدليل فإن أوصاف الأصول المعلولة أدلة وحجج، ولكن لضرب من الاحتمال أوجبنا التوقف عن العمل بها قبل بيان التأثير.
وصاحب الطرد استصحب الحالة الأولى في كونه دليلا حتى يتبين له وجوده، ولا حكم معه فيكون حينئذ فاسدا فيكون في استصحابه هذا عاملا بدليل لكنه دليل احتمل الفساد، ومثاله من سمع من النبي ﷺ نصا فاستصحب صحته ما لم يقم عليه دليل النسخ وعمل به كان عاملا بدليل احتمل الانتساخ والتبدل، إلا أن مخرجه إلى الضلال لحكمنا ببقائه صحيحا بعدم الدليل، وهذا صالح للدفع لا للإلزام على ما مر في الباب الأول.
وأقسامه أربعة في الاطراد:
اطراد ثبت بإقرار الخصم أو إجماع الناس.
واطراد ثبت بالعرض على الأصول في نفسه بقدر وسعه، والمراد يدعيه بوجود الحكم معه في الأصل المعلل قبل العرض على الأصول لكن بعد تثبيت أن الوصف صالح علة بدليله.
واطراد يدعيه لتصحيح الوصف علة.
فأما الأول: فحسن لما ذكرنا أن الثابت من الأصل لا يتغير إلا بدليل وعلة، إلا أنا نقول أن الوصف صالح علة ولكن لما لم يجب العمل بها بالصلاح على ما مر، فلا يثبت المعنى الموجب للعمل بها لعدم الدليل.
وكذلك ثبوت الاطراد بعرضك على الأصول حجة تعذر أنت بها، ولا يكون حجة على الغير لجواز أن يكون عند الخص ما ينقضها على ما مر.
وأما الثالث: فحكم بالظن لأنه زعم أن وجود الوصف بلا حكم في أصل آخر مما
стр. 395
يبطله، وقد احتمل ولزمه التفحص عنه بقدر الوسع وقد أعرض عنه بحسن ظنه أنه مطرد فكان كمن قام إلى الصلاة، واشتبهت عليه القبلة فصلى بلا تحر إلى جهة بحسن الظن كانت صلاته فاسدة كأنه تحرى ثم خالف الجهة، وهذا لأن الظن لا يغني من الحق شيئا فعاد الأمر في الدرجة الثالثة إلى الباب الأول.
وأما الرابع: فلأنه جعل استصحاب الحال علة لتصحيح الوصف لا لتقريره على الصحة فكان من قبيل الرهط الرابع من الباب الأول، فصار القول بالطرد مدخل الفقهاء إلى باب مآله إلى الجهل والضلال ومن نظر فيما أحدث المتسمون بالعلماء في زماننا هذا من أنواع الطرد من المسائل تيقن بما أشار إليه كلامنا، حتى صار في مسألة واحدة عشرة من المقاييس إلى مئة ونيف.
وكان الواحد من السلف ﵀ يتفكر زمانا طويلا فلا يجد لما ابتلي به من علم الحكم إلا قياسا أو قياسين، ولهذا صارت أئمة السلف أصحاب المذاهب كأنهم أصحاب شرائع لأن الخلف اعتمدوا الطرد، وهو ليس بحجة يجب العمل بها فلم يستغنوا معه عن إتباع أئمتهم وتقليد سلفهم، وكان ذلك أحسن من العمل بالطرد باستصحاب الحال.
فمستصحب الحال اتهم الأصول فأعرض عن القياس فالأصول شهود كالمقلد اتهم قلبه فأعرض عن الرأي.
والقلب هو الحاكم المحكم من الإنسان وصاحب الطرد صدق الأصول بأي وصف شهدت من غير تأمل فيما شهد كالملهم صدق قلبه من غير تأمل فيما رأى، وكل ذلك سبيل غير سبيل الهدى وبالله التوفيق والعصمة من العمى، والله أعلم.
стр. 396
باب
القول في الاستحسان ما هو لغة؟ وحكمه ؟
أما الاستحسان لغة: فوجود الشيء حسنا، يقال استحسنت كذا، اعتقدته حسنا واستقبحته على ضده، وعن هذا ظن بعض الفقهاء أن من قال بالاستحسان فقد ترك القياس، والحجة الشرعية باستحسانه تركها من غير حجة شرعية فطعن بهذا على علمائنا وإنما هذا تفسير الاستحسان لغة.
فأما عند الفقهاء الذين قالوا بالاستحسان: فاسم لضرب دليل يعارض القياس الجلي، حتى كان القياس غير الاستحسان على سبيل التعارض، وكأنهم سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك القياس أو الوقف عن العمل به بدليل آخر فوقه في المعنى المؤثر أو مثله، وإن كان أخفى منه إدراكا ولم يروا القياس الظاهر حجة قاطعة لظهوره ولا رأوا الظهور رجحانا بل نظروا إلى قوة الدليل في نفسه من الوجه الذي يتعلق به صحته.
ولم يكن غرضهم من هذه التسمية والله أعلم إلا ليميزوا بين الحكم الأصلي الذي يدل عليه القياس الظاهر، وبين الحكم الممال عن تلك السنن الظاهرة بدليل أوجب الإمالة فسموا الذي يبقى على الأصل قياسا، والذي يمال استحسانا هذا كما قال أهل النحو، هذا نصب على التفسير، وهذا نصب على الظروف، وهذا على المصدر، وهذا على التعجب، وهذا لأنه مفعول ليمكنهم التمييز بين الأدوات الناصبة.
وقال أهل العروض هذا من البحر الطويل، وهذا من المديد، وهذا من المتقارب في أشباه لهذه كثيرة، وسموا أحرف التقطيع سببا ووتدا وفاصلة.
قال محمد بن الحسن ﵀ في كثير من المواضع: بالقياس كذا، وبالاستحسان كذا، وبالقياس نأخذ وأخذوا في الأكثر بالاستحسان فعلم أنهما اسمان لدليلين متعارضين كالكتاب والسنة.
وقال في بعض المواضع القياس كذا، ولكني استقبح مكان قوله: استحسن واستقباح العمل بدليل الشرع كفر فثبت أنه استقبحه لدليل آخر يعارضه فمتى تعارض الدليلان في حكم الحادثة وأحدهما رأي ظاهر طريقه واضح سبيله والآخر خفي أثره، سر خبره، فالظاهر قياس والآخر استحسان، والترجيح بينهما بالطرق التي مرت في باب مراتب القياس وسائر الأدلة والأخذ واجب بالراجح منهما، فصار الفصل المستحسن هو
стр. 397
الممال بحكمه عن الطريق الظاهر إلى الخفي بدليل شرعي لا بهوى النفس فإنه كفر.
وإنما سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك الظاهر بالخفي الذي ترجح عليه فلما كان العمل به مستحسنا شرعا سموا الدليل به وكان اسما مستعارا كالصلاة سميت باسم ما فيها من الصلاة، وهي الدعاء والثناء والصوم سمي باسم ما فيه من الإمساك.
ولهذا لم نعد هذا الاسم في الأسماء المضلة لأنه على الوجه الذي بينا غير مضل والتقليد والإلهام واستصحاب الحال والطرد على الوجه الذي سميت الأدلة بها مضلة.
ثم الاستحسان:
أ. قد يكون نصا.
ب. وقد يكون ضرورة.
ج. وقد يكون إجماعا.
د. وقد يكون قياسا خفيا.
أما النص: فنحو قول أبي حنفية ﵁ فيمن أكل ناسيا لصومه: لولا قول الناس لقلت يقضي. أي القياس الظاهر يوجب القضاء إلا أني استحسنت تركه بنص خاص ورد فيه بخلاف قياس سائر النصوص الثابتة، والمعقول الضروري في حصول الصوم مع عدم الإمساك عن الأكل وأنه عبارة عن تركه، وهذا لأن النص فوق الرأي فاستحسن تركه به وإن ظهر.
وأما الإجماع: فنحو جواز الاستصناع فيما ظهر تعامل الأمة به من غير نكير والقياس أن لا يجوز لأنه بيع عين بعمله، وهو معدود عينا للحال حقيقة، ومعدوم وصفا في الذمة والقياس الظاهر أن لا يجوز بيع الشيء إلا بعد تعينه حقيقة، أو ثبوته في الذمة كالسلم.
فأما مع العدم من كل وجه فلا يتصور عقد وليس ثم معقود عليه لكنهم استحسنوا تركه بالإجماع الظاهر بتعامل الأمة من غير نكير لأن الإجماع دليل فوق الرأي، وقصروا الأمر عليه لأنه معدول به عن القياس.
وأما الضرورة: فنحو الحكم بطهارة البئر بعد تنجسها.
والقياس يأبى ذلك لأن الدلو ينجس بملاقاة الماء فلا يزال يعود وهو نجس إلا أن الشرع حكم بالتطهر للضرورة لأنه لا يمكننا غسلها بماء طاهر إلا من طريق نزح الماء النجس وخروج الماء الطاهر، فاستحسنوا ترك العمل بموجب القياس بعذر العجز فإن الله تعالى جعله عذرا في سقوط العمل بكل خطاب.
стр. 398
وكذلك جوزوا الإجارة وهو بيع منافع غير موجودة لأنها لا تبقى زمانين فلا يمكن بناء البيع فيها على الوجود فبنوا على كون العين بحيث يوجد منه منفعته ليكون بناء على الوجود الذي هو الأصل للجواز بقدر الإمكان، وأسقطوا ما وراء ذلك بعذر العجز.
وأما القياس الخفي: فنحو البائعان يختلفان في الثمن والسلعة غير مقبوضة. القياس الظاهر أن يكون القول قول المشتري مع يمينه لأنهما اتفقا على حق المشتري وهو المبيع واختلفا في حق البائع فالبائع يدعي زيادة ثمن والمشتري ينكرها فيكون القول قول المشتري مع يمينه، والبينة على المدعي بناء على السنة الثابتة.
والقياس الخفي يوجب التحالف لأن المشتري يدعي على البائع، وجوب تسليم السلعة بتسليم الثمن الذي يدعيه والبائع ينكر الوجوب عليه بذلك القدر حتى يوفيه ما يدعيه فهذا إنكار باطن لا يعرف إلا بضرب تأمل.
والأول يعرف ببديهة الحال فاستحسنوا العمل بالإنكارين جميعا لأن لا تعارض بينهما لاختلاف محلي اليمين حتى قاس أبو حنيفة ﵁ على هذا الفصل كل عقد اختلف فيه في بدله والمعقود عليه غير مسلم، والتسليم فيه لا يجب إلا بعد تسليم البدل من النكاح والإجارة والكتابة، وقاس الكتابة على البائعين يختلفان في الثمن ورثتهما إذا اختلفوا إذا كان قبل القبض.
ولو كان الاستحسان بخلاف القياس بالنص لما قاس عليه غيره كما لو كان الاختلاف في الثمن بعد قبض السلعة، وهي قائمة فإن اليمين على البائع بالنص بخلاف القياس لأنه لا إنكار منه لشيء من المبيع ولا لليد ولا يمين قياسا إلا على المنكر، وإنما يحلف بالنص بخلاف القياس فلم يثبت التحالف بين الورثة إذا اختلفوا بعد القبض، ولا بعد هلاك السلعة لأن النص ورد في حال القيام، والله أعلم.
стр. 399
باب
القول في صفة المجتهد في الأحكام التي تجوز الفتوى فيها بغالب الرأي
قال فريق من المتكلمين: الحق في هذه الحوادث التي يجوز الفتوى بأحكامها بالقياس والاجتهاد حقوق، وكل مجتهد مصيب للحق بعينه.
ثم إنهم افترقوا؟ فقال قوم: الحق عند الله تعالى حقوق على التساوي.
وقال قوم: الواحد من الجملة أحق، وسماه تقويم ذات الاجتهاد وقال أهل الفقه، وبعض أهل الكلام: الحق عند الله واحد. ثم افترقوا؟
فقال قوم: إذا لم يصب المجتهد الحق عند الله كان مخطئا ابتداء وانتهاء، حتى أن عمله لا يصح.
وقال عملاؤنا ﵏: كان مخطئا للحق عند الله تعالى مصيبا في حق عمله حتى إن عمله به يقع صحيحا شرعا كأنه أصاب الحق عند الله تعالى.
بلغنا عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال ليوسف بن خالد السمتي: كل مجتهد مصيب، والحق عند الله واحد فبين أن الذي أخطأ ما عند الله مصيب في حق عمله.
وقال محمد بن الحسن ﵀ في كتاب الطلاق: إذا تلاعن الزوجان ثلاثا ثلاثا ففرق القاضي بينهما نفذ قضاؤه، وقد أخطأ السنة فجعل قضاءه في حقه صوابا مع فتواه أنه مخطئ الحق عند الله تعالى.
وقال في غير موضع: إذا قضى القاضي برأي نفسه في حادثة اختلف فيها الفقهاء نفذ على الكل، وثبتت صحته في حق من يخالفه، وإن كان عند المخالف هذا القاضي مخطئا للحق عند الله.
وكذلك قالوا فيمن اشتبهت عليه القبلة في موضع لا لدليل له غير التحري بالقلب فتحرى وصلى وتبين أنه أخطأ وصلى إلى دبر الكعبة: صحت صلاته وقد أخطأ الكعبة يقينا فصار قولها هذا القول الوسط بين الغلو والتقصير.
стр. 400
فأما الذين قالوا إن الحق حقوق: فإنهم ذهبوا إلى أن المجتهد كلف الفتوى بغالب رأيه وما كلف إلا الفتوى بالحق.
فلولا أنه يصيب الحق به، وإلا لما توجه التكليف عليه بإصابته بغالب الرأي لأن الله تعالى ما كلف ما ليس في الوسع ولن يصير كل مجتهد مصيبا للحق إلا ولاحق حقوق.
وهذا كاستقبال القبلة، فإنه شرط لصحة الصلاة، وهي إلى جهة واحدة حالة التبين وعند الاشتباه تصير الجهات كلها قبلة على ما قال الله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ حتى قيل: إن المتحرين إذا صلوا إلى أربع جهات مختلفة أجزأتهم صلاتهم قالوا وغير ممتنع أن يكون الحق حقوقا في أناس مختلفين في بعضهم حظر، وفي بعضهم إباحة إذا كان لا يلزم كل واحد منهم ما لزم الآخر.
كما صح عند اختلاف الأزمنة نسخ الإباحة بالحظر ونسخ الحظر بالإباحة.
وكما صح في باب قبلة الصلاة حالة الاشتباه إذا اختلفوا كانت قبلة كل فريق ما أدى إليه تحريه، ولأنه جائز من الله تعالى بعث رسولين في زمان واحد إلى قومين مختلفين على اقتصار رسالة كل واحد منهما إلى قومه خاصة مع كينونة كل واحد منهما محقا.
فكذلك جاز بالاجتهاد مثل ذلك، فيختلف عالمان بالاجتهاد ويلزم قوم كل واحد منهما إتباع إمامه مع كينونة كل واحد منهما محقا.
وهذا لأن الله تعالى ابتلى عباده بهذه الأحكام ليمتاز الخبيث من الطيب ويجوز اختلاف هذه الحكمة من الناس باختلاف الأزمان فيختلف الابتلاء لأجله وكذلك يجوز الاختلاف، باختلاف الطبقات في زمان واحد ألا ترى أن مصالح الأطعمة كما تختلف باختلاف الأزمنة كذلك تختلف باختلاف الناس في زمان واحد.
ولأن من قال أن الحق واحد عند الله تعالى، ولكن العمل صواب حق بكل اجتهاد فقد أثبت الحظر والإباحة حقا في حق العمل به كما أثبتنا نحن في حق الله تعالى.
ثم الذين قالوا إن الحقوق على مرتبة واحدة قالوا: لأن الرجحان لا يثبت إلا بدليل.
والذين قالوا إن الواحد أحق، فذهبوا إلى أنا لو سوينا بينها لبطلت مراتب الفقهاء، وساوى الباذل كل جهده في الطلب المبلى عذره بأدنى طلب، ولأن المجتهدين ما اجتهدوا إلا لإصابة ما تشهد النصوص بالحقية خلفا عن شهادة رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ دعا الناس كلهم إلى حكم واحد ما نرى بين أعدادهم اختلافا. إلا باختلاف أحوالهم كالمرض والسفر والغنى والفقر ونحوها.
فكذلك الاجتهاد يجب أن يكون كذلك، وكان يقتضي هذا أن يكون الحق واحدا في حق الكل، إلا أنا تركنا القول به ضرورة أن لا يصير الآخر مكلفا بما ليس في وسعه،
стр. 401
وهذه الضرورة ترتفع بإثبات نفس الحقية لفتواه فبقي الواحد أحق بناء على أصل الشريعة الثابتة بالوحي.
ولهذا استقامت المناظرة ودعوة كل واحد منهما صاحبه إلى حجته مع الإقرار بأن الحق مع كل واحد منهما بقوله إنما قلته أحق ألا ترى أنه لا مناظرة بين المسافر والمقيم في أعداد ركعات صلاتيهما لما ثبتت الحقية على السواء.
وقد روي أن علقمة ومسروقا سبقا بركعتين من صلاة المغرب، فلما قاما إلى القضاء صلى مسروق ركعة وجلس، ثم ركعة وجلس، ثم سلم، وصلى علقمة ركعتين ثم جلس فذكرا ذلك لعبد الله بن مسعود ﵁ فقال: كلاكما أصاب، ولكن صنيع مسروق أحب إلي.
وقال محمد لأبي حنيفة ﵁: طول القيام أفضل في الصلاة أم كثرة السجود؟ فقال: طول القيام أحب إلي، وكل ذلك حسن.
واتفقوا في صلاة الليل على أن المصلي إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أربعا ولا يكره ثم قال أبو حنيفة: الأربع أحسن، وقال صاحباه: ركعتان أحسن.
وأما الحجة على أن الحق عند الله واحد؛ فما روي أن النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن فقال له: بما تقضي؟ فقال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد فيها رأيي فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان. فقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله".
وقال النبي ﷺ في المجتهد "إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر".
وقال عبد الله بن مسعود - فيمن تزوج امرأته ولم يسم لها مهرا ثم مات عنها قبل الدخول بها -: أجتهد فيها رأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن ابن أم عبد.
قالوا: ولأنه ممتنع في العقول كينونة الحظر والإباحة والصوم والفطر حقين يلزمان في ساعة واحدة، لأنه لا يمكن العمل بهما.
ومن جعل الحق حقوقا ما شرع إلا هكذا إذ وجبا بالاجتهاد، وكل اجتهاد يوجب ما يؤدي إليه بلا تمييز بين عبد وعبد ألا ترى أنه امتنع ذلك بالنصين، إذا اختلفا فأباح أحدهما وحظر الآخر لم يجب العمل بهما بل وجب الوقف إلى أن يظهر الرجحان لأحدهما، أو التاريخ.
ولهذا قيل: إذا اختلفت الشرائع انتسخت الأولى بالثانية، وكذلك في شريعة
стр. 402
واحدة، ولأن الحق لو كان حقوقاً لجاز للعامي الذي يعمل باتباع العلماء أن يختار من كل مذهب ما تهواه نفسه.
كما أن الله تعالى لما أثبت الكفارة في باب اليمين أنواعاً كان للعبد الخيار بينها على ما يهواه بلا دليل.
ومن أباح هذا فقد أبطل الحدود، وشرع طريق الإباحة وبنى الدين على الهوى، والله تعالى ما نهج الدين إلا على دليل غير الهوى من نص ثابت بوحي أو قياس شرعي على ما بينا.
ومن جعل الحق حقوقاً أثبت الخيار للعامي بهوى نفسه.
ومن قال الحق في واحد ألزم العامي أن يتبع إماماً واحداً وقع عنده بدليل النظر أنه أعلم ولا يخالفه في شيء بهوى نفسه.
فإن قيل: أليس القياسان إذا تعارضا ثبت للمجتهد الخيار يعمل بأيهما شاء؟
قلنا: نعم، ولكن لا بهوى نفسه بل بالضرورة. فإن الحق في أحدهما، ويلزمه العمل به، ولم يبق قبله لله تعالى دليل يوصله إليه غير شهادة قلبه فلزمه العمل بها على ما مر أنها من حجج الشرع في مثل هذا الموضع، فإذا عمل بأحدهما لزمه الإعراض عن الآخر إلا بدليل يدل على الحقية فيه، ولما ذكرنا أن القياس خلف عن الوحي والثابت بالوحي من الأحكام ثابتة على أنها لا تخص قوم دون قوم على ما قاله الأولون فكذلك بالقياس لا يجوز أن يثبت على الخصوص وعلى العموم إجماع على امتناع الحظر والإباحة في ساعة واحدة على وجه يجب العمل بهما، لأنه لا يمكن، ولا يجتمعان لأنهما ضدان، والقياسان إذا اختلفا فأوجب أحدهما حظراً فإنما أوجب على وجه يجب العمل به.
وكذلك الذي أوجب الإباحة أوجب على هذا السبيل اعتقاداً، وهذا قول لم يقل به أحد إلا أنهم جوزوا ذلك في قومين مختلفين، وأنه قول ساقط لأن الدليل هو القياس، وأنه حجة على الكل ولأنا ذكرنا أن النبي ﷺ لم يخص قوماً بحكم فالقياس لا يكون حجة إلا على ما ورد به النص.
فأما الجواب عن قولهم أن فيه تكليف ما ليس في الوسع: فإن لا نكلفهم إصابة الحق عند الله تعالى لما لم يكن لله تعالى عندهم دليل يوصلهم إلى الحق بعينه، ولكن نكلفهم الاجتهاد للإصابة فإن أصابوا أجروا وإن أخطأوا عذروا.
والحجة للذين قالوا من أخطأ يقيناً صار مخطئاً من الأصل قول الرسول ﷺ ، وقول معاذ وقول عبد الله: وإن أخطأت، والخطأ المطلق هو الخطأ ابتداء وانتهاء.
وإنما ألزمنا المجتهد العمل بقياسه على تقدير نه صواب كما يلزمنا العمل بالنص على تقدير أنه غير منسوخ، ومتى ظهر انتساخه بطل العمل به.
стр. 403
وكذلك متى عمل بالقياس ثم روي له نص بخلافه حتى تبين خطأه يقيناً بطل ما أمضى بقياسه.
وكذلك من حضرته الصلاة ومعه ثوب أو ماء شط في طهارتهما فإنه يستعملهما على تقدير الطهارة بحكم استصحاب حال الطهارة فيلزمه ذلك وإذا تبين نجاستهما فسد عمله من الأصل.
وما روي من إطلاق الإصابة على المجتهدين فعلى ما إذا لم يتبين وجه الخطأ واشتبه فإن الواجب عند الاشتباه العمل بأي قياس كان فيكون العمل من كل مجتهد بقياسه صواباً ظاهراً ما لم يتبين خطاؤه.
وهكذا نقول في قوم اختلفوا في جهة الكعبة عند الاشتباه وصلوا أن صلاة كل واحد منهم جائزة حتى يتبين عليه خطاؤه فيحنئذ نأمره بالإعادة، ولا يلزمنا ما ألزمنا الأول من القول بالحظر والإباحة لأنا أبينا ذلك حقاً من الله تعالى.
نحن بإيجاب العمل على كل مجتهد بقياسه ما أثبتنا الحقية في حق الله تعالى بل هو في حق العامل لضرورة عدم الحجة على الذي هو حق عند الله، وخطاب الله تعالى يسقط بحال الضرورة بقدرها ألا ترى أنه جاز مثله في النصوص فإن العلماء اختلفوا في الأحكام لاختلاف الأخبار على حسب الثبوت عندهم مع علمنا أن الثابت واحد من الجملة.
وأما الحجة للذين قالوا بأنهم مصيبون في حق العمل: فما روي عن النبي ﷺ أنه قال في المجتهد:"إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر"والأجر لا يجب إلا بالعمل على سبيل الائتمار بأمر الآمر فثبت أن المخطئ للحق عند الله تعالى مؤتمر بعمله بأمر الله تعالى، والائتمار بالأمر يكون صواباً لا محالة.
وقد اختلف أبو بكر وعمر ﵄ في أسارى بدر، فأشار أبو بكر إلى الفداء، وعمر إلى القتل فشبههما رسول الله ﷺ بنوح وإبراهيم ﵉ حيث سأل نوح العذاب وإبراهيم المغفرة، وكان أحدهما مخطئ الحق عند الله تعالى لا محالة فلو كان يصير مخطئاً غير مصيب لما صح التشبيه بالرسولين ﵉ وسؤالهما كان صواباً.
فإن قيل: أليس الله عاتب رسوله ﷺ على الفداء، وقال رسول الله ﷺ :"لو نزل العذاب ما نجى إلا عمر"فدل على أن أبا بكر كان مخطئاً؟
стр. 404
قلنا: هذا لا يجوز أن يعتقد فإن رسول الله ﷺ عمل برأي أبي بكر ولا بد أن يقع عمل رسول الله ﷺ إذا أقر عليه، والله تعالى قد قرره عليه فقال: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً﴾ وتأويل العتاب والله أعلم: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ وكان ذلك كرامة خصصت بها رخصة لولا كتاب من الله تعالى سبق بهذه الخصوصية لمسكم العذاب بحكم العزيمة على ما قال عمر.
والوجه الآخر ما كان لنبي أن يكون له أسرى قبل الإثخان، وقد أثخنت يوم بدر فكان لك الأسرى كما كان لسائر الأنبياء ﵈، ولكن كان الحكم في الأسرى المن أو القتل دون المفاداة فلولا الكتاب السابق في إباحة الفداء لك لمسك العذاب.
وقال في قصة داود وسليمان: ﴿فهمنها سليمان وكلا ءاتينا حكماً وعلماً﴾ فبين الله تعالى أن سليمان أصاب الحق الذي عند الله دون داود ثم أخبر أنهما جميعاً، أوتيا من الله حكماً وعلماً والخطأ المحض لا يكون حكم الله تعالى فثبت أن تأويله أنه حكم الله من حيث أنه صواب في حق العمل لولا الوحي بخلافه.
وقال عبد الله بن مسعود لمسروق وعلقمة لما اختلفا؛ كلاكما أصاب، ولكن صنيع مسروق أحب إلي.
والاستدلال يدل عليه فإن الخطاب مبني على قدر الوسع وقد أمرنا بالعمل بالقياس وأنها لا يوصلنا إلى الحق الذي هو عند الله قطعاً بلا خلاف.
والنزاع فيما لا يعلم يقيناً بالرأي فثبت أنا لم نؤمن بالعمل به على شرط إصابة الحق حقيقة لأنه لا يوصلنا إليه، ولكن على تحري الإصابة لأن الدليل مطمع في الإصابة غير موجب ليكون اللزوم بقدر الحاجة.
فإن قيل: إذا جعلناه معذوراً غير مأخوذ به إذا لم يصب الحق فقد أخرجناه عن عهده الإيجاب.
قلنا: إن كلامنا هذا في حقوق تحتمل النسخ والتبديل، فالفتوى بغالب الرأي لا يجوز إلا فيها، ومثل هذا الحق يسقط أصلاً بالحرج وعدم الوسع على ما ذكرنا في الباب الذي بعده وإذا سقط عنا ذلك لم نصر مخطئين بالاقتصار دونه.
ومثال ذلك أمر الله تعالى بقتال الكفار لإعلاء كلمة الله، وإذلال الشرك ونحن لا ندري إصابة النصرة إلا بغالب الرأي فمن قاتل على تحري إصابة النصر كان مصيباً في قتاله متمثلاً بأمر الله تعالى قتل أم قتل، وكان مستحقاً للأجر العظيم لأنه مصيب لما قاتل على تحري إصابة النصرة أصاب أم لم يصب حتى لو تيقن بأنه يقتل لا محالة من غير أن ينكأ نكاية وقصد بالقتال أن يقتل لا غير كان آثماً.
стр. 405
وعلى هذا الرماة إذا نصبوا غرضاً فرموا على تحري الإصابة كانوا كلهم مصيبين في تحريهم الإصابة.
وإذا أرسلوا أخطأ بعضهم الغرض وأصاب البعض ولم يصر واحد منهم مخطئاً في تحريه الإصابة بطريقه.
فإن قيل: خطاؤه في تقصيره في طلب طريق الإصابة لا في قصد الإصابة، وهكذا نقول في الرامي أنه أخطأ جهة الاستعمال للإصابة والتقصير من العبد آفة من قبله فأما الله تعالى فأعطاه من الرأي ما لو بذل مجهوده كل البذل لأصاب الحق على الحقيقة، ولكنا عند التعيين لا نجعل أحد مصيباً يقيناً لأنا لا نعلم بعدم تقصيره في الطلب.
قلنا: إن الله تعالى كما لم يكلف ما ليس في الوسع فما كلف ما فيه الحرج قال الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وفي بناء الخطاب على هذه المبالغة في استعمال الرأي حرج عظيم فيصير عفواً، ويجب بناء الخطاب على المعتاد من الاستعمال، وذلك لا يوصلنا إلى حقيقة العلم بلا خلاف وهذا كما قلنا: في الحربي إذا أسلم ولم يصل مدة لم يلزمه القضاء وسقط الخطاب عنه لأنا لو كلفناه طلب الدليل في دار الحرب لحرج في طلبه مسلماً يسأله، وإن تصور فيها مسلماً فسقط الخطاب، ولو كان ذمياً يلزمه القضاء لأن الطلب متيسر في دار الإسلام فلم يعذر بترك الطلب.
وعلى هذا الاختلاف يحرج أمر الكعبة في حق الغائبين عنها، وانقطاع دليل العيان عنهم: فالأمر بالتوجه إليها ثابت عندنا على تحري الإصابة دون الإصابة على الحقيقة.
وعند الشافعي ﵀: الأمر ثابت على تحقيق الإصابة يقيناً لأن طريق الإصابة ما يوقف عليه في الجملة لو تكلف العبد كل التكليف لمعرفة تركيب الأرض والسماء وكيفية جهات الأقاليم إلا أنه عذر دونه بسبب الحرج فكان مبيحاً لا مسقطاً أصلاً فبقي أصل الأمر متعلقاً بالإصابة حقيقة فمتى ظهر الخطأ يقيناً لزمت الإعادة كالعمل بالرأي أبيح بشرط أن لا يخالف النص، وعذر في العمل به، وإن لم يتحقق العدم، ولم يتكلف كل التكلف في طلب النص ولكن لم يسقط به أصل الخطاب فأبيح له على شرط أنه إن ظهر نص بخلافه فسد عمله.
وأصحابنا بنوا وجوب طلب الكعبة بعد الغيبة عنها على الدلائل المعتادة للبشر بلا حرج كثير يلحقهم في طلب ما ليس بمعتاد من العلم، ولا مأمور بالشرع من علم الهندسة وكيفية تركيب الأرض والسماء والدلائل المعتادة من الشمس والنجوم لا توصلنا إلى حقيقة الكعبة فقط الخطاب بإصابة الكعبة لقصور الحجة، ولزمه العمل بالتوجه إلى جهة فيها رجاء إصابة الكعبة.
وقالوا: إذا فقدت النجوم والمحاريب المنصوبة وخبر الناس عن هذه الأدلة، وجب
стр. 406
العمل برأي القلب وهذا الرأي لا يوصله إلى الجهة الظاهرة حال ظهور الشمس والمحاريب أسقطت إصابة تلك الجهة ولزمه التوجه إلى جهة فيها رجاء إصابة المحراب الظاهر فإذا عمل بذلك القدر صار مؤتمراً بالأمر، فلا يقع عمله فاسداً بترك ما ترك لأنه لم يؤمر به كرجل يقاتل الكفار بطريق يرجو فيه نصرة الله فإنه يصير مؤتمراً بأمر الجهاد وإن قتل وكانت الدبرة عليه لأنه ليس في وسعه أكثر من هذا.
بخلاف حادثة فيها نص ولم يشعر به وعمل بالرأي بخلافه لأنه كلف العمل بالرأي بشرط أن لا يخالفه نصاً على ما قاله المخالف لأن النص الذي يخالفه مما ينال حال الحاجة إلى العمل لولا تقصير منه في الطلب، فإنه لو كان طلبه من قبل أمكنه العمل به حال حاجته هذه ألا ترى أن زوال هذا الجهل مقرون بمعنى يوجد منه لا بتبدل حال الدليل من الله تعالى.
فأما الخطأ في باب القبلة فإنما يتبين بزوال الغيم وظهور النجم، وذلك أمر سماوي يتبدل به حال الدليل، ولهذا المعنى نقول فيمن اجتهد وتوضأ بماء ثم تبين أنه نجس أنه يعيد الصلاة.
وكذلك الثوب لأن طريق العلم بتلك النجاسة الخبر كما في المسألة الأولى ولقصور منه في الطلب كان الجهل والخبر عن القبلة هو إن بلغه في موضعه لا ينفعه في هذا الموضع فلا يبقى إلا النجم.
وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله فيمن تحرى بصدقته، ووضعها عند غني أنه يجزيه لأن الأمر متوجه عليه بالدفع إلى إنسان على تحري الفقر لا غير لأن الدليل على حقيقة فقر الغير مما لا ينال أصلاً، ولا ينال إلا بحرج.
فالذي قاله الشافعي قياس والذي قلناه استحسان.
وهذا بخلاف الاجتهاد في صفات الله تعالى، فإن المخطئ لما عند الله مخطئ في حق نفسه أيضاً لأن لله تعالى دلائل عليها توجب العلم يقيناً في أصل الوضع فلم يقع الخطأ إلا بقلة التأمل، ألا ترى أن المخطئ فيها يضلل ويبدع بخلاف هذه الأبواب، والله أعلم.
стр. 407
باب
القول في المخطئ من جهة المجتهدين في هذه الأبواب التي لا نص فيها
قال بعضهم: هو مأجور.
وقال بعضهم: هو معذور.
وقال بعضهم: معاتب مخطأ.
وقال علماؤنا: إن كان طريق الإصابة بيناً عوتب عليه وخطئ، وإن كان خفياً صوب وأجر عليه ولا يضلل بحال.
فأما الذين قالوا: إنه مأجور فاحتجوا بما مر أنه مصيب في حق نفسه وبالحديث المروي (وإن أخطأ فله أجر واحد).
وأما الذين قالوا: إنه معذور فذهبوا إلى أن الخطأ ضد الصواب، هو في الأصل محظور إلا أن حكم الحظر يزول بعذر الخطأ فأما أن ينال أجر الصواب ولا صواب فلا كالنائم لا يأثم بترك الصلاة، ولكن لا ينال ثواب المصلي.
وأما الذين قالوا: إنه مخطئ معاتب فاحتجوا بأن الخطأ إنما يقع لتقصير في الطلب على ما مر فمتى لم يعاتب لم ينزجر عنه فلا ينال الصواب.
وقال عبد الله بن عباس لزيد بن ثابت: ألا يتقي الله زيد بن ثابت حيث يجعل ابن الابن مكان الابن، ولا يجعل أب الأب مكان الأب.
وقال: من شاء باهلته إن الله تعالى لم يجعل في مال واحد نصفين وثلثاً ولا ثلثين ونصفاً.
وقال أبو حنيفة في الوارث: إذا أقام البينة على أنه وارث دفع القاضي المال إليه ولم يأخذ منه كفيلاً وهذا شيء احتاطه بعض الفقهاء وهو جور.
وقال محمد بن الحسن ﵀ في المتلاعنين إذا تلاعنا ثلاثاً ثلاثاً وفرق القاضي بينهما: نفذ قضاؤه وقد أخطأ السنة.
وأما علماؤنا فإنهم قالوا: بهذا القول؛ إذا كان طريق الإصابة بينا لعلمنا أنه ما أخطأ إلا بتقصير من قبله.
стр. 408
فأما إذا كان خفياً فقد جاء الخطأ لخفاء دليل الإصابة، وذلك من الله تعالى.
والخفي مما لا يدركه كل فهم وكل قلب فإن آلات البصر على التفاوت كالعيون أبصارها متفاوتة بحكم الخلقة فلا يجوز العتاب على فعل الله تعالى فيصير معذوراً فيما لم يدرك مصيباً فيما استعمل من الاجتهاد مأجوراً.
وما روي من التخطئة والتشنيع فعلى النوع الذي ظهر طريقة عند الذي خطأ وشنع فإنا قد روينا التصويب للفريقين أيضاً فنحمل ذلك على الذي خفي طريقه ليكون قولاً عدلاً وسطاً جامعاً بين المقصر والغالي، والله أعلم.
стр. 409
باب
القول في حين أهلية الآدمي لوجوب الحقوق المشروعة عليه ، وهي الأمانة التي حملها الإنسان
قال القاضي ﵀: لا خلاف أن الآدمي يخلق هو أهل لإيجاب الحقوق عليه كلها.
فإنه يخلق وعليه عشر أرضه وخراجها بالإجماع، وعليه الزكاة على قول أهل الحجاز.
وإنما اختلفوا فيما سقط عنه بعذر الصبا كما يسقط عن الحائض الصلاة بعذر الحيض، لا لأنها ليست بأهل للإيجاب عليها فإن الصوم قد لزمها وهذا لأن الآدمي من أهل الوجوب عليه بالذمة فمحل الوجوب الذمة يقال: وجب في ذمته كذا، ولا يضاف الوجوب إلى غيرها.
والآدمي كما يخلق يخلق وله ذمة ألا ترى أن الطفل إذا انقلب على مال فأتلفه يلزمه ضمانه بخلاف البهيمة، وكذلك يلزمه مهر امرأته وسائر حقوق الناس، وإنما عرف وجوبها بالشرع.
ولأن الذمة عبارة عن العهد في اللغة فالله تعالى لما خلق الإنسان لحمل أمانته أكرمه بالعقل والذمة حتى صار بها أهلاً لوجوب الحقوق له وعليه فثبت له حق العصمة والحرية والمالكية بأن حمله حقوقه وثبت عليه حقوق الله تعالى التي سماها أمانة ما شاء كما إذا عاهدنا الكفار وأعطيناهم الذمة يثبت لهم حقوق المسلمين وعليهم في الدنيا.
والآدمي لا يخلق إلا وله هذا العهد والذمة فلا يخلق إلا وهو أهل لوجوب حقوق الشرع عليه كما لا يخلق إلا وهو حر مالك لحقوقه وإنما يثبت له هذه الكرامات بناء على الذمة، وحمله حقوق الله تعالى.
ولأن هذه الحقوق الشرعية التي تلزم الآدمي بعد البلوغ تجب بلا اختيار منه جبراً شاء أو أبى.
وإذا لم يتعلق الوجوب عليه باختياره وتمييزه لم يفتقر الوجوب إلى قدرة العقل، ولا قدرة التمييز ألا ترى أن الصالة تلزم النائم والمجنون على أصلنا إذا كان الجنون أقل من يوم وليلة.
فإن قيل: الوجوب مما يثبت بلا اختيار منه، ولكن سببه الخطاب فإنه لا يصح قبل العقل.
стр. 410
قلنا: هذا غلط فإن وجوب الحقوق الشرعية كلها بأسباب جعلها الشرع أسباباً للوجوب دون الأمر.
والخطاب كالزكاة بملك النصاب والعشر بالأراضي العشرية والخراج بالأراضي الخراجية، والحج بالبيت، والصلوات بأوصاتها، والصوم بشهر رمضان، والإيمان بالآيات الدالة على الله تعالى، والمهر بالنكاح، والثمن بالشراء، والنفقة بالقرابة ونحوها على ما بينا في باب أسباب حقوق الله تعالى فيما مضى ثم الخطاب بعد ذلك لطلب أداء الواجب بسببه نحو قولك: اشتريت عبداً بألف درهم فأد ثمنه فيكون وجوب الثمن في الذمة بالشراء لا بقوله أد الثمن بل أنه طلب للخروج عن الواجب بالأداء إلى مستحقه فكذا قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ أي: فليؤد الواجب عليه بشهود الشهر.
وقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي أدوا ما يلزمكم بأوقاتها.
وهذه الأسباب قائمة في حق الصبي والبالغ على السواء فلا ينبغي أن يقع الفرق بينهما في صحة الوجوب فعلمنا أن سقوط ما يسقط عن الصبي كان بعذر يسقط بمثله بعد البلوغ تيسيراً علينا لا لأنه ليس بأهل له.
وإنما يفارق الصبي الذي لا يعقل العاقل في وجوب أداء ما لزم ذمته فإنه متعلق بالطلب من صاحب الحق بالأمر والخطاب، وغير العاقل ليس من أهلها فلا يلزمه الأداء على ما نذكر بعد هذا.
وهذا كما قيل: إن النائم يلزمه حقوق الله تعالى، ولا يلزمه أداؤها حتى يستيقظ لأنه لا يقدر عليه ولا يعلم به، وهذا لأن الأداء إنما يكون بفعل منا على سبيل الاختيار فلا بد من العلم به ثم القدرة عليه فأما الوجوب في الذمة فصحيح من غير اختيارنا فلم يكن من شرط صحته قدرتنا ولا علمنا به.
فإن قيل: أليس الوجوب للأداء لا لنفسه فكيف جاز الإيجاب على من لا يقدر عليه؟
قلنا: إن الوجوب للأداء لا حال الوجوب بل يجوز بعده بزمان إما أداء، وإما قضاء فصح الإيجاب على من يرجى له قدرة الأداء والقضاء في الجملة والصبي من تلك الجملة كالنائم والمغمى عليه.
فإن قيل: فأي واجب علينا سوى الأداء في باب العبادات البدنية؟
قلنا: إن الوجوب حكم إيجاب الله تعالى علينا بسببه، والواجب اسم لما لزم ذمته بالإيجاب والأداء فعل العبد الذي يسقط الواجب عنه، وإنما هذا بمنزلة رجل استأجر خياطاً ليخيط له هذا الثوب قميصاً بدرهم فيلزم الخياط فعل الخطاية بالعقد، والأداء الخياطة نفسها وبها يقع تسليم ما لزمه بالعقد فكان الفعل المسمى واجباً في الذمة غير
стр. 411
الموجود مؤدى حالاً بالقبض وإنما من باب الأموال كدرهم في الذمة من الدراهم المؤداة عيناً فيكونان غيرين لا محالة.
فإن قيل: أرأيت لو مات الوليد قبل أن يعقل حتى لم يقدر على الأداء أتجعله أهلاً لحمل أمانة الله تعالى واستحقاق جزائه في الآخرة؟
قلنا: اختلف في جواب الجزاء أهل الملة روي عن أبي حنيفة أنه توقف في جواب هذه المسألة.
وعن محمد أنه قال: أما أنا فأعلم أن الله تعالى لا يعذب أحداً بغير ذنب، وقد جاءت الأخبار بجنة الأطفال وكونهم شفعاء لآبائهم من المسلمين فأما الاختلاف بينهم في ووقع الحمل عليهم على ما مر واختلافهم في الجزاء لا يدل على اختلافهم في الحمل فالجزاء يقابل الأداء لا حمل الأمانة فإنه يقع علينا بإيجاب الله تعالى شئنا أو أبينا كما بعد البلوغ لا يجب الجزاء بوجوب الصلاة علينا بل بالأداء.
ويحتمل أن يقال: بأن الله تعالى لما حمل الأطفال أمانته بالإيجاب عليهم أهلهم بذلك لاستحقاق الجزاء ولم يؤاخذهم بتركهم الأداء لعذر العجز، وأثابهم كرماً إلحاقاً بالمؤدي حكماً بعذر العجز بمنزلة البائع يدرك وقت الصلاة وهو لا يجد ماء يتطهر به فإنه تلزمه الصلاة، ولا يؤاخذ به إذا مات قبل القدرة على الأداء ويثاب عليه إذا تألم لذلك، وهذا لأن الإيجاب شرعاً مبني على اهر الحال لا على ما يكون في الغيب وبظاهر الحال كل صبي ممن يرجى منه الأداء.
أرأيت طفلاً له أرض عشرية ولا ولي له؟ أليس العشر يلزمه أو الخراج إن كانت خراجية، وإن مات قبل أن يلي عليه أحد أو يقدر بنفسه يسقط، وكم من بالغ يلزمه حقوق الله تعالى ثم لا يقدر على الأداء فيسقط عنه، وكذلك الحرمات الشرعية متعلقة بأسباب كحرمة الأكل بالموت وحرمة النكاح بالنسب والصهر والرضاع.
فإن قيل: قال النبي ﷺ :" رفع القلم عن ثلاث؛ عن الصبي حتى يحتلم".
قلنا: رفع القلم لا يدل على رفع الوجوب في الذمة إنما يدل على سقوط أداء الواجب لأن القلم للحساب، والحساب على ترك ما عليه من الأداء لا على الوجوب في الذمة.
فإن الواجب متى تأجل لم يؤاخذ العبد به والوجوب قائم ألا ترى أنه قرنه بالنائم، والنائم يلزمه الصلاة في ذمته.
ولا يلزمه الأداء حتى يستيقظ فكذلك الصبي لأنهم دخلوا جميعاً تحت رفع واحد، والله أعلم.
стр. 412
باب
القول في حين الخطاب شرعاً
لا خلاف أن حين الخطاب شرعاً حين البلوغ عن قدرتين:
قدرة فهم الخطاب: وهو بالعقل.
وقدرة العمل به: وهو بالبدن بدليل قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ ولا وسع إلا بعد هاتين القدرتين، وقال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ أي ضيق، وقال: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ أي الثقل فدل رفع الحرج والإصر على رفع ما لا يطاق من طريق الأولى، فدلت آية الوسع أن لا تكليف لأول حال الآدمي لأنه لا قدرة له أصلاً.
ودلت الآية الثانية على سقوطه لأول ما يعقل لأنه يحرج للفهم بأدنى عقله ويثقل عليه الأداء بأدنى قدره البدن أيضاً فلم يخاطب شرعاً لأول أمره حكمة، ولأول ما يعقل رحمة إلى أن يعتدل عقله وقدرة بدنه فيتيسر عليه الفهم، والعمل به ثم وقت الاعتدال يتفاوت في جنس بني آدم، ولا يمكن الوقوف عليه إلا بعد تجربة وتكلف عظيم، فوقت الله تعالى بحال تعتدل لديه العقول في الأغلب على سلامة الفطرة عن الآفات وهو البلوغ.
فقام البلوغ شرعاً مقام اعتدال العقل فتوجه لديه الخطاب وإن لم يعتدل وسقط قبله، وإن اعتدل دفعاً للحرج الذي كان يلحقنا بالوقوف على الاعتدال بالتجربة لكل صبي على ما مر من قبل في فصل بيان إقامة الأسباب مقام العلل الموجبة، وتعطيل العلل في أنفسها تيسيراً، وقد أيد هذا القول قول النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ"فلا قلم إلا للحساب، ولا حساب إلا بعد الخطاب على ما بينا أن الحساب لا يكون على الوجوب في الذمة بل هو بعد طلب الأداء بالخطاب، والله أعلم.
стр. 413
باب
القول في بيان ما أسقط من الحقوق بعذر الصبي رحمة
حق الأداء ساقط بعذر الصبي، أما الأول فأمره للعجز الحقيقي، وفيه الحكمة، وأما بعد ما عقل فللحرج وإنه رحمة وإنه بمنزلة دين على معسر يكون أصل الحق على الغريم، وحتى الأداء إليه ساقط إلى أن ينقضي الأجل الثابت بالعسرة، وحاكى أجلاً ثبت بالنص، ولأن سقوط الخطاب يدل على سقوط، وجب الأداء للحال فإن الوجوب في الذمة لا يوجب الأداء عقيبه بحال ألا ترى من باع عبداً بألف وجبت الألف ولا يجب الأداء إلا بعد الطلب، وكذلك إذا استأجر رجلاً يخيط له قميصاً بدرهم وجب العمل عليه ولا يجد الأداء للحال حتى يطالبه به فكذلك حق الله تعالى علينا.
فإن قيل: أليس لا يحل تأثير المغرب عن أول الوقت، ولا تأخير العصر إلى آخره ولا عن الوقت؟
قلنا: ثبت ذلك بخطاب غير الوجوب عليه بدخول الوقت ألا ترى أن الفقهاء اختلفوا في التأخير بقدر ما ثبت عندهم من أنواع الدلائل مع اتفاقهم على أصل الوجوب بدخول الوقت.
وأما التأخير عن الوقت فتفويت العين الواجب إلى مثله، وتفويت الحق تعدٍ زائد غير ترك الأداء فيحرم وأنه كإتلاف عين للغير عنده، ولهذا لا يأثم الصبي ولا يحاسب، وكذلك إذا استوصف الله تعالى فلم يصف في حال صباه لم يكن كافراً، وهو كفر بعد البلوغ لأن الوصف أداء لفرض الإيمان، ولا أداء عليه حال الصبا، وكذلك إذا لم يستدل بالآيات حتى بقي على جهله كان في حكم المسلمين كالذي لا يعقل.
فإن قيل: إذا أسلمت امرأة الصبي الكافر وهو يعقل الإسلام عرض عليه الإسلام، وإذا أبى فرق بينهما!
قلنا: ذلك السقوط الذي ذكرنا في حق الله تعالى رحمة منه دون حق العبد لأن النظر واجب لخصمه كما وجب له فمتى أسقط عنه الأداء لحق الصبي تضرر به الآخر فلم يسقط، والله أعلم.
فصل في بيان ما سقط من حقوق الله تعالى بأصله
حقوق الله تعالى على الإنسان أربعة:
أ- النظر في الآيات الدالة على الله تعالى.
стр. 414
ب- ثم الاعتقاد على ما توجبه الدلائل.
ج- ثم العبادات.
د- ثم الأجزية.
قال علماؤنا ﵏: وجوب العبادات والأجزية ساقط عن الصبي أصلاً، ووجوب النظر في الآيات والاعتقاد حق لله تعالى غير ساقط وإنما الساقط عنه الأداء.
وقال الشافعي ﵀: وجوب البدن ساقط عنه، ووجوب المال غير ساقط.
وتفسير الاعتقاد ما يتأدى بفعل القلب كأصل الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله.
وتفسير العبادات ما يتأدى بفعل البدن تعظيماً لله تعالى وطاعة إياه.
وتفسير الأجزية: ما شرعت جزاءاً على أفعال محظورة في الجملة معجلة في الدنيا.
والبدني من العبادات والأجزية ما لا يتأدى إلا بالبدن والمالي منهما ما لا يتأدى إلا بالمال.
وأما الشافعي فإنه يحج له بأن أجمعنا على أن العشر يلزمه، وفيه معنى العبادة حتى لم تجب على الكافر.
وكذلك صدقة الفطر حتى تؤدى من ماله ولا يلزمه الصلاة.
والصوم لان الجنس الأول مالي والآخر بدني ولأنا ذكرنا أن الصبي أهل للوجوب عليه بذمته وإنما سقط ما سقط لعجزه عن الأداء ما لم يعقل ويقدر عليه بذمته، ولو لم يسقط عنه الوجوب لتضاعفت عليه الواجبات في مدة الصبي، وهي مديدة ثم كان يلزمه القضاء بعد البلوغ فكان يحرج فيه والله تعالى ما جعل في الدين من حرج فأسقطها أصلاً نفياً للحرج عنه رحمة كما أسقط الصلاة عن الحائض بعذر الحيض لأنها تحيض كل شهر عادة والصلاة تتكرر كل يوم فلو لم تسقط لتضاعف عليها أبداً فكانت تحرج في القضاء.
ولما كان السقوط بسبب العجز عن الأداء اقتصر على البدني دون المال لأنه مما يتأدى بالنائب فلا يقع العجز عنه لقيام ولي الشرع مقام ولي ثبت بعد البلوغ بأمره فقال يلزمه الزكاة، وكفارة القتل وكفارات ارتكاب محظورات الإحرام، وكل ما صح سببه في حق الصبي.
فأما كفارة اليمين فإنها لا تلزمه لأن سببها اليمين ويمينه باطلة شرعاً بخلاف إحرامه فإنه صحيح شرعاً.
وقال: إسلامه لا يصح لأنه بدني، والشرع إنما علق بالإسلام ما علق من الأحكام بإسلام واجب شرعاً، ولا وجوب قبل البلوغ لأنه بدني فلا يتأدى واجباً كما لا يتأدى
стр. 415
الصوم والحج والصلاة واجبة وإن صحت في حق الآخرة والثواب.
وكذلك الردة لأن أحكام الردة في الدنيا علقت بترك الإسلام الواجب ولا وجوب فلم يعتبر في حق أحكام الدنيا.
وقال: ولا يلزمنا قولنا: أنه إذا صلى الظهر ثم بلغ في الوقت أو أحرم بالحج ثم بلغ قبل الوقوف فإنه يقع عن الفرض لأنا إنما أسقطنا الوجوب عنه رحمة عليه ونظراً له ودفعاً للحرج عنه، والنظر في هذه الحالة أن لا يسقط الوجوب لأن الفرض لزمه لما بلغ قبل مضي الوقت.
وكذلك فرض الحج يلزمه إذا بلغ قبل الوقوف بعرفه فمتى جعل الوجوب عليه في حال صباه ترفه بالسقوط عنه بما أدى ومتى لم يجعل عليه الوجوب بقي تحت عهدة الوجوب إلى أن يؤدى ثانياً وهذا كما قلتم في المعاملات أن قبول الهدية يصح، وهبته لا تصح لأن في الهبة ضرراً وفي القبول نفعاً.
وقلنا نحن: إن صدقته باطلة، ووصيته بالصدقة صحيحة، لأن الصدقة حال الحياة تضره للحال إن نفعته في الأخرة وبعد الموت تنفعه في الآخرة، ولا تضره للحال لأن الملك يزول بالموت لولا الصدقة.
وقلنا جميعاً إن نفل الصلاة مشروع في حقه دون الفرض لأن شرع النفل نفع محض إن فعل انتفع به، وإن ترك لم يؤاخذ به والفرض يضره من وجه، وهو المؤاخذة على الترك ولا يلزمني إبطالي قبول هبته لأن الشرع لما جعل ذلك النظر مستوفى له من قبل الولي، وقعت به الغنية عن ترك الأصل الممهد في بابه لاستيفاء النظر إليه كما لا يجوز بيعه ما يساوي درهماً بألف درهم، وفيه نفع له لأنه مما يستوفي له ذلك بالولي، والله أعلم.
والحجة لعلمائنا ﵏: أنه لما ثبت أن الصبي مثل البالغ في أهلية الوجوب عليه، وأن السقوط عنه بعذر الحرج كما في حق البالغ لم يسقط إلا ما احتمل أن لا يكون مشروعاً حقاً لله تعالى كالصلوات الخمس والفروع التي تحتمل النسخ والتبديل وثبوتها مشروعة بعد البلوغ في وقت دون وقت وحقية الله تعالى بصفاته لا تحتمل أن لا تكون ثابتة مشروعة حقاً لله تعالى دائماً.
ألا ترى أنا لا نجد شيئاً من العبادات والأجزية إلا ويسقط بعد البلوغ بعذر ما فكان السقوط بعذر الصبي أولى لأنه رأس الأعذار لأنه لأول أمره لا يقدر أصلاً ولا تتم قدرته ما لم تعتدل قواه.
ولأن سقوط ما يسقط عن الصبي لم يكن إلا للعجز عن الأداء دفعاً للحرج عنه حتى لا يتضاعف عليه القضاء بعد البلوغ
стр. 416
ووجوب أصل الإيمان على الصبي لا يوجب تضاعف الأداء بعد البلوغ ولا زيادة.
ولأن الصبي مثل البالغ في حق صحة الوجوب عليه متى تقرر سبب الوجوب في حقه كما في حقوق العباد، وإنما لم يصح الوجوب عليه إذا لم يصح السبب لأن السبب لا يعتبر صحيحاً شرعاً لنفسه بل لحكمه فمتى وجد صحيحاً لا بد أن يكون حكمه معه فإنه متى تخلف عنه أصلاً لم يكن سبباً.
وما عرف سبباً لذلك الحكم إلا بحكمة كبيع الحر وطلاق البهيمة ونحوهما لا يكون بيعاً ولا طلاقاً شرعاً ثم الآيات الدالة على الله تعالى لا تتصور أن لا تكون آية على حدوث العالم للمستدلين، ولا حدوث العالم يتصور أن لا يكون دلالة على محدث فكذلك ما تعلق بها من وجوب النظر فيها علينا لا يجوز أن يون ساقطاً بحال وإن كان يسقط الأداء عنا لفقد شرط الأداء من القدرة.
فأما وقت الصلاة فيجوز أن لا يكون سبباً للوجوب ولم يكن كذلك قبل الشرع فجاز أن لا يثبت سبباً في حق الصبي، وكل معذور سقط عنه الوجوب.
وكذلك أسباب الأجزية وكل ما صارت أسباب شرعاً، ولولا الشرع لما كانت أسباباً ولا عللاً في أنفسها فثبت أن الصبي إنما يسقط عنه وجوب ما يحتمل أن لا يكون في نفسه حقاً لله واجباً دون ما لا يحتمل.
ثم المالي والبدني من العبادات سوء وكذلك الأجزية: لأن العبادات اسم لنوع ابتلاء الآدمي بفعله تعظيماً لله تعالى مختاراً لطاعته على خالف هوى نفسه لا على سبيل الجبل والإكراه لأنه يجازى على وفاق فعله، ولا جزاء يستقيم في الحكمة مع الجبر لأنه لا فعل للجبر على الحقيقة فلا يستحق الجزاء ألا ترى أن الحقوق التي نستحقها فيما بيننا بأداء الأفعال لا تثبت إلا لمن يفعل مختاراً بنفسه أو نائباً عنه ثبت نائباً عنه بأمره واختياره.
إلا أنا في البدني ابتلينا بفعل يتأدى بالبدن.
وفي المالي بفعل يتأدى بالمال.
أما فعل لسان من نحو الإعتاق أو فعل يد كالإعطاء إلا أن المالي مرة يتأدى بمباشرتي ومرة بغيري كما زعمت، ولكن لا بد أن يكون الفعل مضافاً إلى على سبيل الاختيار مني، ولن يتصور الاختيار إلا أن يكون الولي علي بأمري فأما متى ثبت، ثبت شرعاً بلا اختيار مني فيكون كإعطار مني جبراً فلا يكون عبادة فالخصم زل خاطر قلبه عن اعتبار صفة الاختيارية.
وأما الأجزية فلا تجب إلا على ارتكاب ما يلزم العبد الانتهاء عنه حقاً لله تعالى، والانتهاء أداء حق النهي كالائتمار أداء حق الأمر.
стр. 417
وقد ذكرنا أن الصبي غير مخاطب بأداء حقوق الله تعالى لا ائتماراً ولا انتهاء ولهذا لا يأثم بالإجماع ولا تقام عليه العقوبات البدنية وإن لم يحتج لإقامتها إلى قدرة المقام عليه على فعل ما وإذا لم يكن عليه الانتهاء لم يلزمه ما شرع من الجزاء على مخالفته واعتبره بإثم الآخرة.
ولهذا لا يحرم الصبي القاتل الميراث لأنه شرع جزاء على قتل محظور كالكفارة على ما بينا في موضعه.
ولأن هذه الأجزية مما يحتمل النسخ ولم تكن مشروعة على هذا الوجه قبل شرعنا والصبي مما يلحقه بوجوبها ضرر فيسقط عنه بعذر الصبا كالعبادات رحمة عليه.
ولهذا قلنا: إن الصبي إذا أحرم صح في حقه أن يثاب عليه ولا يجب الكف عن محظوراته ولا تلزمه الكفارة ويمكنه رفضه لأن اللزوم من حيث الإحرام حكم ثبت بشرعنا ويحتمل أن لا يكون ولأنه مما يزول بعد البلوغ بعذر الإحصار، والرق والنكاح، وكذلك الكفارة عندكم تسقط بعذر الكره والنسيان فلأن تسقط بعذر الصبا أولى.
ولهذا قلنا: إن الصبي إذا أحرم ثم ترك، وجامع لم يلزمه القضاء، كما قال الشافعي في البالغ المتطوع إذا أحصر فتحلل.
ولأن اللزوم حق ثبت لله تعالى شرعاً ويجوز أن لا يكون فلم يثبت في حق الصبي، ولهذا لا يجوز أن ينوب عن الفرض ما أداه في الصبا لأن وقت الوجوب شرعاً في حقه البلوغ وكان بمنزلة رجل صلى أربع ركعات بعد الزوال ثم نزل شرع الظهر بعد ذلك فإنه لا ينوب عن المشروع بعد أداء ما سبق.
وأما الجواب عن شبهة النظر فإن سقوط الوجوب في حق نفسه هو النظر وإنما انقلب في مسألتنا هذه ضرراً باتفاق حاله فلا يعتبر تيسيراً فإن التمييز مما يندر من الحالات يتعذر على الطالبين كما قلنا في الخطاب أنه متأخر إلى حين اعتدال العقل والشرع قدره بالبلوغ تيسيراً وسقط ما يتفق في نادر الأحوال من اعتدال قبله أو نقصان يبقى معه.
ولهذا قلنا إن وصيته بالصدقة باطلة لأنها تمليك بلا عوض وأنه ضرر في وضعه كما في حالة الحياة، وإنما انقلبت نفعاً باتفاق حال الموت فلم تعتبر وقبول الهبة يصح من الصبي إذا عقل القبول لأن الحجر بعد معرفة التصرف ما ثبت إلا نظراً له كي لا يخدع في ماله ونفسه ولا يغبن، وليس في قبول الهبة مخافة غبن، فلم يثبت الحجر في حقه فالأصل في الشرع إثباته في حقه على وجه النظر، والنظر في الإطلاق فيما هو نفع محض فبقي مطلقاً، وثبت للولي لأن الولاية أثبتت له نظراً للصبي أيضاً، وفي إثبات ولاية قبول الهبة للصبي نظر ولم يجز بهذا النظر حجر الصبي عن نظره لنفسه بقبوله بل وجب إطلاقه لأن تمام النظر فيه.
стр. 418
ولهذا قلنا: يصح إسلامه استحساناً لأن أصل الوجوب كان ثابتاً على ما مر أنه لا يحتمل السقوط بخلاف ما يحتمل السقوط، فإذا جاء الأداء كما وجب كان عن الواجب لا محالة وإن لم يكن مخاطباً بالأداء كالصلاة لأول الوقت، والصوم في السفر، وأداء الدين المؤجل وما للأداء في الشرع حد للصحة إلا أن يعتقد وحدانية الله تعالى عن معرفة، ويشهد بلسانه كما اعتقدوا الخلاف فيما إذا تصور منه ذلك ما لو كان بالغاً.
وأما إذا ارتد فردته صحيحة استحساناً عند أبي حنيفة ومحمد، ولا تصح قياساً عند أبي يوسف.
قال أبو يوسف: لأن الردة من المضار والإيمان من المنافع، فالصبي محجور عن المضار دون المنافع شرعاً في حق أحكام الدنيا.
فأما في حق الآخرة فما ينبغي أن يستحق الجنة وقد اعتقد الشرك وترك اعتقاد الدين الصحيح، والجنة ثمن الدين كما لا يستحق ثواب الصوم إذا أفطر إلا أنهما استحسنا، أي تركا هذا القياس الظاهر فإنه مسلم لهم هذا الأصل فيما يحتمل النسخ والتبديل فيكون الصبا عذراً مانعاً من ثبوت الشرع فلا يصير مشروعاً إذا احتمال أن لا يكون مشروعاً حقاً لله تعالى.
فأما ما لا يحتمل أن لا يكون مشروعاً حقاً مستحقاً لله تعالى، فلا تعتبر فيه المضرة والمنفعة بل يكون مشروعاً في حق الصبي والبالغ على السواء على ما مر وإنما يختلفان في وجوب أداء المشروع فإن الأداء يلزم البالغ دون الصبي وإذا صار الإسلام مشروعاً وجوبه حقاً لله تعالى في حق الصبي لأنه لا يحتمل غير ذلك فكذلك وجوب حرمة الردة، وإذا ثبت الشرع صح الأداء شرعاً فلزمه ما تعلق به من الأحكام الشرعية إلا ما شرع جزاء على الفعل المحظور، لما ذكرنا أن الجزاء المعجل يحتمل أن لا يكون مشروعاً على أن القتل على المرتد عندنا مشروع لصيرورته حربياً لا كافراً حتى لم تقتل المرأة لأنها ليست من أهل الحرب، والصبي بمنزلتها.
فأما حرمان الإرث، وفساد النكاح فليسا بجزاء فعل الردة لا محالة فإنهما يثبتان ببقاء الكفر الأصلي فهذا وجه الاستحسان، والله أعلم.
فإن قيل: أليس أن الصبي يؤدب إذا أساء أفعاله؟
قلنا: التأديب لا يقام جزاء على ما مضى حقاً يجب بإزائه عليه لغيره بل تقويماً في المستقبل حقاً له، ألا ترى أن الدابة تراض وتؤدب تقويماً وإصلاحاً وأنه لتسوية الأخلاق بمنزلة الدواء لطلب الشفاء وبمنزلة الحجامة.
فإن قيل: أليس الصبي يسرق فإن عقوبة جزاء للكف؟
قلنا: إن الاستيلاء على المباح شرع سبباً للملك كما في حق الصيود، وأهل الحرب
стр. 419
ما لهم عصمة فلا يكون تملكهم بسبب الاستيلاء عقوبة كما في حق البهائم وإنما لم يملك غيرهم بالاستيلاء لعصمة ثبتت لهم من الله تعالى كرامة فيكون زوال العصمة بالكفر حقيقة أو تبعاً لأبويه بمنزلة زوال النعمة، فلا يكون عقوبة واجبة على أحد بمنزلة زوال الصحة والحياة والمال وسائر الكرامات.
فأما الجواب عن استدلالهم بالعشر وصدقة الفطر: أما صدقة الفطر فتجب على الأب بسبب ولايته على رأس الصبي ومؤنته كما تجب على المولى بسبب رأس عبده حتى أوجبنا على العبد الكافر، وأما جواز الأداء من مال الصبي فلأن وجوبها بمنزلة وجوب المؤنة عن رأسه، والمؤن تتأدى بولاية جبرية كالعشر والخراج وأنه شبهه لا في هذه المسألة وقد خالف محمد أستاذه فيه.
فأما العشر عندنا فمؤنة الأرض كالخراج، ولهذا لا يجتمعان وإذا كان العشر من حقوق غير الله صح تأديه بولاية جبرية على من عليه الحق كما صح أخذ القاضي من البالغ كرهاً ولا يكون لمن أخذ منه ثواب فعل العبادة، وإنما يكون له ثواب ذهاب المال في وجه الله تعالى بمنزلة ثواب المصائب.
فأما إذا كان الحق لله تعالى صار الأصل فيه الفعل فإن العبادة اسم للفعل دون المال، وإنه اسم لفعل يأتي به من عليه على سبيل الاختيار ليثاب عليه فلا يجوز تأديه بدون فعل منه على اختياره.
ولهذا قلنا: ليس للسلطان أن يأخذ الزكاة من صاحبه كرهاً كما يأخذ ديون الناس.
ولهذا قلنا: لا تؤخذ من تركته بعد موته بدون الوصية بخلاف العشر وحقوق الناس فصار المعنى الذي اعتبره الخصم للفرق بين المالي والبدني حال عجز الصبي عن الأداء بنفسه معتبراً في حقوق غير الله تعالى فالمالي منها يلزم الصبي دون البدني.
وأما ما يجب لله تعالى فالمالي والبدني سواء ويسقط عن الصبي ما احتمل للسقوط ولا يسقط عنه ما لا يحتمله والأداء ساقط في الأحوال كلها، والله أعلم.
стр. 420
باب
القول في حين صحة عبارات الصبي شرعاً
لا خلاف أن عباراته فاسدة قبل أن يعقل ويميز لأن الكلام وضع للتمييز بين المسميات ولن يتصور ذلك إلا بعد المعرفة عن عقل، ولهذا لم يتعلق بكلام النائم والمغمى عليه والمجنون حكم، ولا خلاف أنها تصح إذا عقل وميز لوجود شرط الصحة حتى إذا قال: أنا جائع سمع منه، وأطعم أو دعا ربه أثيب عليه وأذكاره في صلاته تصح كما لو كان بالغاً.
وإنما اختلفوا فيما أفسد عليه شرعاً نظراً له ورحمة، كما لا يصح منه فرض العبادات نظراً له؟
قال علماؤنا: عباراته صحيحة في الأصل إلا فيما يضره أو يتوهم لحوق الضرر به.
وقال الشافعي: عباراته فاسدة شرعاً فيما صار مولياً عليه فيها، فأما ما لم يصر مولياً عليه فيها ففاسد فيما يضره صحيح فيما ينفعه.
واحتج بأن الشرع لما جعله مولياً عليه في باب دل على سقوط ولايته في نفسه إذ لو بقيت له لما ثبتت لغيره كما بعد البلوغ فأما ما لم يصر مولياً عليه فيه فباق معه إلا أن الشرع حجزه عن الاستيفاء نظراً له حتى لا يخدع كما سقط عنه الفرض نظراً له فلم يثبت الحجر في حق ما يتمحض نفعاً كما لم ينعدم الشرع في حق نوافل العبادات التي تتمحض نفعاً.
فقال: لا يصح قبوله الهبة لأنه مولى عليه فيها، وكذلك إسلامه وكفره لأنه مولى عليه فيهما، وتصح وصيته بالصدقة لأنه غير مولى عليه فيها وهي نفع محض لأنها تزول إلى خلف له ومتى فسدت الوصية زالت إلى خلف، وإذا وقعت الفرقة بين الأبوين، وقد بلغ سبع سنين خير وعمل باختياره أيهما اختاره لأن له معرفة صحيحة بالذي هو أرق له واختياره ذلك نفع محض والشرع لم يجعله مولياً عليه فيه فإنه لا ولاية لأبيه عليه فيه، وقال: لا تصح عباراته بالبيع لنفسه ولا لغيره لأنه مولى عليه فيها ولا يصح طلاقه وإقراره بالإجماع لأنه ضرر.
ولعلمائنا أن كون الإنسان فاسد العبارة من أعظم النقصان فالآدمي امتاز عن فيره من سائر الحيوانات لصحة العبارة حتى قيل: المرء بأصغريه: قلبه ولسانه.
стр. 421
وقيل:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلا يجوز أن يفسد على الصبي عباراته بعد إصابته شرط الصحة إلا على سبيل النظر له وذلك في دفع ما يتعلق به من المضار عنه كما قاله الخصم وكما سبق القول في باب حقوق الله تعالى.
وإذا ثبت هذا الأصل قلنا: لا ضرر عليه في صحة قبول الهبة والوصية والصدقة فتصح كما قاله الخصم في صحة وصيته بالصدقة.
فأما قوله: إن كونه مولياً عليه ينافي ثبوت الولاية له فليس كذلك لما مر في باب بيان حقوق الله تعالى، ولا تصح هبته ولا صدقته لأنهما من المضار، وكذلك بعد الموت لما مر في ذل الباب، وكذلك لا يصح اختياره في باب الحضانة لأنه يتردد بين نفع وضر، ولربما يختار الذي يضره لعاقبة أمره بل يميل إليه لا محالة فإن الطبع ينفر عمن يؤدبه، ويحمله على التخلق بأداب الشرع والمروءة إلى من يدعه للهو وارتكاب الهوى فكانت عباراته في هذا الباب كعباراته في باب التجارات التي تتردد بين ضر ونفع فلا يجب العمل به.
وقال علماؤنا: يصح إسلامه لأنه نفع محض فإن العصمة في الدارين لحق الإسلام وكرامات الآدمي كلها لحق الدين وتأهله لذلك، وإن لم يقبل ولا شك أن الخير فيه فوق ما في نقل العبادات.
فإن قيل: وربما يبتنى عليه حرمان الإرث وفساد النكاح!
قلنا: لا عبرة لزوائد هذه الأحكام التي ليست بأحكام أصل الدين بل تثبت بواسطة أخرى، وحالة تتفق لما مر أنه لا عبرة في هذا الباب للتغير بالحال ولأنك تفسد إسلامه وإن تعلق بها الإرث وصحة النكاح نحو إن كانت أسلمت امرأة الصبي الكافر، وعمه ولا وارث للعم غيره فإنه بالإسلام يعصم ملك نكاحه، ويرث عمه على أن حرمة النكاح والإرث حيث ثبتت ثبتت مضافة إلى كفر الكافر منهما على ما بينا في موضعه.
وقالوا: تنعقد التصرفات كلها بعبارته، كما تنعقد بعبارة البالغ، وتنفذ إذا كان وكيلاً عن أهلها لأنه لا ضرر عليه في انعقاد التصرف بحق الوكالة لأن العهدة لا تلزمه ونفس فساد العبارة ضرر على ما مر فلا يثبت الحجر في حقها، وإذا ثبت أنها تصح في مال الغير بإذن الولي صحت كذلك في مال نفسه بإذن الولي من طريق الأولى لأنهما لا يفترقان إلا فيما يلزمه إذا كان في ماله.
وهذا اللزوم جعل من المصالح إذا حضره رأي الولي بدلالة أن الولي لو فعله بنفسه
стр. 422
أو أمر غيره به صح وما أثبت له ذلك إلا مصلحة للمولى عليه نظراً له.
وقد مر أن الفساد لا يجوز أن يثبت من طريق أنه مولى عليه بل لما جعل مولياً عليه لما له من النفع في تصرف الولي عليه بذلك، ولا ضرر في صحة عبارته في ماله مع ذلك عليه كان تمام النظر في أن تبقى صحته مع ثبوت الولاية للولي ليثبت له نفعها من طريقين فيثبت أن ما قلناه أولى الوجهين، والله أعلم.
فإن قيل: لو شهد الصبي لم تقبل شهادته وكانت العبارة فاسدة وإن لم يلزمه بها حكم.
قلنا: العبارة صحيحة ولكن مع ذلك لا تكون حجة على غيره كما لو شهد العبد أو شهد الكافر على مسلم، وهذا لأن الشهادة بمنزلة الولاية على غيره، وإنها تتعلق بكمال الحال في ولاية نفسه بعد صحة العبارة، والله أعلم.
стр. 423
باب
القول في حين لزوم ما يتجدد بالشرع من الأحكام
حكم هذا الشرع إنما يلزمنا بعد بلوغه إيانا لما مر أن الله تعالى لم يكلف نفساً إلا وسعها، ولا وسع على العمل إلا بعد العلم فسقط أصلاً ضرب ما يحتمل النسخ لقصور الخطاب دفعاً للحرج كما سقط بالصبا.
وقد روي أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعدما حولت القبلة إلى الكعبة فأتاهم آت وهم في الصلاة فأخبرهم أن القبلة قد حولت فاستداروا كهيئتهم، ولم ينكر عليهم رسول ﷺ .
وقد شرب جماعة الخمر بعد التحريم قبل العلم به فأنزل الله تعالى: ﴿ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ وهذا فل لا خلاف فيه.
ثم البلوغ نوعان: حقيقة بسماع الخطاب، وحكماً بشيوعه في قومه، لأن النبي ﷺ أمر بتبليغ القرآن الناس كافة وما أمكنه التبليغ إلى كل نفس، وإنما بلغ أكابر كل قوم في جماعتهم، وكان مؤدياً بذلك حكم الأمر ليكون الأمر بقدر الوسع وعلى سبيل لا حرج فيه.
ولأن الخطاب متى شاع أمكن كل إنسان العمل به متى لم يقصر في طلب الحجة من قومه فمتى لم يطلب حتى جهل كان ذلك بتقصير منه فلم يصر ذلك الجهل له عذراً، وصار كأنه علم ثم لم يعمل ألا ترى أن الواحد منا لو لم يتعلم الشرائع وجهلها لم يعذر، ولزمه كلها لشيوعها في دار الإسلام.
وكذلك الذمي إذا أسلم ولم يعلم بالصلاة لزمته ولو أسلم الحربي في دار الحرب ولم يعلم بها لم يلزمه قضاء ما فات منها لأن الخطاب فيها غير شائع.
وهذا لما قال علماؤنا-﵏-فيمن أذن لعبده في التجارة وشاع إذنه، ثم حجر عليه: لم يثبت الحجر في حق أهل السوق حتى يحجر عليه حجراً عاماً في أهل سوقه، وإذا أشاعه ثبت الحجر في حق من سمع ومن لم يسمع.
ولهذا قالت الأئمة في الحربي تزوج أختين معاً، أو على التعاقب، ثم فارق إحديهما، ثم أسلم: بقي نكاح الباقية صحيحاً، وإن بقيت الأخيرة.
لأن خطاب التحريم قاصر عنهم فبقوا على الحل الثابت قبل الخطاب.
стр. 424
وكذلك لو تزوج خمساً ثم فارق الأولى منهم ثم أسلم بقين على الصحة.
ولو وقع فاسداً من الأصل لما انقلب صحيحاً بالإسلام بل كان يتأكد، وكذلك لو تزوج في عدة من كافر أو بغير شهود.
وقال أبو حنيفة ﵁: لو تزوج الكافر محرماً ودخل بها لم يسقط إحصانه، وكان بمنزلة ما لو تزوج مجوسية.
كذلك علل في الكتاب الجواب في أهل الذمة في مسائل الجمع والنكاح بغير شهود بلا خلاف، لأن أهل الذمة وإن كانوا في دار الإسلام فالخطاب قاصر عنهم لأن الخطاب إنما يصح بعد ثبوت الرسالة وهم ينكرون الرسالة فلا تصر حجة عليهم بحق الشرع بل بقدر ما عوهدوا عليه.
ولأن الخطاب من الله تعالى أن أمر رسوله بدعوة الكفار إلى الإيمان بالله وبرسوله فإن أبوا فإلى الذمة فيمن جعل لهم الذمة، وإلى أن يتركهم وما يدينون به إلا ما استثني عليهم فإذا دعاهم إلى الذمة بشرطها فقد بلغهم الخطاب الشرع في حقهم فلا يلزمهم ما تبدل من أحكام الله تعالى بهذا الشرع إلا ما استثنى عليهم، لأن الخطاب الأصلي قصر عنهم إلى خطاب الذمة فيبقون فيها على ما كانوا عليه قبل شرعنا، وإن كانت فاسدة كالكفر.
وما لا يحل بحال كانوا فيها على الفساد وإن كانت صحيحة عند الله تعالى كحل أنكحه حرمت بشرعنا، وشرب الخمر ونحوها بقيت كذلك صحيحة، ولهذا لا يحدون على شرب الخمر، وإذا تبايعوا فيما بينهم ثم أسلموا على تلك الأيمان وأقروا بها لا تنتزع من أيدي مشتريها، ولم تنقض تلك البيوع، ولو وقعت فاسدة لأبطلت عليهم بعدها أسلموا وصاروا بحيث لا يقرون على الفساد كما لو زنوا ثم أسلموا.
وقالوا علماؤنا ﵏: إذا أتلف مسلم عليهم الخمر ضمن لهم كما لو أتلف الخل لبقاء الخمر في حقهم على ما كان قبل التحريم.
وإنما قال الشافعي: لا يضمن لأن الحرمة ثابتة في حق المسلم وديانتهم لا تكون حجة على المسلم ولا قصور الخطاب في حقهم يبدل حكم الخطاب في حق من بلغه.
وكذلك إذا أتلف ذمي على ذمي ثم اختصموا إلى قاضينا لا يلزم قاضينا الحكم بما عندهم وجوابنا أنا نحكم بما عندنا، وعندنا أنه مال متقوم في حقهم.
وقال أبو حنيفة ﵁: لا نفسد نكاحهم المحرم بمرافعة أحدهما لأن ديانة المرافع لا تكون حجة على الآخر، وشبه هذه الفصول مذكورة في كتاب (الأسرار)، والله أعلم.
стр. 425
باب القول في الأعذار المسقطة للوجوب بعد البلوغ
هذه الأعذار أربعة أنواع:
أ-الجنون والعته نوع: وهو عذر عدم العقل ونقصانه.
ب-والنوم والإعماء نوع: وهو العجز عن استعمال نور العقل بفترة عارضة مع قيام أصله كاملاً.
ج-والنسيان والخطأ والكره والجهل بأسباب الوجوب ونحوها من الأعذار الطبيعية نوع: فإن الفعل ينعدم معها مع قيام القدرة بسبب الترك مختاراً.
د-والرابع: قسم الحيض والرق فإنه مما ينعدم به شرط بعض العبادات حكماً فيثبت العجز شرعاً لا طبعاً.
فأما الجنون: فبمنزلة الصبا قبل أن يعقل الصبي إذا طال الجنون، وبمنزلة النوم إذا قصر على ما مر.
والعته بمنزلة الصبا بعدما عقل الصبي لأن المعتوه هو الذي اختلف كلامه فصار بعضه ككلام العاقل، وبعضه ككلام المجنون فكان ذلك الاختلاط لنقصان عقله، كما يكون في الصبي فيكون حكمه حكم الصبي إلا في حق العبادات فإنا لم نسقط به الوجوب احتياطياً في وقت الخطاب وهو البلوغ، بخلاف الصبا لأنه وقت سقوط الخطاب على ما مر بيانه.
وأما السفه بعد البلوغ، فلا يوجب الحجر عند أبي حنيفة ﵁ وكذلك عند غيره، لأن ظهاره وطلاقه وما لا يبطله الهزل ينفذ منه.
لأن السفه ليس بعبارة عن نقصان العقل بل عن مكابرة العقل بغلبة الهوى، وقد نهانا الشرع عن اتباع الهوى فلا يصير اتباعه الهوى بخلاف موجب العقل عذراً له يوجب الحجر نظراً له، وبالإجماع لم يوجب سقوط الخطاب نظراً، ولم يجعل السفيه وإن كان مغلوب هواه كالمكره الذي هو مغلوب بغيره لأن ذلك عذراً عند الله تعالى وهذا لم يجعل عذراً عند الله تعالى لقدرته لا محالة على الدفع لو لم يساعد نفسه، وإنما يصير مغلوباً بالمساعدة مختاراً.
وأما النوم والإغماء: فنوع واحد فترته تعارض منع استعمال العقل مع قيامه، وحكم
следующие страницы →