Полный текст (5 377 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وَالجُزْع بِضَرْب صَدْرهُ وَنَحْوهُ
ــ
والصحيح: أنهما محرمان؛ لأن النبي ﷺ لعن النائحة والتي تجاوبها، وفي (الصحيحين) (خ ٤٨٩٢ - م ٩٣٦) عن أم عطية ﵂ قالت: (نهانا رسول الله ﷺ عن النياحة)، وقال ﷺ : (النائحة إذا لم تنب قبل موتها .... تقام يوم القيامة وعليها سريال من قطرات ودرع من جرب) رواه مسلم (٩٣٤).
(السربال): القميص. وكنى به عثمان عن الخلافة في قوله: (لا أخلع سربالًا سربلينه الله).
و (درع المرأة): قميصها.
و (الجرب) بئر تعلو أبدان الناس.
قال: (والجزع بضرب صدره ونحوه) كنشر الشعر وشق الجيب وتسويد الوجه وإلقاء التراب أو الرماد علي الرأس، وكل واحد من هذه الأشياء حرام بمفرده؛ لقوله ﷺ : (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) متفق عليه (خ ١٢٩٤ - م ١٠٣)، ولأن ذلك يشبه التظلم من الظالم، وهو عدل من الله . ومتى حصل شئ من هذة الأشياء .. فإثمه على فاعله خاصة؛ لقوله تعالي: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
وما أحسن قول شيخنا الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمة الله (من الطويل):
ولو جاز فرط الحزن لم يستفد به .... فما بالنا لا نستفيد ونأثم
وأما ما ورد في (الصحيح) (خ ١٢٨٨ - م ٩٢٨) عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) أو قال: (ببعض بكاء الحي) .... فمحمول عند الجمهور على ما إذا أوصى به كقول طرفه (ديوانه ١١٨ من الطويل):
إذا مت فانعيني بما أنا أهله .... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
стр. 1017
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال لبيد (ديوانه ٧٣ - ٧٤ من الطويل):
فقوما وقولا بالذي قد عرفتما .... ولا تخشما وجهًا ولا تحلقا شعر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما .... ومن يبك حولًا فقد اعتذر
قال الرافعي: ولك أن تقول ذنب الميت يحمل على الحرام والأمر به، فوجب أن لا يختلف عذابه بالامتثال وعدمه.
وقيل: المراد ب (العذاب): التألم قال محمد بن جرير والقاضي عياض، وقيل: التوبيخ، وقيل: مخصوص بالميت الكافر قاله الشيخ أبو حماد؛ لقول عائشة ﵂: رحم الله (ابن) عمر ما كذب ولكن أخطأ ونسي إنما مر النبي ﷺ على يهودية وهم يبكون عليها فقال: إنهم يبكون وإنها لتعذب ببكاء أهلها)، وقيل: إذا ندبوه بشيء من المحرمات.
قال المصنف: وأجمعوا على أن المراد بالبكاء هنا: إذا اقترن به ارتفاع صوت ونياحة، لا مجرد دمع العين.
وتكره المرائي.
فروع:
لا يكره المشي علي المقابر بالنعلين علي المشهور؛ لقوله ﷺ :
стр. 1018
قَلَت: هاذِهِ مَسائِل مَنْثُورَة: يُبادِر بِقَضاء دَيِّن المَيِّت
ــ
(إنه ليسمع خفق نعالهم).
وما ورد من الأمر بإلقاء النعلين السبتيتين في (أبي داوود) (٣٢٢٢) و (النسائي) (٤/ ٩٦) بإسناد حسن يحتمل أن يكون: لأنهما من لباس المترفين، أو أنه كان فيهما نجاسة.
و (النعال البيتة) بكسر السين: المدبوغة بالقرظ.
ويستحب خفض الصوت في السير بالجنازة ومعها , وأن لا يشتغل المشيع بشيء عن التفكير فيما هو لاقيه وصائر إليه، قال سعد بن معاذ: ثلاثة أشياء قويت عليها: ما مشيت في جنازة قط إلا وكنت مفكرًا فيما يقال لها وما به تجيب، ولا صليت صلاة فحدثت فيها نفسي بشيء من أمور الدنيا، ولا بلغتني سنة عن النبي ﷺ إلا عملت بها.
واتباع النساء الجنائز قيل: حرام، والصحيح في زوائد (الروضة): أنه مكروه.
ويستحب لمن مرت به جنازة أن يدعو لها، وأن يثني عليها خيرًا إن كان أهلًا، وأن يقول: سبحان الحي الذي لا يموت أو سبحان الملك القدوس.
قال: (قلت: هذه مسائل منثورة:
يبادر بقضاء دين الميت)؛ لقوله ﷺ : (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) رواه الإمام الشافعي ﵁ (أم / ٢٧٩) والترمذي (١٠٧٩) وابن ماجه (٢٤١٣) والحاكم (٢/ ٢٦) وابن حبان (٢٠٦٦).وليكن ذلك قبل تجهيزه. فإن لم يكن في التركة جنسه بأن كانت عقارًا ونحوه .... قال الإمام الشافعي ﵁ وأبو حامد: يسأل وليه غرماءه أن يحللوه ويحتالوا به عليه، وفيه إشكال لا يخفي. قال المصنف: فيحتمل أنهم رأوا هذه الحواله مبرئة هنا للحاجة والمصلحة.
وقال القاضي أبو الطيب: يتوصل إلى أن يحيل غرماء الميت على من للميت عليه دين وهذا أقرب.
стр. 1019
وَوَصَّيتُهُ، وَيَكْرَهُ تُمَنِّي المَوْت لَضَرَّ نَزْل بِهِ لا لُفتُنَّهُ دَيِّن
ــ
وقال الماوردي: إنما تكون الذمة بدينه إذا لم يخلف تركه يتعلق بها الدين. ويدل له ما روى أبو داوود (٢٣٣٥) عن أبي موسي الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى الله تعالى عنها: أن يموت رجل عليه دين لم يدع له قضاء).
قال: (ووصيته)؛ مسارعة إلى وصول الثواب له البر، وذلك مندوب بل واجب عند طلب الموصى له المعين، وكذا عند التمكن في الوصية للفقراء ونحوهم من ذوي الحاجات.
قال: (ويكره تمني الموت لضر نزل به)؛ لما روى البخارى (٥٦٧١) عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان ولا بد فاعلًا .... فليقل: (اللهم؛ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لى، وتوفني ما كانت خيرًا لي).
قال: (لا الفتنة دين) كما إذا فسد الزمان، فحينذ لا يكره بل قال المصنف في (الفتاوى) التي له غير مشهورة: إنه في هذه الحالة يستحب، وحكي ذلك عن أبي ملسم الخولاني وهمر بن عبد العزيز وغيرهما.
قال الشيخ: والأحسن في هذه الحالة الدعاء بما في الحديث فإنه يحصل به المقصود، والله تعالي هو العالم بحقائق الأمور وعواقبها.
وأما التمني لغرض أخروي كتمني الشهادة في سبيل الله ... فمحبوب, وقد قال عمر ﵁: (اللهم؛ إنه رق عظمي - أي: ضعف - وانتشرت رعيتي، فتوفني غير مقصر ولا عاجز). قال أصبغ: سمعت أشهب يحدث أن عمر بن عبد العزيز كان لا يبلغه شيء عن عمر بن الخطاب ﵁ إلا أحب أن يعمل به، حتى بلغه أن عمر ﵁ دعا على نفسه بالموت فدعا به، فما لبث جمعة حتى مات. وصح عن معاذ أنه تمناه في طاعون عمواس.
стр. 1020
وَيُسِنّ التَداوِي،
ــ
وقال ابن عباس ﵄: (ما تمني نبي الموت إلا يوسف ﵊.
والجواب: أنه إنما تمني الوفاة علي الإسلام لا الموت، ولهذا كان نبينا ﷺ يقول في دعائه: (وإذا أردت بالناس فتنة ... فاقبضني إليك غير مفتون). وقال ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل علي القبر فيقول: يا ليتني مكانه؛ لما يرى من الفتن).
هذا في غير من بشر بالجنة، أما المبشر بها ... فيحب الموت ويهواه ويتمناه؛ فقد كان علي ﵁ يقول: (لا أبالي سقط الموت علي أو سقطت عليه)، وكان حذيفة ﵁ يتمني الموت، فلما احتضر قال: (حبيب جاء على فاقة، لا أفلح اليوم من ندم) يعني: علي التمني، وقال عمار ﵁ بصفين: (اليوم ألقى الأحبة، محمدًا وحزبه)، وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحن إليه.
قال: (ويسن التداوي)؛ لقوله ﷺ : (تداووا؛ فإن الله تعالى لم يضع داء إلا له دواء غير الهرم) رواه الأربعة، وقال الترمذي: حسن
стр. 1021
وَيَكْرَهُ إِكْراههُ عَلِيّهُ. وَيُجَوِّز لَأَهْل المَيِّت وَنَحْوهُم تقبيل وَجْههُ. وَلا بَأَسَ بِالإِعْلام بِمَوْتهُ لِلصَلاَة وَغَيْرها،
ــ
صحيح، وقال ﵊ في الشونيز: (عليكم بهذه الحبة السوداء؛ فإن فيها شفاء من كل داء إلا السام) يريد: الموت، وروى ابن حبان (٦٠٧٥) والحاكم (٤/ ١٩٦) عن ابن مسعود ﵁: (ما أنزل الله داء ... إلا أنزل له دواء، جهله من جهله وعلمه من علمه، فعليكم بألبان البقر؛ فإنها ترم من كل الشجر) أي: تأكل.
فإن ترك التداوي توكلًا ... فهو فضيلة، وفي (فتاوي ابن البرزي): أن من قوي توكله .... فالترك له أولى، ومن ضعفت نفسه وقل صبره .... فالمداواة له أفضل. وفيما ادعاه نظر؛ فإن سيد المتوكلين ﷺ تداوي
ونقل القاضي عياض الإجماع على عدم وجوب التداوي.
قال: (ويكره إكراه عليه)؛ لقوله ﷺ : (لا تكرهوا مرضاكم علي الطعام والشراب؛ فإن الله يطعمهم ويسقيهم) رواه أبو داوود وابن ماجه (٣٤٤٤) من حديث عقبة بن عامر.
قال: (ويجوز لأهل الميت ونحوهم تقبيل وجهه)؛ لأن النبي ﷺ قبل عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي، رواه الترمذي (٩٨٩) وغيره، وهو أول من دفن بالبقيع، وفي (البخاري) (٤٤٥٧): (أن أبا بكر رضى الله عنه قبل النبي ﷺ بعد موته).
قال الشيخ: ينبغي أن يكون لهم مستحبًا، ولغيرهم جائزا ً، ول يقتصر الجواز عليهم.
وفي (الروضة) في (أول النكاح): لا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح، وقيل: يكره، وقيل: يستحب للقريب دون غيره.
قال: (ولا بأس بالأعلام بموته للصلاة وغيرها)؛ لما روى البخاري عن ابن عباس رضي عنهما: أن إنسانًا مات في زمن النبي ﷺ فدفنوه
стр. 1022
بِخِلاف نَعْي الجاهِلِيَّة. وَلا يَنْظُر الغاسِل مَن بَدَنهُ إِلّا قَدْر الحاجَة مَن غَيْر العَوْرَة. وَمَن تُعْذَر غِسْلهُ ... يَمَّمَ، وَيَغْسِل الجَنْب وَالحائِض المَيِّت بَلًّا كَراهَة،
ــ
ليلًا، فلما أصبح ... أخبروه به فقال: (ما منعكم أن تعلموني؟) قالوا: كان الليل والظلمة فكرهنا أن نشق عليك، فأتي قبره فصلى عليه).
وفي (الصحيحين) (خ ١٢٤٥ - م ٩٥١): (أنه ﷺ نعى لأصحابه النجاشي في اليوم الذي مات فيه).
واختلف الأصحاب في النداء علي الميت فقيل: مكروه، وقيل: مستحب، وقيل: إن كان غريبًا ... استحب، وإلا ... فلا، حكاها الماوردى.
قال: (بخلاف نعي الجاهلية)؛ لما روى الترمذي (٩٨٦) عن حذيفة ﵁: (أنه سمع النبي ﷺ ينهى عنه).
و (النعي): خبر الموت، يقال: نعاه وأنعاه: إذا أخبر بموته، نعيًا ونعيًا بسكون العين وكسرها مع التشديد.
قال: (ولا ينظر الغاسل من بدنه إلا بقدر الحاجة)؛ لأنه قد يكون فيه شيء كان يكره اطلاع الناس عليه، وربما رأي سوادًا ونحوه فظنه عذابًا. فإن نظره ... كان مكروهًا، فإن دعت حاجة .... لم يكن .. وأما المعين للغاسل .. فيكره له أن ينظر إلا لضرورة. وحكم المس بلا شهوة .... حكم النظر.
قال: (من غير العورة)؛ فإن النظر إليها يحرم، وقال ﷺ لعلي: (لا تنظر إلى فخذ حي ولا يمت) رواه أبو داوود (٣١٣٢).
قال: (ومن تعذر غسله .. يمم) قياسًا علي غسل الجنابة، والتعذر إما لفقد ماء، أو حرق ونحوه، فل كانت به قروح وخيف من غسله إسراع البلى بعد الدفن .... وجب غسله؛ لأن الجميع صائر إلى البلى. وإذا يمم لفقد الماء وصلي عليه، ثم وجد الماء .... فقد تقدم حكمه.
قال: (ويغسل الجنب والحائض الميت بلا كراهه)؛ لأنهما طاهران كغيرهما.
стр. 1023
وَإِذا ماتا .. غَسَلا غَسَلا فَقَّطَ. وَلِيُكِنّ الغاسِل أَمِينًا، فَإِنَّ رَأَى خَيْرًا .. ذَكَرهُ، أَو غَيَّرَهُ ... حَرِمَ ذَكَرهُ إِلّا لِمُصْلِحَة
ــ
قال: (وإذا ماتا ... غسلا غسلًا فقط)؛ لأن الغسل الذي كان عليهما انقطع بالموت كما تقدم في الشهيد الجنب. وانفرد الحسن البصري بإيجاب غسلين.
قال: (وليكن الغاسل أمينًا) وإلا ... لم يوثق به في تكميل الغسل وغيره، روى ابن ماجة (١٤٦١) أن النبي ﷺ قال: (ليغسل موتاكم المأمونون) لكنه ضعيف. وهكذا الذي يعينه. فإن غسله الفاسق ... وقع الموقع.
قال: (فإن رأي خيرًا ... ذكره) على جهة الندب؛ ليكون أدعى إلى كثرة المصلين عليه والدعاء له.
قال: (أو غيره ... حرم ذكره)؛ لأنه غيبة لمن لا يأتى الاستحلال منه.
وفي (صحيح مسلم) (٢٦٩٩): (ومن ستر مسلمًا .... ستره الله في الدنيا والآخرة)، وفي (سنن أبي داوود) (٤٨٦٤) و (الترمذي) (١٠١٩) و (ابن حبان) (٣٠٢٠) و (الحاكم) (١/ ٣٨٥): (اذكروا محاسن موتاكم , وكفوا عن مساوئهم)، وفي (المستدرك) (١/ ٣٥٤): (من غسل ميتًا وكتم عليه .... غفر الله له أربعين مرة)، وروى أحمد (٦/ ١١٩) وابن عدي (٥/ ١٢٦) عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: (من غسل ميتًا وأدى فيه الأمانة، ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك .... خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه).
ومراد المصنف ب (غيره): أن يرى سوادًا أو تغير رائحة أو انقلاب صورة.
قال: (إلا المصلحة كما إذا كان مبتدعًا مظهرًا لبدعته، فيذكر ذلك لينزجر الناس عنها. وينبغي ذلك أيضًا فيما إذا كان فاسقًا أو ظالمًا متجاهرًا بالظلم والفسق.
فائدة:
غسلت امرأة بالمدينة في زمن مالك ﵁ امرأة فالتصقت يدها على
стр. 1024
وَلُو تُنازِع أَخَوانِ أَو زَوْجَتانِ ... أَقْرَع، وَالكافِر أَحَقّ بِقَرِيبهُ الكافِر. وَيَكْرَهُ الكَفَن المُعَصْفَر، وَالمُغالاَة فِيهِ، وَالمَغْسُول أَوْلَى مَن الجَدِيد
ــ
فرجها، فتحير الناس من أمرها، هل تقطع يد الغاسلة أو فرج الميتة؟ فاستفتي مالك فقال: سلوها ما قالت لما وضعت يدعا عليها؟ فسألوا فقالت: قلت طالما عصى هذا الفرج ربه، فقال مالك: هذا قذف، اجلدوها ثمانين جلدة تتخلص يدها، فجلدوها ذلك فتخلصت يدها. فمن ثم قيل: لا يفتى ومالك بالمدينة.
قال: (ولو تنازع أخوان أو زوجتان ... أقرع)؛ لاستواء درجتهما في غسله. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في محله.
قال: (والكافر أحق بقريبه الكافر)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. فإن تركه أو لم يوجد .. تولاه المسلم.
قال: (ويكره الكفن المعصفر) هذا بالنسبة إلى المرأة لما فيه من الزينة التي لا تليق بحالها.
وقيل: لا يكه لها كحال الحياة.
وأما الرجل فتقدم: أنه لا يجوز له لبس الزعفر ... فيحرم تكفينه فيه، ويكره له المعصفر .. فيكره تكفينه فيه. وعبارة المصنف فيها بعض قصور.
قال: (والمغالاة فيه)؛ لقوله ﷺ : (لا تغالوا في الكفن؛ فإنه يسلب سلبًا سريعًا رواه أبو داوود (٣١٤٦) عن علي ولم يضعفه.
وفهم من التقييد بالمغالاة: أن تحسينه لا يكره وهو كذلك، بل يستحب؛ ففي (صحيح مسلم) (٩٤٣): (إذا كفن أحدكم أخاه ... فليحن كفنه) أي: يتخذه أبيض نظيفًا سابغًا، وفي (كامل ابن عدي) (٣/ ٢٥٤) عن أبي هريرة رصي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (حسنوا أكفان موتاكم؛ فإنهم يتزاورون في قبورهم).
قال: (والمغسول أولى من الجديد)؛ لأنهما يؤلون إلى البلى.
стр. 1025
وَالصَبِيّ كَبالِغ ِفي تَكْفِينَهُ بِأَثْواب. والحنوط مُسْتَحَبّ، وَقَيْل: وَأَجُبّ. وَلا يَحْمِل الجِنازَة إِلّا الرِجال وَإِنَّ كانَت أُنْثَى، وَيَحْرِم حَمَلَها عَلَى هَيْئَة مُزْرِيَة، وَهَيْئَة يُخاف مِنها شقوطها. وَيَنْدُب لِلمَرْأَة ما يُسَتِّرها كَتابُوت
ــ
وقد أوصى أبو بكر ﵁ أن يكفن في ثوبه الخلق وزيادة ثوبين وقال: (الحي أولي من الميت بالجديد) رواه البخاري (١٣٨٧)، وقال ابن المبارك: أحب أن يكفن في ثيابه التي كان يتعبد فيها.
قال: (والصبي كبالغ في تكفينه بأثواب)؛ لأنه ذكر فأشبه البالغ. هذا بالنسبة إلى العدد، وأما في جنس ما يكفن به .... فقد تقدم: أنه يجوز تكفينه في الحرير؛ لعموم قوله: (يكفن بما له لبسه حيًا).
قال: (والحنوط مستحب) كما لا يجب الطيب للمفلس وإن وجبت كسوته.
قال: (وقيل: واجب)؛ للأمر به.
قال: (ولا يحمل الجنازة إلا الرجال وإن كانت أنثي)؛ لأن النساء يضعفن حملها.
قال: (ويحرم حملها علي هيئة مزرية) كحملها في قفه أو عدل أو نحو ذلك.
روى أحمد (٤/ ٤٠٦) عن أبي موسى ﵁ أن النبي صلى الله وسلم مر عليه بجنازة تمخض مخض الزق، فقال ﷺ : (القصد)، وما روى أيضًا (٦/ ١٠٠) عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: (إن كسر عظم الميت مثل كسر عظمه حيًا).
قال: (وهيئة يخاف منها سقوطها)، بل تحمل على لوح ونحوه.
فإن خيف التغير قبل حصول ما تحمل عليه ... حملت علي الأيدي والرقاب.
قال: (ويندب للمرأة ما يسترها كتابوت) المراد: القبة التي تجعل عليها؛ لأنه أصون لها.
وكذا فعلته أسماء بنت عميس لزينب بنت جحش زوج النبي ﷺ ؛ لأنها رأته كذلك في الحبشة، فقال عمر ﵁: (نعم خباء الظعينة).
стр. 1026
وَلا يَكْرهُ الرَكُوب فِي الرُجُوع مِنها. وَلا بَأَسَ بِأَتْباع المُسَلَّم جِنازَة قَرِيبهُ الكافِر وَيَكْرَهُ اللَغْط فِي الجِنازَة
ــ
وقال ابن عبد البر: أول من غطي نعشها في الإسلام فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ثم بعدها زينب بنت جحش ﵄.
فائدة:
التابوت: سرير الميت، لكن ذكره الجوهري في (باب الباء) وكان من حقه أن يذكره في (باب التاء)؛ لأن تاءه أصلية ووزنه فاعول كعاقول وكابوس، ومع ذلك ذكر له تصريفًا لم يذكره أحد ولم يسمع من غيره؛ فإنه قال: أصله تابوة كترقوة. ولم تختلف لغة قريش والأنصار في شيء من القرآن إلا في التابوت؛ فلغة قريش بالتاء، ولغة الأنصار بالهاء وكذلك قرأ زيد بن ثابت الآية.
قال: (ولا يكره الركوب في الرجوع منها)؛ لأنه ﷺ ركب فرسًا معرورى لما رجع من جنازة ابن الدحداح، رواه مسلم (٩٦٥) من حديث جابر بن سمرة. وأما في الذهاب .. فتقدم: أنه يكره الركوب فيه، إلا لعذر كبعد المكان أو ضعف.
قال: (ولا بأس بإتباع المسلم جنازة قريبه الكافر)؛ لأنه ﷺ أمر عليًا ﵁ أن يواري أبا طالب، رواه أبو داوود (٣٢٠٦) والنسائي (٤/ ٧٩).
والنص: أنه لا يكره أتباعه، وقال الروياني: يكره.
فرع:
يجوز للمسلم زيارة قبر قريبه الكافر عند الأكثرين.
وقال الماوردي: لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾.
قال في (شرح المهذب): وهذا غلط؛ فالأكثرون قطعوا بالجواز.
قال: (ويكره اللغط في الجنازة)، وهو: ارتفاع الأصوات؛ لما روى البيهقي (٤/ ٧٤): (أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يكرهون رفع الصوت عند
стр. 1027
وَاتِّباعها بِنار. وَلُو أَخْتَلِط مُسْلِمُونَ بِكُفّار ... وَجَّبَ غَسَّلَ الجَمِيع وَالصَلاَة، فَإِنَّ شاءَ صَلَّى عَلَى الجَمِيع بِقَصْد المُسْلِمِيْنَ، وَهُوَ الأَفْضَل وَالمَنْصُوص، أَو عَلِيّ وَأَحَدّ فَواحِد ناوَيا الصَلاَة عَلِيّهُ إِن كانَ مُسْلِمًا، وَيَقُول: (اللَهْم؛ أُغَفِّر لَهُ إِن كانَ مُسْلِمًا). وَيَشْتَرِط لَصِحَّة الصَلاَة عَلِيّهُ: تَقَدَّمَ غِسْلهُ - وَتُكْرَه قَبِلَ تَكْفِينَهُ -
ــ
الجنازة وعند القتال وعند الذكر).
وقال المصنف: الصواب المختار ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير بالجنازة بغير رفع صوت بقراءة ولا يذكر، وأنا ما يفعله جهلة القراء من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضعه .. فحرام يجب إنكاره.
قال: (وإتباعها بنار) المراد: أنه يكره البخور في المجمرة بين يديها إلى القبر ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك.
وقال الشيخ نصر: لا يجوز أن تحمل معها المجامر والنار. فإن أراد التحريم .... فشاذ. وتكره مجمرة البخور عند القبر أيضا.
قال: (ولو اختلط مسلمون بكفار .... وجب غسل الجميع والصلاة)؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورًا عليه ... فهو واجب. ولا فرق بين أن يكون عدد المسلمين أقل أو أكثر، حتي لو اختلط مسلم بمئة كافر .... فعل بهم ذلك، فلو عبر ب (مسلم) ... كان أصوب. وكذا إذا اختلط الشهيد بغيره.
قال: (فإن شاء صلى علي الجميع) أى: صلاة واحدة (بقصد المسلمين، وهو الأفضل والمنصوص)؛ لأن ذلك ليس صلاة علي الكافر بل علي المسلم فقط.
قال: (أو على واحد فواحد ناويًا الصلاة عليه إن كان مسلمًا، ويقول: (اللهم؛ اغفر له إن كان مسلمًا)، ويعذر في تردد النية للضرورة كمن نسي صلاة من خمس، ويدفن المختلطون بين مقابر المسلمين والكفار.
قال: (ويشترط لصحة الصلاة عليه: تقدم غسله) أي: أو تيممه؛ لأنه المنقول عن النبي ﷺ وأصحابه، ولأن الصلاة علي الميت كصلاة نفسه.
قال: (وتكره قبل تكفينه) هكذا في زوائد (الروضة) تبعًا للبغوي.
стр. 1028
فَلَو ماتَ بِهَدْم وَنَحْوهُ وَتَعْذِر إِخْراجهُ وَغَسَّلَهُ ..... لِمَ يَصْلَ عَلِيّهُ. وَيَشْتَرِط: أَن لا يَتَقَدَّم عَلَى الجِنازَة الحاضِرَة، وَلا عَلَى القَبْر عَلِيّ المُذَهَّب فَيَهِما. وَتَجُوز الصَلاَة عَلِيّهُ فِي المَسْجِد،
ــ
قال الشيخ: والقول بأن الغسل شرط والتكفين ليس بشرط يحتاج إلى دليل، والقياس: أنه إذا لم يوجد ماء ولا تراب .... يصلى عليه كما جزم به الدرامي وابن الأستاذ.
قال: (فلو مات بهدم ونحوه) كما إذا وقع في بئر أو بحر عميق.
قال: (وتعذر إخراجه وغسله ..... لم يصل عليه)؛ لانتفاء شروط الصلاة.
قال: (ويشترط: أن لا يتقدم علي الجنازة الحاضرة، ولا علي القبر علي المذهب فيهما) كما لا يتقدم المأموم على إمامه في غيرها من الصلوات.
والثاني: يجوز التقدم عليهما؛ لأن الميت ليس بإمام متبوع حتى يتعين تقديمه، بل هو كعبد حضر معه جماعة يشفعون له عند مولاه.
والأصح: طريقة القولين، والثانية: القطع بالجواز.
واحترز ب (الحاضرة) عن الغائبة التي هي وراء المصلي؛ فإنه يجوز كما تقدم.
ويشترط في الحاضرة أيضًا: أن لا يزيد ما بينها وبين الإمام على المسافة المعتبرة بين الصفين كما تقدم.
ولو كبر تكبيرة أو تكبيرتين فجاءت جنازة ثانية .... أكمل الأولى واستأنف الصلاة علي الثانية.
قال: (وتجوز الصلاة عليه في المسجد)؛ لما روى مسلم (٩٧٣) وغيره: (أن النبي ﷺ صلى علي سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد)، ولا كراهة في ذلك بل صرح كبار الأصحاب فيه بالاستحباب، وبه جزم في (شرح المهذب)، وقال في زوائد (الروضة): إنه أفضل.
وكرهها فيه مالك وأبو حنيفة؛ لما روي أبو داوود (٣١٨٤) أن النبي ﷺ قال: (من صلى علي جنازة في المسجد ... فلا شئ له).
стр. 1029
وَيُسِنّ جَعْل صُفُوفهُم ثَلاثَة فَأُكْثِر. وَإِذا صَلَّى عَلِيّهُ فَحَضَرَ مَن لِمَ يَصْلَ ... صَلَّى، وَمَن صَلَّى ... لا يُعِيد عَلَى الصَحِيح
ــ
والجواب: أنه ضعيف صرح بضعفه أحمد وابن المنذر والبيهقي، وقال ابن حبان: إنه باطل على رسول الله عليه وسلم.
وأيضًا: ففي النسخ المعتمدة من (سنن أبي داوود): (فلا شيء عليه)، وعلى تقدير صحته ف (له) بمعنى: عليه كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا﴾.
وقال ابن شاهين: إنه منسوخ بحديث سهيل، وعكس الطحاوي ذلك.
قال: (ويسن جعل صفوفهم ثلاثة فأكثر)؛ لما روى أبو داوود (٣١٥٨) والترمذي (١٠٢٨) وابن ماجه (١٤٩٠) والحاكم (١/ ٣٦٢) أن النبي ﷺ قال: (من صلى عليه ثلاثة صفوف ... فقد أوجب) ومعناه: غفر له، رواه أحمد (٤/ ٧٩) والحاكم (١/ ٣٦٢) بلفظ: (فقد غفر له)، وكان مالك بن هبيرة - راوي الحديث - إذا حضر جنازة ... صفهم ثلاثة صفوف. وفي (مسلم) (٩٤٧): (ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له ... إلا شفعوا فيه)، فيه (٩٤٨) أيضًا: (من صلى عليه أربعون رجلا ً لا يشركون بالله شيئًا .. شفعهم الله فيه).
قال: (وإذا صلي عليه فحضر من لم يصل ... صلى)؛ لأن النبي ﷺ صلى علي قبور جماعة بعد ما دفنوا، ومعلوم أنهم: إنما دفنوا بعد الصلاة عليهم.
وإذا صلى ... وقعت صلاته فرضًا كما جزم به الرافعي، فينوي الفرض ويثاب عليه. وفي ظاهرة إشكال؛ لأن الفرض سقط بالأولي. واعتذروا عن هذا بأنه لا يقال: سقط الفرض بالأولي، ولكن سقط الحرج والإثم، ومن قال: سقط الفرض معناه ذلك.
قال: (ومن صلى ... لا بعيد علي الصحيح)؛ لأن الجنازة لا يتنقل بها، ولأنها شفاعة والشفاعة لا تعاد، سواء صلى منفرد أم في جماعة.
стр. 1030
وَلا تُؤَخَّر لِزِيارَة مُصَلِّيْنَ
ــ
والمراد بقوله: (لا يعيد): لا يستحب له الإعادة.
والثاني: تستحب له الإعادة كغيرها.
والثالث: إن صلى منفردًا ثم وجد جماعة ... استحب له الإعادة معهم، وإلا فلا
والرابع: تكره
والخامس: تحرم؛ لأنها صلاة منهي عنها.
إلا أنه يستثني من ذلك فاقد الطهورين إذا صلى ثم وجد ما يتطهر به .. فإنه يعيدها كما أفتى به القفال.
وإذا قلنا بالصحة .. قال القاضي حسين: تقع صلاته الثانية فرض كفاية كما لو صلت جماعة بعد جماعة، وقال الجمهور: تقع نقلا ً. وتظهر فائدة الخلاف في جواز الخروج منها.
قال: (ولا تؤخر لزيادة مصلين)؛ للأمر بالإسراع بها. ولا بأس بإنتظار الولي إذا لم يخف تغيرها. وهنا صورتان:
إحداهما: إذا صلي عليه .... فلا ينتظر حضور من يصلي عليه بعد ذلك.
والثانية: إذا حضر جمع قليل، فعل ينتظر زيادة المصلين؟ عبارة المصنف تقتضي: أنه لا ينتظر، وقد ورد في الحديث: (حصول المغفرة بصلاة مئة أو أربعين)، فينبغي إذا لم يحضر هذا العدد ورجي حضورهم عن قرب أن يستحب انتظارهم نظرًا للميت.
فرع:
قال في (البحر): يتأكد استحباب الصلاة علي من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، وحضور دفنه، أو يوم عرفة أو يوم عاشوراء أو يوم العيد؛ فقد صح عن النبي ﷺ : (أن من مات ليلة الجمة ودفن في يومها ... وفي فتنة القبر).
стр. 1031
وَقاتِل نَفِسَهُ كَغَيْرهُ فِي الغِسْل وَالصَلاَة. وَلُو نَوَى الإِمام صَلاَة غائِب، والمأموم صَلاَة حاضِر، أَو عَكْس ... جازَ. وَالدَفْن بِالمَقْبَرَة أُفَضِّل،
ــ
قال: (وقاتل نفسه كغيره في الغسل والصلاة)؛ لما روى مكحول عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (صلوا خلف كل بر وفاجر، وصلوا علي كل بر وفاجر، وجاهدوا مع كل بر وفاجر) رواه الدارقطني (٢/ ٥٧)، ومكحول لم يدرك أبا هريرة.
وقال أحمد: لا يصلى عليه؛ لأن النبي ﷺ لم يصل علي رجل قتل نفسه بمشاقص رواه مسلم (٩٧٨).
والجواب: أنه ﷺ لم يصل عليه بنفسه زجرًا للناس من مثل فعله، وصلت عليه الصحابة؛ لئلا يرتكب الناس ما ارتكب - و (المشاقص): ما طال من نصل السهام - وروي مكحول عن عائشة رصي الله عنها أن النبي ﷺ قال: (من مات وعنده جارية مغنية .. فلا تصلوا عليه)، وروى أحمد في (الزهد) عن منذر بن جندب: أن ولدًا له اعتل من كثرة الأكل فقال: إن مات ... لم أصل عليه؛ لأنه مات عاصيًا.
وأما قاطع الطريق فسيأتي حكمه.
قال: (ولو نوى الإمام صلاة غائب، والمأموم صلاة حاضر، أو عكس جاز)، وكذا لو نوى هذا غائبًا وهذا غائبًا وهذا غائبًا آخر؛ لأن اختلاف نية الإمام والمأموم لا تضر كما لو افتدى في الظهر بالعصر.
قال: (والدفن بالمقبرة أفضل)؛ لما يلحقه من دعاء الزوار، ولأن النبي ﷺ كان يدفن أهله وأصحابة بالبقيع.
ويستثني من ذلك الشهيد فإنه يدفن حيث قتل، وإنما دفن النبي ﷺ في بيته؛ لأن الله تعالى لم يقبض نبيًا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه.
стр. 1032
وَيَكْرَهُ المُبَيِّت بِها. وَيَنْدُب سُتَر القَبْر بِثَوْب وَإِنَّ كانَ رَجِلا،
ــ
فروع:
يستحب أن يدفن في أفضل مقبرة بالبلد المعرفة بالصالحين.
ولو اتفق الورثة على دفنه في بيته ... جاز، وإن تنازعوا ... دفن في المقبرة، بخلاف ما لو أراد بعضهم أن يكفنه في الأكفان المسبلة فإنه لا يلزم الباقين قبوله؛ لأن عليهم منة في ذلك فلو بادر أحدهم فدفنه في ملكه أو كفنه من مال نفسه ... لم ينقل ولم ينزع كفنه.
ولو تنازع الورثة في تعيين قبرين بمقبرتين مسبلتين أو مملوكتين ولم يكن الميت أوصى بشئ .. نقل القمولي عن بعض المتأخرين: أنه يرجع إلي القول من يقدم في الصلاة والغسل، فإن استووا ..... أقرع.
ولو كانت امرأة، وتنازع الزوج أو الولي واللوارث .... قدم القريب كالغسل.
ولو حفر رجل قبرًا في مقبرة ... لا يكون أحق به من ميت يحضر، كذا أفتى به العبادي والفقيه عماد الدين بن يونس لأنه لا يدري بأي أرض يموت، لكن الأولى أن لا يزاحم عليه.
ومقبرة أهل الحرب إذا اندرست ... جاز أن تجعل مقبرة للمسلمين ومسجدًا؛ لأن مسجد النبي ﷺ كان كذلك).
قال: (ويكره المبيت بها)؛ لما فيه من الوحشة.
قال: (ويندب ستر القبر بثوب)؛ لأنه ربما ظهر ما يستحب إخفاؤه.
قال: (وإن كان) الميت (رجلًا)؛ لما ذكرناه.
وفي (البيهقي) (٤/ ٥٤) عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ ستر قبر سعد بن معاذ بثوبه).
стр. 1033
وَإِن يَقُول: (بسم اللّاه وَعَلَى مَلَّة رَسُول اللّاه صَلَّى اللّاه عَلِيّهُ وَسَلَّمَ). وَلا يَفْرِش تَحُتّهُ شَيء وَلا مِخَدَّة
ــ
وقيل: يختص الستر بالمرأة وهو ظاهر النص، والقياس: إلحاق الخنثي بها.
قال: (وأن يقول: (باسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ ؛ لأنه ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر ... قال ذلك، رواه أبو داوود (٣٢٠٥) والترمذي (١٠٤٦) وفي رواية له: (سنة) بدل: (ملة).
ويستحب أن يزيد في العناء ما يناسب الحال.
قال: (ولا يفرش تحته شيء ولا مخدة)؛ للنهي عن إضاعة المال، وفي (سنن البيهقي) (٣/ ٣٩٥) عن أبي موسى الأشعري ﵁: أنه لما احتضر .... أوصى أن لا يجعلوا في لحده شيئًا يحول بينه وبين التراب.
وأوصي عمر ﵁ أنهم إذا أنزلوه القبر ... يفضوا بخده إلى الأرض.
وقال البغوي: لا بأس أن يبسط تحت جنبه شيء؛ لأنه جعل في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء.
وأجاب الأصحاب بأن ذلك لم يكن صادرًا عن جملة الصحابة ولا برضاهم ولا عملهم، وإنما فعله شقران كراهية أن يلبسها أحد بعد رسول الله ﷺ .
وفي (الاستيعاب) (١/ ٢٠): أن تلك القطيفة أخرجت قبل أن يهال التراب.
وعلي تقدير أن لا تكون أخرجت: ففي (الدارقطني) و (طبقات ابن سعد) (٢/ ٢٩٩) قال وكيع: هذا خاص بالنبي ﷺ .
وعن الحسن رض الله عنه: أن النبي ﷺ قال: (افرشوا لي قطيفتي في لحدي؛ فإن الأرض لم تسلط علي أجساد الأنبياء).
стр. 1034
وَيَكْرَهُ دَفَنَهُ فِي تابُوت إِلّا فِي أَرُضّ نَدِيَّة أَو رَخْوَة. وَيُجَوِّز الدَفْن لَيْلا، وَوَقَت كَراهَة الصَلاَة
ــ
و (المخدة) بكسر الميم جمعها: مخاد - بفتحها - سميت بذلك؛ لوضع الخد عليها.
ويستحب أن يجعل تحت خده لبنة أو حجرًا ويفضى بخده إليها.
قال: (ويكره دفنه في تابوت) بالإجماع، وتقدم الكلام قريبًا في لفظ تابوت.
قال: (إلا في أرض ندية أو رخوة) فلا يكره؛ للمصلحة، ويكون من رأس المال، كذا جزم به الشخان، وقال القفال: من الثلث، ولا تنفذ وصيته به إلا في هذة الحاله.
وكذلك إذا كان الميت حريقًا أو لديغًا ولا يمكن دفنه إلا كذلك، أو كانت امرأة لا محرم لها، قاله المتولي وغيره؛ لئلا يمسها الأجانب عند الدفن وغيره.
و (الرخوة): ضد الشديدة، وكسر رائها أفصح من فتحها وضمها.
قال: (ويجوز الدفن ليلًا) كما دفن رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وفاطمة وعائشة ﵃.
ومذهب كافة العلماء: لا كراهة في ذلك خلافًا للحسن؛ فإنه كرهه تمسكًا بما روى مسلم (٩٤٣): (أن النبي ﷺ نهى عن الدفن ليلًا حتى يصلى عليه). وهذا يبين أن المراد بذلك الهي عن تأخير الصلاة. ولا يخفي أن الكلام في موتي المسلمين، أما أهل الذمة ... فإنهم لا يمكنون من إخراج جنائزهم نهارًا، وعلى الإمام منعهم من ذلك، ومن إظهار جنائزهم، ولا يظهروا على موتاهم لطمًا.
قال: (ووقت كراهة الصلاة)؛ لعموم: (أسرعوا بالجنازة)، ونقل ابن المنذر
стр. 1035
إذَا لَم يَتَحَرَّهُ, وَغَيرُهُمَا أَفضَلُ. ويُكرَهُ تَجصِيصُ القَبرِ, وَالبِنَاءُ وَالكِتَابَةُ عَلَيهِ,
ــ
الإجماع على جوازه بعد الصبح وبعد العصر, وقيس الباقي عليهما.
قال: (إذا لم يتحره)؛ لحديث عقبة بن عامر الذي في (صحيح مسلم) [٨٣١]: (ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن, وأن نقبر فيهن موتانا) , فإنه محمول على إذا تحرى هذه أوقات للدفن.
والصواب: أن الكرمة مختصة بالأوقات الثلاثة التي في الحديث لا بالوقتين المتعلقين بالفعل, والحديث لذلك, وإطلاق الكتاب يدل على خلافه. وكلام المصنف صريح في عدم الجواز عند التحري وهو موافق للتحيرم في نظير المسألة من الصلاة في الأوقات المكروهة, إلا أنه صرح في (شرح المهذب) بكراهة الدفن في هذه الحالة, وهذا هو المعتمد.
قال: (وغيرهما أفضل) أي: غير الدفن ليلًا وغير وقت الكراهة؛ لأن النهار أيسر لاجتماع الناس, ولأن وقت الكراهة منهي عنه, وهذا قد يعترض عليه بالأمر بالإسراع بالجنازة.
قال: (ويكره تحصيص القبر, والبناء والكتابة عليه) سواء المكتوب اسم صاحبه أو في لوح أو ثوب وضع عليه؛ لما روى مسلم [٩٧٠] عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يبنى عليه) , وفي (الترمذي) [١٠٥٢] و (الحاكم) [١/ ٣٧٠]: (وأن يكتب عليه).
قال أبو زيد رحمه الله تعالى: إلا أن يخشى نبشه فيجوز أن يجصص ويبنى عليه؛ حتى لا يقدر النباش عليه.
ويظهر أن يكون مثله إذا خشي عليه نبش الضبع ونحوه.
و (التجصيص): التبييض بالجص وهو النورة.
стр. 1036
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن جهة المعنى: أن ذلك زينة وهي لا تتناسب حال الميت, بخلاف التطيين؛ فإنه لا بأس به.
وقال الإمام والغزالي: إنه كالتجصيص, وفيه بعد.
ونقل الترمذي عن الشافعي: أن التطيين لا يكره, وصححه المصنف تبعًا للنص؛ لأنه لا يقصد التزيين.
وظاهر كلام عامة الأصحاب: أنه مكروه سواء كان في ملكهأم في المقبرة.
وقال الماوردي: إنه ممنوع في ملكه وملك غيره.
وأما الكتابة .. فكرهها الجمهور.
قال الشيخ: سيأتي أن وضع شيء يعرف القبر به مستحب, فإذا كانت الكتابة طريقًا إلى ذلك .. ينبغي أن لا تكره, وينبغي أن تكون بقدر الحاجة إلى الإعلام فقط.
ويكره أن يبنى على القبر مسجدًا سواء كان الميت مشهورًا بالصلاح أم لا, وتكره الصلاة فيه؛ لما روى مسلم عن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تتخذوا قبري وثنًا؛ إنما هلك بنو إسرائيل لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
قال الشافعي ﵁: وأكره أن يعظم مخلوقًا حتى يجعل قبره مسجدًا؛ مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس.
ثم إن المصنف جزم في (شرح المذهب) وفي (الفتاوى) بتحريم البناء, وذكر نحوه في (شرح مسلم) قبيل (الزكاة).
وإذا بلي الميت .. لم تجز عمارة قبره ولا تسوية التراب عليه في المقبرة المسبلة؛ لئلا يتصور بالقبر الجديد فيمتنع الناس من الدفن فيه.
ويكره أن يجعل على القبر مظلة؛ لأن عمر رأى قبة على قبر فنحاها وقال: (دعوه يظله عمله).
стр. 1037
ولَو بُنِيَ فِي مَقبَرَةٍ مُسَبِّلَةٍ .. هُدِمَ. وَيُندَبُ: أَن يُرَشَّ القَبرُ بِمَاءٍ,
ــ
وف (البخاري): لما مات الحسن بن علي, ضربت امرأته القبة على قبره سنة, ثم رفعت فسمعوا صائحًا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا, فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا.
قال: (ولو بني في مفبرة مسبلة .. هدم)؛ لأنه يضيق على المسلمين.
قال الشافعي ﵁: رأيت من الولاة عندنا بمكة من بهدم ما بني فيها ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك.
ولا فرق بين أن يبني قبة أو بيتًا أو مسجدًا أو غير ذلك.
فمن المسبل قرافة مصر؛ فإن ابن عبد الحكم ذكر في (تاريخ مصر): أن عمرو بن العاصي أعطاه المقوقس فيها مالًا جزيلًا وذكر أنه وجد في الكتاب الأول: أنها تربة الجنة, فكاتب عمر بن الخطاب في ذلك, فكتب إليه يقول: (إني لا أعرف تربة الجنة إلا لأجساد المؤمنين فاجعلها لموتاهم).
وقد أفتى الشيخ بهاء الدين ابن الجميزي وتلميذه الظهير التزمنتي. بهدم ما بني بها.
والمراد ب (المسبلة): التي جرت عادة أهل البلد بالدفن فيها, وليس المراد المقبرة الموقوفة؛ فإن الموقوفة يحرم بالبناء فيها قطعًا, سواء كان البناء بيتًا أو قبة أو مسجدَا.
قال: (ويندب: أن يرش القبر بماء)؛ تفاؤلًا بالرحمة وتبريد المضجع, ولأن فيه حفاظًا للقبر عن التناثر.
و (قد فعل رسول الله ﷺ بقبر ولده إبراهيم ذلك) رواه أبو داوود [سيل ٤٢٤] وغيره.
стр. 1038
وَيُوضَعَ عَلَيهِ حَصَىً, وَعِندَ رَأسِهِ حَجَرٌ أَو خَشَبَةٌ, وَجَمعُ الأقَارِبِ فِي مَوضِعٍ , وَزِيَارَةُ القُبُورِ لِلرِجَالِ,
ــ
تتمة:
يكره رش بماء الورد ونحوه, وأن يطلى بالخلوق قال المتولي: لأنه إسراف وإضاعة مال. وهذا التوجيه يقتضي: التحريم.
ويكره رشه بالماء النجس, ويكره إيقاد النار عنده, واستلامه, وتقبيله, وأن ينصب عليه مظلة, وتكره مرثية الميت.
وروى البيهقي في (الشعب) [٥٣١٥] وأبة عمر بن عبد البر (عاب ٤/ ٣٢٣] في ترجمة سيرين -بالسين المهملة- أخت ماريه القبطية أنها قالت: رأى النبي ﷺ في قبر ولده إبراهيم فرجة فأمر بها فسدت, وقال: (إنها لا تضر ولا تنفع ولكن تقر عين الحي, وإن العبد إذا عمل شيئًا .. أحب إلى الله تعالى منه أن يتقنه).
قال: (ويوضع عيه الحصى)؛ لما روى الإمام الشافعي ﵁ مرسلًا: (أن النبي ﷺ وضع على قبر ابنه إبراهيم حصى) [أم ١/ ٢٧٣].
قال: (وعند رأسه حجر أو خشبة) , وقال الماوردي: وعند رجله؛ لأنه ﷺ وضع عند رأي عثمان بن مظغون صخرة وقال: (أتعلم قبر أخي؛ لأدفن إليه من مات من أهلي) رواه أبو داوود [٣١٩٨].
قال: (وجمع الأقارب في موضع)؛ للحديث المذكور, ويقدم أفضلهم إلى القبلة, والمعنى فيه: تسهيل الزيارة على الزائر. ويتجه إلحاق الزوجين والعتقاء والأصدقاء بالأقارب.
قال: (وزيارة القبور للرجال) بالإجماع, وكانت زيارته منهيًا عنها ثم نسخت بقوله ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها:.
والمختار: أن النساء لا يدخلن في ضمير الرجال.
стр. 1039
وَتُكرَهُ لِلنِّسَاءِ, وَقِيلَ: تَحرُمُ, وَقِيلَ: تُبَاحُ,
ــ
وكان ﷺ يخرج إلى البقيع فيقول: (السلان=م عليكم دار قوم مؤمنين, وإنا بكم إنشاء الله لاحقون, اللهم؛ اغفر لأهل بقيع الغرقد (.
وزار رسول الله ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله وقال: (استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي, واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي, فزورو القبور؛ فإنها تذكركم الموت) روى الأحاديث الثلاثة مسلم [٩٧٦/ ٢].
والمراد: زيارة قبور المسلمين, أما غيرهم .. فقال الماوردي: يحرم. والصحيح: الإباحة المجردة.
وقال الصيمري وغيره: لا يجوز القيام على قبر كافر. وهو ظاهر القرآن.
قال: (وتكره للنساء)؛ لأن النبي ﷺ مر بامرأة على قبر تبكي على صبي لها فقال لها: (اتقي الله واصبري) متفق عليه [خ ١٢٥٢_ م ٩٢٦] فلو كانت الويارة حرامًا لنهى عنها. وعن عائشة ﵂ قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ -تعني: إذا زارت القبور- قال ﵊: قولي: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين, يرحم الله المستقدمبن منا والمستأخرين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) رواه مسلم [٩٧٤].
نعم؛ يستثنى من ذلك قبر سيد المرسلين ﷺ ؛ فزيارته من أعظم القربات للرجال والنساء.
واستثنى بعض المتأخرين قبور الأنبياء والأولياء والصالحين والشهداء ﵃.
قال: (وقيل: تحرم)؛ لما روى ابن ماجه [١٥٧٦] والترمذي [١٠٥٦] عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ لعن زوارات القبور). وليس هذا الوجه في (الروضة) , وبه قال صاحب (المهذب) وغيره.
قال: (وقيل: تباح) جزم به في (الإحياء) وصححه الروياني إذا أمن من الافتتان.
стр. 1040
وَيُسَلِّمَ الزَّائِرُ وَيَقرَأَ وَيَدعُوَ
٠
ــ
وقيل: إن كان لتجديد حزن ونحوه .. حرم, أو للاعتبار .. فلا, إلا أن تكون عجوزًا أولى؛ لظاهر الحديث.
قال: (ويسلم الزائر)؛ لحديث عائشة ﵂ في المتقدم.
وروى مسلم [٢٤٩]: أنه ﵊ خرج إلى المقبرة فقال: (السلام عليكم دلر قوم مؤمنين, وإنا إن شاء الله بكم لا حقون) زاد أبو داوود [٣٢٣١]: (اللهم؛ لا تحرمنا أجرهم, ولا تفتنا بعدهم).
وقال القاضي والمتولي: يستحب أن يقول الزائر: وعليكم السلام, ولا يقول: السلام عليكم؛ لأنهم ليسوا من أهل الخطاب.
زاد القاضي: اللهم رب الأجساد البالية والعظام النخرة, التي خردت من الدنيا وهي بك مؤمنة؛ أدخل عليها روحًا منك وسلامًا مني, اللهم؛ برد عليهم مضاجعهم واغفر لهم.
وقوله: (إن شاء الله) محمول على التبرك, وامتثالًا لقوله تعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
وقيل: (إن) بمعنى: (إذ) كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾.
وقيل: معناه: اللحوق في تلك البقعة.
قال: (ويقرأ ويدعو)؛ لرجاء الإجابة. ويكون الميت كالحاضر ترجى له الرحمة والبركة. وأما ثواب القراءة .. فللقارئ.
قال الإمام الشافعي ﵁: رأيت من أوصى بالقراءة عند القبر, وهو عندنا حسن, والرحمة تنزل عند ختم القرآن.
ويختار لمن حضر دفنه: أن يقرأ (سورة يس) , ويدعو له, ويترحم عليه.
وروى البيهقي في (شعبه) [٩٢٩٥] عن ابن العباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ما الميت في قبره إلا كالغريق المتغوث, ينظر دعوة تلحقه من أب
стр. 1041
وَيحرُمُ نَقلُ المَيِّتِ إَلَى بَلَدٍ آخَرَ -وَقِيلَ: يُكرَهُ- إِلاَّ أَن يَكُونَ يِقُربِ مَكَّةَ أَوِ المَدِينَةِ أَو بَيتِ المَقدِسِ نَصَّ عَلَيهِ
ــ
أو أم أو أخ أو صديق, فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها, وإن الله ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال, وإن هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم).
قال: (ويحرم نقل الميت إلى بلد آخر) أي: قبل دفنه كما صرح به في (الروضة) و (شرح المذهب) , أما بعد دفنه .. فسيذكره المصنف في مسألة النبش.
وإنما حرم نقله؛ لأن التعجيل بدفنه مأمور به, وفي نقله تعريضه للتغير وهتك لحرمته.
وفي (السنن الأرعة) عن جابر ﵁ قال: (كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم, فجاء منادي رسول الله ﷺ فأمرنا بدفن القتلى في مصارعهم فرددناهم) قال الترمذي: حسن صحيح.
ولو أوصى بنقله .. لم تنفذ وصيته.
قال الشيخ: قي الاستدلال بالحديث نظر؛ فإن قتلى أحد كانوا قريبين من المدينة, فكيف يراد بالنهي التحريم؟! والظاهر: أنه روعي في دفنهم في مصارعهم كونها مواضع الشهادة؛ ليبعثوا منها يوم القيامة على هيئتهم.
قال: (وقيل: (وقيل: يكره)؛ لأنه لم يرد في تحريمه دليل. والظاهر: أن هذا الوجه مخصوص بما إذا لم يتغير.
قال: (إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس نص عليه)؛ لفضل هذه الأماكن, ففي (الدارقطني) [٢/ ٢٧٨] من حديث حاطب: (من مات بأحد الحرمين .. بعث من الآمنين يوم القيامة).
وقال الشيخ محب الدين الطبري: إذا كان بقرب قرية فيها صالحون .. فلا بأس بنقله إليها قياسًا.
стр. 1042
وَنَبشُهُ بَعدَ دَفنِهِ لِلنَّقلِ وَغَيرِهِ حَرامٌ إلاَ لِضَرُورَةٍ, بِأَن دُفِنَ بِلاَ غُسلٍ, أَو فِي أَرضٍ أَو ثَوبٍ مَغصُوبَينِ,
ــ
ونقل عن بعض مجموعات ابن أبي الصيف اليمني: أنه يجوز نقله بعد دفنه إلى الأماكن الثلاثة إذا أوصى بذلك؛ لأن يوسف ﵊ نقل يعد سنين كثيرة ودفن إلى جوار إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام, وهذه القصة خرجها ابن حبان من حديث أبي موسى.
كل هذا إذا لم يوجب نقله تغيرًا, فإن أوجبه .. حرم مطلقًا.
قال: (ونبشه بعد دفنه للنقل وغيره حرام)؛ لأن فيه هتكًا لحرمته.
قال: (إلا للضرورة, بأن دفن بلا غسل)؛ فإنه يجب نبشه تداركًا للواجب.
وفي قول: لا, بل يكره.
فعلى الأول: شرطه: أن لا يتغير بالنتن أو التقطع.
وقيل: ينبش إذا بقي منه جزء من عظم أو غيره.
وقيل: ما لم يتقطع.
ولو عم الماء القبر وغيره .. ففي نبشه وجهان.
قال: (أو في أرض أو ثوب مغصوبين)؛ ليصل المستحق إلى حقه.
وفي الثوب وجه ثان: أنه كالتلف.
والشرط في ذلك: أن يطالب بهما صاحبهما, ويندب له أن يترك طلب ذلك, فإن أبى .. نبش وإن تغير.
وأما إذا دفن في مسجد ونحوه, فإن ضيق على المصلين .. نبش ونقله إلى المقبرة.
وفي (فتاوى القفال): دفن في البيوت ابتداء مكروه واحتج: (أنه ﷺ أذن لامرأة في نقل ميتها إلى مدافن قومها).
стр. 1043
أَو وَقَعَ فِيهِ مَالٌ
ــ
ولو لم يجد إلا الثوب المغصوب .. فظاهر كلام الإمام وابن كج: أنه لا ينبش.
قال الرافعي: وإذا كفن الرجل في الحرير .. فعلى الأوجه في المغصوب.
قال المصنف: ولم أره لغيره وينبغي القطع بعدم النبش بخلاف المغصوب, وما قاله ظاهر.
قال: (أو وقع فيه مال)؛ لأن تركه إضاعة له وقد نهي عنها, واستدلوا له بأن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله ﷺ وقال: (خاتمي!) ففتح موضع فيه فأخذه, فكان يقول: (أنا ٌربكم عهدًا برسول الله ﷺ .
قال الشيخ: هكذا ذكره الأصحاب, ولا شك أن هذا اللفظ باطل؛ أعني قوله: (ففتح موضع فيه) , ورسول الله ﷺ أكرم على المؤمنين من ذلك, فهذه زيادة باطلة قطعًا, وأما بدون هذه الزيادة .. فذكره ابن سعد [٢/ ٣٠٢] والحاكم [٣/ ٤٤٨] وقال: إنه لا يصح, فلا دليل فيه للأصحاب.
وقيد صاحب (النهذب) وجوب النبش بما إذا طلب صاحب المال. قال المصنف: ولم يوافقوه على هذا. قال الشيخ: ولفقه عليه ابن عليه ابن أبي عصرون.
ولو بلع الميت مالًا لغيره .. فأصح الطريقين: أنه إذا صاحبه .. شق جوفه ورد إليه؛ لأنه متعد بالابتلاع, إلا أنا في الحياة لا نشق بطنه؛ لأن فيه هلاكه, وبعد الموت ليس فيه هذا المعنى.
والثاني: وجهان: أصحهما هذا.
والثاني: تجب قيمته في تركه؛ لقوله ﷺ : (كسر عظم الميت ككسره حيًا) رواه أبو داوود [٣١٩٩] وابن ماجه [١٦١٦] والبيهقي [٤/ ٥٨] , ولو كان ذلك في حال الحياة .. لم يشق فكذلك بعد الموت.
وقيل: إن ضمن الورثة قيمته أو مثله .. لم يشق, وإلا .. شق.
ولو بلع جوهرة لنفسه .. لم يشق على الأصح في زوائد (الروضة)؛ لأنه استهلكها في حياته فلم يتعلق بها حق الورثة.
стр. 1044
أَو دُفِنَ لِغَيرِ القِبلَةِ, لاَ لِلتَكفِينِ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال: (أو دفن لغير القبلة) فيجب نبشه استدركًا للواجب؛ فإن الدفن إلى القبلة واجب خلافًا للقاضي أبي الطيب حيث قال: إنه مستحب, فيستحب نبشه, اللهم إلا أن يتغير .. فإنه لا ينبش.
قال: (لا للتكفين في الأصح)؛ لأن الغرض منه الستر وقد حصل بالتراب, وهو أولى من هتك حرمته بالنبش.
والثاني: نعم كما لو دفن من غير غسل؛ لأن كل واحد منهما واجب.
فرع:
لو لحق الأرض نداوة أو سيل قال الزبيري: يجوز نقله منها, ومنعه غيره.
قال المصنف: قول الزبيري أصح, واستدل له بما رواه البخاري [١٣٥١] عن جابر بن عبد الله رضي الله عنع: أنه دفن أباه مع رجل آخر في قبر, قال: (ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر, فاستخرجه بعد ستة أشهر فإذا هو كهيئته يوم وضعته! وجعلته في قبر على حده).
قال الشيخ: وهذا الحديث يقتضي جواز النبش والنقل لهذا الغرض وهو مشكل, وهذا النبش كان في حياة النبي ﷺ , ولا شك أن جابرًا ﵁ إنما فعل ذلك بعد استئذان النبي ﷺ , فإما أن يكون للأصحاب جواب عنه, وإما أن يقال: إن النقل لمصلحة الميت جائز مطلقًا.
وإذا قال: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق طلقة, أو أنثى فطلقتين, فولدت ودفن واختلفا .. فلأصح: جواز نبشه لذلك. وكذا إذا دفن بلا صلاة ونصب عليه اللبن فقط, أما بعد إهالة التراب .. فيصلى على القبر؛ لقلة المشقة فيه بنصب اللبن, لأنه لا يسمى نبشًا.
والكافر إذا دفن في الحرم .. نبش.
وسيأتي قبيل (العتق) أن الميت ينبش للعرض على القافة, وإذا شهد عليه بشهادة وكان لا يعرف إلا بصورته, وإذا بلي الميت.
стр. 1045
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما إذا انهدم القبر .. فيخبر أولياء الميت بين أن يتركوه بحاله, وبين أن ينبشوه ويصلحوه, وبين أن ينقلوه إلى غيره.
فرع:
إذا ماتت امرأة وفي جوفها ولد ترجى حياته – بأن يكون له أكثر من يتة أشهر – شق جوفها وأخرج؛ لأن فيه استبقاء حي محترم بإتلاف جزء من ميت, فوجب كأكل المضطر ميتة الآدمي.
وفي (فتاوى قاضي خان) الحنفي: يشق من الجانب الأيسر, وقد تقدم عند الصلاة على الغائب: أن قيصر شق عنه جوف أمه بعد موتها وأخرج.
وإن لم ترج حياته؛ بأن تموت وهو دون ستة أشهر, أو كان له ثمانية أشهر .. فهذا المسألة لا نص فيها للإمام الشافعي ﵁, وفيها ثلاثة أوجه:
أصحها: لا يشق, بل تترك حتى يموت الجنين فتدفن, وقيل: تمسح القابلة بطنها لعله يخرج.
والثاني: يشق بطنها ويخرج.
وعلى هذا: قال البندنيجي: ينبغي أن يشق في القبر, وقال الروياني: عندي أنه يشق قبله.
والثالث: أنه يوضع عليه شيء ليموت ثم تدفن, وهو غلط وإن حكاه جماعة.
ووجهه: أنه لا يمكن دفنها وهو حي بلا خلاف, ولا تأخير دفنها إلى موته؛ لأن فيه تأخير دفنها الواجب على الفور, فتعين أن يفعل به ذلك, لأن حياته وإن تحققت كلا حياة.
стр. 1046
وَيُسَنُّ أَن يَقِفَ جَمَاعَةٌ بَعدَ دَفنِهِ عِندَ قَبرِهِ سَاعَةً يَسأَلوُن َلَهُ التَّثبِيتَ, ......
ــ
قال: (ويسن أن يقف جماعة بعد دفنه عند قبره ساعة يسألون له التثبيت)؛ لأن النبي ﷺ كان إذا فرغ من دفن ميت .. وقف عليه وقال: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل) رواه البزار [٤٤٥] وأبو داوود [٣٢١٣] والحاكم [١/ ٣٧٠] والبيهقي [٤/ ٥٦] من رواية عثمان ابن عفان ﵁ قال الحاكم: صحيح الإسناد.
وقال عمرو ابن العاصي ﵁: (أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور وبقسم لحمها؛ حتى أستأنس بكم, وأعلم بماذا أراجع رسل ربي) رواه مسلم [١٢١].
فرع:
استحب القاضي حسين ونصر المقدسي وغيرهما تلقين الميت المكلف بعد الدفن؛ مستدلين بأن النبي ﷺ لقن ولده إبراهيم, وهو غريب.
ولم يزل أهل الشام على العمل به, فيقعد الملقن عند رأس القبر ويقول:
(يا عبد الله ابن أمة الله! اذكر العهد الذي فارقتنا عليه: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأن محمد عبده ورسوله, وأن الجنة حق, وأن النار حق, وأن البعث حق, وأن الساعة آتية لا ريب فيها, وأن الله يبعث من في القبور, وأنك رضيت بالله ربًا, وبالإسلام دينًا, وبمحمد ﷺ نبيًا, وباقرآن إماما, وبالكعبة قبلة, وبالمؤمنين إخوانًا) رواه أبو عوانة والطبراني في أكبر (معاجمه) [٨/ ٢٤٩] , وله شواهد كثيرة يعضد بعضها بعضًا.
وفي زوائد (الروضة): أن الطفل ونحوه لا يلقن.
وحكى ابن الصلاح وجهين: في أن التلقين قبل إهالة التراب, أو بعده؟ قال: المختار الأول.
стр. 1047
وَلجِيرَانِ أهلِهِ تَهيِئَةُ طَعَامٍ يُشبِعُهُم يَومَهُم وَلَيلَتهُم,
ــ
وقال ابن عبد السلام في (فتاويه): التلقين بدعة لم يصح فيه شيء.
وروى البخاري [١٣٣٨] ومسلم [٢٨٧٠] عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه .. إنه ليسمع قرع نعالهم, إذا انصرفوا .. يأتيه ملكان فيقعدانه ويقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله, فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا في الجنة فيراهما جميعًا, وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدرس كنت أقول ما يقول الناس, فيقال له: لا دريت ولا تليت, ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين).
وفي (البخاري) [١٣٦٩] عن النبي ﷺ : (إذا أقعد المؤمن في قبره ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .. فذلك لقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ﴾.
قال: (ولجيران أهله تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم) هذا مسنون لهم ولأقربائهم الأباعد؛ لقوله ﷺ : (اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد جاءهم ما يشغلهم) حسنه الترمذي [٩٩٨] وصححه الحاكم [١/ ٣٧٢] , ولأنه بر ومعروف.
وإنما عبر ب (جيران أهله) لا بجيران الميت - كما عبر به الرافعي والشيخ في (التنبيه) - ليدخل ما إذا كان الميت في بلد وأهله في غيره, فيستحب لجيران الأهل فعل ذلك.
وأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمع الناس عليه .. فبدعة مستقبحة, روى أحمد [٢/ ٢٠٤] وابن ماجه [١٦١٢]- بإسناد صحيح - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة).
стр. 1048
وَيُلَحُّ عَلَيهِم ِفي الأَكلِ, وَيَحرُمُ تَهيِئَتُهُ لِلنَائِحَاتِ, واللهُ أَعلَمُ
ــ
قال: (ويلح عليهم في الأكل)؛ لأن الحزن يمنعهم من ذلك فيضعفون.
قال: (ويحرم تهيئته للنائحات والله أعلم)؛ لأنه عون على معصية الله تعالى.
تتمة:
أطلق المصنف وغيره: أنه إذا بلي الميت وصار ترابًا .. يجوز نبش قبره ودفن غيره فيه, ويرجع في ذلك إلى أهل الخبرة بتلك الناحية.
وقال الموفق ابن حمزة الحموي في (مشكل الوسيط): إذا كان المدفون صحابيًا أو ممن اشتهرت ولايته .. لا يجوز نبش قبره عند الانمحاق, وما قاله ظاهر.
وإذا بلي الميت .. لم يجز عمارة قبره وتسوية التراب عليه في المقابر المسبلة.
ونقل عن المتولي: أنه لو وقف على المقبرة وعمارة القبور .. لا يصح.
وقال في (الوصايا): تجوز الزصية لعمارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين لما فيه من إحياء الزيارة والتبرك بها. اهـ
وقضيته تصحيح الوقف عليها لذلك خاصة, قيحمل كلام المتولي على غير هذه الصورة.
خاتمة
ختن الله لكاتبه بخير
صح أن: (موت الفجاة أخذه أسف)
وروي: (أنه ﷺ استعاذ من موت الفجأة).
стр. 1049
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وروى المصنف عن أبي السكن الهجري: (أن إبراهيم وداوود وسليمان عليهم الصلاة والسلام ماتوا فجأة) , ويقال: إنه موت الصالحين.
وحمل الجمهور الأول: على من له تعلقات تحتاج إلى الإيصاء والتوبة, أما المتيقظون المستعدون .. فإنه تخفيف ورفق بهم. وعن ابن مسعود وعائشة: (أن موت الفجأة راحوا للمؤمن, وأخذة غضب للفاجر).
وصح أن: (الميت يبعث في ثيابه التي مات فيها) فقيل: المراد ب (الثياب): العنل, واستعمله أبو سعيد الخدري على ظاهره,, لما حضره الموت .. دعا بثياب جدد فلبسها.
ومن قال بهذا .. يحتاج أن يجيب عن كونهم يحشرون عراة: بأن البعث غير الحشر.
والله سبحانه أعلم
стр. 1050
كتاب الزكاة
ــ
كتاب الزكاة
هي في اللغة: النمو والبركة وزيادة الخير, يقال: زكا الورع: إذا نما, وزكن النفقة: إذا بورك فيها, وفلان زاك أي: كثير الخير, وتطلق على التطهير قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ أي: طهرها من الأدناس.
وفي الشرع: اسم لقدر من المال يخرجه المسلم في وقت مخصوص لطائفة مخصوصة بالنية, سميت بذلك؛ لأن المال ينمو ببركة إخراجها, ومؤديها يتزكى عند الله.
وأنكر داوود أن لها موضوعًا لغويًا وقال: ما عرف اسمها إلا بالشرع.
والأصل في وجوبها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إلى أن قال: ﴿ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾.
ومن السنة: الحديث المشهور: (بني الإسلام على خمس) , وغير ذلك مما يأتي في الباب.
واختلف الأصحاب في آية الزكاة فقيل: مجملة لعدم بيان المأخوذ والمأخوذ منه, وهذا هو المذهب.
стр. 1051
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: عامة, حتى يستدل بها في كل مختلف فيه, إلا ما خرج بدليل.
وقيل: مطلقة دالة على ما ينطق عليه الاسم, والزيادة عليه مأخوذ من السنة.
وفرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر قاله الحافظ شرف الدين الدمياطي؛ بدليل قول قيس بن يعد بن عبادة: (أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكاة).
وقيل: قبل الهجرة, وبينت بعدها.
وعن (تاريخ ابن جرير الطبري): أنها في السنة الرابعة.
وهي واجبة في ثمانية أصناف من أجناس المال: الذهب والفضة, والإبل والبقر والغنم, والزرع, والنخل والكرم, ولذلك وجبت لثمانية أصناف من طبقات الناس.
стр. 1052
باب زكاة الحيوان
إنَّمَا تَجِبُ مِنهُ فِي النَّعَمِ - وَهِيَ: الإِبِلُ وَالبَقَرُ وَالغَنَمُ -
ــ
باب زكاة الحيوان
بدأ المصنف به وبالإبل اقتداء بكتاب ﵁ الآتي قريبًا.
و (الحيوان): جنس الحي.
قال: (إنما تجب منه النعم) بالنص والإجماع. وسمي نعمًا؛ لكثرة نعم الله فيه على خلقه من النمو وعموم الانتفاع مع كونها مأكولة, فلذلك وجبت الزكاة فيها لاحتمالها المواساة.
قال: (وهي: الإبل والبقر والغنم) هذا عرف شرعي, ونقل الواحدي الاتفاق عليه, وبه جزم المصنف في (باب إحياء الموات) من (التحرير).
وخصه ابن دريد والهروي بالإبل لقول حسان [من الوافر]:
وكانت لا يزال بها أنيس .... خلال بيوتها نعم وشاء
وقيل: يطلق على كل من الإبل والبقر ولا يطلق على الغنم.
و (الأنعام) يشمل الثلاث, وهو جمع: نعم, يذكر ويؤنث, قال الله تعالى: ﴿نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ , وفي موضع: ﴿مِّمَّا فِي بُطُونِهَ﴾ , وجمع الجمع: أناعم.
ولما كان لفظ (النعم) يذكر ويؤنث عند الجمهور .. أتى المصنف بضميره مؤنثًا.
وقال الفراء: لا يؤنث, تقول: هذا نعم وارد.
فإن قيل: لو حذف المصنف لفظة (النعم) كان أخضر وأسلم .. فالجواب: أفاد بذكرها تسمية الثلاث نعمًا.
و (الإبل): اسم جمع لا واحد له من لفظه, ويجوز تسكين بائه للتخفيف, ويجمع على آبال كجمل وأجمال.
و (البقر): اسم جنس واحدة: بقرة, سمي بذلك؛ لأنه يبقر الأرض أي:
стр. 1053
لاَ الخَيلُ والرَّقِيقُ, والمُتَولِّدُ مِنَ الغَنَمِ والظِبَاءِ
ــ
يشقها, ومنه قيل [لابن] زين العابدين: الباقر؛ لأنه بقر العلم؛ أي: شقه وتوسع فيه, قال الشاعر [من السريع]:
يا بقر العلم لأهل التقى .... وخير من يمشي على الأخيل
و (الغنم): اسم جنس لا واحد له من لفظة, يطلق على الذكر والأنثى, والجمع: أغنام وغنوم.
قال: (لا الخيل والرقيق)؛ لقوله ﷺ : (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) [خ ١٤٦٤ _ م ١٩٨٢] , وقوله ﷺ : (عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق) متفق عليهما, ولأنها تقتنى للزينة والاستعمال لا النماء فأشبهت العقار.
وأوجبها أبو حنيفة في إناثها المفردة والمجتمعة مع الذكور, إن شاء مالكها أعطى عن كل فرس دينارًا, وإن شاء قومها بالدراهم وأخرج زكاتها.
ومحل ذلك إذا لم يكونا للتجارة.
و (الخيل): اسم جمع لا واحد له من لفظه, يطلق على الذكر والأنثى.
وفي (باب الأطعمة) من (التحرير): أن واحده: خايل كركب وراكب, وهو مؤنث. قال الواحدي: سميت خيلًا؛ لاختيالها في مشيها.
و (الرقيق) يطلق على الواحد والجمع.
قال: (والمتولد من الغنم والظباء)؛ لأنه لا يسمى غنمًا, وكذا ما تولد من البقر الوحشية والأهلية, كما لا يجزئ في الأضحية, وكما لا يسهم للبغل.
وإنما وجب الجزاء على المحرم بإتلافه لتعديه وتغليب التحريم؛ لأن الإحرام مبني على التغليظ والزكاة على التخفيف.
стр. 1054
وَلاَ شَيءَ فِي الِإبِلِ حَتَّى تَبلُغَ خَمسًا, فَفِيهَا شَاةٌ, وَفِي عَشرٍ: شَاتَانِ, وَخَمسَ عَشرَةَ: ثَلاَثٌ, وَعِشرِينَ: أَربَعٌ, وَخَمسٍ وَعِشرِينَ: بِنتُ مَخَاضٍ, وسِتِّ وَثَلاِثينَ: بِنتُ لَبُونٍ, وَسِتَّ وَأرَبَعِينَ: حِقَّةٌ, وَإحدَى وَسِتِّينَ: جَذعَةٌ, وَسِتِّ وَسَبعِينَ: بِنتَا لَبُونٍ, وَإحدَى وَتِسعِيَن: حِقَّتَانِ, وِمِئَةٍ وَإحدَى وَعِشرِينَ: ثَلاَثُ بَنَاتِ لَبُونٍ, ثُمَّ فِي كُلِّ أَربَعِينَ: بِنتُ لَبُونٍ, وَفِي كُلِّ خَمسِينَ: حِقَّةٌ
ــ
وقال أحمد: تجب الزكاة في المتولد مطلقًا. وأبو حنيفة: إن كانت الإناث غنمًا .. وجبت.
و (الظباء) بالمد, جمع, ظبي, وهو: الغزال.
قال: (ولا شيء في الإبل حتى تبلغ خمسًا, ففيها: شاة)؛ لما روى الشيخان [خ ١٤٠٥ _ م ٩٨٠]: (ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة) , وفي رواية [م ٩٨٠]: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة). و (الذود) – بإعجام الذال الأولى- الإبل.
وإنما بدأ بافبل؛ لأن النبي ﷺ بدأ بها في أكثر كتبه التي كتبها للسعاة؛ بسبب أنها كانت أعم أمواله وضبطها يصعب فبدأ بها ليعتني بحكمها.
قال: (وفي عشر: شاتان, وخمس عشرة: ثلاث, وعشرين: أربع, وخمس وعشرين: بنت مخاض, وست وثلاثين: بنت لبون, وست وأربعين: حقة, وإحدى وستين: جذعة, وست وسبعين: بنتا لبون, وإحدى وتسعين: حقتان, ومئة وإحدى وعشرين: ثلاث بنات لبون, ثم في كل أربعين: بنت لبون, وفي كل خمسين: حقة)؛ لما روى البخاري عن أنس بن مالك: أن أبا بكر ﵄ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: (بسم الله الرحمن الرحيم, هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله ﷺ فمن سئلها من المسلمين على وجهها .. فليعطها, ومن سئل فوقها .. فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس
стр. 1055
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شاة, فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين .. ففيها بنت مخاض أنثى, فإن لم تكن بنت مخاض .. فأبن لبون ذكر, فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين .. ففيها بنت لبون أنثى, فإذا بلغت واحدة وستون إلى خمس وسبعين .. ففيها جذعة, فإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين .. ففيها بنتا لبون, فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومئة .. ففيها حقتان طروقتا الجمل, فإذا زادت على عشرين ومئة .. ففي كل أربعين بنت لبون, وفي كل خمسين حقة) رواه البخارس مقطعًا في عشرة مواضع, وأبو داوود [١٥٦١] بكماله.
وقدمه الشافعي على غيره؛ لأنه أصح ومتفق على العمل بجميعه.
وقوله: (وفي أربع وعشرين فما دونها) وقوله: (إلى خمس وثلاثين .. إلى خمس وأربعين .. إلى ستين) كل ذلك دليل على أن الأوقاص ليست بعفو وأن الفرص يتعلق بالجميع, وهو نص (الإملاء) , واختاره ابن سريج ونص في أكثر كتبه على أنها: عفو. وهو الأظهر؛ لقوله ﷺ : (في خمس من الإبل
следующие страницы →