Полный текст (5 377 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اليوم الذي مات فيه، ثم خرج بهم إلى المصلى فصلى عليه وكبر أربعة) رواه الشيخان [خ ١٣١٨ – م ٩٥١]، وكان ذلك في شهر رجب سنة تسع، وفي حديث ضعيف: (أن النبي ﷺ صلى على معاوية بن معاوية بتبوك).
ولا فرق بين أن يكون البلد بعيدًا أو قريبًا، في جهة القبلة أو غيرها, لكن المصلي يستقبل القبلة، وسواء صلي عليه أم لا.
وقال الخطابي: لا يصلي عليه إلا أنا كان في موضع لم يصل عليه فيه كما وقع للنجاشي.
واحترز بـ (الغائب عن البلد) عن الحاضر معه فيه؛ فإنه لا يصلي عليه في الأصح كبرت البلد أم صغرت؛ لأن ذهابه إليه متيسر.
وهل تشرع للمحبوس بالبلد الصلاة على من مات بها؟ فيه نظر، وإطلاقهم صريح في المنع من ذلك.
والظاهر: الجواز، وبه صرح ابن أبي الدم؟ لأنهم قد عللوا المنع كما تقدم بتيسر الذهاب إليه.
وفي معناه: إذا قتل إنسان ببلد وأخفي قبره عن الناس.
غريبة:
قال أبو الحسين بن القطان: إن صلاة الغائب وإن جازت لا تسقط الفرض. ومراده: أنها لا تسقط الفرض عن أهل بلد الميت؛ لأن فرض الكفاية تعلق بهم.
فرع:
يجوز أن يصلي على الأموات الذين ماتوا في يومه أو سنته وغسلوا في أقطار الأرض ولا يعرف عينهم؛ لأن الصلاة على الغائب جائزة وتعيينهم غير شرط.
стр. 982
وَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الدَّفْنِ, وَتَصِحُّ بَعْدَهُ، وَالأَصَحُّ: تَخْصِيصُ الصِّحَّةِ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا وَقْتَ الْمَوْتِ
ــ
قال: (ويجب تقديمها على الدفن)؛ لأنه المأثور عن رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين بعده.
فلو دفن من غير صلاة .. أثم الدافنون وكل من توجه عليه فرض الصلاة من أهل تلك الناحية بلا خلاف, لكن لا ينبش القبر بل يصلى عليه كما سيأتي. ويسقط الفرض بالصلاة على القبر.
وعن الشيخ أبي إسحاق المروزي: لا يسقط وهو غلط. قال: (وتصح بعده)؛ لأن مسكينة يقال لها: أم محجن ماتت ليلًا فدفنوها وكرهوا أن يوقظوا النبي ﷺ , فصلى النبي ﷺ على قبرها من الغد, رواه النسائي [٤/ ٤٠] وغيره بإسناد صحيح، وفي (الصحيحين) [خ ٤٥٨ – م ٩٥٦]: (أن النبي ﷺ صلى على قبر امرأة أو رجل كان يَقُمُّ المسجد)، و (أنه صلى على قبر منبوذ) [خ ٨٥٧ – م ٩٥٤].
قال: (والأصح: تخصيص الصحة بمن كان من أهل فرضها وقت الموت)؛ لأنه يؤدي فرضًا خوطب به, وأما غيره .. فمتطوع وهذه الصلاة لا يتطوع بها.
والثاني: أنه يختص بمن كان من أهل الصلاة عليه يوم موته، وصححه في (الشرح الصغير).
فعلى الوجهين: من لم يولد عند الموت أو لم يكن مميزًا .. لم يصل، ومن كان مميزًا صلى على الثاني دون الأول، ومن كان حينئذ كافرا أو حائضًا .. يصلي إذا أسلم أو طهر قاله الإمام والغزالي.
قال في (شرح المهذب): وهو مخالف لظاهر كلام الأصحاب, قال: وقد صرح المتولي بأن الكافر لا يصلي.
стр. 983
وَلاَ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحَالٍ
ــ
والثالث: أنه يصلى على القبر إلى ثلاثة أيام دون ما بعدها، وبه قال أبو حنيفة. والرابع - وبه قال أحمد -: يجوز إلى شهر؛ لأن النبي ﷺ صلى على البراء بن معرور بعد شهر، وصلى ابن عمر على أخيه بعد شهر، وصلت عائشة على قبر أخيها عبد الرحمن بعد شهر, ولا يعرف لهما مخالف.
والخامس: ما بقي منه شيء في القبر, فإن انمحقت أجزاؤه .. لم يصل عليه. وإن شك في الانمحاق .. فالأصل البقاء.
والسادس: يصلى عليه أبدًا, لأن المقصود من الصلاة الدعاء وهو مطلوب في كل وقت.
وفي (الصحيحين) [خ ٤٠٤٢ – م ٢٢٩٦]: (أنه ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين). قال ابن الرفعة: والظاهر: أنها الصلاة الشرعية لا اللغوية؛ لأن أبا داوود [٣٢١٥] روى: (أنه ﷺ صلى عليهم صلاته على الميت)، وسيأتي في غسل الشهيد والصلاة عليه بيان هذا الحديث والجواب عنه.
قال: (ولا يصلى على قبر رسول الله ﷺ بحال)، وكذا قبر غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لما روى البخاري [١٣٣٠] ومسلم [٥٢٩]: أن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
وقال أبو الوليد النيسابوري وجماعة: تجوز فرادى لا جماعة، وكان يقول: أنا أصلي على قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين، وقطع بهذا الوجه القاضي أبو الطيب والمحاملي ورجحه الشيخ أبو حامد.
تتمة:
اختلفوا في تعليل النهي عن الصلاة على قبره ﷺ :
стр. 984
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقيل: خشية الفتنة. فعلى هذا: يمتنع اليوم وفي زمن الصحابة.
وقيل: حكمه حكم غيره. فعلى هذا: يمتنع اليوم على الوجه الأول والثاني والثالث والرابع, ولا يمتنع على السادس وهو قول أبي الوليد النيسابوري ومن وافقه، وأما على الخامس .. فـ (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) كما رواه النسائي في (كتاب الجمعة) [٣/ ٩١]، فينبغي أن يجوز إذا قلنا: حكمه حكم غيره، لكن الأصحاب قالوا: لا يجوز، واستدل له الرافعي ومن تبعه بقوله ﷺ : (أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث)، وهو باطل لا أصل له.
لكن روى البيهقي عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: (الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، لكنهم يصلّون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في الصور.
ولما كان ﷺ لا يصلى على قبره .. تأخر لذلك دفنه إلى أثناء ليلة الأربعاء؛ لأنه ﵊ لما مات .. صلوا عليه أفنادًا. قال في (الفائق): أي: جماعات بعد جماعات.
قيل: حصر المصلون فإذا هم ثلاثون ألفًا، ومن الملائكة ستون ألفًا؛ لأن مع كل واحد ملكين.
لكن وقع في (الإحياء) في (الباب الثالث في أعمال الباطن في القراءة): (أن النبي ﷺ مات عن عشرين ألفًا من الصحابة، لم يحفظ القرآن منهم إلا ستة اختلف في اثنين منهم)، ولعله أراد: عشرين ألفًا في المدينة، وإلا .. فقد روى أبو زرعة الرازي: (أنه ﷺ مات عن مئة ألف وأربعة عشر ألفًا، كلهم صحبه وروى عنه وسمع منه.
стр. 985
فَرْعٌ:
الْجَدِيدُ: أَنَّ الْوَلِيَّ أَوْلَى بِإِمَامَتِهَا مِنَ الْوَالِي،
ــ
قال: (فرع:
الجديد: أن الولي أولى بإمامتها من الوالي)؛ لأن معظم الغرض هنا الدعاء للميت، ومن اختص بمزيد شفقة .. كان دعاؤه أقرب إلى الإجابة.
وفي القديم: الوالي أولى ثم إمام المسجد ثم الولي كسائر الصلوات، وهو قول الأئمة الثلاثة وابن المنذر وأكثر العلماء.
واستدل له البيهقي [٤/ ٢٩] بأن الحسن لما مات .. قال الحسين لسعيد بن العاصي وهو يطعن في عنقه: (تقدم، فلولا أنها السنة .. ما قدمتك).
ومحل الخلاف: إذا لم يخف الفتنة من الوالي، فإن خيف ذلك .. قدم قطعًا. ولو وصى أن يصلي عليه أجنبي .. فطريقان:
أظهرهما: القطع بتقديم القريب.
والثانية: وجهان -كالوجهين فيمن أوصى أجنبيًا على أولاده والجد حي - ثانيهما: تقديم الموصى له - وبه أفتى محمد بن يحيى في جواب مسائل سأله عنها والد الرافعي - لأنه قدم لنفسه شفيعًا كتفريق الثلث.
وروي ذلك عن عائشة وأم سلمة وابن سيرين وأحمد, واحتج له بوصية أبي بكر لعمر ﵄، وعمر لصهيب ﵄، وعائشة لأبي هريرة ﵄.
وأجاب الأصحاب بأن أولياءهم أجازوا ذلك.
وقال مالك: إن كان الموصى له ممن يرجى دعاؤه أكثر من القريب .. قدمت الوصية.
وإذا أوصى أن يدفن في المقبرة الفلانية .. أفتى القفال بأنه كما لو أوصى أن يصلي
стр. 986
فَيُقَدَّمُ الأَبُ، ثُمَّ الْجَدُّ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ الِابْنُ، ثُمَّ ابْنُهُ، ثُمَّ الْأَخُ - وَالأَظْهَرُ: تَقْدِيمُ الأَخِ لِأَبَوَيْنِ عَلَى الأَخِ لِأَبٍ - ثُمَّ ابْنُ الأَخِ لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لِأَبٍ، ثُمَّ الْعُصْبَةُ عَلَى تَرْتِيبِ الإِرْثِ,
ــ
عليه فلان .. لا يلزم الورثة امتثال ذلك لكن يستحب.
قال: (فيقدم الأب، ثم الجد وإن علا) بخلاف الميراث؛ نظرًا إلى الشفقة، والمراد بـ (الجد): أبو الأب.
قال: (ثم الابن, ثم ابنه) أي: وإن سفل.
قال: (ثم الأخ)؛ تقديمًا للأشفق فالأشفق.
قال: (والأظهر: تقديم الأخ لأبوين على الأخ لأب)؛ لزيادة القرب والشفقة كما في الميراث.
والثاني: لا، بل يستويان؛ لأن الأمومة لا مدخل لها في إمامة الرجال, فلم يبق إلا قرابة الأب وهما فيها سواء.
وأجاب الأول بأنها صالحة للترجيح وإن لم تصلح للاستقلال.
وأجيب بأن لها مدخلًا في الصلاة على الميت في الجملة؛ لأنها تصلي مأمومة ومنفردة وإمامة بجنسها.
وكان ينبغي التعبير بـ (المذهب) كما في (الروضة) و (شرح المهذب). ويجري الطريقان في ابني عم أحدهما أخ لأم ونحو ذلك.
قال: (ثم ابن الأخ لأبوين، ثم لأب، ثم العصبة على ترتيب الإرث)؛ لما تقدم من أن المقصود الدعاء وهؤلاء أرجى للإجابة.
واندرج في عبارته الولاء، فبعد انقراض العصبة من النسب يقدم المعتق ثم عصبته على ذوي الأرحام.
وقال شارح (التعجيز): يقدمون عليه.
وقد سبق في غسل الميت: أن شرط التقدم فيه: أن لا يكون به مانع من الإرث في نفسه، والقياس هنا كذلك.
стр. 987
ثُمَّ ذَوُو الأَرَحَامِ. وَلَوْ اجْتَمَعَا فِي دَرَجَةٍ .. فَالأَسَنُّ الْعَدْلُ أَوْلَى عَلَى النَصِّ
ــ
قال: (ثم ذوو الأرحام)، فيقدمون على الأجانب لما فيهم من الشفقة، فيقدم جد الأم ثم أخ الأم ثم الخال ثم العم للأم.
وتحرر من كلام المصنف .. أن الزوج لا مدخل له في الصلاة على المرأة وهو كذلك، بخلاف النسل والتكفين والدفن.
وفي (شرح المهذب) وجه: أنه يلي ويكون مقدمًا على المعتق.
قال: (ولو اجتمعا في درجة .. فالأسن العدل أولى على النص)؛ لأن دعاء الأسن أقرب إلى الإجابة.
واستدل الرافعي بقوله ﷺ : (إن الله لا يرد دعوة ذي الشيبة المسلم).
وفي (عمل اليوم والليلة) للنسائي [٨٣٨] عن طلحة: أن النبي ﷺ قال: (ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام).
وفي (صحيح ابن حبان) [٥٥٩] و (الحاكم [١/ ٦٢] عن ابن عباس مرفوعًا: (البركة مع أكابركم) قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري.
ويقابل النص قول مخرج: أن الأفقه والأقرأ يقدم كغيرها من الصلوات.
والفرق: ما تقدمت الإشارة إليه من أن مقصود صلاة الجنازة الدعاء، وسائر الصلوات محتاجة إلى الفقه لوقوع الحوادث فيها, إلا أن تقديم الأسن مشروط بالعدالة.
واحترز بـ (العدل) عن الفاسق والمبتدع؛ فإنهما كالعدم.
والمعتبر في (السن): الماضي في الإسلام، فإذا استويا في السن .. قدم الأفقه
стр. 988
وَيٌقَدَّمُ الْحُرُّ الْبّعِيدُ عَلَى الْعَبْدِ الْقَرِيبِ. وَيَقِفُ عِنْدَ رَاسِ الْرَّجُلِ وَعَجُزِهَا
ــ
والأقرأ والأورع؛ لأنه أفضل ودعاؤه أكمل, وسيأتي في آخر الباب أنهما إذا استويا .. يقرع بينهما.
ولو استناب أفضل المتساويين في الدرجة .. اعتبر رضا الآخر في أقيس الوجهين. ولو غاب الأقرب واستناب .. فنائبه أحق من البعيد الحاضر.
قال: (ويقدم الحر البعيد على العبد القريب)؛ لكماله واختصاصه بأهلية الولاية.
والثاني: يقدم العبد لقربه.
والثالث: يستويان، ويجري الخلاف في عبد فقيه مع حر غير فقيه، والأصح عند المصنف: تقديم الحر.
والصبيان أولى من النساء، والعبد البالغ أولى من الصبي الحر؛ لأن المكلف أحرص على تكميل الصلاة، وتصح الصلاة خلفه بالإجماع بخلاف الصبي.
ومسألة الكتاب ليست في (المحرر)؛ إنما فيه: أن الحر أولى من العبد. ولعل المصنف ذكر هذه؛ لتؤخذ منها تلك من باب أولى.
ولأن عبارة (المحرر) يرد على إطلاقها المكاتب القريب والعبد القريب؛ فإنهما أولى من الحر الأجنبي.
قال: (ويقف عند رأس الرجل وعجزها) أي: استحبابًا؛ لأن أنسًا ﵁ صلى على رجل فقام عند رأسه، وعلى امرأة فقام عند عجزها وقال: (هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ (رواه أبو داوود [٣١٨٧]، وحسنه الترمذي [١٠٣٤]. وفي (الصحيحين) [خ ٣٣٢ – م ٩٦٤]: (أن النبي ﷺ صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها) والمعنى فيه: محاولة سترها عن الناس.
стр. 989
وَتَجُوزُ عَلَى الْجَنَائِزِ صَلاَةٌ
ــ
وقال أبو علي الطبري: يقف عند صدر الرجل.
كل هذا في الإمام والمنفرد، وأما المأموم .. فيقف في الصف حيث كان, ولذلك عبر في (المحرر) بقوله: ويقف الإمام.
والخنثى هنا كالمرأة قاله في (شرح المهذب).
و (عجيزة المرأة) بفتح العين وكسر الجيم: ألياها. ولا يقال للرجل: عجيزة، بل يقال: له عجز، وقد تقدم في (باب صفة الصلاة) في حديث البراء: أنه رفع عجيزته في السجود، فاستعارها للرجل.
قال: (وتجوز على الجنائز صلاة)؛ لأن أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ماتت هي وولدها زيد الأكبر ابن عمر بن الخطاب ﵃ في يوم واحد فصلى عليهما دفعة واحدة, وجعل الغلام مما يلي الإمام، وهو سعيد بن العاصي, وفي القوم ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة ﵃ فقالوا: (هذا هو السنة) رواه أبو داوود [٣١٨٦] والنسائي [٤/ ٧١] بإسناد صحيح، وروى البيهقي [٤/ ٣٣] عن ابن عمر أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء, فجعل الرجال مما يلي الإمام, والنساء مما يلي القبلة.
والأفضل: إفراد كل جنازة بصلاة إن أمكن؛ لأنه أكثر عملًا وليس هو تأخيرًا كثيرًا.
وقال المتولي: الأفضل: أن يصلي عليهم دفعة واحدة؛ لتعجيل الدفن. وإذا صلي عليهم .. فالمذهب: أن الجميع يُجعلون بين يدي الإمام بعضًا خلف بعض، والأفضل فالأفضل مما يلي الإمام، والمفضول مما يلي القبلة، فيقرب الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء.
ويقدم عند اتحاد النوع بالورع وسائر الصفات المذكورة في الصلاة, لا بمجرد الحرية؛ لأن الرق يزول بالموت.
فإن استويا في جميع الصفات .. قدم برضا الورثة ثم بالقرعة.
كل هذا إذا جاءت الجنائز دفعة واحدة، فإن تعاقبت .. قدم الأسبق وإن كان
стр. 990
وَتَحْرُمُ عَلَى الْكَافِرِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ تَكْفِينِ الذِّمِّيِّ وَدَفْنِهِ. وَلَوْ وُجِدَ عُضْوُ مُسْلِمٍ عُلِمَ مَوْتُهُ .. صُلِّيَ عَلَيْهِ
ــ
مفضولًا إن اتحد النوع، فإن اختلف .. قدم الرجل ثم الصبي وأخرت المرأة، والأصح: أن الصبي لا ينحى لأجل الرجل.
وإن كانت الجنائز كلهم خناثى .. جعلوا صفًا واحدًا رأس كل واحد عند رجل الأخر, ويجعلهم الإمام عن يمينه ويقف عند محاذاة آخرهم.
وولي السابقة أولى بالإمامة، فإن انتفي السبق .. أقرع بين الأولياء.
قال: (وتحرم على الكافر) حربيًا كان أو ذميًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾، ولأن الكافر لا يجوز له الدعاء بالمغفرة؛ فإن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به.
قال: (ولا يجب غسله)؛ لأنه كرامة وتطهير وليس من أهلهما، لكنه يجوز لما روى البيهقي [٣/ ٣٩٨] عن علي ﵁: (أن النبي ﷺ أمره أن يذهب إلى أبيه فيغسله ويكفنه).
وقال مالك وأحمد: ليس للمسلم غسله.
قال: (والأصح: وجوب تكفين الذمي ودفنه)؛ وفاء بذمته كما يكسى في حياته, وينبغي أن يقطع بوجوب ثوب واحد. والمعاهد كالذمي.
والثاني: لا يفعل به ذلك؛ لبطلان ذمته بموته، ونقله القاضي حسين عن معظم الأصحاب.
واحترز بـ (الذمي) عن الحربي ومن في معناه كالمرتد. والزنديق، فلا يجب تكفينهم؛ لأن النبي ﷺ أمر بإلقاء قتلى بدر في القليب على هيئتهم. وفي وجوب دفنهم وجهان، الأصح: أنه لا يجب, بل يجوز إغراء الكلاب عليهم، لكن الأولى مواراتهم؛ لئلا يتأذى الناس برائحتهم.
قال: (ولو وجد عضو مسلم علم موته .. صلي عليه)؛ لأن الصحابة صلوا على
стр. 991
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد لما ألقاها طائر بمكة حين مات في وقعة الجمل عرفوها بخاتمه, وذلك مشهور في السير. رواه الزبير بن بكار والإمام الشافعي ﵁ بلاغًا.
واختلف في الموضع الذي ألقاها فيه، فقيل: اليمامة, وقيل: المدينة، وقيل: مكة.
واختلفوا في الطائر، فقيل: نسر، وقيل: عقاب.
وصلى عمر ﵁ على عظام بالشام, وصلى أبو عبيدة ﵁ على رؤوس القتلى بها. وسواء لطف العضو أو كثف.
وقال أبو حنيفة: لا يصلى عليه إلا إذا وجد أكثر من النصف؛ ليكون الأقل تابعا للأكثر.
والمراد بـ (الصلاة عليه): الصلاة على المسلم الذي هذا بعضه, فينوي الصلاة على جملة الميت، وقيل: على العضو.
واحترز بـ (العضو) عن الشعر والظفر ونحوهما، فلا يصلى عليهما عند الأكثرين كما قاله في (شرح المهذب)؛ لأنه لا حرمة لها. وبهذا جزم في: (البحر).
لكن قال في (الروضة) تبعًا لـ (الشرح): أقرب الوجهين: أنها كالعضو فيصلى عليها، إلا الشعرة الواحدة؛ فإن صاحب (العدة) قال: لا يصلى عليها.
قال الشيخ: وكلام الأصحاب كالتصريح في أن هذه الصلاة على جهة الوجوب, وهو ظاهر إذا كان الميت لم يصل عليه, أما إذا علم أنه صلي عليه .. فهل نقول: تجب حرمة له كالجملة أو لا؟ فيه احتمال.
стр. 992
وَالسِّقْطُ إِنِ اسْتَهَلَّ أَوْ بَكى .. كَكَبِير،
ــ
قال: والحق أن هذه صلاة على غائب كما صرح به الإمام.
ولا يبعد الدعاء للعضو؛ فإن النبي ﷺ قال: (اللهم، وليديه فاغفر).
وإذا شرعت الصلاة .. فلا بد من غسل الموجود ومواراته بخرقة كذا في (الشرح) و (الروضة)، ومقتضاه: أنه لا فرق في الموجود بين أن يكون من العورة أو من غيرها.
وبناه الماوردي على أن الواجب ساتر العورة أو جميع البدن وهو ظاهر.
والمذهب: أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن.
واحترز بما (علم موته) عما إذا لم تعلم حياته ولا موته، وعما إذا علم أنه من حي كيد السارق؛ فإنه لا يصلى عليه على المشهور.
وأما شعر الحي وظفره .. فيندب دفنه فقط، وكذلك يوارى دم الفصد والحجامة والعلقة التي تلقيها المرأة,
فرع: لو وجد ميت أو بعضه ولم يعلم أنه مسلم أو كافر .. فهو كاللقيط، إن وجد في دار الإسلام .. عومل معاملة المسلم، أو في دار الشرك ولا مسلم فيها .. فكالكافر، وإن كان فيها مسلم .. فعلى الخلاف.
قال: (والسقط إن استهل أو بكى .. ككبير)؛ لأنا تيقنا موته بعد حياته.
وقال ﷺ : (إذا استهل الصبي .. ورث وصلى عليه) صححه ابن حبان [٦٠٣٢] والحاكم [١/ ٣٦٣]، لكن الصحيح: أنه موقوف على جابر، وفي (الترمذي) [١٠٣١] حديث حسن: (الطفل يصلى عليه)؛ ولأنه ثبت له حكم الدنيا في الإسلام والميراث والدية وغيرها.
стр. 993
وَإِلَّا: فَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ كَاخْتِلاجٍ .. صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الأَظْهَرِ .....
ــ
قال ابن المنذر: وهو إجماع، وفيه نظر؛ فإنه نقل عن سعيد بن جبير: أنه لا يصلى على صبي لم يبلغ.
وقال بعضهم: إن صلى الصبي .. صلي عليه بعد موته، وإلا .. فلا؛ لأن النبي ﷺ لم يصل على ولده إبراهيم، وأيضًا الصلاة لطلب المغفرة ولا ذنب للصبي.
وأجاب الجمهور بأنه صح: (أن النبي ﷺ صلى على ولده)
وقولهم: لا يصلى على من لا ذنب له .. ممنوع؛ لأن الصحابة صلوا على النبي ﷺ ، وأيضًا المجنون يصلى عليه.
و (السقط) بكسر السين وضمها وفتحها: الولد النازل قبل تمامه، مأخوذ من السقوط.
قال الخليل: يقال: سقط الولد من بطن أمه، ولا يقال: وقع.
و) استهلال الصبي) ك رفع صوته بالبكاء، وكل شيء ارتفع صوته فقد استهل، ومنه: الإهلال بالحج: وهو رفع الصوت به.
وسيأتي أن (البكاء) المقصود: دمع العين، وإنما جمع المصنف بينهما؛ لأن كلا منهما دليل تيقن الحياة.
ويكون تكفينه في هذه الحالة وتحنيطه كما في الكبير.
قال: (وإلا: فإن ظهرت أمارة الحياة كاختلاج .. صلي عليه في الأظهر).
المراد: إذا لم تتيقن حياته باستهلال وغيره، لكن ظهرت أمارة الحياة كاختلاج .. صلى عليه لظهور احتمال الحياة بسبب الأمارة الدالة عليها.
والثاني: لا يصلى عليه؛ لعدم تيقن الحياة.
ويغسل قطعًا، وقيل: فيه القولان، ولا خلاف أنه يجب دفنه.
стр. 994
وَإِنَّ لِمَ تُظَهِّر، وَلَم يُبْلَغ أَرْبَعَة أَشْهَر .... لِمَ يَصْلَ عَلِيّهُ، وَكَذا إِن بَلَّغَها ِفي الأَظْهَر. وَلا يُغَسِّل الشَهِيد وَلا يُصَلَّى عَلِيّهُ،
ــ
قال: (وإن لم تظهر، ولم يبلغ أربعة أشهر ... لم يصل عليه) هذا مجمع عليه، وفي غسله طرق:
أصحها: لا يغسل أيضًا كما لا يصلى عليه.
والثانية: يغسل؛ تطهيرًا له.
والثالية: قولان.
قال: (وكذا إن بلغها في الأظهر)؛ لعدم تيقن الحياة، فلا تجب الصلاة عليه، بل ولا تجوز؛ لمفهوم الحديث السابق.
والثاني: نعم؛ لقوله ﷺ : (السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة) رواه داوود (٣١٧٢) والترمذي (١٠٣١) وقال: حسن صحيح، ولأن الروح تنفخ فيه حينئذ كما ثبت في الحديث الصحيح.
أما إذا لم تظهر فيه خلقة .... فتكفي مواراته كيف كانت.
ويعد ظهور خلقته حكم التكفين حكم الغسل، فحيث لم يوجب الغسل ... لم يجب هذا في تمام الكفن. أما المواراة بخرقة .... فاتفقوا علي وجوبها بعد بلوغه إمكان نفخ الروح أوجبنا الغسل أم لا، وأما الدفن ... فيجب قولًا واحدًا.
قال: (ولا يغسل الشهيد ولا يصلي عليه)؛ لأنه حي بنص القرآن. فيحرم غسله والصلاة عليه، سواء كان رجلًا أو امرأة، صغيرا أو كبيرًا، حرًا أم عبدًا، ولو مجنونًا؛ لما روى البخاري (١٣٤٣) عن جابر: (أن النبي ﷺ أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا).
قال الإمام الشافعي رضى الله عنه: جاءت الأحاديث من وجوه متوارة: (أن النبي ﷺ ولم يصل عليهم)، ولم يصح حديث يخالف ذلك.
стр. 995
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما حديث عقبة بن عامر الذي في (الصحيحين) (خ ١٣٤٤ - م ٣٢٩٦): (أن النبي صلى الله علية وسلم خرج فصلى على قتلى أحد صلاته علي الميت)، وفي رواية للبخاري (٤٠٤٢): (بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات) ... فالمراد: أنه دعا لهم كدعائه للميت.
والإجماع يدل علي هذا التأويل؛ لأن عندنا لا يصلى علي الشهيد، وعند الخصم وهو أبو حنيفة: لا يصلى علي القبر بعد ثلاثة أيام كما تقدم.
وأما حديث: (أنه ﷺ صلى علي قتلى أحد عشرة عشرة، وفي كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة) ... فضعيف. رواه أبو داوود مرسلًا (سيل ٤٣٨)، وهو خطأ؛ لأن شهداء أحد كانوا اثنين وسبعين، فلا تزيد الصلاة على سبع أو ثمان، ولا تزيد التكبيرات علي اثنتين وثلاثين؛ لأن عندنا وعندهم: التكبيرات أربع.
قال الإمام الشافعي ﵁: ينبغي لمن روى هذا الحديث أن يستحيي على نفسه، ولأن الشهيد طهره القتل والله غفر له، ويأتي يوم القيامة وكلمه يدمى: اللون لون الدم , والريح ريح المسك.
وقال المزني: يصلى على الشهيد ولا يغسل.
واتفقوا على أن الغسل إذا أدى إلى إزالة الدم ... حرم.
وسمي شهيدًا؛ وقيل: لأنه يشهد الجنة حال موته وغيره يشهدها يوم القيامة، وقيل: لأنه يشهد على الأمم المتقدمة، وقيل: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة، وقيل: لأنه شهد ما أعد الله له من الكرمة بالقتل، وقيل: لأن دمه شاهد له بالإيمان وحسن الخاتمة.
стр. 996
وَهُوَ مَن ماتَ في قُتّال الكُفّار بِسَبَبِهِ، فَإِنَّ ماتَ بَعْدِ انقضائه , أَو ِفي قُتّال البُغاَة ... فَغَيْر شَهِيد ِفي الأَظْهَر ,
ــ
قال: (وهو من مات في قتال الكفار بسببه) كما إذا تردى عن فرسه، أو عاد عليه سلاحه، أو وجد قتيلًا عند انكشاف الحرب ولم يعلم سبب موته، سواء كان عليه أثر الدم أم لا.
وخالف القفال في (الفتاوي) فقال: إذا لم يعلم هل قتل أو مات حتف أنفه ... فليس بشهيد.
وجزم الشيخان بخلافه، بل قال في (شرح المهذب): لا خلاف عليه.
أما لو أسر الكفار مسلمًا وقتلوه صبرًا ... ففي ثبوت حكم الشهادة له بترك الغسل والصلاة وجهان، أصحهما: لا.
قال: (فإن مات بعد انقضائه , أو في قتال البغاة ... فغير شهيد في الأظهر).
أما الأول ... فلأنه عاش بعد انقضاء الحرب، فأشبه ما إذا مات بسبب آخر.
والقول الثاني: نعم؛ لأنه مات بجرح وجد في الحرب فأشبه ما لو مات قبل انقضائه.
وقيل: إن مات عن قرب ... فشهيد، وإلا ... فلا.
وصورة المسألة: أن يقطع بموته من تلك الجراحة ويتصل ألمها بالموت، فإن انقضت الحرب وليس فيه إلا حركة مذبوح ... فشهيد قطعًا , وإن كان يتوقع البقاء ... فلا قطعا ً.
وأما المقتول من أهل العدل في قتال البغاة ... فلأنه قتيل مسلم فأشبه المقتول في غير القتال.
واحتجوا له بأن أسماء غسلت ابنها عبد الله بن الزبير ولم ينكر عليها أحد.
والقول الثاني: نعم كالمقتول في معركة الكفار.
стр. 997
وَكَذا ِفي القَتّال لا بِسَبَبِهِ عَلَى المُذَهَّب
ــ
واحتجوا له بأن عليًا لم يغسل من قتل معه، وأوصي عمار أن لا يغسل، وقد قيل: إن عليًا صلى عليه.
وإن كان المقتول من أهل البغي ... فليس بشهيد قطعًا.
قال: (وكذا في القتال لا يسببه علي المذهب) كما إذا مات فجأة أو بمرض، وقيل: قولان أصحهما ليس بشهيد.
ويغسل الصائل والمرجوم في الزنا والمقتول قصاصًا وولد الزنا، ويصلى عليهم بلا خلاف.
فائدة:
الشهداء ثلاثة أقسام:
شهيد في حكم الدنيا - في ترك الغسل والصلاة - وفي الآخرة، وهو: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
والثاني: شهيد في الدنيا دون الآخرة وهو من قاتل رياء وسمعة وقتل، والمقتول مدبرًا أو وقد غل من الغنيمة، فلا يغسل ولا يصلى عليه، وليس له من ثواب الشهيد الكامل في الآخرة
وقيل: إن الفار ليس بشهيد؛ لأن الفرار من الكبائر.
والثالث: شهيد في الأخرة فقط، وهم: المبطون والمطعون ومن قتله بطنه والغريق والحريق واللديغ وصاحب الهدم، والميت بذات الجنب أو محمومًا، ومن قتله مسلم أو ذمي، أو باغ في غير القتال، فهؤلاء شهداء في الآخرة لا في الدنيا، لأن عمر وعثمان رضى الله عنهما غسلا وهما شهيدان بالاتفاق.
стр. 998
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذلك الميت غريبًا، وطالب العلم إذا مات على طلبه، والمرأة تموت بسبب الولادة ومن عشق فعف ومات، فكل هؤلاء يغسلون ويصلى عليهم، وهم شهداء في الدار الآخرة، كذا قاله الرافعي وغيره.
وأما حديث: (المبطون شهيد)، (الغريق شهيد) ... فهما في (صحيح مسلم) (١٩٥١). وأما حديث: (الغريب شهيد) ... فرواه الدارقطني من رواية ابن عباس وصححه في (علله).
стр. 999
وَلُو اسْتَشْهَدَ جَنَّبَ ... فَالأَصَحّ: أَنَّهُ لا يُغَسِّل، وَأَنَّهُ تُزال نَجاستهُ غَيْر الدَمّ ....
ــ
وحديث: (الميت عشقًا شهيد) أعله ابن عدي والبيهقي والحاكم وغيرهم، وهو أحد ما أنكر علي سويد بن سعيد.
قال يحى بن معين: لو كان لي سيف وترس أو فرس ورومح .. لكنت أغزوه لذلك.
قال: (لو استشهد جنب .. فالأصح: أنه لا يغسل) أي: عن الجنابة، وكذلك منقطعة الحييض قبل الأغتسال؛ لعموم قوله ﷺ : (زملوهم في كلومهم) ولأنها طهارة عن حدث فقط حكمها بالشهادة كغسل الميت.
وعلى هذا: يكون الغسل حرامًا.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق وابن أبي هريرة -: يجب الغسل؛ لأن الشهادة إنما تؤثر في غسل وجب بالموت، وهذا الغسل كان واجبًا قبله، ولا خلاف أنه لا يغسل بينة غسل الموت، والخلاف إنما هو في غسل الجنابة.
واستدل لهذا الوجه بأن حنظلة بن الراهب قتل بأحد جنبًا فغسلته الملائكة. رواه ابن حبان (٧٠٢٦) والحاكم (٣/ ٢٠٤)، وفي (المستدرك) (٣/ ١٩٥) أيضًا: أن حمزة استشهد جنبًا فغسلته الملائكة، وقال: صحيح الإسناد.
وأجاب الأول بأنه لو وجب ... لما سقط إلا بفعلنا.
قال الأصحاب: ولا خلاف علي الوجهين أنه يصلى عليه، كذا في (الشرح) و (الروضة)، وفي (شرح المهذب) وجه شاذ: أنه يصلى علي كل شهيد، فيأتي هنا.
قال: (وأنه تزال نجاسته غير الدم) أي: وجوبًا، سواء لزم إزالتها إزالة دم الشهادة أم لا.
ومراده ب (الدم): دم الشهادة فلا يزال؛ لأنه أثر العبادة فيبقي.
стр. 1000
وَيُكَفِّنَ ِفي ثِيابهُ المُلَطَّخَة بِالدَمّ فَإِنَّ لِمَ بِكِن ثَوَّبَهُ سابِغا ... تَمَّمَ
: فَضْل
أُقِلّ القَبْر: حُفْرَة تَمْنَع الرائِحَة وَالسُبْع
ــ
والثاني: يحرم إزالتها؛ للنهي عن غسله.
والثالث: إن أدت إزالتها إلى إوالة أثر الشهادة ... لا تزال، وإلا ... أزيلت فالقاتل بهذا الوجه يجعل ذلك موكولًا إلى تحرى الغاسل وظنه.
قال: (ويكفن في ثيابه الملطخة بالدم)؛ لما روى أبو داوود (٣١٢٥) - بإسناد حسن - عن جابر ﵁ قال: (رمي رجل بسهم فمات، فأدرج في ثيابه كما هو ونحن مع رسول الله ﷺ .
وتكفينه فيها على جهة الاستحباب، فلو أراد الوارث أن يكفنه في غيرها ... جاز؛ لأنه لا يفوت بها تعظيم ولا يزول أثر الشهادة بخلاف الصلاة والغسل.
قال: (فإن لم يكن ثوبه سابغًا .. تمم) أي: يجب إتمام الكفن الواجب على ما سبق؛ لقصة مصعب بن عمير المتقدمة.
فإن كانت ثيابه سابغة ... اكتفي بها وكانت هي الكفن، وكلام الغزالي يقتضي: أن الكفن زائد عليها.
تتمة:
ينزع عن الشهيد الحديد والجلود والجبة المحشوة وما ليس من لباس العادة، ويدفن في بقية ثيابه وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: لا ينزع عنه شئ من ذلك.
لنا: ما روى أبو داوود (٣١٢٦): (أن النبي ﷺ أمر في قتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم).
قال: (وفصل: أقل القبر: حفرة تمنع الرائحة والسبع) تقدم أن الدفن فرض كفاية، وهو مما أكرم الله به الإنسان؛ لئلا يطرح كسائر السباع فتنهك حرمته ويتأذي الناس برائحته،
стр. 1001
وَيَنْدُب: أَن يُوَسِّع وَيُعْمِق قامَة وَبَسْطَة، وَاللَحْد أُفَضِّل مَن الشَقّ إِن صَلَّبَت الأَرْض،
ــ
قال الرافعي: والغرض من ذكر هذين المعنيين، إن كانا متلازمين، بيان فائدة الدفن، وإن لم يكونا متلازمين بيان أنه تجب رعايتها فلا يكفي أحدهما.
واحترز عما إذا وضع علي الأرض وجعل عليه حجارة ونحوها بحيث تكتم رائحته، والأصح على ما دل عليه كلام الرافعي في (باب قطع السرقة) ... أنه لا يكفي إذا لم يتعذر الحفر؛ لأن ذلك مع عدم التعذر لا يسمى دفنًا. وسيأتي حكم الفساقي عند قوله: (ولا يدفن اثنان في قبر إلا لضرورة).
و (السبع): واحد السباع.
قال: (ويندب: أن يوسع ويعمق)؛ لما روى أبو داوود (٣٢٠٧) والترمذي (١٧١٣) أن النبي ﷺ قال للأنصار يوم أحد: (أوسعوا وأعمقوا).
ويستحب أن يزاد في السعة من قبل رأسه ورجليه؛ لحديث فيه صحيح في (سنن أبي داوود) (٣٣٢٥) و (مسند أحمد) (٥/ ٤٠٨).
و (التوسعة): الزيادة في النزول، وهو بالعين المهملة.
قال: (قامة وبسطة)؛ لما روي ابن المنذر عن عمر ﵁ أنه أوصى بذلك ولم ينكره أحد، ولأنه أبلغ في المقصود. والزيادة عليه غير مأثور.
والمراد: قامة رجل معتدل يقوم ويبسط يديه مرفوعة، وقدر ذلك عند المصنف والجمهور: أربعة أذرع ونصف، وجزم المحاملي والرافعي بأنه ثلاثة ونصف، وعن الجويني: ثلاثة أذرع فقط.
قال: (واللحد أفضل من الشق إن صلبت الأرض): لما روى مسلم (٩٦٦) عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي مات فيه: (الحدوا لى لحدا ً، وانصبوا
стр. 1002
وَيُوضَع رَاسهُ عَنِدَ رَجَّلَ القَبْر، وَيَسُلّ مَن قَبِلَ رَاسهُ بِرِفَق، وَيَدْخُلهُ القَبْر الرِجال، ......
ــ
علي اللبن نصبًا، كما فعل برسول الله ﷺ .
وذلك أنه ﵊ لما مات ... كان بالمدينة أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وأبو طلحة يزيد بن سهل يلحد كأهل المدينة، فاختلفوا كيف يصنع بالنبي ﷺ ، فوجه العباس رجلين: أحدهما لأبي عبيدة، والآخر لأبي طلحة وقال: (اللهم؛ خر لنبيك) فحضر أبو طلحة فلحد له، رواه ابن ماجه (١٦٢٨) من راوية أنس بإسناد صحيح.
وروى أبو داوود (٣٢٠٠) والترمذي (١٠٤٥): أن النبي ﷺ قال: (اللحد لنا، والشق لغيرنا) لكنه ضعيف.
و (اللحد) بضم اللام وبفتحها والحاء ساكنة فيهما: الحفر من جانب القبر.
و (الشق) بفتح الشين المعجمة: أن يحفر في أرض القبر كالنهر ويبني جانباه، ويوضع الميت فيه، ثم يسقف عليه، ويرفع السقف قليلًا بحيث لا يمس الميت، وتسد شقوقه بقطع اللبن - قال الإمام الشافعي ﵁: ورأيتهم بمكة يضعون عليها الإذخر ثم يصبون عليها التراب - ويسمى الشق: ضريحًا.
فإن كانت الأرض رخوة ... فالشق أفضل؛ لتعذر اللحد من خشية الاهيار.
وقال المتولي: اللحد أفضل مطلقًا.
قال: (ويوضع رأسه عند رجل القبر، ويسل من قبل رأسه برفق)؛ لعمل المهاجرين والأنصار والذين من بعدهم في سالف الأعصار.
قال: (ويدخله القبر الرجال) رجلًا كان الميت أو المرأة؛ لأنهم أقوى ولا يخشي عليهم انكشاف العورة.
و (قد أمر النبي صلي الله عليه وسلم أبا طلحة أن ينزل في قبر إحدى بناته) رواه البخارى (١٢٨٥).
стр. 1003
وَأَوْلاهُم: الأَحَقّ بِالصَلاَة عَلِيّهُ. قَلَت: إِلّا أَن تَكُون امْرَأَة مزوجة فَأَوْلاهُم الزَوْج، وَاللّاه أَعْلَمَ. وَيَكُونُونَ وَتْرًا
ــ
ويتولي النساء حل ثيابهم في القبر، وحملها من المغتسل إلى الجنازة، وكذلك تسليمها لمن في القبر.
قال: (وأولاهم: الأحق بالصلاة عليه) أي: من حيث الدرجة والقرب، لا من حيث الصفات؛ لأن الأسن مقدم علي الأفقه في الصلاة، والأفقه مقدم علي الأسن في الدفن نص عليه واتفقوا عليه.
والمراد هنا ب (الأفقه) الأعلم بإدخال الميت القبر، لا أعلمهم بأحكام الشرع، فيدقم الأقرب فالأقرب.
قال: (قلت: إلا أن تكون امرأة مزوجة فأولاهم الزوج والله أعلم)؛ لأنه أحق بمباشرتها في الحياة.
وقيل: يقدم الأب.
وقيل: هما سواء.
وعلي الأول: بعد الزواج المحارم: الأب، ثم الجد، ثم العم، ثم عبيدها فهم أحق من بني العم إن قلنا: إنهم كالمحارم في النظر وهو الأصح، كذا قاله الشيخان وهو مشكل؛ لأنه تقدم أن الأصح: أن الأمة لا تغسل سيدها لانقطاع الملك، فالذي قالاه لا يأتي إلا على وجه ضعيف، وهو: تجويز النظر والغسل والخلوة؛ استصحابًا لما كان.
قال: (ويكونون وترًا)؛ لأن النبي ﷺ دفنه علي والعباس والفضل، صححه ابن حبان (٢٦٣٣)، وقيل: كانوا خمسة بزيادة قثم وشقران، ولأن ذا النجادين وهو عبد الله بن عبد نهم بن عفيف المزني لما توفي بتبوك نزل النبي ﷺ في القبر، وقال لأبي بكر وعمر: (أدنيا إلي أخاكما)، فلما وضعه على شقه في اللحد قال: (اللهم؛ إني قد أمسيت عنه راضيًا فارض عنه) قال ابن مسعود: ليتني كنت صاحب الحفرة.
стр. 1004
وَيُوضَع في اللَحْد عَلَى يَمِينهُ لِلقِبْلَة
ــ
قال: (ويوضع في اللحد علي يمينه) كما فعل برسول الله عليه وسلم، وهذا مندوب إليه كالأحياء , قال ﵊: (إذا أتيت مضجعك .. فتوضأ وضوءك للصلاة , ثم اضطجع على شقك الأيمن) متفق عليه (خ ٢٤٧ - م ٢٧١٠).
فلو وضع على يساره .... كره ولم ينبش.
وقضية كلام الإمام: أن ذلك حرام.
ولو حذف لفظة (في اللحد) ... كان أعم؛ لأنه يفعل به في الشق كذلك.
قال: (للقبلة) هذا محتم عند الجمهور، فيحرم أن يدفنوه إلى الكعبة كما تقدم أول الباب.
وفي وجه ضعيف: أن الاستقبال مستحب.
فرع:
ماتت كافرة وفي جوفها جنين مسلم ... جعل ظهرها إلى القبلة ليتوجه الجنين إليها. وأين تدفن هذة المرأة؟ فيه أربعة أوجه:
أحدها: في مقابر المسلمين؛ لما روى الدارقطني (٢/ ٧٥) والبيهقي (٤/ ٥٨) عن عمر ﵁ أنه أمر في ذمية ماتت وفي بطنها جنين مسلم بذلك.
стр. 1005
وَيَسْنُد وجهه إِلَى جِدارهُ، وَظَهَرَهُ بِلِبْنَة وَنَحْوها، وَيُسَدّ فَتَح اللَحْد بِلُبْن، وَيَحْثُو مَن دِننا ثَلاث حثيات تُراب،
ــ
والثاني: في مقابر المشركين، فتدفع إلى أهل ملتها ليلوا غسلها ودفنها وحكي عن النص.
والثالث: تدفن في طرف مقابر المسلمين.
والرابع - وهو الأصح -: أنها تدفن في غيرهما.
ولا يخفي أن المسألة مصورة بما إذا نفخ فيه الروح، فإن كان قبله .. دفنت كيف شاء أهلها؛ لأنه حينئذ لا يسمى جنينًا، ولا يجب دفنه فاستقباله أولى.
قال: (ويسند وجهه إلى جداره)؛ حتى لا ينكب.
قال: (وظهره بلبنة ونحوها)؛ لئلا يستلقي على قفاه.
قال: (ويسد فتح اللحد بلبن)؛ لأن ذلك تمام الدفن.
وفي (صحيح مسلم) (٩٦٦) عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: (انصبوا علي اللبن نصبًا).
و (قد نقل أن اللبنات التي وضعت في قبر النبي ﷺ تسع).
وتكون اللبنات قائمة، وتسد الفرج بقطع من اللبن، والشقوق بحشيش أو طين ونحوه.
قال: (ويحثو من دنا حيثيات تراب) أي: من تراب القبر، ويكون ذلك من قبل رأس الميت؛ لأن النبى ﷺ حثا من قبل رأس القبر ثلاثًا، رواه ابن ماجه (١٥٦٥) بإسناد جيد عن أبي هريرة، ورواه أبو داوود مرسلًا (سيل ٤٢٠).
وروي العقيلي (٤/ ٣٥٤) بإسناد ضعيف: (من حثا علي قبر مسلم أو مسلمة ... كتب الله له بكل ترابة حسنة).
ويستحب أن يحثو باليدين جميعًا، وأن يقول في الأولى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾
стр. 1006
ثُمَّ يُهال بِالمَساحِي، وَيَرُفّ القَبْر شِبْرا فَقَّطَ، وَالصَحِيح: أَن تَسْطِيحهُ أَوْلَى مَن تُسَمِّينَهُ
ــ
وفي الثانية: (وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ)، وفي الثالثة: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾
ول يحدوا الدنو من القبر، وكأنه راجع إلى العرف أو من هو على طرف القبر كما صرح به المتولي، وظاهر كلامه: إنه خاص بمن دنا من القبر.
لكن قال ابن الرفعة: إنه مستحب لكل من حضر.
يقال: حثا يحثو ثلاث حثيات وحثوات.
قال: (ثم يهال بالمساحي) أي: يصب؛ لأنه أسرع إلى الإكمال.
يقال: هاله وأهاله.
و (المساحي) بفتح الميم: جمع مسحاة - بكسرها -: كالمجرفة إلا أنها لا تكون إلا من حديد، والميم زائدة؛ لأنها من السحو وهو: الكشف والإزالة.
قال: (ويرفع القبر شبرًا فقط) أي: ندبًا؛ ليعرف فيزار ويحترم.
وروى ابن حبان (٦٦٣٥) عن جابر ﵁: (أن قبر النبي ﷺ كذلك).
واستثني الشيخان تبعًا للمتولي ما إذا مات مسلم ببلاد الكفار؛ فإن قبره لا يرفع؛ كيلا يتعرض له الكفار.
ويدل له قصة أبي أيوب الأنصاري ﵁.
وينبغي أن يلحق به ما إذا كان في موضع يخاف نبشه لسرقة كفنه.
ورفعه فوق شبر مكروه أو خلاف الأولى.
ويستحب أن يزاد على التراب الذي خرج منه.
قال: (والصحيح: أن تسطيحه أولى من تسمينه)؛ لما روى أبو داوود (٣٢١٢) والحاكم (١/ ٣٦٩) عن القاسم بن محمد بن أبي بكر: (أنه رأى قبر رسول الله ﷺ وقبر أبي بكر وعمر رضى الله عنهما لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء).
стр. 1007
وَلا يَدْفِن اثْنانِ ِفي قَبَرَ إِلّا لَضَرُورَة،
ــ
و (المشرف): المرتفع ارتفاعًا كثيرًا.
و (اللاطئ) بالهمز: اللاصق بالأرض.
ولا يعارضه ما رواه البخاري (١٣٩٠) عن سفيان التمار قال: (رأيت قبر رسول الله ﷺ مسنما؛ لأنه كان أولًا مسطحًا كما رواه القاسم، ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد بن عيد الملك - وقيل: في زمن عمر بن عبد العزيز - وأصلح ... جعل مسنمًا
والوجه الثاني - وهو قول ابن أبي هريرة -: الأفضل اليوم التسنيم دون التسطيح؛ لأنه صار شعار الروافض.
قال: (ولا يدفن اثنان في قبر إلا لضرورة) كما إذا كثر الموتي أو القتلي بطاعون أو هدم أو غيرهما وعسر إفراد كل ميت بقبر ... فيدفن الاثنان والثلاة في القبر كقتلى أحد؛ فإنه ﷺ أمر بجمع الأثنين والثلاثة في قبر لكثرة القتلي.
وعبارة الكتاب موافقة لـ (المحرر)، وفي بعض نسخ (المنهاج): (ويحرم)، ولفظ (الروضة) و (الشرح): والمستحب في حال الاختبار أن يدفن كل ميت في قبر، ولا يجمع بين الرجال والنساء إلا لتأكد الضرورة.
وعبارة الشرحين: ولا يجوز. وكذلك ظاهر عبارة (المهذب).
قال الشيخ: الذي تحرر أنها ثلاث مسائل:
إحداها: ابتداء دفن اثنين من نوع - كرجلين - أو امرأتين - فيكره بلا ضرورة.
الثانية: ابتداء دفن رجل وامرأة، والذي يظهر فيها التحريم في غير المحارم والسيد والزوج.
стр. 1008
فَيُقَدِّم أُفَضِّلهُما. وَلا يُجْلَس عَلَى القَبْر،
ــ
الثالثة: نبش ميت ليدفن معه آخر، فهذا حرام ما لم يبل جميع الأول بقول أهل الخبرة، فإن حفره فوجد فيه عظام ... طمه ولم يتم حفره، فإن رآها بعد إتمام الحفر ... جعلها في جنب القبرة ودفن الميت معاها.
قال: وأما الفساقي التي تعمل في هذا الزمان لجمع الموتى ... ففيه إدخال ميت على ميت وهو حرام؛ لما فيه من هتك الأول وظهور رائحته، فيجب إنكار ذلك بل في الاكتفاء به في الدفن الواجب نظر من وجهين:
أحدهما: أنها ليست علي هيئة الدفن المعهود شرعًا.
والثاني: أنها ليست معدة لكتم الرائحة.
قال: (فيقدم أفضلهما) إلى القبلة؛ لأن النبى ﷺ كان يسأل في قتلى أحد عن أكثرهم قرآنا فيقدمه إلى اللحد.
ولا يجمع بين الرجال والنساء إلا لتأكد الضرورة.
وقال ابن الصباغ: إذا كان بينهما زوجية أو محرمية ... فلا منع.
ويجعل بين الرجال والنساء حاجز من تراب، وكذا بين الرجلين والمرأتين على الصحيح.
ويقدم الأب علي الابن وإن كان الابن أفضل، وتقدم الأم علي البنت، ويقدم الابن علي الأم.
ويظهر أن الخنثى مع الخنثى كذكر مع أنثى.
قال: (ولا يجلس على القبر) أي: محترم لما روى مسلم (٩٧١) عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ : قال: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخلص إلي جلده خير له من أن يجلس على قبر).
وفيه أيضا ً (٩٧٢): (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها).
стр. 1009
وَلا يُوطَأ، وَيَقْرَب زائِرهُ كَقُرُبهُ مِنهُ حَيّا،
ــ
ومن العلماء من فسر الجلوس بالحدث وهو حرام بالإجماع، ومنهم من فسره بملازمة القعود عليه، ونص الشافعي على كراهة الجلوس.
ويكره - أيضًا - الاستناد والاتكاء عليه كما نقله في زوائد (الروضة) عن الأصحاب.
وجزم في آخر (كتاب الجنائز) من (شرح مسلم) و (رياض الصالحين) بتحريم ذلك.
قال: (ولا يوطأ): لنهي رسول الله عليه وسلم عن ذلك، كما صححه الترمذي (١٠٢٥).
أما إذا مضت مدة يتيقن فيها أنه لم يبق من الميت شيء ... فلا بأس أن ينتفع بالأرض؛ لأنه لم يبق له بعد البلى حرمة.
لكن يستثني ما إذا دعت الضرورة إلى الوطء، كما إذا كان لا يصل إلى قبر ميته إلا بوطء غيره فيسعه ذلك، وفي (الكافي): أنه يجوز وطوه لضرورة الدفن.
قال: (ويقرب زائره كقربه منه حيًا)؛ احترامًا له وفي (رياض الصالحين): ولا يستلم القبر بيده ولا يقبله، ويسلم عليه من جهة وجهه، فإذا دعا ... استقبل القبلة.
وقال الخراسانيون: يستحب استقبال وجه الميت حالة الدعاء أيضًا.
فرع:
إذا مات إنسان في سفينة .... وجب على من فيها غسله وتكفينه والصلاة عليه، ثم إن كان الساحل قريبًا .... حمل إليه ودفن، وإن كان بعيدًا .... شدوه بين لوحين؛ لئلا ينتفخ، وألقوه في البحر؛ ليلقيه البحر إلي الساحل لعله يقع إلى قوم يدفنوه، فإن كان أهل الساحل كفارًا ... ثقل بشيء ليرسب.
стр. 1010
وَالتَعْزِيَة سُنَّة قَبِلَ دَفَنَهُ،
ــ
قال المصنف: العجب من الرافعي - مع جلالة قدره - كيف حكي هذه المسألة على هذا الوجه؟ وكأنه قلد فيها صاحب (المهذب) والمستظهري، وهو خلاف النص، وإنما هو مذهب المزني؛ لأن الإمام الشافعي ﵁ قال: يلقى بين لوحين ليقذفه البحر. قال المزني: هذا محله إذا كان أهل الساحل مسلمين، فإن كانوا كفارًا .. ثقل بشيء ليرسب إلى القرار.
وقال الأصحاب: الذي قاله الإمام الشافعي أولى.
وقال أحمد: يثقل ويلقى في البحر مطلقًا حتى يحصل في قعره.
قال: (والتعزية سنة)؛ لقوله ﷺ : (من عزى أخاه بمصيبة ... كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة) رواه الترمذي وفيه (١٠٧٣)، وفي (سنن ابن ماجه) (١٦٠٢) من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (من عزى مصابًا ... فله مثل أجره) قال الترمذي: غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث علي بن عاصم، قال: وروي أيضًا موقوفًا، قال: ويقال: أكثر ما ابتلي به علي بن عاصم بهذا الحديث نقموا عليه. وكذلك قال البيهقي، وفي (سننه) (٤/ ٥٩): (أن النبي ﷺ عزى رجلًا في ولد له مات).
و (التعزية): التصبر، وعزيته: أمرته بالصبر، والعزاء بالمد: الصبر.
قال الشاعر (من المتقارب):
إذا النائبات (من المتقارب):
إذا النائبات بلغن النهي .... وكادت بهن تذوب المهج
وجل البلاء وقل العزا .... فعند التناهي يكون الفرج
قال: (قبل دفنه)؛ لأنه وقت شدة الجزع، فقد قال ﷺ : (إنما الصبر عند الصدمة الاولي).
стр. 1011
وَبِعَدّهُ ثَلاثَة أَيّام. وَيَعْزِي المُسَلَّم بِالمُسَلَّم: (أَعْظَمَ اللّاه أَجْركِ، وَأَحْسَنَ عَزاءكِ، وَغَفَرَ لَمَيِّتكَ
ــ
قال الرافعي: وتأخيرها إلى ما بعد الدفن حسن.
قال: (وبعده ثلاثة أيام)؛ لأن الغالب أن الحزن بعدها يسكن، فيكره حينئذ لأنه يجدد الحزن.
وابتداؤها من الدفن قاله في (شرح المهذب)، وقيل: من الموت قاله الماوردي وصححه في (الكافي)، والثلاث تقريب.
هذا إذا كان المعزي والمعزي حاضرين، فإن كانا غائبين .. فإنها تستحب ولو بعد ثلاث.
وقال الشيخ محب الدين الصبري: تعزية الغائب عند قدومه. وهل يختص بحالة الحضور أو تشرع الثلاث؟ لم أر فيه نقلا ً , والظاهر: مشروعية الثلاث بعد الحضور؛ لما روي أن أبا بكر ﵁ لما قدم مكة بعد وفاة رسول الله ﷺ بأشهر جاءه أهل مكة يعزونه.
وقيل: لا أمد للتعزية.
وقال أبو حنيفة: يعزى قبل الدفن لا بعده.
والمستحب أن يعزى أهل البيت الكبير والصغير، الرجال والنساء، لكن لا يعزي الشابة إلا محرم لها.
قال: (ويعزى المسلم بالمسلم: (أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك)؛ لأن ذلك لائق بالحال.
стр. 1012
وَبِالكافِر: (أَعْظَمَ اللّاه أَجْركِ وَصَبَّرَكَ)، وَالكافِر بِالمُسَلَّم: (غَفْر اللّاه لَمَيِّتكَ وَأَحْسَننَ عَزاءكِ
ــ
ويستحب أن يبدأ قبله بما ورد من تعزية الخضر أهل بيت رسول الله ﷺ : إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فاتت، فبالله فتقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب.
وري الحاكم (٣/ ٢٧٣) عن معاذ أنه مات له ابن، فكتب إليه رسول الله ﷺ يعزيه عليه:
(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا من مواهب الله الهينة، وهواريه المستردة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كبير، الصلاة والرحمة والهدى إن احتسبته، فاصبر ولا يحبط جزعك أجرك فتندم، واعلم أن الجزع لا يرد شيئًا، ولا يدفع حزنًا، وما هو نازل فكأن قد والسلام) ثم قال: حديث غريب حسن إلا أن فيه مجاشع بن عمرو وليس من شرط هذا الكتاب.
ولما دفن معاوية وجلس ابنه في الملك .... دخل عليه عطاء بن أبي صيفي الثقفي فقال: يا أمير المؤمنين؛ أصبحت قد رزنت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، وقد قضى معاوية نحبه، فغفر الله ذنبه، وقد أعطيت بعده الرئاسة، ووليت السياسة، فاحتسب عند الله أعظم الرزية، واشكره على أفضل العطية.
قال: (وبالكفار) كما يعزي المسلم بالكافر الذمي (أعظم الله أجرك وصبرك)، وفي (مختصر المزني): (وأخلف عليك)؛ لأنه لائق بالحال. ولا يقال له: غفر الله لميتك؛ لأن الاستغفار للكافر حرام.
قال: (والكافر بالمسلم: (غفر الله لميتك، وأحسن عزاءك))، وإنما قدم ههنا الدعاء الميت؛ تقديما للمسلم، وهو أحسن مما صنعه صاحب (التنبيه).
وينبغي في هذين القسمين أن يقتصر على الجواز، ولا يستحب إلا إذا رجي إسلام الكافر المعزي.
стр. 1013
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويقال في تعزية الدمي بالذمي: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك.
وعلل الأصحاب ذلك بأن فيه نفعا ً للمسلمين في الدنيا بتكثير الجزية، وفي الآخرة بالفداء من النار.
وتظهر فائدة العلتين إذا كان الميت حربيًا: فإن قلنا: العلة تكثر الجزية .... لا يعزي بذلك، وإن قلنا: الفداء من النار .... عزي بذلك ..... وليست مسألة الحربي منقولة.
واختار في (شرح المهذب): ترك ذلك؛ لأنه دعاء ببقاء الكافر ودوام كفره.
فائدة:
قال أهل اللغة وغيرهم: يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو شئ يستعاض: (أخلف الله عليك) أي: رد عليك مثل ما ذهب، فإن كان قد هلك له والد أو عم أو أخ يقال: (خلف الله عليك) - بغير ألف - أي: كان الله خليفة والدك - أو من فقدته - عليك.
غريبة:
قال الحسن البصري: من الأدب أن لا يعزى الرجل في زوجته.
وروي: أن عبيد بن زياد سأل أبا بكة نفيع بن الحارث عن موت الأهل ....
فقال: موت الأب قاصمة الظهر، وموت الولد صدع في الفؤاد، وموت الأخ قص الجناح، وموت الزوجة حزن ساعة.
ولما عزي النبي ﷺ في ابنته رقية .... قال: (الحمد لله دفن البنات المكرمات) رواه العسكري في (الأمثال) عن ابن عباس، وابن عدي (٢/ ٢٧٨) في ترجمة حميد بن حماد بن أبي الخوار التميمي الكوفي قال: وهو ثقة يحدث عن الثقات، عن مسعر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.
стр. 1014
وَيُجَوِّز البَكّاء عَلِيّهُ قَبِلَ المَوْت وَبِعَدّهُ،
ــ
فروع:
يكره الجلوس للتعزية، قيل: وأول من جلس لها عبد الله بن المبارك لما ماتت أخته .... دخل عليه بعض جيرانه فقال: حق علي العاقل أن يفعل في أولل يوم ما يفعله الجاهل بعد ثلاث! فأمر عبد الله بطي البساط وترك التعذية.
وقال ابن الفركاح: لا كراهة في الجلوس لها؛ لأن النبي ﷺ لما جاءه نعي زيد وجعفر وابن رواحه ...... جلس يعرف في وجهه الحزن.
قال الإمام الشافعي ﵁: وأكره المأتم - وهي: الجماعة - وإن لم يكن لهم بكاء؛ فإن ذلك يكلف الحزن ويجدد المؤنة.
ويكره الأكل من طعام المأتم.
قال: (ويجوز البكاء عليه قبل الموت) بالإجماع؛ ففي (الصحيحين) (خ ١٣٠٣ - م ٢٣١٥) أن النبي ﷺ حين كان إبراهيم يجود بنفسه جعله في حجره وعيناه تذرفان، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله تبكي! أو لم تنه عن البكاء؟ فقال: (يا ابن عوف؛ إنها رحمة) ثم أتبعها بأخري وقال: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون). وعاد ﷺ سعد بن عباده فبكى وقال: (إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم) وأشار إلى لسانه، رواه مسلم (٩٢٤).
قال: (وبعده)؛ لما روى مسلم (٩٧٦): (أن النبي ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله).
وفي (الشرح) و (الروضة) و (الشامل) وغيرها: أنه بعد الموت مكروه، وكلام بعضهم قد يفهم التحريم.
стр. 1015
وَيَحْرِم النَدْب بِتَعْدِيد شَمائِلهُ، وَالنَوْح،
ــ
ونقل في (شرح المهذب) عن الجمهور: أنه بعد الموت خلاف الأولى.
قال الشيخ: وينبغي أن يقال: إن كان البكاء لرقة على الميت وما يخشى عليه من عذاب الله وأهوال يوم القيامة .... فلا يكره خلاف الأولى، وإن كان للجزع وعدم التسليم للقضاء ... فيكره أو يحرم.
وأما إذا غلب البكاء .... فلا يوصف بكراهة، لكن الأولى أن لا يبكي بخضرة المحتضر.
و (البكاء): يمد وبقتصر، إذا مددت: أردت الصوت الذي مع البكاء، وإذا قصرت: أردت الدموع وخروجها.
قال كعب بن مالك (من الوافر):
بكت عيني وحق لها بكاها .... وما يغني البكاء ولا العويل
ووهم الجوهري في نسبته لحسان.
قال: (ويحرم الندب بتعديد شمائله) يقال الميت؛ أي: بكاء وعدد محاسنه، يندبه ندبًا، والاسم: الندبة وذلك كقولهم: يا قاتل الأقران! يا حامي الديار! يا كفاه! يا جبلاه!
و (الشمائل) جمع شمال علي وزن هلال وكتاب وهو: ما اتصف به الشخص من الطباع كالكرم والبخل والشجاعة والجبن وغير ذلك.
روى البخاري (٤٢٦٨) عن النعمان بن بشير أنه قال: (أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكي: واجبلاه! واكذا واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ فلما مات لم تبك عليه).
قال: (والنوح) وهو: رفع الصوت بذلك، إنه كلام منظوم يشبه الشعر.
وأطلق القاضي أبو الطيب وابن الصباغ عليهما الكراهة.
стр. 1016
وَالجُزْع بِضَرْب صَدْرهُ وَنَحْوهُ
ــ
والصحيح: أنهما محرمان؛ لأن النبي ﷺ لعن النائحة والتي تجاوبها، وفي (الصحيحين) (خ ٤٨٩٢ - م ٩٣٦) عن أم عطية ﵂ قالت: (نهانا رسول الله ﷺ عن النياحة)، وقال ﷺ : (النائحة إذا لم تنب قبل موتها .... تقام يوم القيامة وعليها سريال من قطرات ودرع من جرب) رواه مسلم (٩٣٤).
(السربال): القميص. وكنى به عثمان عن الخلافة في قوله: (لا أخلع سربالًا سربلينه الله).
و (درع المرأة): قميصها.
و (الجرب) بئر تعلو أبدان الناس.
قال: (والجزع بضرب صدره ونحوه) كنشر الشعر وشق الجيب وتسويد الوجه وإلقاء التراب أو الرماد علي الرأس، وكل واحد من هذه الأشياء حرام بمفرده؛ لقوله ﷺ : (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) متفق عليه (خ ١٢٩٤ - م ١٠٣)، ولأن ذلك يشبه التظلم من الظالم، وهو عدل من الله . ومتى حصل شئ من هذة الأشياء .. فإثمه على فاعله خاصة؛ لقوله تعالي: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
وما أحسن قول شيخنا الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمة الله (من الطويل):
ولو جاز فرط الحزن لم يستفد به .... فما بالنا لا نستفيد ونأثم
وأما ما ورد في (الصحيح) (خ ١٢٨٨ - م ٩٢٨) عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) أو قال: (ببعض بكاء الحي) .... فمحمول عند الجمهور على ما إذا أوصى به كقول طرفه (ديوانه ١١٨ من الطويل):
إذا مت فانعيني بما أنا أهله .... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
стр. 1017
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال لبيد (ديوانه ٧٣ - ٧٤ من الطويل):
فقوما وقولا بالذي قد عرفتما .... ولا تخشما وجهًا ولا تحلقا شعر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما .... ومن يبك حولًا فقد اعتذر
قال الرافعي: ولك أن تقول ذنب الميت يحمل على الحرام والأمر به، فوجب أن لا يختلف عذابه بالامتثال وعدمه.
وقيل: المراد ب (العذاب): التألم قال محمد بن جرير والقاضي عياض، وقيل: التوبيخ، وقيل: مخصوص بالميت الكافر قاله الشيخ أبو حماد؛ لقول عائشة ﵂: رحم الله (ابن) عمر ما كذب ولكن أخطأ ونسي إنما مر النبي ﷺ على يهودية وهم يبكون عليها فقال: إنهم يبكون وإنها لتعذب ببكاء أهلها)، وقيل: إذا ندبوه بشيء من المحرمات.
قال المصنف: وأجمعوا على أن المراد بالبكاء هنا: إذا اقترن به ارتفاع صوت ونياحة، لا مجرد دمع العين.
وتكره المرائي.
فروع:
لا يكره المشي علي المقابر بالنعلين علي المشهور؛ لقوله ﷺ :
стр. 1018
قَلَت: هاذِهِ مَسائِل مَنْثُورَة: يُبادِر بِقَضاء دَيِّن المَيِّت
ــ
(إنه ليسمع خفق نعالهم).
وما ورد من الأمر بإلقاء النعلين السبتيتين في (أبي داوود) (٣٢٢٢) و (النسائي) (٤/ ٩٦) بإسناد حسن يحتمل أن يكون: لأنهما من لباس المترفين، أو أنه كان فيهما نجاسة.
و (النعال البيتة) بكسر السين: المدبوغة بالقرظ.
ويستحب خفض الصوت في السير بالجنازة ومعها , وأن لا يشتغل المشيع بشيء عن التفكير فيما هو لاقيه وصائر إليه، قال سعد بن معاذ: ثلاثة أشياء قويت عليها: ما مشيت في جنازة قط إلا وكنت مفكرًا فيما يقال لها وما به تجيب، ولا صليت صلاة فحدثت فيها نفسي بشيء من أمور الدنيا، ولا بلغتني سنة عن النبي ﷺ إلا عملت بها.
واتباع النساء الجنائز قيل: حرام، والصحيح في زوائد (الروضة): أنه مكروه.
ويستحب لمن مرت به جنازة أن يدعو لها، وأن يثني عليها خيرًا إن كان أهلًا، وأن يقول: سبحان الحي الذي لا يموت أو سبحان الملك القدوس.
قال: (قلت: هذه مسائل منثورة:
يبادر بقضاء دين الميت)؛ لقوله ﷺ : (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) رواه الإمام الشافعي ﵁ (أم / ٢٧٩) والترمذي (١٠٧٩) وابن ماجه (٢٤١٣) والحاكم (٢/ ٢٦) وابن حبان (٢٠٦٦).وليكن ذلك قبل تجهيزه. فإن لم يكن في التركة جنسه بأن كانت عقارًا ونحوه .... قال الإمام الشافعي ﵁ وأبو حامد: يسأل وليه غرماءه أن يحللوه ويحتالوا به عليه، وفيه إشكال لا يخفي. قال المصنف: فيحتمل أنهم رأوا هذه الحواله مبرئة هنا للحاجة والمصلحة.
وقال القاضي أبو الطيب: يتوصل إلى أن يحيل غرماء الميت على من للميت عليه دين وهذا أقرب.
стр. 1019
وَوَصَّيتُهُ، وَيَكْرَهُ تُمَنِّي المَوْت لَضَرَّ نَزْل بِهِ لا لُفتُنَّهُ دَيِّن
ــ
وقال الماوردي: إنما تكون الذمة بدينه إذا لم يخلف تركه يتعلق بها الدين. ويدل له ما روى أبو داوود (٢٣٣٥) عن أبي موسي الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى الله تعالى عنها: أن يموت رجل عليه دين لم يدع له قضاء).
قال: (ووصيته)؛ مسارعة إلى وصول الثواب له البر، وذلك مندوب بل واجب عند طلب الموصى له المعين، وكذا عند التمكن في الوصية للفقراء ونحوهم من ذوي الحاجات.
قال: (ويكره تمني الموت لضر نزل به)؛ لما روى البخارى (٥٦٧١) عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان ولا بد فاعلًا .... فليقل: (اللهم؛ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لى، وتوفني ما كانت خيرًا لي).
قال: (لا الفتنة دين) كما إذا فسد الزمان، فحينذ لا يكره بل قال المصنف في (الفتاوى) التي له غير مشهورة: إنه في هذه الحالة يستحب، وحكي ذلك عن أبي ملسم الخولاني وهمر بن عبد العزيز وغيرهما.
قال الشيخ: والأحسن في هذه الحالة الدعاء بما في الحديث فإنه يحصل به المقصود، والله تعالي هو العالم بحقائق الأمور وعواقبها.
وأما التمني لغرض أخروي كتمني الشهادة في سبيل الله ... فمحبوب, وقد قال عمر ﵁: (اللهم؛ إنه رق عظمي - أي: ضعف - وانتشرت رعيتي، فتوفني غير مقصر ولا عاجز). قال أصبغ: سمعت أشهب يحدث أن عمر بن عبد العزيز كان لا يبلغه شيء عن عمر بن الخطاب ﵁ إلا أحب أن يعمل به، حتى بلغه أن عمر ﵁ دعا على نفسه بالموت فدعا به، فما لبث جمعة حتى مات. وصح عن معاذ أنه تمناه في طاعون عمواس.
стр. 1020
وَيُسِنّ التَداوِي،
ــ
وقال ابن عباس ﵄: (ما تمني نبي الموت إلا يوسف ﵊.
والجواب: أنه إنما تمني الوفاة علي الإسلام لا الموت، ولهذا كان نبينا ﷺ يقول في دعائه: (وإذا أردت بالناس فتنة ... فاقبضني إليك غير مفتون). وقال ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل علي القبر فيقول: يا ليتني مكانه؛ لما يرى من الفتن).
هذا في غير من بشر بالجنة، أما المبشر بها ... فيحب الموت ويهواه ويتمناه؛ فقد كان علي ﵁ يقول: (لا أبالي سقط الموت علي أو سقطت عليه)، وكان حذيفة ﵁ يتمني الموت، فلما احتضر قال: (حبيب جاء على فاقة، لا أفلح اليوم من ندم) يعني: علي التمني، وقال عمار ﵁ بصفين: (اليوم ألقى الأحبة، محمدًا وحزبه)، وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحن إليه.
قال: (ويسن التداوي)؛ لقوله ﷺ : (تداووا؛ فإن الله تعالى لم يضع داء إلا له دواء غير الهرم) رواه الأربعة، وقال الترمذي: حسن
следующие страницы →