Полный текст (5 377 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَكَذَا – فِي اَلْجَدِيِد – حَلْقَهُ دُبُرِهِ، لاَ فَرْجُ بَهِيمَةٍ. وَيَنْقُضُ فَرْجُ اَلْمَيْتِ وَاَلصَّغِيرِ، وَمَحَلُّ اَلْجَبَّ
ــ
قال: (وكذا – في الجديد – حلقة دبره) أي: دبر الآدمي قياساً على القبل؛ لأنه في معناه، كما أن الأمة في معنى العبد في قوله: من أعتق شركاً له في عبد. ولأن اسم الفرج في الحديث يشمله.
والقديم: لا ينقض؛ لأن النص إنما ورد في القبل.
والمراد بـ (حلقة الدبر): ملتقى المنفذ.
وفهم من عبارته: أنه لا ينقض مس العانة والأنثيين والأليتين، وما بين القبل والدبر، وهو كذلك.
و (الحلقة) بإسكان اللام على المشهور، وكذلك حلقة الحديد والعلم.
قال: (لا فرج بهيمة)، فلا ينقض، كما لا يجب ستره، ولا يحرم النظر إليه.
وعن القديم: ينقض مس المشقوق منه؛ لأن الغسل يلزم بالإيلاج فيه، فنقض كفرج المرأة.
والطير كالبهيمة، كما نقله في (شرح المهذب) عن الدارمي وأقره.
أما دبر البهيمة .. فلا ينقض قطعاً. وسميت بهيمة؛ لأنها لا تتكلم.
قال: (وينقض فرج الميت)؛ لبقاء الاسم، وشمول الحرمة.
قال: (والصغير) ولو كان ابن يوم، سواء مس قلفته التي تزول بالختان أو غيرهما؛ لعموم ما تقدم.
قال: (ومحل الجب)؛ لأنه محل خروج الخارج، وخصه القاضي بالثقبة.
وقال الرافعي: لا يختص بها، بل يجري في المحل كله.
وأطلق المصنف الخلاف هنا، ومحله: إن لم يبق شاخص، فإن بقي شيء .. نقض قطعاً.
стр. 107
وَاَلذَّكَرُ اَلأَشَلُّ، وَبِاَلْيَدِ اَلشَّلاَءِ فِي اَلأَصَحَّ، وَلاَ يَنْقُضُ رَاسُ اَلأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهَا. وَيَحْرُمُ بِاَلْحَدَثِ: اَلصَّلاَةُ،
ــ
قال: (والذكر الأشل، وباليد الشلاء في الأصح)؛ لعموم الأدلة، والخلاف عائد إلى المسائل الخمس، ومقابله: لا ينقض لخروج ذلك عن مظنة الشهوة.
فلو كان له كفان عاملان .. انتقض بكل واحد منهما، وإن كانت إحداهما عاملة .. نقضت دون الأخرى، كذا في (الروضة)، وصحح في (التحقيق) عكسه.
وهل يعرف عمل الذكر بالبول أو الجماع؟ وجهان في (جنايات) (الروضة)، وقوة كلام (المهمات) تقتضي ترجيح الأول.
و (الشلل): يبس في العضو، يقال: شلت يده تشل بالفتح وأشلها الله.
وسيأتي في (الأطعمة) خلاف فيه: هل هو موت العضو أو فساده؟
قال: (ولا ينقض رأس الأصابع وما بينها)؛ لخروجها عن سمت الكف.
وقيل: ينقضان؛ لأنهما من جنس بشرة الكف.
وقيل: ينقض رأسها دون ما بينها.
وإنما ألحق حرف الكف هنا بالظاهر وحرف الخف بباطن الرجل؛ رجوعاً للأصل في الموضعين.
وتنقض الإصبع الزائدة على سمت الكف دون غيرها على الأصح فيها.
قال: (ويحرم بالحدث: الصلاة) فرضها ونفلها، عيناً وكفاية؛ لقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾، تقديره: إذا قمتم محدثين.
وفي (الصحيحين) [خ ١٣٥ – م ٢٢٥]: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ).
وفي (الترمذي) [١]: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور)، قال: وهو أصح شيء في الباب، وهو إجماع في ذات الركوع، وسجود التلاوة والشكر.
قال ابن الصلاح: وما يفعله عوام الفقراء من السجود بين يدي المشايخ محدثين ..
стр. 108
واَلطَّوَافُ، وَحَمْلُ اَلْمُصْحَفِ، وَمَسُّ وَرَقِهِ،
ــ
فهو من العظائم، ولو كانوا بطهارة وإلى القبلة، وأخشى أن يكون كفراً.
وخطبة الجمعة في معناها، وصلاة الجنازة كغيرها.
وفي (الأحوذي): أن الشافعي أجاز صلاتها بلا طهارة، وهذا لا يعرف عن الشافعي، إنما يحكى عن الشعبي وابن جرير.
قال: (والطواف) فرضه ونفله، في ضمن نسك وغيره؛ لقول ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أحل فيه الكلام، فمن تكلم .. فلا يتكلم إلا بخير) رواه الحاكم [١/ ٤٥٩] عن ابن عباس، وقال: صحيح الإسناد.
وقال المصنف: الصحيح وقفه عليه.
وصح: أنه ﷺ توضأ لطوافه وقال: (خذوا عني مناسككم)، وقال لعائشة ﵂ لما حاضت: (افعلي كل شيء غير أن لا تطوفي بالبيت).
وقيل: يصح طواف الوداع بلا طهارة. ووقع في (الكفاية): نقله في طواف القدوم، وهو وهم.
قال: (وحمل المصحف، ومس ورقه)؛ لإخلاله بالتعظيم، والحمل بذلك أولى، بخلاف المحرم حيث حرم عليه مس الطيب دون حمله؛ لأن تحريم مسه للالتذاذ وهو مفقود في الحمل.
وروى الدارقطني [١/ ١٢٢] والحاكم [٣/ ٤٨٥] وابن حبان عن حكيم بن حزام: أن النبي ﷺ قال: (لا يحمل القرآن ولا يمسه إلا طاهر).
وقال الله تعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ﴾. والقرآن لا يمس، فعلم أن المراد: الكتاب، وهو أقرب مذكور، ولا يتوجه النهي إلى اللوح المحفوظ؛ لأنه غير ممكن.
стр. 109
وَكَذَا جِلْدُهُ عَلَى اَلصَّحِيحِ، وَخَرِيطَةٌ وَصُنْدُوقٌ فِيهِمَا مُصْحَفٌ،
ــ
ولا يجوز أن يراد بالمطهرين: الملائكة؛ لأنه نفى وأثبت فكأنه قال: يمسه المطهرون لا غيرهم، والسماء ليس فيها غير المطهرين، فعلم أنه أراد الآدميين.
فإن قيل: المراد بالآية الإخبار؛ لأنه ضم السين، ولو أراد النهي .. لفتحها وقال: لا يمسه.
قيل: لفظها خبر، ومعناها النهي؛ كقوله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾.
ولأنه لو كان خبراً .. للزم الخلف؛ فإن من ليس بمتطهر يمسه، ولا فرق بين أعضاء الوضوء، وغيرها وإن قلنا: الحدث لا يحلها.
وفي (التتمة) وجه: أنه لا يحرم إلا مس موضع الكتابة، ويجوز مس الحواشي وما بين الأسطر.
وفي وجه حكاه ابن الصلاح عن صاحب (التقريب): أنه يجوز مطلقاً.
ويجوز مس التوراة والإنجيل وما نسخت تلاوته من القرآن على الأصح.
وعنها احترز المصنف بلفظ (المصحف)، وهو مثلث الميم.
قال: (وكذا جلده على الصحيح)؛ لأنه كالجزء منه، ولهذا يدخل في بيعه.
والثاني: يجوز؛ لأنه ليس جزءاً متصلاً به حقيقة.
قال: (وخريطة وصندوق فيهما مصحف)، فيحرم مسهما على الأصح؛ لأنهما متخذان له منسوبان إليه، فإذا اشتملا عليه .. منع المحدث منهما تعظيماً.
و (العلاقة) كالخريطة، وهي: وعاء كالكيس من أدم وغيره.
ووجه الجواز: أن الأدلة وردت في المصحف، وهذه خارجة عنه.
وأفهمت عبارته الجواز في الخريطة والصندوق المنفصلين وهو كذلك، ولو حمل الصندوق وفيه المصحف .. منع اتفاقاً، وكذلك يحرم تحويله من موضع إلى موضع.
فإن قيل: تحلية الصندوق ممتنعة بلا خلاف وإن جوزنا تحلية المصحف .. فالجواب: أن ذلك فعل احتياطاً في الموضعين.
стр. 110
وَمَا كُتِبَ لِدَرْسِ قُرْآنٍ كَلَوْحٍ فِي اَلأَصَحَّ، وَاَلأَصَحُّ: حِلُّ حَمْلِهِ فِي أَمْتِعَةٍ، وَتَفْسِيرٍ
ــ
و (الصندوق) بضم الصاد وفتحها معرب.
قال: (وما كتب لدرس قرآن كلوح في الأصح)؛ لأن القرآن أثبت فيه للدراسة فأشبه المصحف.
والثاني: لا؛ لأنه لا يقصد به الدوام، قال ابن الرفعة: وبهذا الوجه قطع الأكثرون.
قال: (والأصح: حل حمله في أمتعة)؛ لأنه لما لم يكن هو المقصود .. لم يحصل الإخلال بتعظيمه، فإن كان المصحف هو المقصود .. حرم.
والثاني: لا يحل له؛ لأنه ممنوع منه عند الانفراد، فمنع تبعاً كحامل النجاسة في الصلاة.
وينبغي أن ينظر في حامل حامل المصحف هل يجوز؟ والظاهر: نعم. وفي الأمتعة: هل من شرطها أن تكون ثلاثة أشياء فأكثر، أو يكفي اقل من ذلك؟ وعبارة (الحاوي): إذا حمله مع قماش. والظاهر: أن المراد الجنس.
و (الأمتعة) جمع متاع، وهو: المال والأثاث، وجمع الجمع: أماتع.
قال: (وتفسير) سواء تميزت ألفاظه بلون أم لا.
وصورة المسألة: أن يكون التفسير أكثر، فلو كان القرآن فيه أكثر .. حرم قطعاً، وكذلك الحكم في كتب الفقه، والثوب المطرز بآيات من القرآن، والحيطان المنقوشة به؛ لأنه لا يصدق عليها اسم المصحف.
ومقتضى كلام المصنف تسليم الجواز عند التساوي، وهو قياس المذكور في الحرير وغيره، ولهذا يجوز هدم الجدار، ويجوز أكل ما كتب عليه آيات، وشرب الآيات الممحوة بالماء في الأصح.
стр. 111
وَدَنَانِيرَ، لاَ قَلْبِ وَرَقِهِ بِعُودٍ،
ــ
واختار المصنف: أنه لا يكره حمل الحروز التي كتب فيها شيء من القرآن، إذا جعل عليها شمع أو جلد ونحوه.
واعترض على المصنف في قوله: (وتفسير)؛ لأنه معطوف على الضمير المجرور في (حمله) بدن إعادة الجار. والجمهور على منعه، وقد أجازه بعضهم كقوله تعالى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ﴾. فكان الأحسن أن يقول: وحمل تفسير.
مهمة:
الصواب: أنه لا يجوز إحراق الخشب الذي كتب عليه القرآن كما قاله في (الباب التاسع) من (التبيان)، وما وقع له في (الباب السابع) – منه – وفي (شرح المهذب) و (الروضة) و (التحقيق) من الكراهة .. خلاف الصواب.
قال: (ودنانير)، وكذا الدراهم التي كتب عليها شيء من القرآن كسورة الإخلاص وغيرها، وكذلك الخواتيم التي كتب عليها ذلك؛ لأن النبي ﷺ كتب كتاباً إلى هرقل وفيه: ﴿تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ﴾ الآية، ولم يأمر حامله بالمحافظة على الطهارة، ولأنه لم يقصد بإثباته فيها قراءته.
و (الدنانير): جمع دينار، وأصله دنار بالتشديد، فأبدلت من أحد حرفي تضعيفه ياء.
قال: (لا قلب ورقه بعود) هو بالجر، أي: لا حل قلب ورقه بعود؛ لأنه حمل للورقة؛ لأنها إنما انقلبت بحمله.
واحترز بـ (القلب بالعود) عما لو لف كمه على يده وقلب الأوراق .. فإنه يحرم جزماً خلافاً لأحمد.
стр. 112
وَأَنَّ اَلصَّبِيَّ اَلْمُحْدِثَ لاَ يُمْنَعُ. قُلْتُ: اَلأَصَحُّ: حِلُّ قَلْبِ وَرَقِهِ بِعُودٍ، وَبِهِ قَطَعَ اَلْعِرَاقِيُّونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
ــ
وشذ الدرامي فحكى فيه خلافاً للأصحاب.
قال: (وأن الصبي المحدث لا يمنع) لا من المس ولا من الحمل، لا في المصحف ولا في الألواح؛ لأن تكليفهم استحصاب الطهارة تعظيم فيه المشقة.
والثاني: يجب على الوالي أو المعلم منعه منه كالصلاة محدثاً.
وفي (الكفاية) وجه: أنه يمنع من المصحف دون الألواح.
والخلاف في المميز المتعلم، أما غيره .. فلا يجوز للولي تمكينه، ومحله: فيما يتعلق بالدراسة، فإن كان لا لغرض، أو لغرض آخر .. حرما.
و (الصبي): الغلام من لدن يولد إلى أن يبلغ، والجمع: صبيان وصبوان وصبية وصبوة، وتصغير صبية أصيبية.
قال: (قلت: الأصح: حل قلب ورقه بعود، وبه قطع العراقيون والله أعلم)؛ لأنه غير ماس له ولا حامل.
فروع:
يحرم السفر بالمصحف إلى بلاد الكفار.
وفي (فتاوى الحناطي): لا يجوز جعل الذهب والفضة في كاغد كتب فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فإن فعل ذلك مع العلم بالمنع .. أثم.
وقال الشيخ عز الدين: القيام للمصحف بدعة لم يعهد في الصدر الأول.
وفي (فتاوى المصنف): أنه مستحب كما يستحب القيام للفضلاء والعلماء.
ويجوز للمحدث مس الأحاديث، لكن الأولى أن يتطهر.
وتكره كتابة القرآن على الحيطان، وتحرم كتابته بشيء نجس، ومسه بعضو نجس.
ولو خاف على المصحف من حرق أو غرق أو كافر، ولم يتمكن من الطهارة ..
стр. 113
وَمَنْ تَيَقَّنَ طُهْراً أَوْ حَدَثاً وَشَكَّ فِي ضِدَّهِ .. عَمِلَ بِيَقيِنِه،
ــ
وجب حمله مع الحدث للضرورة؛ لأن حمله حينئذ من تعظيمه، ويلزمه التيمم لذلك إن أمكنه على الصحيح.
وفي (فتاوى الشاشي): إذا أراد الغائط وخاف إذا وضع المصحف من يده أن يأخذه غاصب .. فإن يتغوط وهو معه.
ويحرم توسد المصحف وغيره من كتب العلم.
ويندب كيف المصحف وتحسين خطه ونقطه وشكله.
وأما أخذ الفأل منه .. فجزم ابن العربي والطرطوشي والقرافي المالكيون بتحريمه، وأباحه ابن بطة من الحنابلة، ومقتضى مذهبنا: كراهته.
قال: (ومن تيقن طهراً أو حدثاً وشك في ضده) أي: في وجود ضده (.. عمل بيقينه) أما الثانية .. فبالإجماع، وأما الأولى .. فخلافاً لمالك؛ فإنه أوجب الوضوء إذا وقع الشك قبل الدخول في الصلاة.
لنا قوله ﷺ : (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً، فأشكل عليه: خرج منه أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) رواه مسلم [٣٦٢].
فإذا ظن المحدث أنه تطهر، أو المتطهر أنه أحدث .. لم يعمل بظنه بل بالأصل، فيكون محدثاً في الأولى، متطهراً في الثانية، كذا قاله الجمهور.
وقال الرافعي: ظن الحدث لا يرتفع بيقين الطهر، وأما ظن الطهارة .. فيرتفع بيقين الحدث، وتبعه عليه صاحب (الحاوي الصغير).
وقد صرح الغزالي في (الوسيط) بخلافه عند الكلام في معاملة من أكثر ماله حرام.
قال ابن الرفعة: وهذا الموضع غلط في (الرافعي)؛ فإن أحداً لم يفرق بين المسألتين.
وفي وجه: يفرق بين أن يقع الشك في الصلاة أو خارجها، فيؤثر إذا كان خارج الصلاة ولا يؤثر فيها، وهو ضعيف.
стр. 114
فَلَوْ تَيَقَّنَهُمَا وَجَهِلَ اَلسَّابِقَ .. فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا فِي اَلأَصَحَّ.
ــ
فإن قيل: من نام غير قاعد .. فقد تيقن الطهر وشك في الحدث، فينبغي أن لا ينتقض وضوءه.
قلنا: هذا مستثنى لما تقدم من أنه مظنة للحدث، لا نفس الحدث.
والمراد بالشك هاهنا وفي معظم أبواب الفقه: مطلق التردد بين الشيئين، سواء كانا على السواء، أو أحدهما أرجح، وهو اصطلاح المتقدمين والفقهاء.
قال صاحب (التلخيص): لا يرتفع اليقين بالشك إلا في أربع مسائل:
إذا شكلوا في انقضاء وقت الجمعة .. صلوا ظهراً.
وإذا شك في انقضاء مدة المسح .. بنى على انقضائها.
وإذا شك هل وصل إلى وطنه؟ وإذا شك هل نوى الإتمام؟ يلزمه الإتمام فيهما.
والأصحاب قالوا: إن جميع ذلك رجوع إلى الأصل؛ فإن هذه الرخص منوطة بشرط، فإذا شككنا فيه .. رجعنا إلى الأصل، وهو: عدم الترخص.
قال: (فلو تيقنهما وجهل السابق .. فضد ما قبلهما في الأصح).
المراد: إذا تيقن أنه بعد طلوع الشمس مثلاً وجد منه حدث وطهارة، ولم يدر أيهما سبق .. فيؤمر بالتذكر، فإن تذكر أنه كان قبل طلوع الشمس متطهراً .. فهو الآن محدث، وإن كان محدثاً .. فهو الآن متطهر؛ لأن ما قبل الشمس إن كان طهارة .. فقد أحدث بعدها، وإن كان حدثاً .. فقد تطهر بعده، فما قبل الشمس ارتفع بيقين، وهو يشك في زوال الرافع له، ولا يزال اليقين بالشك، كمن عليه ألف درهم ديناً، فأقام بينة بالبراءة، فأقام المستحق بينة على إقراره بألف مطلق، فإنا نقدم بينة البراءة؛ لأنا تيقنا أنها وردت على دين واجب فأزالته ونحن نشك: هل اشتغلت ذمته بدين آخر بعد البراءة أو لا؟ فلا يزال يقين البراءة بالشك.
والوجه الثاني: يكون حكمه وفق ما قبلهما لتعارضهما، وهو غلط صريح لتحقيق ارتفاعه.
والثالث: يعمل بما ظنه فإن تساويا فمحدث.
стр. 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والرابع: يلزمه الوضوء بكل حال وهو الأصح المختار في شرحي (المهذب) و (الوسيط)، واختاره الشيخ لقول القاضي أبي الطيب: إنه قول عامة الأصحاب، ورجحه الدارمي، وجزم بن ابن كج، واختاره الشيخ أبو حامد وجماعة منهم ابن الصلاح وقرره تقريراً حسناً، وضعف المرجح في الكتاب.
وحيث أمرناه بالتذكر فلم يتذكر شيئاً .. لزمه الوضوء لتعارض الاحتمالين من غير ترجيح، ولم يتعرض المصنف لهذا القسم.
ولو علم قبلهما حدثاً وطهارة وجهل أسبقهما .. اعتبر ما قبل هذين وأخذ به، قاله في (البحر)، فيأخذ بالمثل في هذه الحالة.
ومن نظائر المسألة: إذا أحرم بالعمرة، ثم أحرم بالحج وشك: هل أحرم قبل الطواف؟ فيصح حجه، أو بعده؟ فلا يصح، ففي (الحاوي) الأظهر: الصحة.
ومنها: إذا أحرم وتزوج وشك: هل سبق التزوج الإحرام؟ فيصح، أو لا؟ فيبطل .. فالمنصوص: الصحة.
تتمة:
أطلق المصنف المسألة تبعاً لـ (المحرر) والجمهور، والذي في (الروضة) و (أصلها) و (التحقيق) وفاقاً للمتولي: إن كان قبلهما محدثاً .. أخذ بالضد مطلقاً، وإن كان قبلهما متطهراً .. فإنما يأخذ بالضد إذا كان ممن يعتاد تجديد الوضوء، وإلا فيأخذ بالمثل فيكون الآن متطهراً أيضاً.
* * *
стр. 116
فَصْلٌ:
يُقَدَّمُ دَاخِلُ اَلْخَلاَءِ يَسَارَهُ، وَاَلْخَارِجُ يَمِينَهُ،
ــ
قال: (فصل):
عبر في (الروضة) عن هذا بـ (باب الاستنجاء)، وفي (التنبيه) بـ (باب الاستطابة)، وهو طلب طيب النفس بإخراج الأذى.
قال: (يقدم داخل الخلاء يساره، والخارج يمينه)؛ لأن اليسار للدنيء واليمين لغيره، وكذلك الحمام ومكان الظلم والصاغة، وعكسها المسجد.
وهذا الأدب لا يختص بالبنيان عند الأكثرين، بل يقدم اليسرى إذا بلغ موضع جلوسه من الصحراء، فإذا فرغ .. قدم اليمنى.
قال ابن الرفعة: تقديم اليمنى إذا فرغ ظاهر، وأما تقديم اليسرى إلى موضع الجلوس .. ففيه نظر؛ لمساواته لما قبله قبل قضاء الحاجة.
وقد يجاب بأنه لما عينه للبول .. صار دنيئاً كالخلاء الجديد قبل قضاء الحاجة فيه.
و (الخلاء) بالمد: موضع قضاء الحاجة، وأصله المكان الخالي، ثم نقل إلى موضع قضاء الحاجة.
قال الترمذي الحكيم: سمي بذلك باسم شيطان فيه يقال له: خلاء، وأورد فيه حديثاً، وقيل: لأنه يتخلى فيه، أي: يتبرز، وجمعه: أخلية كرداء وأردية، ويسمى المذهب والمرفق والكنيف والمرحاض.
و (اليسار) فتح يائه أفصح من كسرها خلافاً لابن دريد.
ويندب أن لا يدخل حاسر الرأس، بل يستره ولو بكمه تخوفاً من الجن، وكذا يندب أن لا يدخل حافياً.
стр. 117
وَلاَ يَحْمِلُ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى، وَيَعْتَمِدُ جَالِساً يَسَارَهُ،
ــ
قال: (ولا يحمل ذكر الله تعالى)، أي: ما عليه ذكر الله تعالى تعظيماً له عن مكان القاذورات، ولأن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء .. نزع خاتمه، صححه الحاكم [١/ ١٨٧] والترمذي [١٧٤٦] وابن حبان [١٤١٣]، وضعفه أبو داوود [٢٠] والنسائي [٨/ ١٧٨].
وقالوا: إنما نزعه؛ لأنه كان عليه محمد رسول الله، كما في (الصحيح).
قال ابن حبان: وكانت ثلاثة اسطر محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، وكانت تقرأ من أسفلها ليكون اسم الله فوق الجميع.
وألحق الغزالي اسم رسول الله ﷺ باسم الله في ذلك.
وقال ابن الصلاح: لم يوجد هذا لغيره، وقد وافقه الرافعي، فيحتمل أنه وجده لغيره.
وكلام الإمام يشعر به؛ لأنه ألحق به كل اسم معظم، فيدخل فيه أسماء الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
أما لو كان اسم الإنسان محمداً، فهل يلتحق باسم النبي ﷺ ؟ فيه نظر.
لكن في جواز وسم نعم الصدقة ما يقتضي إباحة ذلك؛ لأن المقصود التمييز.
فلو نسي حتى جلس لقضاء الحاجة .. جعله في كفه وضمها عليه، أو في عمامته.
فإن تختم في يساره بذلك .. حوله في الاستنجاء تنزيهاً له عن النجاسة.
وفي (محاسن الشريعة): إشارة إلى تحريم بقائه في اليسرى.
قال: (ويعتمد جالساً يساره)؛ تكريماً لليمنى، ولأنه أسهل لخروج الخارج، واستأنسوا له بحديث ضعيف عن سراقة بن مالك قال: (علمنا رسول الله صلى الله
стр. 118
وَلاَ يَسْتَقْبِلُ اَلْقِبْلَةَ وَلاَ يَسْتَدْبِرُهَا، وَيَحْرُمَانِ بِاَلصَّحْرَاءِ،
ــ
عليه وسلم إذا أتينا الخلاء .. أن نتوكأ على اليسرى وننصب اليمنى).
وكيفية ذلك: أن يضع أصابع القديم اليمنى على الأرض ويرفع الساق، وكذلك في البول، إلا أنه إذا بال قائماً .. فرج رجليه، ففي (صحيح ابن حبان) [١٤٢٤]: (أن النبي ﷺ فعل ذلك).
قال البندنيجي: ويضم إحدى الفخذين على الأخرى، ولا يطيل القعود؛ لقول لقمان: إنه تتجع منه الكبد، ويحدث منه البواسير، فإن أطال .. كره.
قال: (ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها)؛ لما روى البخاري [٣٩٤] عن أبي أيوب عبد الله بن زيد الأنصاري: أن النبي ﷺ قال: (إذا أتيتم الغائط .. فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا).
والمختار: أن ذلك في البنيان خلاف الأولى لا مكروه، كل هذا إذا لم يكن عليه مشقة في التحول، فإن كان .. لم يكن ذلك مكروهاً، ولا خلاف الأولى.
ولا كراهة في استقبالها واستدبارها في حالة الاستنجاء، ولا في إخراج الريح.
قال: (ويحرمان بالصحراء) جمعاً بين الأحاديث؛ لأن ابن عمر قال: (رقيت يوماً على بيت حفصة، فرأيت النبي ﷺ يقضى حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة)، متفق عليه [خ ١٤٥ – م ٢٦٦].
وسبب المنع في الصحراء أن جهة القبلة معظمة، فوجب صيانتها في الصحراء، ورخص فيها في البنيان؛ للمشقة.
وإنما يجوز في البنيان بشرطين:
أن لا يزيد ما بينه وبين الجدار على ثلاثة أذرع.
стр. 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأن يكون الجدار مرتفعاً قدر مؤخرة الرحل، والدابة ونحوها في الستر كالجدار.
ويحصل الستر بكل ما يعد ساتراً، كحجر ودابة ووهدة وشجرة، وإرخاء الذيل على الأصح.
قال البغوي: وينبغي أن تكون السترة فوق سترة المصلي حتى تستر أسافل بدنه، وبهذا أجاب المصنف في (شرح مسلم).
والأصح: أنه يكفي قدر ثلثي ذراع في الموضعين.
ويستثنى من التحريم في الصحراء أن يكون بحيث تهب الريح عن يمينه أو يساره، فإنهما لا يحرمان حينئذ للضرورة، صرح به القفال في (الفتاوى).
وإذا أراد قضاء الحاجة في الصحراء، ولم يعرف عين الكعبة .. فالمتجه: وجوب الاجتهاد عليه.
تتمة:
صرح المتولي والرافعي في أواخر (التذنيب) بكراهة الاستقبال والاستدبار في البنيان، وكلام (الشرح) يشعر به، واختار في (شرح المهذب) و (مسلم) عدمها.
وإذا لم يكن له بد من الاستقبال أو الاستدبار في الصحراء .. استدبر لفحش الاستقبال، كما يجب ستر القبل إذا قدر على ستر أحد سوأتيه كما سيأتي.
والمراد هنا بالقبلة: المعهودة الآن لتخرج صخرة بيت المقدس؛ فإنه لا يحرم، بل يكره عند عدم الساتر.
وفي (شرح الوسيط) وجه: أن ذلك يحرم.
стр. 120
وَيَبْعُدُ، وَيَسْتَتِرُ،
ــ
ويكره استقبال الشمس والقمر دون استدبارهما، كما وقع في (الروضة) و (شرح المهذب).
وقال في (شرح الوسيط): إن ترك استقبالهما واستدبارهما سواء.
وفي (التحقيق): أن كراهة استقبالهما لا أصل لها.
قال: (ويبعد) أي: إذا كان في الصحراء وهناك غيره، بحيث لا يسمع للخارج منه صوت، ولا يشم له ريح؛ لما صح عنه ﷺ : (أنه كان إذا ذهب إلى الغائط .. أبعد).
وعن جابر: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز .. انطلق حتى لا يراه أحد) رواه ابن النجار في ترجمة محمد بن محمد بن علي.
وروى ابن السني في (سننه الصحاح) [١/ ١٧ – ١٨]، وأبو يعلى الموصلي في (مسنده) [٥٦٢٦] عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ كان بمكة إذا أراد قضاء الحاجة .. خرج إلى المغمس)، قال نافع: وهو على نحو ميلين من مكة.
قال: (ويستتر)؛ لقوله ﷺ : (من أتى الغائط .. فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل .. فليستتر به؛ فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل هذا .. فقد أحسن، ومن لا .. فلا حرج) رواه أبو داوود [٣٦]، وصححه ابن حبان [١٤١٠].
ويندب أن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.
قال ابن الرفعة: فيه نظر، لان الصحيح أن كشف العورة في الخلوة لا يجوز من غير حاجة، وقبل دنوه من الأرض لا حاجة به إلى الكشف. على أن المصنف في (شرح التنبيه) خرج ذلك على الخلاف المذكور.
стр. 121
وَلاَ يَبُولُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ،
ــ
قال: (ولا يبول في ماء راكد) قليلاً كان أو كثيراً؛ لأنه ﷺ نهى عن ذلك، رواه مسلم [٢٨١]. والغائط أفحش م البول. وفي الليل أشد كراهة؛ لما قيل: إن الجن بالليل تأوي إليه، فيخشى من آفة تصيبه من جهتهم.
وأما الجاري: فإن كان كثيراً .. لم يحرم والأولى اجتنابه، وإن كان قليلاً .. كره.
وينبغي أن يحرم البول في القليل مطلقاً؛ لأنه ينجسه ويتلفه على نفسه وعلى غيره، وفي المسألة اضطراب للمصنف.
ويكره البول بقرب النهر لما سيأتي قريباً.
ويكره الغسل في الماء الجاري ليلاً، والبول على ما منع من الاستنجاء به لحرمته.
فروع:
لا بأس بالبول في إناء، ويحرم فيه في المسجد، ويحرم على القبور المحترمة، ويكره بقربها، ويكره أن يبول قائماً بلا عذر أو يتغوط؛ لما روى ابن ماجه [٣٠٨] وابن حبان [١٤٢٣] والبيهقي [١/ ١٠٢] عن عمر: أنه قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا أبول قائماً فقال: (يا عمر؛ لا تبل قائماً)، قال: فما بلت بعد قائماً.
وفي (الترمذي) [١٢] و (النسائي) [١/ ٢٦] و (ابن ماجه) [٣٠٧] بإسناد حسن عن عائشة قالت: (من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً .. فلا تصدقوه)، لكن في (الصحيحين) [خ ٢٢٤ – م ٢٧٣] عن حذيفة بن اليمان: (أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً).
و (السباطة): الموضع الذي ترمى فيه القمامة والأوساخ.
قيل: فعل ذلك؛ لأنه لم يجد موضعاً غيره.
وقيل: لمرض منعه من القعود.
стр. 122
وَجُحْرٍ، وَمَهَبَّ رِيحٍ،
ــ
وقيل: للتداوي من وجع الصلب؛ لأنهم كانوا يتداوون به.
وفيه: أن مدافعة البول مكروهة؛ لأنه بال على البساطة قائماً ولم يؤخره.
وفي (الإحياء) عن الأطباء: أن بولة في الحمام في الشتاء قائماً خير من شربة دواء.
قال: (وجحر)؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه، رواه أبو داوود [٣٠] والترمذي وأحمد [٥/ ٨٢] والحاكم [١/ ١٨٦] عن قتادة عن عبد الله بن سرجس قالوا لقتادة: لم يكره ذلك؟ فقال: لأنها مساكن الجن، ولأنه ربما كان هناك بعض الهوام فيخرج فينجسه.
وفي (مستدرك الحاكم) [٣/ ٢٥٣] عن [ابن] عون عن محمد: أن سعد بن عبادة أتى سباطة قوم فبال قائماً، فقالت الجن في ذلك [مجزوء الرمل]:
نحن قتلنا سيد الـ .... ـخزرج سعد بن عبادة
ورميناه بسهميـ .... ـن فلم نخطئ فؤاده
وفي (الشامل) وغيره: أن سبب موته أنه بال في جحر، وهو – بضم الجيم وسكون الحاء – الثقب المستدير النازل، وجمعه: جحرة كخرج وخرجة، وألحق بالجحر السرب وهو المستطيل.
قال المصنف: وينبغي تحريم ذلك؛ للنهي الصريح، إلا أن يعد لذلك، فلا حظر ولا كراهة.
قال: (ومهب ريح)؛ لئلا يعود عليه الرشاش، ولا بأس باستدبارها؛ لأن النبي ﷺ كان يتمخر الريح، أي: ينظر أين مجراها، فلا يستقبله، كذا استدل به الرافعي، وهو غريب، لكن روى ابن أبي حاتم في (علله) [١/ ٣٧]: (أن النبي ﷺ كان يكره البول في الهواء).
стр. 123
وَمُتَحَدَّثٍ، وَطَرِيقٍ،
ــ
وظاهر عبارة المصنف اجتنابها حال هبوبها وسكونها؛ لأنها قد تهب بعد شروعه في البول فترده عليه، وهو نظير ما عللوا به الكراهة في الجحر.
قال: (ومتحدث) أي: الذي جرت عادة الناس بالتحدث فيه؛ لما فيه من الأذى.
و (المتحدث) بفتح الدال: موضع الحديث، ويسمى النادي، وفي معناه: كل موضع يقصد لظل أو حر أو برد أو لمعيشة، أو لمقيل مسافر ومبيته وحو ذلك، إلا أمكنة المكس فإنها أسوأ حالاً من الأخلية.
قال: (وطريق)؛ لحديث: (اتقوا اللعانين)، قال: وما اللعانان يا رسول الله؟ فقال: (الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم) رواه مسلم [٢٦٩].
وفي رواية لابن منده: (في طريق المسلمين ومجالسهم).
وفي (أبي داوود) [٢٧]: (اتقوا الملاعن الثلاث، البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل).
والمراد بـ (الموارد): طريق الماء، وبـ (الطريق): المسلوك، وأما الطريق المهجور .. فلا منع فيه.
وفي (البيهقي) [١/ ٩٨] عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (من سل سخيمته على طريق عامر من طرق المسلمين .. فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).
و (السخيمة): الغائط.
واتفق الأصحاب على أن هذا النهي للتنزيه.
стр. 124
وَتَحْتَ مُثْمِرَةٍ، وَلاَ يَتَكَلَّمُ،
ــ
وقال المصنف: ينبغي أن يكون حراماً؛ للنهي الصريح والإيذاء القبيح، وسبقه إلى هذا البغوي في (شرح السنة).
وحكى الرافعي في (كتاب الشهادات) عن صاحب (العدة) تحريم التغوط في الطريق. وعن الخطابي: تحريمه في الظل، وهذا في الصواب،؛ لأن الشافعي نص على تحريم التعريس على قارعة الطريق، وليس فيه إلا إرشاد المسافر إلى مصلحته وصونه عما عساه يطرقه من الهوام ونحوها، فالتخلي في الطريق أولى بالتحريم مع ما فيه من القبح والأذى، وجلب اللعن، والنهي الشديد.
قال: (وتحت مثمرة) أي: شجرة من شأنها أن تثمر، سواء كانت مملوكة أو مباحة؛ لئلا تنجس ثمارها إذا سقطت، فتفسد أو تعافها الأنفس.
وروى العقيلي [٣/ ٤٥٨] بسند فيه فرات بن السائب وهو ضعيف: (أن النبي ﷺ نهى أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة).
ولا فرق بين البول والغائط، لكن الكراهة عند عدم الثمرة أخف.
وفي (الشرح الصغير): أنها في الغائط أخف من البول؛ لأنه يرى فيجتنب، أما غير المثمرة .. فلا، إلا أن يكون ظلاً أو مناخاً أو غيرهما مما سبق، وإنما لم يقولوا بالتحريم؛ لعدم تيقن التنجيس.
قال: (ولا يتكلم)؛ لما روى أبو داوود [١٥] عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان؛ فإن الله يمقت على ذلك).
و (المقت): أشد البغض، ولم يفض إلى التحريم كما لم يفض إليه في قوله ﷺ : (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)، إلا أن يقال: ذلك اقترن به ما صرفه عن التحريم وهو قوله: (الحلال).
стр. 125
وَلاَ يَسْتَنْجِيِ بِمَاءِ فِي مَجْلِسِهِ، وَيَسْتَبْرَئُ مِنَ اَلْبَوْلِ.
ــ
وفي معنى الكلام: رد السلام، وتشميت العاطس، والتحميد بعد عطاسه، وموافقة المؤذن، فإن حمد العاطس في نفسه .. فلا بأس.
وأما قراءة القرآن .. ففي كلام ابن كج: أنها لا تجوز وهو الظاهر، لكن قضية إطلاق غيره .. الكراهة.
ويستثنى موضع الضرورة، كما إذا رأى طفلا أو أعمى يقع في بئر، أو حية تقصد إنساناً .. لم يكره إنذاره بل يجب.
قال: (ولا يستنجي بماء في مجلسه)؛ لئلا يلحقه الرشاش، وقد روى أحمد [٥/ ٥٦] وأصحاب السنن عن عبد الله بن مغفل – بالغين المعجمة وبالفاء المشددة -: أن النبي ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه؛ فإن عامة الوسواس منه)، هذا إذا لم يكن مسلك يذهب فيه البول، كالأخلية المعدة لذلك.
واحترز بـ (الماء) عن المستنجى بغيره، فلا يندب له الانتقال.
ويستحب أن يبدأ في الاستنجاء بالماء بالقبل، وبغيره بالدبر.
قال: (ويستبرئ من البول) أي: يستفرغ منه؛ لما روى الشيخان [خ ٢١٨ – م ٢٩٢] عن ابن عباس: أن النبي ﷺ مر بقبرين .. فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كثير، أما أحدهما .. فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر .. فكان يمشي النميمة)، وفي رواية: (لا يستبرئ)، وفي أخرى: (لا يستنزه).
ويحصل ذلك بالتنحنح، وإمرار بعض الأصابع على مجامع عروق الذكر ونتره ثلاثاً، وبالمشي عقب البول، وأكثره فيما قيل: سبعون خطوة، وذلك يختلف باختلاف الناس وكل أعرف بطبعه.
стр. 126
وَيَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ: (بِاَسْمِ اَللهِ،
ــ
وأصل الاستبراء واجب، ولكن الكيفيات المذكورة فيه مستحبة استحباباً مؤكداً، لاسيما إن كان مستنجياً بغير الماء؛ فإنه يقال: إن الماء يقطع البول.
وقد صح التحذير من عدم التنزه من البول، وأن عامة عذاب القبر منه.
والمقصود: أن يظن أنه لم يبق في مجرى البول شيء منه.
ويكره حشو الذكر بقطنة ونحوها.
قال: (ويقول عند دخوله) أي: عند إرادة الدخول؛ لأن (عند) معناها: حضور الشيء ودنوه، وفي عينها ثلاث لغات وهي ظرف في الزمان والمكان، إلا أنها ظرف غير متمكن؛ لا تقول: عندك واسع بالرفع، وقد أدخلوا عليه من حرف الجر (من) وحدها، كما أدخلوا على (لدن) قال الله تعالى: ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾، وقال: ﴿مِن لَّدُنَّا﴾.
ولا يقال: مضيت إلى عندك، ولا إلى لدنك.
قال: ((باسم الله)) أي: أبدأ باسم الله، أو أتحصن من الشياطين باسم الله.
وفي (سنن ابن ماجه) [٢٩٧] و (الترمذي) [٦٠٦] عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنيف .. أن يقولوا: باسم الله).
و (الستر): بكسر السين.
وقدمت البسملة هنا على الاستعاذة، بخلاف التعوذ في الصلاة والقراءة؛ لأن التعوذ هناك للقراءة والبسملة من القرآن، فقدم التعوذ عليها بخلاف هذا.
ولفظة (باسم الله) تكتب بالألف، فإن أضيف إليه (الرحمن الرحيم) .. حذفت لكثرة الاستعمال، حكاه جماعة منهم المصنف في (باب الأضاحي) من (شرح مسلم).
стр. 127
اَللَّهُمَّ؛ إِنَّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ اَلْخُبُثِ وَاَلْخَبَائِثِ)، وَخُرُوجِهِ: (غُفْرَانَكَ، اَلْحَمْدُ للهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّي اَلأَذَى وَعَافَانِي) ...
ــ
قال: ((اللهم؛ إني أعوذ بك من الخبث والخبائث))؛ لأنه ﷺ كان يقوله، متفق عليه [خ ١٤٢ – و ٣٧٥].
و (الخبث) بضم الباء وإسكانها جمع خبيث، وهم: ذكور الشياطين.
و (الخبائث) جمع خبيثة، وهن: إناثهم.
وقيل: بالإسكان: الشر، وقيل: الكفر، و (الخبائث): المعاصي.
ولا فرق في ذلك بين الصحراء والبنيان.
قال: (وخروجه: (غفرانك)) بنصب النون، أي: أسألك غفرانك، أو اغفر غفرانك.
روى أبو داوود [٣١] والترمذي [٧] وغيرهما عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط .. قال ذلك.
و (الغفران): الستر.
وفي معنى تعقيب الخروج بالاستغفار قولان:
أحدهما: أنه يسأله المسامحة لترك الذكر في تلك الحالة.
والثاني: معناه طلب استمرار نعمائه عليه، بتسهيل خروج الأذى، وأن لا يحبسه؛ لئلا يفضى إلى شهرته وانكشافه.
وقال القاضي حسين والمحاملي والشيخ نصر وسليم: يستحب تكرار (غفرانك) مرتين.
قال: ((الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني))، كذا رواه ابن ماجه [٣٠١] عنه ﷺ .
و (الأذى): لفظ جامع لأشياء تؤذي؛ لأنه قذر منتن، ومن سبيل مكروه.
و (العافية): دفاع الله عن العبد، فمعنى عافاني: أي من احتباسه، أو من نزول الأمعاء معه.
стр. 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي حديث أبي بكر ﵁: (سلوا الله العفو والعافية والمعافاة).
فـ (العفو): محو الذنوب.
و (العافية): السلامة من الأسقام والبلايا، وهي الصحة وضدها المرض.
و (المعافاة): أن يعافيك الله من الناس، ويعافيهم منك، أي: يغنيك عنهم ويغنيهم عنك، ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم.
وقال الشيخ محب الدين الطبري: يستحب تكرار هذا الذكر ثلاثاً.
وفي مصنفي (ابن أبي شيبة) [١/ ١٢] و (عبد الرزاق): أن نوحاً ﵇ كان يقول: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عني أذاه.
وكان ﷺ إذا أكل .. قال: الحمد لله، وإذا شرب .. قال: الحمد لله، وإذا ركب .. قال: الحمد لله، وإذا اكتسى .. قال: الحمد لله، وإذا احتذى .. قال: الحمد لله، فوصفه الله بالشكر فقال تعالى: ﴿إنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.
تتمة:
من الآداب: أن يتطلب موضعاً ليناً، فإن كانت الأرض صلبة .. حكها بشيء أو ضربها برجله حتى تلين؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك، رواه أبو داوود [٣].
وأن يعد النبل؛ لما روى أحمد [٦/ ١٣٣] وأبو داوود [٤١] والنسائي [١/ ٤١] والدارقطني [١/ ٥٤] عن عائشة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إذا
стр. 129
وَيَجِبُ اَلِاسْتِنْجَاءُ
ــ
ذهب أحدكم إلى الغائط .. فليذهب معه بثلاثة أحجار).
وأن لا يبصق على الخارج منه، ولا ينظر إليه، ولا إلى فرجه.
وأغرب الماوردي فحكى في (باب ستر العورة) وجهاً: أنه يحرم أن ينظر إلى فرج نفسه بلا حاجة.
وأن لا يدخل الخلاء حافياً، ولا مكشوف الرأس، ولا يأكل ولا يشرب، ولا ينظر إلى السماء ولا يلتفت، ولا يعبث بيده ولا يستاك؛ فإن ذلك يورث النسيان.
ونقل في (البحر) عن بعض الأصحاب: أنه يكره أن يقال: أهرقت الماء؛ لقوله ﷺ : (لا يقل أحدكم: أهرقت الماء، ولكن ليقل: بلت). والحديث رأيته مسنداً في (تاريخ ابن النجار) وغيره.
قال: (ويجب الاستنجاء)؛ لقوله ﷺ : (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم: إذا أتيتم الغائط .. فلا يستقبل أحدكم القبلة ولا يستدبرها، ولا يستنجي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها روث ولا رمة ولا عظم) رواه ابن خزيمة [١/ ٤٤].
وروى الشافعي [شم/١٣] وغيره: (وليستنج بثلاثة أحجار).
وأصله من نجوت الشجرة وأنجيتها، أي: قطعتها، كأنه يقطع الأذى عنه.
وقيل: من النجوة وهي: المرتفع من الأرض؛ لأنه يستتر عن الناس بنجوة.
ويلحق بالبول والغائط الرطوبات النجسة الخارجة من السبيلين.
وضابط ما يستنجى منه: كل عين ملوثة خارجة من أحد السبيلين أو ما قام مقامهما.
стр. 130
بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ،
ــ
وأبعد المزني حيث صار إلى عدم وجوبه، قياساً على عدم وجوب إزالة الأثر الباقي بعد الاستجمار.
ويرد عليه ﷺ : (تنزهوا من البول).
قال: (بماء أو حجر)؛ للحديث السابق.
وروى أحمد في (مسنده) [٣/ ١٧]: (أن النبي ﷺ كان يستنجي بالماء)، والماء أولى؛ لأنه يزيل العين والأثر، ويشترط فيه أن يكون طهوراً.
والمراد بـ (الحجر): الجنس، ويجزئ الحجر مع وجود الماء، خلافاً لابن حبيب من المالكية.
ولا يجب الاستنجاء على الفور، بل يجوز تأخيره عن الوضوء في الأصح، بشرط أن لا يمس شيئاً ناقضاً.
والأفضل تقديمه على الوضوء؛ اقتداء برسول الله ﷺ ، وللخروج من الخلاف؛ فإن بعض العلماء اشترط تقديمه.
وأما تأخيره عن التيمم .. فلا يجوز على الأصح؛ لأن التيمم موضوع لاستباحة الصلاة، ولا استباحة مع وجود النجاسة.
وقد أورد على هذا: ما إذا تيمم وهو مكشوف العورة .. فإنه يصح وإن كان كشف العورة مانعاً من صحة الصلاة.
ويستثنى وضوء دائم الحدث؛ فإنه كالتيمم.
تنبيهان:
أحدهما: دخل على إطلاقه: ماء زمزم، وقد تقدم في جوازه بذلك ثلاثة
стр. 131
وَجَمْعُهُمَا أَفْضَلُ.
ــ
أوجه، لكن لو استنجى به .. أجزأه بالإجماع، ودخل حجارة الذهب والفضة.
وجزم الماوردي بالتحريم بالمطبوع منهما، وكذلك حجارة الحرم على الأصح في (شرح المهذب)، ويسقط الفرض بكل ذلك.
الثاني: إنما يجوز الاستنجاء بالحجر في المخرج المعتاد، أما القائم مقامه عند انسداده – إذا حكمنا بالنقض بالخارج منه – فلا يكفي فيه الحجر على الأصح.
وكذلك ليس للخنثى المشكل الاقتصار على الحجر إذا بال من السبيلين أو أحدهما؛ لالتباس الأصلي بالزائد.
ويجوز للمرأة ذلك إذا كانت بكراً، وأما الثيب: فإن مجرى بولها فوق مدخل الذكر، والغالب أنها إذا بالت نزل البول إليه، فإن تحققت ذلك: تعين الماء لانتشاره، وإن لم تتحقق .. جاز الحجر؛ نظراً إلى الأصل، وقيل: لا؛ نظراً إلى الغالب.
وإذا استنجت المرأة بالماء .. وجب عليها غسل ما يظهر إذا جلست على القدمين، ومقداره من الثيب يزيد على مقداره من البكر.
وقيل: يجب على الثيب غسل باطن فرجها، كما تخلل أصابع رجليها؛ لأنه صار ظاهراً بالثيابة.
قال: (وجمعهما أفضل)؛ لأن عائشة ﵂ روت عن النبي ﷺ أنه كان يفعله.
ويقدم الحجر ليذهب عين النجاسة، ثم الماء ليزيل الأثر، وما يروى: أن أهل قباء كانوا يتبعون الماء الحجر، وأن الله تعالى أثنى عليهم بسبب ذلك .. فرواه البزار [١/ ١٣٠] وهو حديث ضعيف، وقال في (شرح المهذب): لا أصل له.
стр. 132
وَفِي مَعْنَى اَلْحَجَرِ: كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ،
ــ
وإن أراد الاقتصار على أحدهما .. فالماء أفضل.
وقال في (محاسن الشريعة): إنما يستحب الجمع بينهما في الغائط.
وصرح في (المهذب) باستحباب الجمع في السبيلين.
فإن قيل: ينبغي أن يكتفى في هذا المستحب بدون ثلاثة أحجار إذا حصلت الإزالة به .. قلنا: لا، كما في غسل اليدين إذا قام من النوم، لكن يشكل عليه ما سيأتي في المسألة بعدها من عدم اشتراط طهارة الحجر عند إرادة الجمع.
قال: (وفي معنى الحجر: كل جامد طاهر قالع غير محترم)؛ لحصول الغرض به سواء كان من خشب أو خزف أو حشيش أو ثياب أو غيرها؛ لأن التنصيص على الحجر خرج مخرج الغالب.
واحترز بـ (الجامد): عن المائع.
وبـ (الطاهر): عن النجس والمتنجس؛ لأن المقصود من الاستنجاء إزالة النجاسة أو تخفيفها والنجس يزيدها، ولأن النبي ﷺ أخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: (هذا ركس) رواه البخاري [١٥٦] عن ابن مسعود.
هذا عند الاقتصار على الحجر، وأما عند إرادة الجمع .. فنقل الجيلي في (الإعجاز) عن بعض كتب الغزالي: أنه لا يشترط طهارته، لكن يرد عليه ما إذا استنجى بحجر مبلول، فإنه لا يصح على الأصح؛ لأنه ينجس بنجاسة المحل فيتعين الماء.
وإذا أزيلت النجاسة بحجر، ثم استعمل ثانياً وثالثاً ولم يتلوثا .. جاز استعمالهما من غير غسل.
والفرق بينه وبين التيمم بالتراب المستعمل عسر.
فإن استنجى بنجس .. فالأصح: تعين الماء بعده.
واحترز بـ (القالع): عن نحو الزجاج والقصب الأملسين؛ فإنه يبسط النجاسة وعند ذلك يتعين الماء.
стр. 133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و (بغير المحترم) عما له حرمة وهو أنواع:
منها: ما كتب عليه شيء من العلم أو اسم معظم كما في (الكفاية).
وقال القاضي حسين: أوراق التوراة والإنجيل مما لا حرمة له؛ لأنهما مبدلان.
ومنها: المطعومات؛ لان النبي ﷺ نهى عن الاستنجاء بالعظم، وقال: (إنه طعام إخوانكم الجن)، وإذا نهينا عن مطعوم الجن .. فمطعوم الإنس أولى.
ولفظه في (صحيح مسلم) [٤٥٠]: أنهم سألوه الزاد فقال: (كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في يد أحدكم أوفر ما كان لحماً).
وفي (أبي داوود): كل عظم لم يذكر اسم الله عليه.
وأكثر الأحاديث تدل على معنى رواية أبي داوود، وحمل بعض العلماء رواية مسلم على الجن المؤمنين، والرواية الأخرى على الشياطين منهم، وصححه السهيلي.
وروى أبو داوود [٣٦] والنسائي [٥٠٦٧] – بإسناد جيد -: أن النبي ﷺ قال لرويفع بن ثابت الأنصاري: (يا رويفع؛ ستطول بك الحياة فأخبر الناس: أن من استنجى برجيع دابة أو بعظم .. فإن محمداً بريء منه).
وقيل: إن أحرق العظم .. جاز الاستنجاء به.
وما يؤكل من الفواكه رطباً لا يابساً كاليقطين .. لا يجوز الاستنجاء برطبه، وكذلك كل ما يأكله الآدميون خصوصاً.
стр. 134
وَجِلْدٍ دُبِغَ دُونَ غَيْرِهِ
ــ
وما يشترك معهم فيه البهائم، فإن كان أكل البهائم له أكثر .. جاز، وإن كان بالعكس .. فلا، وإن استويا .. فوجهان.
ومنها: جزء الحيوان المتصل، يمتنع الاستنجاء به؛ لحرمته، وجوز الشيخان الاستنجاء بخشن الديباج مع الإثم، لكن في تأثيم المرأة بذلك نظر، إلا أن يكون من جهة السرف.
فرع:
الاستنجاء بالتراب والفحم نص الشافعي فيهما على الإجزاء وعدمه، فقيل: قولان مطلقاً.
والمذهب: إن كان التراب منعقداً كالمدر والفحم .. صح، وإلا .. فلا.
قال القاضي حسين: فإن جوزناه بالتراب .. احتاج أن يستنجي أربع مرات؛ لأن التراب في الأولى التصق بالمحل، وفي الثانية تناثر عنه، وفي الثالثة يلتصق بالمحل، فيحتاج إلى رابعة، ويندب خامسة للإيتار، وإن معناه به ففعل .. تعين الماء، وكذلك الفحم المفتت.
قال: (وجلد دبغ)؛ لأنه كالخرق، وليس بمأكول عادة، ولا يقصد بالأكل؛ بدليل جواز بيع جلدين بجلد، لكن يستثنى جلد المصحف إذا نزع عنه .. فإنه لا يجوز الاستنجاء به، كما ذكره الغزالي في (عقود المختصر).
قال: ومن فعل ذلك .. وجب عليه الزجر، ويستغفر الله تعالى.
و (الجلد) جمعه: أجلاد وجلود، قال الله تعالى: ﴿وقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا﴾.
قيل: معناه لفروجهم، حكاه ابن سيده.
قال: (دون غيره)؛ لأن فيه دسومة تمنع التنشيف، ومعدود من المطعومات أيضاً، ولهذا يؤكل مع الرؤوس والأكارع وغيرهما. وأما المدبوغ .. فزالت
стр. 135
فِي اَلأَظْهَرِ. وَشَرْطُ اَلْحَجَرِ: أَنْ لاَ يَجِفَّ اَلنَّجَسُ، وَلاَ يَنْتَقِلَ، وَلاَ يَطْرَأَ أَجْنَبِيٌّ، فَلَوْ نَدَرَ أَوِ اَنْتَشَرَ فَوْقَ اَلْعَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْ صَفْحَتَهُ وَحَشَفَتَهُ .. جَازَ اَلْحَجَرُ فِي اَلأَظْهَرِ.
ــ
دسومته، وانقلب عن طبع اللحوم إلى طبع الثياب.
قال: (في الأظهر)، هو نصه في (الأم)، وقال في (البويطي): يجوز بهما. وقال في (حرملة): لا يجوز بهما.
قال: (وشرط الحجر: أن لا يجف النجس)؛ لأنه إذا جف لا يزيله إلا الماء، وأفتى القفال والقاضي بأنه إن قلعه .. كفى، واختاره الروياني.
قال: (ولا ينتقل) أي: النجس عن الموضع الذي أصابه عند الخروج؛ لأنه بذلك يصير نادراً كسائر النجاسات، ولذلك قال المتولي وغيره: شرط الاستنجاء بالحجر من الغائط أن لا يقوم من موضعه؛ لأنه بالقيام تنطبق إليتاه فتنتقل النجاسة.
قال: (ولا يطرأ أجنبي) أي: نجس أجنبي كما لو استنجى بشيء نجس، فإن استنجى بحجر ثم غسله وجف واستنجى به ثانياً .. جاز.
قال: (فلو ندر أو انتشر فوق العادة) المراد: عادة غالب الناس، وقيل: عادة نفسه.
قال: (ولم يجاوز صفحته) إن كان غائطاً (وحشفته) إن كان بولاً (.. جاز الحجر في الأظهر).
أما النادر .. فلأن الحاجة تدعو إليه غالباً.
وأما المنتشر .. فلأن المهاجرين ﵃ لما قدموا المدينة أكلوا التمر ولم يكن ذلك من عادتهم، فرقت بذلك أجوافهم، ولم يؤمروا بالاستنجاء بالماء، وذلك صحيح مشهور.
والقول الثاني: لا يجوز إلا الماء للندور فيهما.
وفي المسألة طريقان آخران:
أحدهما: القطع بالأول. والثاني: القطع بالثاني.
стр. 136
وَيَجِبُ ثَلاَثُ مَسَحَاتٍ
ــ
وقال ابن الرفعة: إذا كان الانتشار منقطعاً .. وجب غسل ما انقطع وانفصل عن حلقة الدبر على الأظهر، فتستثنى هذه الصورة من كلام المصنف.
والمراد بـ (باطن الصفحة): ما ينطبق عند القيام.
مهمة:
المذي معتاد على المشهور، وما وقع في (الشرح) و (الروضة) من كونه نادراً .. خلاف المشهور.
وأما الودي: فلم يذكره الرافعي، وجزم المصنف بأنه نادر.
والوجه: عده من المعتاد، كما جزم به في (البيان)؛ لأنه جزء من البول يخرج عقبه.
وأما الدم، فإن كان معتاداً كدم الحيض والنفاس .. فصرح صاحب (الحاوي) وغيره بجواز الاستنجاء بالحجر فيهما.
وفائدته: فيمن انقطع حيضها واستنجت بالحجر، ثم تيممت لسفر أو مرض .. فإنها تصلي ولا إعادة عليها.
وأما دم الاستحاضة والباسور الذي هو داخل الدبر .. فإنهما نادران.
قال: (ويجب ثلاث مسحات)؛ لما روى مسلم [٢٦٢] عن سلمان قال: (نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار).
ويفارق الغسل بالماء؛ لأن الغسل بالماء يفيد حقيقة الطهارة فلم يعتبر فيه العدد، والحجر لا يفيد ذلك وإنما يخفف فاعتبر العدد. كما أن الاعتداد إن كان بوضع الحمل .. لم يعتبر فيه العدد؛ لأن خروج الولد يدل على حقيقة براءة الرحم والاعتداد بالأقراء معتبر بالعدد؛ لأن الأقراء تدل على البراءة من حيث الظاهر لا من حيث الحقيقة.
ولما ظهر المعنى في الحجر .. ألحقنا به ما في معناه.
وقيل: إذا حصل الإنقاء بما دون الثلاث .. كفى.
стр. 137
وَلَوْ بِأَطْرَافِ حَجَرٍ، فَإِنْ لَمْ يُنْقِ .. وَجَبَ اَلإِنْقَاءُ، وَسُنَّ اَلإِيتَارُ
ــ
واشترط إبراهيم بن جابر – ووفاته سنة عشر وثلاث مئة – وابن المنذر ثلاثة أحجار، وهي ظاهرية محضة وبين الوجهين تباعد، والصحيح متوسط بينهما.
ويحتاج المستجمر في القبل والدبر إلى ستة أحجار أو حجر له ستة جوانب وما في معناها.
ولو مسح ذكره مرتين ثم خرجت منه قطرة .. وجب استئناف الثلاث.
قال: (ولو بأطراف حجر)؛ لأن المقصود عدد المسحات، بخلاف ما إذا رمى الحاج بحجر له ثلاثة أحرف فإنه لا يحسب له إلا رمية واحدة؛ لأن المقصود تعدد الرمي.
قال: (فإن لم ينق .. وجب الإنقاء) برابع وأكثر؛ لأنه المقصود من الاستنجاء، وللزائد حكم الحجر الثالث في الكيفية.
والثاني: لا يجب، ورجحه الروياني؛ لأنه مأمور بثلاثة أحجار وقد استنجى بها.
وفي (الحاوي) وجه: أنه إذا بقي ما لا يزول بالحجر ويزول بصغار الخزف .. لا يجب إزالته؛ لأن الواجب الإزالة بالأحجار ولم يكلفه الشرع غيرها.
قال الشيخ: وهذا الوجه وإن كان بعيداً من حيث المذهب، فقد رجحه الروياني وصوبه المصنف.
وصورته: أن ترق النجاسة وتغوص في تلك المعاطف، ولأجل هذا كره علي ابن أبي طالب ﵁ الاقتصار على الأحجار، إلا في حالة الضرورة.
قال: (وسن الإيتار)؛ لما روى الشيخان [خ ١٦١ – م ٢٣٧] عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (إذا استجمر أحدكم .. فليستجمر وتراً).
وفي (أبي داوود) [٣٦]: (من استجمر .. فليوتر، من فعل .. فقد أحسن، ومن لا .. فلا حرج).
وقيل: إن الإيتار واجب؛ لظاهر الخبر الأول، وهو شاذ.
стр. 138
وَكُلُّ حَجَرٍ لِكُلَّ مَحَلَّهِ، وَقِيلَ: يُوَزَّعْنَ لِجَانِبَيْهِ وَاَلْوَسَطِ. وَيُسَنُّ بِيَسَارِهِ. وَلاَ اَسْتِنْجَاءَ لِدُودٍ وَبَعْرٍ بِلاَ لَوْثٍ فِي اَلأَظْهَرِ.
ــ
وفي (شرح المهذب) و (الكفاية) نسبة هذا الوجه إلى ابن خيران ووهما في ذلك؛ فإن ابن خيران أوجب ثلاث مسحات أخرى.
قال: (وكل حجر لكل محله)، فيبدأ بأول الصفحة اليمنى ويديرها عليها إلى آخرها، ثم على اليسرى حتى يصل إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم الحجر الثاني بعكس ذلك، ثم يمر الثالث على الصفحتين والمسربة، وهذا قول ابن أبي هريرة وعليه الجمهور؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: (وليستنج بثلاثة أحجار)، يقبل بواحد، ويدبر بواحد، ويحلق بالثالث.
وقال الرافعي: إنه حديث ثابت، وأنكره عليه المصنف وابن الصلاح وقالا: إنه غير معروف.
قال: (وقيل: يوزعن لجانبيه والوسط)؛ لقوله ﷺ : (أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار .. حجرين للصفحتين، وحجراً للمسربة) رواه الدارقطني [١/ ٥٦] والبيهقي [١/ ١١٤] عن سهل بن سعد الساعدي.
والخلاف الذي ذكره المصنف: في الاستحباب، وقيل: في الوجوب.
أما البول .. فيمسح ذكره على ثلاثة مواضع، فإن مسح على موضع أو موضعين. تعين الماء.
قال: (ويسن بيساره)؛ لما روى مسلم عن سلمان الفارسي قال: (نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي باليمين).
وفي (المهذب) و (الكافي): أنه لا يجوز الاستنجاء باليمين، للنهي الصريح فيه.
وأوله المصنف بأن الاستنجاء يقع بما في اليمين لا باليد، فلا معصية في الرخصة.
قال: (ولا استنجاء لدود وبعر بلا لوث في الأظهر)؛ لأن المقصود من الاستنجاء إزالة النجاسة أو تخفيفها، فإذا لم تلوث .. فلا معنى للاستنجاء؛ لأنه خارج بلا رطوبة فأشبه الريح.
стр. 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثاني: يجب؛ لأنه لا يخلو عن رطوبة ولكن قد تخفى، وعبر في (المحرر) أيضاً بالحصاة، فأبدلها المصنف بالبعرة؛ لينبه على أن المعتاد إذا خرج بلا رطوبة .. كان حكمه حكم الدود والحصاة، وهو حسن والخلاف مشبه بما إذا ولدت ولم تر بللاً.
وعلى الثاني، هل يكفي الحجر؟ فيه طريقان، قال في (الروضة): المذهب الإجزاء.
تتمة:
نقل المتولي وغيره الإجماع على أنه: لا يجب الاستنجاء من النوم والريح.
قال ابن الرفعة: ولم يفرق الأصحاب بين أن يكون المحل رطباً أو يابساً، ولو قيل بوجوبه إذا كان المحل رطباً .. لم يبعد، كما قيل به في دخان النجاسة.
والصواب: عدم الوجوب، بل عدم الاستحباب، بل قال الجرجاني: إن ذلك مكروه.
وصرح الشيخ نصر المقدسي بتأثيم فاعله؛ لأنه تنطع وغلو.
* * *
خاتمة
يعتمد المستنجي في اليد الإصبع الوسطى، وفي استحباب شم اليد بعد الاستنجاء وجهان.
стр. 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الماوردي: ينبني ذلك على ما لو شمها فأدرك فيها رائحة النجاسة، هل يكون ذلك دليلاً على نجاسة المحل؟
وقد صرح في زوائد (الروضة) بنجاسة اليد دون المحل، وهو مشكل.
ويسن أن ينضح فرجه وداخل سراويله وإزاره بعد الاستنجاء دفعاً للوسواس.
وقال في (الإحياء): يقول بعد فراغ الاستنجاء: اللهم؛ طهر قلبي من النفاق، وحصن فرجي من الفواحش.
* * *
стр. 141
بَابُ اَلْوُضُوءِ
فَرْضُهُ سِتَّةٌ:
ــ
باب الوضوء
أصله من الوضاءة وهو: الحسن والنظافة، وفيه لغات:
أشهرها انه بضم الواو: اسم للفعل - وهو المراد هنا - وبالفتح: الماء الذي يتوضأ به.
والثانية: بالفتح فيهما.
والثالثة: بالضم فيهما، وهو أضعفها.
وهو في الشرع: غسل أعضاء مخصوصة مفتتحة بالنية.
قال: (فرضه ستة).
الفرض والواجب بمعنى واحد، والمراد هنا: الركن، لا المحدود في كتب أصول الفقه، والصبي هنا كالبالغ، وعلم بالحصر أن الماء الطهور ليس من أركانه، بل هو شرط له كالعقل والإسلام والتمييز، لكن في (الروضة) في (باب التيمم) جعل التراب ركناً، والماء هنا كالتراب هناك، وقد عد المصنف من شروط الصلاة معرفة أعمالها وكيفيتها، وهذا يأتي في الوضوء وكل عبادة.
стр. 142
أَحَدُهَا: نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ،
ــ
قال: (أحدها: نية رفع حدث)، أما وجوب النية .. فلقوله تعالى: ﴿ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، والوضوء عبادة، وقال ﷺ : (الأعمال بالنيات).
و (النية) – بتشديد الياء ويقال بتخفيفها -: القصد بالقلب.
стр. 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الماوردي: قصد الشيء مقترناً بفعله، فإن قصده وتراخى عنه .. فهو عزم.
وشرعت النية لتمييز العادات عن العبادات، كالجلوس في المسجد يكون للاعتكاف تارة وللاستراحة أخرى، أو لتمييز مراتب العبادات، كالصلاة للفرض تارة وللنفل تارة أخرى.
ومحلها القلب، فإن اقتصر عليه ولم يتلفظ .. جاز، ويندب التلفظ بالمنوي.
وقال الزبيري: يجب أن يساعد القلب اللسان.
ولو نوى بلسانه التبرد، وبقلبه رفع الحدث أو بالعكس .. فالاعتبار بما في القلب بلا خلاف.
و (رفع الحدث) معناه: رفع حكمه.
وكان ابن الرفعة يقول: الحدث معنى يحل بالأعضاء منزل منزلة المحسوس؛ ولذلك يقال بتبعيضه وارتفاعه عن كل عضو.
وشرط النية: العلم بالمنوي، فإن اعتقد أن جميع أفعاله فرض .. صح، أو سنة .. فلا، وإن اعتقد أن بعضها فرض وبعضها سنة ولم يميز .. صح بشرط أن لا يقصد بفرض نفلاً، كما سيأتي في الصلاة).
وشرطها: أن لا تكون معلقة، فلو قال: إن شاء الله قاصداً التعليق .. لم يصح، وإن قصد التبرك .. صح، وإن أطلق .. لم يصح؛ لأن اللفظ موضوع للتعليق، كذا صرح به الجرجاني في (الشافي)، ولم يذكر الرافعي صورة الإطلاق.
وعلم من وجوب النية اشتراط الإسلام والتمييز، فلا يصح الوضوء ولا الغسل ممن لا تمييز له قطعاً، ولا من كافر على الأصح، وقيل: يصحان منه، وقيل: يصح الغسل دون الوضوء.
وهذا في الكافر الأصلي، وأما المرتد فقال الشيخان: لا يصحان منه بلا خلاف،
стр. 144
أَوِ اَسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَى طُهْرٍ،
ــ
وفي (الحاوي) وجه: أنه يصح غسله، وفي (التحقيق) وجه: أنه يصح وضوءه.
وسيأتي في (كتاب النكاح) حكم غسل الذمية لجماع المسلم.
ولو توضأ المسلم أو تيمم ثم ارتد .. بطل تيممه دون وضوئه في الأصح؛ لضعف التيمم، ولأن التيمم للإباحة ولا إباحة مع الردة.
ثم إن المصنف ذكر للنية ثلاث كيفيات:
إحداها: نية رفع الحدث، فإذا نوى ذلك .. صح؛ لأن المقصود بالوضوء رفع مانع الحدث، فإذا نواه فقد تعرض للمطلوب. وقيل: لا تكفي هذه الصيغة لماسح الخف؛ لأنه لم يرتفع حدثه.
ونكر المصنف لفظ الحدث؛ ليشمل ما إذا نوى بعض أحداثه التي وقعت منه، فإن الأصح أن ذلك يكفي.
فإن نوى رفع حدث البول، وليس عليه إلا حدث النوم مثلاً، فإن تعمد .. لم يصح؛ لتلاعبه، وإن غلط .. صح، كذا قاله الرافعي.
وذكر في نظائره ما يخالفه، فقال في (صفة الأئمة): إذا أخطأ في تعيين الإمام أو الميت .. لا تصح صلاته، وفي (الزكاة): إذا ملك مئتين حاضرة ومئتين غائبة، فأخرج خمسة بلا تعيين، ثم بان تلف أحد المالين .. فله جعله عن الباقي. فلو عين أحدهما فبان تالفاً .. لم ينصرف إلى الآخر.
وذكر في (الكفاية): أن الخطأ في التعيين يضر أيضاً.
هذا والنية شرط في الجميع، وتعيينها ليس بشرط، وقد أخطأ في الجميع.
قال: (أو استباحة مفتقر إلى طهر) هذا الكيفية الثانية، وهي: أن ينوي استباحة الصلاة أو غيرها مما لا يباح إلا بالطهارة، كالطواف، وسجدة التلاوة والشكر، ومس
стр. 145
أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ اَلْوُضُوءِ
ــ
المصحف، فيصح؛ لأن رفع الحدث إنما يطلب لهذه الأشياء، فإذا نواها .. فقد نوى غاية القصد.
وقيل: لا يصح؛ لأن الاستباحة توجد مع بقاء الحدث، بدليل المتيمم والمستحاضة.
وشملت عبارته ما إذا نوى ما لا يمكن فعله بذلك الوضوء، كالعيد وهو في صفر، أو الطواف وهو بمصر، والأصح: الصحة.
واحترز عما لا يفتقر إليه، كدخول السوق ولبس الثوب، فلا تكفي نيته اتفاقاً، وعما يندب وسيأتي.
لكن لو قال: مفتقر إليه، كما عبر به في (الغسل) .. كان أحسن؛ لأن المكث في المسجد وقراءة القرآن متوقفان على طهر وهو الغسل، فلا يصح الوضوء بنية استباحتهما.
قال: (أو أداء فرض الوضوء) هذه الكيفية الثالثة، فيصح فيها الوضوء قياساً على الصلاة.
وظاهر عبارة الكتاب: أنه لا بد من التعرض للأمرين جميعاً وليس كذلك، بل إذا نوى أداء الوضوء .. صح، كما صرح به في (الحاوي الصغير). وكذلك لو نوى فرض الوضوء .. فإنه يكفيه على الأصح، بل لو نوى الوضوء فقط .. صحح المصنف صحته أيضاً، وهو خلاف ما عليه الأكثر.
وعكسه لو نوى الجنب الغسل .. فإنه لا يكفي، وهذا وارد على حصره في الكيفيات الثلاث.
وكذلك إذا نوى الطهارة عن الحدث .. فإنه يصح، فإن لم يقل: عن الحدث .. لم يصح على الصحيح في زوائد (الروضة)؛ لتردده بين اللغوية والشرعية، ومنصوص (البويطي): الصحة.
следующие страницы →