← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن المعلوم: أن الذباب قد يموت فيه، فلو كان ينجسه .. لم أمرنا به. والثاني: أنها تنجسه، كسائر الميتات النجسة. وفي ثالث مخرج اختاره الشيخ: أن ما يعم وقوعه كالذباب والبعوض لا ينجس، وما لا يعم كالخنافس والعقارب ينجس، وهو متجه. والمراد بما (لا نفس لها سائل) عند قتلها، أو شق عضو من أعضائها، كالذباب والبعوض والزنبور والقمل والبراغيث والنحل والنمل والخنفساء والبق، ودود الفواكه والخل والجبن، وبنات وردان، والعقارب. قال الشيخ: وفي ذكر البق المعروف في بلادنا نظر. قال: وقد رأيت بعض الناس يذكر: أنه في كثير من البلاد اسم للبعوض، فلعل من أطلقه .. أراد به ذلك، وحصل الوهم لمن جمع بينهما. والأصح: أن الوزغ منها، دون الحيات والضفادع. وكلام المصنف يقتضي الجزم بنجاسة الميتة المذكورة، وبه قال الأكثرون كغيرها من الميتات. وقال القفال: إنها طاهرة؛ لعدم دمويتها، قال: والذي فيها من الرطوبة كرطوبة النبات. ومحل الخلاف: إذا لم يتغير المائع بها، فإن تغير .. فالأصح: أنها تنجسه. ومحله: إذا لم تنشأ في المائع، فإن نشأت فيه كدود الخل .. لم تنجسه بلا خلاف. ومحله: إذا وقع بنفسه، فإن طرح فيه .. ضره. وقوله: (مائعاً) أحسن من قول (المحرر): (ماء)؛ لأن المائع أعم والحكم سواء، ولو عبر بالرطب .. كان أشمل ليتناول الثياب الرطبة وغيرها. وقوله: (على المشهور) أشار إلى ضعف الخلاف، وهو في (الروضة) و (التحقيق) قوي.

стр. 72

وَكَذَا فِي قَوْلٍ: نَجِسٌ لاَ يُدْرِكُهُ طَرْفٌ. قُلْتُ: ذَا اَلْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ــ قال: (وكذا في قول: نجس لا يدركه طرف. قلت: ذا القول أظهر والله أعلم) أي: لا يشاهده بصر؛ لقلته ولعموم البلوى به، كما إذا وقع الذباب على نجاسة ثم سقط في الماء، وكرشاش البول الذي لا يدرك، فيعفى عنه كدم البراغيث. والثاني: وهو المنقول في (الشرح) عن المعظم: أنه ينجسه؛ قياساً على سائر النجاسات. ومجموع ما في المسألة سبع طرق: أصحها: قولان في الماء والثوب. والثانية: يؤثر فيهما قطعاً، وهو رأي ابن سريج. والثالثة: لا قطعاً. والرابعة: يؤثر في الماء، وفي الثوب قولان. والخامسة: عكس ذلك. والسادسة: يؤثر في الماء دون الثوب، بلا خلاف. والسابعة: عكسه. ويستثنى مع هاتين المسألتين: الهرة، إذا أكلت نجاسة وغابت وأمكن طهر فمها .. فلا نحكم بنجاسة ما ولغت فيه، والصبي إذا أكل شيئاً نجساً، ثم غاب واحتمل طهارة فيه، فهو كالهرة كما أفتى به ابن الصلاح. واستشكل في (الشرح الصغير) مسألة الهرة؛ فإنها تشرب الماء بلسانها وتأخذ منه الشيء القليل، ولا تلغ في الماء يطهر فمها من أكل الفأرة، فلا يفيد احتمال مطلق الولوغ احتمال عود فمها إلى الطهارة، وهو إشكال صحيح.

стр. 73

وَاَلْجَارِي كَرَاكِدٍ، وَفِي اَلْقَدِيمِ: لاَ يَنْجُسُ بِلاَ تَغَيُّرٍ. ــ ويستثنى القليل من دخان النجاسة إذا حكمنا بنجاسته؛ فإنه يعفى عنه، واليسير من الشعر المحكوم بنجاسته ويعرف بالعرف، والحيوان الذي على منفذه نجاسة – إذا وقع في مائع أو ماء قليل – فلا ينجسه على الأصح، بخلاف المستجمر فإنه ينجسه. وما تحمله الرياح من النجاسات معفو عنه، مثل الذر من غبار السرجين وغيره. قال: (والجاري كراكد)، فينجس القليل منه بملاقاة النجاسة؛ لمفهوم حديث القلتين؛ فإنه لم يفصل بين الجاري والراكد، فإذا كانت الجرية دون قلتين .. تنجست بالملاقاة، وإن كان مجموع ما في النهر أكثر من قلتين .. فيكون محل تلك الجرية من النهر نجساً، ويطهر بالجرية التي تعقبها، وتصير في حكم غسالة النجاسة، حتى لو كانت نجاسة كلبية .. فلا بد من سبع جريات عليها. و (الجاري): ما تدافع في استواء أو انحدار، فإن كان أمامه ارتفاع .. فحكمه حكم الراكد على المذهب. و (الجرية): الدفعة التي بين حافتي النهر في العرض. والجريات متفاصلة في الحكم وإن اتصلت في الحس؛ لأن كل جرية طالبة لما قلبها، هاربة مما بعدها. قال: (وفي القديم: لا ينجس بلا تغير)؛ لأنه ماء ورد على نجاسة، فلم ينجس من غير تغير، كالماء المزال به النجاسة إذا لم يتغير، واختاره جماعة، واقتصر عليه الإمام والغزالي، بل قال في (الإحياء): لا خلاف في مذهب الشافعي: أنه إذا وقع بول في مال ماء جار ولم يتغير .. أن الوضوء منه جائز. ومحل القديم: في الجاري على النجاسة الواقفة ثم ينفصل عنها، فلو اشتملت

стр. 74

وَ (اَلْقُلَّتَانِ): خَمْسُ مِئَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيًّ ــ الجرية على نجاسة جامدة تجري بجريها .. فهي شبيهة بالراكد. هذا حكم الجرية التي لاقت النجاسة، أما التي قبلها فطاهرة بلا خلاف. وموضع النجاسة الواقفة نجس، فكل جرية تمر به نجسة إلى أن تجتمع في موضع مقدار قلتين، فيقال: ماء بلغ ألف قلة من غير تغير وهو نجس، فهذه صورته. قال: (و (القلتان): خمس مئة رطل بغدادي)؛ لما روى الشافعي ﵁ [١/ ١٦٥] والبيهقي [صغرى ١٥٦] وابن عدي في حديث القلتين المتقدم: (إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر). و (قلال هجر) كانت معروفة عندهم، ولذلك قال ﷺ في سدرة المنتهى: (وإذا ثمرها كقلال هجر). وهي قرية من قرى المدينة، نسبت إليها؛ لأنها أول ما عملت بها. وحديث القلتين تقدم أنه صحيح، لكن العمل به متوقف على معرفة مقدارهما، فلذلك لم يخرجه في (الإلمام) مع اعتقاده صحته؛ لأنه رأى أن مقدارهما غير معلوم. وروى الشافعي عن ابن جريج أنه قال: رأيت قلال هجر، فالقلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئاً، فاحتاط الشافعي وجعل الشيء نصفاً؛ لأنه لو كان فوقه .. لقال ثلاث قرب إلا شيئاً، فتكون جملة القلتين خمس قرب، والقربة لا تزيد غالباً على مئة رطل بغدادي، فيكون المجموع خمس مئة رطل. و (القلة) في اللغة: الجرة العظيمة التي يقلها الرجل العظيم بيديه، أي: يرفعها. وهي بالدمشقي: نحو من مائة وثمانية أرطال.

стр. 75

تَقْرِيباً فِي اَلأَصَحَّ. ــ وبالمصري: أربع مئة وستة وأربعون رطلاً وربع رطل، وسدس درهم وخمسة أسباع. وبالأمنان: مئتان وخمسون. وبالمساحة: ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً، بالذراع المذكور في (صلاة المسافر). فإن جعلناهما ألف رطل .. فقال القاضي حسين: هما ذراعان ونصف طولاً وعرضاً وعمقاً، والصواب: ذراع وربع طولاً في مثله عرضاً في ذراعين ونصف عمقاً، أو ذراعان ونصف طولاً في ذراع وربع عرضاً في مثله عمقاً. والوجه الثاني: أنهما ألف رطل؛ لأن أكثر ما تسع القربة مئتا رطل. والثالث: ست مئة رطل، قاله القفال واختاره الغزالي تبعاً للفوراني. و (الرطل) بكسر الراء، وجوز الكسائي فتحها. وسيأتي في (زكاة النبات) الكلام على لفظ بغداد وضبط رطلها. قال: (تقريباً في الأصح)؛ لما تقدم عن ابن جريج، ورجح جماعة: أنه تحديد كنصاب السرقة. فإذا قلنا بالأول .. فما هو النقص المغتفر؟ فيه خمسة أوجه: أصحها: قدر لا يظهر بنقصه تفاوت في التغير، بمقدار مغير من الزعفران أو نحوه. والثاني: رطلان.

стр. 76

وَالَتَّغَيُّرُ اَلْمُؤَثِّرُ بِطَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ: طَعْمٌ، أَوْ لَوْنٌ، أَوْ رِيحٌ. ــ والثالث: ثلاثة. والرابع: ثلاثة وما قاربها. والخامس: مئة رطل؛ لشك ابن جريج وهو أبعدها. وإذا قلنا: تحديداً .. ضر نقصان أقل شيء. قاعدة: المقدرات أربعة أقسام: أحدها: ما هو تقريب بلا خلاف، كسن الرقيق المسلم فيه، أو الموكل في شرائه. الثاني: تحديد بلا خلاف، كتقدير مسح الخف، وأحجار الاستنجاء، وغسل الولوغ، والعدد في الجمعة، ونصب الزكوات والأسنان المأخوذة فيها، وسن الأضحية، والأوسق في العرايا، والحول في الزكاة والجزية، ودية الخطأ، وتغريب الزاني، وإنظار المولي والعنين، ومدة الرضاع، ومقادير الحدود. الثالث: تحديد على الأصح، فمنه تقدير خمسة أوسق بألف وست مئة رطل، فالأصح: أنه تحديد. ووقع في (شرح المهذب) هنا وفي (رؤوس المسائل) تصحيح عكسه، ولعله سهو. الرابع: تقريب على الأصح، كسن الحيض، والمسافة بين الصفين، وأميال مسافة القصر. قال: (والتغير المؤثر بطاهر أو نجس: طعم، أو لون، أو ريح)، سواء في ذلك المؤثر حساً أو تقديراً. أما في النجس فبالإجماع كما تقدم، والمعتبر فيه أحد الأوصاف بلا خلاف.

стр. 77

وَلَوِ اَشْتَبَهَ مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ .. اَجْتَهَدَ وَتَطَهَّرَ بِمَا ظَنَّ طَهَارَتَهُ، ــ والمتغير بطاهر كذلك على الصحيح المنصوص. والحديث الذي رواه ابن ماجه [٥١٧] والفقهاء: (الماء طهور لا ينجسه شيء) صحيح، وهو من تمام حديث بئر بضاعة. وأما ما فيه من استثناء طعمه أو ريحه .. فضعيف، وأضعف منه رواية ذكر اللون. وفي قول: إنما يسلب في التغير بالطاهرات تغير الأوصاف الثلاثة. وفي آخر: أن اللون وحده يسلب، وكذا الآخران إذا اجتمعا دون ما إذا وجد أحدهما. وعبارة المصنف رحمه الله تعالى تقتضي: أن لنا تغيراً بنجس لا يؤثر، وهذا لا يوجد، إلا أن يكون احترز عن التغير برائحة جيفة ملقاة بقربه، فإنه لا يضر. ثم إذا احتجنا إلى تقدير التغير بالطاهر .. فالمعتبر: أوسط الصفات وأوسط المخالفات. قال: (ولو اشتبه ماء طاهر بنجس .. اجتهد وتطهر بما ظن طهاته)؛ لأن أصل الطهارة معارض بيقين النجاسة، ولأنه شرط من شروط الصلاة يمكن التوصل إليه بالاجتهاد فوجب كالقبلة، وليس الإنسان مكلفاً باليقين، بل تكفيه غلبة الظن؛ بدليل جواز الوضوء بالماء القليل مع القدرة على الكثير، ثم لا بد من ظهور علامة تغلب على الظن الظاهر منهما كسائر الأحكام، وذلك كتغير لون أو ريح أو حركة أو رشاش حوله.

стр. 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أما ذوق الماء .. فلا يجوز لاحتمال نجاسته، قال في (البيان). وكذلك يجتهد إذا اشتبه مطلق بمستعمل في الأصح. ووراء ما ذكره المصنف رحمة الله عليه أوجه: أحدها: ما قاله المزني وأبو ثور: إنه لا يجتهد، بل يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه؛ لأنه تحقق النجاسة ولا تزال بغلبة الظن. والأكثرون لم يثبتوه خلافاً مذهبياً. والثاني – عن الصيدلاني -: أنه يهجم ويتوضأ بأحد الآنية، ويصلي ولا إعادة عليه؛ لأن الأصل في كل منهما الطهارة وعدم وقوع النجاسة. والثالث – عن الشيخ أبي محمد-: أنه إذا ظن طهارة إناء من غير أمارة .. عول عليه. والرابع – قول أبي إسحاق الذي حكاه المصنف ﵁: إن كان معه طاهر بيقين .. لم يتحر. وضعف الأول بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وهذا واجد للماء. وضعف الثاني بأن أصل الطهارة قد عارضه تحقق وقوع النجاسة فارتفع. وضعف الثالث بأن الأحكام الشرعية لا تنبني على الإلهامات والخواطر. وأما قول أبي إسحاق .. فسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ضعفه. والمذهب: أنه لا فرق في جواز الاجتهاد بين الحاضر والمسافر. وعلى المذهب لو توضأ بغير اجتهاد، ثم بان أن ما توضأ به طاهر .. لم يصح وضؤوه عند جماعة منهم المصنف رحمه الله تعالى؛ لأنه متلاعب كالقبلة. واختار ابن الصباغ والغزالي: أنه يصح كما لو أدى دينه بمال شك فيه، ثم تبين أنه ملكه. وحكم الثياب حكم المياه، إلا أن المزني قال: يصلي بكل مرة. وحكى المرعشي قولاً: أنه لا يجتهد في الثياب إلا في السفر. وقيل: لا يجتهد إن اختلف الجنس كلبن مع زيت.

стр. 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واعترض ابن الفركاح على المصنف بأنه: إن أراد وجوب الاجتهاد .. شمل ما إذا قدر على طاهر بيقين، وهو لا يجب إذ ذاك، بل قيل: لا يجوز. أو الاستحباب .. اقتضى – فيما إذا لم يقدر على المتيقن – أنه يستحب، وهو إذ ذاك واجب. أو الجواز .. لم يفهم منه الوجوب عند عدم المتيقن. والجواب: أن مراده الجواز؛ بدليل حكايته الخلاف. وصورة الوجوب إنما يتحقق عند ضيق الوقت، وليس في كلامه ما ينفيه؛ إذ من المعلوم أن من قدر على الماء بطريق مأذون فيه شرعاً .. لزمه تحصيله ما لم يمنع منه مانع. والاجتهاد والتأخي والتحري: عبارة عن بذل الجهد – وهو الطاقة – في طلب المقصود. قال الله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. وما أحسن قول ابن سناء الملك [من الخفيف]: فتحيرت أحسب الثغر عقداً .... لسليمى وأحسب العقد ثغرا فلثمت الجميع قطعاً لشكي .... وكذا فعل كل من يتحرى فروع: للاجتهاد شروط: أن يكون في متعدد، فلو انصب أحد الإناءين قبل الاجتهاد .. ففي الاجتهاد في الثاني وجهان، أصحهما عند الرافعي: الجواز، وعند المصنف: المنع، فيتيمم ويصلي ولا يعيد، وإن لم يرقه.

стр. 80

وَقِيلَ: إِنْ قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ .. فَلَا - ــ وأن يكون للعلامة فيه مجال لا كمحرم وأجنبية، وكذا إذا اختلطت زوجته بأجنبيات .. لا يجتهد احتياطاً للأبضاع. وأن تظهر له علامة كما تقدم. وأن يكون المتيقن الطهارة لا يخشى منه ضرراً كالمشمس، قاله صاحب (المعين) اليمني. وأن يعجز عن المتيقن الطهارة في الوجه الآتي إن شاء الله تعالى. ولو لم تظهر له علامة .. تيمم للعجز في الوضوء، وليكن تيممه بعد إراقة الماءين، أو صب أحدهما في الآخر، ولا إعادة عليه. فإن تيمم قبل ذلك .. وجبت إعادة الصلاة؛ لأنه تيمم ومعه ماء طاهر بيقين. ولو اختلطت ميتة بمذكاة بلد، أو إناء بول بأواني بلد .. فله الأخذ هجماً, وإلى متى يأخذ؟ الأصح: حتى يبقى واحد. والثاني: إلى أن يبقى قدر لو اختلط به ابتداء منع الجواز. ولو اشتبهت شاته بشاة غيره، أو طير بطير غيره، أو ثوبه بثوب غيره .. اجتهد وأخذ ما يؤدي إليه اجتهاده؛ لأن دلالة الملك لا تكفي في حل الأخذ. قال: (وقيل: إن قدر على طاهر بيقين .. فلا)، كما إذا كان معه إناء ثالث طاهر بيقين، أو كان على البحر؛ لأنه قادر على إسقاط الفرض بيقين، وقد قال ﷺ : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) رواه أحمد [١/ ٢٠٠] وصححه الحاكم [٢/ ١٣] والترمذي [٢٥١٨]. وفرق الجمهور بينه وبين القبلة بوجوه:

стр. 81

وَاَلأَعْمَى كَبَصِيرٍ فِي اَلأَظْهَرِ – أَوْ مَاءٌ وَبَوْلٌ .. لَمْ يَجْتَهِدْ عَلَى اَلصَّحِيحِ، بَلْ يُخْلَطَانِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ. ــ منها: أن القبلة في جهة واحدة، فإذا قدر عليها .. كان طلب غيرها عبثاً، والماء الطهور في جهات كثيرة. قال: (والأعمى كبصير في الأظهر)؛ إذ يمكنه الوقوف على الأمارات كاللمس والشم والسماع واعوجاج الإناء ونحوه، فجاز له الاجتهاد كالوقت، فإنه يجتهد فيه بلا خلاف. والثاني: لا يجوز؛ لأن النظر أثراً في حصول الظن وقد فقد، فامتنع الاجتهاد كالقبلة؛ لأنه لا يجتهد فيها بلا خلاف، فمسألة الكتاب فرع يحاذيه أصلان. ومراد المصنف بتشبيهه بـ (البصير): [أي]: في أصل الاجتهاد وإن خالفه في بعض فروع المسألة؛ فإنه إذ تحير .. قلد على الصحيح بخلاف البصير. والمصنف في شروط الصلاة ذكر: أنه إذا اشتبه عليه ثوب طاهر بنجس .. اجتهد، ولم يفصل بين أعمى وبصير، ولا بين أن يقدر على طاهر بيقين أو لا، ولا شك أن الخلاف هناك كما هو هنا، فاجتهاده في الثياب كاجتهاده في الأواني. قال: (أو ماء وبول .. لم يجتهد على الصحيح)، سواء كان أعمى أو بصيراً؛ لأن الاجتهاد يقوي ما في النفس من الطهارة الأصلية، والبول لا أصل له فيها فامتنع الاجتهاد. والثاني: يجتهد كالماء النجس، قال الإمام: وهذا هو المتجه في القياس. وعلى هذا: لا بد من أمارة بلا خلاف. قال: (بل يخلطان ثم يتيمم)؛ لئلا يتيمم ومعه طاهر بيقين، وإنما يتيمم لتعذر

стр. 82

أَوْ وَمَاءُ وَرْدٍ .. تَوَضَّأَ بِكُلً، وَقِيلَ: لَهُ اَلاجْتِهَادُ. ــ استعمال الماء. فلو تيمم قيل الإراقة أو الصب .. أعاد الصلاة؛ لأن معه ماء طاهراً بيقين. قال المصنف: والصب كالخلط. وصوب في (المهمات) عدم اشتراط الصب في صحة التيمم، وقال: إنما هو شرط لوجوب القضاء فقط. وظاهر عبارة الكتاب: أنه لا بد من إتلاف الماءين، ولا حاجة إلى ذلك، بل يكفي إتلاف أحدهما فقط بأن يريقه، فإنه يحتمل أن يكون هو النجس، وأن يكون هو الطاهر، على السواء فلم يبق معه طاهر بيقين، والصواب: حذف النون من (يخلطان)؛ لأنه مجزوم بحذفها عطفاً على يجتهد. وقوله: (ثم يتيمم) أحسن من قول (المحرر): ويتيمم؛ لإفادة الترتيب. قال: (أو ماء ورد .. توضأ بكل مرة) أي: وجوباً إذا لم يجد غيرهما؛ لحصول المقصود بتيقن استعمال الطهور، ويعذر في تردد النية للضرورة، كمن نسي صلاة من الخمس. واعترض على عدم الجزم بالنية بأن ذلك يمكن، بأن يضع في إحدى يديه من هذا وفي الأخرى من هذا، ويغسل خده الأيمن بيمناه والأيسر بيسراه دفعة من غير خلط مقترناً بالنية، ثم يعكس المأخوذ والمغسول، فيصح وضوؤه وجزمه بالنية. قال: (وقيل: له الاجتهاد)، كالماء الطهور مع المتنجس، وهو جار في كل موضع لم يحصل فيه الاستناد إلى أحد من الجانبين، كخل وخمر، ومذكاة وميتة، ونحو ذلك. والصحيح في الجميع: عدم الاجتهاد. ثم لا بد هاهنا من ظهور علامة بلا خلاف، كما تقدم في الماء والبول.

стр. 83

وَإِذَا اَسْتَعْمَلَ مَا ظَنَّهُ .. أَرَاقَ اَلآخَرَ، فَإِنْ تَرَكَهُ وَتَغَيَّرَ ظَنُّهُ .. لَمْ يَعْمَلْ بِاَلثَّانِي عَلَى اَلنَّصَّ، بَلْ يَتَيَمَّمُ بِلاَ إعَادَةٍ فِي اَلأَصَحَّ. ــ قال: (وإذا استعمل ما ظنه .. أراق الآخر)؛ لئلا يغلط فيستعمله، أو يتغير اجتهاده فيتهوس بذلك. قال الشيخ: وهذه الإراقة مستحبة بلا خلاف، وبقية الخلاف فيه نظر، فقد حكى الماوردي وجوبه إذا لم يخف العش، فإن خافه .. فله إمساكه ليشربه إذا اضطر. قال: (فإن تركه وتغير ظنه .. لم يعمل بالثاني على النص)؛ لأنه إذا استعمل الثاني ولم يغسل ما أصابه من الأول .. صلى وعليه نجاسة بيقين، وإن غسله .. كان نقضاً للاجتهاد بالاجتهاد وهو لا يجوز. وخرج ابن سريج: أنه يتوضأ بالثاني كما لو تغير اجتهاده في القبلة، وضعفه الأصحاب. قال: (بل يتيمم)؛ لأنه لا يمكنه استعمال ما معه. قال: (بلا إعادة في الأصح) أي: للصلاة الثانية؛ لأنه يتمم لها وليس معه طاهر بيقين. والثاني: يعيد؛ لأن معه طاهراً بحكم الاجتهاد. وأما الصلاة الأولى .. فلا تعاد جزماً، هذا إذا لم يبق معه من الأول شيء، فإن بقيت بقية .. وجبت الإعادة على الأصح؛ لأن معه ماء طاهراً بيقين، سواء كانت كافية لطهارته أم لا. هذا إذا أحدث، فإن كان على طهارة .. لم تجب الإعادة.

стр. 84

وَلَوْ أَخْبَرَ بِتَنَجُّسِهِ مَقْبُولُ اَلرَّوَايَةِ وَبَيَّنَ اَلسَّبَبَ، أَوْ كَانَ فَقِيهاً مُوَافِقاً .. اَعْتَمَدَهُ. ــ ثم محل الخلاف في الإعادة: للمسافر، أما الحاضر .. فيعيد جزماً. قال: (ولو أخبر بتنجسه) أي: بتنجس أحدهما بعينه، أو على الإبهام. قال: (مقبول الرواية)، المراد به: العدل، فشمل العبد والمرأة والأعمى على الأصح. وما وقع في زوائد (الروضة) و (شرح المهذب) من قوله: بلا خلاف، معترض. وخرج الكافر والفاسق، والمجهول والمجنون، والصبي الذي لا يميز وكذا المميز على الأصح. ووقع في (شرح المهذب) في (باب الأذان): قبول إخبار المميز فيما طريقه المشاهدة، بخلاف ما طريقه النقل كالإفتاء، والمعتمد عدم قبوله مطلقاً. قال: (وبين السبب) أي: وكان منجساً عندنا؛ بأن قال: ولغ الكلب في أحدهما أم بال فيه، سواء كان فقيهاً أم عامياً، موافقاً أم مخالفاً. فلو شهد واحد أنه رأى الكلب ولغ في هذا الإناء، وآخر أنه ولغ في غيره .. حكمنا بنجاستهما، نص عليه. ولو شهد اثنان أنه وقت الزوال ولغ في هذا ولم يلغ في غيره .. عمل بقول أوثقهما. فإن استويا .. فالأصح: يسقط خبرهما فيتوضأ بما شاء وقيل: يجتهد. قال: (أو كان فقيهاً موافقاً .. اعتمده)، سواء أخبره بذلك قبل الاجتهاد أم بعده، حتى يجب عليه الاجتناب عند التعيين، والاجتهاد عند عدمه؛ لأنه خبر يغلب على الظن التنجس. وإنما اعتبرنا (الموافق)؛ لأن المذاهب مختلفة في أسباب النجاسة، وقد يظن بما ليس نجساً.

стр. 85

وَيَحِلُّ اَسْتِعْمَالُ كُلَّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ، ــ والمراد بـ (الفقيه): العارف بما ينجس الماء، فلو أخبره بنجاسة ما صلى به .. أعادها وغسل كل ما أصابه منه، فإن أطلق ولم يكن موافقاً .. لم يرجع إليه. وسيأتي في (باب الردة) ما يشكل على هذا. قال: (ويحل استعمال كل إناء طاهر) بالإجماع، وقد توضأ النبي ﷺ من شن من جلد، ومن قدح من خشب، ومن مخضب من حجر. وقوله: (طاهر) أي: من حيث كونه إناء، فلا يرد المغضوب ونحوه. وما يورد على طرده: من إناء من جلد آدمي أو شعره .. تكلف، أو على عكسه: مما اتخذ من جلد نجس – العين إذا وسع فوق قلتين – غير صحيح، فإنا نمنع حل استعماله وإن كان الماء الذي فيه ظاهراً. نعم؛ المتخذ من عظام الميتة وجلدها قبل الدباغ يكره استعماله فقط، كما في زوائد (الروضة). وفي (الصحيح) [خ ١٩٧]: (أن النبي ﷺ توضأ من إناء من صفر)، وكره في (الإحياء) الوضوء منه، ورواه عن ابن عمر وأبي هريرة، وهو محجوج بالحديث الصحيح، أما الأكل والشرب فيه .. فيكره. قال القزويني: اعتياد ذلك تتولد منه أمراض لا دواء لها.

стр. 86

إلاَّ ذَهَباً وَفِضَّةً فيَحْرُمُ، ــ و (الإناء) جمعه: آنية كسقاء وأسقية، ورداء وأردية، وجمع الآنية: أواني، ووقع في (الوسيط) وغيره: إطلاق الآنية على المفرد، وليس بصحيح. وروى الطبراني عن أبي عنبة الخولاني: أن النبي ﷺ قال: (إن لله آنية في أرضه، وآنيته في أرضه قلوب عباده الصالحين، فأحبها إليه ألينها وأرحمها وأصفاها وأرقها). قال: (إلا ذهباً وفضة فيحرم) أي: استعمالهما بالإجماع على الرجل والمرأة، والصغير والكبير، حتى يحرم على الولي أن يسقي الصبي بإناء منها؛ لقوله ﷺ : (لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) رواه الشيخان [خ ٥٤٢٦ م ٢٠٦٧] من حديث حذيفة. وفي (مسلم) [٢٠٦٥] عنه: أن النبي ﷺ قال: (الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه ناراً) أي: يلقيها في جوفه لها صوت. وسمي المأكول والمشروب ناراً؛ لأنه يؤول إليها كما في قوله تعالى: ﴿إنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، فهذا نص في تحريم والأكل والشرب، وقيس عليه الباقي. وعن القديم: يكره كراهة تنزيه؛ لأن ما فيه من الخيلاء لا ينهض حجة في التحريم، لكنهم اتفقوا على ضعفه، ووهم السنجي في نقله الكراهة عن حرملة. وحكى المرعشي قولاً: أن الأكل والشرب يحرمان دون غيرهما. وعلى المذهب: إذا تطهر منه .. صحت الطهارة وعصى بالفعل، ولو أكل أو شرب فيهما .. عصى وكان الطعام والشراب حلالاً. ومن الاستعمال المحرم: الأكل بملعقة منهما، والتطيب من قارورتهما، والاحتواء على مجمرتهما، بخلاف إتيان الرائحة إليه من بعد، بحيث إنه لا ينسب إلى أنه متطيب بهما، فإن قصد تطييب البيت .. عد مستعملاً، صرح به المحب الطبري. ويحرم تخليل الأسنان بخلالهما، والاكتحال بميلهما، واستعمال الإبرة والمرآة منهما.

стр. 87

وَكَذَا اَتَّخَاذُهُ فِي اَلأَصَحَّ. وَيَحِلُّ الْمُمَوَّهُ فِي اَلأَصَحَّ، ــ والحيلة في الاستعمال: أن يخرج الطعام من الإناء على شيء بين يديه، ثم يأكل، وأن يضع الطيب في يسراه، ثم يستعمله منها بيمينه. قال: (وكذا اتخاذه في الأصح)؛ لأن ما لا يجوز استعماله يحرم اتخاذه، كآلات الملاهي. والثاني: لا؛ لأن النبي ﷺ نهى عن استعماله، والنهي الوارد إنما هو في الاستعمال، وليس كآلات الملاهي؛ لأن اتخاذها يدعو إلى استعمالها، بخلاف هذه. والصواب: أن الخلاف قولان منصوصان، كما صرح بهما الشيخ أبو حامد، والمحاملي، والبندنيجي، ونصر المقدسي، وصاحب (العدة)، وابن الرفعة. وفي جواز تزيين الحوانيت والبيوت بآنية النقدين وجهان، لم يصحح الرافعي منهما شيئاً. والأصح في (الروضة) و (شرح المهذب): التحريم. قال: (ويحل المموه في الأصح)، سواء موه بذهب أو بفضة؛ لاستهلاكه؛ وهذا بناء على أن التحريم للعين. والثاني: لا يحل بناء على أنه للخيلاء، واختاره الشيخ في (تنزيل السكينة). ثم الحل محله: إذا لم يحصل منه شيء بالعرض على النار، فإن حصل .. حرم قطعاً. و (التمويه): الطلي، ومنه تمول القول، وهو: تلبيسه. فروع: يحرم تمويه السقف والجدار بهما بلا خلاف، فإن حصل منه شيء بالعرض على النار .. حرمت استدامته، وإلا .. فلا.

стр. 88

وَاَلنَّفِيسُ – كَيَاقُوتٍ – فِي اَلأَظْهَرِ. ــ والأصح في (شرح المهذب) في بابي (اللباس) و (الزكاة): أنه لا يجوز تمويه الخاتم والسيف وغيرهما من آلة الحرب بالذهب، وهو مقتضى كلام الرافعي في (الزكاة)، وهو مخالف للمذكور هنا، إلا أن يحمل التحريم هناك على ما يلبس؛ لما فيه من كثرة الخيلاء، والمذكور هنا على غيره، أو يحمل المذكور هناك على نفس الفعل، وهنا على الاستعمال، ولهذا عبروا هناك بالتمويه وهنا بالمموه. ولو اتخذ إناء من أحد النقدين وموهه بنحاس ونحوه .. فالأصح عند المصنف: أنه لا يحرم استعماله، واعترض عليه بأن المعنى الصحيح الذي نص عليه الشافعي في الجديد: أن التحريم لعينها. ومعنى الخيلاء حكي عن القديم لا غير، وحينئذ فالأصح: التحريم، وهو مقتضى كلام الرافعي. والأصح عن الشيخين: حرمة تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب والفضة، وخالفهما الشيخ فصحح الحل – وفاقاً للقاضي حسين – وقال: المنع لاسيما في الكعبة بعيد شاذ غريب في المذاهب كلها، قل من ذكره، ولا وجه له، ولا دليل يعضده، هذا في التحلية بصفائح النقدين، أما التمويه .. فلا أمنع من جريان خلاف فيه؛ لأن فيه إفساد ماليته. فالتمويه عنده أضعف من التحلية. قال: (والنفيس – كياقوت – في الأظهر)؛ لأنه لا يعرفه إلا الخواص، ولم يرد فيه نهي، ولا يظهر فيه معنى السرف والخيلاء، لكنه مكروه. قال الشافعي ﵁: إنما أكره لبس الياقوت والزبد جد من جهة السرف، فلو اتخذ لخاتمه فصاً منها .. جاز قطعاً. والقول الثاني نص عليه في (حرملة): يحرم؛ لأنه أعظم من السرف في النقدين. قال في (شرح المهذب): ومن النفيس المرجان والعقيق والبلور، لكن في (الحاوي): أن البلور ليس من النفيس، وأن المتخذ من الطيب والعنبر والمسك والكافور منه.

стр. 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقيد في (المحرر) النفيس بكونه من الجواهر، وهو أولى من تعبير المصنف؛ لإخراج ما نفاسته من صنعته، كالزجاج والبلور والخشب المحكم الخرط، فإنه حلال بلا خلاف، وتعبير المصنف أولى لإدخال المتخذ من الطيب، فالأحسن حذف الجواهر وتقييد النفيس بالذات. فائدة: (الياقوت): فارسي معرب، الواحدة ياقوتة، وجمعه: يواقيت. روى ابن عدي [١/ ١٧٢] – في ترجمة أحمد ابن أبي أحمد – عن أنس: أن النبي ﷺ قال: (من اتخذ خاتماً، فصه ياقوت .. نفي عنه الفقر)، قال ابن الأثير: يريد أنه إذا ذهب ماله .. باع خاتمه فوجد به غنى. قال: والأشبه إن صح الحديث .. أن يكون لخاصة فيه، كما أن النار لا تؤثر فيه ولا تغيره، وأن من تختم به .. أمن من الطاعون، وتيسرت له أمور المعاش، ويقوى قلبه وتهابه الناس، ويسهل عليه قضاء الحوائج. وفي (كامل ابن عدي) [٣/ ٣٨٧]: عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: (الحجر الأسود من ياقوت الجنة، فمسحه المشركون فاسود من مسحهم). وفي (كتاب الخصائص) لأبي الربيع سليمان بن سبع السبتي: أن النبي ﷺ أعطى علياً فصاً من ياقوت، وأمره أن ينقش عليه: لا إله إلا الله، ففعل وأتى به إلى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : (ألم آمرك أن تنقش عليه: لا إله إلا الله؟ فلم زدت: محمد رسول الله؟) فقال: والذي بعثك بالحق ما فعلت إلا ما أمرتني به! فهبط جبريل عليه – ﷺ – وقال: يا محمد؛ إن الله يقول لك: (أحببتنا فكتبت اسمنا، ونحن أحببناك فكتبنا اسمك)). والفيروزج: حجر أخضر تشوبه زرقة، يصفو لونه مع صفاء الجو، ويتكدر

стр. 90

وَمَا ضُبَّبَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ضَبَةً كَبِيرَةً لِزِينَةٍ .. حَرُمَ، أَوْ صَغِيرَةً بِقَدْرِ اَلْحَاجَةِ .. فَلاَ، أَوْ صَغِيرَةً لِزِينَةٍ، أَوْ كَبِيرَةً لَحِاجَةٍ .. جَازَ فِي الأَصَحَّ. ــ بتكدره، ومن خواصه: أنه لم ير في يد قتيل خاتم منه أبداً. والمرجان إذا علق على طفل .. امتنعت عنه أعين السوء من الجن والإنس. والبلور من علق عليه .. لم ير منام سوء. قال: (وما ضبب بذهب أو فضة ضبة كبيرة لزينة .. حرم)؛ للسرف والخيلاء، وتحرم الضبة الكبيرة إذا كان بعضها للزينة وبعضها للحاجة. و (المضبب): الذي فيه ضبة، وهي: صفيحة يسمر بها موضع الشق من الإناء ونحوه، وجمعها: ضباب. قال: (أو صغيرة بقدر الحاجة .. فلا)؛ لما روى البخاري [٥٦٣٨] ﵁ عن عاصم الأحوال قال: (رأيت قدح رسول الله ﷺ عند أنس بن مالك ﵁ وكان قد انصدع، فسلسله بفضة. قال أنس ﵁: لقد سقيت رسول الله ﷺ من هذا القدح أكثر من كذا وكذا). و (الصدع): الشق، والفاعل له أنس ﵁، كما قاله ابن الصلاح. قال: (أو صغيرة لزينة، أو كبيرة لحاجة .. جاز في الأصح). أما الأولى .. فلقدرة معظم الناس على مثلها. وأما الثانية .. فلظهور قدر الحاجة فيها. والثاني: لا؛ لظهور معنى الخيلاء. وروى البيهقي [١/ ٢٩] – بإسناد جيد – عن ابن عمر ﵄: (أنه كان لا يشرب من قدح فيه حلقة فضة، ولا ضبة فضة). وعن عائشة ﵂: (أنها نهت عن تضبيب الأقداح بالفضة)، فلذلك قيل: يحرم استعمال المضبب مطلقاً. وقيل: لا مطلقاً، بل يكره. وضابط القلة والكثرة: العرف. ومتى شككنا في الكبيرة .. فالأصل: الإباحة.

стр. 91

وَضَبَّةُ مَوْضِع اَلاِسْتِعْمَالِ كَغَيْرِهِ فِي الأَصَحَّ. قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: تَحْرِيمُ ضَبَّةِ الذَّهَبِ مُطْلَقاً، وَاللهُ أَعْلَمُ. ــ وقيل: الكبيرة ما تستوعب جانباً من الإناء، كدور رأسه أو أعلاه أو أسفله أو شفته، وقيل: ما يلوح من بعد. و (الحاجة): المأربة، والجمع: حاج وحاجات وحوج، وحوائج على غير قياس، وكان الأصمعي ينكره ويقول: إنه مولد، وإنما أنكره؛ لخروجه عن القياس، وإلا فهو كثير في كلام العرب، وينشد [من الوافر]: نهار المرء أمثل حين يقضي .... حوائجه من الليل الطويل قال: (وضبة موضع الاستعمال كغيره في الأصح)؛ لأن الاستعمال منسوب إلى الإناء كله. والثاني: إن كنت في موضع الاستعمال .. حرم؛ لأنه يقع به الاستعمال. قال: (قلت: المذهب: تحريم ضبة الذهب مطلقاً والله أعلم)؛ لأن الحديثين السابقين إنما هما في الفضة، ولا يلزم من جوازه جواز الذهب، لاسيما وقد قال ﷺ في الذهب والحرير: (هذا حرامان على ذكور أمتي). ونقل الرافعي ﵀ خلافه عن المعظم، فلو اضطر إليها .. جازت بلا خلاف. وفي المراد بـ (الحاجة) احتمالان للإمام: أحدهما: أن تكون الضبة على قدر موضع الكسر، لا تتجاوزه إلا بمقدار ما يستمسك، سواء وجد غيرها أم لا، والمراد بـ (الزينة): ما وراء ذلك. والثاني: أن يعدم ما يضبب به من غير النقدين. فروع: شرب بكفه وفي أصبعه خاتم فضة، أو في الإناء الذي شرب منه دراهم .. جاز ولو أثبتت الدراهم في الإناء بالمسامير، فهو كالضبة، وقطع القاضي حسين بجوازه.

стр. 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولو اتخذ للإناء رأساً أو حلقة أو سلسلة من فضة .. صرح جماعة بالجواز، وعللوا الرأس بأنه منفصل عن الإناء لا يستعمل معه. قال (في المهمات): وكذلك الحرير أيضاً إنما يحرم منه ما تعلق بالبدن كالجلوس عليه، وحينئذ فيكون غطاء العمامة، وكيس الدراهم، ونحو ذلك من الحرير أولى بالجواز من غطاء الكوز وما يوضع فيه. ويستحب تغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وهو: شد رأسه بخيط أو نحوه. تتمة: أواني المشركين وثيابهم – إن كانوا لا يتعبدون باستعمال النجاسة كأهل الكتاب – فهي كآنية المسلمين وثيابهم؛ لأن النبي ﷺ توضأ من مزادة مشركة، وتوضأ عمر ﵁ من جر نصرانية. والجر والجرار جمع جرة. وكره استعمالها لعدم تحرزهم، قال الشافعي ﵁: وأنا لما يلي أسافلهم من الثياب أشد كراهة. وخص البندنيجي الكراهة بما عدا آنية الماء، واستدل بفعله ﷺ . وإن كانوا يتدينون باستعمال النجاسة، كطائفة من المجوس يغتسلون ببول البقر تقرباً .. ففي جواز استعمالها وجهان أخذاً من القولين في تعارض الأصل والغالب، ويجري الوجهان في أواني مدمني الخمر وثيابهم، وثياب القصابين الذين لا يحترزون من النجاسة، والأصح: الجواز. * * *

стр. 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خاتمة سئل فقيه العرب عن الوضوء من الإناء المعوج، فقال: إن أصاب الماء تعويجه .. لم يجز، وإلا .. جاز. والمراد بـ (المعوج): المضب بالعاج، وهو: ناب الفيلة، ولا يسمى غير نابها عاجاً، والصورة فيما دون القلتين. وليس مراد ابن خالويه والفقهاء والحريري بفقيه العرب شخصاً معيناً، إنما يذكرون ألغازاً وملحاً ينسبونها إليه، وهو مجهول لا يعرف، ونكرة لا يتعرف. * * *

стр. 94

باب أسباب الحدث هِيَ أَرْبَعَةٌ: ــ قال: (باب) أي: هذا باب أفصل به الكلام عما قبله. و (الباب): ما يتوصل منه إلى الشيء، وجمعه: أبواب. قال الزمخشري: وإنما بوب المصنفون في كل فن من كتبهم أبواباً موشحة الصدور بالتراجم؛ لأن القارئ إذا ختم باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر .. كان أنشط له، وأهز لعطفه، وأبعث على الدرس والتحصيل، بخلاف ما لو استمر على الكتاب بطوله، ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلاً، أو طوى فرسخاً، أو انتهى إلى رأس بريد .. نفس ذلك عنه ونشط للمسير. ومن ثم كان القرآن سوراً، وجزأه القراء أسباعاً وعشوراً وأخماساً وأحزاناً. قال: (أسباب الحدث هي أربعة). (الأسباب): جمع سبب، وهو: كل شيء يتوصل به إلى غيره. و (الحدث) تقدم بيانه. وهذه العبارة أحسن من التعبير بنواقص الوضوء؛ لأن الأصح: أنها غايات له، فيقال: انتهى الوضوء كانتهاء الصوم بالغروب. لكن سيأتي إن شاء الله تعالى التعبير بالنقض في قوله: (فخرج المعتاد نقض). وقدمه على الوضوء كما قدم هو وغيره موجب الغسل على الغسل، وهو ترتيب طبيعي؛ فإن رفع الحدث إنما يكون بعد وجوده، وعكس في (الروضة) تبعاً للرافعي وجماعة. وكونها أربعة تبع فيه الجمهور، فلا يرد ما زاده المحاملي من: انقطاع الحدث الدائم؛ لأنه لم يرفع الحدث. ونزع الخف؛ لأنه يكفي فيه غسل الرجل على الأصح، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 95

أَحَدُهَا: خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ، ــ ولا الردة؛ لأنها لا تبطله على الأصح. ولا أكل لحم الجزور على المذهب، والقديم: النقض به، وصححه المصنف من جهة الدليل، وعلى المذهب يندب الوضوء من أكله خروجاً من الخلاف، وفيه نظر من جهة النية؛ لأن الجزم بها لا يمكن، ونية التجديد لا تفيد رفع الحدث في الأصح، فلا فائدة له. وكذا الكلام في استحباب غسل المجنون إذا أفاق. ولا قهقهة المصلي. ولا النجاسة الخارجة من غير السبيلين كالفصد والحجامة، خلافاً لأبي حنيفة وأحمد. لنا ما روى أبو داوود [٢٠٠] – بإسناد صحيح – عن جابر ﵁: (أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ حرسا المسلمين في غزوة ذات الرقاع، فقام أحدهما يصلي فرماه رجل من الكفار بسهم، فنزعه وصلى ودماؤه تجري)، وعلم النبي ﷺ به ولم ينكره. وأما صلاته مع الدم .. فلقلة ما أصابه منه. قال: (أحدها: خروج شيء من قبله أو دبره)؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾. وفي (الصحيحين) [خ ١٣٧ – م ٣٦١]: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً). وفيهما [خ ١٣٢ – م ٣٠٣] في المذي: (يغسل ذكره ويتوضأ). وفي (سنن أبي داوود) [١٧٨] و (الترمذي) [٧٤] بإسناد صحيح: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح). وانعقد الإجماع على ذلك في البول والغائط والريح، وقيس عليها ما عداها. ولا فرق في الخارج بين الطاهر والنجس، والنادر والمعتاد، والعمد والسهو،

стр. 96

إِلاَّ اَلْمَنِيَّ ــ والطوع والإكراه، والقليل والكثير، انفصل أم لا. فلو أخرجت دودة رأسها ثم عادت .. فالأصح: الانتقاض بذلك. ولو كان له فرجان .. انتقض الوضوء بالخارج من كل منهما. والمشكل ينتقض وضوؤه بالخارج من فرجيه جميعاً، فإن خرج من أحدهما .. فلا؛ لاحتمال زيادته. قال: (إلا المني)؛ فإنه أوجب غسل أعظم الأمرين بخصوصه، فلا يوجب أدونهما بعمومه كزنا المحصن، والمراد: مني نفسه، فلو خرج مني غيره من قبل نفسه أو دبره .. انتقض جزماً. وعن القاضي أبي الطيب: أن خروج المني ينقض، ويصير به جنباً محدثاً، وهو قوي؛ لأنه خارج من السبيلين كالحيض، وهو يوجب الغسل والوضوء بالاتفاق، كما حكاه الماوردي وابن عطية، فلذلك اختاره الشيخ وصححه الرافعي في كتابه: (المحمود)، وهو: كتاب مبسوط، وصل فيه إلى أثناء الصلاة في ثماني مجلدات ولم يكمله. ولعدم النقض بخروج المني فائدتان: إحداهما: إذا كان محدثاً فاغتسل للجنابة .. ففي صحة صلاته خلاف، وهاهنا إذا اغتسل .. صحت صلاته بلا خلاف. والثانية: إذا تجردت جنابته عن الحدث، فتيمم لها عند عجزه عن استعمال الماء .. فله أن يصلي ما شاء من الفرائض بتيمم واحد، ما لم يحدث ولم يمكنه استعمال الماء، كالحائض إذا تيممت لاستباحة الوطء أو الصلاة، ثم أحدثت .. يجوز وطؤها ومكثها في المسجد، ما لم تجد الماء أو يعود حيضها.

стр. 97

وَلَوِ اَنْسَدَّ مَخْرَجُهُ وَاَنْفَتَحَ تَحْتَ مَعِدَتِهِ فَخَرَجَ اَلْمُعْتَادُ .. نَقَضَ، وَكَذَا نَادِرٌ كَدُودٍ فِي اَلأَظْهَرِ، ــ وسيأتي في (التيمم) إن شاء الله تعالى: أن هذه الصورة تستثنى من قوله: (ولا يصلي بتيمم غير فرض). قال: (ولو انسد مخرجه وانفتح تحت معدته فخرج المعتاد .. نقض) أي: قطع دوام حكم الطهارة قولاً واحداً؛ إذ لا بد للإنسان من مخرج يخرج منه البول والغائط، فإذا انسد الأصلي .. قام ما انفتح مقامه. وفي (الشرح الصغير) وجه: أنه لا ينقض. و (المعتاد): البول والغائط، واحترز به عن النادر، كالدم والقيح، وكذلك الريح في (الشرح الكبير). والمذهب في (الروضة): أنه من المعتاد. و (المعدة) بفتح الميم وكسر العين: موضع الطعام قبل أن ينحدر إلى الأمعاء، وهي بمنزلة الكرش لذوات الأظلاف والأخفاف، والجمع: معد، وكان القياس أن يقولوا: معد، كما قالوا في جمع نبقة: نبق، وفي جمع كلمة: كلم، ولم يقولوا كذا، بل عدلوا عنه إلى أن فتحوا المكسور وكسروا المفتوح. قال: (وكذا نادر كدود في الأظهر)؛ لأنا جعلناه كالأصلي. والثاني: لا، وصححه البغوي؛ لأنا أقمنا المنفتح مقام الأصل للضرورة، ولا ضرورة في خروج غير المعتاد؛ لأن الضرورة في جعله مخرجاً إنما هي في المعتاد. والمصنف أطلق المسألة، ومحلها: إذا كان الانسداد لعارض، فإن كان أصلياً .. ففي (الحاوي): أنه لا خلاف في الانتقاض بالخارج من المنفتح، سواء كان دون المعدة أو فوقها.

стр. 98

أَوْ فَوْقَهَا وَهُوَ مُنْسَدٌّ، أَوْ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْفَتِحٌ .. فَلاَ فِي اَلأَظْهَرِ ــ وتصويرهم المسألة بما إذا انسد الأصلي .. يشير إلى ما ذكره، وإن كان المصنف قال: لم أر لهم تصريحاً بموافقته ولا مخالفته. قال: (أو فوقها وهو منسد، أو تحتها وهو منفتح .. فلا في الأظهر)؛ لأنه من الأعلى كالقيء، من الأسفل كالجائفة، ولأن العادة فيما تحيله الطبيعة أن تلقيه إلى أسفل. وإذا حكمنا بنقض الوضوء بالخارج من هذا المخرج، فهل يجوز الاقتصار فيه على الحجر؟ فيه ثلاثة أقوال: الأظهر في (الروضة): لا. والثاني:: نعم. والثالث: يجوز في المعتاد دون النادر. والأصح: أنه لا يجب الوضوء بمسه، ولا الغسل بالإيلاج فيه، ولا يحرم النظر إليه إذا كان فوق السرة أو محاذياً لها، ولا يثبت الوطء فيه شيئاً من أحكامه، أي: أحكام الوطء، سوى الغسل على وجه. وقيل: يثبت المهر، وسائر أحكام الوطء. والثاني: ينقض فيهما كالمخرج المعتاد. هذا كله في الانسداد العارض لعلة، ويكون حكم السبيلين جارياً عليهما في النقض وغيره، فإن كان الانسداد من أصل في الخلقة .. فسبيل الحدث هو المنفتح، والخارج منه ناقض، سواء كان فوقها أم لا. والمنسد كالعضو الزائد من الخنثى، كذا قاله الماوردي ولم يتعرض له أحد سواه، وحكم الرجل والمرأة، والقبل والدبر في ذلك سواء على المذهب. تذنيب: ادعى المصنف أن مراد الشافعي والأصحاب ﵃ بـ (المعدة): السرة، وأن حكم المنفتح في السرة أو في محاذاتها حكم ما فوقها، واستغربه ابن الرفعة؛ لأن المعدة: الموضع الذي يستقر فيه الطعام، وهو ما بين السرة وثغرة الصدر، وهذا هو

стр. 99

اَلثَّانِي: زَوَالُ اَلْعَقْلِ، ــ المعروف عند الأطباء واللغويين وأكثر الفقهاء. أهـ قال: (الثاني: زوال العقل)، وهو يحصل بأمور: أحدها: الجنون، وهو: مرض يزيل الشعور من القلب، مع بقاء القوة والحركة في الأعضاء. وثانيها: (الإغماء)، وهو: زوال الشعور مع فتور الأعضاء. وثالثها: (السكر)، وهو: خبل في العقل، مع طرب، واختلاط نطق. و (النوم): استرخاء أعصاب الدماغ، برطوبات البخار الصاعد إليه. وقيل: موت خفيف، والموت: نوم ثقيل، وهو ناقض لقوله ﷺ : (العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ) رواه أبو داوود [٢٠٥] وابن ماجه [٤٧٧] بإسناد حسن. وما عدا النوم مقيس عليه؛ لأن الذهول معها أبلغ من النوم. ونقل ابن المنذر الإجماع على النقض بالجنون والإغماء، وكذلك السكر الذي يزيل الشعور بخلاف أوائله، وقيل: إنه لا ينقض بالكلية بناء على أنه كالصاحي. والنوم الناقض هو الذي يزول معه الشعور، بخلاف النعاس الذي يسمع فيه كلام الحاضر وإن لم يفهم معناه. فائدة: العقل: التثبت في الأمور، وجمعه: عقول، سمي ذلك؛ لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، أي: يحبسه. وقيل: هو التمييز الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوان، وهو ضد الحمق. وقال الحارث المحاسبي: هو نور في القلب يفيد الإدراك، وذلك النور يقل ويكثر، فإذا قوي .. قمع ملاحظة الهوى.

стр. 100

إِلاَّ نَوْمَ مُمَكَّنٍ مَقْعَدَهُ. ــ قيل لعمرو بن العاصي ﵁: ما بال قومك لم يؤمنوا، وقد وصفهم الله تعالى بالعقل فقال: ﴿أَمْ تَامُرُهُمْ أَحْلامُهُم بِهَذَا﴾؟ - وكانت قريش تدعى أهل الأحلام والنهى – فقال: (تلك عقول كادها الله) أي: لم يصحبها التوفيق. وقال قوم: أحلامهم: أذهانهم، وإن العقل لا يعطى لكافر؛ إذ لو كان له عقل .. لآمن، إنما يعطى الكافر الذهن. روى الترمذي الحكيم بسنده: أن رجلاً قال: يا رسول الله؛ ما أعقل فلاناً النصراني؟ فقال ﷺ : (مه، إن الكافر لا عقل له، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾)؟ وأجاب الجمهور بحمل هذا على العقل النافع. واختلف العلماء ﵃ في محل العقل: فقال أصحابنا وجمهور المتكلمين: إنه في القلب. وقال أصحاب أبي حنيفة وأكثر الأطباء: إنه في الدماغ. قال: (إلا نوم ممكن مقعده)، فلا ينقض سواء كان على أرض أو على دابة؛ لما روى مسلم [٣٧٦] عن أنس: (أن أصحاب النبي ﷺ كانوا ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون). ولفظ (أبي داوود) [٢٠٢]: (كانوا ينتظرون العشاء، فينامون حتى تخفق رؤوسهم الأرض، ثم يصلون ولا يتضؤون)، وحمل على نوم المتمكن جمعاً بين الأحاديث. وفي (البويطي): أن النوم ينقض، وبه قال المزني. والصحيح: أنه مظنة للحدث، فلو كان مفرط الهزال .. فهو عند الرافعي محدث مع تمكنه. وجعل ابن الرفعة هذا وجهاً، فقال: وفي الهزيل وجه. والمعتمد: ما في (الرافعي). وكان الأحسن أن يعبر بالغلبة على العقل؛ ليصح استثناء النوم؛ فإنه لا يزيل العقل. وقيل: نوم المحتبي ناقض. وقيل: النوم في الصلاة لا ينقض، ولو كان ساجداً؛ لقوله ﷺ :

стр. 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (إذا نام العبد في سجوده .. باهي الله تعالى به الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبدي، روحه عندي وجسده بين يدي). ولقوله ﵎: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا﴾، فأخرجه مخرج المدح. وعن أبي موسى الأشعري ﵁، وابن المسيب ﵀، وغيرهما: (لا ينقض النوم مطلقاً)، وإليه ذهبت الشيعة. فإن قيل: قد سبق أن خروج الريح من القبل ناقض، فما فائدة التمكن؟ .. جوابه: أن ذلك نادر. فروع: لا فرق في النائم المتمكن بين: أن يكون مستنداً إلى شيء بحيث لو أزيل لسقط، أو لم يكن مستنداً على الصحيح. ولو تحفظ بخرقة ونام غير قاعد .. انتقض وضوءه. ولو نام على قفاه ملصقاً مقعدته بالأرض .. انتقض أيضاً. ولو شك: هل نام أو نعس؟ أو هل نام متمكناً أو لا؟ لم ينتقض وضوءه. ولو رأي رؤيا وشك في النوم .. انتقض ولا فرق في نوم المتمكن بين: المتربع والمفترش والمتورك، وكذا المحتبي على الأصح. ولو نام متمكناً فسقطت يده على الأرض .. لم ينتقض ما لم تزال إليته عن التمكن. ويستحب الوضوء من النوم متمكناً؛ للخروج من الخلاف. وكان من خصائص النبي ﷺ : أن وضوءه لا ينتقض بالنوم مضطجعاً؛ ففي (الصحيحين) [خ ١٣٨ - م ٣٦٣]: (أنه ﷺ نام حتى

стр. 102

الثَّالِثُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتَيِ اَلرَّجُلِ وَاَلْمَرْأَةِ إَلاَّ مَحْرَماً فِي اَلأَظْهَرِ. ــ سمع غطيطه، ثم صلى). وقال ﷺ : (إن عيني تنامان ولا ينام قلبي). ولا معارضة بينه وبين حديث الوادي؛ لأن طلوع الشمس ونحوهما مما يدرك بالصبر لا بالقلب. قال: (الثالث: التقاء بشرتي الرجل والمرأة)، عمداً كان أو سهواً، بشهوة أو غيرها، من حي أو ميت، عالماً أو جاهلاً، مختاراً أو مكرهاً؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. عطف اللمس على المجيء من الغائط، ورتب عليهما الأمر بالتيمم عند تعذر الماء، فدل على أنه حدث كالغائط. ولا يختص اللمس بالجماع؛ لقوله ﷺ لماعز: (لعلك لمست). وروي عن ابن عمر ﵄ وغيره: أن المراد باللمس في الآية: الجس باليد، ويشهد له قوله تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾. والمراد بـ (البشرة): ظاهر الجلد، وفي حكمها اللسان واللثة قاله الدارمي. واحترز بـ (المرأة) عن لمس العضو المبان منها؛ فإنه لا ينقض على الأصح. وعن لمس الأمر الحسن، فإنه لا ينقض خلافاً للإصطخري. والعضو الزائد كالأصلي، والأشل كالسليم، ووقع في (رؤوس المسائل): أن لمس الميتة لا ينقض، وكأنه سبق قلم. وشملت عبارته العجوز التي لا تشتهي فتنقض على الأصح؛ إذ ما من ساقطة إلا ولها لاقطة. قال: (إلا محرماً في الأظهر)، سواء كانت من نسب أو رضاع أو مصاهرة؛ لخروجها عن مظنة الشهوة، حتى لو لمسها بشهوة .. لم ينتقض أيضاً؛ لأنها كالرجل في حقه.

стр. 103

وَاَلْمَلْمُوسُ كَلاَمِسٍ فِي اَلأَظْهَرِ، ــ والثاني: نعم؛ لعموم الآية، والقولان مبنيان على أنه: هل يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه أو لا؟ وقيل: إن كانت من النسب .. لا تنقض، أو من غيره .. نقضت، حكاه في (شرح المهذب). وضابط المحرم التي لا تنقض الوضوء بمسها، ويجوز النظر إليها والخلوة والمسافرة بها: كل امرأة حرم نكاحها، على التأبيد، بسبب مباح، لحرمتها. فخرج بالتأبيد: أخت الزوجة وعمتها وخالتها. وبالسبب المباح: ما إذا وطئ امرأة بشبهة .. فإن أمهاتها وبناتها – وإن حرمن عليه على التأبيد – لا تثبت المحرمية لهن على الصحيح؛ لأن السبب ليس مباحاً. وبحرمتها: الملاعنة؛ فإن تأبيد حرمتها عقوبة لهما. وهذا الضابط ينتقض طرداً بأزواج النبي ﷺ ؛ فإن الحد صادق عليهن ولسن بمحارم. وعكساً بما إذا عقد على امرأة ثم دخل بها وهي حائض أو نفساء أو محرمة أو صائمة صوماً واجباً .. فإن بنتها تحرم عليه بالوطء، وهو حرام. ولو شك: هل لمس محرمه أو أجنبية؟ لم ينتقض؛ لأن الأصل بقاء الطهارة. قال: (والملموس كلامس في الأظهر)؛ لاشتراكهما في اللذة الحاصلة في اللمس، فاستويا في حكمه، واستدل له ابن المنذر بحديث عاصم حمي الدبر، فإنه حلف أن لا يمس مشركاً، فلما مات غسلته الملائكة، قال ﷺ : (قد أبر الله قسمه). والثاني: لا ينتقض طهر الملموس؛ لما روى مسلم [٤٨٦] عن عائشة قالت:

стр. 104

وَلاَ تَنْقُضُ صَغِيرَةٌ وَشَعرٌ وَسِنٌ وَظُفْرٌ فِي اَلأَصَحَّ. اَلرَّابِعُ: مَسُّ قُبُلِ اَلآدَمِيَّ ــ فقدت رسول الله ﷺ في الفراش ليلة، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه، وهو في سجوده وهما منصوبتان، وهو يقول: (اللهم؛ إني أعوذ برضاك من سخطك، بمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك). وأجاب الأول باحتمال الحائل. وقيل: إن المرأة لا تزال ملموسة وإن فعلت اللمس. قال: (ولا تنقض صغيرة) أي: لا تشتهى؛ لأنها ليست في مظنة الشهوة. والمرجع في المشتهاة وغيرها إلى العرف على الصحيح. وقال الشيخ أبو حامد: التي لا تشتهى: من لها سبع سنين فما دونها. واحترز على التي تشتهى؛ فإنها تنقض قطعاً. قال: (وشعر وسن وظفر في الأصح)؛ لأنها لا تقصد للشهوة لعدم الإحساس، ولأن الالتذاذ بهذه الأشياء بالنظر دون اللمس. والثاني: تنقض، أما في الصغيرة .. فلعموم الآية، وأما في البواقي .. فقياساً على سائر أجزاء البدن، ولهذا يسوى بين الجميع في الحل بالنكاح والحرمة بالطلاق، وغسل الجنابة وإضافة الطلاق والعتق إليها. والمراد بـ (الشعر): المتصل، أما المنفصل .. فلا ينقض قطعاً، لكن نص الشافعي على استحباب الوضوء من مس شعر الأجنبية. ولو تيقن لمسها وشك: هل لمس شعرها أو ظفرها أو غيرهما؟ أو هل لمسها بشعره أو ظفره أو غيرهما؟ لم ينتقض. و (الشعر): بفتح العين وسكونها. ويجوز في (الظفر) ضم الظاء مع سكون الفاء وضمها، وكسر الظاء مع إسكان الفاء وكسرها، وأظفور كعصفور، ويجمع على أظفار وأظافير. قال: (الرابع: مس قبل الآدمي) أي: جزء منه، من نفسه أو غيره، من رجل

стр. 105

بِبَاطِنِ اَلْكَفَّ، ــ أو امرأة، صغير أو كبير، حي أو ميت، متصل أو مبان، عمداً أو سهواً؛ لما روت بسرة بنت صفوان – جدة مروان لأبيه – أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من مس الذكر فليتوضأ)، حسنه الترمذي [٨٢]، وصححه ابن حبان [١١١٢] والدارقطني [١/ ١٤٦] والحاكم [١/ ١٣٧]، لكن ضعفه أحمد وابن معين. وروى الشافعي [أم ١/ ١٩] وأحمد [٢/ ٣٣٣]: (من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر. فقد وجب عليه الوضوء)، وفيه ضعف، لكن يقوى بكثرة طرقه. فثبت النقض في فرج نفسه بالنص، وقيس عليه فرج غيره؛ لأنه أفحش. وروت عائشة أن النبي ﷺ قال: (ويل للذين يمسون فروجهم ولا يتوضؤون)، قالت عائشة: بأبي أنت وأمي، هذا للرجال أفرأيت النساء؟ قال: (إذا مست إحداهن فرجها فلتتوضأ) رواه الدارقطني [١/ ١٤٧] بإسناد ضعيف، وصحح الحاكم [١/ ٢٣٤] وقفه عليها. و (الفرج): يشمل القبل والدبر. قال: (بباطن الكف) وهو: الراحة وبطون الأصابع، لما روى الشافعي [شم ١/ ١٣] عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره .. فليتوضأ). والإفضاء – في اللغة – إذا أضيف إلى الكف .. كان عبارة عن اللمس بباطنها. و (الكف) مؤنثة، وسميت كفاً؛ لأنها تكف عن البدن الأذى. والمراد بـ (الباطن): ما يستتر عند إطباق إحدى الراحتين على الأخرى مع تحامل يسير. والمراد بفرج المرأة: ملتقى الشفرين على المنفذ نفسه، دون ما عدا ذلك. وقال أحمد: تنتقض الطهارة بظهر الكف وبطنها.

стр. 106

وَكَذَا – فِي اَلْجَدِيِد – حَلْقَهُ دُبُرِهِ، لاَ فَرْجُ بَهِيمَةٍ. وَيَنْقُضُ فَرْجُ اَلْمَيْتِ وَاَلصَّغِيرِ، وَمَحَلُّ اَلْجَبَّ ــ قال: (وكذا – في الجديد – حلقة دبره) أي: دبر الآدمي قياساً على القبل؛ لأنه في معناه، كما أن الأمة في معنى العبد في قوله: من أعتق شركاً له في عبد. ولأن اسم الفرج في الحديث يشمله. والقديم: لا ينقض؛ لأن النص إنما ورد في القبل. والمراد بـ (حلقة الدبر): ملتقى المنفذ. وفهم من عبارته: أنه لا ينقض مس العانة والأنثيين والأليتين، وما بين القبل والدبر، وهو كذلك. و (الحلقة) بإسكان اللام على المشهور، وكذلك حلقة الحديد والعلم. قال: (لا فرج بهيمة)، فلا ينقض، كما لا يجب ستره، ولا يحرم النظر إليه. وعن القديم: ينقض مس المشقوق منه؛ لأن الغسل يلزم بالإيلاج فيه، فنقض كفرج المرأة. والطير كالبهيمة، كما نقله في (شرح المهذب) عن الدارمي وأقره. أما دبر البهيمة .. فلا ينقض قطعاً. وسميت بهيمة؛ لأنها لا تتكلم. قال: (وينقض فرج الميت)؛ لبقاء الاسم، وشمول الحرمة. قال: (والصغير) ولو كان ابن يوم، سواء مس قلفته التي تزول بالختان أو غيرهما؛ لعموم ما تقدم. قال: (ومحل الجب)؛ لأنه محل خروج الخارج، وخصه القاضي بالثقبة. وقال الرافعي: لا يختص بها، بل يجري في المحل كله. وأطلق المصنف الخلاف هنا، ومحله: إن لم يبق شاخص، فإن بقي شيء .. نقض قطعاً.

стр. 107

وَاَلذَّكَرُ اَلأَشَلُّ، وَبِاَلْيَدِ اَلشَّلاَءِ فِي اَلأَصَحَّ، وَلاَ يَنْقُضُ رَاسُ اَلأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهَا. وَيَحْرُمُ بِاَلْحَدَثِ: اَلصَّلاَةُ، ــ قال: (والذكر الأشل، وباليد الشلاء في الأصح)؛ لعموم الأدلة، والخلاف عائد إلى المسائل الخمس، ومقابله: لا ينقض لخروج ذلك عن مظنة الشهوة. فلو كان له كفان عاملان .. انتقض بكل واحد منهما، وإن كانت إحداهما عاملة .. نقضت دون الأخرى، كذا في (الروضة)، وصحح في (التحقيق) عكسه. وهل يعرف عمل الذكر بالبول أو الجماع؟ وجهان في (جنايات) (الروضة)، وقوة كلام (المهمات) تقتضي ترجيح الأول. و (الشلل): يبس في العضو، يقال: شلت يده تشل بالفتح وأشلها الله. وسيأتي في (الأطعمة) خلاف فيه: هل هو موت العضو أو فساده؟ قال: (ولا ينقض رأس الأصابع وما بينها)؛ لخروجها عن سمت الكف. وقيل: ينقضان؛ لأنهما من جنس بشرة الكف. وقيل: ينقض رأسها دون ما بينها. وإنما ألحق حرف الكف هنا بالظاهر وحرف الخف بباطن الرجل؛ رجوعاً للأصل في الموضعين. وتنقض الإصبع الزائدة على سمت الكف دون غيرها على الأصح فيها. قال: (ويحرم بالحدث: الصلاة) فرضها ونفلها، عيناً وكفاية؛ لقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾، تقديره: إذا قمتم محدثين. وفي (الصحيحين) [خ ١٣٥ – م ٢٢٥]: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ). وفي (الترمذي) [١]: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور)، قال: وهو أصح شيء في الباب، وهو إجماع في ذات الركوع، وسجود التلاوة والشكر. قال ابن الصلاح: وما يفعله عوام الفقراء من السجود بين يدي المشايخ محدثين ..

стр. 108

واَلطَّوَافُ، وَحَمْلُ اَلْمُصْحَفِ، وَمَسُّ وَرَقِهِ، ــ فهو من العظائم، ولو كانوا بطهارة وإلى القبلة، وأخشى أن يكون كفراً. وخطبة الجمعة في معناها، وصلاة الجنازة كغيرها. وفي (الأحوذي): أن الشافعي أجاز صلاتها بلا طهارة، وهذا لا يعرف عن الشافعي، إنما يحكى عن الشعبي وابن جرير. قال: (والطواف) فرضه ونفله، في ضمن نسك وغيره؛ لقول ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أحل فيه الكلام، فمن تكلم .. فلا يتكلم إلا بخير) رواه الحاكم [١/ ٤٥٩] عن ابن عباس، وقال: صحيح الإسناد. وقال المصنف: الصحيح وقفه عليه. وصح: أنه ﷺ توضأ لطوافه وقال: (خذوا عني مناسككم)، وقال لعائشة ﵂ لما حاضت: (افعلي كل شيء غير أن لا تطوفي بالبيت). وقيل: يصح طواف الوداع بلا طهارة. ووقع في (الكفاية): نقله في طواف القدوم، وهو وهم. قال: (وحمل المصحف، ومس ورقه)؛ لإخلاله بالتعظيم، والحمل بذلك أولى، بخلاف المحرم حيث حرم عليه مس الطيب دون حمله؛ لأن تحريم مسه للالتذاذ وهو مفقود في الحمل. وروى الدارقطني [١/ ١٢٢] والحاكم [٣/ ٤٨٥] وابن حبان عن حكيم بن حزام: أن النبي ﷺ قال: (لا يحمل القرآن ولا يمسه إلا طاهر). وقال الله تعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ﴾. والقرآن لا يمس، فعلم أن المراد: الكتاب، وهو أقرب مذكور، ولا يتوجه النهي إلى اللوح المحفوظ؛ لأنه غير ممكن.

стр. 109

وَكَذَا جِلْدُهُ عَلَى اَلصَّحِيحِ، وَخَرِيطَةٌ وَصُنْدُوقٌ فِيهِمَا مُصْحَفٌ، ــ ولا يجوز أن يراد بالمطهرين: الملائكة؛ لأنه نفى وأثبت فكأنه قال: يمسه المطهرون لا غيرهم، والسماء ليس فيها غير المطهرين، فعلم أنه أراد الآدميين. فإن قيل: المراد بالآية الإخبار؛ لأنه ضم السين، ولو أراد النهي .. لفتحها وقال: لا يمسه. قيل: لفظها خبر، ومعناها النهي؛ كقوله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾. ولأنه لو كان خبراً .. للزم الخلف؛ فإن من ليس بمتطهر يمسه، ولا فرق بين أعضاء الوضوء، وغيرها وإن قلنا: الحدث لا يحلها. وفي (التتمة) وجه: أنه لا يحرم إلا مس موضع الكتابة، ويجوز مس الحواشي وما بين الأسطر. وفي وجه حكاه ابن الصلاح عن صاحب (التقريب): أنه يجوز مطلقاً. ويجوز مس التوراة والإنجيل وما نسخت تلاوته من القرآن على الأصح. وعنها احترز المصنف بلفظ (المصحف)، وهو مثلث الميم. قال: (وكذا جلده على الصحيح)؛ لأنه كالجزء منه، ولهذا يدخل في بيعه. والثاني: يجوز؛ لأنه ليس جزءاً متصلاً به حقيقة. قال: (وخريطة وصندوق فيهما مصحف)، فيحرم مسهما على الأصح؛ لأنهما متخذان له منسوبان إليه، فإذا اشتملا عليه .. منع المحدث منهما تعظيماً. و (العلاقة) كالخريطة، وهي: وعاء كالكيس من أدم وغيره. ووجه الجواز: أن الأدلة وردت في المصحف، وهذه خارجة عنه. وأفهمت عبارته الجواز في الخريطة والصندوق المنفصلين وهو كذلك، ولو حمل الصندوق وفيه المصحف .. منع اتفاقاً، وكذلك يحرم تحويله من موضع إلى موضع. فإن قيل: تحلية الصندوق ممتنعة بلا خلاف وإن جوزنا تحلية المصحف .. فالجواب: أن ذلك فعل احتياطاً في الموضعين.

стр. 110

وَمَا كُتِبَ لِدَرْسِ قُرْآنٍ كَلَوْحٍ فِي اَلأَصَحَّ، وَاَلأَصَحُّ: حِلُّ حَمْلِهِ فِي أَمْتِعَةٍ، وَتَفْسِيرٍ ــ و (الصندوق) بضم الصاد وفتحها معرب. قال: (وما كتب لدرس قرآن كلوح في الأصح)؛ لأن القرآن أثبت فيه للدراسة فأشبه المصحف. والثاني: لا؛ لأنه لا يقصد به الدوام، قال ابن الرفعة: وبهذا الوجه قطع الأكثرون. قال: (والأصح: حل حمله في أمتعة)؛ لأنه لما لم يكن هو المقصود .. لم يحصل الإخلال بتعظيمه، فإن كان المصحف هو المقصود .. حرم. والثاني: لا يحل له؛ لأنه ممنوع منه عند الانفراد، فمنع تبعاً كحامل النجاسة في الصلاة. وينبغي أن ينظر في حامل حامل المصحف هل يجوز؟ والظاهر: نعم. وفي الأمتعة: هل من شرطها أن تكون ثلاثة أشياء فأكثر، أو يكفي اقل من ذلك؟ وعبارة (الحاوي): إذا حمله مع قماش. والظاهر: أن المراد الجنس. و (الأمتعة) جمع متاع، وهو: المال والأثاث، وجمع الجمع: أماتع. قال: (وتفسير) سواء تميزت ألفاظه بلون أم لا. وصورة المسألة: أن يكون التفسير أكثر، فلو كان القرآن فيه أكثر .. حرم قطعاً، وكذلك الحكم في كتب الفقه، والثوب المطرز بآيات من القرآن، والحيطان المنقوشة به؛ لأنه لا يصدق عليها اسم المصحف. ومقتضى كلام المصنف تسليم الجواز عند التساوي، وهو قياس المذكور في الحرير وغيره، ولهذا يجوز هدم الجدار، ويجوز أكل ما كتب عليه آيات، وشرب الآيات الممحوة بالماء في الأصح.
следующие страницы →