← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13783

النجم الوهاج في شرح المنهاج

الدميري

Полный текст (5 377 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وَيُقَبلَهُ، وَيَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْه، فَإِنْ عَجَزَ .. اسْتَلَمَهُ، فَإِنْ عَجَزَ .. أَشَاَرَ بِيدِهِ، ــ قال: (ويقبله)؛ ففي (الصحيحين) [خ ١٦١١ – م ١٢٦١] وغيرهما عن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قبله. ويستحب أن يخفف القبلة حتى لا يظهر لها صوت. ولا يشرع للنساء استلام ولا تقبيل إلا عند خلو المطاف ليلًا أو نهارًا. قال: (ويضع جبهته عليه) روى الحاكم [١/ ٤٥٥] ذلك من فعل النبي ﷺ من حديث ابن عمر ﵄. وروى ابن ماجه [٢٩٤٥]: أن النبي ﷺ استقبل الحجر فاستلمه ووضع شفتيه عليه يبكي وقال: (يا عمر؛ ههنا تسكب العبرات). فإن أمكنه أن يجعل جبهته عليه ثلاثًا .. فليفعل. قال: (فإن عجز .. استلمه) كما فعل النبي ﷺ ؛ فإنه طاف على بعيره يستلم الركن بمحجن ثم يقبله، رواه مسلم [١٢٧٥] وغيره. و (المحجن) بكسر الميم: عصًا معوجة الرأس. ويقتصر على ذلك إما بيده أو عصا أو نحو ذلك، ثم الأصح أنه يقبل ما استلم به. وقيل: يقبل يده أولًا ثم يستلم وكأنه ينقل إليه القبلة، وقيل: يتخير. قال: (فإن عجز .. أشار بيده)؛ لما روى البخاري [١٦١٣] عن ابن عباس ﵄ قال: (طاف النبي ﷺ بالبيت على بعير كلما أتى الركن .. أشار إليه بشيء عنده وكبر). والمراد: اليد اليمنى، فإن قام بها مانع كقطع .. فلظاهر أنه لا يشير باليسرى كما تقدم في التشهد. ولا يشير إلى القبلة بالفم؛ لأنه لم ينقل. واستحب جماعة من الأصحاب الزحام عند تقبيل الحجر؛ لأن ابن عمر ﵄ كان يزاحم عليه، وذلك مكروه عندنا؛ لأنه روى أنه ﷺ قال لعمر: (إنك رجل قوي تؤذي الضعيف، فإذا أردت أن تستلم الحجر، فإن كان

стр. 1402

وَيُرَاعِي ذَلِكَ فِي كُل? طَوْفَةٍ، وَلَا يقبلُ الر?كْنَيْنِ اللشامِييْنِ وَلاَ يَسْتَلِمُهُمَا. وَيَسْتَلِمَ الْيَمَانِي? وَلاَ يُقَبلَهُ، ــ خاليًا .. فاستلمه، وإلا .. فاستقبله وكبر). قال: (ويراعي ذلك في كل طوفة)؛ لما روى أبو داوود [١٨٧١] بإسناد صحيح: أن عمر ﵄ قال: (كان النبي ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة) والتقبيل مقيس عليه، وهو في الأوتار آكد إذا لم يفعله في كل مرة؛ لقوله ﷺ : (إن الله وتر يحب الوتر). ولأنه يصير مستلمًا في افتتاحه واختتامه وهو أكثر عددًا. قال: (ولا يقبل الركنين الشاميين ولا يستلمهما)؛ لنهما ليسا على قواعد إبراهيم ﵇، ولأن النبي ﷺ لم يستلمهما. قال: (ويستلم اليماني)؛ لما روى الشيخان [خ ١٦٠٩ – م ١٢٦٧] عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني). ورويا [خ ١٦٠٨] عن أبي الشعثاء قال: كان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس ﵄: إنه لا يُستلَم هذان الركنان، فقال،: ليس شيء من البيت مهجورًا، وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن. وأجاب الشافعي ﵁ بأنا نستلم ما كان النبي ﷺ يستلمه، ونمسك عما أمسك عنه، وأيضًا خالف معاوية وابن الزبير ابن عمر وابن عباس وجمهور الصحابة ﵃. قال: (ولا يقبله)؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل عنه: أنه قبله.

стр. 1403

وَأَنْ يَقُولَ أَولَ طَوَافِهِ: (باسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهم?؛ إِيمَانًا بكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتبَاعًا لِسُنةِ نَبِيكَ مُحَمدٍ ﷺ ــ وأما الحاكم ما رواه الحاكم [١/ ٤٥٦] والبخاري في (تاريخه) [١/ ٢٨٩] والدارقطني [٢/ ٢٩٠]: أن النبي ﷺ قبله ووضع خده عليه .. فضعفه البيهقي [٥/ ٧٥]، وإن صح .. فالمراد بـ (اليماني): الذي فيه الحجر الأسود. والأصح: أنه بعد استلامه يقبل يده، بخلاف الأسود؛ فإنه إذا استلمه .. لا يقبل يده إلا إذا عجز عن تقبيل الحجر. والسبب في اختلاف الأركان في هذه الأحكام: أن الركن الأسود فيه فضيلتان: كون الحجر فيه، وكونه على قواعد إبراهيم ﵊، واليماني فيه فضيلة واحدة، وهي: كونه على قواعد إبراهيم، وليس للشاميين شيء من الفضيلتين. و (اليماني) نسبة إلى اليمن، وهو بتخفيف الياء، والألف بدل من إحدى ياءي النسب، ويجوز تشديدها في لغة قليلة، وعلى هذا تكون الألف زائدة. فلو قبل الأركان أو غيرها من البيت .. لم يكره، بل هو حسن، نص عليه. فإن عجز عن استلام اليماني .. ففي (مناسك ابن عبد السلام): أنه يشير إليه كالحجر، وقواه الشيخ محب الدين الطبري. وقال ابن أبي الصيف: لا يشير؛ لأن الإشارة بدل عن القبلة، وهي لا تشرع فيه. قال: (وأن يقول أول طوافه: (باسم الله والله أكبر؛ إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ ) قال الرافعي: كذا رواه عبد الله بن السائب عن النبي ﷺ وهو غريب. ونقل في (المهذب) بعضه عن النبي ﷺ وبعضه عن الصحابة، وهذا الدعاء مستحب في كل طواف

стр. 1404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويستحب مع ذلك افتتاح الطواف بالتكبير .. وفي (الرونق): يستحب رفع اليد معه كالصلاة .. وروى عبد الرزاق عن الحسن أنه كان يقول إذا استلم الركن: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ومواقف الذل .. والمراد بـ (العهد) هنا: الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم بامتثال أمره حيث قال: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) فأمر الله تعالى أن يكتب بذلك عهد وأن يدرج في الحجر الأسود كما تقدم. فروع تتعلق بالطواف:: يجوز الكلام فيه، ولا يبطل به ولا يكره، لكن الأولى تركه إلا في خير كأمر بمعروف ونهي عن منكر، وتعليم جاهل وجواب مستفت .. ويكره أن يبصق فيه، وأن يتنخم، وأن يغتاب، وأن يجعل يديه وراء ظهره كتفًا، وأن يضع يده على فيه إلا في حالة التثاؤب؛ فإن ذلك مستحب، وأن يشبك أصابعه وأن يفرقعها، وأن يكون حاقنًا أو حاقبًا، أو بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، وأن تكون المرأة منتقبة .. ويكره فيه الأكل والشرب، كراهة الشرب أخف. وينبغي أن يكون في طوافه خاضعًا متخشعًا، حاضر القلب، ملازمًا للأدب بظاهره وباطنه، مستحضرًا في قلبه عظمة من يطوف ببيته .. ويلزمه أن يصون نظره عما لا يحل نظره إليه، وقلبه عن احتقار من يراه من الضعفاء والمرضى. ويعلم الجاهل برفق .. وهل الأفضل التطوع في المسجد الحرام بالطواف أو بالصلاة؟ قال المارودي: الطواف أفضل، وظاهر قول غيره: أن الصلاة أفضل ..

стр. 1405

وَلْيَقُلْ قُبَالَةَ الْبَابِ: (اللهُم؛ الْبَيْتُ بَيْتُكَ، وَالْحَرَمٌ حَرَمُكَ، وَالأَمْنٌ أَمْنُكَ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النار)، وَبَيْنَ الْيَمَانِييْنِ: (اللهُم؛ آتِنَا فِي الدنْيَا حَسَنةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةَ وَقِنَا عَذَابَ النارِ)، وَلْيَدْعُ بِمَا شَاَءَ، وَمَاثُورُ الدعَاءِ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ مَاثُوِرِهِ ــ وقال ابن عباس ﵄: (والصلاة لأهل مكة والطواف للغرباء). قال: (وليقل قبالة الباب: (اللهم؛ البيت بيتك، الحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار)) قال الشيخ أبو محمد: ويشير بقوله: وهذا مقام العائذ بك) إلى مقام إبراهيم ﷺ ، وخطأه ابن الصلاح، وصوب: أنه يشير به إلى نفسه. و (قُبالة) بضم القاف، معناه: الجهة التي تقابل الباب. قال: (وبين اليمانيين: (اللهم؛ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) رواه عن النبي ﷺ أبو داوود [١٨٨٧] والنسائي [سك ٣٩٢٠] وابن حبان [٣٨٢٦] والحاكم [١/ ٤٥٥]، لكن بلفظ: (ربنا آتنا) وهو كذلك في كتب الرافعي و (شرح المهذب). و (حسنة الدنيا) قال الحسن: العلم والعبادة، وقيل: العافية، وقيل المال، وقيل: المرأة الحسنة. (وحسنة الآخرة): الجنة بالإجماع. قال: (وليدع بما شاء) من أمر الدين والدنيا؛ لأنه موطن يستجاب فيه الدعاء. وينبغي ألا يجعل حظ دعائه الدنيا، بل ما يتعلق بمهمات الدين ونجاة الآخرة. قال: (ومأثور الدعاء) أي: منقوله (أفضل من القراءة)؛ تأسيًا بمن نزل عليه القرآن ﷺ . قال: (وهي أفضل من غير مأثوره)؛ لأن القراءة أفضل من الذكر وقال الله تعالى: (من شغله ذكري عن مسألتي .. أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل

стр. 1406

وَأَنْ يَرْمُلَ فِي الأَشْوَاطِ الثلاَثَةِ الأُوَلِ، بِأَنْ يُسْرِعَ مَشْيَهُ مُقَارِبًا خُطَاهُ، وَيَمْشِيَ فِي الْبَاقِي،. ــ كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) رواه الترمذي [٢٩٢٦] وقال: جسن. قال الشافعي ﵁: وبلغني عن مجاهد أنه كان يقرأ القرآن وهو طائف. وقال عروة ومالك: تكره القراءة فيه. ومن المأثور في (المستدرك) [١/ ٤٤٥] عن ابن عباس ﵄ أن النبي صلى الله عليه وسلك كان يقول في طوافه: (اللهم؛ قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف لي في كل غائبة لي منك بخير). وفي بعض الأجزاء: أن النبي ﷺ كان يقول إذا حاذى الميزاب: (اللهم؛ إني أسألك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب). قال: (وأن يرمل في الأشواط الثلاثة الأول، بأن يسرع مشيه مقاربًا خطاه، ويمشي في الباقي)؛ لما روى مسلم [١٢٦٢] عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثًا، ومشي أربعًا) فإن تركه .. كره، فإن كان راكبًا أو محمولًا .. ففيه قولان، أصحهما: أنه يرمل به الحامل ويحرك هو دابته. والمشهور: أنه يستوعب بيت بالرمل؛ لحديث ابن عمر ﵄. وقيل: لا يرمل بين اليمانيين؛ لما روى مسلم [١٢٦٦] عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ مكة وأصحابه فقال المشركون: إنه ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركبتين؛ ليرى المشركون جَلَدهُم).

стр. 1407

وَيَخْتَص? الر?مَلُ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ، وَفِي قَوْلٍ: بِطَوَافِ الْقُدُوم، ــ ِ والجواب: أن هذا كان في عمرة القضاء سنة سبع، وحديث ابن عمر ﵄ في حجة الوداع سنة عشر، فكان العمل به أولى. وقوله في الحديث: (فجلسوا مما يلي الحجر) - وهو بكسر الحاء – أراد أنهم جلسوا في قعيقعان، وهو جبل مطل على مكة لا في نفس مكة؛ فإنهم كانوا قد انتقلوا عنها وأخلوها ثلاثة أيام باشتراط وقع بينهم وبين النبي ﷺ . والحكمة في مشروعية الرمل مع زوال سببه الذي شرع له: تذكر نعمة الله تعالى على اعتزاز الإسلام وأهله. واحترز المصنف بـ (تقارب الخطا) عن الوثوب والعد، فلو ترك الرمل في الأول أو الثاني .. أتى به في الذي بعده، وإن تركه في الثلاثة .. لم يفعله في الأربعة الأخيرة؛ لأن هيئته السكون فلا تغير، كمن قطعت مسبحته اليمنى .. لا يشير باليسرى في التشهد، ومن ترك الجهر في الركعتين الأوليين .. لا يجهر في الآخيرتين؛ لتفويته سنة الإسرار. قيل: وكان الأولى أن يعبر بالطوفان دون الأشواط؛ لأن الشافعي ﵁ والأصحاب كرهوا تسميتها أشواطًا، لأن الشوط الهلاك .. لكن قال في (شرح المهذب): إنه لا يكره؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع ولم يثبت. قال: (ويختص بالرمل بطواف يعقبه سعي، وفي قول: بطواف القدوم). أصل هذا: أن الطواف الذي رمل فيه النبي ﷺ وجد فيه المعنيان: السعي بعده وكونه للقدوم، والقول الأول هو الأظهر عند الأكثرين نظرًا إلى الأول، والثاني إلى الثاني، ورجحه الشيخ محب الدين الطبري والشيخ تبعًا للبغوي. فعلى القولين: لا يرمل في طواف الوداع؛ لانتفاء الأمرين، ويرمل من قدم مكة معتمرًا؛ لوجودهما ..

стр. 1408

وَلْيَقُلْ فِيهِ: (اللهُم?؛ اجْعَلْهُ حَجًا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا). وَأَنْ يَضْطَبعَ فِي جَمِيعِ كُل? طَوَافٍ يَرْمُلُ فِيهِ، ــ والمراد: سعي مشروع، فلو رمل في طواف القدوم وسعى بعده .. لم يرمل في طواف الإفاضة إن لم يرد السعي بعده، وكذا إن أراده على الأصح؛ لعد مشروعية السعي حينئذ، قاله الشيخ محب الدين الطبري وغيره. قال: (وليقل فيه) أي: في رمله ((اللهم؛ اجعله حجًا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيا مشكورًا)). قال الرافعي: إن ذلك روي عن النبي ﷺ . و (المبرور): الذي لم يخالطه ذنب .. و (السعي المشكور): العمل المتقبل، قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾). ويستحب أن يقول في الأربعة الأخيرة: رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، فإن كان في عمرة قال: عمرة متقبلة بدل حجًا مبرورًا .. قال: (وأن يضطبع في جميع كل طواف يرمل فيه)؛ لما روى أبو داوود [١٨٧٩] بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم حذفوها على عواتقهم اليسرى.). وعلم من كلامه: أن ما لا يسن فيه الرمل لا يسن فيه الاضطباع .. وأشار بقوله: (جميع) إلى أن الرمل والاضطباع وإن كانا متلازمين لكن الرمل ..

стр. 1409

وَكَذَا فِي السعْيِ عَلَى الصحِيحِ- وَهُوَ جَعْلُ وَسَطِ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الأَيْمِنِ، وَطَرَفَيْهْ عَلَى الأَيْسَرْ – وَلاَ تَرْمُلُ الْمَرْأَةُ وَلاَ تَضْطَبع ُ ــ مختص بالأشواط الثلاثة، والاضطباع مستحب ف السبعة، ولا يفترق الاضطباع والرمل إلا في هذا. والطواف الذي يرملفه تقدم بيانه. وكره الشافعي ﵁ ترك الاضطباع كما يكره ترك الرمل، وأنكره مالك. وقال: (وكذا في السعي على الصحيح)؛ لأنه أحد الطوافين فأشبه الطواف بالبيت بجامع قطع المسافة سبعًا. والثاني: لا يستحب فيه؛ لعدم وروده، والغزالي حكاه قولًا، واستغربه الرافعي. والصحيح: أنه يستحب في جميع السعي. وعن ابن القطان: اختصاصه بموضع السعي الشديد، دون موضع المشي. وفهم من عبارته عدم استحبابه في ركعتي الطواف وهو ظاهر المذهب؛ لأن هيئة الاضطباع في الصلاة مكروهة. قال: (وهو جعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن، وطرفيه على الأيسر) فيبقى منكبه الأيمن مكشوفًا، وهو افتعال من الضبع – بإسكان الباء الموحدة – وهو العضد. و (وسط) في كلام المصنف بفتح السين. قال: (ولا ترمل المرأة ولا تضطبع) بالإجماع؛ لأنها مأمورة بالستر وذلك ينافيه. وعبارة (المحرر): (وليس للنساء رمل ولا اضطباع) وهذا يفهم التحريم؛ للتشبيه بالرجال، وعبارة باقي كتبهما بعيدة من ذلك، وكذلك الخنثى. وأما الصبي .. فيشرعان له في الأصح.

стр. 1410

وَأَنْ يَقْرُبَ مِنَ الْبَيْتِ، فَلَوْ فَاتَ الرمَلُ بِالْقُرْبِ لِزَحْمَةٍ .. فَالرمَلُ مَعَ بُعْدٍ أَوْلَى، إِلا? أَنْ يَخَافَ صَدْمَ النسَاءِ .. فالْقُرْبُ بِلاَ رَمَلٍ أَوْلَى. وَأَنْ يُوَالِيَ طَوَاَفَهُ، وَيُصَليَ بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ، يَقْرَأ فِي الأُولَى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ) وَفِي الثانِيَةِ: (الإخْلاَصَ)، .... ــ قال: (وأن يقرب من البيت)؛ لشرفه، وليتيسر له بذلك الاستلام والتقبيل، فإن تأذي بالزحمة أو آذى غيره .. فالأفضل البعد، كذا أطلقوه. وعن نصه استحباب الاستلام في أول الطواف وآخره وإن تأذى بالزحام. أما المرأة .. فيندب لها حاشية المطاف بحيث لا تخالط الرجال، والخنثى كالمرأة. قال: (فلو مات الرمل بالقرب لزحمة .. فالرمل مع بعد أولى)؛ لأن القرب فضيلة تتعلق بموضع العبادة، والرمل فضيلة تتعلق بنفس العبادة، والفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى. قال: (إلا أن يخاف صدم النساء .. فالقرب بلا رمل أولى) تحرزًا من لمسهن. قال: (وأن يوالي طوافه) كما فعله رسول الله ﷺ ، ولا يجب ذلك، حتى لو طاف كل يوم شوطًا أو بعض شوط .. جاز، لكن الأولى الموالاة خروجًا من الخلاف الآتي. قال: (ويصلي بعده ركعتين خلف المقام، يقرأ في الأولى: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وفي الثانية (الإخلاص))؛ لما روى مسلم [١٢١٨]: (ان النبي ﷺ طاف بالبيت سبعًا ثم أتى المقام فقرأ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ثم صلى خلفه ركعتين قرأ فيهما ذلك، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا). فإن لم يصل خلف المقام .. ففي الحجر، وإلا ... ففي المسجد، وإلا .. فحيث شاء من الحرم وغيره.

стр. 1411

وَيَجْهَرُ لَيْلًا، وَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ الْمُوَالاَةُ وَالصلاَة ُ ــ ولو صلى فريضة .. كفت عنهما كتحية المسجد، نص عليه في التقديم. وقال في (البحر): يختار أن يدع عقبهما بما روى جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال بعدهما: (اللهم؛ هذا بلدك الحرام ومسجدك الحرام وبيتك الحرام، وأنا عبدك وابن أمتك، أتيتك بذنوب كثيرة وخطايا جمة واعمال سيئة، وهذا مقام العائذ بك من النار .. فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم؛ إنك دعوت عبادك إلى بلدك الحرام، وقد جئت طالبًا رحمتك، مبتغيًا مرضاتك، وأنت مننت علي?بذلك، فاغفر لي وارحمني إنك على كل شيء قدير). قال: (ويجهر ليلًا) كالكسوف وغيره، كذا جزم به الشيخان. وصوب في (المهمات): أنه كجميع النوافل الليلية يتوسط فيها بين الجهر والإسرار. لكن قوله: (ليلًا) يرد عليه ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ فإنه من النهار، ومع ذلك يعطي في الجهر والإسرار حكم الليل. قال: (وفي قول: تجب الموالاة والصلاة)؛ لأن النبي ﷺ أتى بهما وقال: (خذوا عني مناسككم)، والأصح: الأول. والخلاف في وجوب ركعتي الطواف محله: إذا كان فرضًا، فإن كان سنة كطواف القدوم .. فطريقان. أصحهما عند الخراسانيين: القطع بأنها سنة. والثاني – وهو ظاهر كلام العراقيين وينسب إلى ابن الحداد -: فيه القولان .. وإذا قلنا بوجوبهما .. فليستا بشرط في صحة الطواف على الأصح، ولا بركن أيضًا. وهذه الصلاة لا تفوت ما دام حيًا، ولا يجبر تأخيرها ولا تركها بدم، لكن

стр. 1412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المنصوص: استحباب إراقة دم إذا أخر. والأشهر: أن الركعتين تقعان للمستأجر، وقيل: للأجر. فروع: الطواف إن لم يكن في حج أو عمرة .. فلابد من النية فيه بلا خلاف، نفلا كان أو منذورًا، وإن كان في حج أو عمرة .. فالنية مستحبة فيه، وهل تجب؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأن النية الحج تشمله، وهل يشترط أن لا يصرفه إلى غرض آخر من طلب غريم ونحوه؟ وجهان: أصحهما: نعم. ويكره قطع الطواف المفروض بصلاة الجنازة والرواتب؛ إذ لا يحسن ترك فرض العين للكفاية والتطوع. ولو نام في الطواف أو بعضه على هيئة لا تنقض الوضوء .. فالأصح: صحة طواقه، وأجمعوا على جوازه في أوقات النهى، واختلفوا في ركعتيه، فمذهبنا: الجواز؛ لما تقدم في أول (الصلاة). وإذا أراد أن يطوف طوافين أو أكثر .. استحب أن يصلي عقب كل إسبوع ركعتين؛ لما روى البخاري تعليقًا عن الزهري أنه قال: لم يطف النبي ﷺ أسبوعًا إلا صلى ركعتين. فإن طاف أسبوعين أو أكثر ثم صلى لكل طواف ركعتيه .. جاز؛ لما روى العقيلي [٣/ ٦٦] وابن شاهين وابن أبي حاتم: (أن النبي ﷺ قرن بين ثلاثة أسابيع ثم صلى لكل أسبوع ركعتين) لكن فيه ضعف، فلذلك كان فاعله تاركًا للأفضل، ولا يكره ذلك؛ لوروده عن عائشة والمسوَر بن مَخرمة ﵄. وقال الصميري: لو طاف أسابيع متصلة ثم صلى ركعتين .. جاز.

стр. 1413

وَلَوْ حَمَلَ الْحَلاَلُ مُحْرِمًا وَطَافَ بِهِ .. حُسِبَ لِلْمَحْمُولْ بِشَرْطِهِ، وَكَذَا لَوْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسهِ، وَإِلا? .. فالأَصَح? أَنهُ إِنْ قَصَدَهُ لِلْمَحْمُولِ. فَلَهُ، وَإِنْ قَصَدَهُ لِنفْسِهِ أَوْلَهُمَا .. فَلِلحَامِلِ فَقَطْ ــ قال: (ولو حمل الحلال محرمًا وطاف به .. حسب للمحمول)؛ لأنه كراكب الدابة، سواء كان المعمول صحيحًا أو مريضًا، أو بالغًا أو صغيرًا، ولا يقع عنهما؛ لاتحاد الفعل، بخلاف ما إذا طافا على بهيمة .. فإنه يحسب لهما. والمراد بـ (الحسبان) هنا: هو الحسبان عن الطواف الذي تضمنه إحرام المحمول، وهو القدوم والفرض، لا مطلق الطواف، حتى لو كان المحمول قد طاف عن نفسه .. كان كما لو حمل حلال حلالا. قال ابن الرفعة: ومحل حسبانه للمحمول إذا نواه الحامل له، أو أطلق، فإن نواه لنفسه أو أطلق .. فيظهر أن يحسب للحامل فقط، أو لهما. وكلام (المنهاج) و (الروضة) وأصليهما يفهم تعميم وقوعه للمحمول فقط في هذه الحالة. قال الشيخ: كل هذا إذا لم يصرفه المحمول عن نفسه، فإن صرفه أو لم ينوه وقلنا: تجب النية ونوى الحامل ... وقع له بلا شك. قال: (بشرطه) هذا يوجد في بعض النسخ وليس في (المحرر)، والمراد: من ستارة وطهارة ودخول وقت، فإن فقد شرط .. وقع للحامل. قال: (وكذا لو حمله محرم قد طاف عن نفسه)؛ فإنه في هذه الحالة كالحلال، وكذلك الذي لم يدخل وقت طوافه. قال: (وإلا) أي: وأن لم يطف عن نفسه (.. فالأصح: أنه إن قصد للمحمول .. فله)؛ لأن الأعمال بالنيات. والثاني: للحوامل فقط؛ لأن الطواف محسوب له فلا ينصرف عنه. الثالث: لهما جميعًا؛ لاشتراكهما في العبادة. قال: (وإن قصده لنفسه أو لهما .. فللحامل فقط)؛ لأن الفعل صدر منه ولم

стр. 1414

فَصْلٌ: يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بَعْدَ طَوَافِهِ وَصَلاَتِهِ، ــ يصرفه عن نفسه، وادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه، لكن في (التهذيب) وجه: أن يحصل لهما. ولو لم يقصد شيئًا .. فهو كما لو قصد نفسه أو كليهما، فإن نوى كل الطواف لنفسه .. فالأظهر وقوعه للحامل، وقيل: للمحمول، وقل: لهما. تتمة:: قال الأصحاب: فعل المتحيرة الصلاة الواحدة وصوم اليوم الواحد والطواف الواحد سواء حرفًا بحرف، فإذا أرادت فعل واحد منها .. فعلته ثلاث مرات بشرط الإمهال المقرر في الصلاة والصوم في (باب الحيض). وقال جماعة: تطوف طوافين بينهما خمسة عشر يومًا، والصواب: الأول. قال: (فصل:: يستلم الحجر بعد طوافه وصلاته)؛ اقتداء بالنبي ﷺ ؛ فإن جابرًا ﵁ رواه في صفة حجه ﵊ كما تقدم. وكان ابن عمر ﵄ لا يخرج من المسجد حتى يستلم الحجر. قال المارودي: ثم يقف في الملتزم ويدعو عنده؛ لأن النبي ﷺ فعله، قال: ويدخل الحِجْر ويدعو؛ لقوله ﷺ : (ما من أحد يدعو تحت الميزاب .. إلا استجيب له). قال ابن الصلاح: وطاهر الحديث الصحيح: أنه لا يشتغل بها، بل يبادر بالسعي.

стр. 1415

ثُم? يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصفَا لِلسعْي. وَشَرْطُهُ: أَنْ يَبْدَأَ بالصفَا، وَأَنْ يَسْعَى سَبْعًا ذَهَابُهُ مِنَ الصفَا إِلَى المَرْوَةِ مَرةُ، وَعَوْدُهُ مِنْها إِليْهِ أُخُرَى ــ وقول الغزالي في (الإحياء): (يأتي الملتزم قبل الصلاة) مردود. وإطلاق المصنف والرافعي الاستلام يقتضي: أنه لا يستحب التقبيل في هذه الحالة، وليس كذلك؛ فقد صح أن النبي ﷺ قبله في هذه الحالة، رواه الحاكم [١/ ٤٥٤] عن جابر ﵁، وقال: إنه على شرط مسلم، وكذلك رواه أحمد وصرح بأنه بعد الصلاة، وكذلك صرح القاضي أبو طيب باستحبابه في هذه الحالة. قال: (ثم يخرج من باب الصفا للسعى)؛ اقتداء بالنبي ﷺ ؛ فإنه كذلك فعل وأمر به. وروى سعيد بن منصور عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: (الطواف بين الصفا والمروة يعدل عتق سبعين رقبة). و (الصفا) مقصور، وهو في الأصل: الحجارة الصلبة، واحده: صفاة، كحصاة وحصى، وهو: طرف جبل أبي قبيس، قيل: عن ذابة الأرض- وهي ناقة صالح - تخرج منه في آخر الزمان. قال: (وشرطه: أن يبدأ بالصفا)؛ لأنه ﷺ كذلك فعل، وسألوه عنه فقال: (ابدؤوا بما بدأ الله به) بلفظ الأمر، رواه النسائي [٥/ ٢٣٥] من حديث جابر ﵁ بإسناد على شرط الصحيح، وهذا الشرط لا خلاف فيه عندنا، فلو بدأ بالمروة وأكمل سبعًا .. حسب له منها ست، ثم يأتي بمرة أخرى. قال: (وأن يسعى سبعًا)؛ لما روى الشيخان [خ ٣٩٦ - م ١٢٦١] عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ طاف بين الصفا والمروة سبعًا). قال: (ذهابه من الصفا إلى المروة مرة، وعوده منها إليه أخرى) هذا مذهب جمهور العلماء، ويدل له حديث ابن عمر ﵄.

стр. 1416

وَأَنْ يَسْعَى بَعًدَ طَوَافِ رُكنٍ أو قُدُومٍ بِحَيْثُ لاَ يَتَخَللُ بَيْنَهُمَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَة َ ــ وقال أبو بكر الصيرفي: الذهاب مرة، والعود لا يسحب، حتى لو عاد من غير المسعى .. جاز. وقال ابن بنت الشافعي وابن جرير وابن خيران والإصطخري وابن الوكيل: الذهاب والعود مرة كمسح الرأس، وهذا القول أكثر فسادًا من الأول؛ لأن النبي ﷺ ختم بالمروة. ثم لا بد من استيعاب المسافة في كل مرة بأن يلصق عقبه بأصل ما يذهب منه، ورؤوس أصابع رجليه بما يذهب إليه، والراكب يلصق حافر دابته، والأفضل أن يسعى ماشيًا، والركوب فيه أخف منه في الطواف. و (المروة): الحجارة البيض البراقة، ثم صار علمًا على الموضع المعروف بمكة. وقال ابن عبد السلام: إنها أفضل من الصفا؛ لأنها مُرورُهُ أربعَ مرات والصفا ثلاثًا في السعي، وما أمر الله بمباشرته في القربة أكثر يكون أفضل. قال: (وأن يسعى بعد طواف ركن أو قدوم)؛ لأن النبي ﷺ لم يسع إلا كذلك، ونقل الماوردي الإجماع عليه. ووقع في (أساليب إمام الحرمين): أن بعض أئمتنا قال: لو قدم السعي على الطواف .. اعتد به، وهو غلط. قال: (بحيث لا يتخلل بينهما) أي: بين السعي وطواف القدوم (الوقوف بعرفة)؛ لأنه في هذه الحالة يتعين تأخير السعي إلى ما بعد طواف الإضافة. وفهم من عبارته أنه لا يجوز بعد طواف نفل لا تعلق له بالحج، ولا بعد طواف الوداع. وصح في (المهمات) بجوازه بعدهما، وصوره بما إذا أحرم من مكة وطاف

стр. 1417

وَمَنْ سَعَى بَعْدَ قُدُومِ .. لَمْ يُعِدْهُ. وَيُسْتَحَبُ: أَنْ يَرْقَى عَلَى الصفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْرَ قَامَةٍ ــ للوداع .. فإنه يصح أن يسعى بعده كما قاله البندنيجي في (المعتمد)، ونقله عنه صاحب (البيان) والشيخ نصر وقالا: إنه مذهب الشافعي. فالشرط: أن يقع بعد طواف صحيح كما قاله في (شرح المهذب)، وصرح به الشيخ محب الدين الطبري وجزم بالإجزاء، وروي أن ابن عمر وابن الزبير ﵃ فعلاه. قال: (ومن سعى بعد قدوم .. لم يعده)؛ لما روى مسلم [١٢١٥] عن جابر ﵁ قال: (لم يطف النبي ﷺ لأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافه الأول) وعنى بالطواف: السعي؛ قال تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فلو أعاده .. جاز. وقال الشيخ أبو محمد وولده: تكره إعادته، وبه جزم في (شرح المهذب). وقيل: إنه خلاف الأولى؛ لأنه لم يرد فيه نهي مخصوص. لكن يستثنى القارن؛ فإنه يستحب له أن يطوف طوافين ويسعى سعيين خروجًا من خلاف أبي حنيفة. ولو سعى وهو صبي أو عبد بعد القدوم ثم بلغ وعتق بعرفة، أو قبل فوات الوقوف ثم عاد إليها في الوقت .. وجب عليه إعادة السعي على الصحيح. قال: (ويستحب: أن يرقى على الصفا والمروة قدر قامة)؛ ففي (صحيح مسلم) [١٢١٨] عن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ رقى على الصفا حتى رأى البيت ثم أتى المروة ففعل كما فعل على الصفا). وقال أبو حفص بن الوكيل: يشترط صعودهما، لكن بعض الدرج مستحدث فيجب أن يصعد فيها حتى يستيقن قطع المسافة، كما يلزم المتوضيء غسل جزء من الرأس مع الوجه، كل هذا في الرجل. أما المرأة .. فلا ترقى كما قال في (التنبيه)، ولم يذكره الرافعي ولا المصنف في (شرح المهذب)، والقياس إلحاق الخنثى بها في ذلك.

стр. 1418

فَإِذَا رَقِيَ .. قَالَ: (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا، وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَوْلَانَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ دِينًا وَدُنْيَا. قُلْتُ: وَيُعِيدُ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَنْ يَمْشِيَ أَوَّلَ الْمَسْعَى وَآخِرَهُ وَيَعْدُوَ فِي الْوَسَط ــ قال: (فإذا رقي .. قال: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير؛ لما روى مسلم [١٢٨١] عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ استقبل القبلة فوحد الله تعالى وكبره وقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) وهو في (النسائي) [٥/ ٢٣٥] كما قاله المصنف. و (رقي) بكسر القاف وفتحها في المضارع كعلم يعلم. قال: (ثم يدعو بما شاء دينًا ودنيا)؛ لأنها أمكنة يستجاب فيها الدعاء. وكان ابن عمر ﵁ يطيل الدعاء هنالك، واستحبوا من دعائه أن يقول: (اللهم إنك قلت: ادعوني استجب لكم، وأنت لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم). قال: (قلت: ويعيد الذكر والدعاء ثانيًا وثالثًا والله أعلم)، ثبت ذلك في حديث جابر ﵁. وقيل: لا يعيد الدعاء ثانيًا، وبه جزم الرافعي في (الشرح). قال: (وأن يمشي أول المسعى وآخره ويعدو في الوسط)؛ اتباعًا لفعل النبي ﷺ ، والمرأة تمشي ولا تسعى.

стр. 1419

وَمَوْضِعُ النَّوْعَيْنِ مَعْرُوفٌ ــ وقيل: إن كانت في خلوة من الليل سعت. وينبغي أن يتحرى بسعيه وقت خلو المسعى عن الزحام. قال: (وموضع النوعين معروف) المراد بـ (النوعين): المشي والسعي، فإنه إذا نزل من الصفا .. مشى حتى يبقى بينه وبين العمود الأخضر المبني في ركن المسجد الحرام نحو ستة أذرع، فحينئذ يسعى سعيًا شديدًا حتى يتوسط بين العمودين اللذين أحدهما في جدار المسجد والآخر في حذاء دار العباس ﵁، فحينئذ يمشي على هينته حتى يأتي المروة فيفعل مثل ما فعل على الصفا، ثم ينزل ويمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه حتى يأتي الصفا. تتمة: يستحب في السعي الطهارة والستر والمشي، والموالاة بينه وبين الطواف، وكذلك الموالاة بين السبع. ويستحب أن يقول فيه: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم. ويروى: رب اغفر وارحم واهدنا السبيل الأقوم.

стр. 1420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَصْلٌ: ولا يستحب أن يصلي عقبة في المروة، بل قال ابن الصلاح: إن ذلك مكروه، واستحسنه الشيخ أبو محمد. ولو التوى في سعيه قليلًا .. جاز، فلو دخل من المسجد أو سوق العطارين .. فلا. ويكره أن يقف في سعيه لحديث وغيره. ولو أقيمت الصلاة .. قطعه وصلى ثم بنى. قال: (فصل) مقصوده: أن الإمام إذا لم يحضر الحج بنفسه يسن له أن ينصب أميرًا على الحجيج، يقيم لهم المناسك، ويحفظهم، ويرجعون إليه فيما ينوبهم، والمنصوب ضربان: أحدهما: على تسيير الحجيج، وهو سياسة وتدبير. وشرط منصوبها: أن يكون ذا رأي وشجاعة وهداية، ويلزمه جمع الناس في مسيرهم ونزولهم وترتيبهم في السير والرفق بهم، وأن يسلك بهم أوضح الطرق، ويرتاد بهم المياه، ويحرسهم إذا نزلوا، ويحفظهم إذا رحلوا، ويكف عنهم من يضرهم بقتال أو بذل مال، ويصلح بين المتنازعين، ولا يحكم إلا أن يفوض إليه ذلك ويكون أهلًا، ويؤدي خائنهم بالتعزير، ولا يقيم حدًا إلا أن يؤذن له فيه، ويراعي اتساع الوقت؛ ليأمن فوات الوقوف والنسك، ويحضرهم المواقف الشرعية، ولا يتعجل بالخروج من مكة، ويزور بهم النبي ﷺ ، ثم يعود بهم. والولاية الثانية: على إقامة الحجيج، وشرط القائم بها مع الشروط المعتبرة في إقامة الصلوات: العلم بالمناسك ومدتها سبعة أيام، فيعلم الناس بوقت الخروج، ويرتب المناسك على الوجه الشرعي، ويقدر المواقيت بمقامه فيها ورحيله عنها، ويقتدي به في الأذكار والصلوات، ويخطب جميع خطب الحج، وليس له أن ينفر النفر الأول، بل يمكث بمنى إلى اليوم الرابع.

стр. 1421

يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَوْ مَنْصُوبِهِ: أَنْ يَخْطُبَ بِمَكَّةَ فِي سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ خُطْبَةً فَرْدَةً، يَامُرُهُمْ فِيهَا بِالْغُدُوِّ إِلَى مِنَىً، ــ قال: (يستحب للإمام أو منصوبه: أن يخطب بمكة في سابع ذي الحجة بعد صلاة الظهر خطبة فردة) كذا رواه الحاكم [١/ ٤٦١] عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ فعله، فإن كان يوم جمعة .. فبعد صلاتها، ولا يكفي عنها خطبة الجمعة، فإن كان الإمام محرمًا .. افتتحها بالتلبية، وإن كان حلالًا .. فبالتكبير .. قال الشافعي ﵁: وأحب إن كان الخطيب فقيهًا أن يقول: هل من سائل، فإن كان الذي يخطب مقيمًا .. استحب له أن يحرم ويرقى المنبر ليخطب محرمًا، وقد تقدم أن هذا يستثنى من قولهم: (يستحب الإحرام عند المسير.). وهذا اليوم يسمى: يوم الزينة؛ لأنهم كانوا يزينون فيه هوادجهم .. واليوم الثامن: يوم التروية؛ لأنهم يتروون فيه الماء .. وقيل: لأن إبراهيم ﵇ تروّى فيه في الرؤية .. والتاسع: عرفة .. والعاشر: يوم النحر .. والذي يليه: يوم القر؛ لاستقرارهم فيه بمنى .. والذي يليه: النفر الأول، ثم: النفر الثاني .. قال: (يأمرهم فيه بالغدو إلى منى) المراد: أنه يأمرهم بالخروج إلى منى قبل الزوال كما هو مدلول الغدو، وقد اختلف فذلك كلام (الروضة) و (الشرح). فائدة:: (منى) بكسر الميم، تصرف ولا تصرف، وتذكر وتؤنث والأغلب التذكير، والأشهر تخفيف نونها، سميت بذلك لما يمنى فيها من الدماء أي: يراق .. وقيل: لأن آدم ﵇ لما أراد مفارقة جبريل ﵇ .. قال له: تمن، قال: الجنة ..

стр. 1422

وَيُعَلِّمُهُمْ مَا أَمَامَهُمْ مِنَ الْمَنَاسِك، ــ وقيل: لأن الله منَّ فيها على إبراهيم ﵇ بأن فدى ولده بذبح عظيم .. وقيل: لأن الله تعالى من على عباده بالمغفرة .. وبينها وبين مكة فرسخ، ووقع في (الرافعي) أن بينهما فرسخين، وهذا مخالف لقول الجمهور ولإدراك الحس .. ومنها إلى مزدلفة فرسخ، ومن مزدلفة إلى عرفات فرسخ أيضًا .. وفي منى أربع آيات.: ما يقبل من أحجارها رفع، وما لم يقبل يترك، ولولا ذلك لسد ما بين الجبلين .. وأن الحدأة تحوم بمنى حول اللحم فلا تأخذ منه شيئًا .. وأن الذباب لا يرى فيها أيام الترشيق مع كثرته بها في غيرها .. وأنها تتسع بأهلها كاتساع بطن المرأة الحامل، وكل ذلك مشاهد فيها .. قال: (ويعلمهم ما أمامهم من المناسك)؛ لما روى البيهقي [٥/ ١١١] بإسناد جيد عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان يخطب قبل التروية بيوم بعد الظهر ويعلم الناس المناسك). والمراد: يعلمهم ما يفعلونه إلى خطبة نمرة، وكذلك كل خطبة من خطب الحج يندب أن يعلمهم فيها ما بين أيديهم من المناسك إلى الخطبة التي تليها، ويأمر المتمتعين أن يطوفوا للوداع قبل الخروج. فلو توجهوا إلى الموقف قبل دخول مكة .. استحب للإمام أن يفعل كما يفعل بمكة لمن دخلها، قاله المحب الطبري. وخطب الحج أربع: هذه، ويوم عرفة بنمرة، ويوم العيد بمنى، وثاني أيام التشريق بمنى أيضًا، وهذه لم يذكرها المصنف وستأتي قبيل قول المصنف: (ومن عجز عن الرمي استتاب) وكلها فرادى وبعد الصلاة إلا التي بنمرة فإنها خطبتان وقبل الصلاة.

стр. 1423

وَيَخْرُجَ بِهِمْ مِنَ غَدٍ إِلَى مِنَىً وَيَبِيتُوا بِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ .. قَصَدُوا عَرَفَاتٍ ــ . قال: (ويخرج بهم من غد إلى منى) هكذا رواه مسلم [١٢١٨] عن جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ ، ويكون خروجهم بعد صلاة الصبح حتى يصلوا الظهر بمنى وهذا هو المشهور. وفي قول: يصلون الظهر بمكة ثم يخرجون، وبه جزم الرافعي في آخر (باب وجوه الإحرام) وتبعه في (الروضة) على ذلك. فإن كان الثامن يوم جمعة .. خرجوا قبل الفجر إن لزمتهم الجمعة، وإلا .. فلهم الخروج بعده. قال القاضي الطبري: ويستخلف الإمام من يصلي بالناس الجمعة، ويسير هو إلى منى فيصلي بها الظهر. وقال المتولي: لو تركوا الخروج أول النهار وصلوا الجمعة بمكة .. كان أولى، وهو مخالف لقول الجمهور. قال: (ويبيتوا بها) ويصلوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح كما رواه مسلم [١٢١٨] من حديث جابر ﵁. وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب بالإجماع، وقول المتولي وجماعة: (إنه ليس بنسك) أرادوا: أنه ليس بواجب، لكن من البدع القبيحة ما اعتاده بعض العوام في هذه الليلة من إيقاد الشموع وغيرها، وهو مشتمل على منكرات. فرع: قال أبو الحسن الزعفراني: يستحب المشي من مكة إلى المناسك كلها إلى انقضاء الحج لمن قدر عليه. ويستحب أن يقصد مسجد الخيف، ويصلي به مكتوبات يومه وصبح غدها. قال: (فإذا طلعت الشمس .. قصدوا عرفات) المراد إذا أشرقت على ثبير، وهو جبل عال كبير بالمزدلفة عن يسار الذاهب إلى عرفات، وكانت العرب تقول: أشرق ثبير كيما نغير، وأول من قاله أبو سيارة.

стр. 1424

قُلْتُ: وَلَا يَدْخُلُونَهَا بَلْ يُقِيمُونَ بِنَمِرَةَ بِقُرْبِ عَرَفَاتٍ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ يَخْطُبَ الإِمَامُ بَعْدَ الزَّوَالِ خُطْبَتَيْنِ، ــ ووقع في (جامع الترمذي) [٣٧٠٣] في مناقب عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال وهو على ثبير: (اثبت ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) وهو وهم اتفاق الحفاظ، إنما قال ذلك لأحد وحراء، ولم يصعد ﷺ ثبيرًا قط. ويستحب أن يسيروا ملبين ذاكرين، وأن يسلكوا طريق ضب، وهي من مزدلفة في أصل الوادي ويعودوا على طريق المأزمين اقتداء برسول الله ﷺ ، فيكونوا عائدين في غير الطريق التي ذهبوا منها، وتقدم الكلام في لفظ عرفات في (صوم التطوع). قال: (قلت: ولا يدخلونها بل يقيمون بنمرة بقرب عرفات حتى تزول الشمس والله أعلم) كما فعل النبي ﷺ . ويستحب أن يضرب الإمام قبته بنمرة، وكذلك كل من معه قبة يضربها هناك .. ومنزل النبي ﷺ فيها إلى الصخرة الساقطة بأصل الجبل عن يمين الذاهب إلى عرفات، وليست نمرة من عرفات على المشهور، خلافًا لابن الصباغ .. ويستحب الغسل فيها للوقوف، فإن تعذر .. تيمموا .. قال: (ثم يخطب الإمام بعد الزوال خطبتين)؛ لما روى جابر ﵁: (أن النبي ﷺ نزل بنمرة حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام

стр. 1425

ثُمَّ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا، ــ فصلى العصر). ويستحب أن يكون الخطبة قبل الأذان، وأن يأخذ المؤذن في الأذان مع شروع الإمام في الخطبة الثانية. ويستحب أن يخفف هذه الخطبة بحيث يفرغ منها مع فراغ المؤذن من الأذان، وقيل: مع فراغه من الإقامة. وتكون هذه الخطبة بمسجد إبراهيم الذي ينسب إليه باب إبراهيم بمكة، وهذا المسجد صدره من عرنة وآخره من عرفات، يميز بينهما صخرات كبار فرشت هناك. يعلمهم في الخطبة الأولى مشروعات الوقوف، وواجباته، وكيفية الدفع إلى مزدلفة، ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل والتلبية بالموقف، وأقل ما عليه فيها أن يعلمهم ما يلزمهم من المناسك إلى الخطبة الثالثة كما تقدم، فإن كان فقيهًا .. قال: هل من سائل، وإلا .. فلا، وذكر معظم المناسك، ويخففها، فإذا فرغ .. جلس للاستراحة يقدر (سورة الإخلاص). ثم يقوم إلى الخطبة الثانية، ويأخذ المؤذن في الأذان مع شروعه فيها، ويخففها جدًا بحيث يفرغ منها مع فراغ المؤذن من الأذان، وقيل: مع فراغه من الإقامة، ويكون قائمًا، والأولى أن يكون على منبر. قال: (ثم يصلي بالناس الظهر والعصر جمعًا)؛ لحديث جابر ﵁، ويسر فيهما بالقراءة، قال ابن المنذر: بالإجماع. وهذا الجمع للسفر على الصحيح، فلا يجوز للمكي لقصر سفره، وقيل: للنسك، فيجوز له، وصححه المصنف في (مناسكه). وأما القصر .. فلا يجوز إلا للمسافر قطعًا، خلافًا لمالك والأوزاعي وسفيان بن عيينة؛ فإنهم جوزوا لأهل مكة القصر بمنى، وروي عنهم إن قصر الإمام .. قصر معه جميع الناس.

стр. 1426

وَيَقِفُوا بِعَرَفَةَ إِلَى الْغُرُوبِ، وَيَذْكُرُوا اللهَ تَعَالَى وَيَدْعُوهُ، وَيُكْثِرُوا التَّهْلِيلَ، ــ ويستحب أن يقول الإمام إذا سلم: يا أهل مكة أتموا؛ فإنا قوم سفر، كما قاله النبي ﷺ ، ويصلون سنة الظهر والعصر كما تقدم في (صلاة المسافر). قال: (ويقفوا بعرفة إلى الغروب)؛ لحديث جابر ﵁، ففقه: (أن النبي ﷺ لما فرغ من صلاة العصر .. ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، ولم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا). وقوله: (ويقفوا) كذا وقع بالنصف عطفًا على قوله: (يستحب للإمام أو منصوبه أن يخطب)، وفيه نظر؛ لأنه يفهم أن الوقوف مستحب وهو ركن. وجوابه: أن يقيد بالاستمرار إلى الغروب، وذلك مستحب على الصحيح. قال: (ويذكروا الله تعالى ويدعوه، ويكثروا التهليل) وأفضل الذكر ما رواه الترمذي [٣٥٨٥] وحسنه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: (خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير). ويستحب أن يستقبل القبلة في دعائه، وأن يرفع يديه فيه لا يجاوز بهما رأسه، ويكره الإفراط في الجهر به. ويستحب الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ ، والاستغفار والتضرع والخشوع والابتهال، وقراءة القرآن، ولا يتكلف السجع في الدعاء، ولا بأس بالمسجع إذا كان محفوظًا، أو قاله من غير قصد إليه. وروي: أنه ﵊ قال في الموقف: (اللهم؛ اجعل في قلبي نورًا وفي سمعي نورًا وفي بصري نورًا، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر).

стр. 1427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن الأدعية المختارة: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللهم، إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. وليكن متطهرًا متباعدًا عن الحرام والشبهة في مطعمه ومشربه وملبسه، ويدعو لوالديه ومشايخه وأقاربه وأصحابه ومن أحسن إليه وسائر المسلمين. وليحذر من التقصير في هذا اليوم؛ فإنه أعظم الأيام. والموقف أعظم المجامع، يجتمع فيه الأولياء والخواص. وقيل: إذا وافق يوم جمعة يوم عرفة .. غفر الله لكل أهل الموقف. وينبغي أن يستغفر للمؤمنين في دعائه في هذا الموقف؛ لما روى الحاكم [١/ ٤٤١] وقال: صحيح الإسناد: أن النبي ﷺ قال: (اللهم؛ اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج) ورواه ابن أبي شيبة [٤/ ١٩١] عن مجاهد عن النبي ﷺ مرسلًا. وروي عن مجاهد [ش ٤/ ١٩١] قال: قال عمر: (يغفر الله للحاج ولمن استغفر له الحاج بقية ذي الحجة والمحرم وصفرًا وعشرًا من ربيع الأول). والأفضل: أن لا يستظل، بل يبرز للشمس إلا لعذر، روى أحمد عن ابن عمر ﵄: أنه رأى رجلًا جعل على رجله عودًا له شعبتان، وجعل عليه ثوبًا يستظل به وهو محرم، فقال له ابن عمر ﵄: (أضح للذي أحرمت له). وقال الرياشي: رأيت أحمد بن المعذل في الموقف في يوم شديد الحر وقد ضحى للشمس فقلت له: أبا الفضل؛ هذا أمر قد اختلف فيه، فلو أخذت بالتوسعة؟ فأنشأ يقول [من الطويل]: ضحيت له كي أستظل بظل ..... إذا الظل أمسى في القيامة قالصا فوا أسفا إن كان سعيك باطلًا ..... ويا حسرتا إن كان حجم ناقصا

стр. 1428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأحمد هذا بصري مالكي المذهب، يعد من زهاد البصرة وعلمائها، وأخوه عبد الصمد بن المعذل الشاعر. و (المعذل) بالذال المعجمة، رجل معذل أي: يعذل لإفراطه في الجود، وشدد للكثر, وسئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يومئذ فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... إلى آخره، فقيل له: هذا ثناء وليس بدعاء، فقال: أما سمعت قول الشاعر [من الوافر]: كريم لا يغيره صباح عن الخلق الجميل ولا مساء ... إذا أثنى عليه المر يومًا .... كفاه من تعرضه الثناء وقد روي في الخبر عن الله أنه قال: (من شغله عن ذكري مسألتي .. أعطيته أفضل ما أعطي السائلين). ويستحب أن لا يستبطئ الإجابة، وليحذر من المخاصمة والمشاتمة وانتهار السائل والكلام القبيح، بل يحترز عن الكلام المباح ما أمكن. وفي كتاب (الخصال (: يستحب العتق والصدق بعرفة، فقد أعتق حكيم بن حزام ﵁ هناك مئة رقبة مطوقين بأطواق الفضة مكتوب عليها: هؤلاء عتقاء الله من حكيم بن حزام. والسنة: أن يقف الرجال عند الصخرات، والنساء في حاشية الموقفة. وقول ابن جرير والبندنيجي والماوردي: (يستحب صعود جبل الرحمة؛ فإنه موقف الأنبياء) قال في (شرح المهذب): لا أصل له. والأظهر: أن الوقوف راكبًا أفضل. وقيل: إنه والماشي سواء.

стр. 1429

فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ .. قَصَدُوا مُزْدَلِفَةَ وَأَخَّرُوا الْمَغْرِبَ لِيُصَلُّوهَا مَعَ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلفَةَ جَمْعًا ــ فرع: التعريف بغير عرفات –وهو اجتماع بعد العصر يوم عرفة للدعاء- للسلف فيه خلاف: ففي (البخاري): أول من عرف بالبصرة ابن عباس ﵄، ومعناه: أنه كان إذا صلى العصر يوم عرفة .. أخذ في الدعاء والذكر والضراعة إلى الله تعالى إلى غروب الشمس كما يفعل أهل عرفة، ولهذا قال أحمد: أرجو أنه لا بأس به، وقد فعله الحسن وجماعة. وكرهه جماعة منهم مالك. قال المصنف: ومن جعله بدعة .. لم يلحقه بفاحشات البدع، بل يخفف أمره. قال: (فإذا غربت الشمس .. قصدوا مزدلفة وأخروا المغرب ليصلوها مع العشاء بمزدلفة جمعًا) كما فعل رسول الله ﷺ ، ويصلون قبل حط رحالهم. والسنة: أن يسيروا وعليهم السكينة والوقار، فإذا وجد أحدهم فرجة أسرع. ويكثرون من ذكر الله تعالى والتلبية. ويسن أن يسلك في ذهابه إلى المزدلفة طريق المأزمين كما تقدم. والمصنف أطلق المسألة لتبعًا لأكثر الأصحاب. وقال جماعة: يؤخرها ما لم يخش فوت وقت الاختيار للعشاء، فإن خيف .. لم يؤخر، بل يجمع بالناس في الطريق، ونص عليه في (الأم) و (الإملاء)، واختاره الإمام وابن الرفعة. قال في (شرح المهذب): ولعل إطلاق الأكثرين يحمل على هذا موافقة للنص. وهذا الجمع جائز للآفاقي دون المكي كما تقدم في نمرة. ولو أقام كل صلاة في وقتها .. جاز قطعًا.

стр. 1430

وَوَاجِبُ الْوُقُوفِ: حُضُورُهُ بِجُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، وَإِنْ كَانَ مَارًّا فِي طَلَبِ آبِقٍ وَنَحْوِهِ ــ وسميت مزدلفة من الازدلاف وهو: التقرب؛ لأن الحاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، ومن انتهى إليها قرب من منى. وقيل: سميت بذلك لاجتماع الناس بها، ولذلك يقال لها: جمع، بفتح الجيم وسكون الميم. وقيل: لاجتماع آدم وحواء. وقيل: لأنه يجمع فيها بين الصلاتين. وحدها: ما بين وادي محسر ومأزمي عرفة، وليس الحدان منهما، وتدخل فيها تلك الشعاب والجبال الداخلة في حدها. ومزدلفة كلها من الحرم. قال: (وواجب الوقوف: حضور بجزء من أرض عرفات)، وإن كان مارًا في طلب آبق ونحوه). أما وجوب الوقوف .. فلقوله ﷺ : (الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر .. فقد أدرك الحج) رواه الأربعة بأسانيد صحيحة. وأما الاكتفاء بأي جزء كان منها .. فلقوله ﷺ : (عرفة كلها موقف) رواه مسلم [١٢١٨/ ١٤٩] عن جابر ﵁. وأشار بقوله (مارًا) إلى أنه لا يشترط المكث وهو الصحيح، وبقوله: (في طلب آبق ونحوه) إلى أن صرفه إلى جهة أخرى لا يقدح. وعلم منه أنه لا فرق بين العالم بالمكان وباليوم وبين غيره، وهو كذلك على الصحيح.

стр. 1431

بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ لَا مُغْمَىً عَلَيْهِ، وَلَا بَاسَ بِالنَّوْمِ. وَوَقْتُ الْوُقُوفِ: مِنَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ، ــ قال: (بشرط كونه أهلًا للعبادة) أي: فيمن أحرم بنفسه (لا مغمًى عليه)؛ لعدم أهليته للعبادة، ولهذا لا يجزئه الصوم إذا أغمي عليه جميع النهار. وقد صحح الرافعي في (الشرحين) أيضًا عدم الإجزاء على وفق (المحرر)، وسها المصنف فصحح في (أصل الروضة (: أنه يجزئه، ثم استدرك عليه فصحح عدم الإجزاء، ولهذا نقل الشيخ كمال الدين النشائي عن والده الشيخ عز الدين: أنه كان ينهى طلبته عن عزو النقل للرافعي من (الروضة)، ويقول: إنه لا يحل. والسكران كالمغمى عليه، وقيل: إن تعدى بسكره .. لم يصح، وإلا .. فيصح. ومن الحكم على المغمى عليه بعدم الإجزاء يعلم أن المجنون أولى بذلك. والمراد بعدم الإجزاء: أنه لا يقع فرضًا. قال المتولي: وإذا وقف مجنونًا .. يقع حجه نفلًا، والحكم في المغمى عليه كذلك من باب أولى، لكن كلام الشافعي ﵁ صريح في خلاف ذلك؛ فإنه قال: فاته الحج وكان كمن لم يدخلها، وكذلك عبر صاحب (التنبيه). والفرق بين حجهما وحج الصبي –حيث أثيب الصبي على فعله-: أن الصبي دخل في الحج ليكون تطوعًا، ولا كذلك المغمى عليه والمجنون، بل دخلا ليكون فرضًا فبطل فألغي اعتباره جملة، وفيه نظر لا يخفى. قال: (ولا بأس بالنوم) أي: المستغرق لحضوره، فإذا دخلها قبل الوقوف ونام حتى خرج الوقت يجزئه ذلك كالصائم إذا نام جميع اليوم، وكذلك من حضرها ولم يعلم أنها عرفة، وفي الجميع وجه بناء على أنه يجب إفراد كل ركن بالنية. واتفق الأصحاب على أن الجنون إذا تخلل بين الإحرام والوقوف، أو بينه وبين الطواف، أو بين الطواف والوقوف وكان عاقلًا في حال الأركان .. لا يضر، بل يصح حجه ويقع عن حجة الإسلام. قال: (ووقت الوقوف: من الزوال يوم عرفة)؛ اتباعًا لفعله صلى الله عليه

стр. 1432

وَالصَّحِيحُ: بَقَاؤُهُ إِلَى الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَوْ وَقَفَ نَهَارًا ثُمَّ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَلَمْ يَعُدْ .. أَرَاقَ دَمًا اسْتِحْبابًا، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، ــ وسلم وعمل الناس في كل عصر، وبهذا قال كافة العلماء. وقال أحمد: يدخل وقته بطلوع الفجر؛ لحديث عروة بن مضرس ﵁ المتقدم في أول (باب المواقيت)، وحمله الأصحاب على ما بعد الزوال. وفي وجه: يدخل وقته بعد الزوال بمقدار صلاة ركعتين وخطبتين كما تقدم في وقت الأضحية، وهو متجه اعتبارًا بفعل النبي ﷺ ، والقول بالزوال خارج عن الدليلين القولي والفعلي. قال: (والصحيح: بقاؤه إلى الفجر يوم النحر)؛ لحديث عروة ﵁ السابق. والوجه الثاني: يخرج بغروب الشمس. والثالث: إن أحرم نهارًا .. جاز الوقوف ليلًا، وإلا .. فلا. وكان ينبغي للمصنف أن يعبر بـ (المذهب)؛ فإنهما طريقان، والعجب أن عبارة (المحرر): والمذهب: أنه يمتد إلى طلوع الفجر يوم النحر. قال: (ولو وقف نهارًا ثم فارق عرفة قبل الغروب ولم يعد .. أراق دمًا استحبابًا)؛ لظاهر قوله ﷺ : (فقد تم حجه) وما ذكره من الاستحباب هو الصحيح. قال: (وفي قول: يجب)؛ لأنه ترك نسك، وصح عن ابن عباس ﵄: (من ترك نسكًا .. فعليه دم) وصححه ابن الصلاح. وأصل الخلاف: أنه هل يجب الجمع بين الليل والنهار أو هو سنة؟

стр. 1433

وَإِنْ عَادَ فَكَانَ بِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ .. فَلَا دَمَ، وَكَذَا إِنْ عَادَ لَيْلًا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ وَقَفُوا الْيَوْمَ الْعَاشِرَ غَلَطًا .. أَجْزَأَهُمْ، ــ وقال مالك: المعتمد في الوقوف الليل، فإن لم يدرك شيئًا منه .. فقد فاته الحج، وهو رواية عن أحمد. ووقع في (الكفاية): أن المصنف صحح هذا القول، والمصحح في كتبه كلها الاستحباب. ومن الأصحاب من قطع بالاستحباب. ومنهم من قال: إن أفاض وحده .. لزمه، وإلا .. فقولان، فتلخص ثلاث طرق: أصحهما: ما في الكتاب. قال: (وإن عاد فكان بها عند الغروب .. فلا دم)؛ لأنه فعل ما فعله النبي ﷺ ، وهذا لا خلاف فيه. قال: (وكذا إن عاد ليلًا في الأصح)؛ لجمعه بينهما. والثاني: يجب؛ لأن الوارد هو الجمع بين آخر النهار وأول الليل. قال: (ولو وقفوا اليوم العاشر غلطًا .. أجزأهم) باتفاق العلماء؛ لقوله ﷺ : (يوم عرفة الذي يعرف الناس فيه) رواه أبو داوود [سيل ١٤٩] مرسلًا، وغيره مرفوعًا. ولأنه لا يؤمن وقوع مثله في القضاء، سواء بان لهم الحال بعد العاشر أو بعد الزوال. فلو تبين فيه قبل الزوال فوقفوا عالمين .. فقال البغوي: المذهب: أنه لا يحسب. قال الرافعي: وعامة الأصحاب على خلافه، وصحح في (شرح المهذب) مقالة الرافعي. وصور الرافعي مسألة الكتاب بما إذا غم هلال الحجة فأكملوا عدة القعدة ثلاثين، ثم قامت البينة إما بعد وقوفهم أو في أثناء ليلة النحر على زعمهم.

стр. 1434

إِلَّا أَنْ يَقِلُّوا عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ فَيَقْضُونَ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ وَقَفُوا فِي الثَّامِنِ وَعَلِمُوا قَبْلَ فَوْتَ الْوَقْتِ .. وَجَبَ الْوُقُوفُ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ عَلِمُوا بَعْدَهُ .. وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ ــ وفي إطلاق الغلط على هذا التصوير نظر؛ لأن هذا جهل لا غلط. قال: (إلا أن يقلوا على خلاف العادة فيقضون في الأصح)؛ لانتفاء المشقة العامة. والثاني: لا؛ لأنهم لا يأمنون مثله في القضاء. قال: (وإن وقفوا في الثامن وعلموا قبل فوت الوقت .. وجب الوقوف في الوقت) تداركًا لما سلف. قال: (وإن علموا بعده .. وجب القضاء في الأصح) أي: في عام آخر وفرق الأكثرون بوجهين: أحدهما: أن تأخير العبادة أقرب إلى الاحتساب من تقديمها. والثاني: أن الغلط بالتقديم يمكن الاحتراز عنه؛ فإنه إنما يقع لغلط في الحساب، أو لخلل في الشهود الذين شهدوا بتقديم الهلال. والثاني: لا يلزمهم كالغلط في العاشر. تتمة: علل في (الوسيط) وجوب القضاء في الثامن بأن ذلك نادر لا يتفق إلا بتوارد شهادتين كاذبتين في شهرين، والمراد من سنتين سنة الأداء وسنة القضاء، وقد أطال في تقريره ابن الصلاح في (مشكلة). وأشعر كلام المصنف بأنهم لو غلطوا في المكان أو بيومين تقديمًا أو تأخيرًا .. لم يصح حجهم بحال، وهو الذي قطع به الرافعي والجمهور. ولو شهد واحد أو عدد برؤية هلال الحجة فردت شهادتهم .. لزم الشهود الوقوف في التاسع عندهم وإن كان الناس يقفون بعده.

стр. 1435

فَصْلٌ: وَيَبِيتُونَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَمَنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ قَبْلَهُ وَعَادَ قَبْلَ الْفَجْرِ .. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي .. أَرَاقَ دَمًا، ــ وإذا غلطوا في المكان فوقفوا بغير عرفات .. لا يجزئهم قطعًا. قال: (فصل: ويبيتون بمزدلفة) اقتداء بالنبي ﷺ ، والمراد: يمكثون في بقعة منها على أي حالة كانت. ويستحب الاغتسال بها بعد نصف الليل للعيد وللوقوف بها ولما فيها من الاجتماع، ومن عجز عن الماء .. تيمم. قال: (ومن دفع منها بعد نصف الليل) أي: ولم يعد (أو قبله وعاد قبل الفجر .. فلا شيء عليه) سواء كان بعذر أم بغيره؛ لأن النبي ﷺ قدم النساء والضعفة بعد نصف الليل. قال: (ومن لم يكن بها في النصف الثاني .. أراق دمًا) هذا والذي قبله ينبني على معرفة المقدار الذي يحصل به مبيت مزدلفة، وفيه أربعة أقوال: أظهرها: معظم الليل، كما لو حلف لا يبيت في موضع .. فإنه لا يحنث إلا أن يقيم فيه المعظم. والثاني: يحصل بلحظة من النصف الثاني، وصححه المصنف. والثالث: بساعة بين نصف الليل وطلوع الشمس.

стр. 1436

وَفِي وُجُوبِهِ الْقَوْلَانِ. وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى مِنَىً، ــ . والرابع: العبرة بالحضور حال طلوع الفجر. ثم اختلفوا في وجوب هذا المبيت على طرق ينبني عليها حكم إراقة الدم، هل هو على سبيل الوجوب أو الاستحباب: أحدها: يجب قطعًا. والثاني: يستحب قطعًا. والأظهر: أنه على القولين فيمن دفع من عرفة قبل الغروب، فلذلك قال المصنف: (وفي وجوبه القولان). لكن هذا يقتضي: أن يكون الصحيح عند الرافعي عدم وجوب الدم، وعدم وجوب المبيت بمزدلفة كما تقدم، والمصنف صحح خلافه، وهو المنصوص في (الأم)، فهو الصحيح من جهة المذهب، ولم ينبه المصنف عليه هنا. ومحل القولين: إذا لم يكن عذرًا، أما المعذور بما سيأتي في مبيت منًى .. فلا دم عليه، وكذلك من انتهى إلى عرفات ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن المبيت بمزدلفة .. فلا شيء عليه باتفاق الأصحاب. وفي وجه: أن المبيت بمزدلفة ركن لا يصح الحج إلا به، قاله ابن بنت الشافعي وابن خزيمة، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه؛ لأن الأصل في كل ما فعله النبي ﷺ من شأن الحج أن يكون ركنًا، ما لم يقم دليل على أنه يجبر بالدم أو على كونه سنة. وفي (مسند أبي يعلى الموصلي) [٩٤٦]: أن النبي ﷺ قال: (ومن لم يدرك جمعًا .. فلا حج له)، وحمله على نفي الكمال بعيد. والجواب: أنه صرفنا عن ذلك: أن النبي ﷺ قدم بعض أهله قبل الفجر، فلو كان ركنًا .. لم يختلف في حق المعذور وغيره كسائر الأركان؛ فإن المعذور إنما يفارق غيره في الواجب أو السنة لا في الأركان. قال: (ويسن تقديم النساء والضعفة بعد نصف الليل إلى منًى) ليرموا الجمرة قبل زحمة الناس؛ لأن سودة ﵂ استأذنت رسول الله ﷺ في

стр. 1437

وَيَبْقَى غَيْرُهُمْ حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ مُغَلِّسِينَ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ إِلَى مِنَىً وَيَاخُذُونَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ حَصَى الرَّمْيِ، ــ ذلك –وكانت امرأة ثقيلة- فأذن لها، وكانت عائشة ﵂ لا تفيض إلا مع الإمام وتقول: (وددت لو كنت استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة). وقال ابن عباس ﵄: (بعثني النبي ﷺ في الضعفة من جمع بليل) كل هذا في (الصحيحين) [خ ١٦٧٨ - م ١٢٩٣]. قال الشيخ: وهذا يدل على أن التقديم لهم رخصة لا سنة. قال: (ويبقى غيرهم حتى يصلوا الصبح مغلسين، ثم يدفعون إلى منًى)؛ لما روى الشيخان [خ ١٦٨٣ - م ١٢٨٩] عن ابن مسعود ﵁: (أن النبي ﷺ صلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها) يعني قبل ميقاتها المعتاد في باقي الأيام، والسبب في ذلك اتساع الوقت لما بين أيديهم؛ فإن عليهم في ذلك اليوم أعمالًا كثيرة. ومراد المصنف: أن التغليس بها أشد استحبابًا إذا تحقق طلوع الفجر، فإن استحباب التغليس ثابت في جميع الأيام، ففي (الصحيحين) [خ ٨٧٢ - م ٦٤٥]: (أنه ﷺ كان يصلي الصبح بغلس). وقال ابن حزم: فرض على الرجال صلاة الصبح مع الإمام بمزدلفة، فمن لم يفعل ذلك .. فلا حج له. قال: (ويأخذون من مزدلفة حصى الرمي)؛ ليكونوا متأهبين للرمي، ولأن به جبلًا في أحجاره لين، هكذا استدل به الأصحاب، ولم يرد في شيء من الروايات أن النبي ﷺ أمر بلقط الحصى من مزدلفة، إنما أمر بلقطها من أواخر منًى عن وادي محسر. ففي (سنن النسائي) [٥/ ٢٦٩] والبيهقي [٥/ ١٢٧] بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله

стр. 1438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه وسلم قال للفضل بن العباس ﵄ غداة النحر: (التقط لي حصيات مثل حصى الخذف) فالتقطها له, فلما وضعت في يده .. قال: (بمصل هذ فارموا). ولأن السنة: إذا أتى منى أن لا يعرج على غير الرمي, فاستحب أن تكون معه حتى لا يشتغل عنه. و (الخذف) في الحديث بالخاء والذال المعجمتين. وقوله: (يأخذون): الجملة معطوفة على قوله أول الفصل: (ويبيتون) لا على قوله: (يدفعون)؛ لأن الثاني يلزم منه قصر الاستحباب على غير الضعفة والنساء وهو يعمهم. ويلزم أن يكون استحباب الأخذ منها في النهار, والجمهور على استحبابه ليلًا, إلا أن البغوي قال: يأخذها بعد صلاة الصبح, وهو منصوص (الأم) و (الإملاء) , وصريح رواية مسلم وابن حبان. والصحيح: أنه يأخذ سبع حصيات فقط؛ لأن النبي ﷺ أمر الفضل ﵁ أن يلتقط له حصيات, وهي جمع قلة. وقيل: يأخذ سبعين حصاة لجميع الرمي, وبه جزم في (التنبيه (, وأقره عليه في (تصحيحه (, وهو ظاهر عبارة المصنف. فائدة: قال الجوهري: الحصاة واحدة الحصى, والجمع: حصيات, مثل: بقرة وبقرات, وحصاة المسك: قطعة صلبة توجد في فأرته, وفلان ذو حصاة, أي ذو عقل ولب, قال كعب بن سعد الغنوي [من الطويل]: وأعلم ليس بالظن أنه .... إذا مولى المرء فهو ذليل وأن لسان المرء ما لم تكن له .... حصاة على عوراته لدليل

стр. 1439

فَإِذَا بَلَغُوا المَشعَرَ الحَرَامَ .. وَقَفُوا وَدَعَوا إلَى الإسفَاِر, ــ ويجوز أخذ الحصا من غير مزدلفة, ولكن يكره من المسجد والحش ومن الحل والمرمى. وينبغي تجريم أخذه من المسجد إن كان جزءًا منه, أو للمسجد به نفع. وفي (شرح المهذب (: الجزم بتحريم إخراج الحصى من المسجد؛ لما روى أبو داوود [٤٦١] بإسناد صحيح: أن النبي ﷺ قال: (إن الحصاة لتناشد مخرجها من المسجد (. وقد صحح المصنف: أنه لا يجوز التيمم بتراب المجد. ويندب غسل الحصى؛ لما روي: أن عائشة رضي لله عنها كانت تغسل جمار رسول الله ﷺ , وخالف في ذلك ابن المنذر وعطاء والثوري ومالك؛ لأن الغسل مع الطهارة يحتاج إلى دليل. ويندب التقاطها لا تكسيرها. قال: (فإذا بلغوا المشعر الحرام .. وقفوا ودعوا إلى الاستغفار)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾. وروى مسلم [١٢١٨] عن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ لما صلى ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام, واستقبل القبلة ودعا الله وكبر وهلل ووحد, ولم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا). وهذا الوقوف مستحب. ولو وقف في موضع آخر من المزدلفة .. تأدي أصل السنة, وكذلك لو مر ولم يقف. و (المشعر) بفتح الميم على المشهور, و (الحرام) معناه: المحرم, سمي مشعرًا لما فيه من الشعائر, أي: معالم الدين, وهو عند الفقهاء: جبل صغير آخر المزدلفة يقال له: قزح القاف وبالزاي المعجمة.

стр. 1440

ثُمَّ يَسِيُرونَ ــ ويستحب أن يقول فيه: اللهم؛ كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوقفنا فيه وأريتنا إياه فوقفنا لذكرك كما هديتنا, واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك –وقولك الحق-: ﴿فَإذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ اللهم؛ هذا جمع, أسألك أن ترزقني جوامع الخير كله إنك على كل شيء قدير, وأسألك الخير كله عاجله وآجله, اللهم؛ هذا المشعر الحرام فأعتقني وأوسع علي من رزقك الحلال. قال: (ثم يسيرون) وعليهم السكينة, وشعارهم التلبية والذكر, فإذا وجدوا فرجة .. أسرعوا, وإذا بلغوا وادي محسر .. أسرع الماشي وحرك الراكب دابته, وذلك قدر رمية حجر حتى يقطعوا الوادي اقتداء بالنبي ﷺ ؛ فإنه حين أتى بطن محسر حرك قليلًا. وقيل: الماشي لا يسرع بخلاف الراكب, فلو ترك هذا الإسراع .. كره, وكان عمر وابنه ﵄ يسرعان في هذا المكان ويقولان [من الرجز]: إليك تعدوا قلقًا وضينها ... مخالفًا دين النصارى دينها معترضًا في بطنها جنينها ... قد ذهب الشحم الذي يزينها رواه الطبري وغيره. قال القاضي حسين: فيندب أن يقول هذا هناك. وأصله: أن النصارى كانت تقف هناك فنسرع نحن مخالفة لهم. وقيل: كانت الجاهلية تقف فيه وتتفاخر. وقال شيخنا: إنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل .. فاستحب فيه الإسراع كما أمر المار بديار ثمود ونحوهم بذلك.
следующие страницы →