يُلَبِّي فَإِنْ لَبَّى بِلَا نِيَّةٍ، لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ، وَإِنْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ انْعَقَدَ عَلَى الصَّحِيحِ
ــ
ويستحب أن ينطق بما نواه فيقول: نويت الحج وأحرمت به لله تعالى لبيك اللهم لبيك.
قال الروياني: ويستحب أن يقول: اللهم؛ أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظمي لا شريك لك، فقد روي ذلك عن بعض السلف.
ولا يجب التعرض لنية الفرضية جزمًا؛ لأنه لو نوى النفل .. وقع فرضًا.
قال: (ويلبي) أي: يعقب النية بالتلبية؛ لنقل الخلف عن السلف، وذلك هو الإهلال بالحج.
ويستحب له استقبال القبلة عند الإحرام.
قال: (فإن لبى بلا نية .. لم ينعقد إحرامه) كما لو غسل المتوضئ أعضاءه من غير قصد.
قال: (وإن نوى ولم يلب .. انعقد على الصحيح) وبه قال مالك وأحمد قياسًا على الطهارة والصوم في عدم اشتراط لفظ مع النية.
والثاني –وهو قول ابن خيران وابن أبي هريرة والزبيري وابن القاص، وحكي عن القديم-: أن التلبية شرط؛ لما روى جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إذا توجهتم إلى منى .. فأهلوا بالحج) رواه مسلم [١٥٦٨].
و (الإهلال): رفع الصوت بالتلبية.
والثالث –وحكاه الشيخ أبو محمد وغيره قولًا-: إنه يشترط إما التلبية أو سوق الهدي وتقليده والتوجه معه، وبه قال أبو حنيفة.
والرابع –وحكام الحناطي قولًا-: إن التلبية واجبة ليست بشرط للانعقاد، فإن نوى ولم يلب .. انعقد وأثم ولزمه دم.
وقال داوود: لا بد من التلبية ورفع الصوت بها؛ لما روى الشافعي [أم ٢/ ١٥٦
]
стр. 1367
يُسَنُّ الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ،
ــ
ومالك [١/ ٣٣٤] والأربعة والحاكم [١/ ٤٥٠] وابن حبان [٣٨٠٢] عن خلاد بن السائب عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية).
قال: (ويسن الغسل للإحرام)؛ لما روى الترمذي [٨٣٠] عن زيد بن ثابت ﵁: (أن رسول الله ﷺ اغتسل لإحرامه) وقال: حسن صحيح.
ونص في (الأم) على كراهة تركه.
ويستوي في استحبابه الرجل والصبي والمرأة، والطاهر والحائض والنفساء؛ فقد روى مسلم [١٢١٨]: أن أسماء بنت عميس ﵂ ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة فقال لها النبي ﷺ : (اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي).
لكن يستحب للحائض والنفساء تأخير الإحرام إلى أن يطهرا.
وحكي قول: إنه لا يسن لهما الغسل، فإن اغتسلتا .. نوتا.
ويندب التنظيف بإزالة الظفر والشعر والوسخ بسدر وسواك ونحوه؛ لقول عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ إذا أراد أن يحرم .. غسل رأسه بأشنان وخطمي).
وروى جابر ﵁: (أنه ﷺ أمرهم أن يتأهبوا للإحرام بحلق شعر العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب والأظافر، وغسل الرأس).
ويندب أن يلبد شعره قبل الإحرام وهو: أن يقعصه ويضرب عليه الخطمي أو الصمغ أو غيرهما، لدفع القمل وغيره كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله
стр. 1368
فَإِنْ عَجَزَ .. تَيَمَّمَ, وَلِدُخُولِ مَكَّة
ــ
َ,
ﷺ , ولا فرق في ذلك بين الحج والعمرة.
وغير المميز يغسله وليه ..
ويكره أن يحرم وهو جنب ..
قال: (فإن عجز .. تيمم)؛ لأن التيمم ينوب عن الواجب فعن المندوب أولى, ولأن الغسل يراد للقربة والنظافة, فإن تعذرت النظافة .. بقيت القربة.
قال الرافعي: وقد ذكرنا في غسل الجمعة: أن الإمام أبدى احتمالًا في أنه لا يتيمم إذا لم يجد الماء, وجعله الغزالي وجهًا, واختار أنه لا يتيمم, وذلك الاحتمال عائد هنا بلا شك.
قال ابن الرفعة: قد يفرق بينهما بأن الغسل هنا مخالف لغيره بدليل صحته من الحائض والنفساء, فكذلك بدله.
ولو وجد ماء لا يكفيه فالمنصوص- وقال به جماعة- أنه يتوضأ به.
قال المصنف: إن أرادوا أنه يتوضأ به ثم يتيمم .. فحسن, وإن أريد الاقتصار على الوضوء .. فليس بجيد, لأن المطلوب هو الغسل, والتيمم يقوم مقامه دون الوضوء.
قال الشيخ: والإمر كما قال.
والمراد ب (العجز): ما يبيح التيمم من فقد الماء وغيره كما تقدم, وهو أحسن من قول (المحرر): فإن لم يجد الماء.
قال: (ولدخول مكة)؛ لما روى البخاري [١٥٧٣] عن ابن عمر ﵄: أنه كان لا يقدَمُ مكة إلا بذي طوى حتى يصبح ويغتسل, ثم يدخل مكة نهارًا,
ويذكر عن النبي ﷺ إنه فعله.
فلو خرج من مكة فأحرم بالعمرة واغتسل لإحرامه ثم أراد دخول مكة, فإن بعد موضع إحرامه كالجعرانة .. اغتسل للدخول, وإن أحرم من أدنى الحل .. فلا, قاله الماوردي.
стр. 1369
وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِقَةَ غَدَاَةَ النَّخرِ, وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِقِ لِلرَّمْيِ, وَأَنْ يُطَيَّبَ بَدَنَهُ لِلإحْرَام
ــ
ِ
قال ابن الرفعة: ويظهر أن يقال بمثل ذلك في الحج إذا أحرم من أدنى الحل؛ لأنه لم يخطر له ذلك إلا هناك.
قال الشافعي ﵁: وسواء في ذلك الحلال والمحرم؛ لأن النبي ﷺ اغتسل عام الفتح لدخولها وهو حلال, فلم يترك النبي ﷺ الاغتسال لدخولها.
قال: (وللوقوف بعرفة وبمزدلفة غداة النحر, وفي أيام التشريق للرمي)؛ لأنها مواضع اجتماع الناس فأشبه غسل الجمعة.
والمراد ب (الوقوف بمزدلفة): الوقوف على المشعر الحرام بعد الفجر.
وعلم من كلامه: أنه لا يستحب الغسل للمبيت بمزدلفة وهو كذلك؛ لقربه من غسل عرفة, ولا لرمي جمرة العقبة ولا للحلق والطواف وهو كذلك.
وفي القديم: يندب لطوافي الإفاضة والوداع والحلق, وجزم به المصنف في (مناسكه).
ومقتضى كلام المصنف وغيره إن جميع أغسال الحج لا تصح إلا بنية.
وقال المتولي: الغسل لدخول مكة يصح بدونها, لأن المقصود منه التنظيف لا التعبد, وكلام الإمام يميل إليه.
قال: (وأن يطيب بدنه للإحرام)؛ لأن عائشة ﵂ طيبت رسول الله صلي الله عليه وسلم حين أحرم, متفق عليه
[خ١٧٥٤ - م ١١٨٩] , وسواء في ذلك الرجل والمرأة.
وفي وجه: لا يندب ذلك للنساء, وفي وجه: لا يجوز لهن التطيب بطيب تبقى عينه.
وقيل: لا يجوز للنساء ولا للرجال, والصواب: الأول.
стр. 1370
وَكَذَاَ ثَوْبَهُ فِي الأَصَحَّ
ــ
,
والصحيح: أنه يستوي في استجابه الشابة والعجوز والخلية والمتزوجة؛ لقول عائشة ﵂: (كنا نخرج مع رسول الله ﷺ إلى مكة, فنضمخ جباهنا بالمسك عند الإحرام, فإذا عرقت إحدانا .. سال على وجهها, فيراه النبي ﷺ فلا ينهانا) رواه أبو داوود [١٨٢٦].
والفرق بين استحباب الطيب للمرأة هنا وعدم استحبابه إذا ذهبت للجمعة: أن زمان الجمعة ومكانها ضيق لا يمكنها فيه تجنب الرجال, بخلاف الإحرام, ويستثنى من ذلك المرأة المُحِدَّةُ.
قال: (وكذا ثوبه في الأصح)؛ لعموم حديث عائشة ﵂.
وملخص ما في تطييب الثوب خمسة أوجه:
قيل: يستحبُّ ..
وقيل: يباح ..
وقيل: يكره ..
وقيل: يحرم, لأنه ينزع ثم يلبس, فلُبْسُهُ ثانيًا حرام, فحرم حسمًا للباب.
وقيل: إن كان عينا .. حرم, وإلا .. فلا.
وصحح المصنف هنا الأول, لأنه عطفه على استحبابه في البدن, وصحح في (شرح المهذب): الثاني ..
وعبارة (الروضة): الأصح: الجواز كالبدن, وهذا هو المعتمد ..
وكأن الذي في الكتاب سبق قلم تبع فيه (المحرر)؛ فإنه قال في (شرح المهذب): لا يندب جزمًا ..
لكن حكى القاضي والمتولي الخلاف في الاستحباب, وعلى الاستحباب اقتصر البندنيجي من العراقيين.
стр. 1371
وَلاَ بَاسَ بِاسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ اَلإِحْرَامِ, وَلاَ بِطِيبٍ لَهُ جِزْمٌ, لَكِنْ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَهُ الْمطَيَّبَ ثُمَّ لَبِسَهُ .. لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ فِي للأَصَحَّ ....
ــ
قال الإمام: ومحلّ الخلاف فيمن طيب ثوبه قصدًا, أما من طيب بدنه فتعطر ثوب إحرامه تبعًا .. فلا خلاف أنه ليس بحرام ولا فدية.
فإن قيل: روى مسلم [١١٨٠] عن يعلى بن أمية ﵁: أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ وعليه جبة وهو متضمخ بالخلوق فقال: يا رسول الله؛ إني أحرمت بالحج وعلي هذه فما أصنع؟ فلم يرد عليه شيئًا حتى نزل عليه الوحي, فلما سُرِّيَ عنه قال: انزع الجبة واغسل عنك أثر الخلوق) فهذا يدل على منع الطيب في البدن والثوب كما قاله مالك .. فالجواب: أنه منسوخ؛ لأنه كان بالجعرانة سنة ثمان, وحديث عائشة ﵂ في حجة الوداع سنة عشر, وأيضًا كان في الجبة خلوق وهو الزعفران وهو محرم على الحلال والمحرم.
قال: (ولا بأس باستدامته بعد الإحرام) بعني حيث جوزناه في البدن أو في الثوب.
ففي) الصحيحين) [خ٢٧١ - م ١١٩٠] عن عائشة ﵂: (كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق, رسول الله ﷺ وهو محرم.
قال: (ولا بأس باستدامته بعد الإحرام) يعني حيث جوزناه في البدن أو في الثوب.
ففي (الصحيحين) [خ٢٧١ - م١١٩٠] عن عائشة ﵂: (كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم.).
و (الوبيص) البريق, و (المفرق): وسط الرأس ..
ولا فرق في استحباب الطيب بين ما يبقى جرمه بعد الإحرام كالمسك, أو رائحته كالبخور ولذلك قال:
> (ولا بطيب له جرم)؛ للحديث المذكور.
قال: (لكن لو نزع ثوبه المطيب) أي: وهو معطر (ثم لبسه .. لزمته الفدية في الأصح) كما لو لبس الثوب المطيب ابتداء ..
والثاني: لا؛ لأن العادة في الثوب أن ينزع ويعاد فَجُعِلَ عَفْوًا ..
أما لو انتقل من موضع إلي موضع بإسالة العرق .. فلا فدية في الأصح.
وموضع الخلاف إذا كانت رائحة الطيب في الثوب موجودة, وإليه أشاره بقوله: (ثوبه المطيب).
стр. 1372
وَأَنْ تَخْضِبَ المَرْأَةُ للِإحْرَامِ يَدَيْهَا, - وَيَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ لإِحْرَامِهِ عَنْ مَخِيطِ الثِّيابِ
ــ
أما إذا لم يكن عطرًا, فإن كان بحيث إذا ألقي عليه ماء ظهرت رائحته .. امتنع, وإلا .. فلا.
قال: (وأن تخضب المرأة للإحرام يديها)؛ لما روى الدارقطني [٢/ ٢٧٢] عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: (من السنة أن تدلك المرأة بشي من حناء عشية الإحرام).
وسواء في ذلك الخلية والمتزوجة والشابة والعجوز, فتخضب يديها تعميمًا إلى الكوعين ولا تزيد عليه, ولا تطرف الإصابع ولا تنتقش ولا تسود.
ويستحب لها أيضًا أن تمسح وجهها بشيء من الحناء؛ لتستر لون ما يظهرمن بشرتها.
والرجل والخنثى منهيان عن الخضاب وإن كان الخنثى مأمورًا بالتستر كالمرأة.
واحترز بقوله: (للإحرام) عما إذا كانت محرمة, فإن يكره لها الخضاب؛ لأنه زينة للمحرم, والمقصود أن يكون أشعث أغبر, فإن اختضبت في الإحرام .. فلا فدية على المذهب؛ لأنه ليس بطيب على المشهور.
قال: (ويتجرد الرجل لإحرامه عن مخيط الثياب) هذا من واجبات الإحرام كما سيأتي في (باب محرماته).
وضبط المصنف (يتجرد) بضم الدال إشارة إلى وجوب التجرد؛ لئلا يصير لابسًا بعده, وهو الذي جزم به الرافعي, لكنه صرح بندبه في: المناسك).
واستشكل المحب الطبري والشيخ الوجوب؛ إذ لا يجب عليه قبل الدخول في الأحرام شيء من متعلقاته, ويؤيد ذلك أنهم قالوا في الصيد: لا يجب إرساله بلا خلا ف, وكذلك لو علق الطلاق على الوطء .. لا يحرم عليه الوطء على المشهور.
و (المخيط) بفتح الميم.
والحكم كذلك في كل ما كان في معناه كاللبد والمنسوج ونحوهما مما له استداره المخيط.
стр. 1373
وَيَلْبِسِ إِزَارًا وَرِدَاَءً أَيْيَضَيْنِ وَنَعْلَيْينِ
ــ
ولو حذف لفظة (الثياب) كما في (الروضة) .. كان أولى؛ فإنه يجب نزع الخف والنعل المخيط.
قال: (ويلبس إزارًا ورداء)؛ لأن النبي ﷺ أحرم فيهما وأمر بالإحرام كذلك, رواه البخاري [١٥٤٥] عن ابن عباس ﵄, ورواه مسلم [١١٧٩] عن جابر ﵁.
قال: (أبيضين)؛ لقوله صلى الله وسلم: (البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم) رواه أبو داوود [٣٨٧٤] والترمذي [٩٩٤] وقال: حسن صحيح.
وجزم الرافعي بكراهة المصبوغ.
ويستحب أن يكونا جديدين؛ لأنه أبعد من الدنس وأنقى من المغسول, وإلا .. فنظيفين.
وكلام الماوردي والروياني يقتضي أنه لا يكره ما صبغ غزله ثم نسج.
قال: (ونعلين)؛ اقتداء بخير من يمشي بنعل فرد أوهبَهُ لنهدة ونهد ﷺ .
قال زياد بن علاقة: كان بين رجل منا ورجل من الأنصار شيء, فشجه, فأتى النبي ﷺ فقال [من الرجز]:
يا خير من يمشي بنعل فرد .... أَوهَبَهُ لنهدة ونهد
لا تُسبَبَنَّ سلبِي وجِلْدِي
قال رسول الله ﷺ : (لا).
أراد ب (الفرد): السمط, وهي التي لم تُخصَف ولم تُطارَق.
والعرب تمدح برقة النعال, وإنما ينتعل السبتية الرقاق الأسماط ملوكهم وسادتهم فكأنه قال: يا خير الأكابر ..
стр. 1374
وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَينِ, ثُمَّ الأَفضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ إِذَا انْبَعَثْت بهِ رَاحلَتُهُ أَوْ تَوَجَّهَ لِطَريِقهِ مَاشِيًا
ــ
وإنما لم يقل: فردة؛ لأنه أراد بالنعل الِّسبت, كما تقول: فلان يلبس الحضرمي الملسن ..
والتقدير: يا خير ماشٍ فرد في فضله وتقدمه.
(أوهبه) إما أن يكون بدلًا من المنادى, أو منادىً, ثانيًا حذف حرفه.
ونحوه قول النابغة [(أغاني) ١١/ ٤٠من الرجز]:
يا أوهب الناس لعين صلبة و (الضمير) و (النهد) في نعت الخيل الجسيم المشرف.
قال: (ويصلي ركعتين) أجمع الناس علي استحباب هذه الصلاة.
وفي (الصحيحين) [خ١٥٥ - م ١١٨٤/ ٢١]: (أنه ﷺ صلاهما بذي الحليفة ثم أحرم).
ويستحب أن يقرأ فيها (سورة الكافرون) و (الإخلاص).
وإذا كان بالميقات مسجد .. استحب أن يصليهما فيه.
وتكره هذه الصلاة في أوقات الكراهة على الأصح؛ لأن سببها وهو الإحرام متأخر.
ولو كان إحرامه في وقت فريضة فصلاها .. أغنته عن ركعتي الإحرام كالتحية. قال في (شرح المهذب): وفيه نظر؛ لأنها مقصوده فلا تندرج كسنة الصبح.
قال الشيخ: والذي يترجح ما قاله الأصحاب؛ فإن المقصود الإحرام بعد صلاة, ولم يرد دليل على قصد هذه الصلاة بخصوصها.
قال: (ثم الأفضل: أن يحرم إذا انبعثت به راحلته أو توجه لطريقه ماشيًا)؛ لما روى الشيخان [خ١٦٦ - م١١٨٧] عن ابن عمر ﵄ قال: (لم أر النبي ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته).
стр. 1375
وَفِي قَوْلِ: يُحرِمُ عَقِيبَ الصَّلاَةِ. وَيُستَحَبُّ إِكثَارُ التَّلْبِيَةِ وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا فِي دَوَامِ إِحْرَامِه
ــ
ِ
والمراد ب (انبعاثها): استواؤها قائمة, هكذا في لفظ الحديث.
ولا فرق في ذلك بين من أحرم من الميقات أو من مكة, لكن يستثنى منه إمام مكة إذا خطب الناس بها يوم السابع؛ فإنه يندب أن يخطب محرمًا, فيتقدم إحرامه مسيره بيوم, قاله الماوردي.
قال: (وفي قول: يحرم عقيب الصلاة) أي: وهو جالس, وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لما روى أبو داوود [١٧٦٧] والترمذي [٨١٩] والنسائي [٥/ ١٦٢] عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ أهل في دُبُرِ الصلاة) لكن ضعفه البيهقي [٥/ ٣٧] , واختار هذا القول طائفة من الأصحاب, وحملوا اختلاف الرواية علي أن النبي ﷺ أعاد التلبية عند انبعاث الدابة فظن من سمع أنه حينئذ لبى.
قال: (ويستجيب إكثار التلبية)؛ لقول ابن عباس ﵄: (التلبية زينة الحج).
ولأن النبي ﷺ كان يكثر منها, بل قال ابن خيران وابن أبي هريرة وأبو علي الطبري: التلبية في أثناء الحج والعمرة واجبة, وزعموا أن للشافعي ﵁ نصًا يدل عليه.
ويندب للحائض والجنب؛ لأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت).
وقائمًا وقاعدًا؛ لما روى الشافعي ﵁ بسنده: (أن النبي ﷺ كان يلبي راكبًا وقائمًا وماشيًا وقاعدًا ومضجعًا).
ويكره في الخلاء ومواضع النجاسة؛ تنزيهًا لذكر الله تعالى.
قال: (ورفع صوته بها في دوام لإحرامه)؛ لحديث خلاد بن السائب المتقدم في أول الفصل.
стр. 1376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكان الصحابة لا يبلغون الروحاء حتي تبح حلوقهم من التلبية ..
والمراد ب (رفع الصوت) بحيث لا يجهد نفسه, بل يكره أن يرفع صوته بحيث لو زاد .. انقطع؛ لما روي البخاري [٢٩٩٢] عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ , فكنا إذا علونا .. كبرنا, فقال ﷺ : (أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا,
ولكن تدعون سميعًا بصيرًا)
معنى (أربعوا): كفوا.
وتستثنى المرأة؛ فإنها تقتصر على إسماع نفسها, ولو رفعت صوتها .. كره ولم يحرم على الصحيح, والخنثى كالمرأة.
وأستثنى الجويني التلبية المقترنة بالإحرام فقال: لا يجهر بها الرجل, ونازعه المصنف.
ويستثنى من كان في مسجد فلا يرفع صوته بالتلبية, كمسجد مكة ومسجد الخيف ومسجد إبراهيم بنمرة؛ لأنها بنيت للنسك, ونهي عن رفع الأصوات في المساجد ..
أما غير هذه المساجد الثلاثة .. ففيه قولان::
الجديد: تستحب التلبية فيها ..
والقديم: لا؛ لئلا يهوش علي المصلين ..
وجزام ابن حبان [٣٨٠١] باستحباب وضع الإصبعين في الأذنين عند التلبية, ثم روى: أن النبي ﷺ لما وصل ألى وادي الأزرق .. قال: (كأنما أنظر ألى موسى واضعًا إصبعيه في أذنيه له جؤار بالتلبية).
و (وادي الأزرق) في طرف بلاد ساية مما يلي مكة.
و (الجؤار): رفع الصوت بالتلبية والاستغاثة.
стр. 1377
وَخَاصَّةً عِنْدَ تَغَايُرِ الأَحْوَالِ كَرُكُوبِ وَنُزُولٍ وَصُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَاخْتِلاَطِ رُفْقَةٍ، وَلاَ تُسْتَحَبُّ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، وَفِي الْقَدِيمِ: تُسْتَحَبُّ فِيهِ بِلاَ جَهْرٍ
ــ
.
قال: (وخاصة عند تغاير الأحوال كركوب ونزول وصعود وهبوط واختلاط رفقة)
ففي هذه الأحوال تتأكد، وكذلك عند الفراغ من الصلاة، وإقبال الليل والنهار ووقت السحر، لأن في هذه المواضع ترتفع الأصوات ويكثر الضجيج، وقد روى الترمذي [٨٢٧] أن النبي ﷺ قال: (أفضل الحج العج والثج).
فـ (العج): رفع الصوت، و (الثج): إراقة الدماء.
و (الصعود) و (الهبوط) بضم أولهما مصدران.
و (الرفقة) بضم الراء وكسرها.
وروى الحاكم [١/ ٤٥١] عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن النبي ﷺ قال: (ما من ملب يلبي .. إلا لبى ما عن يمينه وعن شماله من حجر وشجر حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا، عن يمينه وعن شماله) وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وروى البيهقي [٥/ ٤٣] عن عامر بن ربيعة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما أضحى مؤمن يلبي حتى غروب الشمس .. إلا غابت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه).
قال: (ولا تستحب في طواف القدوم)، وكذلك السعي بعده؛ لأن فيهما أذكارًا وأدعية تخصهما.
وقال ابن عمر ﵄: (لا يلبي الطائف حول البيت).
وقال سفيان: ما رأيت أحدًا يلبي في الطواف إلا عطاء بن السائب.
قال ذلك في معرض الإنكار على مخالفة عطاء الإجماع.
قال: (وفي القديم: تستحب فيه بلا جهر)؛ لعموم الأمر به، لكن يخفض صوته قدر ما يسمع نفسه، والخلاف جارٍ في السعي أيضًا إذا أعقبه به.
стр. 1378
وَلَفْظُهَا: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ)
ــ
أما طواف الإفاضة وطواف العمرة .. فلا تستحب فيهما بلا خلاف؛ لشروعه في أسباب التحلل، ولا في الوداع من طريق أولى.
قال: (ولفظها:) لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) كذا رواه الشيخان [خ١٥٤٩ - م١١٨٤] عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ .
ويستحب أن يأتي بالتلبية نسقًا لا يتخللها كلام، فإن سلم عليه رد السلام.
ويندب أن يقف وقفة لطيفة عند قوله: (والملك) ثم يقول: (لا شريك لك) وأن لا يزيد على هذه الكلمات ولا ينقص، فإن زاد .. لم يكره على المشهور؛ لما روى النسائي [٥/ ١٦١] بإسناد صحيح: (لبيك إله الحق) في تتمة الحديث.
وكان عبدالله ﵁ يقول مع هذا: لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل.
و (الرغباء): الرغبة والمسألة، وفيها لغتان: فتح الراء والمد، وضم الراء والقصر، أي: الطلب والعمل إلى من بيده الخير كله.
وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في تلبية: (لبيك حقًا حقًا تعبدًا ورقًا (.
وعن سعد أبي وقاص ﵁ أنه سمع ابن اخيه يقول في تلبية: (لبيك يا ذا المعارج، فقال: هو ذو المعارج، لكن ماهكذا كنا نلبي مع رسول الله ﷺ
و (ذوالمعارج): من أسماء الله تعالى، ومعناها: المصاعد والدرج، واحدها مِعْرَج، يريد معارج الملائكة إلى السماء.
стр. 1379
وَإِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ .. قَالَ: (لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ
ــ
فائدة::
معنى (لبيك): أنا مقيم على طاعتك، وزاد الأزهرى: إقامة بعد إقامة، وإجابة بعد إجابة.
و (اللهم) معناه: يا الله، والميم عوض من (يا) النداء، ولا يجمع بينهما إلا في الشعر.
وقيل: معناه: يا الله؛ آمنا منك بخير، وإنما قال: (لا شريك لك) مخالفة للمشركين؛ فإنهم كانوا يقولون: لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.
وقوله: (إن الحمد) بكسر همزة إن وفتحها، والكسر أشهر وهو على الاستئناف، والفتح على التعليل.
قال: (وإذا رأى ما يعجبه,, قال: (لبيك، إن العيش عيش الآخرة)) رواه الشافعي [أم ٢/ ١٥٦] والبيهقي [٥/ ٤٥] بسندهما إلى مجاهد قال: (كان النبي ﷺ يُظهِرُ من التلبية: لبيك اللهم لبيك ... فذكر التلبية حتى إذا كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هم فيه .. فزاد فيها: لبيك إن العيش عيش الآخرة) وهذا مرسل. قال ابن جريج: وحسبت أن ذلك يوم عرفة.
لكن رواه الحاكم [١/ ٤٦٥] عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: أن النبي ﷺ قاله يوم عرفة، وكذلك رواه سعيد بن منصور في (سننه) عن عكرمة.
قال في (الأم): إنه ﵊ قال ذلك في أسرِّ حالة- يعني: في هذا المكان- وأشد حالة- يعني: في حفر الخندق- وقد نهكت أبدانهم واصفرت ألوانهم،
قال::
стр. 1380
وَإِذَا فَرغ مِنْ تَلْبِيِتَهِ .. صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَأَلَ الله تَعَالَى الْجَنةَ وَرِضْوَانَهُ، وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنَ النَّارِ
ــ
اللهم إن العيش عيش الآخرة .... فارحم الأنصار والمهاجرة
ومعنى (إن العيش عيش الآخرة): أن الحياة المطلوبة الهنية الدائمة هي الدار الآخرة ..
قال: (وإذا فرغ من تلبيته .. صلى على النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أي: لا أذكر إلا وتذكر معي.
ويكون صوته بالصلاة على النبي ﷺ وبالدعاء أخفض من صوته بالتلبية بحيث يتميز عنها.
وكذا يستحب لكل من صلى وسلم عليه ﷺ أن يرفع صوته بهما، لكن لا يبالغ في الرفع مبالغة فاحشة.
قال: (وسأل الله تعالى الجنة ورضوانه، واستعاذ به من النار)؛ لأن النبي ﷺ كان إذا فرغ من تلبيته من حج أو عمرة .. سأل الله تعالى رضوانه والجنة، واستعاذه من النار، رواه الشافعي [أم ٢/ ١٥٧] عن خزيمة بن ثابت ﵁، قال: ولأن هذا أعظم ما يسأل.
تتمة:
من لا يحسن العربية .. لبى بلسانه، وهل يجوز للقادر على العربية؟ وجهان بناهما المتولي على الخلاف في نظيره من تسبيحات الصلاة وتشهدها وأذكارها المأثورة؛ لأنه ذكر مسنون.
ومقتضاه: أنه يترجم العاجز لا القادر.
стр. 1381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأقوى: جواز التلبية مطلقًا، بخلاف أذكار الصلاة؛ فإن الكلام فيها مفسد من حيث الجملة بخلاف التلبية ..
...
خاتمة
قال: في (الأم): (أَستَحِبُّ أن يلبي ثلاثًا) واختلف في تأويله على ثلاثة أوجه:
أحدهما: يكرر قوله: (لبيك) ثلاث مرات ..
والثاني: يكرر: (لبيك اللهم لبيك) ثلاثًا.
والثالث: يكرر جميع التلبية ثلاثُا.
وذكر بعض الأصحاب أنه إذا لبى في دبر الصلاة .. يلبي ثلاثًا نسقًا، كما يكبر في أيام التشريق بعدها ثلاثًا نسقًا.
***
стр. 1382
بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ
ــ
ــ
ــ
ــ
ــ
ــ
باب دخول مكة
لم يبوب عليه في (المحرر) بل جعله فصلًا.
و (مكة) بالميم والباء، قيل: هما اسم للبلد.
وقيل: بالميم: الحرم كله، وبالباء: المسجد.
وقيل: بالميم: البلد، وبالباء: موضع البيت، قاله مالك.
قال ابن رشد: أخذ ذلك من قوله ؛ لأنه قال في بكة: ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ وهو إنما وضع بموضعه الذي وضع فيه لا فيما سواه من القرية.
وقال تعالى في مكة: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾، وذلك إنما كان في قرية لا في موضع البيت.
ولها أسماء: مكة، وبكة، والبلد، والبلد الأمين، والبيت، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والمأمومة، وأم رُحْمٍ، وأم القرى، وصلاح كقطام، والباسَّة، والناسَّة، وكوثى، والعرش، والقادسة، والمقدسة، والحاطمة، والرأس، والبلدة، والبينة، ومعاد.
قال المصنف: ولا نعلم بلدًا أكثر أسماء من مكة والمدينة؛ لكونهما أفضل الأرض، وذلك لكثرة الصفات المقتضية للتسمية، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، ولهذا كثرت أسماء الله تعالى ورسوله ﷺ حتى قيل: إن لله تعالى ألف اسم، ولرسوله ﷺ كذلك.
ومكة أفضل الأرض إلا الموضع الذي ضم أعضاء رسول الله ﷺ فهو أفضل من كل البقاع بالإجماع ..
стр. 1383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ــ
ــ
ــ
ــ
ــ
ــ
جزم الجميع بأن خير الأرض ما ... قد حاط ذات المصطفى وحواها
ونعم لقد صدقوا بساكنها علت .... كالنفس حين زكت زكى مأواها
ويدل لفضل مكة حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف على راحلته بالحزورة في سوق مكة يقول: (والله إنك لخير الأرض، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك .. ما خرجت) رواه الدارقطني [العلل٩/ ٢٥٤] والنسائي [سك٤٢٣٨] والترمذي [٣٩٢٥] وقال: حسن صحيح ..
قال البكري: وهو على شرط الشيخين ..
و (الحزورة): موضع بمكة عند باب الحناطين على وزن قسورة.
قال الشافعي والدارقطني::
المحدثون يشددون الحزورة والحديبية وهما مخففان ..
وأما ما روي من قوله: (اللهم؛ إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إلي، فأسكني أحب البلاد إليك) .. فقال ابن عبد البر: لا يختلف أهل العلم في نكارته ووضعه، وينسبون وضعه إلى محمد بن الحسن بن زبالة المدني، وتركوه لأجله.
وقال ابن دحية في (تنويره): إنه حديث باطل بإجماع أهل العلم.
قال ابن مهدي: سألت عنه مالكًا فقال: أيحل لك أن تنسب الباطل إلى رسول الله ﷺ .
وقد بين علته البزار في كتاب (العلل)، والحافظ رشيد الدين وغيرهما.
أما السكنى بالمدينة .. فأفضل؛ لأنه ثبت من حديث ابن عمر ﵄::
стр. 1384
الأَفْضَلُ: دُخُولُهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَاَنْ يَغْتَسِلَ دَاخِلُهَا مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ بِذِي طَوَىّ،
ــ
أن النبي ﷺ : (لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد .. إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة).
ولم يرد في سكني مكة شيء من ذلك، بل كرها جماعة من العلماء.
وثبت: أن النبي ﷺ قال:) من مات بالمدينة .. كنت له شفيعًا يوم القيامة).
وفي (الترمذي) [٣٩١٧] عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: (من استطاع أن يموت بالمدينة .. فليمت بها؛ فإني أشفع لمن يموت بها).
وفي (الصحيحين) [خ١٨٨٩ - م١٣٧٦] عن عائشة ﵂: (اللهم؛ حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها إلى الجحفة).
وجعل ابن حزم التفضيل الحاصل لمكة ثابتًا لجميع الحرم ولعرفة وإن كانت من الحل.
والصحيح: تحريمها من يوم خلق الله السماوات والأرض.
وقيل: من زمن إبراهيم ﵊.
قال: (الأفضل: دخولها قبل الوقوف)؛ اقتداء برسول الله ﷺ ، ولكثرة ما يحصل له من السنن الكثيرة التي ستذكر، وترك حجيج العراق لذلك جهل وبدعة.
قال: (وأن يغتسل داخلها من طريق المدينة بذي طوى]؛ لما تقدم من قول ابن عمر ﵄: (إن النبي ﷺ كان يفعله) وسواء في ذلك الداخل بحج أو عمرة ..
стр. 1385
وَيَدْخُلَهَ مِنْ ثَنِيَّيِة كَدَاءٍ
ــ
و (داخلها) مرفوع فاعل (يغتسل)
وقد تقدم عن المتولي أنه قال: المقصود من هذا الغسل التنظيف لا التعبد، ولذلك تؤمر به الحائض.
واحترز المصنف عن الآتي من نحو اليمن؛ فإنه لا يندب له الغسل بها، بل يغتسل من مثل مسافتها.
والغسل مستحب لكل داخل وإن كان حلالًا لكن المحرم آكد ..
و (ذي طوى) مثلث الطاء والفتح أشهر: بئر مطوية بالحجارة، أي: مبنية، وهي بين الثنيتين إلى السفلى أقرب، ويجوز صرفه على إرادة المكان، وعدمه على إرادة البقعة ..
وينبغي إذا دخل الحرم .. أن يستحضر حرمته، ويخضع ويخشع بباطنه وظاهره، ويقول: اللهم؛ هذا حرمك وأمنك فحرمني على النار وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك ..
قال: (ويدخلها من ثنية كَداء) بفتح الكاف والمد، وإذا خرج خرج من ثنية كُدى بالضم والقصر؛ لما روى الشيخان [خ١٥٧٧ - م١٢٥٨] عن عائشة ﵂ وابن عمر ﵄ [خ١٥٧٥ - م١٢٥٧]: (أن النبي ﷺ كان يدخلها من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى).
ولأنه قاصد عبادة فاستحب له الدخول من طريق والرجوع من أخرى؛ لتشهد له الطريقان كما تقدم في (صلاة العيد) ,
وقال السهيلي: ولأن إبراهيم ﵊ لما قال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ كان في ثنية كداء فلذلك استحب الدخول منها.
وسواء في ذلك الحاج والمعتمر، كان على طريقه أم لا، فيعدل إليها قصدًا على الصحيح.
وقيل: بل دخل ﷺ منها اتفاقًا ..
стр. 1386
وَيَقُولَ إِذَا أَبْصَرَ الْبَيْتَ: (اللهُمَّ؛ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حجه أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا، اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ السَّلاَمُ ومِنْكَ السَّلاَمُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلاَمِ)
ــ
و (الثنية): المكان الضيق بين الجبلين، والأصح: أن دخولها نهارًا وماشيًا أفضل ..
والأولى: أن يكون حافيًا إن لم يخف مشقة أو نجاسة رجله؛ فقد روى ابن ماجه [٢٩٣٩] عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (كانت الأنبياء يدخلون الحرم مشاة حفاة، ويطوفون بالبيت ويقضون المناسك حفاة مشاة).
قال: (ويقول إذا أبصر البيت) أي: من عند رأس الردم.
والظاهر: أن مراده بالإبصار العلم، حتى يستحب الدعاء المذكور للأعمى والداخل في ظلمة.
قال: (اللهم؛ زد هذا البيت تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًا) وروي ذلك عن الشافعي ﵁ [أم ٢/ ١٦٩] عن ابن جريج عن النبي ﷺ : أنه كان إذا أبصر البيت رفع يديه وقاله هكذا، ورواه الطبراني [طب٣/ ١٨١] عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ ، والذي ذكره المصنف هو الصواب.
وقع في) المختصر) ذكر المهابة في الموضعين وحذف البر فيهما، ووقع في) الوجيز) ذكر المهابة والبر جميعًا في الأول وذكر البر وحده ثانيًا، وأنكره الرافعي وغيره عليه، وبسطه المصنف في (تهذيبه).
قال: (اللهم؛ أنت السلام ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام)؛ لأن ابن المسيب كان يقوله ويرويه، ويقول إنه سمع عمر ﵁ يقوله.
стр. 1387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و (التشريف): الترفع والإعلاء ..
و (التعظيم): التبجيل ..
و (التكريم): التفضيل ..
و (المهابة): التوقير ..
و (البر): الاتساع في الإحسان والزيادة منه؛ وقيل: الطاعة ..
و (السلام) الأول: هو الله ، والثاني معناه: من أكرمته بالسلام فقد سلم ..
(فحينا ربنا بالسلام) أي: سلمنا بتحيتك من جميع الآفات.
ويستحب رفع اليد عند رؤية البيت؛ لما تقدم قريبًا.
ولما روى ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال:) لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: عند رؤية البيت؛ وعلى الصفا والمروة؛ وفي الصلاة؛ وفي الموقف؛ وعند الجمرتين).
ويستحب أن يدعو إذا أبصر البيت؛ لما روى أبو أمامة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (تفتح أبواب السماء وتستجاب دعوة المسلم عند رؤية الكعبة) لكنه حديث غريب ..
стр. 1388
ثُم? يَدْخُلُ ?لْمَسْجدَ مِنْ بَابِ بِنَي شَيْبَة
ــ
وكان البيت يرى من رأس الردم، والآن علت الأبنية فمنعت من ذلك. وبنيت الكعبة شرفها الله تعالى خمس مرات:
إحداها: بنتها الملائكة وحجوها قبل آدم بألفي عام، وحجها آدم فمن بعده من الأنبياء ﵈.
والثانية / بناها إبراهيم ﵇.
والثالثة: بنتها قريش وحضر معهم النبي ﷺ هذا البناء وهو ابن خمس وثلاثين سنة.
والرابعة: بناها ابن الزبير زمن يزيد بن معاوية على قواعد إبراهيم، وعلاها وأدخل فيها الحجر.
فلما قتله الحجاج هدمها وبناها كما كانت في زمن قريش، وهي عليها الآن.
وقيل: إنما هدم زيادة ابن الزبير، فكلها بناء ابن الزبير إلا الجدار الذي في الحجر فإنه بناء الحجاج، ثم هم عبد الملك بن مروان بهدمه وإعادته إلى بناء ابن الزبير فقيل له: لا تفعل كيلا تصير ملعبة الملوك.
قال الشافعي ﵁: أوجب أن تترك على حالها؛ لأن هدمها يذهب جرمتها، وكان ارتفاعها في زمن قريش ثمانية عشر ذراعًا، وهي الآن سبع وعشرون ذراعًا.
قال: (ثم يدخل المسجد من باب بني شيبة)؛ لأن النبي ﷺ دحل منه في عمرة القضاء، رواه البيهقي [٥/ ٧٢] بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵁.
والمعنى فيه: أن باب الكعبة في جهته، والبيوت تؤتى من أبوابها، وجهة الباب أفضل جهات الكعبة فكان الدخول من الباب الذي يقابله أولى، واتفقوا على استحباب
стр. 1389
وَيَبْدَأُ بِطَوَافِ ?لْقُدُوم
ــ
ِ
الدخول منه لكل قادم، سواء كان في صواب طريقه أم لا، بخلاف الدخول من الثنية العليا؛ فإن فيه الخلاف المتقدم.
والفرق أن الدوران حول المسجد لا يشق بخلاف الدوران حول البلد، وسكت المصنف عن الباب الذي يخرج منه عند إرادة الرجوع إلى بلده.
ويستحب أن يكون من باب بني سهم، ففي (النوادر) عن ابن حبيب: أن النبي ﷺ خرج منه.
و (شيبة) اسم رجل مفتاح الكعبة في يده ولده، وهو شيبة بن عثمان بن [أبي] طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، جعل النبي ﷺ سدانة الكعبة في يدهم خالدة تالدة إلى يوم القيامة، لا ينزعها منهم إلا ظالم.
قال: (ويبدأ بطواف القدوم)؛ لما روى البخاري [١٦١٥] عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ أول شيء بدأ به الطواف).
ولأن تحية البيت فبدئ به، ويقدمه على كراء المنزل وتغيير الثياب، ولا يصلي التحية ولا غيرها إلا إذا خاف فوت المكتوبة أو وجد جماعتها قائمة أو خاف فوت سنة مؤكدة أو كان عليه قضاء فريضة ووجد الجماعة المكتوبة، وإن كان وقتها واسعًا ..
فإنه يقدم الصلاة على الطواف، فلو دخل فوجدهم ينتظرون الصلاة ولم يتسع الوقت لطواف السبع قبل الصلاة .. أمرناه أن يطوف حتى تقام الصلاة ثم يدخل فيها فإن تفريق الطواف لا يبطله على الصحيح، لا سيما وهذا بعذر.
ونستثني المرأة الشريفة أو الجميلة التي لا تبرر للرجال
إذا قامت نهارًا؛ فإنه يندب لها تأخيره إلى الليل، وكذلك الخنثى يستحب له الطواف ليلًا، فإن طاف نهارًا .. طاف متباعدًا عن الرجال والنساء.
стр. 1390
وَيَخْتَص طَوَافُ الْقُدُومِ بِحَاج دَخَلَ مَكة قَبْلَ الْوًقُوفِ، وَمَنْ قَصَدَ مَكةَ لاَ لِنُسُكٍ .. اسْتُحِب لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِحَج أَوْ عُمْرَةٍ، وَفِي قَوْلٍ/ يَجِبُ، إِلا أَنْ يَتَكَررَ دُخُولُهُ كَحَطابِ وَصيادِ
ــ
ويسمى طواف القدوم: طواف التحية وطواف الورود، وهو سنة على المشهور. قال: (ويختص طواف القدوم بحاج دخل مكة قبل الوقوف) هاذا بالنسبة إلى الحاج، وإلا .. فهو مستحب لكل قادم، والعبارة مقلوبة كما تقدم.
أما العمرة .. فليس فيها طواف القدوم، إنما فيها طواف واحد يسمى: طواف الفرض وطواف الركن، وهو يجزئ عن طواف القدوم كما تجزئ الفريضة عن التحية، فلو نوى به طواف القدوم .. وقع عن طواف العمرة.
قال: (ومن قصد مكة لا لنسك .. استحب له أن يحرم بحج أو عمرة)؛ لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: (من أراد الحج والعمرة) فلو وجب بمجرد الدخول .. لما علقه على الإرادة، ولذلك بوب على البخاري (باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام)، والصواب: أن قصد الحرم كقصد مكة فكان التعبير به أولى.
قال: (وفي قول: يجب)؛ لإطباق الناس عليه، وجعله في (البيان) الأشهر وهو منصوص (الأم)، وصححه المصنف في (نكت التنبيه)، والمصحح في عامة كتبه الأول، فإن قلنا: يستحب .. كره تركه، وإن قلنا: يجب .. فله شروط:
أن يأتي من خارج الحرم وإن كان مكيًا.
وأن لا يدخلها لقتال مباح أو واجب أو خائفًا من ظالم أو غريم يحبسه وهو معسر.
وأن يكون حرامًا فلا يلزم العبد وإن أذن سيده على المذاهب.
قال: (إلا أن يتكرر دخوله كحطاب وصياد) فهاذان لا يجب عليهما قطعًا للمشقة الحاصلة بذلك.
стр. 1391
فَصْلٌ::
للِط?وَافِ بِأَنْوَاعِهِ
ــ
وقيل: على القولين.
وفي وجه ضعيف: يلزمهم الإحرام في كل سنة مرة؛ لئلا يستهان بالحرم ..
وما ذكره المصنف من الحصر اعترض عليه بأنه يشترط على قول الوجوب أن يكون حرًا، وأن يكون دخوله من الحل، وأن لا يدخل مقاتلًا، ولا خائفًا من قتال أو ظالم لا يمكن معه الظهور لأداء النسك؛ لأنه ﷺ دخل مكة عام الفتح غير مُحِرم، كذا استدل به الرافعي، ورُد?؛ لأنه ﷺ كان من خواصه دخول مكة من غير إحرام ..
تتمة::
على القول بالوجوب: لا دم بتركه ولا قضاء ..
وقال ابن القاض: كل عبادة واجبة إذا تركها الإنسان .. لزمه القضاء والكفارة إلا هاذا، ونقض بترك رد السلام، ومصابرة الاثنين، وبإمساك يوم الشك إذا ثبت كونه من رمضان؛ فإنه يجب إمساكه على المذاهب.
فلو ترك الإمساك .. لم يلزمه من أجله قضاء ولا كفارة، وبما إذا ترك صوم يوم وكان قد نذر صوم للدهر.
قال: (فصل:
للطواف بأنواعه) وهي: طواف القدوم، والإفاضة، والوداع، والنفل المطلق،
стр. 1392
وَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ: أما الْوَاجِبُ .. فَيُشْتَرَطُ: سَتْرُ الْعَوْرَة
ــ
ِ
وطواف العمرة، وما يتحلل به من الفوات.
قال: (واجبات وسنن) المراد بـ (الواجبات): الوظائف التي لابد منها، وذلك أعم من الشروط والأركان، ووجوبه في التطوع معناه، أنه لا يصح إلا به كوجوب القراءة وغيرها في صلاة النفل ..
قال: (أما الواجب .. فيشترط: ستر العورة)؛ لما روى الشيخان [خ ٣٦٩ – م ١٣٤٧] عن أبي هريرة ﵁ قال: (بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.).
وقال ابن عباس ﵄/ قال رسول الله ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام، فمن تكلم .. فلا يتكلم إلا بخير) رواه الحاكم [١/ ٤٥٩] وقال: صحيح الإسناد ..
فسماه صلاة، وهو لا يضع الأسماء اللغوية، وإنما يكسبها أحكامًا شرعية، وإذا ثبت أنه صلاة .. لم يجز بغير ستارة، فلو طاف عريانًا أو انكشف جزء من عورته أو شعر من رأس الحرة أو ظفر رجلها .. لم يصح.
стр. 1393
وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ وَالنجَسِ،
ــ
قال: (وطهارة الحدث)؛ لأنه ﷺ قال لعائشة ﵂ حين حاضت: (اصنعي كل شيء غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي) رواه الشيخان [خ ١٦٥٠ – م١٢١١
فلو كان النهي لأجل المسجد .. لقال: حتى ينقطع الدم ..
وعن أبي يعقوب الأبيوردي: أن طواف الوداع يصح من غير طهارة ويجبر بالدم. وإذا طيف بالطفل .. اشترط وضوءه، وقيل لا يجب وضوء غير المميز، والظاهر: أن المجنون كالطفل فيوضئها الولي وينوي عنهما ..
قال: (والنجس) أي: في الثوب والبدن والمطاف؛ لعموم الحديث، وبالقياس على طهارة الحدث، فإذا لاقى نجاسة غير معفو عنها ببدنه أو ثوبه أو مشى عليها عمدًا أو سهوا .. لم يصح طوافه ..
وعمت البلوى بغلبة النجاسة في المطاف من جهة الطير وغيره، وقد اختار جماعة من المتأخرين المحققين العفو عنها ..
وينبغي أن يقال: يعفى عما يشق الاحتراز منه، كما عفى عن دم البراغيث والبق والقمل، وونيم الذباب، وأثر الاستنجاء، والقليل من طين الشارع المتيقن نجاسته، وعما لا يدركه الطرف في الماء والثوب على الأصح، وقد قال الشافعي ﵁: الأمر إذا ضاق اتسع.
مهمة::
طاف بالتيمم لعدم الماء، ثم وجده .. ففي الإعادة وجهان في (البحر:):
أحدهما: نعم كالصلاة ..
والثاني: لا كما إذا طافت للوداع بعد انقطاع دمها بالتيمم ثم فارقت مكة .. لا يلزمها دم ..
وينبغي الجزم بأنه لا يطوف بالتيمم؛ لوجوب الإعادة، وإنما فعلت الصلاة لحرمة الوقت، وهو مفقود هنا
стр. 1394
فَلَوْ أَحْدَثَ فِيهِ .. تَوَضأَ وَبَنَى، وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَأنفُ. وَأَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، مُبْتَدِئا بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ
ــ
قال: (فلو أحدث فيه .. توضأ وبنى)؛ لأنه يحتمل فيه ما لا يحتمل في الصلاة كالفعل الكثير والكلام، وكان الأعم أن يقول: تطهر؛ لشموله الأكبر والأصغر ..
قال: (وفي قول: يستأنف) كالصلاة، والقولان في العامد، فإن سبقه .. فخلاف مرتب، وأولى بالبناء ..
هاذا إذا قصر الفصل، فإن طال .. فكذلك على الأصح ..
وحكم الخارج من الطواف لحاجة حكم المحدث ..
والخارج بالإغماء نص في (الأم) على أنه إذا عاد .. استأنف الوضوء والطواف، قريبًا كان أو بعيدًا.
قال: (وأن يجعل البيت عن يساره)؛ لأنه المأثور، فلو جعله عن يمينه ومر من الحجر الأسود إلى الركن اليماني .. لم يصح، وكذا لو استقبله بوجهه معترضًا، أو جعله عن يمينه ومشى القهقرى نحو الباب .. فوجهان: أصحهما: لا يصح، وجزم الروياني بالصحة مع الكراهة.
قال الرافعي: والقياس: جريان هاذا الخلاف فيما لو مر معترضًا مستدبرًا ..
قال الروياني: إنه لا نص فيه، وإن أصحابنا قالوا: يجزئه ..
وقال المصنف: الصواب: القطع بأنه لا يصح في هاذه الصورة؛ فإنه منابذ لما ورد الشرع به ..
لاكن يستثنى منه ما قاله المصنف في استقبال الحجر الأسود في ابتداء الطواف؛ فإنه يندب أن يمر مستقبله حتى يجاوزه، ثم يجعل البيت عن يساره حينئذ ..
وأنكر بعض الناس ذلك على المصنف، وليس بمنكر؛ فقد صرح به القضاة أبو الطيب والبنديجي والروياني.
قال: (مبتدئًا بالحجر الأسود)؛ لما روى مسلم [١٢٧٣] عن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ ابتدأ به طوافه) وهاذا شرط بلا خلاف، وشبهوه بتكبيرة الإحرام في الصلاة
стр. 1395
مُحَاذِيًا لَهُ فِي مُرُورِهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الْحَجَرِ .. لَمْتُحْسَبْ، فَإذَا انُتهَى إِلَيْهِ .. ابْتَدَأَ مِنْهُ
ــ
وقال المحب الطبري: روى القاسم بن سلام: أن النبي ﷺ قال: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح به عباده) فمن مسحه ... فقد بايع الله، ومن قصد ملكًا وأم بابه .. قَبل يمينه، ولله المثل الأعلى ..
وقال الراغب: معناه: أنه يتوصل به إلى السعادة المقربة إليه ..
قال: (محاذيًا له في مروره بجميع بدنه) ..
صورة المحاذاة بجميع بدنه: أنه يجعل يمينه عن يمين الحجر مستقلا جدار البيت الذي بين الركنين ثم يمشي تلقاء شقه الأيمين مستقبل الحجر، أو يجعل يساره عن يمين الحجر ثم يطوف ويساره إلى الحجر، والأول أفضل ..
أما إذا حاذى ببعض بدنه جميع الحجر أو بعضه وباقي بدنه إلى جهة الباب .. فالجديد: لا تحسب تلك الطوفة ..
والقديم: تحسب ..
وإن حاذى بجميع بدنه بعض الحجر .. صح أيضًا، كما يستقبل في الصلاة بجميع بدنه بعض الكعبة بأن يكون الشخص نحيفًا لا يخرج منه شيء إلى جهة الملتزم، أو يقف بعيدًا بحيث تصدق المحاذاة ..
قال: (فلو بدأ بغير الحجر .. لم تحسب) طوافته (فإذا انتهى إليه .. ابتدأ منه) كالمتوضئ إذا قدم غسل غير الوجه ثم الوجه .. فإنه يجعل غسل الوجه ابتداء ..
وجميع ما قلناه في المحاذاة يتعلق بالركن الذي فيه الحجر لا بالحجر نفسه، فلو أزيل الحجر - والعياذ بالله تعالى من إدراك زمنه - وجبت محاذاة الركن ..
فائدة::
صح: أن الحجر الأسود نزل من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن فسودته خطايا بني آدم، رواه الدارقطني والترمذي [٨٧٧] وقال: حسن صحيح.
وَلَوْ مَشَى عَلَى الشاذَرْوَانِ أَوْ مَس? الْجِدَارَ فِي مُوَازَاتِهِ، أَوْ دَخَلَ مِنْ إِحْدَى فَتْحَتَيِ الْحِجْرِ وَخَرَجَ مِنَ الأُخْرَى .. لَمْ تصِحً طَوْفَتُهُ
ــ
وقلع باب الكعبة، وطرح القتلى في بئر زمزم، ودفن البقية في المسجد بلا غسل ولا صلاة، وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور مكة ..
>وكان رد الحجر إلى مكة سنة اثنتين وثلاثين، فكان مدة مكثه عندهم اثنين وعشرين سنة.
والقرمطي) بكسر القاف ..
قال: (ولو مشى على الشاذروان، أو مس الجدار في موازاته، أو دخل من إحدى فتحتي الحجر وخرج من الأخرى .. لم تصح طوفته)؛ لأن الشرط أن يكون جميع بدنه خارجًا عن البيت لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾.
وهو في المسألة الأولى والثالثة داخل كله، وفي الثانية بعضه، ومن طاف كذلك .. طاف فيه لا به، ولهاذا لو طاف في البيت أو على سطحه .. لم يصح ..
و (الشاذروان) بفتح الشين والذال المعجمتين وإسكان الراء: هو القدر الذي ترك من عرض الأساس خارجًا عن عرض الجدار مرتفعًا عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراع، وهو ظاهر من جوانب البيت، لاكن لا يظهر عند الحجر الأسود، كأنهم تركوا رفعه لتهوين الاستلام، وهو من البيت، فلو طاف عليه .. لم يصح طوافه، وكذلك لو طاف خارجه وكان يضع رجله أحيانًا ويثب بالأخرى ..
وأما الحجر .. فهو محوط بين الركنين الشاميين على صورة نصف دائرة خارج عن جدار البيت، عليه جدار قصير، فإذا دخل من إحدى الفتحتين وخرج من الأخرى .. كان طائفًا في البيت، وللأصحاب فيه وجهان:
(أحدهما: أنه جميعه من البيت، وهو ظاهر لفظ) المختصر
وأصحهما: أن بعضه من البيت ..
وفي قدره ثلاثة أوجه::
أشهرها وأصحها: ستة أذرع.
стр. 1398
وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَس? وَجْهٌ. وَأَنْ يَطُوفَ سَبْعًا
ــ
والثاني: سبعة أذرع، وبه قطع جماعة.
والثالث- وبه قطع آخرون- أنه ست أو سبع.
وفي الحديث: أنه خمس.
قال ابن الرافعة: ولم أر من قال به، فإذا قلنا: جميع الحجر من البيت .. لم يصح الطواف على جداره، وإن قلنا: بعضه منه فترك منه مقدار ما قيل: إنه منه، واستظهر ثم اقتحم الجار وارء ذلك، ثم طاف فيه على هذا السمت .. فالأصح: صحة طوافه عند الرافعي، وعدمها عند المصنف، ونقله عن النص وجماهير الأصحاب؛ لأن النبي ﷺ طاف خارج الحجر، والخلفاء والصحابة ومن بعدهم.
ولا يلزم كون بعضه ليس من البيت أن لا يحب الطواف بجميعه؛ لأن الحج باب اتباع.
قال: (وفي مسألة المس وجه
): أنه لا يبطل الطواف، وإليه ذهب الغزالي؛ لأن معظم بدنه خارج البيت.
والجواب: أن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه مس الجدار وقال: (خذوا عني مناسككم).
قال المصنف: وينبغي أن يتنبه لدقيقة وهي: أن من قبل الحجر فرأسه في حال التقبيل في جزء من البيت، فيلزمه أن يقر قدميه في موضوعهما حتى يفرغ من التقبيل ويعتدل قائما، فلو زالت قدماه عن موضعهما إلى جهة الباب قدرا يسيرا، ثم لما رغ من التقبيل اعتدل عليهما في الموضع الذي صارتا إليه ومضى منه في طوافه .. بطلت طوفته.
قال: (وان يطوف سبعًا) أي: سبع مرات؛ لأن النبي صلى اله عليه وسلم طاف كذلك وقال: (خذوا عني مناسككم) رواه مسلم [١٢٩٧].
فلو طاف أو سعى ثم شك في العدد .. أخذ بالأقل كالصلاة.
стр. 1399
دَاخِلَ الْمَسْجِدِ. وَأَما السنَنُ: فَأَنْ يَطُوفَ مَاشِيًا
ــ
وقال أبو حنيفة: إذا اقتصر على أكثر الطواف .. أجزأه وأراق عن الباقي دمًا.
وعندنا: لو ترك خطوة منه .. لم يعتد بطوفه، سواء كان باقيًا بمكة أو رجع إلى وطنه، ولا يجبر شيء منه بالدم ولا بغيره ..
قال: (داخل المسجد) فلا يصح خارجه بالإجماع.
والمراد بـ (المسجد): ما كان في زمنه ﷺ وما استجد فيه من بعده، وقد زيد فيه زيادات.
وأول من وسعه عمر ﵁، ثم عثمان ﵁، ثم ابن الزبير ﵄، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم المنصور، ثم المهدي، وعليه استقر بناؤه إلى الآن، فيجوز الطواف فيها كلها.
ولو وسع المسجد .. جاز الطوا في جميعه داخله.
والأفضل أن لا يكون بينه وبين ابيت حائل كسقاية العباس وبناء زمزم، فلو طاف على سطح المسجد وكان أعلى من البيت .. ففي (العدة) وغيرها لا يجوز، واختاره الشيخ، واستبعده الرافعي والمصنف.
قال: (وأما السنن: فأن يطوف ماشيًا)؛ صيانة للمسجد والناس عن أذى البهائم، ولأنه ﷺ طاف في عُمَرهِ كلها ماشيًا، فإن طاف راكبًا لعذر .. جاز؛ لأنه ﷺ طاف راكبًا في حجة الوداع.
وفي (الصحيحين) [خ ١٦٣٤ - م ١٢٧٦]: أن أم سلمة ﵂ قدمت مريضة، فقال لها النبي ﷺ : (طوفي راكبة وراء الناس).
وكذلك إذا كان ممن يحتاج إلى ظهوره ليستفتى كما فعل النبي ﷺ ، ففي (صحيح مسلم) [١٢٧٣] أنه فعل ذلك ليراه الناس؛ فإنهم غَشُوه.
قال الشيخ: وهذا أصح من رواية من روى أنه طاف راكبًا لمرض، وكان طوافه
стр. 1400
وَيَسْتَلمَ الْحَجَرَ أَولَ طَوَافِه
ــ
ِ
ﷺ في طواف الإفاضة يوم النحر، وأما طواف القدوم .. فعلى قدميه، هكذا ذكره الشافعي ﵁ في (الأم)، قال: ولا أعلمه في تلك الحجة اشتكى، ومن هنا حمل الشيخ محب الدين الطبري الركوب على طواف الإفاضة، والمشي على طواف القدوم.
ويكره الطواف زحفًا ومحمولًا مع القدرة على المشي، والأفضل أن يكون حافيًا إلا لضرورة.
وقال الزعفراني: لو طاف في حذاء طاهر .. أساء؛ لإخلاله التعظيم، إلا أن يشق عليه مباشرة الأرض بباطن القدم لشدة الحر .. فلا يكره.
وإن طاف راكبًا من غير عذر .. فوجهان:
أشهرهما: لا يكره، لكنه خلاف الأولى.
وثانيهما - هو ما أورده القضاء الماوردي والطبري والبندنيجي والعبدري-: نعم، واختاره الإمام إذا لم يمكن استيثاق الدابة.
والمعذور بمرض أو زمانة الأولى أن يطوف محمولًا لا راكبًا، وركوبه أيسر من ركوب غير المعذور، وركوب الإبل أيسر من ركوب البغال والحمير.
وقال الإمام: في القلب من إدخال البهيمة المسجد شيء إن لم يؤمن التلويث.
قال: (ويستلم الحجر أول طوافه)؛ ففي (الصحيحين) [خ ١٦٠٣ - م ١٢٦٧] عن جماعة من الصحابة: أن النبي ﷺ فعله.
و (الاستلام): المس باليد بلا خلاف.
ووقع في (الوسيط) أنه التقبيل، وهو سبق قلم.
قال ابن الصلاح: وهو مشتق من السلام - بكسر السين - وهو الحجر، أو هو افتعال من السلام، يقال: استلمه واستلامَهُ، ولم يتعرض المصنف لتقبيل اليد التي استلم بها، والذي نص عليه الشافعي ﵁ وجماعة: أنه يقبلها عند القدرة على تقبيل الحجر وعند العجز
стр. 1401
وَيُقَبلَهُ، وَيَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْه، فَإِنْ عَجَزَ .. اسْتَلَمَهُ، فَإِنْ عَجَزَ .. أَشَاَرَ بِيدِهِ،
ــ
قال: (ويقبله)؛ ففي (الصحيحين) [خ ١٦١١ – م ١٢٦١] وغيرهما عن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قبله.
ويستحب أن يخفف القبلة حتى لا يظهر لها صوت.
ولا يشرع للنساء استلام ولا تقبيل إلا عند خلو المطاف ليلًا أو نهارًا.
قال: (ويضع جبهته عليه) روى الحاكم [١/ ٤٥٥] ذلك من فعل النبي ﷺ من حديث ابن عمر ﵄.
وروى ابن ماجه [٢٩٤٥]: أن النبي ﷺ استقبل الحجر فاستلمه ووضع شفتيه عليه يبكي وقال: (يا عمر؛ ههنا تسكب العبرات).
فإن أمكنه أن يجعل جبهته عليه ثلاثًا .. فليفعل.
قال: (فإن عجز .. استلمه) كما فعل النبي ﷺ ؛ فإنه طاف على بعيره يستلم الركن بمحجن ثم يقبله، رواه مسلم [١٢٧٥] وغيره.
و (المحجن) بكسر الميم: عصًا معوجة الرأس.
ويقتصر على ذلك إما بيده أو عصا أو نحو ذلك، ثم الأصح أنه يقبل ما استلم به.
وقيل: يقبل يده أولًا ثم يستلم وكأنه ينقل إليه القبلة، وقيل: يتخير.
قال: (فإن عجز .. أشار بيده)؛ لما روى البخاري [١٦١٣] عن ابن عباس ﵄ قال: (طاف النبي ﷺ بالبيت على بعير كلما أتى الركن .. أشار إليه بشيء عنده وكبر).
والمراد: اليد اليمنى، فإن قام بها مانع كقطع .. فلظاهر أنه لا يشير باليسرى كما تقدم في التشهد.
ولا يشير إلى القبلة بالفم؛ لأنه لم ينقل.
واستحب جماعة من الأصحاب الزحام عند تقبيل الحجر؛ لأن ابن عمر ﵄ كان يزاحم عليه، وذلك مكروه عندنا؛ لأنه روى أنه ﷺ قال لعمر: (إنك رجل قوي تؤذي الضعيف، فإذا أردت أن تستلم الحجر، فإن كان
стр. 1402
وَيُرَاعِي ذَلِكَ فِي كُل? طَوْفَةٍ، وَلَا يقبلُ الر?كْنَيْنِ اللشامِييْنِ وَلاَ يَسْتَلِمُهُمَا. وَيَسْتَلِمَ الْيَمَانِي? وَلاَ يُقَبلَهُ،
ــ
خاليًا .. فاستلمه، وإلا .. فاستقبله وكبر).
قال: (ويراعي ذلك في كل طوفة)؛ لما روى أبو داوود [١٨٧١] بإسناد صحيح: أن عمر ﵄ قال: (كان النبي ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة) والتقبيل مقيس عليه، وهو في الأوتار آكد إذا لم يفعله في كل مرة؛ لقوله ﷺ : (إن الله وتر يحب الوتر).
ولأنه يصير مستلمًا في افتتاحه واختتامه وهو أكثر عددًا.
قال: (ولا يقبل الركنين الشاميين ولا يستلمهما)؛ لنهما ليسا على قواعد إبراهيم ﵇، ولأن النبي ﷺ لم يستلمهما.
قال: (ويستلم اليماني)؛ لما روى الشيخان [خ ١٦٠٩ – م ١٢٦٧] عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني).
ورويا [خ ١٦٠٨] عن أبي الشعثاء قال: كان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس ﵄: إنه لا يُستلَم هذان الركنان، فقال،: ليس شيء من البيت مهجورًا، وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن.
وأجاب الشافعي ﵁ بأنا نستلم ما كان النبي ﷺ يستلمه، ونمسك عما أمسك عنه، وأيضًا خالف معاوية وابن الزبير ابن عمر وابن عباس وجمهور الصحابة ﵃.
قال: (ولا يقبله)؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل عنه: أنه قبله.
стр. 1403
وَأَنْ يَقُولَ أَولَ طَوَافِهِ: (باسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهم?؛ إِيمَانًا بكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتبَاعًا لِسُنةِ نَبِيكَ مُحَمدٍ ﷺ
ــ
وأما الحاكم ما رواه الحاكم [١/ ٤٥٦] والبخاري في (تاريخه) [١/ ٢٨٩] والدارقطني [٢/ ٢٩٠]: أن النبي ﷺ قبله ووضع خده عليه .. فضعفه البيهقي [٥/ ٧٥]، وإن صح .. فالمراد بـ (اليماني): الذي فيه الحجر الأسود.
والأصح: أنه بعد استلامه يقبل يده، بخلاف الأسود؛ فإنه إذا استلمه .. لا يقبل يده إلا إذا عجز عن تقبيل الحجر.
والسبب في اختلاف الأركان في هذه الأحكام: أن الركن الأسود فيه فضيلتان: كون الحجر فيه، وكونه على قواعد إبراهيم ﵊، واليماني فيه فضيلة واحدة، وهي: كونه على قواعد إبراهيم، وليس للشاميين شيء من الفضيلتين.
و (اليماني) نسبة إلى اليمن، وهو بتخفيف الياء، والألف بدل من إحدى ياءي النسب، ويجوز تشديدها في لغة قليلة، وعلى هذا تكون الألف زائدة.
فلو قبل الأركان أو غيرها من البيت .. لم يكره، بل هو حسن، نص عليه.
فإن عجز عن استلام اليماني .. ففي (مناسك ابن عبد السلام): أنه يشير إليه كالحجر، وقواه الشيخ محب الدين الطبري.
وقال ابن أبي الصيف: لا يشير؛ لأن الإشارة بدل عن القبلة، وهي لا تشرع فيه.
قال: (وأن يقول أول طوافه: (باسم الله والله أكبر؛ إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ ) قال الرافعي: كذا رواه عبد الله بن السائب عن النبي ﷺ وهو غريب.
ونقل في (المهذب) بعضه عن النبي ﷺ وبعضه عن الصحابة، وهذا الدعاء مستحب في كل طواف
стр. 1404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويستحب مع ذلك افتتاح الطواف بالتكبير ..
وفي (الرونق): يستحب رفع اليد معه كالصلاة ..
وروى عبد الرزاق عن الحسن أنه كان يقول إذا استلم الركن: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ومواقف الذل ..
والمراد بـ (العهد) هنا: الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم بامتثال أمره حيث قال: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) فأمر الله تعالى أن يكتب بذلك عهد وأن يدرج في الحجر الأسود كما تقدم.
فروع تتعلق بالطواف::
يجوز الكلام فيه، ولا يبطل به ولا يكره، لكن الأولى تركه إلا في خير كأمر بمعروف ونهي عن منكر، وتعليم جاهل وجواب مستفت ..
ويكره أن يبصق فيه، وأن يتنخم، وأن يغتاب، وأن يجعل يديه وراء ظهره كتفًا، وأن يضع يده على فيه إلا في حالة التثاؤب؛ فإن ذلك مستحب، وأن يشبك أصابعه وأن يفرقعها، وأن يكون حاقنًا أو حاقبًا، أو بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، وأن تكون المرأة منتقبة ..
ويكره فيه الأكل والشرب، كراهة الشرب أخف.
وينبغي أن يكون في طوافه خاضعًا متخشعًا، حاضر القلب، ملازمًا للأدب بظاهره وباطنه، مستحضرًا في قلبه عظمة من يطوف ببيته ..
ويلزمه أن يصون نظره عما لا يحل نظره إليه، وقلبه عن احتقار من يراه من الضعفاء والمرضى. ويعلم الجاهل برفق ..
وهل الأفضل التطوع في المسجد الحرام بالطواف أو بالصلاة؟
قال المارودي: الطواف أفضل، وظاهر قول غيره: أن الصلاة أفضل ..
стр. 1405
وَلْيَقُلْ قُبَالَةَ الْبَابِ: (اللهُم؛ الْبَيْتُ بَيْتُكَ، وَالْحَرَمٌ حَرَمُكَ، وَالأَمْنٌ أَمْنُكَ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النار)، وَبَيْنَ الْيَمَانِييْنِ: (اللهُم؛ آتِنَا فِي الدنْيَا حَسَنةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةَ وَقِنَا عَذَابَ النارِ)، وَلْيَدْعُ بِمَا شَاَءَ، وَمَاثُورُ الدعَاءِ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ مَاثُوِرِهِ
ــ
وقال ابن عباس ﵄: (والصلاة لأهل مكة والطواف للغرباء).
قال: (وليقل قبالة الباب: (اللهم؛ البيت بيتك، الحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار)) قال الشيخ أبو محمد: ويشير بقوله: وهذا مقام العائذ بك) إلى مقام إبراهيم ﷺ ، وخطأه ابن الصلاح، وصوب: أنه يشير به إلى نفسه.
و (قُبالة) بضم القاف، معناه: الجهة التي تقابل الباب.
قال: (وبين اليمانيين: (اللهم؛ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) رواه عن النبي ﷺ أبو داوود [١٨٨٧] والنسائي [سك ٣٩٢٠] وابن حبان [٣٨٢٦] والحاكم [١/ ٤٥٥]، لكن بلفظ: (ربنا آتنا) وهو كذلك في كتب الرافعي و (شرح المهذب).
و (حسنة الدنيا) قال الحسن: العلم والعبادة، وقيل: العافية، وقيل المال، وقيل: المرأة الحسنة.
(وحسنة الآخرة): الجنة بالإجماع.
قال: (وليدع بما شاء) من أمر الدين والدنيا؛ لأنه موطن يستجاب فيه الدعاء.
وينبغي ألا يجعل حظ دعائه الدنيا، بل ما يتعلق بمهمات الدين ونجاة الآخرة.
قال: (ومأثور الدعاء) أي: منقوله (أفضل من القراءة)؛ تأسيًا بمن نزل عليه القرآن ﷺ .
قال: (وهي أفضل من غير مأثوره)؛ لأن القراءة أفضل من الذكر وقال الله تعالى: (من شغله ذكري عن مسألتي .. أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل