Полный текст (5 377 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
وَآلَةِ اللَّهْوِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الآلَةِ إِنْ عُدَّ رُضَاضُهَا مَالًا
ــ
وعلى الوجهين: لا يجوز للغير أخذهما، فإن أخذهما .. لزمه ردهما، فإن تلفتا .. لم يضمنهما؛ إذ لا مالية لهما.
قال: (وآلة اللهو) أي: المحرم؛ لسقوط النفع بها شرعًا، ويدل له ما تقدم من النهي عن بيع الأصنام، وسيأتي في (الشهادات) بيان الآلة المحرمة.
ومراد المصنف: أن كل ما هيئ لغرض محرم لا يصلح لغيره كآلات الملاهي والمزامير والطنابير .. لا يجوز بيعها.
قال: (وقيل: يصح في الآلة إن عد رُضاضها مالًا)؛ لأن فيها نفعًا متوقعًا، فأشبه الجحش الصغير.
والخلاف جار في بيع الأصنام والصور إذا كان رضاضها ينتفع به بعد كسرها.
وفي وجه ثالث –اختاره الإمام والغزالي-: إن كانت من جواهر نفيسة كالذهب والفضة والنحاس .. صح بيعها على هيئتها، وإن كانت من حجر أو خشب ونحوه .. لم يصح.
و (الرضاض) –بضم الراء-: المكسَّر.
فروع:
يصح بيع إناء الذهب والفضة قطعًا وإن كان محرم الاستعمال؛ لأن المقصود منه عين النقدية.
والأصح: أنه لا يصح بيع النرد مطلقًا.
وقال المتولي: إن صلح لبيادق الشطرنج .. صح، وإلا .. فلا.
ويكره بيع الشطرنج كاللعب به.
والجارية المغنية إن اشتراها بقيمتها غير مغنية .. صح، وإن اشتراها بزيادة عليها
стр. 1577
وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ عَلَى الشَّطِّ، وَالتُّرَابِ بِالصَّحْرَاءِ فِي الأَصَحِّ
ــ
من أجل الغناء ... قال المحمودي: لا يصح؛ لأنه بذل مال في مقابلة معصية.
وقال الأودني: يصح بكل حال، وهذا هو الأصح.
وقال الرافعي في (الصداق): المسألة مفرعة على أنها لو غصبت فنسيت الألحان في يد الغاصب، هل يرد معها ما نقص من قيمتها أو لا؟
قال الشيخ: والذي يقتضيه الفقه والنظر الصحيح: أن الغناء المحرم لا يضمن بالأرش ولا يقابل بالثمن قطعًا، فإن شرطه في البيع .. لم يصح قطعًا، وإن لم يشرطه .. صح؛ لأن المبيع نفس الجارية.
قال ابن الرفعة: ومحل الخلاف في الغناء المحرم، وهو ما كان بآلة محرمة، أما بغير آلة .. فيباح للسيد فلا منع منه، وإن كانت المشترية امرأة .. فأولى بالجواز.
ويجرى الخلاف فيما إذا باعه ديكًا هراشًا أو كبشًا نطاحًا بزيادة على قيمتها مجردين عن الوصفين، وقد قال القاضي حسين: إذا أتلفهما .. لزمه قيمتهما بغير وصفيهما ولا اعتبار بزيادة القيمة بذلك.
وأفتى ابن الصلاح في الجارية اشترتها مغنية وحملتها على الفساد: أنها تباع عليها، واستند فيه إلى ما نقله القاضي حسين: أن السيد إذا كلف عبده من العمل ما لا يطيق .. بيع عليه، والنقل غريب، والمسألة حسنة.
ونازعه برهان الدين بن الفركاح في ذلك وقال: قد روى مسلم [١٦٦١/ ٣٨]: (ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، إن كلفتموهم .. فأعينوهم) ولم يقل: فبيعوهم.
قال: (ويصح بيع الماء على الشط، والتراب بالصحراء في الأصح)؛ لاجتماع شرائط المبيع فيه، وكثرة ذلك في ذلك المكان لا يخرجه عن كونه مالًا.
والثاني: لا يصح؛ لأن بذل المال في مقابلته ضياع.
стр. 1578
الثَّالِثُ: إِمْكَانُ تَسْلِيمِهِ،
ــ
ويجري الوجهان في كل ما يوجد مباحًا بلا مؤنة كبيع الصخرة في الشعاب الكثيرة الصخور.
وينبغي تخصيص الخلاف بما إذا لم يكن في المبيع وصف مقصود زائد كالتبريد ونعومة التراب، إن كان .. صح البيع قطعًا والتفريع على صحة بيع الماء وأنه يملك، وهو الصحيح.
وفيه وجه يأتي في (إحياء الموات) إن شاء الله تعالى: إنه لا يملك، فلا يجوز بيعه مطلقًا.
و (الشط): جانب الوادي والنهر، ونبه في (الدقائق) على أن هذه اللفظة زادها على (المحرر).
فرع:
بيع لبن الآدميات مبني على الخلاف في طهارته.
وفي وجه: يجوز بيع لبن الأمة دون الحرة ومنع الأنماطي بيعه مطلقًا.
وأما لبن الرجل .. فلا يجوز بيعه؛ إذ لا يحل شربه بحال.
وفي بيع لبن ما لا يؤكل لحمه وبيضه خلاف مبني على طهارته أيضًا.
قال: (الثالث: إمكان تسليمه)؛ ليتوثق بالمقصود منه، وفي (صحيح مسلم) [١٥١٣]: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر).
قال الماوردي: الغرر ما تردد بين متضادين أغلبهما أخوفهما.
وقيل: ما انطوت عنا عاقبته، وذلك موجود في جميع ما يذكره المصنف.
واعترض في (المطلب) بأن التسليم فعل البائع، وسيأتي في (بيع المغصوب): أن قدرة البائع ليست بشرط، فالصواب: التعبير بالتسلُّم –بضم اللام- وكان ينبغي التعبير بالقدرة بدل الإمكان؛ فإنه لا يلزم من ثبوت إمكانه القدرة عليه.
стр. 1579
فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الضَّالِّ وَالآبِقِ وَالْمَغْصُوبِ. فَإِنْ بَاعَهُ لِقَادِرٍ عَلَى انْتِزَاعِهِ .. صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ
ــ
قال: (فلا يصح بيع الضال والآبق) وكذلك منقطع الخبر والفرس العائر والبعير الناد؛ لما روى أحمد [٣/ ٤٢] وابن ماجه [٢١٩٦]: (أن النبي ﷺ نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعن بيع ما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص؛ وهي: أن يقول: أغوص لك في البحر غوصة بكذا فما أخرجته .. فهو لك) فنهى عنه؛ لأنه غرر، وسواء عرف موضع الآبق ونحوه أم لا.
ولا يشترط اليأس بل يكفي ظهور التعذر.
قال الرافعي: وقد أحسن بعضهم فقال: إذا عرف مكانهما وعلم أنه يصل إليهما إذا أراد .. صح البيع.
قال في (شرح المهذب): والمذهب الأول.
وقال الدارمي: لو قال: الآبق عندي فبعنيه .. صح بيعه منه جزمًا.
فإن قيل: عتْق الضال والآبق جائز قطعًا وتقدم: أنه يجوز بيع العبد الزمن لمنفعة الإعتاق فينبغي أن يجوز بيعهما لذلك .. فالجواب: أن شرط المبيع موجود في العبد الزمن دونهما، وقد روى الأربعة بإسناد صحيح عن حكيم بن حزام ﵁: أن النبي ﷺ قال: (لا تبع ما ليس عندك)، وهما ليسا عنده.
قال: (والمغصوب)؛ لعدم القدرة على تسليمه، أما بيعه للغاصب .. فصحيح قطعًا، وكذلك البيع الضمني كأعتق عبدك عني بكذا فيعتقه وهو مغصوب فيصح.
ويجوز تزويج الآبقة والمغصوبة وإعتاقهما، ولا تصح كتابة المغصوب وإجارته ورهنه وهبته كبيعه.
قال: (فإن باعه لقادر على انتزاعه .. صح على الصحيح)؛ لأن المقصود وصوله إليه وهو متيسر عليه.
стр. 1580
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ نِصْفٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الإِنَاءِ وَالسَّيْفِ وَنَحْوِهِمَا،
ــ
والثاني: لا يصح؛ لأن التسليم واجب على البائع وهو عاجز عنه.
ويجريان في بيع الآبق لمن يسهل عليه رده.
فلو ادعى المشتري العجز والبائع عدمه .. حلف المشتري وله الفسخ، قاله الماوردي، وهو تفريع على: أنه لا خيار له مع القدرة على الانتزاع، وهو أضعف الوجهين عند الإمام.
وبيع النحل في الكوارة صحيح إن شاهد جميعه، وإلا .. فهو بيع غائب، فإن باعها وهي طائرة .. صح في الأصح.
وصورة المسألة: أن يكون اليعسوب فيها.
والفرق بينها وبين باقي الطير: أنها لا تقصد بالجوارح، وتأكل غالبًا مما ترعاه، فلو توقف صحة بيعها على حبسها .. لربما أضر بها أو تعذر بسببه بيعها بخلاف غيرها.
وقال أبو حنيفة: لا يصح بيعها كسائر الحشرات.
واحتج أصحابنا بأنها منتفع بها بخلاف الحشرات.
ولو باع سفينة في اللجة لا يقدر حين البيع على تسليمها .. لا يجوز سواء كان فيها أم لا، فإن قدر .. جاز.
وسيأتي في (الإجارة): أنه لا يجوز أن يستأجر البركة لأخذ السمك منها.
قال: (ولا يصح بيع نصف معين من الإناء والسيف ونحوهما) أي: مما تنقص قيمته بكسره أو قطعه كثوب نفيس ونصل ونحو ذلك؛ لأن الشرع نهى عن إضاعة المال. وفي الثوب وجه: أنه يصح؛ لأن البائع رضي به، فأشبه ما إذا باع أحد الخفين، وصححه صاحب (التقريب) وهو القاسم بن القفال الشاشي، ووافقه القاضي أبو الطيب والماوردي واختاره الشيخ.
والفرق على المذهب: أن النقص ليس في نفس الخف بل في التفريق.
стр. 1581
وَيَصِحُّ فِي الثَّوْبِ الَّذِي لَا يَنْقُصُ بِقَطْعِهِ فِي الأَصَحِّ،
ــ
قال الرافعي: والقياس جريان الوجهين في الإناء والسيف ونحوهما، وقد يفرق بأن الثوب نسج ليقطع بخلاف الإناء والسيف.
قال المصنف: وطريق من أراد شراء ذراع من ثوب –حيث قلنا: لا يصح-: أن يواطئ صاحبه على شرائه ثم يقطعه قبل الشراء ثم يشتريه بعد قطعه، فيصح بلا خلاف.
قال الشيخ: وفي هذا: تسليم أن فعل ذلك حلال وليس من إضاعة المال التي لا لغرض حتى يحرم، وذلك يقتضي صحة البيع.
واحترز بـ (المعين) عن المشاع؛ فإنه يصح، أما لو باع جذعًا من بناء .. فلا يصح؛ لأن الهدم يوجب النقص، وكذا لو باع فصًا من خاتم.
قال: (ويصح في الثوب الذي لا ينقص بقطعه في الأصح) كالكرباس؛ لزوال المحذور.
والثاني: لا يصح؛ لأن القطع لا يخلو من تغيير عين المبيع.
فروع:
أفتى ابن الصلاح بأنه لا يصح بيع ثلاثة أذرع من الأرض مثلًا ليحفرها ويأخذ ترابها؛ لأنه لا يمكن أخذ تراب الثلاث إلا بحفر أكثر منها.
ولو باع جزءًا معينًا من حيوان .. لم يصح كقطعة معينة من سيف.
قال البغوي: فإن باعه بعد الذبح .. صح.
وبيع الصوف على ظهر الغنم في حياتها إن أطلق وشرط الجز من أصله .. باطل، وكذا إن أطلق شرط الجز في الأصح، وإن عين موضعه .. صح، وللغزالي فيه احتمال.
وبعد موتها يصح قطعًا؛ إذ ليس في استيعابه إيلام.
وقال القاضي حسين: لا؛ لأنه يتعيب به الجلد.
стр. 1582
وَلَا الْمَرْهُونِ بِغَيْرِ إِذْنِ مُرْتَهِنِهِ، وَلَا الْجَانِي الْمُتَعَلِّقِ بِرَقَبَتِهِ مَالٌ فِي الأَظْهَرِ وَلَا يَضُرُّ تَعَلُقُهُ بِذِمَّتِهِ،
ــ
قال: (ولا المرهون بغير إذن مرتهنه) أي: بعد القبض وقبل فكاك الرهن سواء عاد إلى يد الراهن أم لا؛ لأنه عاجز عن تسليمه شرعًا، والمصنف أعاد المسألة في (كتاب الرهن)، لكن بيعه من المرتهن صحيح؛ لزوال المانع.
وحكى الإمام عن شيخه ترددًا فيما إذا ابتدأ الراهن بشق الإيجاب.
ويلتحق بالمرهون كل عين استحق مستحق حبسها إما للعمل فيها، كما لو استأجر صباغًا ليصبغ له الثوب، أو صائغًا ليصوغ له الذهب، أو قصارًا ليقصر له الثوب، أو خياطًا ليخيطه .. فلهم الحبس إلى استيفاء الأجرة، فلا يصح بيعه قبل العمل في الأول، ولا قبل استيفاء الأجرة في الثاني.
ومن القسم الأول: بيع الأشجار المساقى عليها قبل انقضاء المدة.
قال: (ولا الجاني المتعلق برقبته مال في الأظهر) كالمرهون وأولى؛ لأن الجناية تقدم على الرهن.
والثاني: يصح ويصححه الغزالي؛ لأن السيد لم يحجر على نفسه، بخلاف الراهن.
والثالث: أنه موقوف، إن فدى .. نفذ، وإلا .. فلا.
كل هذا: إذا باعه موسرًا وكان البيع قبل اختيار الفداء، فإن كان معسرًا .. بطل -وقيل: على الخلاف- وإن كان بعد اختيار الفداء .. صح، كذا أطلقه في (التهذيب).
ومقتضاه: أن السيد إذا اختار الفداء .. يلزمه، والأصح: المنع كما ذكره المصنف في بابه، ولا يخفى أن محل المنع إذا باعه لغير حق الجناية.
قال: (ولا يضر تعلقه بذمته) كما إذا اشترى شيئًا بغير إذن سيده وأتلفه كما سيأتي في (باب معاملات العبيد)، وهذا لا خلاف فيه؛ لأن البيع إنما ورد على العين
стр. 1583
وَكَذَا تَعَلُّقُ الْقِصَاصِ في الأَظْهَرِ. الرَّابعُ: الْمِلْكُ لِمَنْ لَهُ الْعَقْدُ،
ــ
ولا حجر للسادة على ذمم عبيدهم، وكذا لا يضر التعلق بكسبه أيضًا كما إذا زوجه.
قال: (وكذا تعلق القصاص في الأظهر)؛ لأنه مرجو السلامة بالعفو.
والثاني: لا يصح؛ لأن المستحق يجوز له العفو على مال وقد تقدم أن تعلق المال مانع.
وقيل: موقوف، إن فداه .. صح، وإلا .. فلا.
وموضع الخلاف: إذا تعلق بجملته، فإن تعلق ببعض أعضائه .. صح قطعًا.
وحذف المصنف لفظ (الرقبة)؛ لدلالة ما قبله عليه.
ومما يندرج في هذا الشرط: بيع الثوب الذي يحتاج إلى التستر به وقد دخل وقت الصلاة، والماء الذي يحتاج إلى الوضوء به ولم يجد غيره.
قال: (الرابع: الملك لمن له العقد)؛ لقوله ﷺ : (لا طلاق إلا فيما يملك، ولا عتق إلا فيما يملك، ولا بيع إلا فيما يملك) قال الترمذي [١١٨١]: حسن.
وإنما عبر بقوله: (لمن له العقد)؛ ليدخل المالك، والوكيل، وولي المحجور عليه، والقاضي في بيع مال الممتنع من وفاء دينه، والملتقط للحيوان ونحوه بشرطه.
وينبغي أن يزاد في هذا الشرط قيد التمام –ليخرج بيع المبيع قبل قبضه، فإنه لا يصح كما سيأتي- مع وجود الملك وشملته عبارته.
لكن يرد عليها الفضولي؛ فإن العقد عند من يصححه يقع للمالك موقوفًا على إجازته، والمقصود إخراجه، فلو قال: (أن يكون للعاقد عليه ولاية) كما في (الحاوي الصغير) .. لكان جامعًا مانعًا.
стр. 1584
فَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ بَاطِلٌ، وَفِي الْقَدِيمِ: مَوْقُوفٌ؛ إِنْ أَجَازَ مَالِكُهُ .. نَفَذَ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَلَوْ بَاعَ مَالَ مْوَرِّثِهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ وَكَانَ مَيْتًا .. صَحَّ فِي الأَظْهَرِ
ــ
قال: (فبيع الفضولي باطل)؛ لعموم ما تقدم.
قال: (وفي القديم) ونص عليه في الجديد (موقوف؛ إن أجاز مالكه .. نفذ، وإلا .. فلا)؛ لحديث عروة البارقي ﵁: (أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري به شاة، فاشترى به شاتين، فباع إحداهما بدينار ثم أتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى التراب .. لَربح فيه) رواه أبو داوود [٣٣٨٤] وابن ماجه [٢٤٠٢] بإسناد صحيح، ورواه البخاري [٣٦٤٢] مرسلًا في (باب علامات النبوة) لكن بإسناد منقطع، وإنما أخرجه؛ لأجل قطعة منه مسندة.
والحق: إنه مرسل؛ لجهالة الحي؛ فلذلك لم يحتج به الشافعي ﵁ هنا، واحتج به في: أن من وكل في شراء شاة بدينار .. له أن يشترى شاتين بدينار، على قاعدته في الاحتجاج بالمرسل إذا وافق القياس دون ما إذا خالفه.
وبيع الفضولي مخالف للقياس، والقولان جاريان في كل عقد يقبل النيابة كالإجارة والهبة والعتق والنكاح والطلاق وغيرها، فلو عبر بالعقد بدل البيع .. لشمله.
ثم المعتبر إجازة من يملك التصرف عند العقد، فلو باع مال الطفل فبلغ وأجاز .. لم ينفذ.
قال: (ولو باع مال مورثه ظانًا حياته وكان ميتًا .. صح في الأظهر)؛ لأنه مالك صدر منه العقد.
والثاني: يبطل؛ لأنه متلاعب، لاعتقاده أن المبيع لغيره.
هذا إذا لم يكن معه وارث آخر، فإن كان .. خرج بيع نصيبه على قولي تفريق الصفقة وبطل في نصيب غيره.
стр. 1585
الْخَامِسُ: الْعِلْمُ بِهِ،
ــ
ويجري القولان فيما إذا باع العبد ظانًا أنه آبق أو مكاتب فإذا هو قد رجع أو فسخ الكتابة، وفيما إذا زوج أمة أبيه أو أعتق عبده ظانًا حياته فإذا هو ميت.
قال الشيخ: كذا جزموا به، وفيه إشكال؛ لأنهم احتاطوا في النكاح وقالوا: لو تزوج خنثى ثم بان رجلًا .. لم يصح قطعًا، وكذا: لو تزوج من يشك في كونها محرمة عليه، فكيف يصح هنا مع الشك؟!
ولو قال: إن كان أبي قد مات فقد بعتك ما له .. ففيه القولان، وأولى بالبطلان.
قال الشيخ: ويعبر بقولَي وقف العقود عن ثلاث مسائل:
إحداها: بيع الفضولي، وهو وقفُ صحته، ومعناه: أن الصحة ناجزة ولا يحصل الملك إلا عند الإجازة كما تقدم.
والثانية: بيع مال أبيه على ظن حياته، وهو وقفُ تبيُّنٍ، والملك فيه من حين العقد.
والثالثة: تصرفات الغاصب، مقتضى كلام الغزالي والرافعي: أنها كالأولى، ومال ابن الرفعة إلى أنها كالثانية.
قال: (الخامس: العلم به)؛ لما روى مسلم: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر)، ولا يشترط العلم من كل وجه بل بالعين والقدر والصفة، ويستثنى من ذلك صور:
منها: إذا اختلط حمام برج بآخر .. فلأحدهما البيع من الآخر في الأصح كما سيأتي في (الصيد والذبائح).
ومنها: ماء الحمام إذا جعلنا المدفوع ثمنه، ومثله الشرب من السقاء، وشرب البهيمة من الحوض مع الجهالة.
قال ابن عبد السلام: ومنها: شراء الفقاع، وما المقصود به لبه كالخشكنان.
стр. 1586
فَبَيْعُ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ بَاطِلٌ. وَيَصِحُّ بَيْعُ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ تُعْلَمُ صِيعَانُهَا، وَكَذَا إِنْ جُهِلَتْ فِي الأَصَحِّ
ــ
ومنها: إذا باع صاعًا من صبرة مجهولة الصيعان .. فإن المبيع واحد منها.
ومنها: إذا باع المال الزكوي بعد الحول .. فإن الأصح: البطلان في قدر الزكاة، والصحة في غيره وهو مجهول العين.
قال: (فبيع أحد الثوبين باطل)، وكذلك أحد العبدين؛ لما فيه من الغرر، وأجازه أبو حنيفة في العبدين أو الثلاثة دون الثوبين أو الثياب.
و (المحرر) ذكر المسألتين، فلو ذكرهما المصنف أو اقتصر على مسألة العبدين .. كان أولى، وقد يجاب بأن البطلان في العبدين أولى، لتفاوت الغرض فيهما، فإذا بطل في الثوبين .. ففي العبدين أولى.
وكذلك الحكم لو قال: بعتك هؤلاء إلا واحدًا ولم يعينه سواء تساوت القيمة أو تفاوتت، ولا فرق بين عدد وعدد ولا بين أن يقول: على أن تختار أيها شئت أو لا.
قال: (ويصح بيع صاع من صبرة تعلم صيعانها)؛ لعدم الغرر، وينزل على الإشاعة على المذهب؛ حذرًا من إفساد العقد، فلو تلف بعضها .. تلف بقدره من مقابله، وقيل: على الإبهام، فيبقى المبيع ما بقي صاع.
و (الصبرة): الكوم المجموع من الطعام، سميت بذلك؛ لإفراغ بعضها على بعض.
والمراد بالعلم المصحح في هذه المسألة: علم المتعاقدين معًا، فلو علم أحدهما فقط .. كان على الخلاف فيما إذا جهلاه، فكان الصواب التعبير بقوله: علما.
قال: (وكذا إن جهلت في الأصح)؛ لتساوي أجزائها.
والثاني: لا يصح، وهو اختيار القفال، كذراع من أرض مجهولة الذرعان.
وأجيب عن الأول بأن الأرض تتفاوت، وعن الثاني بأن المبيع في مسألة صاع من صبرة معلومٌ، وفي الصبرة إلا صاع مجهول.
стр. 1587
وَلَوْ بَاعَ بِمِلْءِ ذَا الْبَيْتِ حِنْطَةً، أَوْ بِزِنَةِ هَذِهِ الْحَصَاةِ ذَهَبًا، أَوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ فَرَسَهُ، أَوْ بِأَلْفٍ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ .. لَمْ يَصِحَّ
ــ
قال الإمام: ولو قال: بعتك صاعًا من باطن هذه الصبرة .. فهو كبيع الغائب.
قال: (ولو باع بملء ذا البيت حنطة، أو بزنة هذه الحصاة ذهبًا، أو بما باع به فلان فرسه، أو بألف دراهم ودنانير .. لم يصح)؛ للجهالة والغرر، ويشترط في الثالثة: أن يقول: (بمثل ما باع) أو يقصد المثلية، وإلا .. ففيه الخلاف فيما إذا قال: أوصيت له بنصيب ابني.
والأصح فيه: الصحة كما ذكره الرافعي في الكلام على بيع المرابحة.
وأشار بقوله: (حنطة) و (ذهبًا) –مُنكِّرًا- إلى أن شرط الامتناع أن يكون الثمن في الذمة، فإن كان معينًا .. صح البيع.
و (ملء البيت) مضبوط في (الشرح) و (الروضة) بالنصب بغير حرف جر على أنه مبيع وما بعده ثمن.
وفي (المحرر) و (المنهاج) بحرف الجر على أن المسائل الأربعة التي ذكراها في الثمن، والحكم صحيح، لكن الأول أحسن؛ لأن الكلام في أقسام المبيع لم يفرع وإنما يذكر الثمن معه تبعًا.
وصورة المسألتين: أن يكون ملء البيت وزنة الحصاة مجهولين، فإن كانا معلومين .. صح، فلو قال: بعتك بملء ذا البيت من هذه الحنطة .. فلا يظهر إلا الصحة؛ لإمكان الاستيفاء قبل التلف، قاله ابن الرفعة.
وأورد على الصورة الرابعة: أنه لم لا يصح ويحمل على التشطير إذا صححنا البيع بالكناية كما إذا قال: قارضتك على أن الربح بيننا أو أشركتك معي، وكذا لو استأجر أرضًا ليزرع ويغرس .. صح في وجه، وحمل على التشطير في الجميع.
ولو قال: هذا لزيد وعمرو، أو وقفت على زيد وعمرو، أو أوصيت به لزيد وعمرو .. نزل على الشطر.
стр. 1588
وَلَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ وَفِي الْبَلَدِ نَقْدٌ غَالِبٌ .. تَعَيَّنَ، أَوْ نَقْدَانِ وَلَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهُمَا .. اشْتُرِطَ التَّعْيِينُ
ــ
وحكى الرافعي فيما إذا باع بألف صحاح ومكسرة وجهين، أظهرهما: البطلان، ثم قال: ويشبه أن يجري هذا الوجه فيما ذكرناه.
وقال المصنف: لا جريان له؛ لكثرة التفاوت بين الذهب والفضة.
قال: (ولو باع بنقد وفي البلد نقد غالب .. تعين)؛ لأن الظاهر إرادتهما له، ويندرج في عبارته: ما لو كان في البلد دراهم عددية ناقصة الوزن كمكة، والأصح: تنزيل العقد عليها.
ولو قال: بوزن عشرة دراهم من فضة، ولم يبيِّن أنها مضروبة أو تبر .. لم يحمل على النقد الغالب بل يبطل لتردده، قال البغوي في (فتاويه)، ولهذا عبر المصنف بقوله: (ولو باع بنقد) ولم يقل: بذهب أو فضة، وهو من محاسن كلامه، فإن كان نقد البلد مغشوشًا .. ففي جواز المعاملة به أوجه تقدمت في (الزكاة)، أصحها: الجواز.
فعلى هذا: إذا غلب .. انصرف العقد إليه عند الإطلاق، ولو غلب من جنس العروض نوع .. انصرف عند الإطلاق إليه في الأصح كالنقد.
ولو كان الغالب في البلد فلوسًا .. تعينت ولم يحكوا فيها الخلاف الذي في العروض وإن كانت هي عروضًا في الأصح، وحينئذ فلا يحتاج فيها إلى الوزن بل يجوز بالعدد، وإن كانت في الذمة وتقويم المتلفات أيضًا .. يكون بغالب نقد البلد، فإن لم يكن فيها غالب .. عين القاضي واحدًا منها.
قال: (أو نقدان ولم يغلب أحدهما .. اشترط التعيين)؛ لأنه ليس بعضها أولى من بعض.
وصورة المسألة: إذا اختلفت قيمتها، وإلا .. فلا يجب التعيين كما قاله صاحب (البيان)، والمراد: التعيين لفظًا، فلو عينا بالنية .. لم يكف، ويكفي ذلك في نظيره من الخلع.
стр. 1589
وَيَصِحُّ بَيْعُ الصُّبْرَةِ الْمَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ،
ــ
فروع:
لو باع بنقد معين أو أطلق وحمل على نقد البلد فأبطله السلطان .. فله ما عقد به، وقيل: له الخيار، وقيل: ينفسخ البيع.
ولو باع بنقد في بلد ثم لقيه في بلد آخر لا يتعاملون به فيه فدفعه إليه .. لزمه قبوله في الأصح.
وإذا عين نقدًا لا يوجد أو يوجد في موضع لا يمكن إحضاره وقت وجوب التسليم، فإن جوزنا الاستبدال .. جاز، وإلا .. فلا.
وإذا باع بدينار صحيح فأعطى صحيحين وزنهما مثقال .. لزمه القبول.
وإن أحضر صحيحًا وزنه مثقال ونصف .. فال المتولي: يلزمه قبوله والزيادة أمانة.
والصواب الذي عليه المحققون: لا يلزمه، فإن تراضيا .. جاز، وحينئذ لو أراد أحدهما كسره .. لم يجبر الممتنع، ولو أعطاه نصفين وزنهما دينار .. لم يجب القبول.
قال: (ويصح بيع الصبرة المجهولة الصيعان كل صاع بدرهم)؛ لأن الصبرة مشاهدة، ولا يضر الجهل بمبلغ الثمن؛ لأن الجهل ينتفي بالعلم بالتفصيل كما ينتفي بالعلم بالجملة فيما إذا باع بثمن معين جزافًا.
وقيل: لا يصح البيع؛ لأنه لم يعلم مبلغ الثمن في حال العقد، فإن كانت الصبرة معلومة .. فلا إشكال في الصحة، ومثله: لو باعه قطيعًا كل شاة بدرهم .. فإنه يصح. أما لو قال: بعتك من هذه الصبرة كل صاع بدرهم .. فإنه لا يصح في شيء منها؛ لأنه لم يبع جميع الصبرة ولا عين المبيع منها.
وقال ابن سريج: يصح في صاع واحد كما قال فيما إذا أجر كل شهر بدرهم قال: والأظهر: كراهة بيع الصبرة المجهولة جزافًا، لأنه يوقع في الندم.
стр. 1590
وَلَوْ بَاعَهَا بِمِئَةِ دِرْهَمٍ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ .. صَحَّ إِنْ خَرَجَتْ مِئَةً، وَإِلَّا .. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَتَى كَانَ الْعِوَضُ مُعَيَّنًا .. كَفَتْ مُعَايَنَتُهُ
ــ
قال: (ولو باعها بمئة درهم كل صاع بدرهم .. صح إن خرجت مئة)؛ لحصول الغرضين، وهما: بيع الجملة بالجملة، ومقابلة كل واحد بواحد.
قال: (وإلا .. فلا على الصحيح)؛ لتعذر الجمع بين الأمرين المذكورين.
والثاني: يصح؛ لإشارته إلى الصبرة ويلغو الوصف.
فعلى هذا: إن خرجت ناقصة .. فللمشتري الخيار، وإن خرجت زائدة .. فالأصح: أن الزيادة للمشتري فلا خيار له قطعًا ولا للبائع في الأصح.
وعبارته تقتضي: ضعف الخلاف وأنه وجهين، وعبر في (الروضة) بالأظهر، وهو الصواب فهو مخالف لما في الكتاب من وجهين.
ولو قال: بعتك من هذه الصبرة كل صاع بدرهم .. لم يصح على الصحيح، واختار الإمام وشيخه الصحة.
ولو قال: بعتك صاعًا منها بدرهم ومهما زاد بحسابه .. صح، قاله الرافعي في (كتاب الإجارة)، فإن عبر بقوله: على أن ما زاد فبحسابه .. لم يصح؛ لأنه شرط عقد في عقد.
ولو قال: بعتك عشرة من هذه الأغنام بكذا .. لم يصح وإن علم عدد الجميع، بخلاف مثلها في الثوب والصبرة والأرض؛ لأن قيمة الشاة تختلف.
قال: (ومتى كان العوض معينًا .. كفت معاينته) ثمنًا كان أو مثمنًا اعتمادًا على التخمين، ولا تشترط معرفة قدره بالكيل والوزن.
وفي (الذخائر) وجه: أنه لا تكفي المعاينة.
стр. 1591
وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ
ــ
وإذا باع صبرة في موضع فيه انخفاض وارتفاع، أو سمنًا ونحوه في ظرف مختلف الأجزاء رقة وغلظًا .. فكبيع الغائب على الأصح.
والثاني: القطع بالصحة.
والثالث: بالبطلان.
ولو باع الصبرة إلا صاعًا، فإن كانت معلومة الصيعان .. صح، وإلا .. فلا.
قال: (والأظهر: أنه لا يصح بيع الغائب)؛ لأنه غرر، وقد نهى النبي ﷺ عنه.
قال الماوردي: ونص عليه الشافعي ﵁ في ستة كتب، وسواء كان ذلك في الثمن أو المثمن، لكن يجوز للعبد أن يشتري نفسه وللحر أن يؤجر نفسه؛ لأن أحدًا لا يجهل نفسه.
قال: (والثاني: يصح، ويثبت الخيار)؛ لحديث: (من اشترى ما لم يره .. فهو بالخيار إذا رآه) لكنه ضعيف، وقال الدارقطني: باطل، وإلى هذا القول ذهب جمهور الأصحاب، ونص عليه في ستة كتب أيضًا.
ولا يثبت الخيار بزيادة ولا بما لا يكترث به من النقص.
وإذا صححنا بيع الغائب .. فلا بد من ذكر جنس المبيع على الصحيح بأن يقول: بعتك عبدي أو داري أو فرسي، ولا يجوز أن يقول: بعتك ما في كمي أو داري أو ما ورثته عن أبي إذا لم يعرفه المشتري.
وأما النوع .. فالأصح أيضًا: أنه لا بد من ذكره بأن يقول: عبدي التركي أو الحبشي وفرسي العربي أو الرومي، فإن كان أكثر من واحد من ذلك النوع .. فيذكر ما يحصل به تمييز المبيع من غيره من ذكر اسمه أو نسبة أو غيرهما، وهل يفتقر معهما إلى الصفات؟ الأصح المنصوص: لا.
стр. 1592
عِنْدَ الرُّؤْيَةِ
ــ
قال: (عند الرؤية)؛ لظاهر الخبر سواء اشترطه أم لم يشترطه على الصحيح، ولا فرق بين أن يشترط ذكر الوصف فيجده كما وصفه أو لا يشترطه على الأصح.
أما قبلها .. فالأصح: نفوذ الفسخ دون الإجارة، وقيل: ينفذان، وقيل: لا ينفذان.
وظهور زيادة على الصفة المذكورة في حق البائع إذا باع ما لم يره كظهور النقصان في جانب المشتري إذا اشترى ما لم يره.
ولو حضر البائع فرأي بعضه دون بعض .. لم يبطل خياره حتى يرى جميعه.
واستفيد من لزوم ثبوت الخيار عند الرؤية: أن شراء الأعمى لا يصح وإن جوزنا بيع الغائب؛ لأنه لا يمكن إثبات الخيار له، لعدم إمكان رؤيته، وهذا هو الأصح.
وقيل: يصح ويقوم وصف غيره له مقام رؤيته.
والقولان في بيع الغائب جاريان في شرائه، وإجارته، والصلح عليه، وجعله رأس مال سَلَم إذا أُسلم في المجلس، وصحة تسميته في الصداق، والخلع، والعفو عن الدم، وفي الرهن، والهبة، وأولى بالصحة.
وقيل: يصح اتهاب الغائب ولا تصح هبته، والخلاف أيضًا جار في الوقف، لكن صحح ابن الصلاح والمصنف: الصحة، وجزم القفال في (الفتاوى) بالمنع.
فرع:
لا يشترط في صحة البيع أن يكون المشتري من أهل المعرفة بالمبيع، فلو رأى جوهرة فاشتراها وهو لا يعرف الجوهر من الزجاج .. صح.
وعن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي: أنه يشترط؛ لأن مقصود الرؤية معرفة الأوصاف.
стр. 1593
وَتَكْفِي الرُّؤْيَةُ قَبْلَ الْعَقْدِ فِيمَا لَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا إِلَى وَقْتِ الْعَقْدِ، دُونَ مَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا.
ــ
قال (وتكفي الرؤية قبل العقد فيما لا يتغير غالبًا إلى وقت العقد) كالأرض والحديد والأواني ونحوها؛ لأن الغالب بقاؤها على ما كانت عليه.
وشرط الصحة: أن يكون عند العقد ذاكرًا للأوصاف التي رآها، وإلا .. فهي بيع غائب، قاله ابن الرفعة تبعًا للماوردي، واستغربه في (شرح المهذب) وقال: لم يتعرض له الجمهور.
والصواب: اعتباره؛ لأن تغير الأزمان منكر للمعارف.
وشرط الأنماطي الرؤية عند العقد وهو منقول عن النص.
وقيل: إن الإصطخري ألزمه فيما إذا كان في يده خاتم فأراه غيره فنظره جميعه ثم غطاه بكفه ثم باعه منه، وفيما لو دخل دارًا ونظر إلى جميعها ثم وقف في ناحية منها واشتراها .. أنه لا يصح، فقال: لا يصح فيهما.
وهذا لا يصح؛ لأن الإصطخري لم يذكره، وإنما هذه المناظرة وقعت مع من احتج بقول الأنماطي.
قال: (دون ما يتغير غالبًا) كالفواكه والأطعمة؛ لأن الرؤية السابقة لم تفد معرفته حال العقد.
وقيل: يصح، وصححه الشيخ أبو علي في (شرح التلخيص)، وسكت المصنف عما إذا احتمل التغير وعدمه كالحيوان، وفيه وجهان: أصحهما: الصحة؛ لأن الظاهر بقاؤه بحاله.
فرع:
اختلفا: فقال المشتري: تغير عما رأيته عليه فلي الخيار، وأنكر البائع .. ففيه رأيان:
стр. 1594
وَتَكْفِي رُؤْيَةُ بَعْضِ الْمَبِيعِ إِنْ دَلَّ عَلَى بَاقِيهِ كَظَاهِرِ الصُّبْرَةِ،
ــ
أحدهما –عن صاحب (التقريب) وصححه الغزالي-: أن القول قول البائع.
وأظهرهما –وهو المنصوص وقطع به صاحب (التنبيه) وغيره-: أن القول قول المشتري مع يمينه.
فرع:
رأى ثوبين فسرق أحدهما فاشترى الثاني ولا يعلم أيهما المسروق .. قال الغزالي: إن تساوت قيمتهما وصفتهما وقدرهما كنصفي كرباس واحد .. صح البيع بلا خلاف، وإن اختلفا في شيء من ذلك .. ففيه القولان في بيع الغائب.
واعترض عليه ابن الصلاح في ذلك وقال: الصواب إجراء الخلاف في صورة التساوي أيضًا، وصوب المصنف في (شرح المهذب) كلام الغزالي وأفسد قول ابن الصلاح.
قال: (وتكفي رؤية بعض المبيع إن دل على باقيه كظاهر الصبرة)؛ لأن الغالب فيها عدم الاختلاف، وكذلك الجوز واللوز.
وتكفي رؤية المائعات في ظروفها كالعسل والخل واللبن والدبس والزيت والسمن.
أما ما لا يدل على باقيه كصبرة البطيخ والرمان والباذنجان .. فلا بد من رؤية كل واحد منها، بل قال البغوي: إذا رأى أحد جانبي البطيخة .. كان كبيع الغائب.
ولا تكفي في سلة العنب والتين والخوخ رؤية أعلاها؛ لكثرة الاختلاف فيها، قاله المتولي والرافعي، وفي كلام الإمام ما يخالفه، فإن قال: لو اشترى قِرْطَلَّة فاكهة فظهر فيها حشوٌ جهله .. يخيَّر.
والتمر إن لم تلتصق حباته .. فصبرته كصبرة الجوز واللوز، وإن التصقت حباته كالقوصرة .. كفى رؤية أعلاها على الصحيح، والقطن في العدل كقوصرة التمر.
وإن كانت الحنطة في بيت مملوء فرأى بعضها من الكوة أو الباب .. كفى.
لكن إن باعها جزافًا .. اشترطت معرفة سعة البيت وعمقه، وإلا .. فلا، وكذا الجمد في المجمدة.
стр. 1595
وَأُنْمُوذَجِ الْمُتَمَاثِلِ، أَوْ كَانَ صِوَانًا لِلْبَاقِي خِلْقَةً كَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ،
ــ
قال: (وأنموذج المتماثل) هو: بفتح الذال المعجمة، والمراد: أنه إذا كان عنده قمح مثلًا فأخذ شيئًا منه وأراه لغيره، كما يفعله السمسمار، ويسمونه: العين، فذلك المقدار هو الأنموذج.
فإذا اعتمد في الشراء على رؤيته، فإن قال: بعتك من هذا النوع كذا .. فهو باطل، وإن قال: بعتك الحنطة التي في هذا البيت وهذا الأنموذج منها، فإن لم يدخل الأنموذج في البيع .. لم يصح على الأصح؛ لأنه لم ير المبيع ولا شيئًا منه، وإن أدخله فيه .. صح، وهذه الصورة التي أرادها المصنف.
ومراده بـ (المتماثل): المتساوي الأجزاء كالحبوب ونحوها، لا المثلي كما توهمه ابن الرفعة، وإلا .. فيرد عليه السفرجل والبطيخ ونحوهما؛ فإن رؤية الأنموذج فيها لا تكفي كما تقدم.
قال: (أو كان صوانًا للباقي خلقه كقشر الرمان والبيض)؛ لأن صلاحه في إبقائه فيه، ومن ذلك قصب السكر كما سيأتي في (باب بيع الأصول والثمار) إن شاء الله تعالى.
وكان ينبغي أن يزاد: (وما في معناه)؛ فإن الروياني والمصنف وغيرهما جوزوا بيع الكعك المحشو والخشكنان ونحوهما؛ لأنه من مصلحته كقشر الرمان، وفي معنى ذلك: الفقاع؛ فإن الكوز صوان مَصْلحي لا خلقي.
وقال العبادي: يفتحه وينظر فيه بحسب الإمكان.
أما الدر في الصدف .. فلا يصح بيعه جزمًا.
وقد أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة بالقطن ونحوها، ولعل اللحف والفرش في معنى ذلك.
ولا تكفي رؤية المبيع من وراء قارورة شفافة، بخلاف السمك والأرض في الماء
стр. 1596
وَالْقِشْرَةِ السُفْلَى لِلْجَوْزِ وَاللَّوْزِ. وَتُعْتَبَرُ رُؤْيَةُ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ
ــ
الصافي؛ لأن استتارهما به من صلاحهما، كذا قيد الرافعي صحة البيع هنا بصفاء الماء مع تصحيحه إجارة الأرض مستورة بماء كدر.
فائدة:
(الرُّمّان) فُعّال، كالحُمّاض والعُنّاب، وليس بفعلان، كقولهم: أرض مرمنة.
روى البيهقي في (الشعب) [٥٩٥٨] عن علي ﵁ أنه قال: (كلوا الرمان بشحمه؛ فإنه دباغ المعدة).
وروي عن ابن عباس ﵄: أنه كان إذا سقطت منه حبة رمان أكلها، فسئل عن ذلك؟ فقال: (بلغني أنه ليس في الأرض رمانة تلقح إلى بحبة من حب الجنة، فلعلها هذه).
قال صاحب (الفلاحة): تؤخذ رمانة من شجرة وتعد حباتها فتكون حبات رمان تلك الشجرة كذلك العدد، وكذلك تعد شرفات قمع الرمانة، فإن كانت زوجًا .. فعدد حباتها زوج، وإن كانت فردًا .. فعدد حباتها فرد.
و (الصوان) بضم الصاد وكسرها، والصيان بالياء: الوعاء الذي يصان فيه الشيء، تقول: صنت الشيء صونًا. وصيانًا وصيانة فهو مصون، ولا تقل: مصان، وثوب مصون على النقص، ومصوون على التمام.
قال: (والقشرة السفلى للجوز واللوز)؛ لأنه بدونها يفسد، أما القشرة العليا .. فلا يصح بيعه فيها كما سيأتي في (بيع الثمار)، ولا يصح بيع اللب وحده على القولين جميعًا.
قال: (وتعتبر رؤية كل شيء على ما يليق به)؛ لاختلاف الغرض بذلك، ففي الكتاب بنظره ورقة ورقة، وفي الورق: جميع طاقاته، وفي العبد: الوجه
стр. 1597
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأطراف، وكذا باقي البدن على الأصح ما خلا العورة، وأصح الأوجه في زوائد (الروضة): أن الأمة كالعبد.
وثانيها: تشترط رؤية ما يبدو عند المهنة والحاجة.
والثالث: الوجه والكفين، وتشترط رؤية الشعر في الأصح، لا رؤية اللسان والأسنان على الأصح.
وفي الدواب: مقدمها ومؤخرها وقوائمها ورفع السرج والإكاف والجل، وهل يشترط أن يجريها بين يديه؟ وجهان: أصحهما: لا.
وفي شراء الدار: السقوف والجدران داخلًا وخارجًا والمستحم والبالوعة، وكذا السطوح في الأصح.
وفي البستان: الأشجار والجدران ومسايل الماء، ولا حاجة إلى رؤية أساس البنيان وعروق الأشجار ونحوها.
والأصح: اشتراط رؤية طريق الدار، ومجرى الماء الذي تدور به الرحى.
وفي الثوب المطوي: نشره، وللإمام احتمال فيما لا ينشر إلا عند القطع، وإذا نشر فما كان صفيقًا كالديباج المنقوش .. اشترط رؤية وجهيه، وكذلك البسط والزلالي والرقيق.
والكرباس: تكفي رؤية أحد وجهيه في الأصح.
وقيل: يشترط اللمس في الثياب، والشم في المسك ونحوه، والذوق في الخل، والصحيح: خلافه.
فرع:
عن القفال: إذا اشترى ثوبًا مطويًا وصححنا الشراء فنشره واختار الفسخ وكان لطيِّه مؤنة ولم يحسن طيه .. كانت مؤنة الطي على المشتري، كما لو اشترى شيئًا ونقله إلى بيته فوجد به عيبًا .. كانت مؤنة رده عليه.
стр. 1598
وَالأَصَحُّ: أَنَّ وَصْفَهُ بِصِفَةِ السَّلَمِ لَا يَكْفِي. وَيَصِحُّ سَلَمُ الأَعْمَى،
ــ
فرع:
لو كان الثوب على منسج قد نسج بعضه فباعه على أن ينسج البائع باقيه .. لم يصح البيع قطعًا نص عليه.
قال: (والأصح: أن وصفه بصفة السلم لا يكفي) وكذلك سماع وصفه بطريق التواتر؛ لأن الرؤية تفيد أمورًا تقصر عنها العبارة، وفي الحديث: (ليس الخبر كالمعاينة).
والثاني: يكفي؛ لأنها تقوم مقام الرؤية.
وصورة المسألة: أن يبيعه شيئًا حاضرًا تمكن رؤيته ويجعل الوصف قائمًا مقام الرؤية، كقوله: بعتك الفرس التي في داري، أو الثوب التي في حانوتي وصفتها كذا وكذا .. فلا يقوم الوصف مقام الرؤية.
أما التي في (باب السلم) في قول المصنف: (ولو قال: اشتريت منك ثوبًا صفته كذا بهذه الدراهم، فقال: بعتك .. انعقد بيعًا، وقيل: سلمًا) .. فتلك في شراء موصوف في الذمة، وكلامه هنا في بيع حاضر جعلا فيه الصفة قائمة مقام الرؤية، فافترقا.
وإذا اختلفا في رؤية المبيع: فأنكرها المشتري، وادعاها البائع .. فأفتى الغزالي بأن القول قول البائع، وسيأتي في آخر (اختلاف المتبايعين).
قال: (ويصح سلم الأعمى) مسلمًا كان أو مسلمًا إليه؛ لأن المعتمد عليه في السلم الوصف، واستدل له العراقيون بصحة سلم البصير فيما لم يشاهده؛ لأن أحدًا لم يقل: أنه لا يجوز لأهل بغداد أن يسلموا في الموز، ولا لأهل خراسان أن يسلموا في الرطب؛ لأنهم لم يشاهدوه.
وثبوت المسمى في نكاح الأعمى الذي لم يتقدم له الإبصار، فإن كان الأعمى قد رأى شيئًا مما لا يتغير وهو ذاكر لصفاته .. فإنه يصح بيعه وشراؤه كالبصير.
стр. 1599
وَقِيلَ: إِنْ عَمِيَ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ .. فَلَا
ــ
قال: (وقيل: إن عمي قبل تمييزه .. فلا)؛ لعدم معرفته الصفات، وسيأتي في (باب السلم): أنه تشترط معرفة المتعاقدين الصفات، وهذا يقوي هذا الوجه.
تتمة:
إذا ملك الأعمى شيئًا بالسلم أو الشراء وصححناه .. لم يصح قبضه ذلك بنفسه، بل يوكِّل بصيرًا يقبضه له بتلك الأوصاف، فلو قبضه الأعمى .. لم يعتد به.
قال المتولي: ولو اشترى البصير شيئًا ثم عمي قبل قبضه وقلنا: لا يصح شراؤه .. فهل ينفسخ البيع؟ فيه وجهان: صحح المصنف منهما: عدم البطلان.
* * *
خاتمة
قال: بعتك هذا العبد الكبير وكان صغيرًا .. صح تغليبًا للإشارة، قاله الروياني.
وبيع الجزر واللفت والبصل ونحوها في الأرض لا يصح قولًا واحدًا، لأنه غرر، وبه قال ابن المنذر وأحمد، وأجازه مالك والأوزاعي وإسحاق.
قال المصنف: ومما تعم به البلوى: ما اعتاده الناس من بيع النصيب من الماء الجاري من النهر، قال المحاملي: هو باطل؛ لجهالة قدره، ولأن الماء الجاري غير مملوك.
ولو اشترى سمنًا، أو غيره من المائعات، أو غيرها في ظرفه كل رطل بدرهم مثلًا على أن يوزن بظرفه ويسقط أرطالًا معينة بسبب الظرف ولا يوزن الظرف .. فالبيع باطل بلا خلاف، لأنه غرر ظاهر.
قال في (شرح المهذب): وهذا من المنكرات المحرمة التي تقع في كثير من الأسواق.
* * *
стр. 1600
بَابُ الرِّبَا
ــ
باب الربا
لفظه مقصور، ويكتب بالألف والواو والياء، وقد يقال فيه أيضًا: الرماء –بالميم والمد- وأصله: الزيادة إما في أصل الشيء، كقوله تعالى: ﴿اهتزت وربت﴾ أي: نمت وزادت، وإما في مقابله، كدرهم بدرهمين.
قال القاضي أبو حامد وداوود الظاهري: إنه حقيقة في الأول مجاز في الثاني.
وقيل: حقيقة فيهما.
وقال ابن سريج: هو في الثاني حقيقة شرعية.
وقيل: الربا كل بيع محرم، ونقل عن عمر وعائشة ﵄.
وهو في الشرع: الزيادة في بيع النقد والمطعوم بمثلهما، وهو من الكبائر.
روى ابن بكير عن مالك بن أنس: أن رجلًا أتى إليه فقال: يا أبا عبد الله، رأيت رجلًا سكرانًا يتقافز يريد أن يأخذ القمر بيده، فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل في جوف ابن آدم شر من الخمر، فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال: امرأتك طالق؛ إني تصفحت الكتاب والسنة فلم أر شيئًا أشد من الربا؛ لأن الله تعالى آذن فيه بالحرب.
وهو أنواع:
(ربا الفضل) وهو: زيادة أحد العوضين على الآخر في المقدار.
و (ربا النساء) وهو: بيع مال بمال نسيئة.
و (ربا اليد) وهو: بيع مال بمال يقبض فيه أحد العوضين في المجلس دون الآخر.
وذكر المتولي نوعًا رابعًا وهو (ربا القرض) وهو: أن يقرضه مالًا بمثله بشرط جر منفعة، لقول فضالة بن عبيد: كل قرض جر منفعة فهو ربا، ورواه الحارث بن أبي
стр. 1601
إِذَا بِيعَ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ؛
ــ
أسامة من حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ .
والأصل في تحريمه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربوا﴾، وقوله : ﴿وذروا ما بقى من الربوا﴾.
و (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده) رواه مسلم [١٥٩٨] من حديث جابر ﵁.
وروى أحمد [٥/ ٢٢٥] عن أبي هريرة ﵁، والدارقطني [٣/ ١٦] والبيهقي [هب ٥٥١٧] عن عبد الله بن حنظلة الغسيل رضي لله عنه: أن النبي ﷺ قال: (درهم ربا يأكله ابن آدم أشد عند الله تعالى إثمًا من ست وثلاثين زنية).
وفي (المستدرك) [٢/ ٣٧] من حديث مسروق عن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ قال: (الربا سبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإنَّ أربى الربا عِرض الرجل المسلم) ثم قال: صحيح على شرط الشيخين.
وقال عمر ﵁: (لا يتَّجرْ في سوقنا إلا من فَقُهَ، وإلا .. أَكَلَ الربا).
وقال علي ﵁: (من أتَّجر قبل أن يتفقه .. ارتطم في الربا، ثم ارتطم، ثم ارتطم) أي: وقع فيه وارتبك ونشب.
وقيل: إن الربا لم يحل في شريعة قط، قال تعالى: ﴿وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه﴾.
قال: (إذا بيع الطعام بالطعام) إنما قدمه على النقد؛ لأن أحكامه أكثر، وعبر في (المحرر) بالمطعوم، وعبارة المصنف موافقة لرواية مسلم [١٥٩٢] عن عبادة بن الصامت ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا
стр. 1602
إِنْ كَانَ جِنْسًا .. اشْتُرِطَ الْحُلُولُ، وَالْمُمَاثَلَةُ، وَالتَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ،
ــ
مثلًا بمثل) فعلق المنع على الطعام، وهو اسم مشتق، وتعليق الحكم على الاسم المشتق يدل على التعليل بما فيه من الاشتقاق، كقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾.
ولأنه ﷺ نص على أصناف مختلفة المقاصد مع الاشتراك في أنها مطعومة، فدل على التعليل بالقدر المشترك.
وفي القديم: العلة مع الطعم: التقدير في الجنس بالكيل أو الوزن، فلا ربا فيما لا يوزن ولا يكال كسفرجل ورمان وبيض وجوز وأترج ونارنج وغيرها، واختلفوا على الجديد في المسائل:
منها: الزعفران والسقمونيا والطين الأرمني والمختوم والأدهان المطيبة، فهذه ربوية على الأصح.
ومنها: حب الكتان ودهنه ودهن السمك والطين الخراساني وماء الورد، فهذه غير ربوية على الأصح.
والفرق بين الطين الأرمني والخراساني: أن الأرمني دواء.
والطين المصري كالخراساني في الحكم وسيأتي.
ولا يحرم أكل الطين؛ لأنه لم يصح في حديث إلا أن يضر لكثرته فيحرم، وبهذا قال الروياني ومشايخ طبرستان.
وقال والده وجده والزجاجي والحناطي والقفال والقاضي حسين: يحرم.
وإذا قلنا بهذا: فليس بربوي وإنما الخلاف إذا قلنا بإباحته، وسيأتي في (الأطعمة) فيه زيادة في ذلك.
قال: (إن كان جنسًا .. اشترط الحلول، والمماثلة، والتقابض قبل التفرق)؛ لما روى مسلم [١٥٩٤]: أن بلالًا ﵁ جاء بتمر برني فقال له النبي ﷺ : (من أين هذا؟) فقال بلال: كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع؛ ليطعم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (أَوَّهْ! عينُ الربا، لا تفعل ولكن مثلًا بمثل أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه).
وروى أيضًا [١٥٨٧] عن عبادة ﵁: أن النبي ﷺ قال:
стр. 1603
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأجناس .. فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد).
وأما قوله ﷺ : (إنما الربا في نسيئة) .. فقال الشافعي ﵁: إنه جواب سائل سأل عن التفاضل في جنسين، فنقل الراوي الجواب دون السؤال.
وقول المصنف: (إن كان جنسًا) أي: مجموع الثمن والمثمن، وفي (المحرر): إن كانا، وهو أحسن.
وأشار بقوله: (جنسًا) إلى أن اختلاف النوع لا يضر. كبرنيٍّ بمعقلي، والصفةِ كجيد برديء.
ولابد في القبض أن يكون محققًا، فلا تكفي الحوالة إن لم يحصل القبض لها في المجلس، وكذا إن حصل في الأصح، وتكفي الوكالة إن قبض الوكيل قبل مفارقة الموكل المجلس، فإن قبض بعد مفارقة الموكل المجلس .. امتنع.
ولو كان العاقد عبدًا مأذونًا فقبض سيده .. لم يكف، قال الجوري، أو وكيلًا فقبض موكله .. لم يكف بلا خلاف.
ولو مات العاقد .. قام وارثه مقامه على الأصح.
ولو تقابضا بعضَ كل واحد من العوضين ثم تفرقا .. بطل في غير المقبوض، وفي المقبوض قولا تفريق الصفقة.
والمراد بـ (التفريق): ما في خيار المجلس، ولا فرق فيه بين العامد والناسي –نص عليه الشافعي والإمام- ولا بين العالم والجاهل –قاله الماوردي- ولا بين المختار والمكره، قاله الصيمري.
стр. 1604
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد يستشكل بأن الصحيح: عدم انقطاع الخيار بالتفرق كرهًا، فإن صح الحكمان .. فلعله لضيق باب الربا، أو لأن القبض شرط فلم يختلف بالنسبة إلى المكره وغيره، أو لأن باب الربا الأغلب عليه التعبد.
مهمة:
في (الروضة) هنا: أن إجازة العقد قبل التقابض مبطلة خلافًا لابن سريج.
وفي (باب الخيار): لو تقابضا ثم أجازا في المجلس .. لزم العقد، فإن أجازا قبل التقابض .. فوجهان:
أحدهما: تلغو الإجازة ويبقى الخيار.
والثاني: يلزم العقد وعليهما التقابض، فإن تفرقا قبله .. انفسخ العقد، ولم يتعرض للوجه الذي جزم به هنا، وهذا إنما يأتي على قول ابن سريج، وليس للمسألة ذكر في (الشرح الصغير) ولا في (المحرر)، وهي في (شرح المهذب) هنا وهي آخر مسألة فيه.
ومتى وقع العقد مع فوات أحد الشروط .. كان باطلًا وأثما به، وكذا إذا تفرقا من غير قبض .. أثما أيضًا وعليهما إذا أرادا التفرق أن يتفاسخا أو يتقايلا ثم يفترقان. ومن هذه المسألة يؤخذ: أن تعاطي العقود الفاسدة حرام.
وخرج من كلام المصنف: ما إذا باع طعامًا بغير طعام، فلا يشترط فيه شيء من الثلاثة بالإجماع.
стр. 1605
أَوْ جِنْسَيْنِ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ .. جَازَ التَّفَاضُلُ، وَاشْتُرِطَ الْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ. وَالطَّعَامُ مَا قُصِدَ لِلطُّعْمِ اقْتِيَاتًا أَوْ تَفَكُّهًا أَوْ تَدَاوِيًا
ــ
قال: (أو جنسين كحنطة وشعير .. جاز التفاضل، واشترط الحلول والتقابض)؛ لما تقدم من قوله ﵊: (فإذا اختلفت هذه الأجناس .. فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) فشرط التقابض وهو مستلزم الحلول غالبًا، ومثل المصنف بالحنطة والشعير؛ لأن مالكًا نقل عنه: أنهما جنس واحد.
قال: (والطعام ما قصد للطعم اقتياتًا أو تفكهًا أو تداويًا)؛ لأن حديث عبادة ﵁ ذكر فيه أربعة: البر، والشعير، والتمر، والملح، وهي مختلفة المقاصد: فمقصود البر والشعير القوت وألحق بهما ما في معناهما كالأرز والذرة، ومقصود التمر التأدم فألحق به ما في معناه كالزبيب والفواكه ونحوها، ومقصود الملح الإصلاح فألحق به ما في معناه من الأدوية.
ولا فرق بين ما يؤكل نادرًا كالبلوط والطُّرْثُوث، أو غالبًا كالحبوب.
ومن الربويات: الفواكه والحلوى والإهليلج والبقول والتوابل والمصطكي والزنجبيل والصمغ والقُرطُم وبزر البصل والجزر والفجل واللفت؛ لأنها تصير مأكولة بعد نباتها، وكذلك الصعتر و (الثفاء) بالثاء المثلثة وتشديد الفاء والمد، وهي: حب الرشاد.
ولا ربا في الرياحين –إلا أن يركب منها شيء بالسكر أو العسل- ولا في الصندل والكافور والمسك والنوى والجلود والعظام وإن كان يجوز أكلها؛ لأنه لا يعتاد.
وعود البخور ليس بربوي، قال الشيخ: ولم أر فيه خلافًا.
وفي (الرافعي) و (الروضة) ما يقتضي إثبات خلاف فيه، وهو وهم.
стр. 1606
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا ربا في الحيوان إلا في السمك الصغير إذا جوزنا ابتلاعه حيًا، وهو الأصح.
ومنع أبو حنيفة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
لنا: (أن عبد الله بن عمرو بن العاص ابتاع للنبي ﷺ بأمره البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى خروج المصدق).
و (باع علي جملًا بعشرين بعيرًا إلى أجل) ولم يعرف له مخالف.
ولأنه يجوز التفاضل بينهما فليجز الأجل، كما لو باع ثوب قطن بثوب إبريسم إلى أجل.
واحترز عما يجوز أكله ولا يقصد عادة لشيء منها كأطراف قضبان العنب والجلود كما تقدم.
والمراد: طعم الآدميين غالبًا، وهو بضم الطاء، فمطعوم الجن كالعظم وما اختصت به البهائم كالحشيش .. غير ربوي.
ويرد على إطلاق المصنف خروج الماء العذب منه، وهو ربوي على الأصح.
فإن قيل: لو كان مطعومًا لم يجز الاستنجاء به .. قلنا: ثبتت الأحاديث بجواز ذلك فصار مستثنى للحاجة إليه.
فإن قيل: ذكر المصنف في (كتاب الأيمان): أن الطعام يتناول القوت والفاكهة والأدم والحلوى ولم يذكر التداوي هناك .. فالجواب: أن العرف لا يقتضيه؛ لأن مأخذ البابين مختلف، أما الإدام .. فإنه طعام هنا وهناك وإن لم يذكره هنا في (المحرر).
стр. 1607
وَأَدِقَّةُ الأُصُولِ الْمُخْتَلِفَةِ الْجِنْسِ وَخُلُولُها وَأَدْهَانُهَا .. أَجْنَاسٌ، وَاللُّحُومُ وَالأَلْبَانُ كَذَلِكَ فِي الأَظْهَرِ. وَالْمُمَاثَلَةُ تُعْتَبَرُ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا، والْمَوْزُونِ وَزْنًا
ــ
قال: (وأدقة الأصول المختلفة الجنس وخلولها وأدهانها .. أجناس)؛ لأنها فروع لأصول مختلفة ربوية فأجري عليها حكم أصولها، وكل شيئين جمعهما اسم خاص .. فهما جنس واحد، وما ليس كذلك .. فهما جنسان.
فعلى هذا: يباع دقيق الحنطة بدقيق الشعير متفاضلًا.
واحترز بـ (المختلفة) عن المتحدة كأدقة أنواع القمح؛ فإنها جنس قطعًا.
قال: (واللحوم والألبان كذلك في الأظهر)؛ لأنها أيضًا فروع لأصول مختلفة.
والثاني: أنها جنس واحد؛ لاشتراكهما في الاسم.
وعلى هذا: ففي لحوم البريات مع البحريات وجهان: الأصح في أصل (الروضة): أنها جنس واحد، ولم يصحح الرافعي شيئًا.
والظبي مع الأيل كالضأن والمعز.
والأصح: أن الجراد ليس من جنس اللحوم.
والثاني: من لحوم البريات.
والثالث: من لحوم البحريات.
و (اللُّحمان) بضم اللام، جمع لحم.
قال: (والمماثلة تعتبر في المكيل كيلًا، والموزون وزنًا)؛ لقوله ﷺ : (لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنًا بوزن) رواه مسلم [١٥٨٤].
فلو باع المكيل بالوزن أو الموزون بالكيل .. لم يصح.
ولا فرق في الكيل بين أن يكون معتادًا أم لا كالقصعة، ولا في الميزان بين:
стр. 1608
وَالْمُعْتَبَرُ: غَالِبُ عَادَةِ الْحِجَازِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَمَا جُهِلَ يُرْعَى فِيهِ عَادَةُ بَلَدِ الْبَيْعِ، وَقِيلَ: الْكَيْلُ، وَقِيلَ: الْوَزْنُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ،
ــ
الطيار؛ وهو: الذي له لسان، والقرسطون؛ وهو: القبان، وغيرهما.
قال: (والمعتبر: غالب عادة الحجاز في عهد رسول الله ﷺ أي: في كون الشيء مكيلًا أو موزونًا؛ لأن الظاهر أنه ﷺ اطلع عليها وأقرها.
فلو أحدث الناس خلاف ذلك .. لم يعتبر؛ لما روى أبو داوود [٣٣٤٠] والنسائي [٥/ ٥٤] من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: (المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان وزن أهل مكة) وليس هذا إخبارًا بانفرادهم بذلك؛ لأن ميزان غير مكة ومكيال غير المدينة معتبران، فدل على أن المراد: مراعاة أهل المدينة فيما يكيلونه وأهل مكة فيما يزنونه، فهو بيان للمرجع فيما أوجبه الشارع من المكيلات كصدقة الفطر وغيرها والموزونات كزكاة النقدين.
وأيضًا: فإن الشرع اعتبر المماثلة ولابد لها من حد ولا حد لها في عرف ولا لغة فيرجع إلى العادة، وأولاها: عادة زمنه ﷺ .
والمكيل على عهده ﷺ الحبوب والأدهان والألبان والتمر والزبيب والملح، فإن كان قطعًا كبارًا .. فالأصح يوزن.
قال: (وما جهل) أي: معياره في الحجاز في عهد رسول الله ﷺ (يرعى فيه عادة بلد البيع)؛ لأن الشرع اعتبر العادة الغالبة في كثير من الأحكام.
قال: (وقيل: الكيل)؛ لأنه أعم.
قال: (وقيل: الوزن)؛ لأنه أحصر.
قال: (وقيل: يتخير)؛ للتساوي.
стр. 1609
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ .. اعْتُبِرَ. وَالنَّقْدُ بِالنَّقْدِ كَطَعَامٍ بِطَعَامٍ
ــ
قال: (وقيل: إن كان له أصل .. اعتبر)؛ مراعاة له.
ومحل الأوجه: إذا لم يكن أكبر جِرمًا من التمر، فإن كان أكبر .. اعتبر فيه الوزن جزمًا، كذا جزم به في (الشرح الصغير) هنا، وفي (الكبير) في آخر الباب.
وقال الجويني: محل الخلاف فيما كاله قوم ووزنه آخرون، أما ما اتفقوا فيه على شيء .. فهو أصله كالسكر؛ فإنه لم يكن بالمدينة واتفق الناس على وزنه.
وأغرب ابن أبي الدم فحكى وجهًا: أن السكر مكيل، ولعله أراد سكر الهند فهو كذلك يباع بها.
كل هذا فيما يتقدر، أما ما لا يتقدر بكيل ولا وزن كالبطيخ والرمان، وما يجفف من الثمار كالخوخ والمشمش ونحوهما .. فإنه يجوز بيع بعضه ببعض جزافًا، وفيه وجه ضعيف.
وأما في حال رطوبته .. فأصح القولين: منع بيع بعضه ببعض كما سيأتي في الكتاب.
قال: (والنقد بالنقد كطعام بطعام) في جميع ما سبق من الأحكام.
والمراد بالنقد هنا: الذهب والفضة.
والمطبوع والتبر والمصوغ والجيد والرديء والصحيح والمكسر في ذلك سواء.
ولا أثر لقيمة صنعته حتى لو اشترى بدنانير ذهبًا مصوغًا قيمته أضعاف الدنانير .. اعتبرت المماثلة ولا نظر إلى القيمة.
وبيع النقد بالنقد من جنسه ومن غير جنسه يسمى صرفًا.
قال ابن يونس: سمي بذلك؛ لصرف حكمه عن أحكام البيع، وعندي: أنه مشتق من (الصريف) وهو: الفضة.
قال الشاعر [من البسيط]:
بني غدانة ما إنْ أنتمُ ذهبًا .... ولا صريفًا ولكن أنتمُ خزفُ
стр. 1610
وَلَوْ بَاعَ جِزَافًا تَخْمِينًا .. لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ خَرَجَا سَوَاءً
ــ
وعلة الربا فيه: جنسية الأثمان غالبًا، وقيل: كونهما قيم الأشياء غالبًا.
وعند أبي حنفية: العلة فيهما كونهما موزونين من جنس واحد، فعداها إلى النحاس والرصاص وجميع ما يوزن في العادة.
فروع:
الأول: الفلوس إذا راجت رواج النقود .. لا يجري فيها الربا على الأصح.
الثاني: تصارفا على العين فخرج أحدهما نحاسًا .. فالنص –وعليه المعظم-: أنه باطل؛ تغليبًا للعبارة.
وقيل: يصح ويثبت الخيار؛ تغليبًا للإشارة إن كان له قيمة.
الثالث: اشترى منه دينارًا بعشرة وليس معه إلا خمسة فدفعها إليه ثم استقرضها منه ثم دفعها إليه عن بقية الثمن .. فوجهان:
أحدهما –وهو المنصوص فيه (الصرف)، وصححه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم-: الجواز، وهو الأصح في أكثر نسخ الرافعي وفي (شرحه الصغير).
ووقع في بعض نسخ (الكبير): أن الأصح: المنع، ومنها اختصر (الروضة). والصواب: الأول.
قال: (ولو باع جزافًا تخمينًا .. لم يصح وإن خرجا سواء) نقدًا كانا أو مطعومين، لأن الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة.
وروى مسلم [١٥٣٠]: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الصبرة من التمر
стр. 1611
وَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ وَقْتَ الْجَفَافِ -وَقَدْ يُعْتَبَرُ الْكَمَالُ أَوَّلًا-
ــ
لا يعلم مكيلتها بالكيل المسمى من التمر).
و (الجزاف) مثلث الجيم.
وقوله: (تخمينًا) أشار به إلى أنه لو باع جزافًا بغير تخمين كان أولى بالبطلان.
قال: (وتعتبر المماثلة وقت الجفاف)؛ لأن النبي ﷺ سئل عن بيع التمر بالرطب فقال: (أينقص الرطب إذا جف؟) قالوا: نعم، قال: (فلا إذًا) رواه مالك [١٣١٦] وأصحاب السنن.
فأشار ﷺ بذلك إلى: أن المماثلة معتبرة حال الجفاف، هذا إذا كان مما يغلب تجفيفه كالحبوب وأكثر الرطب والعنب.
وإن كان أكثر منافعه حال الرطوبة وتجفيفه معتاد كالمشمش .. فأصح الأوجه: يمتنع رطبًا ويجوز يابسًا، وكذلك البطيخ حيث اعتيد تجفيفه.
قال: (وقد يعتبر الكمال أولًا) كذا بخط المصنف، وأشار به إلى العنب مثلًا؛ فإن كماله في كونه زبيبًا أو حال كونه خلًا، وكذا عصيرًا في الأصح.
فلو اقتصر على ما سبق لاقتضى أن لا كمال إلا حال كونه زبيبًا؛ لأنه حال جفافه، فنبه على أنه لا يعتبر وقت الجفاف مطلقًا بل قد يعتبر الكمال بغيره.
وقوله: (أولًا) تنبيه على أنا إذا اعتبرنا الكمال نكتفي بالكمال الأول كالعصير ولا يشترط الأخير كالخل، وكأنه قال: يعتبر الكمال ولو أولًا.
ويحتمل: أنه أشار بذلك إلى العرايا؛ فإن اعتبار الجفاف في التماثل وإن وجد، لكنه لم يوجد آخرًا، أي: عند الجفاف، وإنما وجد أولًا، أي: في حال الرطوبة فيباع حال رطوبته بمثله إذا جف.
ويحتمل أيضًا: إرادة اللبن؛ فإنه كامل في أول أحواله وهو حليب.
стр. 1612
فَلَا يُبَاعُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ وَلَا بِتَمْرٍ، وَلَا عِنَبٌ بِعِنَبٍ وَلَا بِزَبِيبٍ. وَمَا لَا جَفَافَ لَهُ كَالْقِثَّاءِ وَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ لَا يُبَاعُ أَصْلًا، وَفِي قَوْلٍ: تَكْفِي مُمَاثَلَتُهُ رَطْبًا.
ــ
قال: (فلا يباع رطب برطب)؛ للجهل بالمماثلة، وجوز المزني والأئمة الثلاثة بيع الرطب بالرطب.
قال: (ولا بتمر)؛ لتحقق التفاوت عند الجفاف، ومن هذا استثنى العرايا بالنص.
ويؤخذ من كلام المصنف: أنه لا يجوز بيع البسر بالبسر ولا الطلع بالطلع ولا أحدهما بالآخر.
وهكذا اللحم لا يباع رطبه برطبه ولا بقديده.
ولا يباع القصب بالقصب ولا بالسكر.
ومعلوم أنه إذا اختلف الجنس .. فلا منع.
قال: (ولا عنب بعنب ولا بزبيب)؛ لما تقدم، وكذا الحصرم بالحصرم لا يباع، ولا بالعنب وما أشبه ذلك.
قال: (وما لا جفاف له كالقثاء والعنب الذي لا يتزبب لا يباع أصلًا) أي: بعضه ببعض في حال رطوبته للجهل بالمماثلة.
فلو فرض تجفيفه على ندور .. ففي استمرار المنع وجهان.
قال: (وفي قول: تكفي مماثلته رطبًا) وهو اختيار ابن سريج؛ لأن معظم منافعه في حال رطوبته.
نعم؛ يرد على (المحرر) و (المنهاج) الزيتون؛ فإنه يباع بعضه ببعض وهو لا يتجفف وجعلوه حالة كماله، كما قاله صاحب (التقريب)، ووافقوه عليه.
أما المائعات كاللبن والدهن ونحوهما .. فكمالها كذلك في حال رطوبتها، لكنها لا ترد على المصنف؛ لأنه إنما تكلم في الحبوب والثمار.
و (القثاء) بكسر القاف وضمها وبالثاء المثلثة والمد.
стр. 1613
وَلَا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ وَالْخُبْزِ، بَلْ تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْحُبُوبِ: حَبًّا، وَفِي حُبُوبِ الدُّهْنِ كَالسِّمْسِمِ: حَبًّا أَوْ دُهْنًا، وَفِي الْعِنَبِ: زَبِيبًا أَوْ خَلَّ عِنَبٍ،
ــ
قال: (ولا تكفي مماثلة الدقيق والسويق والخبز)؛ للجهل بتساويها، فلا يباع شيء من ذلك بمثله ولا بالآخر من جنسه ولا بالحب الذي أخذ منه، وكذا حكم جميع ما يتخذ من الحب كالجريش والعجين والنشاء والفتيت ونحوها، فلا يباع شيء من ذلك بمثله ولا بالآخر من جنسه ولا بالحب الذي أخذ منه، ويجوز بيع جميع ذلك بالنخالة؛ لأنها ليست ربوية.
وروى المزني: جواز الدقيق بالدقيق، واختاره الروياني إذا استويا في النعومة.
قال: (بل تعتبر المماثلة في الحبوب: حبًا) أي: بعد تناهي جفافه.
ويشترط: أن لا يكون مبلولًا ولا مقشورًا ولا معروضًا على النار، فإن جفف بعد البلل .. لم يجز أيضًا؛ لتفاوت انكماشه عند الجفاف.
والحنطة المسوسة أطلق الأئمة: جواز بيع بعضها ببعض.
قال الإمام: ولعله قبل أن تتآكل، فإن تآكلت وخلت أجوافها .. فالقياس القطع بالمنع كالمقلية والمبلولة.
قال: (وفي حبوب الدهن كالسمسم: حبًا أو دهنًا)؛ لأنهما غايته.
أما الكسب بالكسب، فإن كان مما يأكله الدواب .. جاز متفاضلًا ومتماثلًا مثل كسب القرطم، وإن كان مما يأكله الناس مثل كسب السمسم واللوز، فإن كان فيه خلط يمنع التماثل .. لم يجز، وإلا .. فيجوز على الأصح.
والشيرج والكسب جنسان يباع أحدهما بالآخر متفاضلًا خلافًا لابن الصباغ.
ولا يجوز بيع السمسم بالشيرج خلافًا لأبي ثور، وكذا كل دهن بأصله.
قال: (وفي العنب: زبيبًا أو خل عنب)؛ لأن كلًا منهما على هيئة الادخار.
стр. 1614
وَكَذَا الْعَصِيرُ فِي الأَصَحِّ، وَفِي اللَّبَنِ: لَبَنًا أَوْ سَمْنًا أَوْ مَخِيضًا صَافِيًا، وَلَا يَكْفِي التَّمَاثُلُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ كَالْجُبْنِ وَالأَقِطِ. وَلَا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ مَا أَثَّرَتْ فِيهِ النَّارُ بِالطَّبْخِ أَوِ الْقَلْيِ أَوِ الشَّيِّ
ــ
قال: (وكذا العصير في الأصح)؛ لأنه متهيئ لأكثر الانتفاعات.
وقد تقدم: أن المعيار في الخل والدهن واللبن وكل مائع الكيل.
قال: (وفي اللبن: لبنًا أو سمنًا أو مخيضًا صافيًا)؛ لأن كلًا منها مقصود، وسواء في اللبن الحليب والرائب والحامض.
ويجوز بيع المخيض بالمخيض إذا لم يكن فيهما ماء، وإنما يكال اللبن الحليب بعد سكون رغوته، والرائب يحوي الكيل منه أكثر من الحليب.
ولا يباع المغلي بالمغلي، فإن سخن من غير غليان .. جاز، قاله الروياني.
والزبد بالزبد لا يجوز بيعه على الأصح.
واحترز بـ (الصافي) عما فيه الماء، فلا يباع بمثله ولا بصاف.
واحترز أيضًا عما فيه زبد؛ فإنه لا يجوز بيعه بمثله ولا بما فيه زبد لم يزبد؛ لأنه يصير من قاعدة مد عجوة وليس ذلك لعدم كماله كما تُفهِم عبارة الكتاب.
قال: (ولا يكفي التماثل في سائر أحواله) أي: باقيها (كالجبن والأقط)، وكذلك المصل، وسواء الجبن اليابس والطري؛ لتأثيره بالنار.
و (الجبن) بضم الباء وإسكانها وتشديد النون مع الضم ثلاث لغات.
قال: (ولا تكفي مماثلة ما أثرت فيه النار بالطبخ أو القلي أو الشي)؛ لأن تأثير النار لا غاية له، وكذلك المعروض على النار للعقد كالدبس والسكر والفانيد والقند وعسل القصب والقطارة واللبأ .. ففي جواز بيع بعض هذا ببعض وجهان: أصحهما: المنع.
وقيل: إن طبخ الدبسان في قدر واحد جاز، ورد بأن النار تأخذ من أسفل القدر أكثر من أعلاه.
стр. 1615
وَلَا يَضُرُّ تَاثِيرُ تَمْيِيزٍ كَالْعسَلِ وَالسَّمْنِ. وَإِذَا جَمَعَتِ الصَّفْقَةُ رِبَوِيًّا مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَاخْتَلَفَ الْجِنْسُ مِنْهُمَا –كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ، وَكَمُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ أَوْ دِرْهَمَيْنِ- أَوِ النَّوْعُ؛ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا .. فَبَاطِلَةٌ.
ــ
قال: (ولا يضر تأثير تمييز كالعسل والسمن)؛ لأن نار التمييز نار لطيفة غالبًا ومحتاج إليها، ومن ذلك نار الذهب والفضة لتمييز الغش، فإن زيد على ذلك بأن انعقدت أجزاء السمن لم يجز بيع بعضه ببعض، وكذلك إذا قويت نار العسل بحيث نقص من أجزائه شيء .. امتنع بيع بعضه ببعض.
وأما الصفى بالشمس .. فحالته حالة كمال فيجوز بيع بعضه ببعض.
وقيل: لا يباع ما صفي في البلاد الحارة بها بما صفي في المعتدلة، ولا يجوز بيع الشهد بالشهد؛ لأن الشمع مانع من معرفة التماثل.
و (العسل) يذكر ويؤنث، والمراد به: عسل النحل وما يطلق عليه عسل من السكر وغيره مجاز، ويجوز بيعه بعسل النحل متفاضلًا.
أما ما لا يتأثر بالنار كالخل المغلي والماء المغلي .. فيباع بعضه ببعض.
والتمر إذا نزع نواه .. بطل كماله؛ لأنه يسرع إليه الفساد، فلا يباع منزوع النوى بما لم ينزع، ولا منزوع بمنزوع.
وبيع المشمش والخوخ المنزوعين فيه وجهان كالتمر، لكن الأصح هنا: الجواز.
قال: (وإذا جمعت الصفقة ربويًا من الجانبين واختلف الجنس منهما) أي: من الجانبين (كمد عجوة ودرهم بمد ودرهم، وكمد ودرهم بمدين أو درهمين، أو النوع؛ كصحاح ومكسرة بهما أو بأحدهما .. فباطلة) سواء كان المدان والدرهمان من ضرب واحد ونخلة واحدة أم لا على الأصح، وكذا إذا كان الاختلاف من أحدهما أيضًا كما صرح به في (المحرر).
следующие страницы →