Полный текст (5 377 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
وَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ وَقْتَ الْجَفَافِ -وَقَدْ يُعْتَبَرُ الْكَمَالُ أَوَّلًا-
ــ
لا يعلم مكيلتها بالكيل المسمى من التمر).
و (الجزاف) مثلث الجيم.
وقوله: (تخمينًا) أشار به إلى أنه لو باع جزافًا بغير تخمين كان أولى بالبطلان.
قال: (وتعتبر المماثلة وقت الجفاف)؛ لأن النبي ﷺ سئل عن بيع التمر بالرطب فقال: (أينقص الرطب إذا جف؟) قالوا: نعم، قال: (فلا إذًا) رواه مالك [١٣١٦] وأصحاب السنن.
فأشار ﷺ بذلك إلى: أن المماثلة معتبرة حال الجفاف، هذا إذا كان مما يغلب تجفيفه كالحبوب وأكثر الرطب والعنب.
وإن كان أكثر منافعه حال الرطوبة وتجفيفه معتاد كالمشمش .. فأصح الأوجه: يمتنع رطبًا ويجوز يابسًا، وكذلك البطيخ حيث اعتيد تجفيفه.
قال: (وقد يعتبر الكمال أولًا) كذا بخط المصنف، وأشار به إلى العنب مثلًا؛ فإن كماله في كونه زبيبًا أو حال كونه خلًا، وكذا عصيرًا في الأصح.
فلو اقتصر على ما سبق لاقتضى أن لا كمال إلا حال كونه زبيبًا؛ لأنه حال جفافه، فنبه على أنه لا يعتبر وقت الجفاف مطلقًا بل قد يعتبر الكمال بغيره.
وقوله: (أولًا) تنبيه على أنا إذا اعتبرنا الكمال نكتفي بالكمال الأول كالعصير ولا يشترط الأخير كالخل، وكأنه قال: يعتبر الكمال ولو أولًا.
ويحتمل: أنه أشار بذلك إلى العرايا؛ فإن اعتبار الجفاف في التماثل وإن وجد، لكنه لم يوجد آخرًا، أي: عند الجفاف، وإنما وجد أولًا، أي: في حال الرطوبة فيباع حال رطوبته بمثله إذا جف.
ويحتمل أيضًا: إرادة اللبن؛ فإنه كامل في أول أحواله وهو حليب.
стр. 1612
فَلَا يُبَاعُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ وَلَا بِتَمْرٍ، وَلَا عِنَبٌ بِعِنَبٍ وَلَا بِزَبِيبٍ. وَمَا لَا جَفَافَ لَهُ كَالْقِثَّاءِ وَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ لَا يُبَاعُ أَصْلًا، وَفِي قَوْلٍ: تَكْفِي مُمَاثَلَتُهُ رَطْبًا.
ــ
قال: (فلا يباع رطب برطب)؛ للجهل بالمماثلة، وجوز المزني والأئمة الثلاثة بيع الرطب بالرطب.
قال: (ولا بتمر)؛ لتحقق التفاوت عند الجفاف، ومن هذا استثنى العرايا بالنص.
ويؤخذ من كلام المصنف: أنه لا يجوز بيع البسر بالبسر ولا الطلع بالطلع ولا أحدهما بالآخر.
وهكذا اللحم لا يباع رطبه برطبه ولا بقديده.
ولا يباع القصب بالقصب ولا بالسكر.
ومعلوم أنه إذا اختلف الجنس .. فلا منع.
قال: (ولا عنب بعنب ولا بزبيب)؛ لما تقدم، وكذا الحصرم بالحصرم لا يباع، ولا بالعنب وما أشبه ذلك.
قال: (وما لا جفاف له كالقثاء والعنب الذي لا يتزبب لا يباع أصلًا) أي: بعضه ببعض في حال رطوبته للجهل بالمماثلة.
فلو فرض تجفيفه على ندور .. ففي استمرار المنع وجهان.
قال: (وفي قول: تكفي مماثلته رطبًا) وهو اختيار ابن سريج؛ لأن معظم منافعه في حال رطوبته.
نعم؛ يرد على (المحرر) و (المنهاج) الزيتون؛ فإنه يباع بعضه ببعض وهو لا يتجفف وجعلوه حالة كماله، كما قاله صاحب (التقريب)، ووافقوه عليه.
أما المائعات كاللبن والدهن ونحوهما .. فكمالها كذلك في حال رطوبتها، لكنها لا ترد على المصنف؛ لأنه إنما تكلم في الحبوب والثمار.
و (القثاء) بكسر القاف وضمها وبالثاء المثلثة والمد.
стр. 1613
وَلَا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ وَالْخُبْزِ، بَلْ تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْحُبُوبِ: حَبًّا، وَفِي حُبُوبِ الدُّهْنِ كَالسِّمْسِمِ: حَبًّا أَوْ دُهْنًا، وَفِي الْعِنَبِ: زَبِيبًا أَوْ خَلَّ عِنَبٍ،
ــ
قال: (ولا تكفي مماثلة الدقيق والسويق والخبز)؛ للجهل بتساويها، فلا يباع شيء من ذلك بمثله ولا بالآخر من جنسه ولا بالحب الذي أخذ منه، وكذا حكم جميع ما يتخذ من الحب كالجريش والعجين والنشاء والفتيت ونحوها، فلا يباع شيء من ذلك بمثله ولا بالآخر من جنسه ولا بالحب الذي أخذ منه، ويجوز بيع جميع ذلك بالنخالة؛ لأنها ليست ربوية.
وروى المزني: جواز الدقيق بالدقيق، واختاره الروياني إذا استويا في النعومة.
قال: (بل تعتبر المماثلة في الحبوب: حبًا) أي: بعد تناهي جفافه.
ويشترط: أن لا يكون مبلولًا ولا مقشورًا ولا معروضًا على النار، فإن جفف بعد البلل .. لم يجز أيضًا؛ لتفاوت انكماشه عند الجفاف.
والحنطة المسوسة أطلق الأئمة: جواز بيع بعضها ببعض.
قال الإمام: ولعله قبل أن تتآكل، فإن تآكلت وخلت أجوافها .. فالقياس القطع بالمنع كالمقلية والمبلولة.
قال: (وفي حبوب الدهن كالسمسم: حبًا أو دهنًا)؛ لأنهما غايته.
أما الكسب بالكسب، فإن كان مما يأكله الدواب .. جاز متفاضلًا ومتماثلًا مثل كسب القرطم، وإن كان مما يأكله الناس مثل كسب السمسم واللوز، فإن كان فيه خلط يمنع التماثل .. لم يجز، وإلا .. فيجوز على الأصح.
والشيرج والكسب جنسان يباع أحدهما بالآخر متفاضلًا خلافًا لابن الصباغ.
ولا يجوز بيع السمسم بالشيرج خلافًا لأبي ثور، وكذا كل دهن بأصله.
قال: (وفي العنب: زبيبًا أو خل عنب)؛ لأن كلًا منهما على هيئة الادخار.
стр. 1614
وَكَذَا الْعَصِيرُ فِي الأَصَحِّ، وَفِي اللَّبَنِ: لَبَنًا أَوْ سَمْنًا أَوْ مَخِيضًا صَافِيًا، وَلَا يَكْفِي التَّمَاثُلُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ كَالْجُبْنِ وَالأَقِطِ. وَلَا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ مَا أَثَّرَتْ فِيهِ النَّارُ بِالطَّبْخِ أَوِ الْقَلْيِ أَوِ الشَّيِّ
ــ
قال: (وكذا العصير في الأصح)؛ لأنه متهيئ لأكثر الانتفاعات.
وقد تقدم: أن المعيار في الخل والدهن واللبن وكل مائع الكيل.
قال: (وفي اللبن: لبنًا أو سمنًا أو مخيضًا صافيًا)؛ لأن كلًا منها مقصود، وسواء في اللبن الحليب والرائب والحامض.
ويجوز بيع المخيض بالمخيض إذا لم يكن فيهما ماء، وإنما يكال اللبن الحليب بعد سكون رغوته، والرائب يحوي الكيل منه أكثر من الحليب.
ولا يباع المغلي بالمغلي، فإن سخن من غير غليان .. جاز، قاله الروياني.
والزبد بالزبد لا يجوز بيعه على الأصح.
واحترز بـ (الصافي) عما فيه الماء، فلا يباع بمثله ولا بصاف.
واحترز أيضًا عما فيه زبد؛ فإنه لا يجوز بيعه بمثله ولا بما فيه زبد لم يزبد؛ لأنه يصير من قاعدة مد عجوة وليس ذلك لعدم كماله كما تُفهِم عبارة الكتاب.
قال: (ولا يكفي التماثل في سائر أحواله) أي: باقيها (كالجبن والأقط)، وكذلك المصل، وسواء الجبن اليابس والطري؛ لتأثيره بالنار.
و (الجبن) بضم الباء وإسكانها وتشديد النون مع الضم ثلاث لغات.
قال: (ولا تكفي مماثلة ما أثرت فيه النار بالطبخ أو القلي أو الشي)؛ لأن تأثير النار لا غاية له، وكذلك المعروض على النار للعقد كالدبس والسكر والفانيد والقند وعسل القصب والقطارة واللبأ .. ففي جواز بيع بعض هذا ببعض وجهان: أصحهما: المنع.
وقيل: إن طبخ الدبسان في قدر واحد جاز، ورد بأن النار تأخذ من أسفل القدر أكثر من أعلاه.
стр. 1615
وَلَا يَضُرُّ تَاثِيرُ تَمْيِيزٍ كَالْعسَلِ وَالسَّمْنِ. وَإِذَا جَمَعَتِ الصَّفْقَةُ رِبَوِيًّا مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَاخْتَلَفَ الْجِنْسُ مِنْهُمَا –كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ، وَكَمُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ أَوْ دِرْهَمَيْنِ- أَوِ النَّوْعُ؛ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا .. فَبَاطِلَةٌ.
ــ
قال: (ولا يضر تأثير تمييز كالعسل والسمن)؛ لأن نار التمييز نار لطيفة غالبًا ومحتاج إليها، ومن ذلك نار الذهب والفضة لتمييز الغش، فإن زيد على ذلك بأن انعقدت أجزاء السمن لم يجز بيع بعضه ببعض، وكذلك إذا قويت نار العسل بحيث نقص من أجزائه شيء .. امتنع بيع بعضه ببعض.
وأما الصفى بالشمس .. فحالته حالة كمال فيجوز بيع بعضه ببعض.
وقيل: لا يباع ما صفي في البلاد الحارة بها بما صفي في المعتدلة، ولا يجوز بيع الشهد بالشهد؛ لأن الشمع مانع من معرفة التماثل.
و (العسل) يذكر ويؤنث، والمراد به: عسل النحل وما يطلق عليه عسل من السكر وغيره مجاز، ويجوز بيعه بعسل النحل متفاضلًا.
أما ما لا يتأثر بالنار كالخل المغلي والماء المغلي .. فيباع بعضه ببعض.
والتمر إذا نزع نواه .. بطل كماله؛ لأنه يسرع إليه الفساد، فلا يباع منزوع النوى بما لم ينزع، ولا منزوع بمنزوع.
وبيع المشمش والخوخ المنزوعين فيه وجهان كالتمر، لكن الأصح هنا: الجواز.
قال: (وإذا جمعت الصفقة ربويًا من الجانبين واختلف الجنس منهما) أي: من الجانبين (كمد عجوة ودرهم بمد ودرهم، وكمد ودرهم بمدين أو درهمين، أو النوع؛ كصحاح ومكسرة بهما أو بأحدهما .. فباطلة) سواء كان المدان والدرهمان من ضرب واحد ونخلة واحدة أم لا على الأصح، وكذا إذا كان الاختلاف من أحدهما أيضًا كما صرح به في (المحرر).
стр. 1616
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأصل هذه القاعدة ما رواه مسلم [١٥٩١] عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (لا يباع حتى يفصل).
فلو تعددت الصفقة بتفصيل الثمن بأن جعل الدرهم في مقابلة الدرهم والمد بالمد .. صح بالاتفاق.
وقوله: (واختلف الجنس) أي: جنس المبيع، ولو قال: واختلف المبيع جنسًا .. كان أحسن، وسواء كان الآخر ربويًا أم غيره كدرهم وثوب بدرهم أو بدرهمين وإن كان تمثيل الكتاب قد يُفهِم خلافَه.
نعم؛ قد يشترط كون الجنس الآخر مقصودًا؛ لأن الأصح: الصحة فيما إذا باع دارًا فيها بئر ماء عذب بمثلها وقلنا: إن الماء ربوي؛ لأنه تابع، وكذلك لو باع دارًا بذهب فظهر فيها معدن الذهب، بخلاف بيع دار سقفها مموَّه بذهب يحصل منه شيء بالعرض على النار بذهب، فإنه لا يصح؛ لأنه في الأولى تابع لمقصود الدار، كذا في (الشرح) و (الروضة) هنا، وسيأتي في (الأصول والثمار) إشكال على هذا إن شاء الله تعالى.
ولو باع حنطة بحنطة وفيهما أو في أحدهما حبات شعير .. لم يجز، وضبطه الإمام
стр. 1617
وَيَحْرُمُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوانِ مِنْ جِنْسِهِ،
ــ
بما إذا كان الشعير قدرًا لو ميز لظهر في المكيال، وإلا .. لم يضر.
ولو كان فيهما أو في أحدهما قليل تراب .. جاز.
وقوله: (أو النوع كصحاح ومكسرة) كان الأحسن أن يقول: كالمعقلي والبرني؛ فإن الصحة والتكسير اختلاف صفة لا اختلاف نوع وإن كان اختلاف الصفة أيضًا مضرًا.
و (العجوة): نوع من التمر، قال الجوهري: إنه من أجود تمر المدينة، ونخلها يسمى اللينة، وهو أكبر من الصيحاني يضرب إلى سواد.
قال ابن الأثير: إنه من غرس النبي ﷺ .
وفي (فروق الشيخ أبي محمد): أحصينا من أنواع تمر المدينة مئة وعشرين نوعًا.
وفي (تاريخ البخاري) [٥/ ١١٢] بسنده إلى بريدة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (خير تمركم البرني).
غريبة:
قال محمد بن عبد الرحمن الحضرمي في كتاب (الإكمال لما في التنبيه من الإشكال): لو باع أمة ذات لبن بلبن .. جاز، بخلاف شاة في ضرعها لبن بلبن.
والفرق: أن لبن الشاة في الضرع له حكم العين فلهذا لا يجوز عقد الإجارة عليه، ولبن الآدمية ليس له حكم العين بل هو كالمنفعة ولذلك جاز عقد الإجارة عليه، وهو نقل غريب وتعليل حسن.
قال: (ويحرم بيع اللحم بالحيوان من جنسه)؛ لما روى الشافعي [١/ ٢٥٠] ﵁ عن مالك عن سعيد بن المسيب قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع اللحم بالحيوان)، وتابعه البغوي والبيهقي.
стр. 1618
وَكَذَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ مَاكُولٍ وَغَيْرِهِ فِي الأَظْهَرِ
ــ
وروى الحاكم [٢/ ٣٥] عن الحسن عن سمرة ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن تباع الشاة باللحم) وقال: رواته أئمة حفاظ ثقات، وصحح البيهقي إسناده [٥/ ٢٩٦].
وقال المزني: القياس الجواز إن لم يثبت الحديث، ونقله ابن الصلاح في (رحلته) قولًا عن بعض شراح (الوسيط).
قال: (وكذا بغير جنسه من مأكول وغيره في الأظهر)؛ لعموم النهي.
والثاني: لا يحرم.
أما المأكول .. فبالقياس على بيع اللحم باللحم، وأما غيره .. فلأن سبب المنع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه ولم يوجد ذلك.
فروع:
في بيع الشحم والألية والقلب والطحال والكلية والرئة والكبد بالحيوان والسنام بالبقر ولحم السمك بالشاة .. وجهان: أصحهما: البطلان، ويجريان في بيع الحيوان بجلد لم يدبغ، فإن دبغ .. جاز جزمًا، وكذا بيع الحيوان بالعظم، وعلله الروياني بأنه لا ربا في الجلد ولا في العظم.
وجوز الماوردي بيع اللبن بالحيوان، وحكى وجهين في اللحم بالسمك الحي، وجه الجواز: أن حيه كميتته.
ويجوز بيع البيض بالدجاج ولا يجوز بيع دجاجة فيها بيض ببيض في أشهر الطريقين.
تتمة:
يجوز بيع الجوز بالجوز واللوز باللوز في قشره، وتقدم: أن معيارهما الكيل.
ويجوز بيع لب الجوز بلب الجوز ولب اللوز بلب اللوز على الأصح.
стр. 1619
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يجوز بيع العلس بالعلس في قشريه ولا في قشره الأسفل، ولا بيع الأرز بالأرز في قشريه أيضًا، ويجوز في قشرته السفلى.
* ... * ... *
خاتمة
إذا أراد بيع مال ربوي بجنسه بأكثر منه .. فله طرق:
أحدها: توسط عقد آخر، كما إذا أراد شراء دراهم صحاحًا بمكسرة أكثر من وزنها فيبيع الدراهم بدنانير والدنانير بدراهم، أو بعرض آخر، ثم إذا تقابضا وافترقا أو تخايرا .. اشترى بتلك الدراهم أو بذلك العرض المكسرة فيصح شراؤه، كما أمر النبي ﷺ عامل خيبر وهو سويد بن غزية: (أن يبيع الجمع بالدراهم ثم يبتاع بها جَنِيبًا) متفق عليه [خ٧٣٥١ - م١٥٩٣].
و (الجَنِيبُ) و (الجَمْعُ) نوعان من التمر: الأول: جيد، والثاني: رديء.
ولا فرق بين أن يتخذ ذلك عادة أو لا يتخذه عادة، خلافًا لمالك حيث قال: يجوز مرة واحدة، ولا يجوز إذا اتخذه عادة.
الثاني: أن يقترض كل منهما ماله من صاحبه ثم يبرئ كل منهما ذمة الآخر.
الثالث: أن يهب كل منهما من الآخر.
الرابع: أن يبيع الصحاح بزنتها من المكسرة ويهبه صاحبها الفاضل، فيجوز ذلك كله إذا لم يشترط في اقتراضه وبيعه وهبته ما يفعله الآخر لكنه يكره.
* ... * ... *
стр. 1620
بَابٌ
نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَنْ عَسْبِ الْفَحُلِ، وَهُوَ: ضِرَابُهُ، وَيُقَالُ: مَاؤُهُ، وَيُقَالُ: أُجْرَةُ ضِرَابِهِ، فَيَحْرُمُ ثَمَنُ مَائِهِ، وَكَذَا أُجْرَتُهُ فِي الأَصَحِّ
ــ
باب
قال: (نهى رسول الله ﷺ : عن عَسْب الفحل) رواه البخاري [٢٢٨٤] هكذا من رواية ابن عمر ﵄ في (الإجارة)، وهو: بفتح العين وسكون السين المهملتين وبالباء الموحدة.
وجميع الأحاديث التي صدَّر بها الباب كلها في (الصحيحين) أو أحدهما إلا قوله: (وعن بيعتين في بيعة) فرواه الترمذي [١٢٣١] وقال: حسن صحيح.
وعندنا: النهي في العقود يدل على فسادها، إلا إذا تعلق بأمر خارج عن العقد كالنهي عن البيع إذا نودي لصلاة الجمعة في حق من يجب عليه حضورها .. فالمناهي حينئذ تنقسم إلى مفسد وغيره، وكذلك رتبها المصنف.
قال: (وهو: ضرابه) هذا أشهر التفاسير، قال الشاعر [من الوافر]:
ولولا عسبه لرددتموه .... وشر منيحة فحل معار
و (الضراب): النزوان، ولا يتعلق بها نهي، والتقدير: أجرة عسبه كما سيأتي.
قال: (ويقال: ماؤه) فتقديره: ثمن مائه.
قال: (ويقال: أجرة ضرابه) وعلى هذا التفسير: لا يحتاج إلى تقدير.
قال: (فيحرم ثمن مائه)؛ لأنه غير متقوم ولا معلوم.
قال: (وكذا أجرته في الأصح)؛ لأنه غير مقدور عليه للمالك بل يتعلق باختيار الفحل.
والثاني: يجوز كالاستئجار لتلقيح النخل، وبه قال ابن أبي هريرة.
стр. 1621
وَعَنْ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَهُوَ: نِتَاجُ النِّتَاجِ؛ بِأَنْ يَبِيعَ نِتَاجَ النِّتَاجِ. أَوْ بِثَمَنٍ إِلَى نِتَاجِ النِّتَاجِ،
ــ
وأجيب بأن الأجير للتلقيح قادر على تسليم نفسه، وليس له عليه عين حتى لو شرط عليه الكُشُّ الذي يلقحه فسدت الإجارة، وههنا المقصود الماء وصاحب الفحل غير قادر على تسليمه.
وفي (الحاوي): في هذا النهي وجهان: أصحهما: أنه للتحريم، وينبغي أن يكون محلهما إذا فسرناه بالإجارة، أما البيع .. فممتنع قطعًا، وأما الإنزاء من غير بيع ولا إجارة .. فلا منع منه.
وتندب الإعارة لذلك ويجوز أن يعطي صاحب الفحل شيئًا على سبيل الهدية.
قال: (وعن حبل الحبلة) رواه الشيخان [خ٢١٤٣ - م١٥١٤] عن ابن عمر ﵄.
قال: (وهو: نتاج النتاج؛ بأن يبيع نتاج النتاج، أو بثمن إلى نتاج النتاج).
الأول: تفسير أبي عبيد وأبي عبيدة وغيرهما، وبه قال أحمد، وعلة البطلان: كونه معدومًا.
والثاني: تفسير ابن عمر ﵄ راوي الحديث، وإليه ذهب مالك والشافعي، وعلة البطلان فيه: جهالة قدر الأجل.
فائدة:
(حَبَل الحَبَلة) –بفتح الباء_ جمع حابل، كظالم وظلمة، وفاجر وفجرة، وكاتب وكتبة.
(والنتاج) بفتح النون، والمصنف ضبطها بخطه بالكسر في المواضع الثلاثة، يقال: نتجت الناقة على ما لم يسم فاعله تنتج نتاجًا وقد نتجها أهلها. وقال ابن سيده: النتاج: الحمل، فهو موافق لما ضبطه المصنف.
стр. 1622
وَعَنِ الْمَلَاقِيحِ، وَهِيَ: مَا فِي الْبُطُونِ. وَالْمَضَامِينِ، وَهِيَ: مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ. وَالْمُلَامَسَةِ؛ بِأَنْ يَلْمسَ ثَوْبًا مَطْوِيًّا ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ لَهُ إِذَا رَآهُ، أَوْ يَقُولَ: إِذَا لَمَسْتَهُ .. فَقَدْ بِعْتُكَهُ
ــ
وفي لفظ الحديث مجاز من وجهين:
أحدهما: إطلاقه الحبل على البهائم وهو مختص بالآدميات حتى قيل: إنه لا يقال لغيرهن إلا في الحديث.
والثاني: أنه مصدر أريد به اسم المفعول والهاء في (حبلة) للمبالغة.
قال: (وعن الملاقيح، وهي: ما في البطون) أي: من الأجنة، وهي جمع ملقوح، وهو: جنين الناقة، والناقة ملقوحة، ولا يكون إلا في الإبل، قاله أبو عبيد، وفي (الصحاح) نحوه.
قال: (والمضامين، وهي: ما في أصلاب الفحول) والنهي عنهما رواه مالك [٢/ ٦٥٤] مرسلًا، وأسنده البزار من حديث أبي هريرة ﵁، واعتضد المرسل بالإجماع على حكمه.
و (المضامين) جمع مضمون، يقال: ضمن الشيء، بمعنى: تضمنه، ومنه قولهم: مضمون الكتاب كذا وكذا، والذي فسر به المصنف المضامين والملاقيح هو المعروف، وفسرهما مالك وابن شهاب وابن المسيب بالعكس، وإنما نهي عنهما للغرر.
قال: (والملامسة) روى النهي عنها الشيخان [خ٢١٤٤ - م١٥١١] من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄.
قال: (بأن يلمس ثوبًا مطويًا) و (اللمس): الجس باليد، يقال: لمس يلمس بكسر الميم وضمها لغتان مشهورتان حكاهما الجوهري وخاله الفارابي في (ديوان الأدب).
قال: (ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه، أو يقول: إذا لمسته .. فقد بعتكه)؛ لأنه بيع غائب وتعليق.
стр. 1623
وَالْمُنَابَذَةِ؛ بِأَنْ يَجْعَلَا النَّبْذَ بَيْعًا. وَبَيْعِ الْحَصَاةِ؛ بِأَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الأَثْوَابِ مَا تَقَعُ هَذِهِ الْحَصَاةُ عَلَيْهِ، أَوْ يَجْعَلَا الرَّمْيَ بَيْعًا، أَوْ بِعْتُكَ وَلَكَ الْخِيَارُ إِلَى رَمْيهَا. وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ؛ بِأَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ نَقْدًا أَوْ بِأَلْفَيْنِ إِلَى سَنَةٍ، أَوْ بِعْتُكَ ذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تبِيعَنِي دَارَكَ بِكَذَا. وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ،
ــ
قال: (والمنابذة) وهي بذال معجمة مفاعلة من النبذ، والنهي عنها في (الصحيحين) أيضًا.
قال: (بأن يجعلا النبذ بيعًا) هذا تفسير الشافعي ﵁، ووجه البطلان: فقدان الصيغة.
قال: (وبيع الحصاة) رواه مسلم [١٥١٣].
قال: (بأن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما تقع هذه الحصاة عليه، أو يجعلا الرمي بيعًا، أو بعتك ولك الخيار إلى رميها) والجميع فاسد؛ لأنه من بيوع الجاهلية وفيها غرر وجهالة.
قال: (وعن بيعتين في بيعة) رواه النسائي [٧/ ٢٩٥] والترمذي [١٢٣١] عن أبي هريرة ﵁.
قال: (بأن يقول: بعتك بألف نقدًا أو بألفين إلى سنة)؛ لأنه لا يدري أيهما الثمن الذي يختاره ليقع عليه العقد.
قال: (أو بعتك ذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا)، ووجه البطلان: وجود الشرط.
قال: (وعن بيع وشرط) كذا رواه عبد الحق من رواية عمرو بن شعيب.
وروى أبو داوود [٣٤٩٨]: أن النبي ﷺ قال: (لا يحل سلف وبيع ولا شرط في بيع) رواه أحمد [٢/ ١٧٩] والترمذي [١٢٣٤] بلفظ: (ولا شرطان في بيع).
وعن القديم: أن الشرط الفاسد لا يبطل البيع.
стр. 1624
كَبَيْعٍ بِشَرْطِ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ،
ــ
فائدة:
روى الخطابي وغيره عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة عن رجل باع بيعًا وشرطًا؟ فقال: البيع باطل والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته؟ فقال: البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فسألته؟ فقال: البيع جائز والشرط جائز.
فقلت: يا سبحان الله! ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا! حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط) البيع باطل والشرط باطل، فأتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا! حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة وأعتقها وأشترط لهم الولاء) البيع جائز والشرط باطل.
ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا! حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (بعت النبي ﷺ جملًا وشرط لي حملاني إلى المدينة) فالبيع جائز والشرط جائز.
قال: (كبيع بشرط بيع أو قرض)، وكذا إجارة ونكاح، فيبطل البيع الأول, فإذا أتيا بالثاني، فإن كانا يعلمان بطلان الأول .. صح، وإلا .. قال البغوي: يبطل، وقال الإمام وشيخه: يصح، وهو القياس.
стр. 1625
وَلَوِ اشْتَرَى زَرْعًا بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُدَهُ الْبَائِعُ، أَوْ ثَوْبًا وَيَخِطَهُ .. فَالأَصَحُّ: بُطْلَانُهُ، وَتُسْتَثْنَى صُوَرٌ كالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أَوِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْبِ، أَوْ بِشَرْطِ: قَطْعِ الثَّمَرِ وَالأَجَلِ
ــ
قال: (ولو اشترى زرعًا بشرط أن يحصده البائع) هو بكسر الصاد وضمها.
قال: (أو ثوبًا ويخيطه .. فالأصح: بطلانه)؛ لمنافاة الشرط مقتضى العقد.
والثاني: يبطل الشرط، وفي البيع قولا تفريق الصفقة.
والثالث: يتخرج على قولي الجمع بين عقدين مختلفي الحكم، وكان ينبغي للمصنف أن يعبر بالمذهب؛ فإن المسألة ذات طرق.
فرع:
اشترى حطبًا على ظهر بهيمة مطلقًا، فهل يصح العقد ويسلمه إليه في موضعه أو لا يصح حتى يشترط تسليمه في موضعه؟ وجهان: صحح المصنف منهما: الصحة.
قال: (وتستثنى صور) أي: من النهي عن بيع وشرط (كالبيع بشرط الخيار، أو البراءة من العيب، أو بشرط: قطع الثمر) كما سيأتي.
قال: (والأجل)؛ لقوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾، ولابد من احتمال البقاء إليه، فلو أجله بألف سنة .. بطل العقد؛ للعلم بأنه لا يبقى إلى هذه المدة، قاله الروياني، واعترضه المصنف بأنه لا يشترط احتمال بقائه إليه؛ لأنه ينتقل إلى وارثه، لكن التأجيل بألف سنة مما يبعد بقاء الدنيا إليه فالفساد من هذه الجهة.
واعترضه في (المهمات) بأن الكلام ليس هو في مستحق الدين بل فيمن هو عليه، ولهذا قال الرافعي: فيسقط الأجل بموته، والأجل يسقط بموت من هو عليه لا بموت من له، ثم نقل عن صاحب (رفع التمويه): أن أكثر ما تؤجل إليه الأرض خمس مئة سنة.
стр. 1626
وَالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ الْمُعَيَّنَاتِ لِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ وَالإِشْهَادِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الشُّهُودِ فِي الأَصَحِّ،
ــ
قال: (والرهن والكفيل)؛ للحاجة إلى ذلك، ولأنه قد لا يرضى بالمعاملة بدونها، ويغني اشتراط الرهن عن اشتراط القبض، حتى إذا رهن ولم يقبض .. كان له الفسخ؛ نظرًا إلى المعنى.
ويشترط في الرهن: أن يكون غير المبيع، فإن كان نفس المبيع .. أبطل.
قال: (المعينات) أي: بشرط تعين الأجل والرهن والكفيل، وكان ينبغي أن يقول: المعينين؛ تغليبًا للعاقل –وهو الكفيل- على غيره.
وتكفي في الرهن الرؤية أو الوصف بصفات السلم، وفي الكفيل المشاهدة أو المعرفة بالاسم والنسب، ولا يكفي الوصف.
وقيل: لا يشترط تعيين الكفيل، فإذا أطلق .. أقام من شاء.
قال: (لثمن في الذمة)؛ لأن الأعيان لا تؤجل ولا يرهن بها، وفي ضمانها تفصيل يذكر في موضعه، فلو قال: اشتريت بهذه الدراهم على أن أسلمها وقت كذا .. فهو فاسد؛ لأن الأجل شرع رفقًا للتحصيل والمعين حاصل.
ولو قال المصنف: لعوض .. كان أحسن؛ ليشمل المبيع في الذمة، مثل: اشتريت منك صاع بر في ذمتك صفته كذا، فيصح اشتراط الثلاثة فيه.
قال: (والإشهاد)؛ للحاجة إليه، ولا فرق فيه بين الشهادة على الثمن أو المثمن، ولا بين ما في الذمة والمعين؛ لأن لكل منهما غرضًا صحيحًا في الإشهاد على صاحبه مخافة الإنكار.
قال: (ولا يشترط تعيين الشهود في الأصح)؛ لأن المقصود ثبوت الحق وهو ثابت بكل شاهد.
стр. 1627
فَإِنْ لَمْ يَرْهَنْ أَوْ لَمْ يَتَكَفَّلِ الْمُعَيَّنُ .. فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ. وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ إِعْتَاقِهِ .. فَالْمَشْهُورُ: صِحَّةُ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ،
ــ
والثاني: يشترط كما في الرهن والكفيل، ولا يجب في الرهن التعرض لمن يكون تحت يده في الأصح.
ومتى فسد شرط من هذه الشروط المستثناة لفوات أمر مما ذكرناه، فإن كان الأجل والخيار .. فسد البيع بفساده، وإن كان الإشهاد .. فلا، وإن كان الرهن والضمين .. فوجهان: أصحهما: الفساد.
قال: (فإن لم يرهن أو لم يتكفل المعين .. فللبائع الخيار)؛ لفوات شرطه، وكذلك لو رهن ولم يقبض، أو هلك الرهن قبل القبض، أو تعيب، أو وجد به بعد قبضه عيبًا قديمًا .. فله الخيار في البيع.
ولو ادعى الراهن: أن عيبه حدث بعض القبض .. فالقول قوله؛ استدامة للبيع.
ولو هلك بعض القبض، أو تعيب ثم اطلع على عيب قديم .. فالأصح: لا فسخ، ولا يقوم رهن وكفيل آخر مقام العين.
ولو عين شاهدين فامتنعا، فإن قلنا: لابد من تعيين الشاهدين .. فللبائع الخيار.
فرع:
باع عينًا واستثنى منفعتها مدة معلومة .. فالمذهب: بطلان البيع، وبالصحة قال أبو ثور ومحمد بن نصر المروزي وابن المنذر وابن خزيمة وأهل الحديث؛ لحديث جابر ﵁، والجواب عنه صعب.
قال: (ولو باع عبدًا بشرط إعتاقه .. فالمشهور: صحة البيع والشرط)؛ لما روى الشيخان عن بريرة: (أن عائشة ﵂ اشترتها بشرط العتق والولاء لو ينكر النبي ﷺ إلا شرط الولاء)، ولأن استعقاب البيع العتق عهد في شراء القريب فاحتمل شرطه.
والقول الثاني: يصح البيع ويبطل الشرط كسائر الشروط المفسدة.
стр. 1628
وَالأَصَحُّ: أَنَّ لِلْبَائِعِ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِالإِعْتَاقِ،
ــ
والثالث: يبطلان؛ لعموم النهي عن بيع وشرط.
وإذا صححنا الشرط .. فذلك إذا أطلق، أو قال: بشرط أن تعتقه عن نفسك، فإن قال: بشرط أن تعتقه عني .. فهو لاغ.
وصورة المسألة: أن يكون العبد ممن لا يعتق بالشراء، فإن اشترى أباه أو ابنه بشرط إعتاقه .. بطل البيع قطعًا؛ لتعذر الوفاء به.
قال: (والأصح: أن للبائع مطالبة المشتري بالإعتاق)؛ لأنه يثاب على اشتراطه وله غرض في زوال الرق.
والثاني: لا؛ لأنه لا ولاية له على حق الله تعالى، وإذا أعتقه المشتري .. فولاؤه له بكل حال، فإن امتنع من العتق وقلنا: إنه حق لله تعالى .. أجبر عليه بالحبس وغيره.
وقال القاضي والمتولي: إنه كالمولى، فيعتقه القاضي، وهذا هو المشهور، وعلى هذا: لا يسقط بإسقاطه.
وإن قلنا: للبائع .. لم يجبر، بل يخير البائع بين فسخ البيع وإمضائه، وإذا أسقطه .. سقط.
وفي سقوط شرط الرهن والكفيل والأجل بالإسقاط ثلاثة أوجه: أصحها: يسقط الرهن والكفيل دون الأجل.
فروع:
باع عبدًا بشرط أن يبيعه بشرط إعتاقه .. بطل على الأصح.
ولو اشترى عبدًا بشرط أن يعلق عتقه بصفة .. لم يصح البيع في الأصح.
ولو اشترى بعض عبد بشرط إعتاقه .. فظاهر عبارة (الحاوي الصغير) الصحة
стр. 1629
وَأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ مَعَ الْعِتْقِ الْوَلَاءَ لَهُ، أَوْ شَرَطَ تَدْبِيرَهُ أَوْ كِتَابَتَهُ أَوْ إِعْتَاقَهُ بَعْدَ شَهْرٍ .. لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ
ــ
حيث قال: وعتق المبيع، أي: فإنه لا يبطل بشرط عتقه، وصرح صاحب (المعين) اليمني فيه بالبطلان.
وإذا أعتق المشتري هذا العبد عن الكفارة، فإن قلنا: الحق لله تعالى أو للبائع ولم يأذن .. لم يجز، وإن أذن .. أجزأه على الصحيح، ويجوز استخدامه، والوطء والأكساب للمشتري، والقيمة له إذا قتل، ولا يكلف صرفها إلى آخر ليعتقه، ولو باعه لغيره وشرط عليه عتقه .. لم يصح على الأصح، وإذا جنى قبل إعتاقه .. وجب فداؤه كأم الولد، وإذا أولدها .. لم يجزئه عن الإعتاق على الأصح، بل عليه أن يعتقها.
قال: (وأنه لو شرط مع العتق الولاء له، أو شرط تدبيره أو كتابته أو إعتاقه بعد شهر .. لم يصح البيع) وكذا إذا اشترى دارًا بشرط أن يقفها أو ثوبًا بشرط أن يتصدق به.
أما الولاء .. فلأن شرطه يتضمن نقل الملك إلى البائع وارتفاع العقد.
والثاني: يصح البيع ويفسد الشرط؛ لحديث بريرة ﵂.
والثالث: يصح البيع والشرط؛ لظاهر قوله ﷺ : (واشترطي لهم الولاء).
وأجاب الشافعي ﵁ بأن (لهم) هنا بمعنى (عليهم) كما في قوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ أي: فعليها.
وقول المصنف: (مع العتق) احترز به عما إذا أفرد شرط الولاء بأن قال: إذا أعتقته يومًا .. فولاؤه لي، فإنه لا يصح بلا خلاف.
وأما التدبير .. فليست مصلحته ناجزة حتى يلحق بالعتق، وكذلك عتقه بعد شهر، والمكاتبة معاوضة، والوقف وإن كان لله تعالى ففيه حجر.
والوجه الثاني في الأربعة: صحة الشرط؛ إلحاقًا بالعتق.
стр. 1630
وَلَوْ شَرَطَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَقَبْضٍ وَرَدٍّ بِعَيْبٍ، أَوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ كَشَرْطِ أَنْ لَا يَاكُلَ إِلَّا كَذَا .. صَحَّ،
ــ
قال: (ولو شرط مقتضى العقد كقبض وردٍّ بعيب، أو ما لا غرض فيه كشرط أن لا يأكل إلا كذا .. صح) أما شرط ما يقتضيه العقد .. فلأن اشتراطه تأكيد وتنبيه على ما أوجبه الشارع عليه، وأما ما لا غرض فيه .. فلأن ذكره لا يورث تنازعًا في الغالب.
وقوله: (صح) أي: العقد، أما الشرط .. فلا يجب القيام به، بل ذكره لاغ كما إذا باعه عبدًا بشرط أن لا يأكل إلا الهريسة –مثلًا- أو لا يلبس إلا الحرير.
وأفاد في (المهمات): أن الشافعي ﵁ نص على البطلان في هذه الصورة، لا جرم اختار ابن الأستاذ وابن الصلاح وابن الرفعة أن يقرأ: (لا تأكل إلا كذا) بالتاء ثالثة الحروف خطابًا للمشتري؛ فإنه حينئذ لا غرض فيه البتة، وأما إذا قرئ بالياء آخر الحروف .. فقد ينازع في عدم الغرض ويتخيل فيه الإفساد، لأنه نفع للعبد فأشبه شرط إعتاقه، وهذا ظاهر إذا كان المشروط ينفع العبد، فإن كان لا ينفعه كشرط أكل الخبز البحت أو الشعير .. فلا يظهر، والمسألة أعمُّ من ذلك.
فرع:
شرط أن لا يسلم المبيع حتى يقبض الثمن، فإن كان مؤجلًا .. بطل البيع، وإن كان حالًّا .. بُني على أن البداءة في التسليم بمن؟ إن قلنا: بالمشتري .. صح البيع، وإلا .. فسد؛ للمنافاة.
فرع:
باع إناء بشرط أن لا يجعل فيه شيئًا محرمًا، أو سيفًا بشرط أن لا يقطع به الطريق، أو عبدًا بشرط أن لا يعاقبه بما لا يجوز .. صح البيع، قاله البغوي، ويقاس به ما يشابهه.
стр. 1631
وَلَوْ شَرَطَ وَصْفًا يُقْصَدُ؛ كَكَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا، أَوِ الدَّابَّةِ حَامِلًا أَوْ لَبُونًا .. صَحَّ، وَلَهُ الْخِيَارُ إِنْ أَخْلَفَ، وَفِي قَوْلٍ: يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي الدَّابَّةِ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَهَا وَحَمْلَهَا .. بَطَلَ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال: (ولو شرط وصفًا يقصد، ككون العبد كاتبًا، أو الدابة حاملًا أو لبونًا .. صح)؛ لأنه شرط تعلق بمصلحة العقد، ولا يقتضي إنشاء أمر مستقبل، فلم يدخل في النهي عن بيع وشرط، وإنما هو التزام أمر موجود عند العقد سميناه شرطًا.
وكذلك إذا اشترط أن الأمة حاملًا فيها القولان كالدابة، وهما مبنيان على أن الحمل يعلم، إن قلنا: نعم .. صح، وإلا .. فلا.
واحترز بـ (الوصف المقصود) عما لا يقصد كالزنا والسرقة ونحوهما؛ فإنه لا خيار بفواتهما.
ولو شرط ثيوبتها فخرجت بكرًا .. فالأصح: لا خيار خلافًا لصاحب (الحاوي الصغير).
ولو اشتراه على أنه خصي فبان فحلًا .. كان له الرد.
قال الأصحاب: يكفي أن يوجد في الصفة ما ينطلق عليه الاسم لا النهاية فيها.
نعم؛ لو شرط حسن الخط وكان خطه غير حسن في العرف .. فله الخيار.
و (اللبون): ذات اللبن، فإذا شرط ذلك وكان لها لبن وإن قل .. صح ولا خيار، وهذا الخيار على الفور وكيفيته كما ذكر في (الرد بالعيب).
قال: (وله الخيار إن أخلف)؛ لفوات شرطه.
قال: (وفي قول: يبطل العقد في الدابة)؛ لأنه شرط معها شيئًا مجهولًا فأشبه ما إذا قال: بعتكها وحملها.
وأجاب الأولون: بأن المقصود الوصف به لا إدخاله في العقد، وإلى هذا الجواب أشار المصنف بقوله: (ولو شرط وصفًا يقصد).
قال: (ولو قال: بعتكها وحملها .. بطل في الأصح)؛ لأن ما لا يجوز بيعه
стр. 1632
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحَمْلِ وَحْدَهُ، وَلَا الْحَامِلِ دُونَهُ، وَلَا الْحَامِلِ بِحُرٍّ
ــ
وحده لا يجوز بيعه مقصودًا مع غيره.
والثاني: يصح، ونقله في (البيان) عن الأكثرين؛ لأنه يدخل عند الإطلاق، فلا يضر التنصيص عليه كما لو قال: بعتك الجدار وأساسه.
ولو قال: بعتك الجبة وحشوها .. فقيل: على الخلاف، وقيل: يصح قطعًا، وصحح المصنف هذه الطريقة في (شرح المهذب)؛ لأن الحشو داخل في مسمى الجبة فذكره تأكيدًا.
قال الشيخ: واستقر رأيي على الفرق بين (الواو) و (الباء) فمع (الواو) يبطل مثل: وحملها وحشوها وأساسها، ومع (الباء) يصح مثل: بحملها وبحشوها وبأساسها، واللغة تقتضيه، وكلام الشافعي والأصحاب لا يخالفه إلا في الأساس، فلعل قائله لم يحرر العبارة.
وقال في (المهمات): الصحة في (مع) و (الباء) أظهر منها في (الواو)، ولأنهما للحال، أي: كائنة بحملها، أو مع حملها، فهو وصف محض، بخلاف (الواو)؛ فإنها ظاهرة في التغاير.
قال: (ولا يصح بيع الحمل وحده)؛ للجهالة، سواء بيع من مالك الأم أم من غيره، وهذه المسألة تقدمت في أول الباب، لكنه ذكرها هنا توطئة لما بعدها.
قال: (ولا الحامل دونه)؛ لأن الحمل لا يجوز إفراده بالعقد فلا يستثنى كأعضاء الحيوان.
وفي (النهاية) وجه: أنه يصح كما لو باع شجرة واستثنى الثمرة قبل بدو الصلاح.
وجوابه: أن الثمرة يجوز إفرادها بالعقد.
قال: (ولا الحامل بحر)؛ إلحاقًا للاستثناء الشرعي بالاستثناء الحسي، ولو
стр. 1633
وَلَوْ بَاعَ حَامِلًا مُطْلَقًا .. دَخَلَ الْحَمْلُ فِي الْبَيْعِ.
فَصْلٌ:
وَمِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَا لَا يُبْطَلُ؛
ــ
وكل صاحب الحمل صاحب الأم فباعهما دفعة .. لم يصح.
قال: (ولو باع حاملًا مطلقًا .. دخل الحمل في البيع)؛ تبعًا لها، وفي كلام الشافعي ﵁: أن هذا مجمع عليه.
ومحل الجزم بدخوله؛ إذا كان مملوكًا لمالك الأم، فإن لم يكن كذلك .. بطل البيع.
كل هذا إذا بيعت باختيار المالك، فلو وهبها، أو رجعت بفسخ، أو بيعت في حق المرتهن بغير اختياره .. ففي دخوله قولان: الجديد في الهبة: عدم الدخول.
تتمة:
كلام المصنف على إطلاقه، ونقل الإمام في أواخر (النهاية) عن النص: أنه لو باعها وقد وضعت أحد توأمين عنده ثم وضعت الآخر عند المشتري .. أنه يكون للبائع؛ لأنه حمل واحد.
قال الإمام: والقياس: أنه للمشتري؛ لانفصاله في ملكه، وبهذا جزم الرافعي والمصنف في (باب الكتابة).
وقال المتولي في (باب بيع الأصول والثمار): إنه ظاهر المذهب، فمن استثنى هذه الصورة من إطلاق الكتاب .. فقد وهم.
قال: (فصل:
ومن المنهي عنه ما لا يُبطَل) أشار إلى أن البيع المنهي عنه منه ما يكون النهي مبطلًا له وهو ما سبق، ومنه ما لا يبطله، وذلك حيث اقترن بالبيع شيء علمنا أن النهي يعود
стр. 1634
لِرُجُوعِهِ إِلَى مَعْنَىً يَقْتَرِنُ بِهِ، كَبَيْعِ حَاضِرٍ لِبَادٍ؛ بِأَنْ يَقْدَمَ غَرِيبٌ بِمَتَاعٍ تَعُمُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِيَبِيعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ فَيَقُولُ بَلَدِيٌّ: اتْرُكْهُ عِنْدِي لِأَبِيعَهُ عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَغْلَى
ــ
إليه، كالأمثلة التي ذكرها المصنف.
قال الشيخ: وقوله: (يُبطَل) ضبط بضم الياء، وعلى هذا تكون الطاء مفتوحة والضمير في رجوعه يعود إلى النهي، ولو قرئ بفتح الياء وضم الطاء .. صح، والضمير بحاله.
وأما ضم الياء وكسر الطاء .. فإنما يصح لو قال: ومن المناهي، لكنه أحسن؛ ليندرج فيه ما لا يوصف بالبطلان ولا بعدمه، كتلقي الركبان وشبهه مما هو مذكور في الفصل.
قال: (لرجوعه إلى معنىً يقترن به) هذا هو القسم الثاني من المناهي، وسبب عدم الإبطال فيه: كون النهي ليس للمبيع بخصوصه بل لأمر آخر، كالبيع حال النداء يوم الجمعة.
قال: (كبيع حاضر لباد)؛ ففي (الصحيحين) [خ٢١٤٠ - م١٥٢٢]: (لا يبع حاضر لباد)، زاد مسلم: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض). واتفقوا على تحريمه عند وجود الشروط الستة الآتية، والمعنى فيه: ما يتضمنه من التضييق على الناس.
و (البادي): الخارج إلى البادية والنازل فيها، قال تعالى: ﴿يودوا لو أنهم بادون في الأعراب﴾ أي: نازلون.
وروى البيهقي [١٠/ ١٠١]: أن النبي ﷺ قال: (من بدا .. جفا، ومن اتبع الصيد .. غفل، ومن اقترب من أبواب الملوك .. افتتن، وما ازداد رجل من سلطان قربًا .. إلا ازداد من الله بعدًا).
قال: (بأن يقدم غريب بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول بلدي: اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى) التعبير بالغريب جرى على الغالب، كالبادي في لفظ الحديث، وإنما المراد: إنسان كائنًا من كان، وكان الأحسن أن يقول: بأن يقدم شخص؛ لئلا يتوهم أن الغربة قيد.
стр. 1635
وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ؛ بِأَنْ يَتَلقَّى طَائِفَةً يَحْمِلُونَ مَتَاعًا إِلَى الْبَلَدِ، فَيَشْتَرِيَهُ قَبْلَ قُدُومِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِالسِّعْرِ،
ــ
فأحد الشروط: حاجة الناس إليه، ولم يتعرض لعمومها إلا القاضي والبغوي والرافعي، وهو يحتاج إلى دليل، والذي ذكره غيرهم احتياج الناس إليه.
والشرط الثاني: قصد البيع بسعر يومه، فلو قصد صاحبه الإقامة ليبيعه فسأله القروي تفويض ذلك إليه .. فلا بأس.
والثالث: سؤال البلدي له، فلو ابتدأه البدوي .. لم يحرم، ولو استرشده .. فهل يرشده إلى الادخار؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق وغيره: يجب الإرشاد إليه نصحًا.
وقال ابن الوكيل: لا يرشده إليه توسعًا على الناس.
والرابع: أن يتربص بها، فلو سأله بيعها بسعر يومها .. لم يحرم، قاله الروياني، وهذه الشروط في كلام المصنف.
والخامس: أن تظهر ببيع ذلك المتاع سعة في البلد، فإن لم تظهر لقلته أو لكبر البلد أو لعموم وجوده ورخص السعر .. فوجهان: أوفقهما للحديث: التحريم.
والسادس: أن يكون عالمًا بالنهي، وكذا سائر المناهي كما سيأتي في (النجش)، ثم الإثم على البلدي دون البدوي.
قال: (وتلقي الركبان؛ بأن يتلقى طائفة يحملون متاعًا إلى البلد، فيشتريه قبل قدومهم ومعرفتهم بالسعر) روى الشيخان [خ٢١٥٠ - م١٥١٥/ ١١] عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (لا تلقوا الركبان للبيع).
وفي رواية للبخاري [٢١٦٥]: (لا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق) ولا خلاف في تحريمه إذا علم النهي وقصد التلقي، فلو خرج لشغل فرآهم فاشترى منهم .. فوجهان: الأصح: يعصي؛ لشمول المعنى، وكذلك لو قصد التلقي لغرض آخر فاشترى.
стр. 1636
وَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا عَرَفُوا الْغَبْنَ. وَالسَّوْمِ عَلَى سَوْمِ غَيْرِهِ،
ــ
واحترز بقوله: (فيشتريه) عما إذا باعهم ما يريدون شراءه من البلد، والأصح: جواز ذلك.
ولو اشترى بعد قدومهم .. لم يحرم وإن جهلوا السعر؛ لتقصيرهم.
ولو اشترى منهم قبل قدومهم بأكثر من سعره .. حرم أيضًا سواء أخبرهم بالسعر كاذبًا أم لا، فلا حاجة حينئذ لقوله: (ومعرفتهم بالسعر).
و (الطائفة من الشيء): القطعة منه، ولفظها يذكر ويؤنث، ويطلق على الواحد، ولذلك لو تلقى واحدًا .. كان الحكم كذلك.
و (الركبان) –جمع راكب- والمراد هنا: القادمون من السفر وإن كانوا مشاة، ولو تلقى الجالبين إلى الحلة والبادية .. كان الحكم كذلك.
وقوله: (متاعًا) كذا عبر به الرافعي في كتبه، وعبر في (الروضة): بطعام، وليس بجيد؛ لأنه يوهم خلاف الصواب.
قال: (ولهم الخيار إذا عرفوا الغبن)؛ لقوله ﷺ : (فمن تلقاها فاشترى منهم .. فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق).
فلو اشترى منهم بسعر البلد .. فلا خيار في الأصح.
ولو غبنهم ولكن لم يقدموا حتى رخص السعر وصار كما لو باعوه .. ففي ثبوت الخيار لهم وجهان: والأصح: أن الخيار على الفور، وقيل: يمتد ثلاثة أيام من حين العلم.
و (الغبن) بإسكان الباء: في البيع والشراء، وبفتحها: ضعف الرأي.
قال: (والسوم على سوم غيره)؛ لما في (الصحيحين) [خ٢٧٢٧ - م١٤٠٨/ ٣٨] عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (لا يسوم الرجل على سوم أخيه) والمعنى فيه: أنه يؤدي إلى القطيعة والأذى، ولهذا شرط ابن خيران:
стр. 1637
وَإِنَّمَا يَحْرُمُ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ. وَالْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ غَيْرِهِ قَبْلَ لُزُومِهِ؛ بِأَنْ يَامُرَ الْمُشْتَرِيَ بِالْفَسْخِ لِيَبِيعَهُ مِثْلَهُ
ــ
أن يكون الأول مسلمًا، وحمل الجمهور الحديث على أنه خرج مخرج الغالب، وصور الأصحاب المسألة بصورتين:
إحداهما: أن يجئ رجل إلى آخر قد أنعم لغيره ببيع سلعة بثمن فيزيده ليبيع منه.
الثانية: أن يأتي إلى المشتري فيعرض عليه مثلها أو أجود منها بأنقص من ذلك الثمن.
قال: (وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن) فلو كان يطاف به على من يزيد .. فلا منع من الزيادة؛ لأنه في هذه الحالةلم يقصد رجلًا بعينه، ولأن النبي ﷺ باع قدحًا وحلسًا فيمن يزيد، رواه الأربعة من حديث أنس ﵁.
وشرط الاستقرار: أن يكون بصريح اللفظ فلا يكفي التعريض على الأصح، فلو قال: أشاور عليك .. قال ابن الرفعة: كان كالتعريض.
والسكوت لا إشعار له بالرضا فلا يكفي قطعًا، وإن كان في الخطبة .. فيه خلاف عن المراوزة.
والفرق: أن النكاح مما يستحيى من سرعة الإجابة إليه فأقيم السكوت فيه مقام التصريح على قول بخلاف البيع.
قال: (والبيع على بيع غيره)؛ لقوله ﷺ : (لا يبع بعضكم على بيع بعض) متفق عليه.
والمعنى فيه ما تقدم من الأذى والقطيعة.
قال: (قبل لزومه) بأن يكون في حالة خيار المجلس أو الشرط؛ لأنه متمكن في هذه الحالة من الفسخ، أما بعد اللزوم .. فلا فائدة فيه.
قال: (بأن يأمر المشتري بالفسخ ليبيعه مثله)؛ لحصول الضرر بذلك، واشتراط
стр. 1638
وَالشِّرَاءِ عَلَى الشِّرَاءِ؛ بِأَنْ يَامُرَ الْبَائِعَ بِالْفَسْخِ لِيَشْتَرِيَهُ. وَالنَّجَشِ؛
ــ
الأمر بالفسخ في هذه الصورة والتي بعدها ذكره الرافعي والمصنف، ولعله على سبيل المثال، فقد ذكر الماوردي: أنه يحرم طلب السلعة من المشتري بزيادة ربح والبائع حاضر؛ لأنه يؤدي إلى الفسخ أو الندم.
ونص الشافعي ﵁ في (اختلاف الحديث) على قريب من ذلك، لكن يشترط للتحريم: أن لا يأذن البائع في البيع، فإن أذن .. ارتفع على الصحيح.
وشرط ابن كج أيضًا: أن لا يكون المشتري مغبونًا غبنًا مفرطًا، فإن كان .. فله أن يعرفه ويبيع على بيعه؛ لأنه ضرب من النصيحة، كذا نقله عن الرافعي وأقره.
وقال المصنف: إنه انفراد به وأن المختار عدم اشتراطه؛ لأن ظاهر الحديث يخالفه.
قال: (والشراء على الشراء؛ بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه)؛ لأنه في معنى البيع على البيع، وفي (صحيح مسلم) [١٤١٤]: (لا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه)، والبيع يطلق على الشراء، ولابد أيضًا من كونه قبل اللزوم.
قال: (والنجش)؛ لقوله ﷺ : (لا تناجشوا) رواه الشيخان [خ٢١٤٠ - م١٤١٣/ ٥٢] عن ابن عمر ﵄.
والناجش قد يكون البائع وقد يكون أجنبيًا يقصد ضرر المشتري أو نفع البائع.
قال الشافعي ﵁: فمن نجش .. فهو عاص إن كان عالمًا بنهي النبي ﷺ ، فلم يشترط الشافعي ﵁ العلم بالنهي الخاص إلا فيه وفي البيع على البيع.
والتحقيق: أن ما اشتهر تحريمه لا يحتاج فيه إلى معرفة النهي الخاص، والخفي لابد فيه من العلم بالنهي.
و (النجش) مشتق من نجش الشيء .. إذا أثاره، سمي الناجش بذلك؛ لأنه يثير الرغبات فيه.
стр. 1639
بِأَنْ يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ لَا لِرَغْبَةٍ بَلْ لِيَخْدَعَ غَيْرَهُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا خِيَارَ. وَبَيْعِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ لِعَاصِرِ الْخَمْرِ
ــ
قال: (بأن يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره) سواء كان في النداء أم لا، سواء زاد عن ثمن المثل أم لا.
وقال صاحب (الأحوذي): إذا لم تبلغ السلعة قيمتها .. لا يكون نجشًا، وينبغي إذا كانت السلعة ليتيم ولم تبلغ قيمتها وهناك عارف لا غرض له في شرائها .. لا تحرم عليه الزيادة إلى أن تبلغ قيمتها.
قال: (والأصح: أنه لا خيار)؛ لأن المشتري فرط بترك التأمل وعدم مراجعة أهل الخبرة.
والثاني: له الخيار للتدليس كالتصرية، هذا إذا كان بمواطأة البائع، فإن لم يكن للبائع فيه صنع .. فلا خيار جزمًا؛ إذ لا خداع منه.
وقول البائع: أعطيت فيه كذا، وهو كاذب، فاشتراه منه المقول له على ذلك، ثم تبين كذبه .. على الوجهين.
ولو أخبره عارف: أن الفص عقيق أو فيروزج فاشتراه ثم بان أنه زجاج، فإن كان بمواطأة البائع .. فعلى الوجهين، وإلا .. فلا جزمًا.
قال: (وبيع الرطب والعنب لعاصر الخمر) هو بالكسر معطوف على قوله في أول الفصل: (كبيع حاضر لباد)، ودليل هذا النهي: ما روى ابن حبان في (ضعفائه) [١/ ٢٣٦] عن بريدة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (من حبس العنب زمن القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يعلم أنه يتخذه خمرًا فقد أقدم على النار على بصيرة).
وروى أبو داوود [٣٦٦٦] عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ لعن بائع الخمرة ومبتاعها).
стр. 1640
وَيَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الأُمِّ وَالْوَلَدِ
ــ
دل على: أن السبب في المعصية حرام، ولا خلاف عندنا في صحة البيع؛ لأن النهي لأمر خارج عن المعقود عليه.
ويشكل عليه: بيع السلاح للحربي.
وإن لم يتحقق .. لم يحرم، بل يكره، وإن ظنه ظنًا غالبًا .. حرم على الأصح.
والثاني: لا يحرم، وعليه الأكثرون، ونص عليه في (الأم)، وألحق في (الرونق) بذلك: بيع التمر والزبيب ممن يتخذها خمرًا، وبيع الحبوب ممن يتخذها مزرًا، وألحق بها الغزالي: بيع الغلمان ممن عرف بالفاحشة، وكذلك بيع الخشب ممن يتخذها آلة محرمة، وما في معنى ذلك.
قال: (ويحرم التفريق بين الأم والولد)؛ لما روى الترمذي [١٢٨٣] والحاكم [٢/ ٥٥] عن أبي أيوب ﵁: أن النبي ﷺ قال: (من فرق بين والدة وولدها .. فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة).
ولا فرق بين أن يفرق ببيع أو هبة أو قسمة، ولا بين أن يقرضه أو يجعله أجرة ونحو ذلك، وأفتى الغزالي بأنه يمتنع التفريق بالمسافرة أيضًا؛ لعموم الحديث، وطرده في التفريق بين الزوجة وولدها وإن كانت حرة، بخلاف المطلقة؛ لإمكان صحبة الزوجة.
ولو كان له ولد من أمته فأراد انتزاعه منها وإعطاءه لمرضعة غيرها .. فالأصح المنع، وعلله الرافعي قبيل (الجنايات) بتحريم التفريق، لكن يجوز التفريق بالعتق والوصية على الأصح فيهما.
وأما التفريق بالفسخ، فإن كان بالرد بالعيب أو بالرجوع في الفلس أو بالفراق قبل
стр. 1641
حَتَّى يُمَيِّزَ، وَفِي قَوْلٍ: حَتَّى يَبْلُغَ،
ــ
الدخول .. لم يجز على الأصح، وإن كان برجوع المقرض أو الواهب أو صاحب اللقطة .. ففيه نظر.
وأم الأم عند عدم الأم كالأم، وقيده الماوردي بما إذا كان لها حق الحضانة، ولو بيع مع الجدة مع وجود الأم .. حرم على الصحيح، ولا خلاف أنه يباع مع الأم دون الجدة، ولا يتعدى الحكم إلى غير الأصول من الأقارب.
وإذا كانت الأم رقيقة والولد حرًا أو عكسه .. فلا منع من بيع المملوك قطعًا، ولو كانت الأم لواحد والولد لآخر .. جاز لكل منهما بيع ما في ملكه، والأب كالأم على الأظهر؛ لقوله ﷺ : (ملعون من فرق بين والد وولده) رواه أبو داوود [٢٦٨٩].
فلو رضيت الأم بالتفريق .. فالأصح: الامتناع أيضًا.
قال: (حتى يميز) فيستغنى عن الحضانة؛ لأنه حينئذ يفهم الخطاب ويرد الجواب، سواء حصل قبل سبع سنين أو بعدها.
وحكم الولد المجنون في ذلك حكم غير المميز، فيمتنع التفريق فيه إلى أن يُفيق.
قال: (وفي قول: حتى يبلغ)؛ لما روى الحاكم [٢/ ٥٥] عن حديث عبادة بن الصامت ﵁ –وقال: صحيح الإسناد- أن النبي ﷺ قال: (لا يفرق بين الأم وولدها)، قيل: إلى متى؟ قال: (حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية)، ولأنه قبل البلوغ ناقص التمييز، ولهذا جاز التقاطه مالم يبلغ.
وأجاب الأولون عن الحديث بأن الدارقطني ضعفه.
وأما بعد البلوغ .. فلا يحرم جزمًا، خلافًا لأحمد، لكن عندنا يكره.
стр. 1642
وَإِذَا فَرَّقَ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ .. بَطَلَا فِي الأَظْهَرِ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَرَبُونِ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ وَيُعْطِيَهُ دَرَاهِمَ لِتَكُونَ مِنَ الثَّمَنِ إِنْ رَضِيَ السِّلْعَةَ، وَإِلَّا .. فَهِبَةً.
ــ
قال: (وإذا فرق ببيع أو هبة .. بطلا في الأظهر)؛ لعدم القدرة على التسليم شرعًا.
وروى أبو داوود [٢٦٨٩] والحاكم [٢/ ٥٥] والبيهقي [٩/ ١٢٦] من حديث ميمون بن أبي شبيب عن علي ﵁: (أنه فرق بين جارية وولدها، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك ورد البيع).
والثاني –وهو القديم-: يصح؛ لأن التحريم للإضرار لا لخلل في العقد.
وقوله: (بطلا) بعد العطف بـ (أو) معترض كما تقدم غير مرة.
وإذا قلنا: بالصحة لا يقرهما على التفريق، بل إن رضي المتبايعان بضم أحدهما إلى الآخر .. استمر العقد، وإلا .. فسخ.
فرع:
يجوز التفريق بين البهيمة وولدها بعد استغنائه عن اللبن، لكن يكره لا لغرض صحيح، وفيه وجه: أنه لا يجوز، وهو مخصوص بالتفرقة بغير الذبح، أما به .. فيجوز قطعًا، قاله المصنف.
قال الشيخ: المراد: ذبح الولد، أما ذبح الأم مع بقاء الولد .. فيظهر أنه كغير الذبح.
قال: (ولا يصح بيع العربون؛ بأن يشتري ويعطيه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة، وإلا .. فهبة)؛ لما روى مالك [٢/ ٦٠٩] وأبو داوود [٣٤٩٦] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع العربان)، ولأنه اشتمل على شرطين فاسدين: أحدهما: شرط الهبة. والثاني: شرط الرد على تقدير أن لا يرضى.
وصورة المسألة: أن يقع الشرط في صلب العقد، فإن اتفقا عليه قبل ذلك ولم يتلفظا به .. فالبيع صحيح.
стр. 1643
فَصْلٌ:
بَاعَ خَلًّا وَخَمْرًا، أَوْ عَبْدَهُ وَحُرًّا، أَوْ وعَبْدَ غَيْرهِ، أَوْ مُشْتَرَكًا بِغَيْرِ إِذْنِ الآخَرِ .. صَحَّ فِي مِلْكِهِ فِي الأَظْهَرِ،
ــ
و (العربون) أعجمي معرب، وفيه ست لغات: أفصحهن: فتح العين والراء، وضم العين وإسكان الراء، وعُرْبان بالضم والإسكان أيضًا، وإبدال العين همزة مع الثلاثة.
ومن لحن العوام (عَرْبون) بفتح العين وإسكان الراء.
تتمة:
يحرم الاحتكار والتسعير على الأصح فيهما.
فـ (الاحتكار): أن يشتري القوت وقت الغلاء ليبيعه فيه بأزيد مما اشتراه به، ولا بأس أن يشتري به وقت رخصه ليبيعه وقت الغلاء، ولا أن يمسك غلة ضيعته ليبيعها وقت الغلاء، لكن الأولى أن يبيع ما فضل عن كفايته، فإن كان بالناس ضرورة وعنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله سنة .. وجب عليه بيع الفضل، فإن لم يفعل .. أجبر عليه.
و (التسعير): بأن يأمر الإمام أو نائبه أهل السوق أن لا يبيعوا بضائعهم إلا بكذا.
وقيل: يكره ذلك.
وقيل: يجوز بزمن الغلاء دون الرخص، ويلحق بالأقوات علف الدواب في الأظهر وإذا سعر فخالف وباع .. عزر، وفي صحة البيع وجهان، حكاهما المتولي.
قال المصنف: قلت: الأصح: صحة البيع.
وإنما لم يذكر المصنف تحريم الاحتكار والتسعير؛ لأن كلامه في العقد المنهي عنه، والنهي فيهما ليس راجعًا إلى العقد.
قال: (فصل:
باع خلًا وخمرًا، أو عبده وحرًا، أو وعبد غيره، أو مشتركًا بغير إذن الآخر .. صح في ملكه في الأظهر) ضمن المصنف هذا الفصل حكم تفريق الصفقة، وهي اسم
стр. 1644
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للعقد، وتفريقها على ثلاثة أقسام:
الأول: في الابتداء، ومنه الأمثلة التي ذكرها المصنف.
والثاني: في الدوام، كما إذا تلف أحد العبدين قبل القبض.
والثالث: في اختلاف الأحكام، كالجمع بين البيع والإجارة.
فابتدأ بالتفريق في الابتداء، فإذا باع ما يملكه وما لا يملكه .. صح في ملكه في الأظهر؛ قصرًا للفساد على الفاسد، وهذا هو العدل، كمن باع شقصًا وسيفًا تثبت الشفعة في الشقص إفرادًا لكل واحد بحكمه، وإلى هذا ذهب المزني.
والثاني: يبطل فيهما، والأصح في تعليله: أن اللفظة الواحدة جمعت حرامًا وحلالًا فغلب الحرام، وهذا القول صححه الربيع وقال: إنه آخر قولي الشافعي.
وقال في (المهمات): إنه المعتمد المفتى به، وإن الذي صححه الشيخان من الصحة خلاف مذهب الشافعي.
وصورة المسألة: أن يقول: بعتك هذين الخلين أو العبدين أو هذين، فلو قال: بعتك هذا الخل والخمر أو العبد والحر .. بطل جزمًا، واختار الشيخ أنه لا فرق.
تنبيهات:
أحدها: أقرب صور الكتاب إلى الصحة الأخيرة، إذا قيل: يصح فيها قطعًا، ثم التي قبلها، ثم التي قبلها، وأبعدها الأولى: لأن الخمر لا تقوم إلا بتقدير تغيير في خلقها.
وقيل: لا يصح في الأوليين قطعًا، ولهذا رتبها المصنف كذلك.
الثاني: خلاف تفريق الصفقة يجري في كثير من أبواب البياعات والإجارات والأنكحة والشهادات، وغيرها مما ليس مبنيًا على السراية والتعليق، فأما ما كان مبنيًا
стр. 1645
فَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي إِنْ جَهِلَ، فَإِنْ أَجَازَ .. فَبِحِصَّتِهِ مِنَ الْمُسَمَّى بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِمَا،
ــ
على ذلك كالطلاق والعتق .. فيصح بلا خلاف، فلو طلق امرأته أربعًا أو أعتقها هي وأجنبية .. نفذ في الذي يملكه بالإجماع.
الثالث: يستثنى ما إذا أجر الراهن العين المرهونة مدة تزيد على محل الدين.
وإذا استعار شيئًا ليرهنه بدين فزاد عليه .. فالأصح فيهما: البطلان في الجميع.
وإذا فاضل في الربويات، أو زاد في خيار الشرط على ثلاثة أيام، أو في العريا على القدر الجائز .. بطل في الجميع جزمًا.
وإذا أوصى من لا وارث له بأكثر من الثلث .. صحت في الثلث من غير تخريج على الخلاف.
قال: (فيتخير المشتري إن جهل)؛ لتبعيض الصفقة عليه، وهذا الخيار على الفور؛ لأنه خيار نقص، قاله ابن الرفعة.
واحترز عما إذا كان عالمًا؛ فإنه لا خيار له، وفيما يلزمه القولان الآتيان، وقيل: يجب الجمع قطعًا.
قال: (فإن أجاز .. فبحصته من المسمى باعتبار قيمتهما)؛ لأنه جعل الثمن في مقابلتهما فيقدر الحر عبدًا قطعًا، والخنزير شاة على الأصح، والخمر خلًّا كما صححه في زوائد (الروضة)، وقيل: عصيرًا، وهو الأشهر في (شرح المهذب).
فإن كان المملوك يساوي مئة والآخر يساوي مئتين .. فالمجموع ثلاث مئة، حصة المملوك منها الثلث، فيؤخذ ثلث المسمى في العقد، فإن كان اشتراهما بمئة وخمسين .. أوجبنا خمسين، وإن اشتراهما بست مئة .. أوجبنا مئتين.
وأشار بقوله: (باعتبار قيمتهما) إلى أن المسألة مفروضة فيما إذا كان الذي لا يصح فيه العقد له قيمة عند بعض الناس؛ بأن يكون مقصودًا كالخمر، فإن لم يكن مقصودًا كالدم والحشرات .. كانت الإجازة بالجميع.
стр. 1646
وَفِي قَوْلٍ: بِجَمِيِعِهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ. وَلَوْ بَاعَ عَبْدَيْهِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ .. لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الآخَرِ عَلَى الْمذْهَبِ، بَلْ يَتَخَيَّرُ
ــ
قال: (وفي قول: بجميعه)؛ لأنه لغا ذكر المضموم فيقع في مقابلة الصحيح.
وفي قول ثالث: إن كان المبيع مما يتقسط الثمن على أجزائه كالمشترك .. وجب القسط، وإن تقسط على قيمته كالعبدين .. وجب المسمى.
وفي رابع: إن كان الآخر له قيمة كعبد الغير .. وجب القسط، وإن لم يكن كالخمر .. وجب المسمى؛ لعدم إمكان التوزيع.
تنبيه:
أطلق المصنف الخلاف، ومحله في غير الربوي، أما الربوي، فإذا خرج بعض أحد العوضين فيه مستحقًا وصححنا العقد في الباقي .. فالواجب حصته بلا خلاف؛ لأن الفضل بينهما حرام.
قال: (ولا خيار للبائع)؛ لتفريطه حيث باع ما لا يملك وطمع في استحقاق ما لا يستحق، وقيل: يثبت له الخيار إذا أوجبنا القسط.
قال: (ولو باع عبديه فتلف أحدهما قبل قبضه .. لم ينفسخ في الآخر على المذهب) هذا هو القسم الثاني من تفريق الصفقة وهو تفريقها في الدوام، وإنما لم ينفسخ العقد في الثاني؛ لأنه لم يجمع بين حلال وحرام.
والطريق الثاني: يتخرج على القولين فيما إذا باع ما يملكه وما لا يملكه؛ تنزيلًا للطارئ قبل القبض منزلة المقارن للعقد كما سوينا بينهما في الرد بالعيب.
قال: (بل يتخير) كما في الابتداء؛ لفوات مقصوده، وهذا راجع إلى الصور الثلاث.
هذا إذا كان الآخر في يد البائع أو يد المشتري باقيًا، فإن كان في يده تالفًا ..
стр. 1647
فَإِنْ أَجازَ .. فَبِالْحِصَّةِ قَطْعًا. وَلَوْ جَمَعَ فِي صَفْقَةٍ مْخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ كَإِجَارَةٍ وَبَيْعٍ أَوْ سَلَمٍ .. صَحَّا فِي الأَظْهَرِ، وَيُوَزَّعُ الْمُسَمَّى عَلَى قِيمَتِهِمَا،
ــ
فالأصح في (تعليق القاضي): أنه لا خيار له.
فعلى هذا: عليه حصته من الثمن.
والثاني: له الفسخ ويرد قيمته.
قال: (فإن أجاز .. فبالحصة قطعًا)؛ لأن الثمن قد يوزع عليهما في الابتداء.
وقوله: (قطعًا) تبع فيه (المحرر)، وكان الصواب: أن يعبر بالمذهب؛ لأن الشيخ أبا إسحاق المروزي طرد فيها القولين في عبده وعبد غيره.
قال: (ولو جمع في صفقة مختلفي الحكم كإجارة وبيع أو سلم .. صحا في الأظهر، ويوزع المسمى على قيمتهما) هذا تفريق الصفقة في اختلاف الأحكام.
مثال الإجارة والبيع: أجرتك داري شهرًا وبعتك عبدي هذا بكذا.
ومثال الإجارة والسلم: أجرتك داري شهرًا وبعتك صاع قمح في ذمتي سلمًا بكذا.
فهذه العقود مختلفة الحكم؛ لأن التأقيت في الإجارة شرط وهو في البيع مبطل، والسلم يشترط فيه قبض رأس المال في المجلس دون البيع.
ونظير ذلك: البيع والصرف؛ لأن التفرق قبل التقابض يبطل الصرف دون البيع.
وكذلك البيع والنكاح؛ لأن النكاح لا يفسد بفساد العوض بخلاف البيع.
إذا تقرر هذا: فوجه الصحة القياس على ما إذا باع ثوبًا وشقصًا من دار؛ فإنه يجوز وإن اختلفا في حكم الشفعة واحتجنا إلى التقويم بسببها.
ووجه البطلان: أن اختلاف الأحكام قد يعرض بسببه ما يوجب الفسخ فيحوج إلى التوزيع وتلزم منه الجهالة.
وأشار المصنف بـ (الإجارة والسلم) إلى أن شرط العقدين أن يكونا لازمين، فلو
стр. 1648
أَوْ بَيْعٍ وَنِكَاحٍ .. صَحَّ النِّكَاحُ، وَفِي الْبَيْعِ وَالصَّدَاقِ الْقَوْلَانِ. وَتَتَعَدَّدُ الصَّفْقَةُ بِتَفْصِيلِ الثَّمَن كَبِعْتُكَ ذَا بِكَذَا، وَذَا بِكَذَا، وَبِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ،
ــ
جمع بين بيع وجعالة .. لم يصح قطعًا.
ولم يعبر المصنف بعقدين مختلفي الحكم كما في (المحرر) و (الشرح) و (الروضة) و (التنبيه)؛ لئلا يرد عليه البيع والصرف، وما إذا باع عبدين وشرط الخيار في أحدهما دون الآخر، أو شرط في أحدهما يومًا وفي الآخر يومين؛ فإن ذلك كله عقد واحد، ومع ذلك فيه القولان لاختلاف الحكم.
قال: (أو بيع ونكاح .. صح النكاح)؛ لأنه لا يفسد بفساد الصداق، وهذه مكررة في (الصداق).
وصورتها: أن يتحد المستحق؛ بأن يقول: زوجتك بنتي وبعتك عبدها بكذا، إذا كانت تحت حجره أو وكلته في البيع، أو زوجتك أمتي وبعتك عبدي بكذا، إذا كان ممن تحل له الأمة.
قال: (وفي البيع والصداق القولان) أصحهما: الصحة، فيوزع على قيمة المبيع ومهر المثل كما سيأتي في (الصداق).
وإن قلنا: لا يصحان .. سقط جميع المسمى ووجب في النكاح مهر المثل.
وإن جمع بين بيع وخلع .. صح الخلع، وفي المسمى والبيع القولان.
قال: (وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن، كبعتك ذا بكذا، وذا بكذا) سواء فصل المشتري القبول كذلك أم لا على المذهب، فإن فصل الثمن كتفصيل البائع .. صح قطعًا؛ لانتفاء الجهالة، وإن قال: قبلتهما .. فهي متحدة.
قال: (وبتعدد البائع) كما إذا قالا: بعناك ذا بكذا، فإن قبل نصيبهما جملة .. صح قطعًا، وإن قبل نصيب أحدهما واقتصر عليه .. لم يصح في الأصح عند
стр. 1649
وَكَذَا بِتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ وَكَّلَاهُ أَوْ وَكَّلَهُمَا .. فَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ الْوَكِيلِ
ــ
الرافعي؛ لاقتضائه جوابهما، وصحح الشيخ الصحة تبعًا للمتولي، ولم يترددوا في التعدد بتعدد البائع، وحكوا وجهين في أنه: هل لأحدهما أن ينفرد بأخذ شيء من ثمنه؟ أصحهما: نعم.
ولو اشترى شقصين من اثنين .. فللشفيع أخذ نصيب أحدهما في الأصح.
ولو اشترى في العريا تسعة أوسق من اثنين .. صح في الأصح.
قال: (وكذا بتعدد المشتري في الأظهر) كقوله: بعتكما هذا بكذا، فتتعدد الصفقة قياسًا على تعدد البائع.
والثاني: لا تتعدد، كما ليس لأحدهما إفراد حصته بالرد، فأما إذا قلنا بالتعدد فقبل أحدهما دون الآخر .. لم يصح على الأصح عند الشيخين والبغوي؛ لعدم المطابقة.
والذي جزم به الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي والبندنيجي والجرجاني، ورجحه المتولي والإمام والغزالي والروياني وابن الرفعة والشيخ: الصحة؛ لأنه لو توقفت صحة قبول أحدهما على الآخر .. لما صح العقد.
ولو اشترى اثنان من اثنين .. فهو في حكم أربعة عقود.
ولا يخفى: أن الصفقة في العرايا والشفعة تتعدد بتعدد المشتري قطعًا وبتعدد البائع على الأصح، عكس المقرر هنا.
قال: (ولو وكلاه أو وكلهما .. فالأصح: اعتبار الوكيل)؛ لأن أحكام العقد من اشتراط الرؤية وثبوت خيار المجلس وغيرهما تتعلق به لا بالموكل.
والثاني: الاعتبار بالمعقود له؛ لأن مرجع أمر العقد إليه، وهذا هو الأصح في (الوجيز) وبعض نسخ (المحرر).
وقد اعتذر المصنف عنه في (الدقائق).
стр. 1650
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثالث: أن النظر في جانب الشراء إلى الوكيل، وفي جانب البيع إلى الموكل.
والرابع: عكسه.
كل هذا في غير الشفعة والرهن؛ ففيهما الاعتبار بالموكل لا بالوكيل.
تتمة:
من المناهي الداخلة في هذا القسم: مبايعة من في يده الحلال والحرام كالظلمة والمكاسين والمنجمين والذي يضرب بالشعير والحصى والرمل والمشعبذ، فكل ما يأخذه هؤلاء بهذا الفعل حرام.
وتكره مبايعتهم سواء كان الحرام أكثر أم الحلال، فإن استويا .. صح، وإن تحقق أن ما يأخذه حرام .. لم تصح المبايعة، وإن تحقق حله .. لم يكره.
وخصص الشيخ عز الدين الكراهة بما إذا كان ذلك من جنس الحرام الذي يكتسبه، فإن كان من غيره .. فلا بأس به وإن تردد في أنه اشتراه به.
وحرم مالك ﵁ معاملة من أكثر ماله حرام؛ لما في (البيهقي) وغيره: أن النبي ﷺ قال: (من لم يبال من أين مطعمه ولا من أين مشربه .. لم يبال الله به من أي أبواب جهنم أدخله).
وقال: (ملاك دينكم الورع).
وقال في (الإحياء): يحرم أخذ المال من السلطان إذا كان أكثر ما في بيت المال حرامًا كما هو الغالب.
قال المصنف: وهذا شاذ ليس مذهبنا، بل المذهب الكراهة.
следующие страницы →