Полный текст (5 377 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وَإِذَا سَقَطَ رَدُّهُ بِتَقْصِيرٍ .. فَلَا أَرْشَ. وَلَوْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ .. سَقَطَ الرَّدُّ قَهْرًا،
ــ
هذا هو المعروف المجزوم به.
وفي (شرح المهذب) للعراقي: أنها بعد الفسخ على البائع؛ لأنه عاد إلى ملكه، وهو غريب.
وينبغي أن يقال: إن كان البائع عالمًا بالعيب وأخفاه .. فمؤنة الرد عليه، وإلا .. فعلى المشتري.
ومؤنة رد المرهون على الراهن، ومؤنة تسليم الموصى به إلى الموصى له، على الموصى له ومؤنة رد العين المستأجرة بعد المدة فيه خلاف يأتي.
والصداق بعد التشطير أو الفسخ على الزوج؛ لأنه أمانة في يدها، هكذا قاله القاضي، والأصح: أنه مضمون عليها، ثم المراد بالرد: الرد إلى موضع التسليم.
ولو تراضيا على الرد بعوض .. لم يصح في الأصح، ولا يسقط به حق الرد على الأصح.
ولو اختلفا في الثمن بعد الرد .. فالصحيح: أن القول قول البائع بيمينه.
ولو أبق قبل القبض فأجاز المشتري البيع ثم أراد الفسخ .. فله ذلك ما لم يعد إليه، ذكره الرافعي في آخر (الإجارة).
قال: (وإذا سقط رده بتقصير .. فلا أرش)؛ لأنه إنما يعدل إليه للضرورة وهذا مقصر.
قال: (ولو حدث عنده عيب .. سقط الرد قهرًا) أي: القهري؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر.
نعم؛ إذا كان العيب هو التزويج فقال الزوج: إن ردك المشتري بعيب فأنت طالق وكان ذلك قبل الدخول .. فله الرد لزوال المانع، ولو كان التزويج من البائع .. فكان كتعليق الطلاق على الرد، ولو لم يعلم بالعيب القديم حتى زال الحادث .. فله الرد في
стр. 1682
ثُمَّ إِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ .. رَدَّهُ الْمُشْتَرِي أَوْ قَنِعَ بِهِ، وَإِلَّا .. فَلْيَضُمَّ الْمُشْتَري أَرْشَ الْحَادِثِ إِلَى الْمَبِيعِ وَيَرُدَّ، أَو يَغْرَمَ الْبَائِعُ أَرْشَ الْقَدِيمِ وَلَا يَرُدَّ. فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَحَدِهِمَا .. فَذَاكَ، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: إِجَابَةُ مَنْ طَلَبَ الإِمْسَاكَ
ــ
الأصح وكأنه لم يكن، ولو زال الحادث بعد أخذ أرش القديم .. فلا فسخ على المذهب، ولو زال القديم قبل أخذ الأرش .. لم يأخذه في الأصح، وبه جزم الشيخان، ولو زال بعد أخذه .. رده على المذهب.
واحترز بقوله: (عنده) عما لو حدث قبل القبض؛ فإنه لا يمنع الرد القهري.
قال: (ثم إن رضي به البائع .. رده المشتري أو قنع به) أي: بلا أرش؛ لأن المانع من الرد وهو ضرر البائع قد زال برضاه فصار كما لو لم يحدث فيه عيب.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يرض به البائع معيبًا (.. فليضم المشتري أرش الحادث إلى المبيع ويرد، أو يغرم البائع أرش القديم ولا يرد)؛ لأن كلًا من الأمرين فيه رعاية الجانبين وجمع بين المصلحتين.
قال: (فإن اتفقا على أحدهما .. فذاك)؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما.
قال: (وإلا .. فالأصح: إجابة من طلب الإمساك) سواء كان بائعًا أو مشتريًا؛ لما فيه من تقرير العقد وهو في هذه الحالة من طلب الرجوع بأرش العيب القديم.
والثاني: يجاب البائع مطلقًا.
والثالث: يجاب المشتري مطلقًا.
فروع:
الأول: اشترى حليًا بجنسه ثم اطلع على عيب قديم .. فالأصح: يفسخ البيع ويرد الحلي مع أرش النقص الحادث ولا يلزم الربا؛ لأن المقابلة بين الحلي والثمن وهما متماثلان.
الثاني: أنعل الدابة ثم علم بها عيبًا قديمًا، فإن لم يعيبها نزعُ النعل .. فله نزعه والرد، فإن لم ينزع .. لم يجب على البائع قبول النعل، وإن كان النزع يعيب الحافر
стр. 1683
وَيَجِبُ أَنْ يُعْلِمَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى الْفَوْرِ بِالْحَادِثِ لِيَخْتَارَ. فَإِنْ أَخَّرَ إِعْلَامَهُ بِلَا عُذْرٍ .. فَلَا رَدَّ وَلَا أَرْشَ. وَلَوْ حَدَثَ عَيْبٌ لَا يُعْرَفُ الْقَدِيمُ إِلَّا بِهِ كَكَسْرِ بَيْضٍ.
ــ
فنزع .. بطل حقه من الرد والأرش، وإن ردها مع النعل .. أجبر البائع على القبول وليس للمشتري طلب قيمة النعل، والأصح: أن ترك النعل إعراض، فإذا سقط .. أخذه المشتري.
الثالث: كان الحادث صبغ الثوب وزادت به القيمة، فأراد البائع إعطاء الأرش، وأراد المشتري رد الثوب وأخذ قيمة الصبغ أو عكسه .. فالمجاب البائع على الأصح، وكذلك حكم القصارة إن جعلناها عينًا، وإلا .. فيرد الثوب ولا شيء له كالزيادة المتصلة.
قال: (ويجب أن يعلم المشتري البائع على الفور بالحادث ليختار) أي: هل يقبله بلا أرش أو لا؟
قال: (فإن أخر إعلامه بلا عذر .. فلا رد ولا أرش)؛ لتقصيره بترك الواجب، اللهم إلا أن يكون الحادث قريب الزوال غالبًا كالرمد والحمى .. فلا يعتبر الفور على أحد القولين، بل له انتظار زواله، ليرده سليمًا عن العيب الحادث، ولم يفرقوا هنا بين مدعي الجهل بفورية الإعلام بالعيب الحادث أم لا، وينبغي أن لا يصدق في ذلك، إلا أن يكون ممن يخفي عليه مثله، ولو علم العيب بعد رهنه .. فلا رد في الحال.
وأما الأرش، فإن عللنا باليأس .. لم يرجع به، وإلا .. رجع.
والإجارة كالرهن إن لم نجوز بيع المستأجر، فإن جوزناه .. فكعيب يرجى زواله.
قال: (ولو حدث عيب لا يعرف القديم إلا به ككسر بيض) أي: بيض النعام؛ لأن غيره لا قيمة له بعد الكسر فلا يتأتى فيه الأرش.
стр. 1684
وَرَانِجٍ، وَتَقْويرِ بِطِّيخٍ مُدَوِّدٍ .. رَدَّ وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ فِي الأَظْهَرِ. فَإِنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ الْقَدِيمِ بِأَقَلَّ مِمَّا أَحْدَثَهُ .. فَكَسَائِرِ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ
ــ
قال: (ورانج) هو: الجوز الهندي، وهو بكسر النون، وهو الشجرة الطيبة في القرآن، وقيل: هي النخلة.
قال: (وتقوير بطيخ مدود .. رد ولا أرش عليه في الأظهر)؛ لأن البائع سلطه على كسره وهو معذور في تعاطي ذلك لاستكشاف العيب.
والثاني: يرده ويرد معه الأرش رعاية للجانبين.
والثالث: لا يرد أصلًا كسائر العيوب الحادثة.
والبطيخ الأجود فيه كسر الباء، وحكي فتحها، وطبيخ بتقديم الطاء على الباء، وهو: ما عدا الأخضر.
ومدوِّد ومسوِّس حيث ورد بكسر الواو.
قال: (فإن أمكن معرفة القديم بأقل مما أحدثه .. فكسائر العيوب الحادثة)؛ لعدم احتياجه إلى ذلك، ومثله في (المحرر) بما إذا قور البطيخ الحامض وكان يمكنه الوقوف على حاله بغرز شيء فيه، وفيه وجه؛ لعسر التمييز، وكذلك لو اشترط في الرمان الحلاوة فبان حامضًا بالغرز .. رد لا بالشق.
تتمة:
اشترى ثوبًا على أنه عشرة أذرع فخرج دونها أو فوقها .. ففي الصحة قولان: أظهرهما: يصح وللمشتري عند النقص الخيار، فإن أجاز .. فبالقسط أو بالكل؟ فيه قولان: أظهرهما: الثاني، وللبائع الخيار على قول الصحة في حال الزيادة على الأصح، فإن أجاز .. فالجميع للمشتري.
стр. 1685
فَرْعٌ:
اشْتَرَى عَبْدَيْنِ مَعِيبَيْنِ صَفْقَةً .. رَدَّهُمَا، وَلَوْ ظَهَرَ عَيْبُ أَحَدِهِمَا .. رَدَّهُمَا لَا الْمَعِيبَ وَحْدَهُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَ رَجُلَيْنِ مَعِيبًا .. فَلَهُ رَدُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَلَوِ اشْتَرَيَاهُ .. فَلِأَحَدِهِمَا الرَّدُّ فِي الأَظْهَرِ
ــ
قال: (فرع:
اشترى عبدين معيبين صفقة .. ردهما) بالاتفاق كالعين الواحدة، فلو أراد إفراد أحدهما بالرد .. ففيه القولان الآتيان فيما إذا كان العيب بأحدهما.
قال: (ولو ظهر عيب أحدهما .. ردهما)؛ لأنهما صفقة واحدة.
قال: (لا المعيب وحده في الأظهر)؛ لما فيه من تفريق الصفقة على البائع من غير ضرورة.
والثاني: له ذلك؛ لاختصاصه بالعيب.
وعلى هذا: يسترجع قسطه من الثمن قطعًا؛ لأنه إن استرجع الجميع .. بقي الباقي في يده بلا مقابل، وإن لم يسترجع شيئًا .. فلا فائدة في الرد.
وقال ابن الرفعة: قد تكون فائدته التخلص من عهدته.
وأفاد المصنف بتصوير المسألة بالعبدين: أن المبيع لو كان شيئًا واحدًا كدار أو عبد وأراد رد بعضه .. لم يكن له ذلك، اللهم إلا أن يكون باع البعض من البائع .. فله رده عليه كما صرح به القاضي حسين.
قال: (ولو اشترى عبد رجلين معيبًا .. فله رد نصيب أحدهما)؛ لأن الصفقة تتعدد بتعدد البائع.
هذا إذا اشتراه منهما، فإن اشتراه من وكيلهما .. جاء الخلاف في أن العبرة بالوكيل أو الموكل.
قال: (ولو اشترياه .. فلأحدهما الرد في الأظهر) وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد، ومنه أخذ: أن الصفقة تتعدد بتعدد المشتري وهو الأصح، وكان
стр. 1686
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قِدَمِ الْعَيْبِ .. صُدِّقَ الْبَائِعُ
ــ
الأحسن أن يقول: في الجديد؛ لأن الثاني وجه قديم مرجوع عنه، وبه قال أبو حنيفة: إنه ليس له الانفراد بالرد، ومنه أخذ وجه: أن الصفقة متحدة.
والمراد: إذا اشترى اثنان عبدًا من رجل، وهي مسألة (المحرر).
لكن عبارته تقتضي شراء اثنين عبدًا من اثنين حتى يكون في معنى أربعة عقود، فيكون كل منهما مشتريًا ربعًا من هذا وربعًا من هذا حتى يرد على من شاء منهما الربع أو النصف؛ لأن ضمير (اشترياه) يعود على عبد رجلين، وهي مسألة صحيحة لم يردها.
وبالجملة: للواحد الرد؛ لأنه يرد جميع ما يملك.
والثاني ليس له الرد؛ بناء على أنها لا تتعدد بتعدد المشتري.
قال: (ولو اختلفا في قدم العيب .. صدق البائع)؛ لأن الأصل لزوم العقد وعدم المقتضي للرد، أما إذا قطعنا بما ادعاه أحدهما .. فهو المصدق، ولا يخفى أن هذا في عيب يمكن حدوثه كالعمى، فإن كان مما لا يمكن، كإصبع زائدة، وشين الشجة المندملة، وقد جرى البيع أمس .. فإن القول قول المشتري، وإن لم يحتمل تقدمه كجراحة طرية وقد جرى البيع والقبض من سنة .. فالقول قول البائع من غير يمين.
وصورة مسألة الكتاب: أن يدعي البائع حدوث هذا العيب فلا رد ويدعي المشتري قِدَمه ليرد.
فلو عكسا، وذلك يظهر في صورة البيع بشرط البراءة فيدعي المشتري الحدوث قبل القبض ليرد به؛ فإنه لا يبرأ منه، ويدعي البائع قِدَمه .. فالظاهر: تصديق البائع أيضًا، وقيل: المشتري.
فرع:
ادعى المشتري وجود عيبين في يد البائع فاعترف بأحدهما وادعة حدوث الآخر في يد المشتري .. فالقول قول المشتري؛ لأن الرد يثبت بإقرار البائع بأحدهما فلا يبطل
стр. 1687
بِيَمِينِهِ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ. وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ كَالسِّمَنِ تَتْبَعُ الأَصْلَ، وَالْمُنْفَصِلَةُ كَالْوَلَدِ وَالأُجْرَةِ لَا تَمْنَعُ الرَّدَّ،
ــ
بالشك، قاله ابن القطان في (المطارحات)، وهو كذلك في (شرح الوسيط) لابن الأستاذ أيضًا، وحكى أن الشافعي ﵁ أجاب فيها كذلك، ثم قال: وهو ظاهر متجه.
قال: (بيمينه)؛ لاحتمال صدق المشتري.
قال: (على حسب جوابه) فإن أجاب بـ (لا رد لك بهذا) أو (لا يلزمني) .. حلف كذلك، وإن أجاب بـ (ما بعته إلا سليمًا) أو (ما أقبضته إلا سليمًا) .. حلف كذلك، وتكون يمينه على البت إذا اعتبر العبد وعلم خفايا أمره، أو اعتمد على أن الظاهر السلامة.
و (حَسَب) معناه: المثل، وهو بفتح السين، وتسكن في الشِّعر.
قال: (والزيادة المتصلة كالسمن تتبع الأصل)؛ لعدم إمكان إفرادها سواء كان ذلك في الثمن أو المثمن، وتعلم الحرفة كالسمن.
والكلام هنا في الزيادة المحضة، فلو كان غزلًا فنسجه ثم رأى به عيبًا قديمًا .. فله الأرش، فإن رضي البائع بعيبه .. فقولان:
أحدهما: يخير المشتري بين رده منسوجًا ولا أجرة له وبين إمساكه معيبًا؛ لأن النسج أثر لا عين.
والثاني –وصححه الروياني-: يخير البائع بين بذل أجرة النسج وأخذه أو غرامة الأرش؛ لأن النسج عمل يقابل بعوض.
قال: (والمنفصلة كالولد والأجرة لا تمنع الرد) عملًا بمقتضى العيب، وخالف أبو حنيفة في الولد ونحوه كالثمرة ووافقنا في الأجرة، فذكرهما المصنف ليقاس أحدهما على الآخر، ولينص على: أنه لا فرق بين ما هو من نفس المبيع وغيره.
стр. 1688
وَهِيَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ رَدَّ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ بَاعَهَا حَامِلًا فَانْفَصَلَ .. رَدَّهُ مَعَهَا فِي الأَظْهَرِ
ــ
قال: (وهي للمشتري إن رد بعد القبض)؛ لما روى أبو داوود والترمذي والحاكم وابن حبان بإسناد حسن عن عائشة ﵂: أن رجلًا ابتاع غلامًا فأقام عنده ما شاء الله، ثم وجد به عيبًا، فخاصمه إلى النبي ﷺ فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله؛ قد استعمل غلامي، فقال له النبي ﷺ : (الخراج بالضمان) قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم.
فمعنى الحديث: أن ما يخرج من المبيع من فائدة وغلة تكون للمشتري في مقابلة أنه لو تلف .. لكان من ضمانه.
وخالف في ذلك مالك فقال: يرد الزيادة التي من جنس الأصل مع الأصل كالولد، بخلاف الكسب.
ولا خلاف عندنا: أن الزوائد لا ترد في هذه الحالة.
قال: (وكذا قبله في الأصح) تفريع على أن الفسخ يرفع العقد من حينه وهو الصحيح؛ لأنه لو أعتق الجارية التي اشتراها بعبد ثم رد العبد .. لم يبطل العتق.
والثاني: أنها للبائع بناء على أنه رفع له من أصله؛ لأن الملك قبل القبض ضعيف، أما الإقالة .. فترفع العقد من حينه بلا خلاف.
قال: (ولو باعها حاملًا فانفصل .. رده معها في الأظهر) بناء على أن الحمل يعلم ويقابله قسط من الثمن.
والثاني: لا بناء على مقابله.
ومحل ما ذكره المصنف: إذا لم ينقصها الوضع، فإن نقصها .. فأطلق الرافعي امتناع ردها.
ولو اشترى جارية أو بهيمة حائلًا فحملت عنده ثم اطلع على عيب، فإن نقصت بالحمل .. فلا رد، وإن لم تنقص .. فله الرد.
стр. 1689
وَلَا يَمْنَعُ الرَّدَّ الاِسْتِخْدَامُ وَوَطْءُ الثَّيِّبِ. وَافْتِضَاضُ الْبِكْرِ بَعْدَ الْقَبْضِ نَقْصٌ حَدَثَ، وَقَبْلَهُ جِنَابَةٌ عَلَى الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ
ــ
وأما الولد .. فصحح الشيخان هنا أنه يبقى للمشتري يأخذه إذا انفصل، وصححا في (باب الفلس): أنه تابع للأم، وصوبه في (المهمات).
أما إذا ولدت الأمة عنده ثم علم العيب قبل سن التفريق وتمكن من الرد .. فالأصح: أنه لا يرد الأم دون الولد؛ لما فيه من التفريق، كذا جزم به الجرجاني، ويشهد له ما سيأتي في (الرهن) من: أنهما يباعان معًا ولا يفرق.
قال: (ولا يمنع الرد الاستخدام) بالإجماع.
قال: (ووطء الثيب) قياسًا عليه، وخالف فيه أبو حنيفة، ومراد المصنف: وطء المشتري أو الزوج إذا كانت مزوجة، أما وطء غيره إذا كانت زانية .. فإنه عيب حادث.
وشملت عبارته: ما إذا عرف عيب الجارية التي اشتراها من أبيه أو ابنه بعد وطئها وهي ثيب .. فإن ذلك لا يمنعه من الرد وإن حرمت على البائع، وكذلك لو كانت الجارية رضيعة فأرضعتها أم البائع أو ابنته في يد المشتري ثم عرف بها عيبًا .. فله ردها عليه.
قال: (وافتضاض البكر بعد القبض نقص حدث) فيكون مانعًا للرد كسائر العيوب الحادثة، ولا فرق بين أن يكون بوطء البائع أو المشتري أو أجنبي بآلة الافتضاض أو غيرها.
قال: (وقبله جناية على المبيع قبل القبض) فيفرق بين الأجنبي والبائع والمشتري والآفة السماوية.
تتمة:
من علم بالسلعة عيبًا .. لم يحل له أن يبيعها حتى يبينه، وإن علم غير البائع بالعيب .. لزمه أيضًا أن يبينه لمن يشتريه، وشذ المحاملي والجرجاني فقالا: إن ذلك مستحب.
стр. 1690
فَصْلٌ:
التَّصْرِيَةُ حَرَامٌ تُثْبِتُ الْخِيَارَ
ــ
قال الشيخ: وهذا لا أعلم أحدًا ممن له علم قال به، والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده، وكلام جميع الأصحاب مصرح بخلافه سواء كان المشتري مسلمًا أو ذميًا.
وظابط ما يحرم كتمانه: ما يثبت به الخيار، وما لا .. فلا كذكر القيمة، قاله الإمام، فإن باع ولم يبينها .. صح البيع.
قال: (فصل:
التصرية حرام) (التصرية): الجمع، قال: صرى الماء في الحوض تصرية: إذا جمعه.
و (المصراة): البهيمة التي تربط أخلافها ليجتمع لبن كثير فيتوهم أن عادتها كذلك، وهذا الفعل حرام؛ للتدليس، وكذلك البيع.
قال ﷺ : (بيع المحفلات خلابة ولا تحل خلابة مسلم) ذكره عبد الحق.
وإطلاق المصنف يقتضي: أنه لا فرق بين أن يقصد البيع أم لا، وهو كذلك، كما صرح به المتولي، وعلله بإضراره بالحيوان.
قال: (تُثبت الخيار)؛ لما روى الشيخان [خ٢١٤٨ - م١٥١٥/ ١١] عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك .. فهو بخير النظرين: إن رضيها .. أمسكها، وإن سخطها .. ردها وصاعًا من تمر).
ووافقنا على ثبوت الخيار بذلك مالك وأحمد، وخالف أبو حنيفة فقال: لا خيار بها، وتأوَّل الحديث.
стр. 1691
عَلَى الْفَوْرِ، وَقِيلَ: يَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَإِنْ رَدَّ بَعْدَ تَلَفِ اللَّبَنِ .. رَدَّ مَعَهَا صَاعَ تَمْرٍ،
ــ
قال: (على الفور) كالرد بالعيب، فلو ترك الحلب ناسيًا أو لشغل أو تحفلت بنفسها .. ففي ثبوت الخيار وجهان في (الشرح) و (الروضة): المذكور منهما في (الحاوي الصغير): أنه لا يثبت.
قال: (وقيل: يمتد ثلاثة أيام)؛ لقوله ﷺ : (وهو بالخيار ثلاثة أيام) رواه مسلم، وهذا الذي نص عليه الشافعي ﵁ صريحًا، وقال به أكثر الأصحاب، واختاره الشيخ، وهو الحق.
وقال الشيخ تقي الدين القشيري: إنه الصواب.
ثم هل ابتداؤها من العقد أو التفرق؟ فيه الوجهان في خيار الشرط.
ومقتضى هذا: أنها من العقد على الأصح.
وقال ابن المنذر: ابتداؤها من الحلب.
ثم في علة هذا الخيار وجهان:
أحدهما: تدليس البائع.
والثاني: ضرر المشتري لإخلاف ما ظنه.
ويظهر أثرهما فيما لو تحفلت بنفسها.
وشملت عبارة المصنف: ما إذا اشترى مصراة ثم در اللبن على ما أشعرت التصرية به عليه واستمر، وفي الرد بذلك وجهان: أصحهما: نعم، وجزم به البغوي، وهما مأخوذان من القولين في الأمة إذا عتقت تحت عبد ولم تعلم حتى عتق، وشبيهان بالوجهين فيما إذا اشترى معيبًا ولم يعلم بالعيب حتى زال.
قال: (فإن رد بعد تلف اللبن .. رد معها صاع تمر)؛ للحديث، لكن يستثنى من هذا: ما إذا تراضيا بغير التمر من قوت أو غيره، أو على رد اللبن المحلوب عند
стр. 1692
وَقِيلَ: يَكْفِي صَاعُ قُوتٍ
ــ
بقائه؛ فإنه يجوز بلا خلاف كما قاله البغوي وغيره، خلافًا لابن المنذر؛ فإنه منع إبدال التمر باللبن؛ لأنه بيع ذلك الطعام قبل قبضه، وذكر ابن كَج وجهين في جواز إبدال التمر باللبن إذا تراضيا.
والواجب في التمر: أن يكون من التمر الوسط، فإن فقد .. فقيمته، قيل: بالمدينة، وقيل: بأقرب بلد إليه.
وشملت عبارته: ما إذا اشتراها بصاع من التمر؛ فإنه يردها ويرد معها صاعًا من تمر، وليس ذلك ربًا، لأن هذا فسخ، لكن سوء تدبير، ولذلك قال الشيخ: إنه لا يمتنع.
تنبيه:
تبع المصنف في التقييد بـ (تلف اللبن) (المحرر)، وفي ذلك نظر؛ فإنه وإن كان موجودًا فله إمساكه ورد الصاع، وليس للبائع إجباره على رده؛ لأن ما حدث منه بعد البيع ملكه ولا يتميز، وليس للمشتري رده على البائع قهرًا في الأصح؛ لذهاب طراوته، أما إذا حمض .. فكالتالف.
فرع:
إذا تعددت الشياه المصراة .. لا نقل فيها عند أصحابنا، لكن نقل ابن قدامة الحنبلي عن نص الشافعي تعدد الصاع بعددها، وهو منقاس، وفيه عند المالكية خلاف، وإلى عدم التعدد ذهب ابن حزم، وزعم ابن الرفعة: أنه ظاهر الحديث، وإليه مال أبو عمر بن عبد البر.
قال: (وقيل: يكفي صاع قوت) ولو وجد التمر؛ لأنه ورد صاع تمر أو صاع قوت أو صاع من طعام.
стр. 1693
وَالأَصَحُّ: أَنَّ الصَّاعَ لَا يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ، وَأَنَّ خِيَارَهَا لَا يَخْتَصُّ بِالنَّعَمِ بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مَاكُولٍ وَالْجَارِيَةَ وَالأَتَانَ، وَلَا يَرُدُّ مَعَهُمَا شَيْئًا، وَفِي الْجَارِيَةِ وَجُهٌ.
ــ
فعلى هذا: يعتبر غالب قوت البلد كالفطرة، فيتخير الراد بينها.
قال الإمام: لا يتعدى إلى الأقط، بخلاف صدقة الفطر.
قال: (والأصح: أن الصاع لا يختلف بكثرة اللبن)؛ لإطلاق الخبر وقطعًا للنزاع.
والثاني: يتقيد بقدره؛ لما روى أبو داوود [٣٤٣٩]: (ومثل أو مثلي لبنها قمحًا).
وعلى هذا: فقد يزيد الواجب على الصاع وقد ينقص؛ لأنه سوى بين الإبل والبقر والغنم في ذلك مع اختلاف ألبانها.
قال: (وأن خيارها لا يختص بالنعم بل يعم كل مأكول والجارية والأتان)؛ لأن في رواية أبي داوود: (من اشترى محفلة).
والثاني: يختص بالنعم؛ لأن ما عداها لا يقصد لبنه إلا نادرًا.
و (الأتان) بالتاء المثناة: الأنثى من الحمر الأهلية، ولا يقال: أتانة، والجمع: أُتُنٌ وأُتْنٌ.
قال: (ولا يرد معهما شيئًا)؛ لأن لبنها لا يقابل بالأعواض غالبًا، ولأن لبن الأتان نجس.
قال: (وفي الجارية وجه): أنه يرد معها صاع تمر لطهارته والانتفاع به، ومفهوم كلامه: أن الوجه لا يجري في الأتان، وطرده الإصطخري فيها، وهو تفريع منه على رأيه في أن لبن الأتان طاهر يحل أكله وشربه، وأما غير المصراة إذا حلبها ثم ردها بعيب .. فلا يرد معها شيئًا، قال الشافعي ﵁ في مناظرة محمد بن الحسن.
стр. 1694
وَحَبْسُ مَاءِ الْقَنَاةِ وَالرَّحَى الْمُرْسَلِ عِنْدَ الْبَيْعِ، وَتَحْمِيرُ الْوَجْهِ، وَتَسْوِيدُ الشَّعْرِ وَتَجْعِيدُهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، لَا لَطْخُ ثَوْبِهِ تَخْيِيلًا لِكِتَابَتِهِ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال: (وحبس ماء القناة والرحى المرسل عند البيع، وتحمير الوجه، وتسويد الشعر وتجعيده يثبت الخيار)؛ قياسًا على التصرية؛ لأن في ذلك غشًا وخديعة، ولابد أن يكون ذلك بحيث لا يظهر لغالب الناس أنه مصبوغ حتى لا ينسب المشتري إلى تقصير، وأن يكون بفعل البائع أو غيره بإذنه، فإن حصل بلا صنع .. فكما لو تحفلت بنفسها.
والمراد: التجعيد المحبوب لا المفلفل كشعر السودان؛ لأن الجعودة تدل على قوة البدن والسبوطة على ضعفه.
قال: (لا لطخ ثوبه تخييلًا لكتابته في الأصح)؛ لتقصير المشتري بعدم الامتحان أو السؤال عنه.
والثاني: نعم؛ للتلبيس.
تتمة:
الخلاف جار فيما إذا ألبسه ثوب الكتبة أو ثياب الخبازين وغيرهم من الصنائع، وفي علف الدابة حتى ينتفخ بطنها فتظن حاملًا، وفي إرسال الزنبور على ضرعها فتظن لبونًا، فلو كان على ثوبه لطخة مداد .. لم يثبت الخيار بذلك قطعًا.
* * *
خاتمة
اشترى شاة وشرط أنها تحلب كل يوم خمسة أرطال مثلًا .. فوجهان في (المهذب) و (العدة) و (البحر):
أصحهما –وبه جزم الرافعي في (باب المناهي) _: البطلان.
والثاني: يصح، فإذا أخلف .. ثبت الخيار.
* * *
стр. 1695
بابٌ
الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ. فَإِنْ تَلِفَ .. انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ،
ــ
باب
قال: (المبيع قبل قبضه من ضمان البائع)؛ لبقاء سلطنته عليه، فينفسخ بتلفه ويثبت الخيار بتعيبه، ولا يكون من ضمان المشتري؛ لنهيه ﷺ عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن، رواه الحاكم [٢/ ١٧] والأربعة وابن حبان [٤٣٢١].
وقال مالك وأحمد وأبو ثور وابن المنذر: إنه من ضمان المشتري؛ لقوله ﷺ : (الخراج بالضمان) وقد تقدم قريبًا: أنه حسن.
وجوابه: أن (الألف واللام) في الخراج للعهد، وهو خراج المردود بعيب.
لكن يستثنى: ما إذا اشترى أمة فوطئها أبو المشتري قبل القبض وأحبلها ثم ماتت .. فإنها تتلف من ضمان المشتري؛ لأنها بالعلوق يقدر انتقالها إلى ملك الأب.
وإذا اشترى السيد من مكاتبه شيئًا ثم عجَّز نفسه قبل قبض السيد العين المبيعة.
وإذا اشترى الوارث من مورثه عينًا ثم مات المورث قبل القبض.
ثم إطلاق المصنف: أن الضمان على البائع يشمل: ما إذا عرضه عليه فامتنع من قبوله، وهو الذي قاله الرافعي في أوائل (الصداق)، لكن لو وضعه بين يديه عند امتناعه .. برئ من ضمانه على الصحيح كما سيأتي.
قال: (فإن تلف) أي: بآفة سماوية (.. انفسخ البيع وسقط الثمن)؛ لأنه قبض مستحق بالبيع، فإذا تعذر .. انفسخ البيع كما إذا تفرقا في عقد الصرف قبل التقابض.
ولو كان الثمن دينًا على البائع .. ففي عوده عليه وجهان: أصحهما: العود، كذا قاله الرافعي في (كتاب الأضحية).
стр. 1696
وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْمُشْتَرِي عَنِ الضَّمَانِ .. لَمْ يَبْرَا فِي الأَظْهَرِ وَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْحُكْمُ. وَإِتْلَافُ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ إِنْ عَلِمَ،
ــ
والمراد بـ (الانفساخ): عود ملكه إلى البائع قبيله، وقيل: يرتفع من أصله وينبني عليهما الزوائد الحادثة من المبيع في يد البائع كالولد والبيض واللبن والكسب، والأصح: أنها للمشتري وتكون أمانة في يد البائع.
وفي معنى الزوائد: ما وهب من العبد فقبله وقبضه، وما صار إليه بوصية، وكذلك الحكم في مؤنة تجهيز العبد إذا مات.
ويقوم مقام التلف وقوع الجوهرة في البحر، وانفلات الطير والصيد المتوحش.
ولو غصب المبيع أو ضاع أو أبق أو جحده البائع .. ثبت الخيار.
وانقلاب العصير خمرًا كالتلف على الصحيح.
ولو أدعى البائع تلف المبيع عنده .. قبل قوله على الصحيح.
قال: (ولو أبرأه المشتري عن الضمان .. لم يبرأ في الأظهر ولم يتغير الحكم)؛ لأنه إبراء عما لم يجب.
والثاني: يبرأ لوجود السبب، فصار كما لو أبرأ الغاصب عن ضمان الغصب وسيأتي في (الرهن).
قال الشيخ: والذي أقطع به: أنه لو جرى مثل ذلك في الصرف .. لم يسقط اشتراط التقابض؛ فإنه لحق الله تعالى، ولتحقق عدم الربا، فلا يتمكن العاقدان من إسقاطه.
فقوله: (ولم يتغير الحكم) لا فائدة له مع قوله: (لم يبرأ)، لكن أتى به على جهة التأكيد.
قال: (وإتلاف المشتري قبض إن علم) أي: إن علم أنه المبيع، كما لو أتلف المالك المغصوب في يد الغاصب، وقيل: ينفسخ البيع.
هذا في الإتلاف بغير العتق، أما بالإعتاق .. فسيأتي.
لكن يستثنى منه: ما لو قتله لصياله عليه، فالأصح: أنه ليس قبضًا.
стр. 1697
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وما إذا ارتد وكان المشتري الإمام فقتله بردته، فلو كان المشتري غيره .. كان قتله قبضًا.
والقياس في تارك الصلاة وقاطع الطريق والزاني المحصن: أن يكون كالمرتد، ويتصور في الكافر إذا زنا ثم لحق بدار الحرب فاسترق.
فروع:
أتلف المشتري بعض المبيع في يد البائع .. جعل كالقابض له إن كان مما يتقسط الثمن عليه كأحد العبدين.
ولو قطع يد العبد ثم مات عند البائع بآفة سماوية .. فالأصح: أنه يلزم المشتري جزء من الثمن بنسبة ما نقص من قيمته.
ولو أتلف المشتري والبائع المبيع .. لزم البيع في نصفه المقابل لجناية المشتري، وأما النصف الآخر .. فيعلم حكمه من جناية البائع.
وإتلاف بهيمة المشتري إن كان معها كإتلافه، وإن لم يكن معها؛ فإن كان بالنهار .. انفسخ البيع؛ لتفريط البائع، وإن كان بالليل .. ثبت الخيار؛ لتفريط المشتري، فإن فسخ .. طالبه بالقيمة.
وإتلاف بهيمة البائع كالآفة، هكذا قاله القفال، قيل له: هلا فرق فيها بين الليل والنهار؟ قال: هذا موضع التروي؛ يعني: تروي الفقيه في طلب الفرق.
стр. 1698
وَإِلَّا .. فَقَوْلَانِ كَأَكْلِ الْمَالِكِ طَعَامَهُ الْمَغْصُوبَ ضَيْفًا. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ إِتْلَافَ الْبَائِعِ كَتَلَفِهِ
ــ
وإتلاف الأعجمي والصبي الذي لا يميز بأمر المشتري أو البائع كإتلافهما، وإتلاف المميز بأمرهما كإتلاف الأجنبي.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يعلم (.. فقولان كأكل المالك طعامه المغصوب ضيفًا) هما في المغصوب قولان: أصحهما: يبرأ لمباشرة المالك الإتلاف، وهنا وجهان: ومقتضى البناء: مصيره قابضًا في الأصح.
وعلى الثاني: يكون كما لو أتلفه البائع إن كان البائع هو المقدم له، وإن كان أجنبيًا بغير إذن البائع .. فينبغي أن يكون كإتلاف الأجنبي، وإن لم يكن بتقديم أحد .. فينبغي أن يكون كالآفة.
فرع:
لو وطئها المشتري لم يصر قابضًا لها، بدليل: أنه لو زنى بجارية إنسان .. لم يصر غاصبًا لها، فهو بمنزلة الاستخدام، ثم إن تم العقد .. فذاك، وإن انفسخ بأن ماتت قبل القبض .. فلا مهر على المشتري.
قال: (والمذهب: أن إتلاف البائع كتلفه) أي: بآفة سماوية حتى ينفسخ البيع؛ لأنه لا يمكن الرجوع عليه بالقيمة؛ لأن المبيع مضمون عليه بالثمن، بخلاف الأجنبي؛ فإنه إذا أتلفه .. سقط الثمن، وصحح الرافعي في كتبه كلها ما صححه المصنف، إلا في (الشرح الصغير)؛ فإنه صحح عدم الانفساخ.
والطريق الثاني: القطع بالانفساخ.
والثالثة: القطع بعدمه.
стр. 1699
وَالأَظْهَرُ: أَنَّ إِتْلَافَ الأَجْنَبِيِّ لَا يَفْسَخُ، بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يُجِيزَ وَيُغَرِّمَ الأَجْنَبِيَّ، أَوْ يَفْسَخَ فَيُغَرِّمَ الْبَائِعُ الأَجْنَبِيَّ. وَلَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَرَضِيَهُ .. أَخَذَهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ. وَلَوْ عَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي .. فَلَا خِيَارَ، أَوِ الأَجْنَبِيُّ .. فَالْخِيَارُ،
ــ
وإذا قلنا: لا ينفسخ .. تخير المشتري؛ لفوات العين.
قال: (والأظهر: أن إتلاف الأجنبي لا يفسخ)؛ لقيام القيمة مقام البيع.
والثاني: ينفسخ البيع؛ لتعذر التسليم، لأن المعقود عليه قد فات، وصححه القاضي أبو الطيب، وقال المتولي: إنه ظاهر المذهب.
وكان الأحسن حذف (الأظهر) وعطفه على (المذهب)؛ فإن فيه طريقة قاطعة بأنه فسخ فيكون أخصر وأفيد.
قال: (بل يتخير المشتري بين أن يجيز ويغرم الأجنبي، أو يفسخ فيغرم البائع الأجنبي)؛ لفوات غرضه في العين.
هذا إذا أتلفه الأجنبي عدوانًا، فإن أتلفه بحق بأن قتل عبده فاقتص منه .. فإتلافه كالآفة السماوية قطعًا.
قال: (ولو تعيب قبل القبض) أي: بآفة سماوية (فرضيه .. أخذه بكل الثمن) كما لو كان مقارنًا للعقد؛ لأن الأوصاف لا تقابل ولا أرش لها مع القدرة على الفسخ.
قال: (ولو عيبه المشتري .. فلا خيار)؛ لحصوله بفعله، ولأنه يمتنع بسببه الرد بالعيوب القديمة ويكون قابضًا لما أتلفه، فإذا قطع يده ومات بالسراية .. استقر عليه الثمن كله، أو بعد الاندمال .. ضمن اليد بجزء من الثمن بالطريق المتقدم في الكتاب لا بنصف القيمة ولا بما نقص منها.
قال: (أو الأجنبي .. فالخيار)؛ لكونه مضمونًا على البائع، وهذا لا خلاف فيه.
стр. 1700
فَإِنْ أَجَازَ .. غَرِمَ الأَجْنَبِيُّ الأَرْشَ. وَلَوْ عَيَّبَهُ الْبَائِعُ .. فَالْمَذْهَبُ: ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَا التَّغْرِيمِ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ،
ــ
قال: (فإن أجاز .. غرم الأجنبي الأرش) بالاتفاق أيضًا، والمراد: القدر المذكور في (الديات)، ففي يد العبد .. نصف القيمة، وفي يديه .. كلها.
قال: (ولو عيبه البائع .. فالمذهب: ثبوت الخيار لا التغريم) أما ثبوت الخيار .. فبلا خلاف؛ لأن فعل البائع إما كالآفة وإما كفعل الأجنبي وكلاهما مثبت للخيار.
وأما التغريم .. فالمذهب: أنه لا يثبت؛ بناء على أنه كالآفة السماوية.
والثاني: يثبت؛ بناء على جعله كالأجنبي، فكان الصواب أن يقول: يثبت الخيار لا التغريم على المذهب.
قال: (ولا يصح بيع المبيع قبل قبضه) سواء كان عقارًا أو غيره، أذن فيه البائع أم لا، أعطى المشتري الثمن أم لا؛ لما روى الشيخان [خ٢١٢٦ - م١٥٢٥/ ٢٩] عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه) قال ابن عباس ﵄: (وأحسب كل شيء مثله).
وروى البيهقي [٥/ ٣١٣] عن حكيم بن حزام ﵁ أنه قال: يا رسول الله؛ إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم؟ قال: (يا أبن أخي؛ لا تبيعن شيئًا حتى تقبضه).
وروى مسلم [١٥٢٨/ ٣٩] عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن يشترى الطعام ثم يباع حتى يستوفى).
وفي (الصحيحين) [خ٢١٣١ - م١٥٢٧] عن ابن عمر ﵄ قال: (رأيت الناس يضربون على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا الطعام جزافًا أن يبيعوه حتى يبلغه الرجل إلى رحله).
وأجمعوا على منعه في الطعام، وجوزه مالك في غيره، وأبو حنيفة في العقار، وأحمد فيما ليس بمكيل ولا موزون ولا معدود ولا مذروع.
стр. 1701
وَالأَصَحُّ: أَنَّ بَيْعَهُ لِلْبَائِعِ كَغَيْرِهِ، وَأَنَّ الإِجَارَةَ وَالرَّهْنَ وَالْهِبَةَ كَالْبَيْعِ،
ــ
وذكر الأصحاب للمنع معنيين:
أحدهما: ضعف الملك؛ فإنه معرض للسقوط بالتلف، وإلى هذا ذهب الأكثرون.
والثاني: توالي ضمانين؛ لأن المبيع إذا تلف قبل القبض تبينا انتقاله إلى ملك البائع قبيل تلفه، فلو جوز بيعه .. لكان له بائعان فيكون مضمونًا للمشتري الأول على البائع ومضمونًا عليه للمشتري الثاني.
واستبعد الرافعي العلتين وجعل الاعتماد على الإخبار، وهو قريب من كلام الإمام؛ فإنه جعل الغالب عليه التعبد.
قال: (والأصح: أن بيعه للبائع كغيره)؛ لعموم الأدلة المتقدمة.
وموضع الوجهين: إذا باعه بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقص أو تفاوت صفة، وإلا .. فهو إقالة بلفظ البيع، قاله المتولي، وخرجه شيخه القاضي حسين على أن العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها.
والأصح –كما قاله الرافعي في أوائل (السلم) -: أن العبرة باللفظ، وحينئذ فلا يصح على الصحيح.
واستثنى المتولي من منع بيع المبيع قبل قبضه قسمته قسمة إجبار وإن قلنا: إنها بيع؛ فإن الرضا فيها غير معتبر، فكذلك القبض.
قال: (وأن الإجارة والرهن والهبة كالبيع) هذا تفريع على ضعف الملك.
والثاني: يصح بناء على: أن العلة توالي الضمان، وصححه الغزالي، ومحل عدم جواز رهنه: إذا رهنه من غير البائع، فإن رهنه من البائع، فإن كان بالثمن حيث له حق الحبس .. لم يجز على الصحيح، وإلا .. فالمشهور جوازه.
стр. 1702
وَأَنَّ الإِعْتَاقَ بِخَلافِهِ. وَالثَّمَنَ المُعَيَّنُ كالْمَبِيعِ، فَلَا يَبِيعُهُ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَهُ بَيْعُ مَالِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَمَانَةً كَوَدِيعةٍ وَمُشْتَرَكٍ وَقِرَاضٍ، وَمَرْهُونٍ بَعْدَ
ــ
قال: (وأن الإعتاق بخلافه) فيصح وإن كان للبائع حق الحبس؛ لقوة العتق، ولذلك نقل ابن المنذر فيه الإجماع.
والثاني: لا يصح؛ لأنه إزالة ملك كالبيع.
والثالث: إن لم يكن له حق الحبس بأن كان الثمن مؤجلًا أو حالًّا ووفَّاه .. صح، وإلا .. فلا.
والاستيلاء والتزويج كالعتق، والكتابة كالبيع على الصحيح؛ إذ ليس لها قوة العتق، والوقف كالعتق على الصحيح في (شرح المهذب)، وفي (الشرح) و (الروضة): أنا إن شرطنا القبول .. فكالبيع، وإلا .. فكالعتق، وصحح الرافعي في وقف الراهن: أنه يبطل مطلقًا ولا يلتحق بالعتق، والقياس: التسوية بين البابين، أما إذا رجع فيما وهب لولده .. فله بيعه قبل قبضه على الصحيح.
والشفيع إذا تملك الشقص .. قال في (التهذيب): له بيعه قبل قبضه، وقال المتولي: ليس له ذلك؛ لأن الأخذ بها معاوضة، وقواه المصنف.
وللموقوف عليه بيع الثمرة الحاصلة من الشجرة الموقوفة قبل أن يأخذها.
وإذا اشترى طعامًا جزافًا وأباحه للفقراء قبل قبضه فأكلوه .. كان قبضًا، قاله الماوردي والروياني.
قال: (والثمن المعين كالمبيع، فلا يبيعه البائع قبل قبضه)؛ لعموم النهي ولتوقع الانفساخ، لكن لا حاجة إلى قوله: (فلا يبيعه البائع قبل قبضه) بل يضر؛ لأنه يوهم جواز غير البيع، ولهذا عبر في (المحرر) بالتصرف ليعم.
قال: (وله بيع ماله في يد غيره أمانة كوديعة ومشترك وقراض، ومرهون بعد
стр. 1703
انْفِكَاكِهِ، وَمَوْرُوثٍ، وَبَاقٍ فِي يَدِ وَلِيَّهِ بَعْدَ رُشْدِهِ، وَكَذَا عَارِيَةٌ وَمَاخُوذٌ بِسَوْمٍ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَلَا الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ. وَالْجَدِيدُ: جَوَازُ الاِسْتِبْدَالِ عَنِ الثَّمَنِ،
ــ
انفكاكه، وموروث، وباق في يد وليه بعد رشده)؛ لتمام الملك والقدرة على التسليم، وكذلك المال الذي في يد الوكيل بالبيع، وفي يد المستأجر بعد انقضاء المدة، وما احتطبه العبد أو اكتسبه قبل أن يأخذه السيد.
لكن يستثنى من الأمانة: ما إذا استأجر صابغًا لصبغ ثوب أو قصره وتسلمه فليس للمالك بيعه قبل صبغه؛ لأن له حبسه لعمل ما تُستحق به الأجرة، فإذا صبغه أو قصره .. كان له بيعه قبل استرداده إن وفى الأجرة، كذا قاله البغوي والرافعي، ونوزعا فيه.
ويستثنى من الموروث: ما إذا كان المورث لا يملك بيعه؛ بأن اشتراه ومات قبل قبضه.
وضبط المصنف (مالَه) بفتح اللام وكسرها و (أمانةً) بنصبه على الحال.
قال: (وكذا عارية ومأخوذ بسوم)؛ لما تقدم، وكذا ما رجع إليه بفسخ عقد كالمردود بعيب، ورأس مال السلم المفسوخ بانقطاع المسلم فيه، والمبيع الذي رجع إليه بإفلاس المشتري.
قال: (ولا يصح بيع المسلم فيه، ولا الاعتياض عنه)؛ لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض، وكذلك لا تجوز الحوالة به ولا عليه، وقيل: تجوز، وقيل: تجوز به ولا تجوز عليه.
قال: (والجديد: جواز الاستبدال عن الثمن) أي: الذي في الذمة، هذا بيع الدين ممن هو عليه، وهو جائز؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: يا رسول الله؛ إني أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ
стр. 1704
فَإِنِ اسْتَبْدَلَ مُوَافِقًا فِي عِلَّةِ الرِّبَا كَدَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ .. اشْتُرِطَ قَبْضُ الْبَدَلِ فِي الْمَجْلِسِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِي الْعَقْدِ، وَكَذَا الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ إِنِ اسْتَبْدَلَ مَا لَا يُوَافِقُ فِي الْعِلَّةِ كَثَوْبٍ عَنْ دَرَاهِمَ
ــ
الدنانير؟ فقال: (لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء) رواه الأربعة والحاكم [٢/ ٤٤]، وقال: على شرط مسلم.
و (البقيع) بالباء: بقيع الغرقد مدفن أموات أهل المدينة كانوا يبيعون فيه الإبل؛ لقلة الموتى فيه.
وقال ابن باطيش وابن معن: إنه بالنون، ورد عليهما المصنف ذلك.
والقديم: منع الاستبدال؛ لأنه بيع ما لم يقبض.
وفي قول ثالث: يجوز استبدال أحد النقدين عن الآخر ولا يجوز استبدال غيرهما، وفي حقيقة الثمن: ثلاثة أوجه:
أحدها: ما اتصلت به باء الثمنية نقدًا كان أو غيره.
والثاني: النقد، حتى لو باع عرضًا بعرض .. فلا ثمن فيه، ولو باع أحد النقدين بالآخر .. فلا مثمن فيه.
والثالث: الأصح: أنه النقد، فإن لم يكن أو كانا نقدين .. فالثمن ما اتصلت به الباء.
قال: (فإن استبدل موافقًا في علة الربا كدراهم عن دنانير .. اشترط قبض البدل في المجلس)؛ فرارًا من الربا.
قال: (والأصح: أنه لا يشترط التعيين في العقد) كما لو تصارفا في الذمة ثم عيَّنَا وتقابضا.
والثاني: يشترط؛ لئلا يكون بيع دين بدين.
قال: (وكذا القبض في المجلس إن استبدل ما لا يوافق في العلة كثوب عن دراهم) كما لو باع ثوبًا بدراهم في الذمة، فلا يشترط قبض الثوب.
стр. 1705
وَلَوِ اسْتَبْدَلَ عَنِ الْقَرْضِ وَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ .. جَازَ، وَفِي اشْتِرَاطِ قَبْضِهِ فِي الْمَجْلِسِ مَا سَبَقَ. وَبَيْعُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ بَاطِلٌ فِي الأَظْهَرِ؛
ــ
والثاني: يشترط؛ لأن أحد العوضين دين فيشترط قبض الآخر كرأس مال السلم، فإن قلنا: لا يشترط القبض .. فلابد من التعيين في المجلس، فتقرر: أن هذا القسم –وهو غير الموافق- لا يشترط تعيينه في العقد ولا قبضه في المجلس على الأصح، بل تعيينه فيه.
وعلى هذا: يكون قولهم: إن ما في الذمة لا يتعين إلا بالقبض محمول على ما بعد اللزوم، أما قبله .. فيتعين برضاهما وينزل ذلك منزلة الزيادة والحط، هكذا قاله في (المطلب) في (كتاب الصلح) وهو حسن.
وحيث استبدل لا يستبدل المؤجل عن الحال، ويجوز عكسه ويصير كأن مَن عليه المؤجل عجَّله.
قال: (ولو استبدل عن القرض وقيمة المتلف .. جاز)؛ لأنه ليس بثمن ولا مثمن، فيجوز الاستبدال عنه بلا خلاف، بخلاف دين السلم.
وقوله: (عن القرض) أي: دين القرض، ولابد في الاستبدال من لفظ (عقد)، فلو أعطاه بغير معاوضة .. لم يملكه وكان مضمونًا عليه.
قال: (وفي اشتراط قبضه في المجلس ما سبق) فيفصل بين الموافق في علة الربا والمخالف.
قال: (وبيع الدين لغير من عليه باطل في الأظهر)؛ لأنه لا يقدر على تسليمه.
والثاني: يصح؛ لاستقراره وكبيعه ممن هو عليه وهو الاستبدال كما تقدم، وصححه في زوائد (الروضة) هنا، وفي (أصلها) في (كتاب الخلع)، واختاره الشيخ.
وإذا قلنا: يصح اشتراط قبض أحد العوضين في المجلس، فإن تفرقا قبله .. بطل على المشهور.
стр. 1706
بِأَنِ يَشْتَرِيَ عَبْدَ زَيْدٍ بِمِئَةٍ لَهُ عَلَى عَمْرٍو. وَلَو كَانَ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو دَيْنَانِ عَلَى شَخْصٍ، فَبَاعَ زَيْدٌ عَمْرًا دَيْنَهُ بِدَيْنِهِ .. بَطَلَ قَطْعًا. وَقَبْضُ الْعَقَارِ: تَخْلِيَتُهُ لِلْمُشْتَرِي وَتَمْكِينُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ، بِشَرْطِ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ،
ــ
وقال ابن الصباغ: لا يحتاج إلى قبضه.
واحترز بـ (بيع الدين لغير من عليه) عن بيعه ممن هو عليه، ويسمى استبدالًا؛ فإن ذلك جائز عند الجمهور كما تقدم.
قال: (بأن يشتري عبد زيد بمئة له على عمرو) وهذا تصوير المسألة، لكن يشترط أن يكون الدين حالًا، فإن كان مؤجلًا .. لم يجز قطعًا؛ لعدم القدرة على تسليمه ومقتضى هذا: أن لا يصح بيع الدين على معسر وجاحد لا بينة عليه به.
قال: (ولو كان لزيد وعمرو دينان على شخص، فباع زيد عمرًا دينه بدينه .. بطل قطعًا)؛ لأنه بيع دين بدين، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ، رواه الحاكم [٢/ ٥٧] وصححه، وبهذا فسره الفقهاء، لكن أهل اللغة قالوا: إنه النسيئة بالنسيئة، ولا فرق بين أن يتفق الجنس أو يختلف.
قال: (وقبض العقار: تخليته للمشتري وتمكينه من التصرف)؛ لأن الشرع أطلق القبض وأناط به أحكامًا ولا حد له في اللغة فرجع فيه إلى العرف كالحرز في السرقة وغيره، والعرف قاض بما ذكره المصنف.
والمراد: أن يرفع البائع يده عنه ويمكن المشتري منه؛ بأن يعطيه المفتاح بلا مانع شرعي ولا حسي سواء دخله أم لا.
قال: (بشرط فراغه من أمتعة البائع)؛ لأنه مع الشغل بالأمتعة لا يتأتى تسليمه، هذا هو الأصح الذي جزم به الرافعي هنا، وحكى في (باب الألفاظ المطلقة) في (البيع) وجهًا في صحة قبض الدار المشحونة بالأمتعة: أنه يصح وأن الإمام ادعى: أنه ظاهر المذهب، ونبه المصنف على ذلك هنا غير أنه سبق قلمه من صحة القبض إلى صحة البيع.
стр. 1707
فَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْعَاقِدَانِ الْمَبِيعَ .. اعْتُبِرَ مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْمضِيُّ إِلَيْهِ في الأَصَحِّ. وَقَبْضُ الْمَنْقُولِ: تَحْوِيلُهُ،
ــ
والدار المشحونة بالأمتعة بيعها صحيح بلا خلاف، فلو جعل البائع الأمتعة في بيت وخلى بين المشتري وبين بقية الدار .. حصل القبض فيما عدا ذلك البيت، وتقييد المصنف بـ (أمتعة البائع) يخرج أمتعة المشتري والمستأجر والمستعير.
قال: (فإن لم يحضر العاقدان المبيع .. اعتبر مضي زمن يمكن فيه المضي إليه في الأصح) أشار إلى مسألتين:
إحداهما: أن حضور العاقدين ليس بشرط في صحة قبض العقار، وهو الأصح؛ لما في تكلف ذلك من المشقة.
وقيل: يشترط حضورهما؛ لأنه أقرب إلى حقيقة الإقباض والقبض.
وقيل: يشترط حضور المشتري؛ ليتأتى إثبات اليد عليه.
الثانية: إذا لم يشترط الحضور .. فيشترط مضي زمن يمكن فيه الوصول إليه؛ لأنه بذلك يسمى قابضًا عرفًا.
والثاني: لا يشترط؛ لأنه لا معنى لاعتباره مع عدم الحضور.
قال: (وقبض المنقول: تحويله)؛ لما روى الشيخان عن ابن عمر ﵄: (أنهم كانوا يتبايعون الطعام جزافًا بأعلى السوق فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى يحولوه)، ولأن العادة في المنقول ذلك.
وقيل: إذا اشترى الأب مال طفله من نفسه أو باع منه .. لم يشترط تحويله.
وقيل: إذا اشترى أمتعة مع دار صفقة .. كفى في الأمتعة التخلية تبعًا للدار.
والأصح: ما أطلقه المصنف، لكن يستثنى: إتلاف المشتري المبيع؛ فإنه قبض.
فعلى المذهب: يأمر العبد بالانتقال من موضعه ويسوق الدابة.
стр. 1708
فَإِنْ جَرَى الْبَيْعُ بِمَوْضِعٍ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ .. كَفَى نَقْلُهُ إِلَى حَيِّزٍ، وَإِنْ جَرَى فِي دَارِ الْبَائِعِ .. لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنِ الْبَائِعِ فَيَكُونُ مُعِيرًا لِلْبُقْعَةِ
ــ
كل هذا في غير الخفيف الذي لا يتناول باليد كالثوب ونحوه؛ فإنه يقبض بالتناول جزمًا.
قال: (فإن جرى البيع بموضع لا يختص بالبائع) كمسجد أو شارع أو دار المشتري (.. كفى نقله إلى حيز) أي: منه؛ لأن ذلك يعد قبضًا عرفًا وإن كان وضع المتاع في المسجد حرامًا إن ضيق على المصلين، ومكروه إن لم يضيق.
وقوله: (فإن جرى البيع) تبع فيه (المحرر) وهو غير مستقيم؛ فإن جريان البيع لا مدخل له في ذلك بل العبرة بوجود المبيع في المكان المنقول إليه، ولهذا عبر الرافعي بقوله: وإن كان المبيع بـ (الميم)، وكذلك هو في (الروضة).
وقوله: (لا يختص بالبائع) يشمل ما اختص بالمشتري بملك أو إجارة أو إعارة، وما لا يختص به أحد كالمسجد والشارع والموات، ويشمل المغصوب من أجنبي، وفي الاكتفاء به نظر.
قال: (وإن جرى في دار البائع .. لم يكف ذلك) أي: نقله إلى حيز منها دون إذن البائع؛ لأن يد البائع عليها وعلى ما فيها.
واستشكل ابن الصلاح كون ذلك ليس بقبض؛ لأنه إذا أخذه ورفعه لينقله .. صار بمجرد ذلك مقبوضًا من غير توقف على وضعه.
وأجاب في (شرح المهذب) بأن أهل العرف لا يعدون مجرد رفعه قبضًا.
نعم؛ يستثنى ما قبضه بالتناول كالثياب إذا قبضها ووضعها شيئًا فشيئًا فيكفي ذلك.
والمراد بعدم الاكتفاء بما ذكره المصنف: أن ضمان العقد لا ينتقل ولا يجوز التصرف فيه، لكن يدخل في ضمانه حتى يطالب به إذا خرج مستحقًا لوضع يده عليه.
قال: (إلا بإذن البائع) أي: في القبض والنقل (فيكون معيرًا للبقعة) التي أذن
стр. 1709
فَرْعٌ:
لِلْمُشْتَرِي قَبْضُ الْمَبِيعِ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا أَوْ سَلَّمَهُ، وَإِلَّا .. فَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ
ــ
في النقل إليها، فإن لم يأذن إلا في النقل .. فأطلق الإمام: أنه لا يحصل القبض؛ لأن الإذن في النقل لا يقتضي العارية.
تتمة:
إذا ملك المشتري الموضع الذي فيه المبيع ببيع أو هبة مع قبض .. فالتخلية تقوم مقام نقله، ولو استعاره .. لم يكن قبضًا، ولو استأجره .. فوجهان: أصحهما عند الروياني: أنه قبض، وصحح المصنف: أنه لا يكون قبضًا.
قال: (فرع:
للمشتري قبض المبيع إن كان الثمن مؤجلًا) سواء أذن البائع أو لم يأذن، سواء كان حالًا بطريق الأصالة أو حل قبل التسليم، كما أن للمرأة قبض الصداق بغير إذن الزوج إذا سلمت نفسها.
قال: (أو سلمه) أي: جميعه، أما إذا سلم بعضه .. فلا أثر له في الأصح، كما صرح به الرافعي في تفريق الصفقة.
وقيل: يستحق تسليم قسطه من المبيع إن كان يقبل القسمة.
قال: (وإلا .. فلا يستقل به) بل لا بد من إذن البائع؛ لأن له حق حبسه بالثمن، ولو أخذه .. فعليه رده ولا ينفذ تصرفه فيه كالمرهون، لكن يدخل في ضمانه؛ ليستقر الثمن عليه، ولو خرج مستحقًا .. طولب به كما تقدم.
стр. 1710
وَلَوْ بِيعَ الشَّيْءُ تَقْدِيرًا كَثَوْبٍ وَأَرْضٍ ذَرْعًا، وَحِنْطَةٍ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا .. اشْتُرِطَ مَعَ النَّقْلِ ذَرْعُهُ أَوْ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ، مِثَالُهُ: بِعْتُكَهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ آصُعٍ. وَلَوْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ مُقَدَّرٌ عَلَى زَيْدٍ، وَلِعَمْرٍو عَلَيْهِ مِثْلُهُ .. فَلْيَكْتَلْ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يُكِيلُ لِعَمْرٍو
ــ
قال: (ولو بيع الشيء تقديرًا كثوب وأرض ذرعًا، وحنطة كيلًا أو وزنًا .. اشترط مع النقل ذرعه) أي: إن بيع ذرعًا (أو كيله) أي: إن بيع كيلًا (أو وزنه) أي: إن بيع وزنًا، وكذا عده في المعدود؛ لأن المكيل ورد فيه النص، وهو قوله ﷺ : (من ابتع طعامًا .. فلا يبعه حتى يكتاله) رواه مسلم [١٥٢٥/ ٢٩]، وقيس الباقي عليه.
فلو خالف وقبض جزافًا .. لم يملك التصرف في شيء منه، ولكن يدخل المقبوض في ضمانه كما تقرر.
قال: (مثاله: بعتكها كل صاع بدرهم، أو على أنها عشرة آصع) وكذلك بعتك عشرة آصع منها.
ومثال الذرع: بعتك هذا الثوب كل ذراع بدرهم.
ومثال الوزن: بعتك هذا العسل كل رطل بدرهم.
ومثال العد: بعتك هذه الأغنام كل شاة بعشرة، ثم إن اتفقا على كيال .. فذاك، وإلا .. نصب الحاكم أمينًا يتولاه، قاله الماوردي.
وإذا تولى ما ذكرناه أحد المتبايعين .. وجب عليه العدل، وحرم عليه التطفيف.
قال في (الإحياء): وكل من خلط بالطعام ترابًا، أو وزن مع اللحم عظامًا لم تجر العادة به .. فهو من المطففين، وكذا إذ جر البزاز الثوب مع الذرع عند بيعه لغيره.
قال: (ولو كان له طعام مقدر على زيد، ولعمرو عليه مثله .. فليكتل لنفسه ثم يكيل لعمرو)؛ ليكون قبضه قبل إقباضه.
وروى ابن ماجه [٢٢٢٨] والدارقطني [٣/ ٨] عن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري).
стр. 1711
فَلَوْ قَالَ: اقْبِضْ مِنْ زَيْدٍ مَا لِيَ عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ فَفَعَلَ .. فَالْقَبْضُ فَاسِدٌ.
فَرْعٌ:
قَالَ الْبَائِعُ: لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ الثَّمَنَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ مِثْلَهُ
ــ
فلو اشترى طعامًا مكايلة أو أسلم فيه فاكتاله وتركه في المكيال ونقله ثم باعه مكايلة .. لم يكف تسليمه للمشتري كذلك بل لابد من صبه واستئناف كيله على الأصح عند البغوي؛ لعدم جريان الصاعين فيه.
والأصح: أنه يكفي ذلك؛ لأن استدامة الكيل كابتدائه.
قال: (فلو قال: اقبض من زيد ما لي عليه لنفسك ففعل .. فالقبض فاسد)؛ لاتحاد القابض والمقبض، أما قبضه الأول من زيد لبكر .. فصحيح في الأصح، وكذا لو قال: اقبضه لي ثم اقبضه لنفسك .. فإنه يصح القبض الأول لبكر في الأصح، ولا يصح لنفسه في الأصح.
تتمة:
أجرة الكيال على البائع، ووزن الثمن على المشتري، وفي أجرة النقاد وجهان: قال في (الروضة): ينبغي أن يكون الأصح: أنها على البائع، قال في (المطلب): وهو الأشبه.
وأجرة النقل المحتاج إليه في تسليم المنقول على المشتري على ما دل عليه كلام الشافعي ﵁ وصرح به المتولي.
قال: (فرع:
قال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري في الثمن مثله ..
стр. 1712
أُجْبِرَ الْبَائِعُ، وَفِي قَوْلٍ: الْمُشْتَرِي، وَفِي قَوْلٍ: لَا إِجْبَارَ، فَمَنْ سَلَّمَ .. أُجْبِرَ صَاحِبُهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُجْبَرَانِ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا .. سَقَطَ الْقَوْلَانِ الأَوَّلَانِ وَأُجْبرَا فِي الأَظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
أجبر البائع)؛ لأن حق المشتري في العين وحق البائع في الذمة، فقدم ما يتعلق بالعين كأرش الجناية مع غيره من الديون.
وأورد على هذه العلة: ما إذا أوصى لرجل بعبد معين ولآخر بعبد مطلق وضاق الثلث .. فإنه لا يقدم أحدهما على الآخر، ومنهم من علله بأن البائع يجبر على تسليم ملك غيره والمشتري على تسليم ملك نفسه.
ومحل إجبار البائع: إذا باع مال نفسه، أما إذا باع مال غيره بوكالة أو ولاية .. فلا يسلم المبيع حتى يقبض الثمن، كما سيأتي في المفلس والوكيل وعامل القراض.
قال: (وفي قول: المشتري)؛ لأن حقه متعين في العين وحق البائع غير متعين في الثمن، ومحل هذا: إذا كان الثمن حالًا.
قال: (وفي قول: لا إجبار، فمن سلم .. أجبر صاحبه)؛ لأن كلًا منهما ثبت له الاستيفاء وعليه الإيفاء فاستويا.
وعلى هذا: يمنعهما الحاكم من التخاصم.
قال: (وفي قول: يجبران)؛ لأن التسليم واجب عليهما.
ومعنى (الإجبار): أن يؤمر بالتسليم لعدل وهو يسلم إليهما، ولا يضره بأيهما بدأ.
قال: (قلت: فإن كان الثمن معينًا .. سقط القولان الأولان وأجبرا في الأظهر والله أعلم)؛ لاستواء الجانبين وسواء كان الثمن نقدًا أو عرضًا.
فلو كان الثمن مؤجلًا .. أجبر البائع قطعًا، وليس له المطالبة برهن ولا كفيل؛ لأنه المفرط، ولو لم يتفق التسليم حتى حل الأجل .. فلا حبس أيضًا على الأصح كما تقدم.
ولو تنازع وكيلان .. قال الإمام: أجبرا.
стр. 1713
وَإِذَا سَلَّمَ الْبَائِعُ .. أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي إِنْ حَضَرَ الثَّمَنُ، وَإِلَّا: فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا .. فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ بِالْفَلَسِ، أَوْ مُوسِرًا وَمَالُهُ بِالْبَلَدِ أَوْ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ .. حُجِرَ عَلَيْهِ فِي أَمْوَالِهِ حَتَّى يُسَلِّمَ،
ــ
وحكم تنازع المكتري والمكري في البداءة بالتسليم حكم البائع والمشتري بلا فرق.
قال: (وإذا سلم البائع .. أجبر المشتري إن حضر الثمن) أي: حضر في المجلس؛ لأنه واجب عليه، ولا مانع منه سواء قلنا: يجبر البائع أو لا، ولكنه تبرع وسلم.
وفهم من كلام المصنف: أنه لا يثبت للبائع في هذه الحالة الفسخ بإصرار المشتري على الامتناع، وهو كذلك على الأصح، وقد صرح به المصنف في (كتاب التفليس).
والمراد بـ (الثمن): النوع الذي يعطى منه؛ لأن الكلام فيما إذا كان الثمن في الذمة.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يكن حاضرًا (فإن كان معسرًا .. فللبائع الفسخ بالفلس) هذا هو المنصوص.
وقيل: تباع السلعة ويقضى دينه من ثمنها.
والمراد بـ (المعسر) هنا: من ليس له مال غير السلعة، سواء كانت السلعة قدر الثمن أو أكثر، وهذا الفسخ هو الفسخ بالفلس بعينه فيشترط فيه حجر الحاكم.
وصورة المسألة: إذا سلم بإجبار الحاكم، فلو فرض التسليم متبرعًا .. لم يجز الفسخ إذا وفت السلعة بالثمن في الأصح.
قال: (أو موسرًا وماله بالبلد أو مسافة قريبة .. حجر عليه في أمواله حتى يسلم)؛ لئلا يتصرف فيها بما يفوت به حق البائع، سواء كانت أمواله وافية بالثمن أم لا، ولهذا سماه الأصحاب: الحجر الغريب.
стр. 1714
فَإِنْ كَانَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ .. لَمْ يُكَلَّفِ الْبَائِعُ الصَّبْرَ إِلَى إِحْضَارِهِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ، فَإِنْ صَبَرَ .. فَالْحَجْرُ كَمَا ذَكَرْنَا. وَلِلْبَائِعِ حَبْسُ مَبِيعِهِ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ إِنْ خَافَ فَوْتَهُ بِلَا خِلَافِ، وَإِنَّمَا الأَقْوَالُ إِذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهُ وَتَنَازَعَا فِي مُجَرَّدِ الِابْتِدَاءِ
ــ
والمراد بـ (المسافة القريبة): ما دون مسافة القصر.
وهذا الحجر يخالف الحجر على المفلس من وجهين:
أحدهما: أنه لا يتسلط على الرجوع إلى عين المال.
والثاني: أنه لا يتوقف على ضيق المال عن الوفاء.
واتفقوا على: أنه إذا كان محجورًا عليه بالفلس .. لم يحجر عليه هذا الحجر أيضًا؛ لعدم الحاجة إليه، ومقتضى إطلاق الأكثرين: أن هذا الحجر لا ينفك بمجرد التسليم بل لابد من فك القاضي.
قال: (فإن كان بمسافة القصر .. لم يكلف البائع الصبر إلى إحضاره)؛ لما فيه من الضرر عليه بتأخير حقه.
وقال ابن سريج: يكلف ذلك بشرط رد المبيع إليه والحجر على المشتري.
قال: (والأصح: أن له الفسخ)؛ لتعذر تحصيل الثمن، كما لو أفلس المشتري بالثمن.
والثاني: يباع ويؤدى حقه من ثمنه كسائر الديون.
قال: (فإن صبر .. فالحجر كما ذكرنا)؛ لاحتمال تفويته المال.
وقيل: إنما يحجر حيث لا يثبت الفسخ.
قال: (وللبائع حبس مبيعه حتى يقبض ثمنه إن خاف فوته بلا خاف، وإنما الأقوال إذا لم يخف فوته وتنازعا في مجرد الابتداء)؛ لأن الإجبار عند خوف الفوات بالهرب أو تمليك المال ونحو ذلك فيه ضرر ظاهر، وهكذا الحكم في المشتري
стр. 1715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أيضًا، فلو عبر المصنف بقوله: ولكل حبس ما بذله حتى يقبض عوضه .. كان أولى.
وقوله: (بلا خلاف) تبع فيه (المحرر)، وهي طريقة الأكثرين.
تتمة:
قال الأصحاب: إذا تبرع البائع بالتسليم .. لم يكن له حق الحبس، وكذا لو أعاره البائع للمشتري على الأصح.
وصورة إعارة البائع للمشتري: أن يؤجر عينًا ثم يبيعها لغيره ثم يستأجرها من المستأجر أو يهبها له المستأجر أو يوصي له بها ثم يعيرها للمشتري قبل القبض، وكذلك إذا باعه نصف عين ثم أعار النصف الذي على ملكه قبل قبض المشتري ما اشتراه.
هذا إذا أرادوا مطلق الإعارة، فإن أرادوا إعارة المبيع .. لم تأت هذه الصورة.
* * *
خاتمة
أهمل المصنف من هذا الموضع حكم (الإقالة) وهي: تراد أحد العوضين، وهي جائزة، بل تستحب إذا ندم أحدهما .. أن يقيله الآخر؛ لقوله ﷺ : (من أقال مسلمًا .. أقال الله عثرته) رواه أبو داوود [٣٤٥٤].
وصيغتها: تقايلنا، أو تفاسخنا، أو يقول أحدهما: أقلتك، فيقول: قبلت، وما أشبهه.
وهي فسخ في أظهر القولين، وهو الجديد، وبيع في الآخر.
فعلى الجديد: هل الفسخ من الآن أو من أصله؟ فيه وجهان: ظاهر تصحيح الرافعي: الأول، وتظهر فائدتهما في الزوائد.
стр. 1716
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتجوز في السلم وفي المبيع قبل القبض إذا قلنا: فسخ، وإن قلنا: بيع .. فلا، ولا تجوز بعد التلف إن قلنا: بيع، وإلا .. فالأصح: الجواز.
ولو أقاله على أن ينظره بالثمن أو يأخذ الصحاح عن المكسرة .. لم يصح.
وللورثة الإقالة بعد موت المتعاقدين.
وتجوز في بعض المبيع معينًا، فإن تقايلا أحد العبدين مع بقاء الثاني .. لم تجز على قولنا: بيع للجهل بحصة كل واحد.
وتجوز في بعض المسلم فيه، لكن لو أقاله من بعضه ليعجل الباقي أو عجل بعضه ليقيله من الباقي .. فهي فاسدة.
وإذا اختلفا في الثمن بعد الإقالة .. فالأصح: أن القول قول البائع، وقيل: قول المشتري، وقيل: يتحالفان وتبطل الإقالة، وإن اختلفا في وجود الإقالة .. صدق منكرها.
* * *
стр. 1717
بَابُ التَّوْلِيَةِ وَالإِشْرَاكِ وَالْمُرَابَحَةِ
اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ قَالَ لِعَالِمٍ بِالثَّمَنِ: وَلَّيْتُكَ هَذَا الْعَقْدَ، فَقَبِلَ .. لَزِمَهُ مِثْلُ الثَّمَنِ
ــ
باب التولية والإشراك والمرابحة
يقال: ولي الرجل البيع ولاية وتولية: إذا قام فيه مقام المشتري.
و (الإشراك) مصدر أشركه أي: جعله شريكًا.
و (المرابحة) من الربح، وهو .. الزيادة، واستغنى المصنف بذكرها في الترجمة عن ذكر المحاطة مع عطفها عليها في الباب؛ لأن أحدهما يدل على الآخر، كقوله تعالى: ﴿سربيل تقيكم الحر﴾.
والأصل في التولية والإشراك: ما رواه أبو داوود مرسلًا [مراسيل ١٩٨] عن سعيد بن المسيب: أن النبي ﷺ قال: (لا بأس بالتولية في الطعام قبل أن يستوفى، ولا بأس بالشركة في الطعام قبل أن يستوفى).
والجواب: أنه مرسل عارضه عموم النهي عن بيع ما يقبض، وهو متصل صحيح.
قال: (اشترى شيئًا ثم قال لعالم بالثمن: وليتك هذا العقد) سواء قال: بما اشتريت، أو سكت (فقبل) أي: بلفظ: قبلت، أو توليت (.. لزمه مثل الثمن) قدرًا وصفة، وهو تنبيه على أنه يشترط: أن يكون مثليًا؛ ليأخذ المولي مثل ما بذل، فلو اشتراه بعرض .. لم تجز فيه التولية إلا إذا انتقل ذلك العرض من البائع إلى إنسان فولاه العقد.
ويشترط مع علمه بالثمن: أن يكون المولى أيضًا عالمًا، فإن جهله أحدهما .. ففيه الخلاف الآتي في (المرابحة) في قوله: (بطل عل الصحيح)، وجزم المصنف هنا وحكايته للخلاف هناك يفهم خلافه، وليس كذلك.
стр. 1718
وَهُوَ بَيْعٌ فِي شَرْطِهِ وَتَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ، لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الثَّمَنِ. وَلَوْ حُطَّ عَنِ المُوَلِّي بَعْضُ الثَّمَنِ .. انْحَطَّ عَنِ المُوَلَّى. وَالإِشْرَاكُ فِي بَعْضِهِ كَالتَّوْلِيَةِ فِي كُلِّهِ
ــ
قال: (وهو) أي: هذا العقد (بيع في شرطه)؛ لأن حد البيع صادق عليه، فتشترط فيه رؤية المبيع، والقبول على الفور، والقدرة على التسليم، ووجوب التقابض في المجلس إذا كان العوضان نقدين أو مطعومين وعلمهما بالثمن.
قال: (وترتب أحكامه) كتجدد الشفعة، وبقاء الزوائد على ملك المشتري، وغير ذلك.
وقيل: لا يكون بيعًا جديدًا، بل يكون المولى نائبًا عن المولي، فتنتقل الزوائد إليه ولا تتجدد الشفعة.
قال: (لكن لا يحتاج إلى ذكر الثمن)؛ لأن لفظ التولية يشعر به، فلو ذكره .. لم يضر.
قال: (ولو حُط عن المولي بعض الثمن .. انحط عن المولى) وإن كان ذلك بعد التولية؛ لأنه وإن كان بيعًا جديدًا فخاصته التنزيل على الثمن الأول.
وسكت المصنف عن حط الجميع، وحكمه: أنه إن كان بعد التولية .. انحط عن المولى أيضًا، وإن كان قبلها .. لم يصح، كما لو قال: بعتك بلا ثمن.
وقوله: (حُط) هو بضم الحاء؛ ليشمل حط البائع، والوارث، والحط الواقع في زمن الخيار وبعده.
حادثة:
وقع في (الفتاوى): أن رجلًا باع ولده دارًا بثمن معلوم ثم أسقط عنه جميع الثمن قبل التفرق من المجلس، فأجيب فيها بأنه يصير كمن باع بلا ثمن، وهو غير صحيح، فتستمر الدار على ملك الوالد.
قال: (والإشراك في بعضه كالتولية في كله) أي: في جميع الشرائط والأحكام؛
стр. 1719
إِنْ بَيَّنَ الْبَعْضَ، فَإِنْ أَطْلَقَ .. صَحَّ وَكَانَ مُنَاصَفَةً، وَقِيلَ: لَا. وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِمِئَةٍ ثُمَّ يَقُولَ: بِعْتُكَ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَرِبْحِ دِرْهَمٍ لَكُلِّ عَشَرَةٍ، أَوْ رِبْحِ (دَهْ يَازْدَهْ)
ــ
لأنه تولية في بعض المبيع ببعض الثمن الأول.
قال: (إن بين البعض)؛ لأن المبيع شرطه: أن يكون معلومًا، فإن أبهمه .. لم يصح للجهالة، ولو قال: مناصفة، أو بالنصف .. استويا فيه، وإن قال: في النصف .. كان له الربع، والمصنف أدخل (الألف واللام) على بعض، وهو ممتنع استعمالًا.
قال: (فإن أطلق .. صح وكان مناصفة) كما لو أقر بشيء لزيد وعمرو.
قال: (وقيل: لا) كما لو باع بألف ذهبًا وفضة، وبهذا جزم البغوي، ولم يصحح الرافعي في (الشرحين) ولا في (الروضة) شيئًا، وعبر في (المحرر) بالأشبه.
فرع:
للشريك الرد على الذي أشركه، فإذا رد عليه .. رد هو على الأول.
قال: (ويصح بيع المرابحة؛ بأن يشتري بمئة ثم يقول: بعتك بما اشتريت) أي: بمثله (وربح درهم لكل عشرة، أو ربح (ده يازده))؛ لأنه ثمن معلوم فجاز البيع فيه، كما لو قال: بعتك بمئة وعشرة.
و (ده) بالفارسية: عشرة، و (يازده): أحد عشر، و (دوازده): اثنا عشر، فإذا قال: (ده يازده) .. فمعناه: كل عشرة ربحُها درهم، و (ده دوازده) .. معناه: كل عشرة ربحها درهمان.
روى ابن أبي شيبة [٥/ ١٨٤] عن سعيد بن المسيب وابن سيرين أنهما قالا: لا بأس ببيع ده يازده.
وكان ابن عباس ﵄ يقول: (هو بيع الأعاجم).
стр. 1720
وَالْمُحَاطَّةِ كَبِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَحَطِّ (دَهْ يَازْدَهْ)، وَيُحَطُّ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: مِنْ كُلِّ عَشْرَةٍ
ــ
وقال عكرمة: (بيع ده يازده حرام)، وبه قال إسحاق، وأبطل البيع به؛ لعدم العلم بجملة الثمن.
لنا: القياس على بيع القطيع كل شاة بدرهم، وتأول البيهقي جميع النهي الوارد على حالة الجهل بالثمن، ويجوز أن يكون الربح من غير جنس الثمن.
قيل لعبد الرحمن بن عوف ﵁: ما سبب كثرة مالك؟ قال: ما كتمت عيبًا ولا رددت ربحًا.
فرع:
له أن يبيع مرابحة بعض ما اشتراه، ويذكر قسطه.
وقال المتولي: يشترط في جوازه: الإخبار بلفظ القيام أو رأس المال، ولا يجوز بلفظ: الشراء، وكلام الماوردي مشعر بخلافه، وأجرى المتولي ذلك في الثوبين والقفيزين وبعض العين، ووافقه الشيخ.
والأشبه: أنه لا يكتفى بتقويمه لنفسه بل يرجع إلى مقومين عدلين.
وقال ابن الرفعة: ينبغي أن يعتمد على ما يقع في نفسه، فإن جرى نزاع بينه وبين المشتري في ذلك .. فلابد من عدلين.
قال: (والمحاطة) وتسمى: المواضعة (كبعت بما اشتريت وحط (ده يازده))؛ لكون الثمن معلومًا بعد الحط.
قال: (ويحط من كل أحد عشر واحد)؛ لأن الربح في المرابحة جزء من أحد عشر، فليكن كذلك الحط من المحاطة.
قال: (وقيل: من كل عشرة) كما زيد في المرابحة لكل عشرة درهم، فإذا كان
следующие страницы →