Полный текст (5 377 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
وَفِي قَوْلٍ: بِجَمِيِعِهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ. وَلَوْ بَاعَ عَبْدَيْهِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ .. لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الآخَرِ عَلَى الْمذْهَبِ، بَلْ يَتَخَيَّرُ
ــ
قال: (وفي قول: بجميعه)؛ لأنه لغا ذكر المضموم فيقع في مقابلة الصحيح.
وفي قول ثالث: إن كان المبيع مما يتقسط الثمن على أجزائه كالمشترك .. وجب القسط، وإن تقسط على قيمته كالعبدين .. وجب المسمى.
وفي رابع: إن كان الآخر له قيمة كعبد الغير .. وجب القسط، وإن لم يكن كالخمر .. وجب المسمى؛ لعدم إمكان التوزيع.
تنبيه:
أطلق المصنف الخلاف، ومحله في غير الربوي، أما الربوي، فإذا خرج بعض أحد العوضين فيه مستحقًا وصححنا العقد في الباقي .. فالواجب حصته بلا خلاف؛ لأن الفضل بينهما حرام.
قال: (ولا خيار للبائع)؛ لتفريطه حيث باع ما لا يملك وطمع في استحقاق ما لا يستحق، وقيل: يثبت له الخيار إذا أوجبنا القسط.
قال: (ولو باع عبديه فتلف أحدهما قبل قبضه .. لم ينفسخ في الآخر على المذهب) هذا هو القسم الثاني من تفريق الصفقة وهو تفريقها في الدوام، وإنما لم ينفسخ العقد في الثاني؛ لأنه لم يجمع بين حلال وحرام.
والطريق الثاني: يتخرج على القولين فيما إذا باع ما يملكه وما لا يملكه؛ تنزيلًا للطارئ قبل القبض منزلة المقارن للعقد كما سوينا بينهما في الرد بالعيب.
قال: (بل يتخير) كما في الابتداء؛ لفوات مقصوده، وهذا راجع إلى الصور الثلاث.
هذا إذا كان الآخر في يد البائع أو يد المشتري باقيًا، فإن كان في يده تالفًا ..
стр. 1647
فَإِنْ أَجازَ .. فَبِالْحِصَّةِ قَطْعًا. وَلَوْ جَمَعَ فِي صَفْقَةٍ مْخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ كَإِجَارَةٍ وَبَيْعٍ أَوْ سَلَمٍ .. صَحَّا فِي الأَظْهَرِ، وَيُوَزَّعُ الْمُسَمَّى عَلَى قِيمَتِهِمَا،
ــ
فالأصح في (تعليق القاضي): أنه لا خيار له.
فعلى هذا: عليه حصته من الثمن.
والثاني: له الفسخ ويرد قيمته.
قال: (فإن أجاز .. فبالحصة قطعًا)؛ لأن الثمن قد يوزع عليهما في الابتداء.
وقوله: (قطعًا) تبع فيه (المحرر)، وكان الصواب: أن يعبر بالمذهب؛ لأن الشيخ أبا إسحاق المروزي طرد فيها القولين في عبده وعبد غيره.
قال: (ولو جمع في صفقة مختلفي الحكم كإجارة وبيع أو سلم .. صحا في الأظهر، ويوزع المسمى على قيمتهما) هذا تفريق الصفقة في اختلاف الأحكام.
مثال الإجارة والبيع: أجرتك داري شهرًا وبعتك عبدي هذا بكذا.
ومثال الإجارة والسلم: أجرتك داري شهرًا وبعتك صاع قمح في ذمتي سلمًا بكذا.
فهذه العقود مختلفة الحكم؛ لأن التأقيت في الإجارة شرط وهو في البيع مبطل، والسلم يشترط فيه قبض رأس المال في المجلس دون البيع.
ونظير ذلك: البيع والصرف؛ لأن التفرق قبل التقابض يبطل الصرف دون البيع.
وكذلك البيع والنكاح؛ لأن النكاح لا يفسد بفساد العوض بخلاف البيع.
إذا تقرر هذا: فوجه الصحة القياس على ما إذا باع ثوبًا وشقصًا من دار؛ فإنه يجوز وإن اختلفا في حكم الشفعة واحتجنا إلى التقويم بسببها.
ووجه البطلان: أن اختلاف الأحكام قد يعرض بسببه ما يوجب الفسخ فيحوج إلى التوزيع وتلزم منه الجهالة.
وأشار المصنف بـ (الإجارة والسلم) إلى أن شرط العقدين أن يكونا لازمين، فلو
стр. 1648
أَوْ بَيْعٍ وَنِكَاحٍ .. صَحَّ النِّكَاحُ، وَفِي الْبَيْعِ وَالصَّدَاقِ الْقَوْلَانِ. وَتَتَعَدَّدُ الصَّفْقَةُ بِتَفْصِيلِ الثَّمَن كَبِعْتُكَ ذَا بِكَذَا، وَذَا بِكَذَا، وَبِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ،
ــ
جمع بين بيع وجعالة .. لم يصح قطعًا.
ولم يعبر المصنف بعقدين مختلفي الحكم كما في (المحرر) و (الشرح) و (الروضة) و (التنبيه)؛ لئلا يرد عليه البيع والصرف، وما إذا باع عبدين وشرط الخيار في أحدهما دون الآخر، أو شرط في أحدهما يومًا وفي الآخر يومين؛ فإن ذلك كله عقد واحد، ومع ذلك فيه القولان لاختلاف الحكم.
قال: (أو بيع ونكاح .. صح النكاح)؛ لأنه لا يفسد بفساد الصداق، وهذه مكررة في (الصداق).
وصورتها: أن يتحد المستحق؛ بأن يقول: زوجتك بنتي وبعتك عبدها بكذا، إذا كانت تحت حجره أو وكلته في البيع، أو زوجتك أمتي وبعتك عبدي بكذا، إذا كان ممن تحل له الأمة.
قال: (وفي البيع والصداق القولان) أصحهما: الصحة، فيوزع على قيمة المبيع ومهر المثل كما سيأتي في (الصداق).
وإن قلنا: لا يصحان .. سقط جميع المسمى ووجب في النكاح مهر المثل.
وإن جمع بين بيع وخلع .. صح الخلع، وفي المسمى والبيع القولان.
قال: (وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن، كبعتك ذا بكذا، وذا بكذا) سواء فصل المشتري القبول كذلك أم لا على المذهب، فإن فصل الثمن كتفصيل البائع .. صح قطعًا؛ لانتفاء الجهالة، وإن قال: قبلتهما .. فهي متحدة.
قال: (وبتعدد البائع) كما إذا قالا: بعناك ذا بكذا، فإن قبل نصيبهما جملة .. صح قطعًا، وإن قبل نصيب أحدهما واقتصر عليه .. لم يصح في الأصح عند
стр. 1649
وَكَذَا بِتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ وَكَّلَاهُ أَوْ وَكَّلَهُمَا .. فَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ الْوَكِيلِ
ــ
الرافعي؛ لاقتضائه جوابهما، وصحح الشيخ الصحة تبعًا للمتولي، ولم يترددوا في التعدد بتعدد البائع، وحكوا وجهين في أنه: هل لأحدهما أن ينفرد بأخذ شيء من ثمنه؟ أصحهما: نعم.
ولو اشترى شقصين من اثنين .. فللشفيع أخذ نصيب أحدهما في الأصح.
ولو اشترى في العريا تسعة أوسق من اثنين .. صح في الأصح.
قال: (وكذا بتعدد المشتري في الأظهر) كقوله: بعتكما هذا بكذا، فتتعدد الصفقة قياسًا على تعدد البائع.
والثاني: لا تتعدد، كما ليس لأحدهما إفراد حصته بالرد، فأما إذا قلنا بالتعدد فقبل أحدهما دون الآخر .. لم يصح على الأصح عند الشيخين والبغوي؛ لعدم المطابقة.
والذي جزم به الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي والبندنيجي والجرجاني، ورجحه المتولي والإمام والغزالي والروياني وابن الرفعة والشيخ: الصحة؛ لأنه لو توقفت صحة قبول أحدهما على الآخر .. لما صح العقد.
ولو اشترى اثنان من اثنين .. فهو في حكم أربعة عقود.
ولا يخفى: أن الصفقة في العرايا والشفعة تتعدد بتعدد المشتري قطعًا وبتعدد البائع على الأصح، عكس المقرر هنا.
قال: (ولو وكلاه أو وكلهما .. فالأصح: اعتبار الوكيل)؛ لأن أحكام العقد من اشتراط الرؤية وثبوت خيار المجلس وغيرهما تتعلق به لا بالموكل.
والثاني: الاعتبار بالمعقود له؛ لأن مرجع أمر العقد إليه، وهذا هو الأصح في (الوجيز) وبعض نسخ (المحرر).
وقد اعتذر المصنف عنه في (الدقائق).
стр. 1650
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثالث: أن النظر في جانب الشراء إلى الوكيل، وفي جانب البيع إلى الموكل.
والرابع: عكسه.
كل هذا في غير الشفعة والرهن؛ ففيهما الاعتبار بالموكل لا بالوكيل.
تتمة:
من المناهي الداخلة في هذا القسم: مبايعة من في يده الحلال والحرام كالظلمة والمكاسين والمنجمين والذي يضرب بالشعير والحصى والرمل والمشعبذ، فكل ما يأخذه هؤلاء بهذا الفعل حرام.
وتكره مبايعتهم سواء كان الحرام أكثر أم الحلال، فإن استويا .. صح، وإن تحقق أن ما يأخذه حرام .. لم تصح المبايعة، وإن تحقق حله .. لم يكره.
وخصص الشيخ عز الدين الكراهة بما إذا كان ذلك من جنس الحرام الذي يكتسبه، فإن كان من غيره .. فلا بأس به وإن تردد في أنه اشتراه به.
وحرم مالك ﵁ معاملة من أكثر ماله حرام؛ لما في (البيهقي) وغيره: أن النبي ﷺ قال: (من لم يبال من أين مطعمه ولا من أين مشربه .. لم يبال الله به من أي أبواب جهنم أدخله).
وقال: (ملاك دينكم الورع).
وقال في (الإحياء): يحرم أخذ المال من السلطان إذا كان أكثر ما في بيت المال حرامًا كما هو الغالب.
قال المصنف: وهذا شاذ ليس مذهبنا، بل المذهب الكراهة.
стр. 1651
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خاتمة
إذا نهب متاع مخصوص فصادف الشخص من ذلك النوع شيئًا يباع، واحتمل أن يكون من المنهوب .. فتركه ورع.
والورع لمن اشترى شيئًا للأكل أو غيره: أن يشتريه بثمن في ذمته، فإنه يملكه قطعًا، بخلاف ما إذا اشتراه بالعين؛ فإنه لا يقطع بأنه ملكه.
* * *
стр. 1652
بَابُ الْخِيَارِ
يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي أَنْوَاعِ الْبَيْعِ:
ــ
باب الخيار
هو طلب خير الأمرين، والأصل في البيع اللزوم، إلا أن الشارع أثبت فيه الخيار رفقًا بالمتعاقدين، وهو نوعان: خيار تشه، وخيار نقيصة.
فخيار التشهي: ما يتعاطاه المتعاقدان باختيارهما وشهوتهما من غير توقف على فوات أمر في المبيع، وسببه: المجلس، أو الشرط.
وخيار النقيصة سببه: خلف لفظي، أو تغرير فعلي، أو قضاء عرفي، فمنه خيار العيب، والتصرية، والخلف، والفلس، والمرابحة، والتحالف، واختلاط الثمار، وتلقي الركبان.
قال: (يثبت خيار المجلس في أنواع البيع)؛ لقوله ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر) متفق عليه [خ٢١٠٧ - م١٥٣١] من رواية ابن عمر ﵄.
وكان ابن عمر ﵄ إذا اشترى شيئًا يعجبه .. فارق المجلس، وتفسير الراوي مقدم على تفسير غيره.
ورواه مالك ثم قال: وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به.
وقال بعض أصحابه: أشار إلى أن إجماع أهل المدينة على نفيه.
ورد بأن ابن المسيب وابن شهاب من أجل فقهاء المدينة ونصا على العمل به، ولم يرد عن أحد من أهلها قبل مالك تركه إلا عن ربيعة على خلاف عنه.
وكان محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب في عصر مالك ينكر عليه ذلك، وكان محمد المذكور عظيم الشأن يشبه سعيد بن المسيب.
وأنكره أبو حنيفة أيضًا.
стр. 1653
كَالصَّرْفِ وَبَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ وَالسَّلَمِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالتَّشْرِيكِ وَصُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ. وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ أَوْ مَوْقُوفٌ .. فَلَهُمَا الْخِيَارُ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي .. تَخَييَّرَ الْبَائِعُ دُونَهُ
ــ
وتعلق المالكية والحنفية بأمور قال ابن عبد البر: أكثرها تشعب لا حاصل له.
والمعنى فيه: أن البيع من عقود المغابنات فشرع فيه الخيار لدفع الغبن.
ودخل في كلام المصنف الإقالة إذا جعلناها بيعًا، وكذلك بيع الأب ما له من طفله وعكسه.
لكن يرد عليه الحوالة والقسمة؛ فالأصح: لا خيار فيهما وإن جعلناهما بيعًا.
وكذلك بيع العبد من نفسه لا خيار فيه على الأصح في (الشرح الصغير) و (شرح المهذب)؛ لأن الإنسان لا يجهل حال نفسه.
وأما الحوالة فيأتي حكمها في أول بابها إن شاء الله تعالى.
قال: (كالصرف وبيع الطعام بالطعام والسلم والتولية والتشريك وصلح المعاوضة) احترز بـ (المعاوضة) عن صلح الحطيطة فلا خيار فيه؛ لأنه إبراء أو هبة ولا خيار فيهما.
لكن يرد عليه الصلح على المنفعة ولا خيار فيه على الأصح؛ لأنه إجارة، وكذلك الصلح عن دم العمد لا خيار فيه أيضًا، قاله القاضي حسين.
قال: (ولو اشترى من يعتق عليه، فإن قلنا: الملك في زمن الخيار للبائع أو موقوف .. فلهما الخيار)؛ لوجود المقتضي له بلا مانع، وهذه طريقة الأكثرين، ولو اشترى من شهد بحريته .. فثلاثة أوجه: أصحها: يثبت للبائع دون المشتري.
قال: (وإن قلنا: للمشتري .. تخير البائع دونه)؛ تنزيلًا للسراية منزلة إعتاق المشتري الأجنبي في زمن الخيار، وعلى قولنا: (الملك له) يسقط خياره في الأصح ولا يسقط خيار البائع على الأصح.
стр. 1654
وَلَا خِيَارَ فِي الإِبْرَاءِ وَالنِّكَاحِ وَالْهِبَةِ بِلَا ثَوَابٍ، وَكَذَا ذَاتُ الثَّوَابِ وَالشُّفْعَةُ وَالإِجَارَةُ
ــ
تنبيه:
أطلق الشيخان وابن الرفعة: أن الخيار إذا انقضى في شراء القريب .. عتق.
قال الجوري في (باب القراض): إذا لم يوف الثمن لا يعتق وإن انقضى الخيار؛ لبقاء حق الحبس، كما لو ورثه وهو مرهون، وأشار الدارمي هناك إلى خلاف فيه.
قال: (ولا خيار في الإبراء والنكاح والهبة بلا ثواب) وهي المقيدة بنفيه والمطلقة إذا قلنا: لا تقتضيه؛ لأن اسم البيع لا يصدق على شيء من الثلاثة.
ولا خيار أيضًا: في الرهن، والوقف، والعتق، والطلاق، والعقود الجائزة.
قال: (وكذا ذات الثواب)؛ لأنها لا تسمى بيعًا، والخبر ورد في البيع، لكن في بابي (الهبة) و (الشفعة) من (الشرحين) و (الروضة) ما حاصله تصحيح الثبوت.
قال: (والشفعة) هذا في حق الشفيع، أما المشتري .. فلا خيار له قطعًا، واستدل لما صححه المصنف بأن المأخوذ منه لا خيار له ويبعد ثبوت خيار المجلس من أحد الجانبين، والذي صححه المصنف هنا وافق فيه (المحرر).
وصحح في (الشرح الكبير) في (الشفعة) ثبوت الخيار فيها للشفيع؛ لأن الأخذ فيها ملحق بالمعاوضات بدليل الرد بالعيب والرجوع بالعهدة، لا جرم استدرك عليه في (الروضة) هناك وصحح عدمه ونقله عن الأكثرين، فإن أثبتناه .. فمعناه: أنه بعد الأخذ يتخير في رد الملك وإمساكه، وهذا هو الأصح.
وقيل: معناه: أنه يتخير في المجلس قبل الأخذ بين الأخذ والترك.
ورجوع المالك في عين ماله بالفلس كالشفعة لا خيار فيه على الأصح.
قال: (والإجارة)؛ لأنها عقد غرر والخيار غرر فلا يضم غرر إلى غرر.
стр. 1655
وَالْمُسَاقَاةُ وَالصَّدَاقُ فِي الأَصَحِّ. ويَنْقَطِعُ بِالتَّخَايُرِ؛ بِأَنْ يَخْتَارَا لُزُومَهُ، فَلَوِ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا. سَقَطَ حَقُّهُ وَبَقِيَ لِلاخَرِ،
ــ
والثاني: يثبت فيها الخيار؛ لأنها معاوضة لازمة فأشبهت البيع.
وقيل: يثبت في الواردة على الذمة دون الواردة على العين.
وصحح المصنف في (تصحيحه) ثبوت الخيار في الإجارة المتعلقة بالزمان، ويلزم منه الثبوت فيما عدا ذلك بطريق أولى، لكن الصحيح المعتمد في أكثر كتبه وكتب الرافعي: عدم ثبوته فيها.
قال: (والمساقاة)؛ لأنها كالإجارة على العين، وقيل: أولى بالثبوت، وقيل: أولى بالعدم.
والمسابقة، إن قلنا: لازمة .. فكالإجارة.
قال: (والصداق)؛ لأن المال فيه تبع للنكاح ولا خيار فيه.
فعلى هذا: لو شرطه .. بطل ووجب مهر المثل، ويجري الوجهان في بدل الخلع.
قال: (في الأصح) أي: في المسائل الخمس؛ لأنها لا تسمى بيعًا.
والوجه الثاني: أن الخيار ثابت في الجميع؛ لأنها في معنى البيع لثبوت العوض.
قال: (وينقطع بالتخاير، بأن يختارا لزومه) كقولهما: ألزمناه، أو أجزناه، أو رفعنا الخيار، أو أبطلناه، أو أفسدناه؛ لقوله ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار) أي: إلا بيعًا شرط فيه الخيار.
وقيل: هو استثناء من المفهوم، أي: إلا ما شرط فيه خيار الثلاث فلا يلزم بالتفرق.
ومحل الاتفاق على اللزوم: إذا كان قول الآخر على الفور.
قال: (فلو اختار أحدهما) أي: اللزوم ولم يختر الآخر على الفور (.. سقط حقه وبقي للآخر) كخيار الشرط.
стр. 1656
وَبِالتَّفَرُّقِ بِبَدَنِهِمَا، فَلَوْ طَالَ مُكْثُهُمَا أَوْ قَامَا وَتَمَاشَيَا مَنَازِلَ .. دَامَ خِيَارُهُمَا، وَيُعْتَبَرُ فِي التَّفَرُّقِ الْعُزْفُ
ــ
وفيه وجه: يسقط خيار الآخر، لأن خيار المجلس لا يتبعض.
والثالث: يبقى لهما، وصححه الماوردي لما قلناه.
وجوابهما: أنه لا يتبعض ابتداء، أما دوامًا: فممنوع.
ولو التزم أحدهما وفسخ الآخر .. قدم الفسخ، ولو قال أحدهما: اختر، أو خيرتك، فقال: اخترت .. انقطع خيارهما، وإن سكت .. انقطع خيار القائل في الأصح ولا ينقطع خيار الساكت.
وإذا باع مال ولده من نفسه أو عكسه، فإن ألزم البيع لهما .. لزم، أو له .. بقي الولد، كذا قاله الشيخان وغيرهما، ولم يذكروا ما إذا ألزم البيع لولده .. فظن شيخنا أنه يلزمه ويسقط خيار الولي أيضًا، لما في إلزامه الولد دونه من عدم النظر له، وليس كذلك؛ فقد صرح في (البسيط) بأنه إذا بطل خيار أحدهما بقي الآخر، وهو الصواب.
قال: (وبالتفرق ببدنهما)؛ لحديث ابن عمر ﵄، ولابد في ذلك من وصف الاختيار، فلو حمل أحدهما مكرهًا .. لم يبطل خياره في الأصح، ولو هرب أحدهما ولم يتبعه الآخر .. بطل خيارهما، الهارب لفعله، والماكث لتمكنه من الفسخ بالقول.
واحترز (بالتفرق بالبدن) عن التفرق بالروح، يعني: عن التفرق بالموت؛ فإنه لا يبطل كما سيأتي.
قال: (فلو طال مكثهما أو قاما وتماشيا منازل .. دام خيارهما)؛ لعدم التفرق، وقيل: لا يزيد على ثلاثة أيام، وقيل: إذا أعرضا عما كانا فيه وطال الفصل .. انقطع، وقيل: ينقطع بانتقالهما إلى مجلس آخر.
قال: (ويعتبر في التفرق العرف) فما عده الناس تفرقًا .. لزم به العقد وما لا ..
стр. 1657
وَلَوْ مَاتَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ جُنَّ .. فَالأَصَحُّ: انْتِقَالُهُ إِلَى الْوَارِثِ وَالْوَلِيِّ
ــ
فلا، فلو كانا في سفينة أو دار أو مسجد صغار .. فبأن يخرج أحدهما من المكان أو يصعد السطح، وإن كانت الدار كبيرة .. فبأن ينتقل من صحنها إلى صفتها أو بيت من بيوتها، وإن كانا في سوق أو صحراء أو صحن دار .. فبأن يولي أحدهما ظهره الآخر ويمشي قليلًا على الأصح.
والثاني: يبعد بحيث لو كلمه على العادة لم يسمع.
والثالث: لابد أن يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع.
والرابع: يكفي تولية الظهر.
والخامس: بمشي خطوة.
والسادس: خطوتين.
والسابع: خطوات.
ولو بني بينهما جدار أو أرخي ستر أو جرى نهر .. لم يكف على الأصح.
فرع:
تبايعا بالمكاتبة وقبل المكتوب إليه إما لفظًا أو بالكتابة .. فله خيار المجلس ما دام في مجلس القبول، ويتمادى خيار الكاتب إلى أن ينقطع خيار المكتوب إليه.
قال: (ولو مات في المجلس أو جن .. فالأصح: انتقاله إلى الوارث والولي) كخيار الشرط والرد بالعيب، كذا نص عليه الشافعي ﵁ هنا، ونص في المكاتب على أنه إذا باع ومات في المجلس يلزم البيع ولا ينتقل الخيار إلى سيده، فقيل بتقريرهما، والأظهر: أنهما على قولين:
أصحهما: أن الخيار ينتقل للوارث والسيد، والإغماء كالجنون.
ويقابل الأصح: أنه يسقط، أما في الموت .. فلأن الخيار يسقط بمفارقة المكان فبمفارقة الدنيا أولى، وأما في الجنون .. فلأنه في معنى الموت بدليل إسقاط التكليف
стр. 1658
وَلَوْ تَنَازَعَا فِي التَّفَرُّقِ أَوِ الْفَسْخِ قَبْلَهُ .. صُدِّقَ النَّافِي
ــ
به، وهذا الخلاف يجري أيضًا في انتقاله إلى الموكل بموت الوكيل، وإلى السيد بموت المأذون.
فروع:
حيث قلنا بالانتقال فكان المنتقل إليه غائبًا فبلغه .. هل يكون على الفور أو يمتد امتداد مجلس بلوغ الخبر؟ فيه وجهان: أصحهما: الامتداد.
وإذا ورث الخيار جماعة، فإن كانوا حاضرين في المجلس .. فلهم الخيار إلى أن يفارقوا العاقد الآخر، فإن فارق بعضهم دون بعض .. لم ينقطع خيارهم في الأصح، وإذا فسخ بعضهم وأجاز بعض .. انفسخ في الجميع على الأصح.
وإذا تصرف الولي ثم أفاق المجنون .. لم يكن له نقض ما فعله من فسخ أو إجازة، فإن ادعى: أنه خلاف الحظ .. نظر القاضي، فإن وجده كما ادعى .. نقضه.
وإذا كان الوارث طفلًا أو مجنونًا .. نصب الحاكم من يفعل الأصلح له في فسخ أو إجازة.
وإذا خرس أحدهما في المجلس، فإن كانت له إشارة مفهمة أو كتابة .. فهو على خياره، وإلا .. أقام الحاكم عنه نائبًا.
قال: (ولو تنازعا في التفرق أو الفسخ قبله .. صدق النافي) أي: بيمينه في الأولى قطعًا، وفي الثانية على الأصح؛ لأن الأصل دوام الاجتماع.
والثاني: القول قول مدعي الفسخ؛ لأنه أعلم بتصرفه.
قال الرافعي وابن الأستاذ: إطلاق الأصحاب تصديق النافي ظاهر إن قصرت المدة، أما إذا طالت .. فدوام الاجتماع خلاف الظاهر، فلا يبعد تخريجه على الخلاف في تعارض الأصل والظاهر، وهو حسن.
стр. 1659
فَصْلٌ:
لَهُمَا وَلِأَحَدِهِمَا شَرْطُ الْخِيَارِ فِي أَنْوَاعِ الْبَيْعِ إِلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ كَرِبَوِيٍّ وَسَلَمٍ
ــ
تتمة:
اتفقا على التفرق والفسخ واختلفا في السابق .. فههنا تقابل أصلان، قال الشيخ: (ينبغي أن يقال: من سبق بدعوى الفسخ .. قبل قوله، فإن تساويا أو سبق أحدهما بدعوى التفرق .. صدق النافي للفسخ كما في الرجعة) اهـ
والذي قاله وجه محكي في (فروع ابن القطان) ﵀.
قال: (فصل:
لهما ولأحدهما شرط الخيار) بالإجماع كذا قاله الرافعي، وفي كلام الدارمي ما ينازع فيه.
فأما جوازه للمشتري .. فاستدل له بالحديث الآتي، وأما للبائع ولهما .. فبالقياس عليه.
ويجوز أن يشترط لأحدهما خيار يوم وللآخر خيار يومين أو ثلاثة وأن يشترط لأجنبي على الأصح؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى اشتراطه له؛ لكونه أعرف بالمعقود عليه، لكن لا يجوز للوكيل اشتراطه إلا لنفسه أو موكله.
قال: (في أنواع البيع) كبيع الحيوان والعقار وغيرهما وكالصلح حيث جعلناه بيعًا.
واحترز بتقييده بـ (البيع) عن الفسوخ والطلاق والعتاق والإبراء والنكاح والإجارة.
قال: (إلا أن يشترط القبض في المجلس كربوي وسلم)؛ فإنه لا يجوز اشتراطه لهما ولا لأحدهما، لأن الخيار أعظم غررًا من الأجل، فإذا امتنع الأجل .. امتنع الخيار من باب أولى.
стр. 1660
وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ لَا تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ،
ــ
وشمل قوله: (كربوي): الصرف وبيع الطعام بالطعام.
وأشار المصنف بالمثالين إلى: أنه لا فرق بين ما يشترط فيه القبض من الجانبين أو من أحدهما، لكن يرد على حصره: المصراة؛ فإنه يمتنع فيها اشتراط الخيار ثلاثًا للبائع، وإذا اشترى من يعتق عليه .. فإنه يمتنع شرط الخيار فيه للمشتري وحده؛ لأنه يلزم من ثبوته عدم ثبوته، والحوالة إذا جعلناها بيعًا .. فإنه لا خيار فيها، والشفعة لا يثبت فيها خيار الشرط وإن ثبت فيها خيار المجلس دون خيار الشرط في وجه، ولا يثبت في الهبة بثواب، وما عدا هذه المواضع يتلازم الخياران في الوفاق والخلاف.
قال: (وإنما يجوز في مدة معلومة)؛ نفيًا للغرر، فلو شرطه مطلقًا أو قدره بمدة مجهولة كمجيء زيد .. بطل العقد، خلافًا لمالك حيث قال: يصح، ويحمل على ما تقتضيه العادة فيه.
ولو تبايعا نهارًا بشرط الخيار إلى الليل .. لم تدخل الغاية.
قال: (لا تزيد على ثلاثة أيام)؛ لأن الأصل امتناعه لكونه مخالفًا لوضع البيع، لكن وردت السنة بالثلاث في المصراة فاقتصر عليه.
واستدل لأن الثلاث مدة قريبة مغتفرة بقوله تعالى: ﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب، فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلثة أيام﴾.
ولخصوص الخيار بما روى البيهقي [٥/ ٢٧٣] وابن ماجه [٢٣٥٥] بإسناد حسن عن ابن عمر ﵄ أنه قال: سمعت رجلًا من الأنصار يشكو إلى رسول الله ﷺ أنه لا يزال يغبن في البيع، فقال له النبي ﷺ : (إذا بايعت .. فقل: لا خلابة، ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال)، ورواه البخاري في (تاريخه) [٨/ ١٧] كذلك مرسلًا.
والحديث إلى قوله: (لا خلابة) رواه الشيخان [خ٢١١٧ - م١٥٣٣]، وما زاد على ذلك مرسل، لكن يحتج به لإجماع الأمة على جواز شرط الخيار ثلاثة أيام فما دونها،
стр. 1661
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلو زاد عليها .. بطل العقد جزمًا، ولم يخرجوه على تفريق الصفقة؛ لأن القاعدة في تفريق الصفقة: أن يجمع بين ما يجوز وما لا يجوز فيعقد عليهما، وهنا جمع بينهما في الشرط والشروط الفاسدة مبطلة للعقد كما تقدم.
وقال مالك ﵁: تجوز الزيادة على الثلاث بحسب الحاجة، حتى لو اشترى ضيعة يحتاج النظر فيها إلى شهر فصاعدًا .. جاز اشتراطه.
وعن أحمد: تجوز الزيادة بغير تحديد.
والرجل الذي كان يخدع في البيع .. قال المصنف في (مبهماته) والبخاري في (تاريخه): إنه منقذ –بالذال المعجمة- والد حبان- بفتح الحاء- وكان قد بلغ مئة وعشرين سنة.
وقال الخطيب البغدادي والبيهقي والمصنف في (شرح مسلم): إنه حبان بن منقذ، وجزم ابن الأثير بهما، وحبان ومنقذ صحابيان أنصاريان.
وقوله: (لا خلابة) هو بكسر الخاء المعجمة، ومعناه: لا غبن ولا خديعة، وهذه اللفظة في الشرع عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثًا، فإذا أطلقاها وكانا عالمين بمعناها .. ثبت، وإن كان جاهلين .. فلا، وكذا إن علمها البائع دون المشتري على الأصح.
ويدخل في الثلاث ما اشتملت عليه من الليالي للضرورة، بخلاف مدة مسح الخف فهي ثلاثة أيام وثلاث ليال.
ويشترط اتصال المدة بالعقد فلو شرط ثلاثًا في آخر الشهر، أو خيار الغد دون اليوم، أو متى شاء .. بطل البيع، ولو شرطا ثلاثًا ثم أسقطا اليوم الأول .. سقط الجميع.
ويشترط أن لا يكون المبيع مما يتسارع إليه الفساد قبل الثلاث، فإن كان كذلك وشرطا فيه المدة .. فوجهان:
стр. 1662
وَيُحْسَبُ مِنَ الْعَقْدِ، وَقِيلَ: مِنَ التَّفَرُّقِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ .. فَمِلْكُ الْمَبِيعِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي .. فَلَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا .. فَمَوْقوُفٌ، فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ .. بَانَ أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَإِلَّا .. فَلِلْبَائِعِ
ــ
أصحهما: يبطل أيضًا.
والثاني: يصح ويباع عند الإشراف على الفساد ويقام ثمنه مُقامه.
وحيث حكما بفساد العقد بشرط فاسد فحذفاه في المجلس .. لم ينقلب صحيحًا.
قال: (ويحسب من العقد) أي عند الإطلاق؛ لأن سببه العقد فاستعقبه، فلو شرطاه من التفرق .. بطل في الأصح.
قال: (وقيل: من التفرق)؛ لأنه لا فائدة له من خيار المجلس.
قال: (والأظهر: أنه إن كان الخيار للبائع .. فملك المبيع له، وإن كان للمشتري .. فله، وإن كان لهما .. فموقوف، فإن تم البيع .. بانَ أنه للمشتري من حين العقد، وإلا .. فللبائع) مجموع ما في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: الملك للبائع.
والثاني: للمشتري.
والثالث: موقوف.
والمذكور في الكتاب توسط ذكره جماعة وعليه الفتوى، وهي جارية في خيار المجلس وخيار الشرط، وينبني عليها الملك في الأكساب وما في معناها، كاللبن والبيض والثمرة ومهر الجارية الموطوءة بشبهة وغير ذلك.
وأما النفقة .. فقال الجيلي: إن قلنا: الملك لأحدهما .. فهي عليه، وإن قلنا: موقوف .. فعليهما.
وقال ابن الرفعة: يتجه أن يكون كالكسب ويعضده ما قاله الرافعي في نفقة الموصى به، قال: وحيث حكمنا بالملك في البيع لأحدهما .. حكمنا بملك الثمن للآخر، وحيث قلنا: أنه موقوف .. فالملك في الثمن كذلك.
стр. 1663
وَيَحْصُلُ الْفَسْخُ وَالإِجَازَةُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا كَفَسَخْتُ الْبَيْعَ، وَرَفَعْتُهُ، وَاسْتَرْجَعْتُ الْمَبِيعَ، وَفِي الإِجَازَةِ: أَجَزْتُهُ، وَأَمْضَيْتُهُ. وَوَطْءُ الْبَائِعِ وَإِعْتَاقُهُ فَسْخٌ، وَكَذَا بَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ وَتَزْوِيجُهُ فِي الأَصَحِّ
ــ
أما إذا شرطا الخيار لأجنبي .. فلم أر من تعرض لمن يكون فيه الملك والذي يظهر: أنه موقوف.
قال: (ويحصل الفسخ والإجازة بلفظ يدل عليهما كفسخت البيع، ورفعته، واسترجعت المبيع، وفي الإجازة: أجزته، وأمضيته)؛ لأنها صريحة في المقصود.
قال: (ووطء البائع وإعتاقه فسخ)؛ لأن الوطء يشعر باختيار الإمساك، والإعتاق يتضمنه، ووطؤه في هذه الحالة حلال وإعتاقه نافذ، وخالف الرجعة حيث لا تحصل بالوطء؛ لأن الملك يحصل بالفعل كالاحتطاب فكذلك تداركه، بخلاف النكاح، ومحل هذا في غير الإيلاج في فرج المشكل؛ فإنه إذا حصل من البائع أو المشتري لا يكون فسخًا ولا إجازة.
وأما مقدمات الوطء كالقبلة ونحوها .. فالأصح: أنها ليست فسخًا عند المصنف، والأشبه في (المطلب): أنها فسخ؛ لأنها لا تباح إلا بالملك.
والركوب والاستخدام ليس فسخًا في الأصل خلافًا للبغوي.
ثم إذا قلنا: وطء البائع فسخ .. فهل هو على إطلاقه، أو محله فيمن يبيح الملك وطأها في حال حتى لو كانت أخته لا يكون فسخًا؟ لا نقل فيه، والذي يظهر: أنه ليس بفسخ كما لو تلوط بالغلام.
قال: (وكذا بيعه وإجارته وتزويجه في الأصح)؛ لدلالتها على ظهور الندم.
والثاني: لا؛ لأن الأصل بقاء العقد فيستصحبه إلى أن يوجد الفسخ صريحًا.
وقال الرافعي: يجري هذا الخلاف في الوقف والهبة والرهن إذا اتصلا بالقبض، فإن جعلنا هذه التصرفات فسخًا. كانت صحيحة في الأصح؛ قياسًا على العتق.
стр. 1664
وَالأَصَحُّ: أَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِنَ الْمُشْتَرِي إِجَازَةٌ، وَأَنَّ الْعَرْضَ عَلَى الْبَيْعِ وَالتَّوْكِيلَ فِيهِ لَيْسَ فَسْخًا مِنَ الْبَائِعِ، وَلَا إِجَازَةً منَ الْمُشْتَرِي
ــ
قال: (والأصح: أن هذه التصرفات) وهي الوطء وما بعده (من المشتري إجازة)؛ لأن وطء البائع اختيار للمبيع فكذا وطء المشتري.
والثاني: لا؛ لأن الفسخ بالعيب لا يمنعه الوطء فكذا هنا.
ومحل الوجهين في الوطء والعتق: إذا لم يأذن البائع فيهما، فإن أذن .. كان إجازة منهما جزمًا.
وأما البيع وما بعده، فإن لم يأذن فيه البائع .. لم ينفذ، لكنه إجازة من المشتري في الأصح، وإن أذن فيه .. فالأصح: صحته، وهو إجازة قطعًا.
واحترز المصنف بـ (التصرفات) عن الإذن فيها، فمجرد ذلك لا يكون إجازة من البائع، حتى لو رجع قبل التصرف .. كان على خياره، قاله الصيدلاني وغيره.
قال في (شرح المهذب): وفيه نظر؛ لأن الاعتبار بالدلالة على الرضا، وهو حاصل بمجرد الإذن.
قال: (وأن العرض على البيع والتوكيل فيه ليس فسخًا من البائع، ولا إجازة من المشتري)؛ لأنهما لا يقتضيان إزالة ملك.
والثاني: نعم؛ قياسًا على الرجوع عن الوصية.
ويجريان في الرهن والهبة إذا لم يقبضا.
تتمة:
الوجهان في التوكيل حكاهما المتولي تفريعًا على قولنا: البيع فسخ.
وفي (الرافعي): أن في العرض على البيع والإذن والتوكيل وجهين في كونهما فسخًا من البائع أو إجازة من المشتري، فإن أراد بالإذن التوكيل .. فهو عطف الشيء
стр. 1665
فَصْلٌ:
لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بِظُهُورِ عَيْبٍ قَدِيمٍ كَخِصَاءِ رَقِيقٍ وَزِنَاهُ وَسَرِقَتِهِ وَإِبَاقِهِ
ــ
على نفسه، وإن أراد إذن البائع للمشتري في ذلك .. فهي مسألة الصيدلاني المتقدمة التي قطع فيها بأنه لا يكون بمجرده إجازة.
قال: (فصل:
للمشتري الخيار بظهور عيب قديم) بالإجماع وبالقياس على المصراة.
وروى أحمد [٦/ ٨٠] وأبو داوود [٣٥٠٤] والترمذي [١٢٨٥] وابن ماجه [٢٢٤٣] والحاكم [٢/ ١٥] عن عائشة ﵂: (أن رجلًا ابتاع غلامًا فأقام عنده ما شاء الله ثم وجد به عيبًا فخاصمه إلى النبي ﷺ فرده عليه).
والمراد بـ (القديم) ما كان قبل القبض ولو حدث بعد العقد، بدليل قوله بعد ذلك: (سواء قارن العقد أو حدث قبل القبض).
قال: (كخصاء رقيق)؛ لأن الفحل يصلح لما لا يصلح له الخصي.
و (الخصاء) بالمد: سل الأنثيين سواء أقطع الوعاء أم الذكر معهما أم لا.
ولو قال: كالخصاء .. كان أجود؛ لأن ذلك في البهائم أيضًا عيب، ولا نظر في ذلك إلى زيادة القيمة؛ لأن الخلقة التامة قد نقصت.
قال: (وزناه وسرقته وإباقه) ذكرًا كان أو أنثى، أقيم عليه الحد أم لا، ولا يشترط تكرر ذلك، بل لو فعل خصلة من الثلاث مرة واحدة .. كان عيبًا، وقيده الغزالي بالاعتياد، وسواء تاب الزاني وحسنت توبته أم لا، وسواء كان صغيرًا أم كبيرًا وإن كان لا حد على الصغير، لكنه يتعود.
وإذا وقعت المخاصمة حالة الإباق لا رد قطعًا ولا أرش على الأصح خلافًا لمالك.
والخيانة كالسرقة واللواط، وكونه يمكن من نفسه كالزنا.
ولو أبق في يد البائع مرة ثم أبق في يد المشتري أخرى .. فالأصح أن له الرد مميزًا كان أو غيره؛ لأن الإباق الثاني أثر الإباق الأول.
стр. 1666
وَبَوْلِهِ فِي الْفِرَاشِ وَبَخَرِهِ وَصِنَانِهِ، وَجِمَاحِ الدَّابَّةِ وَعَضِّهَا،
ــ
قال: (وبوله في الفراش) ذكرًا كان أو أنثى إلا أن يكون صغيرًا لا يعد ذلك عيبًا فيه، فهذا له شرطان: الاعتياد في الأصح والكبر.
وقيد البغوي الصغير بما دون سبع سنين، والقاضي أبو الطيب وغيره بأن لا يكون مثله يحترز منه.
قال: (وبخره) أي: الناشئ من المعدة، بخلاف الحاصل من القلح؛ فإنه يزول بتنظيف الفم.
قال: (وصنانه) أي: المستحكم الذي يحتاج في دفعه إلى علاج زائد على المعتاد.
ومن عيوب الرقيق: كونه نمّامًا، أو ساحرًا، أو قاذفًا للمحصنات، أو مقامرًا، أو تاركًا للصلاة، أو شاربًا للمسكر، وكونه أعمى، أو أعور، أو أعرج، أو أصم، أو أخرس، أو مجذومًا، أو أبرص، أو أقرع، أو مجنونًا، أو أبله، أو يأكل الطين، أو أخفش، أو أعشى، أو أخشم، أو أفقم، أو له إصبع زائدة، أو سن شاغية، أو مقلوع بعض الأسنان، أو أبيض الشعر في غير أوانهما، أو به نفخة طحال، وجعل الروياني منها كونه أعسر.
وفصل ابن الصلاح فقال: إن كان (أضبط) وهو: الذي يعمل بيمينه ويساره معًا .. فلا رد؛ لأن ذلك زيادة في القوة، وإن كان يعمل بيساره بدلًا عن يمينه .. فهو عيب.
ومن العيوب: كون الأمة لا تحيض في سن الحيض المعتاد.
قال: (وجماح الدابة وعضها)؛ لأن ذلك يعده الناس عيبًا، وكذلك إذا كانت
стр. 1667
وَكُلِّ مَا يَنْقُصُ الْعَيْنَ أَوِ الْقِيمَةَ نَقْصًا يَفُوتُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ إِذَا غَلَبَ فِي جِنْسِ الْمَبِيعِ عَدَمُهُ،
ــ
(رموحًا) وهي: التي ترفس من دنا منها، أو خشنة المشي بحيث يخاف منها السقوط.
و (الجماح) بكسر الجيم: امتناع الدابة على راكبها.
وشرط المتولي والروياني فيها: أن لا تنقاد إلا باجتماع الناس عليها.
ومن عيوبها: كونها تشرب لبن نفسها، وقلة أكلها، وكونها ترهب كل شيء تراه، ونحو ذلك.
قال: (وكل ما ينقص العين أو القيمة نقصًا يفوت به غرض صحيح إذا غلب في جنس المبيع عدمه) هذا ضابط يُكتفى به عن تفصيل العيوب، فدخل في نقصان العين الخصاء وقد تقدم.
و (فوات الغرض) قيد في نقصان العين خاصة، واحترز به عما لو قطع قطعة يسيرة من ساقه أو فخذه واندملت بلا شين، وعن الختان إذا اندمل.
ولو اشترى عبدًا فختنه ثم وجد به عيبًا .. كان له الرد؛ لأن الختان زيادة فضيلة ليس بعيب.
وقوله: (ينقص) هو على وزن يخرج، هذا هو الفصيح، قال تعالى: ﴿ثم لم ينقصوكم شيئا﴾، ويجوز فيه التشديد على قلة.
والتقييد بـ (الغلبة) راجع إلى القيمة والعين، فأما في القيمة .. فاحترز به عن الثيابة في الأمة الكبيرة فلا رد بها؛ لأنه ليس الغالب فيهن عدمها، وأما في العين .. فاحترز به عن قلع الأسنان في الكبير؛ فلا رد به كما تقدم.
فروع:
من العيوب: كون المكان ثقيل الخراج، أو منزل الجند، أو بقربه قصارون يؤذون بصوت دقهم، وظهور مكتوب قديم يقتضي وقفيته ولم يثبت، وكذلك شيوع الوقفية بين الناس؛ لأنها تقتضي نقص القيمة.
стр. 1668
سَوَاءٌ قَارَنَ الْعَقْدَ أَمْ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ،
ــ
وشق أذن الشاة إن منع الإجزاء في الأضحية .. كان عيبًا، وإلا .. فلا، وينبغي أن يفرق بين ما يقصد بها الأضحية وغيرها.
والحمل: جزم الشيخان هنا بأنه عيب في الجارية دون سائر الحيوان، وجزمًا في آخر الباب بأنه ليس بعيب فيهما، وقالا في (الصداق): إنه عيب فيهما، وفصلا في (الزكاة)، وفي (كفارة الإحرام) بينهما.
وإذا اختلفا في صفة هل هي عيب .. فالقول قول البائع، فإن قال واحد من أهل الخبرة: إنه عيب .. رد به، قال البغوي والقاضي والفوراني واعتبر المتولي شهادة اثنين، وبه أجاب القفال، وهو القياس، وإذا ادعى البائع علم المشتري بالعيب .. فالقول قول المشتري.
قال: (سواء قارن العقد أم حدث قبل القبض) أما المقارن .. فبالإجماع كما تقدم، وأما الحادث قبل القبض .. فلأن المبيع في تلك الحالة من ضمان البائع فكذا جزؤه وصفته.
هذا إذا كان التعيب بآفة سماوية أو من البائع أو أجنبي، فإن كان من المشتري .. فلا على الأصح كما سيأتي.
فلو حدث قبل القبض بسبب متقدم رضي به المشتري كما لو اشترى بكرًا مزوجة عالمًا فأزال الزوج بكارتها قبل القبض .. قال الشيخ: لم أر فيها نقلًا، والأقرب: القطع بأنه لا يوجب الرد لرضاه به.
قاعدة:
العيب سبعة أقسام:
في البيع ما تقرر.
стр. 1669
وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَهُ .. فَلَا خِيَارَ إِلَّا أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ، كَقَطْعِهِ بِجِنَايَةٍ سَابِقَةٍ فيَثْبُتُ الرَّدُّ فِي الأَصَحِّ،
ــ
وفي الكفارة ما أضر بالعمل إضرارًا بينًا.
وفي الأضحية والهدي والعقيقة ما نقص اللحم.
وفي النكاح ما نفر عن الوطء، وهو سبعة أشياء: الجنون، والجذام، والبرص، والجب، والعنة، والقرن، والرتق.
وفي الصداق إذا طلق قبل الدخول ما فات به غرض صحيح سواء كان الغالب في أمثاله عدمه أم لا.
وفي الإجارة ما يؤثر في المنفعة تأثيرًا يظهر به تفاوت في الأجرة.
وعيب الغرة كالمبيع.
وعيب الزكاة قيل: كالأضحية، والأصح: كالبيع والموهوب بعوض.
وينبغي أن يزاد قسم ثامن وهو المرهون، فالظاهر: أن عيبه ما نقص القيمة فقط.
قال: (ولو حدث بعده) أي: بعد القبض (.. فلا خيار)؛ لأنه بالقبض صار من ضمانه، وما رواه الحسن عن عقبة وسمرة ﵄: أن النبي ﷺ قال: (عهدة الرقيق ثلاث ليال) وفي رواية: (أربع)، فجوابه: أن الحسن لم يسمع من عقبة ﵁ شيئًا ولا من سمرة ﵁ إلا حديث العقيقة، لا جرم قال أحمد: لم يثبت في العهدة حديث، فإن حدث بعض القبض وقبل انقضاء الخيار .. كان الحكم كذلك.
قال: (إلا أن يستند إلى سبب متقدم، كقطعة بجناية سابقة فيثبت الرد في الأصح) نظرًا إلى سببه الذي استند إليه.
والثاني –وهو رأي ابن أبي هريرة-: لا يثبت فيه؛ لأنه قد تسلط على التصرف فيه
стр. 1670
بِخِلَافِ مَوْتِهِ بِمَرَضٍ سَابِقٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قُتِلَ بِرِدَّةٍ سَابِقَةٍ .. ضَمِنَهُ الْبَائِعُ فِي الأَصَحِّ
ــ
بالقبض فيدخل المبيع في ضمانه أيضًا، فعلى هذا: يرجع بالأرش.
وصورة المسألة: أن يكون المشتري جاهلًا بالسبب، فإن كان عالمًا .. فلا رد ولا أرش؛ لدخوله في العقد على بصيرة.
وقوله المصنف: (متقدم) أي: على القبض، سواء كان متقدمًا على العقد أم لا.
وقوله: (بجناية) تدخل فيها السرقة وقطع يد الغير عدوانًا؛ فإن الحدود من أنواع الجنايات.
قال: (بخلاف موته بمرض سابق في الأصح)؛ لأن المرض يتزايد فلا تتحقق إضافته إلى السابق فيكون من ضمان المشتري، والخلاف في هذه المسألة طريقان:
أشهرهما: القطع بما ذكره وأنه من ضمان المشتري، فلو عبر بالمذهب .. كان أولى.
والطريقة الثانية: أنه على الوجهين الآتيين فيما إذا قتل بردة.
والخلاف في المرض المخوف، أما غيره .. فلا ينسب الموت إليه.
والجراحة السارية كالمرض فيها الطريقان، وكذا الحامل إذا ماتت من الطلق: وعلى الأصح: يتعين الأرش إن جَهِل السبب، فإن كان عالمًا به .. فلا شيء.
وعلى الثاني: ينفسخ البيع ويرجع بالثمن كله كما في القتل بردة سابقة.
قال: (ولو قتل بردة سابقة .. ضمنه البائع في الأصح)؛ لأن التلف حصل بسبب كان في يده فأشبه ما إذا باع عبدًا مغصوبًا فأخذه المستحق منه، فعلى هذا: يرجع المشتري عليه بجميع الثمن.
والثاني: يضمنه المشتري؛ لأن القبض سلطه على التصرف ولا يخفى أن الكلام بعد القبض، فإن كان قبله .. انفسخ البيع.
ومؤنة تجهيز هذا العبد تخرج على الخلاف:
стр. 1671
وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ بَرَاءَتِهِ مِنَ الْعُيُوبِ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ عَنْ عَيْبٍ بَاطِنٍ بِالْحَيَوَانِ لَمْ يَعْلَمْهُ دُونَ غَيْرِهِ،
ــ
فعلى الأول: هي على البائع.
وعلى الثاني: على المشتري.
هذا إذا لم يعلم بالردة، فإن علم بها .. فالأصح: لا يرجع بشيء ولا ينفسخ البيع.
كل هذا تفريع على صحة بيع المرتد وهو المذهب، والوجهان في هذه المسألة هما الوجهان المتقدمان في القطع بجناية أو سرقة، لكن الحكم بكونه من ضمان البائع موجب هناك للرد وهنا لانفساخ البيع، والرجوع بالثمن في الموضعين والحكم بكونه من ضمان المشتري موجب الرجوع بالأرش في الموضعين.
قال: (ولو باع بشرط براءته من العيوب .. فالأظهر: أنه يبرأ عن عيب باطن بالحيوان لم يعلمه دون غيره) استدل الشافعي ﵁ لهذا الحكم بأمرين:
أحدهما: ما رواه مالك [٢/ ٦١٣]: (أن ابن عمر ﵄ باع غلامًا له بثمان مئة درهم وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالعبد داء لم تسمه لي فاختصما إلى عثمان بن عفان فقال: الرجل باعني عبدًا وبه داء لم يسمه لي، فقال عبد الله بن عمر: بعته بالبراءة، فقضى عثمان على عبد الله أن يحلف: لقد باعه العبد وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد، فباعه عبد الله بألف وخمس مئة درهم).
الأمر الثاني: أن الحيوان يغتذي بالصحة والسقم وتتحول طباعه، وقل ما يخلو عن عيب ظاهر أو باطن، فلو لم يقل بذلك .. أدى إلى أن لا يلزم بيع فيه أصلًا، بخلاف غير الحيوان، والشافعي ﵁ قال هنا: قلته تقليدًا لعثمان، والمراد: أن قوله لما انتشر .. وافق بعض الأقيسة وصار حجة.
والفرق بين المعلوم وغيره: أن كتمان المعلوم تلبيس فلا يبرأ منه، والفرق بين الظاهر والباطن: أن الظاهر يسهل الاطلاع عليه ويعلم غالبًا فأعطيناه حكم المعلوم وإن خفي على ندور، فقول المصنف: (دون غيره) راجع إلى الثلاثة المذكورة فلا
стр. 1672
وَلَهُ مَعَ هَذَا الشَّرْطِ الرَّدُّ بِعَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ
ــ
يبرأ عن غير الباطن وهو الظاهر، ولا عن غير الحيوان كالعقار والثياب، ولا عن غير الذي لم يعلمه وهو المعلوم.
والقول الثاني: يبرأ مطلقًا؛ لقول النبي ﷺ : (المؤمنون عند شروطهم).
فعلى هذا: إذا حدث عيب قبل القبض فله الرد به.
والثالث: لا يبرأ مطلقًا؛ لأنه خيار ثابت بالشرع فلا ينتفي بالشرط كسائر مقتضيات العقد، فلو ادعى أحدهما شرط البراءة وأنكره الآخر .. تحالفا.
تنبيهان:
أحدهما: حيث أبطلنا الشرط لا يبطل العقد في الأصح وإن كان على خلاف سائر الشروط المفسدة؛ لاشتهار القضية بين الصحابة، ومثله في عدم الإبطال بالشرط الفاسد ما سيأتي في (العمرى والرقبى).
الثاني: لا يكفي في ذكر العيب أن يقول: هو معيب، أو به جميع العيوب، أو لا ضمان سوى درك الحل كما يفعله كثير من الناس، فلابد من بيان العيب المعلوم.
قال الشيخ: وبعض الوراقين في زماننا يجعل بدل شرط البراءة: وأعلم البائع المشتري بأن بالمبيع جميع العيوب ورضي به، وهذا جهل؛ لأنه كذب ولا يفيد، لأن الصحيح: أن التسمية لا تكفي فيما يمكن معاينته، فذكره مجملًا بهذه العبارة كذكر ما يمكن معاينته بالتسمية من غير رؤية، فالقياس: أنه لا يفيد، ومتى وقع ذلك .. كان حكمه حكم شرط البراءة.
قال: (وله مع هذا الشرط الرد بعيب حدث قبل القبض)؛ لأن الأصل والظاهر: أنهما لم يريداه، وهذا لا خلاف فيه.
стр. 1673
وَلَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ عَمَّا يَحْدُثُ .. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ .. رَجَعَ بِالأَرْشِ، وَهُوَ: جُزْءٌ مِنْ ثَمَنِهِ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ نِسْبَةُ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنَ الْقِيمَةِ لَوْ كَانَ سَلِيمًا،
ــ
قال: (ولو شرط البراءة عما يحدث .. لم يصح في الأصح)؛ لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته.
والثاني: يصح بطريق التبع.
والثالث: إن أفرد ما لم يحدث .. لم يصح، أو ضم إليه القديم .. صح تبعًا.
قال: (ولو هلك المبيع عند المشتري أو أعتقه ثم علم العيب .. رجع بالأرش)؛ لامتناع الرد، إذ لا مردود، ولا يمكن إسقاط حق المشتري فرجعنا إلى الأرش، وكذلك الوقف والاستيلاد؛ لأنهما إتلاف حكمي، اللهم إلا أن يكون العتق مشروطًا في البيع فأعتقه أو أعتق بالقرابة .. فوجهان في (الرافعي) من غير ترجيح، ورجح الشيخ الرجوع بالأرش فيهما.
ومحل ما قاله المصنف في حق عتق العبد المسلم، أما الكافر .. فلا؛ لأنه لم ييأس من رده، فإنه قد يلتحق بدار الحرب فيسترق فيعود إلى الملك.
هذا إذا كان معتقه كافرًا، فإن كان مسلمًا .. فالأصح: أنه لا يجوز استرقاقه.
قال: (وهو: جزء من ثمنه نسبته إليه نسبة ما نقص العيب من القيمة لو كان سليمًا) عبارة (المحرر) و (الشرح) و (الروضة) إلى تمامها: ولابد منه؛ لأن النسبة لابد لها من منسوب إليه وهي مذكورة هنا مرتين: فالأولى: كاملة، والثانية: ذكر فيها المنسوب فقط.
فقوله: (وهو) أي: الأرش (جزء من ثمنه) أي: من ثمن المبيع (نسبته إليه) أي: نسبة ذلك الجزء إلى الثمن (نسبة ما نقص العيب) أي: مثل نسبة ما نقصه
стр. 1674
وَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ أَقَلِّ قِيَمِهِ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ إِلَى الْقَبْضِ
ــ
العيب (لو كان سليمًا) أي: لو كان المبيع سليمًا.
مثاله: القيمة دون العيب مئة وبالعيب تسعون، فالناقص بالعيب العُشر، فينسب ذلك إلى الثمن ونوجب عشرة وهو الأرش، فإن كان الثمن مئتين .. كان الأرش عشرين، وإن كان خمسين .. كان خمسة.
وإنما كان الرجوع بجزء من الثمن، لأنه لو بقي كل المبيع عند البائع .. كان مضمونًا عليه بالثمن، فإن احتبس جزءًا منه .. كان مضمونًا عليه بجزء من الثمن، فالقيمة معيار لمعرفة نسبة الأرش من الثمن لا لانجبار عين ما نقص؛ فإنه قد يستغرق الثمن في بعض الصور.
قال: (والأصح: اعتبار أقل قيَمه من يوم البيع إلى القبض)؛ لأنه لو كان يوم البيع أكثر .. فما نقص مضمون على البائع، وإن كان أقل .. فما زاد على ملك المشتري فلا يدخل في التقويم.
والطريق الثاني في المسألة ثلاثة أقوال:
أصحها: هذا.
والثاني: أن الاعتبار بيوم العقد؛ لأن الثمن قد قابل المبيع يومئذ.
والثالث: بقيمة يوم القبض؛ لأنه وقت دخول المبيع في ضمانه فكان الصواب التعبير بالمذهب.
وقوله: (قيمه) يجوز أن يقرأ بالتنوين على أنه مفرد، وأن يقرأ بفتح الياء وترك التنوين على أنه جمع.
ولو أبرأ البائع المشتري من بعض الثمن .. فهل يكون الأرش منسوبًا إلى كل الثمن أو إلى الباقي؟ فيه وجهان.
стр. 1675
وَلَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ دُونَ الْمَبِيعِ .. رَدَّهُ وَأَخَذَ مِثْلَ الثَّمَنِ أَوْ قِيمَتَهُ. وَلَوْ عَلِمَ الْعَيْبَ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ إِلَى غَيْرِهِ .. فَلَا أَرْشَ فِي الأَصَحِّ،
ــ
قال: (ولو تلف الثمن دون المبيع .. رده) أي: رد المبيع لوجوده خاليًا من الموانع.
ولو كان الثمن باقيًا لكن امتنع نقله من شخص إلى شخص بإعتاق أو كتابة أو استيلاد، أو انتقل إلى آخر ببيع أو غيره، أو تعلق به حق لآخر كرهن وشفعة .. كان حكمه حكم التالف، ولو زال وعاد .. فكالباقي على الأصح.
قال: (وأخذ مثل الثمن أو قيمته) المراد: مثله إن كان مثليًا أو قيمته إن كان متقومًا؛ لأنه لو كان باقيًا .. استحقه، فإذا تلف .. ضمنه بذلك قياسًا على غيره، والمعتبر في القيمة: أقل ما كانت من يوم البيع إلى القبض.
هذا في الثمن المعين، أما المنقود عما في الذمة .. ففي تعينه بقبض المشتري وجهان: قال الشيخ: ينبغي أن يكون أصحهما: التعيين، ولم يفرقوا هنا بين أن ينقده في المجلس أو بعده، والأول أولى بالتعيين.
ولو اعتاض عن الثمن الذي في الذمة ثوبًا ثم رد المبيع .. فالأصح: أنه لا يرجع بالثوب بل بالثمن، وكذا لو تلف المبيع قبل قبضه .. رجع في الثمن دون الثوب على الأصح.
ولو أبرأه من جميعه .. جزم القاضي بجواز الرد؛ للتخلص من عهدة المبيع.
ولو وهب البائع المشتري الثمن .. فقيل: يمتنع الرد، وقيل: يرد ويطالب ببدل الثمن.
ولو تبرع أجنبي بالثمن فردت السلعة بعيب .. رد الثمن على المشتري في الأصح.
قال: (ولو علم العيب بعد زوال مكله إلى غيره .. فلا أرش في الأصح)؛ لعدم اليأس من الرد، وهذه العلة عليها الأكثرون، وعلله أبو إسحاق وابن الحداد
стр. 1676
فَإِنْ عَادَ الْمِلْكُ .. فَلَهُ الرَّدُّ، وَقِيلَ: إِنْ عَادَ بِغَيْرِ الرَّدِّ بِعَيْبٍ .. فَلَا رَدَّ. وَالرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ،
ــ
باستدراك الظُّلامة؛ فإنه بالبيع غَبَنَ كما غُبِنَ.
وخرجوا على العلتين إذا زال بلا عوض:
فعلى الأصح: لا أرش.
وعلى الثاني: يجب كما لو مات.
وقال بعض الأصحاب: إن وهبه من ولده .. فلا أرش قطعًا؛ لقدرته على ارتجاعه، والأصح: أنها كالهبة من غيره.
قال: (فإن عاد الملك .. فله الرد)؛ لزوال المانع.
قال: (وقيل: إن عاد بغير الرد بعيب .. فلا رد) قائل هذا هو المعلل باستدراك الظلامة بالبيع، فيقول هنا: ذلك الاستدراك قد زال فيما إذا عاد بالرد ولم يزل إذا عاد بغيره.
قال: (والرد على الفور)؛ لأنه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المالك فكان على الفور كالشفعة، فإذا أخره بلا عذر .. سقط.
واشتراط الفور محله في العقد على الأعيان، أما الواجب في الذمة ببيع أو سلم إذا قبضه فوجده معيبًا .. الأوجه: أنه لا يعتبر فيه الفور؛ لأنه ليس معقودًا عليه، وإنما يجب الفور فيما يؤدي رفعه إلى رفع العقد، فإن قال: لم أعلم أن لي الرد، فإن قرب إسلامه أو نشأ ببادية بعيدة .. قبل منه، وإلا .. فلا.
ولو قال: لم أعلم أنه على الفور .. قال الرافعي: يقبل، وقال الغزالي والمصنف: إنما يقبل هنا وفي الشفعة ممن يخفى عليه مثله.
стр. 1677
فَلْيُبَادِرْ عَلَى الْعَادَةِ. فَلَوْ عَلِمَ وَهُوَ يُصَلِّي أَوْ يَاكُلُ .. فَلَهُ تَاخِيرُهُ حَتَّى يَفْرُغَ، أَوْ لَيْلًا .. فَحَتَّى يُصْبِحَ. فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ بِالْبَلَدِ .. رَدَّهُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ
ــ
وقال الشيخ: ينبغي أن يقبل ممن يخفى عليه ومن مجهول الحال، لكن يستثنى من ذلك العبد إذا أبق فإنما يرد بعد عوده كما تقدم، ولا أرش في الحال في الأصح، ولا يسقط رده بالتأخير قبل عوده.
قال: (فليبادر على العادة) فلا يكلف سرعة السير والركض والعدو، ولا في وقت لم تجر العادة فيه بمثل ذلك، فلو لقي البائع فسلم عليه .. لم يبطل رده على الصحيح، فإن أخذ في محادثته .. بطل.
قال: (فلو علم وهو يصلي أو يأكل .. فله تأخيره حتى يفرغ)؛ لأنه لا يعد بذلك مقصرًا، ولا فرق بين صلاة الفرض والنفل، ولا بين الشرب والأكل، وكذلك لو كان يقضي حاجة، أو يشتغل بأسباب المسير إلى الخروج ولبس الثياب، أو كان في الحمام كما سيأتي في (الشفعة) إن شاء الله تعالى.
قال: (أو ليلًا .. فحتى يصبح)؛ لعدم التقصير.
قال ابن الرفعة وغيره: هذا إذا لم يتمكن في الليل من الحاكم ولا الشهود، فإن تمكن .. فكالنهار، وينبغي الجزم به إذا جمعهما بيت أو مسجد أو نحو ذلك، ولم يتعرضوا هنا لكون المطر أو الوحل الشديدين ونحوهما من الأعذار، وقد تعرض المصنف في (باب الشفعة) للكلام على المبادرة أيضًا.
قال: (فإن كان البائع بالبلد .. رده عليه)؛ لأنه الأصل، سواء كان بائعًا عن نفسه أو عن غيره بوصاية أو ولاية، وكذا بوكالة، وله أن يرد على الموكل أيضًا إذا قلنا: إنه يطالب بالعهدة.
قال: (بنفسه أو وكيله)؛ لأنه قائم مقامه هذا إذا لم يحصل بالتوكيل تأخير.
стр. 1678
أَوْ عَلَى وَكِيلِهِ، وَلَوْ تَرَكَهُ وَرَفَعَ الأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ .. فَهُوَ آكَدُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا .. رَفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ
ــ
قال: (أو على وكيله) إن كان له وكيل؛ لما قلناه.
قال: (ولو تركه ورفع الأمر إلى الحاكم .. فهو آكد)؛ لأن المالك ربما أحوجه إلى المرافعة كما قيل [من المتقارب]:
رأى الأمر يفضي إلى آخر .... فصير آخره أولا
ومعنى الرفع إلى الحاكم تقريبه منه، قال الجوهري وغيره.
وقال الغزالي: يبدأ بالبائع، فإن عجز .. أشهد، فإن عجز .. فالحاكم.
ومقتضى إطلاق المصنف والرافعي: أنه لا فرق في التخيير بين أن يكون الاطلاع بحضرة أحدهم أو في غيبة الجميع.
وقال ابن الرفعة: إذا علم بحضور أحدهم .. فالتأخير لغيره تقصير وهو ظاهر، ثم إذا أتى الحاكم .. لا يدعي: أن غريمه غائب عن المجلس وهو في البلد، وإنما يفسخ بحضرته ثم يطلب غريمه.
قال الشيخ: وإذا قلنا: إن القاضي لا يقضي بعلمه .. فأي فائدة لفسخه بحضرته مع غيبة غريمه؟ فلعل ما ذكروه مفرع على القضاء بالعلم.
قال: (وإن كان غائبًا .. رفع إلى الحاكم) هذا لا خلاف فيه، وإطلاق الرافعي وغيره الغيبة يشمل قليل المسافة وكثيرها، وتوقف فيه ابن الرفعة.
وكيفية الرفع إلى الحاكم: أن يدعي شراء ذلك الشيء من فلان الغائب بثمن معلوم وأنه أقبضه الثمن ثم ظهر العيب وفسخ البيع، ويقيم البينة على ذلك في وجه مسخر ينصبه القاضي [ويحلفه القاضي] مع البينة؛ لأنه قضاء على غائب، ثم يأخذ
стр. 1679
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الإِشْهَادُ عَلَى الْفَسْخِ إِنْ أَمْكَنَهُ حَتَّى يُنْهِيَهُ إِلَى الْبَائِعِ أَوِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِشْهَادِ .. لَمْ يَلْزَمْهُ التَّلَفُّظُ بِالْفَسْخِ فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ الاِسْتِعْمَالِ، فَلَوِ اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ أَوْ تَرَكَ عَلَى الدَّابَّةِ سَرْجَهَا أَوْ إِكَافَهَا .. بَطَلَ حَقُّهُ،
ــ
المبيع ويضعه عند عدل ويبقى الثمن دينًا على الغائب، فيقضيه القاضي من ماله، فإن لم يجد له سوى المبيع .. باعه فيه.
قال: (والأصح: أنه يلزمه الإشهاد على الفسخ إن أمكنه حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم)؛ لأنه المقدور عليه.
والثاني: لا يلزمه لأنه إذا كان طالبًا للبائع أو الحاكم لا يعد مقصرًا.
والمراد بـ (الإشهاد): الإشهاد على طلب الفسخ كما اقتضاه كلام الرافعي في (الشفعة).
ومقتضى كلام الغزالي هنا: أنه على نفس الفسخ، قال: ويشهد اثنين، قال ابن الرفعة: وهذا على سبيل الاحتياط؛ لأن الواحد مع اليمين كاف، ثم إذا أشهد على الفسخ حتمًا أو ندبًا .. لم يحتج بعده إلى إتيان حاكم ولا بائع إلا للمطالبة، واختاره الشيخ، لكن قول المصنف: (حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم) يأبى ذلك، ويقتضي: أن وجوب الذهاب بحاله.
قال: (فإن عجز عن الإشهاد .. لم يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح)؛ لأن الكلام الذي يقصد به إعلام الغير يبعد إيجابه من غير سامع.
والثاني: يلزمه كما أن البيع لا يكون إلا بلفظ كذلك الفسخ، ونقله المتولي عن عامة الأصحاب، ويجريان في نظيره من الشفعة.
قال: (ويشترط ترك الاستعمال، فلو استخدم العبد أو ترك على الدابة سرجها أو إكافها .. بطل حقه)؛ لدلالة ذلك على الرضا.
стр. 1680
وَيُعْذَرُ فِي رُكُوبِ جَمُوحٍ يَعْسُرُ سَوْقُها وَقَوْدُهَا
ــ
وقيل: إن كان يسيرًا كاسقني أو ناولني الثوب أو أغلق الباب .. فلا أثر له.
ولو خدمه العبد من غير أن يطلب ذلك منه لكنه سكت .. فيظهر: أن لا يبطل حقه، كما لا يحنث إذا حلف: لا يستخدمه.
وقيل: لا يضر كل انتفاع حتى وطء الثيب.
وقيل: كل انتفاع ما لم يدل على الرضا كلبس الثوب والوطء، واختاره الشيخ.
و (الإكاف): البرذعة.
وأما اللجام والعذار .. فيعذر في تركهما، وكذا السرج إذا كان يضرها قلعه، ومحل ذلك: ما إذا لم يشترهما معًا، فإن اشتراهما .. ردهما معًا، وللمشتري علفها وسقيها، فلو وقفها ليحلبها .. بطل حقه.
قال: (ويعذر في ركوب جموح يعسر سوقها وقودها)؛ للحاجة.
و (الجموح): التي ترَكب رأسَها فلا يردها اللجام.
وقيل: يعذر وإن لم يعسر.
هذا إذا ركبها للرد أو السقي، فإن ركبها استعمالًا .. بطل حقه على النص.
ولو علم العيب وهو راكب فاستدام .. فكابتداء الركوب.
ولو علم عيب الثوب وهو لابسه في الطريق .. لم يلزمه نزعه.
فروع:
مؤنة الرد على المشتري سواء تلفظ بالفسخ أم لا؛ لأن يده يد ضمان قبل الفسخ وبعده كما إذا فسخ بخيار الشرط والتحالف والفلس .. فمؤنة الرد في الجميع عليه،
стр. 1681
وَإِذَا سَقَطَ رَدُّهُ بِتَقْصِيرٍ .. فَلَا أَرْشَ. وَلَوْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ .. سَقَطَ الرَّدُّ قَهْرًا،
ــ
هذا هو المعروف المجزوم به.
وفي (شرح المهذب) للعراقي: أنها بعد الفسخ على البائع؛ لأنه عاد إلى ملكه، وهو غريب.
وينبغي أن يقال: إن كان البائع عالمًا بالعيب وأخفاه .. فمؤنة الرد عليه، وإلا .. فعلى المشتري.
ومؤنة رد المرهون على الراهن، ومؤنة تسليم الموصى به إلى الموصى له، على الموصى له ومؤنة رد العين المستأجرة بعد المدة فيه خلاف يأتي.
والصداق بعد التشطير أو الفسخ على الزوج؛ لأنه أمانة في يدها، هكذا قاله القاضي، والأصح: أنه مضمون عليها، ثم المراد بالرد: الرد إلى موضع التسليم.
ولو تراضيا على الرد بعوض .. لم يصح في الأصح، ولا يسقط به حق الرد على الأصح.
ولو اختلفا في الثمن بعد الرد .. فالصحيح: أن القول قول البائع بيمينه.
ولو أبق قبل القبض فأجاز المشتري البيع ثم أراد الفسخ .. فله ذلك ما لم يعد إليه، ذكره الرافعي في آخر (الإجارة).
قال: (وإذا سقط رده بتقصير .. فلا أرش)؛ لأنه إنما يعدل إليه للضرورة وهذا مقصر.
قال: (ولو حدث عنده عيب .. سقط الرد قهرًا) أي: القهري؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر.
نعم؛ إذا كان العيب هو التزويج فقال الزوج: إن ردك المشتري بعيب فأنت طالق وكان ذلك قبل الدخول .. فله الرد لزوال المانع، ولو كان التزويج من البائع .. فكان كتعليق الطلاق على الرد، ولو لم يعلم بالعيب القديم حتى زال الحادث .. فله الرد في
стр. 1682
ثُمَّ إِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ .. رَدَّهُ الْمُشْتَرِي أَوْ قَنِعَ بِهِ، وَإِلَّا .. فَلْيَضُمَّ الْمُشْتَري أَرْشَ الْحَادِثِ إِلَى الْمَبِيعِ وَيَرُدَّ، أَو يَغْرَمَ الْبَائِعُ أَرْشَ الْقَدِيمِ وَلَا يَرُدَّ. فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَحَدِهِمَا .. فَذَاكَ، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: إِجَابَةُ مَنْ طَلَبَ الإِمْسَاكَ
ــ
الأصح وكأنه لم يكن، ولو زال الحادث بعد أخذ أرش القديم .. فلا فسخ على المذهب، ولو زال القديم قبل أخذ الأرش .. لم يأخذه في الأصح، وبه جزم الشيخان، ولو زال بعد أخذه .. رده على المذهب.
واحترز بقوله: (عنده) عما لو حدث قبل القبض؛ فإنه لا يمنع الرد القهري.
قال: (ثم إن رضي به البائع .. رده المشتري أو قنع به) أي: بلا أرش؛ لأن المانع من الرد وهو ضرر البائع قد زال برضاه فصار كما لو لم يحدث فيه عيب.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يرض به البائع معيبًا (.. فليضم المشتري أرش الحادث إلى المبيع ويرد، أو يغرم البائع أرش القديم ولا يرد)؛ لأن كلًا من الأمرين فيه رعاية الجانبين وجمع بين المصلحتين.
قال: (فإن اتفقا على أحدهما .. فذاك)؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما.
قال: (وإلا .. فالأصح: إجابة من طلب الإمساك) سواء كان بائعًا أو مشتريًا؛ لما فيه من تقرير العقد وهو في هذه الحالة من طلب الرجوع بأرش العيب القديم.
والثاني: يجاب البائع مطلقًا.
والثالث: يجاب المشتري مطلقًا.
فروع:
الأول: اشترى حليًا بجنسه ثم اطلع على عيب قديم .. فالأصح: يفسخ البيع ويرد الحلي مع أرش النقص الحادث ولا يلزم الربا؛ لأن المقابلة بين الحلي والثمن وهما متماثلان.
الثاني: أنعل الدابة ثم علم بها عيبًا قديمًا، فإن لم يعيبها نزعُ النعل .. فله نزعه والرد، فإن لم ينزع .. لم يجب على البائع قبول النعل، وإن كان النزع يعيب الحافر
стр. 1683
وَيَجِبُ أَنْ يُعْلِمَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى الْفَوْرِ بِالْحَادِثِ لِيَخْتَارَ. فَإِنْ أَخَّرَ إِعْلَامَهُ بِلَا عُذْرٍ .. فَلَا رَدَّ وَلَا أَرْشَ. وَلَوْ حَدَثَ عَيْبٌ لَا يُعْرَفُ الْقَدِيمُ إِلَّا بِهِ كَكَسْرِ بَيْضٍ.
ــ
فنزع .. بطل حقه من الرد والأرش، وإن ردها مع النعل .. أجبر البائع على القبول وليس للمشتري طلب قيمة النعل، والأصح: أن ترك النعل إعراض، فإذا سقط .. أخذه المشتري.
الثالث: كان الحادث صبغ الثوب وزادت به القيمة، فأراد البائع إعطاء الأرش، وأراد المشتري رد الثوب وأخذ قيمة الصبغ أو عكسه .. فالمجاب البائع على الأصح، وكذلك حكم القصارة إن جعلناها عينًا، وإلا .. فيرد الثوب ولا شيء له كالزيادة المتصلة.
قال: (ويجب أن يعلم المشتري البائع على الفور بالحادث ليختار) أي: هل يقبله بلا أرش أو لا؟
قال: (فإن أخر إعلامه بلا عذر .. فلا رد ولا أرش)؛ لتقصيره بترك الواجب، اللهم إلا أن يكون الحادث قريب الزوال غالبًا كالرمد والحمى .. فلا يعتبر الفور على أحد القولين، بل له انتظار زواله، ليرده سليمًا عن العيب الحادث، ولم يفرقوا هنا بين مدعي الجهل بفورية الإعلام بالعيب الحادث أم لا، وينبغي أن لا يصدق في ذلك، إلا أن يكون ممن يخفي عليه مثله، ولو علم العيب بعد رهنه .. فلا رد في الحال.
وأما الأرش، فإن عللنا باليأس .. لم يرجع به، وإلا .. رجع.
والإجارة كالرهن إن لم نجوز بيع المستأجر، فإن جوزناه .. فكعيب يرجى زواله.
قال: (ولو حدث عيب لا يعرف القديم إلا به ككسر بيض) أي: بيض النعام؛ لأن غيره لا قيمة له بعد الكسر فلا يتأتى فيه الأرش.
стр. 1684
وَرَانِجٍ، وَتَقْويرِ بِطِّيخٍ مُدَوِّدٍ .. رَدَّ وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ فِي الأَظْهَرِ. فَإِنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ الْقَدِيمِ بِأَقَلَّ مِمَّا أَحْدَثَهُ .. فَكَسَائِرِ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ
ــ
قال: (ورانج) هو: الجوز الهندي، وهو بكسر النون، وهو الشجرة الطيبة في القرآن، وقيل: هي النخلة.
قال: (وتقوير بطيخ مدود .. رد ولا أرش عليه في الأظهر)؛ لأن البائع سلطه على كسره وهو معذور في تعاطي ذلك لاستكشاف العيب.
والثاني: يرده ويرد معه الأرش رعاية للجانبين.
والثالث: لا يرد أصلًا كسائر العيوب الحادثة.
والبطيخ الأجود فيه كسر الباء، وحكي فتحها، وطبيخ بتقديم الطاء على الباء، وهو: ما عدا الأخضر.
ومدوِّد ومسوِّس حيث ورد بكسر الواو.
قال: (فإن أمكن معرفة القديم بأقل مما أحدثه .. فكسائر العيوب الحادثة)؛ لعدم احتياجه إلى ذلك، ومثله في (المحرر) بما إذا قور البطيخ الحامض وكان يمكنه الوقوف على حاله بغرز شيء فيه، وفيه وجه؛ لعسر التمييز، وكذلك لو اشترط في الرمان الحلاوة فبان حامضًا بالغرز .. رد لا بالشق.
تتمة:
اشترى ثوبًا على أنه عشرة أذرع فخرج دونها أو فوقها .. ففي الصحة قولان: أظهرهما: يصح وللمشتري عند النقص الخيار، فإن أجاز .. فبالقسط أو بالكل؟ فيه قولان: أظهرهما: الثاني، وللبائع الخيار على قول الصحة في حال الزيادة على الأصح، فإن أجاز .. فالجميع للمشتري.
стр. 1685
فَرْعٌ:
اشْتَرَى عَبْدَيْنِ مَعِيبَيْنِ صَفْقَةً .. رَدَّهُمَا، وَلَوْ ظَهَرَ عَيْبُ أَحَدِهِمَا .. رَدَّهُمَا لَا الْمَعِيبَ وَحْدَهُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَ رَجُلَيْنِ مَعِيبًا .. فَلَهُ رَدُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَلَوِ اشْتَرَيَاهُ .. فَلِأَحَدِهِمَا الرَّدُّ فِي الأَظْهَرِ
ــ
قال: (فرع:
اشترى عبدين معيبين صفقة .. ردهما) بالاتفاق كالعين الواحدة، فلو أراد إفراد أحدهما بالرد .. ففيه القولان الآتيان فيما إذا كان العيب بأحدهما.
قال: (ولو ظهر عيب أحدهما .. ردهما)؛ لأنهما صفقة واحدة.
قال: (لا المعيب وحده في الأظهر)؛ لما فيه من تفريق الصفقة على البائع من غير ضرورة.
والثاني: له ذلك؛ لاختصاصه بالعيب.
وعلى هذا: يسترجع قسطه من الثمن قطعًا؛ لأنه إن استرجع الجميع .. بقي الباقي في يده بلا مقابل، وإن لم يسترجع شيئًا .. فلا فائدة في الرد.
وقال ابن الرفعة: قد تكون فائدته التخلص من عهدته.
وأفاد المصنف بتصوير المسألة بالعبدين: أن المبيع لو كان شيئًا واحدًا كدار أو عبد وأراد رد بعضه .. لم يكن له ذلك، اللهم إلا أن يكون باع البعض من البائع .. فله رده عليه كما صرح به القاضي حسين.
قال: (ولو اشترى عبد رجلين معيبًا .. فله رد نصيب أحدهما)؛ لأن الصفقة تتعدد بتعدد البائع.
هذا إذا اشتراه منهما، فإن اشتراه من وكيلهما .. جاء الخلاف في أن العبرة بالوكيل أو الموكل.
قال: (ولو اشترياه .. فلأحدهما الرد في الأظهر) وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد، ومنه أخذ: أن الصفقة تتعدد بتعدد المشتري وهو الأصح، وكان
следующие страницы →